← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

قبول الحق وترك الباطل، قال الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فهذه الطريقة التي رسمها الله لعباده فيها الخير العظيم فيها توجيه الناس وإرشادهم بالعلم والحكمة، فإن الحكمة هي العلم، وذلك بوضع الأمور في مواضعها عن علم وبصيرة، ثم الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب ثم الجدال بالتي هي أحسن؛ لإزالة الشبه وإيضاح الحق، وبذلك يحصل المطلوب ويزول المرهوب، بخلاف الشدة والغلظة فإنه يترتب عليها شر عظيم وعواقب وخيمة، منها عدم قبول الحق، ومنها أنه قد يقع بذلك منكرات أخرى، قال الله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) وقال لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) فالواجب على الدعاة أن يسلكوا المسالك التي يرونها ناجحة مفيدة صالحة لإرشاد المدعوين وتوجيههم إلى الخير، ولا شك أن الحكمة في الدعوة والتبصر فيها من أهم المهمات، والدعوة إلى الله أحسن ما بذله المسلم في نفع غيره، قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٤)

стр. 8577

وموسم الحج من أحسن مواضعها وأوقاتها، فالحج فرصة للدعاة إلى الله لينشروا فيه دعوة الحق ويرشدوا فيه الخلق إلى ما خلقوا له من توحيد الله وطاعته، ويحذروهم عما نهى الله عنه من سائر الأخلاق والأعمال، فهي نعمة من الله عظيمة على من دعا إلى الله ، ونعمة من الله عظيمة على المدعوين، فنسأل الله أن يجزي الداعين خيرا وأن يثبتهم عن دعوتهم، وأن يزيدهم علما إلى علمهم وخيرا إلى خيرهم، وأن يجعلهم هداة مهتدين وأن ينفع المدعوين بما سمعوا وبما شاهدوا وأن يرزقهم البصيرة والفقه في الدين، كما أسأله سبحانه أن يجزي ولاة أمرنا عما فعلوا وبذلوا من الخير في إعانة الدعاة على أداء واجبهم وفي إعانة الحجاج على أداء مناسكهم، نسأل الله أن يجزيهم على ذلك الجزاء الحسن وأن يضاعف مثوبتهم وأن يزيدهم من كل خير وأن يعينهم على إزالة كل شر. وإن واجب العلماء النصيحة لله ولعباده والنصيحة لولاة الأمور بالمكاتبة والمشافهة للأمير والرئيس، لكل ولي أمر من ملك أو رئيس جمهورية أو أمير أو رئيس عشيرة أو جماعة إلى غير ذلك، فكل من له رئاسة وكل من له شيء يستطيع أن

стр. 8578

يتصرف فيه، هو جدير بأن ينصح ويوجه، حتى يبذل جهوده في من تحت يديه، هذا واجب العلماء أينما كانوا في مشارق الأرض ومغاربها وفي هذه الدولة، وفي هذه البقعة بصورة خاصة وفي بقاع الدنيا عامة، والواجب على العلماء أن يرشدوا الناس إلى توحيد الله وطاعته ويتعاونوا مع ولاة الأمور بالحكمة والأسلوب الحسن والكلام الطيب والنصيحة الطيبة بالمشافهة والمكاتبة، واجتناب الألفاظ والوسائل التي قد تنفر من الحق وقد تضر الدعوة، يجب على العلماء أينما كانوا أن يكونوا بصيرين بأمر الدعوة، وأن يتحروا الأسباب والوسائل التي يرجى من ورائها حصول المطلوب، وأن يحذروا كل سبب وكل وسيلة يخشى من ورائها عدم حصول المطلوب، أو حصول ضده، هذا هو الواجب على الجميع. وفي مكة المكرمة كان نبينا ﵊ يدعو الناس بالكلام الطيب والأسلوب الحسن حسب الطاقة والإمكان، ويتابع البعد عن كل ما يضر الدعوة، وهكذا لما هاجر إلى المدينة فعل ذلك حتى شرع الله الجهاد وأعطاه قوة، فعند ذلك جاهد الناس وشرع في قتال الكفار إلى أن يستجيبوا للحق، وعلى الدعاة إلى الله أن يسلكوا مسلك الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وأن يجتهدوا في إيصال الدعوة إلى المدعوين بالطرق التي يرجى منها حصول المطلوب، وإذا قوي من له سلطان قام

стр. 8579

على تنفيذ الحق بالقوة بطريقة يحصل بها المطلوب ولا يحصل منها ضده، وهذا هو الواجب على ولاة الأمور أن يقيموا الحق بالطريقة التي يمكن بها تنفيذه بدون حصول ما هو شر ومنكر. والواجب على الدعاة إلى الله أن يبلغوا ولاة الأمور الحق بالوسائل الكتابية والشفهية حتى يحصل التعاون بين الجميع بين السلطان وبين الأمير وبين كبير القبيلة وبين كبير الأسرة، حتى يحصل التعاون بين الجميع بالأسلوب الحسن والدعوة المباركة، ولا شك أن الدعوة إلى الله يدخل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن الدعوة تدخل فيها الأمر والنهي عند الإطلاق، كما قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (١) وهكذا قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (٢) تعم الدعاة وتعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعم كل من قام بالإصلاح والدعوة إلى الله ، في درس أو مجلس أو غير ذلك، وهكذا الأمر بالمعروف إذا أطلق دخلت فيه الدعوة، كما في قوله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) فالواجب على كل إنسان أن

стр. 8580

يبذل وسعه في تنفيذ الحق حسب طاقته، فالسلطان عليه واجبه الأعظم حسب طاقته، والأمير في القرية أو البلد أو القبيلة عليه تنفيذ الحق حسب طاقته بالفعل والقول جميعا، وكبير الأسرة وصاحب البيت عليه تنفيذ الحق بالقول وبالعمل حسب طاقته ومع أولاده وأهله، وهكذا كل إنسان عليه أن يعمل حسب طاقته، كما قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وكما قال ﵊: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢) » ، فمن كان يستطيع بيده مثل السلطان والأمير فيما حدد له، والهيئة فيما حدد لها، وصاحب البيت فيما يقدر عليه نفذ الأمر بيده، ومن كان بصفة أخرى نفذ بالكلام والتوجيه والإرشاد وبالتي هي أحسن حتى يحصل الحق وحتى يزول الباطل، وعليه أن يستمر ولا ييأس ويرجو ما عند الله من المثوبة فيصبر، كما قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) هذه صفة الرابحين والمؤمنين السعداء، إيمان

стр. 8581

صادق وعمل صالح وتواص بالحق وتواص بالصبر، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٢) » ، ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) فالواجب نصر الله والعناية بأمره والاجتهاد في ذلك، ويشرع للمؤمن أن يجتهد في أن يكون في حاجة أخيه الدينية والدنيوية، وأن يعينه على الخير حسب طاقته، وبهذا تجتمع القلوب ويحصل التعاون والتآلف والمحبة في الله، وكثرة الخير وقلة الشر. فنسأل الله أن يوفق المسلمين لما يرضيه وأن يوفقنا جميعا إلى كل ما فيه صلاح العباد والبلاد أينما كانوا، كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع المسئولين لما يرضيه في كل مكان وأن يصلح بطانتهم وأن يصلح العلماء ويعينهم على أداء الواجب، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمور المسلمين في كل مكان للحكم بشريعته والتحاكم إليها والفقه فيها، كما أسأله أن يوفق ولاة أمرنا لكل

стр. 8582

خير وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وأن ينصر بهم الحق، وأن يوفقهم لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وأن يوفق علماءنا وجميع المسلمين للتعاون على البر والتقوى إنه خير مسئول. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 8583

الحج المبرور الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد بن عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد (١) : فأحييك أيها القارئ الكريم بتحية الإسلام تحية من عند الله مباركة طيبة، فالسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وأهنئك بما يسر الله لك من حج بيته الحرام الذي أوجبه الله على المستطيعين من عباده المكلفين بقوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وقد روى مسلم ﵀ في صحيحه «عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى

стр. 8584

قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذورني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه (١) » . والحج من الأعمال الفاضلة التي يضاعف الله بها الأجور ويغفر بها الذنوب. روى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن أبي هريرة ﵁ قال: «سئل النبي ﷺ أي العمل أفضل قال: إيمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور (٢) » . والحج المبرور هو الذي لا يرتكب فيه صاحبه معصية لله، كما يدل على ذلك قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٣) » متفق عليه.

стр. 8585

فالحج فرصة عظيمة يجود الله فيها على عباده المؤمنين بالمغفرة والرحمة والرضوان والعتق من النار، فطوبى لمن كان حجه مبرورا فلم يرفث ولم يفسق ولم يجادل إلا بالتي هي أحسن واستبق إلى الخيرات، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) هذا وأقدم إلى الحجاج الكرام هذه الأعداد الجديدة من مجلة التوعية الإسلامية في الحج للسنة العاشرة، والتي تصدرها الأمانة العامة لهيئة التوعية الإسلامية في الحج التابعة للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية؛ لهدف توعية المسلمين وتبصيرهم بأمور دينهم الحنيف وخاصة ما يتصل منها بالعقيدة والعبادة والأخلاق وعلى الأخص ما يتصل بمناسك الحج، حتى يؤدوا حجهم على نور من كتاب ربهم المبين، وهدى من سنة نبيهم ﷺ الأمين، وهي إحدى

стр. 8586

منجزات المملكة العربية السعودية والخدمات التي تؤديها حكومتها الموفقة لحجاج بيت الله الحرام والمسلمين في كل مكان، راجين من المولى القدير أن ينفع بها الحجاج، وكل من اطلع عليها من المسلمين. وبهذه المناسبة الجليلة فإني أوصيكم ونفسي وكل من بلغته هذه النصيحة بتقوى الله في جميع الأحوال والتعرض دائما لنفحاته سبحانه، فإن لله تعالى في أيام دهرنا نفحات يصيب بها من يشاء من عباده، فلنستبق إلى الخيرات، ولننتهز المناسبات الفاضلة فنشغلها بطاعة الله والعمل بما يرضيه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١) والله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) وروى الترمذي ﵀ بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب

стр. 8587

ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر (١) » . وأنتم أيها الإخوة قد جئتم من بلاد بعيدة وتركتم الأهل والأوطان تبتغون فضلا من ربكم ورحمة، فأحسنوا نياتكم وأخلصوا أعمالكم لله ربكم فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) ويقول لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) وتحروا سنة نبيكم ﷺ فيما تفعلون وفيما تذرون فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٥) ويقول عز من قائل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٦) وتجنبوا البدع في الدين، ففي الحديث المتفق على صحته عن عائشة - رضي

стр. 8588

الله عنها - قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » وفي رواية لمسلم ﵀: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » وفي صحيح البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. وقيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٣) » . واسألوا أهل العلم فيما تجهلون أو يشكل عليكم من أمور دينكم، فالله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وإذا علمتم فاعلموا فالعلم حجة لنا أو علينا، حجة لنا إن عملنا به، وحجة علينا إذا لم نعمل، وحافظوا على الصلوات في جماعة ما استطعتم، فإن الصلاة

стр. 8589

هي ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، ولا يقبل حج ولا عمل بدونها، فقد روى مسلم ﵀ عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (١) » ، وروى أحمد وأصحاب السنن ﵏ عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢) » ، وقد رغب النبي ﷺ في أدائها جماعة، وأخبر أنها تزيد عن صلاة المنفرد بدرجات كثيرة، ففي الحديث المتفق على صحته عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (٣) » ، والفذ: الذي يصلي منفردا. وحذر النبي ﷺ من ترك الجماعة لغير عذر فقد روى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن أبي هريرة

стр. 8590

- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم (١) » . ولم يرخص رسول الله ﷺ للأعمى الذي يسمع النداء ولا يجد له قائدا يقوده إلى المسجد أن يصلي في بيته فكيف بغيره، وروى مسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه فقال له: " هل تسمع النداء إلى الصلاة" قال: نعم، قال: فأجب (٢) » . ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإنهما من أهم واجبات الإسلام ومن النصيحة الواجبة في الدين، والمسلمون

стр. 8591

بخير ما تناصحوا وتواصوا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) وقد دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن المنكرات إذا فشت بين الناس ولم تنكر عمت عقوبتها، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) وقد روى الترمذي ﵀ وقال حديث حسن - عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم (٣) » ، وصح عنه ﷺ أنه قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (٤) » ، رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، فانصحوا إخوانكم ورفقاءكم إذا وجدتم ما

стр. 8592

يستوجب النصيحة ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ففي الحديث المتفق عليه «عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (١) » ، وفي الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٢) » ، وانصحوا قومكم إذا رجعتم إليهم وخاصة عشائركم ومن لكم عليهم ولاية، فالله قال لرسوله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣) ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤) واعلموا أنه لا قيام للدين إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح بالخير والتواصي بالحق وبالصبر، فاحرصوا

стр. 8593

على ذلك يحفظ الله لكم دينكم ويصلح أعمالكم ويغفر ذنوبكم والله غفور رحيم. وفي بلاد المسلمين الآن بحمد الله دعوات للخير بالرجوع إلى الإسلام، والتمسك بالكتاب والسنة، فكونوا من أهلها وأعوانها، فالله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وفي بعضها جهاد لإعلاء كلمة الله والذب عن العقيدة الإسلامية والدفاع عنها أمام الملاحدة والشيوعيين وخاصة على أرض أفغانستان التي رفع مجاهدوها راية الإسلام وأخذوا يقاتلون تحتها أعداء الله. وهم أولى بنصرتكم ومعونتكم فمن استطاع أن يجاهد معهم بنفسه فليفعل، ومن استطاع أن يجاهد بماله فليفعل، فما أحوجهم للرجال وللمال، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) ومن فاته الجهاد بالنفس فلا ينبغي أن يفوته الجهاد بالمال، لقول الله

стр. 8594

تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا (٢) » . وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين لكل ما فيه رضاه، ولكل ما فيه صلاح أمر العباد والبلاد، وأن يردكم إلى بلادكم سالمين غانمين، وأن يتقبل منا ومنكم ومن سائر المسلمين، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعداءه، وأن يصلح قادة المسلمين في كل مكان، وأن يوفقهم للحكم بشريعته والتمسك بها والدعوة إليها والحذر من كل ما يخالفها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 8595

على جميع الحجاج تقوى الله في السر والعلن ليكتمل حجهم (١) . أوصي إخواني حجاج بيت الله الحرام بتقوى الله تعالى في السر والعلن وهي وصية الله تعالى ووصية رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢) وأضاف سماحته أن على جموع حجاج بيت الله الحرام المحافظة على الصلاة في أوقاتها ومع الجماعة وبكل شروطها وأركانها والعناية بها وتعظيم شأنها والطمأنينة فيها، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام وهي عمود الدين ومن تركها فقد كفر، قال ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٣) » ، وقال أيضا: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٤) » ومن أهم أركان الصلاة التي

стр. 8596

يجب على المسلم رعايتها والعناية بها الطمأنينة في ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها، ومن أهم واجبات الصلاة في حق الرجال أداؤها في الجماعة؛ لأن ذلك من أعظم شعائر الإسلام، وقد أمر الله بذلك ورسوله، كما قال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١) كما أوصي نساء المسلمين بالتستر والتحجب والابتعاد عن كل ما يظهر الفتنة والحذر من التعطر حين خروجهن؛ لأن ذلك من أسباب الشر والفتنة والواجب عليهن أن يتقين الله وأن يحذرن أسباب الفتنة من الزينة والطيب وإبراز المحاسن، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٢)

стр. 8597

الواجب على من استطاع السبيل المبادرة بالحج والعمرة (١) . الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. وبعد: فإني أوصي إخواني المسلمين الذين لم يؤدوا فريضة الحج أن يبادروا بحجة الإسلام، فهذا هو الواجب على كل من استطاع السبيل إلى ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (٣) » ، ويقول ﵊: «إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا (٤) » .

стр. 8598

فالواجب على كل مسلم ومسلمة يستطيع مئونة الحج إذا كان مكلفا أن يبادر بذلك وألا يؤخره؛ لأن الله جل وعلا أوجب ذلك على الفور، ولا يجوز لأي مسلم مكلف مستطيع الحج أن يتأخر عن ذلك، بل يبادر ويسارع إلى هذا الخير العظيم ويقول الرسول ﵊ في الحديث الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » ويقول ﵊ في الحديث الآخر: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٢) » فهذه نعمة عظيمة وخير عظيم ينبغي للمسلم أن يحرص عليه، ويشرع له مع ذلك أن يتحرى الأعمال الخيرية في طريقه وفي مكة، من صدقة على الفقراء والمساكين، والإكثار من قراءة القرآن الكريم وذكر الله تعالى، والإكثار من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، والإكثار من الصلاة في المسجد الحرام والطواف إن تيسر له ذلك اغتناما للزمان والمكان؛ فإن الصلاة

стр. 8599

في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفريضة فيه خير من مائة ألف فيما سواه، والصدقات فيه مضاعفة، وهكذا مثلها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، وتعليم الحاج ما قد يجهل، كل هذا مما يشرع للمسلم، ومن ذلك أن يجتهد في تعليم إخوانه الحجاج - إن كان يوجد عنده علم- بالحلم والرفق والأسلوب الحسن، مع اغتنام الفرصة في وجوده بمكة بعمل أنواع الخير كما تقدم من صلاة وطواف ودعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأسلوب الحسن والرفق والكلام الطيب. وأنصح ولاة أمر المسلمين في كل مكان بأن يسهلوا أمر الحج لرعاياهم وأن يعينوهم عليه؛ لأن ذلك من باب التعاون على البر والتقوى، والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) فإعانتهم وتسهيل أمرهم هذا من باب الإعانة على الخير، ومن باب التواصي بالحق والصبر عليه، وفيه الأجر العظيم، كما أوصيهم بأن يحكموا شرع الله في جميع الشئون وأن ينصروا دين الله في كل الأمور، نسأل الله أن يوفق ولاة المسلمين لكل خير، وأن يصلح أحوالهم وأن يمنحهم التوفيق،

стр. 8600

وأن يعينهم على كل خير. كما أوصي كل من يتولى أمور الحجيج بتقوى الله تعالى، وأن يرفقوا بالحجيج وأن يعينوهم على كل خير، وأن يحتسبوا الأجر والمثوبة عند الله، فلهم بهذا الأجر العظيم إذا أعانوا الحجاج وسهلوا أمورهم، لهم في هذا الفضل الكبير، نسأل الله أن يتقبل من الجميع، وأن يوفق المسلمين في كل مكان إلى ما يرضيه، وأن يمنحهم الفقه في دينه وأن يجعلنا وإياهم من الهداة المهتدين، وأن يعين إخواننا الحجاج على أداء مناسكهم على الوجه الذي يرضيه، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 8601

نصيحة إلى الحجاج الذين يؤذون جيرانهم بالتدخين والأغاني (١) . من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين وفقهم الله لما فيه رضاه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد أوجب الله التعاون على البر والتقوى والنصيحة لكل مسلم وقد أبلغني بعض الإخوان أنه يوجد من بعض الحجاج الموجودين في منى من يؤذي جيرانه بالتدخين والأغاني. ولا ريب أن إيذاء المسلمين من المحرمات المعلومة من الدين كما قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢) وإذا كان الإيذاء بالتدخين أو بفتح الراديو أو المسجلات على الأغاني كان الأذى أكبر والإثم أعظم؛ لأن الغناء محرم وهكذا التدخين من المحرمات المضرة بالدين والدنيا والصحة.

стр. 8602

وقد قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) الآية. قال أكثر العلماء المراد بلهو الحديث الغناء وآلات اللهو. وقال : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) وقال في وصف نبيه ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣) فبين المولى سبحانه أنه لم يحل لعباده إلا الطيبات وأن نبيه ﷺ إنما أحل لأمته الطيبات وهي الأشياء النافعة بلا مضرة، والدخان من الأشياء الضارة الخبيثة. وقد أجمع العارفون به من الأطباء وغيرهم على أنه مضر بالصحة خبيث العاقبة خبيث الرائحة. وفق الله الجميع للفقه في الدين والثبات عليه وأعاذ الجميع من نزغات الشيطان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 8603

الكتب التي بينت أحكام الحج س: إذا كنت أقيم في منطقة جبلية وأريد أن أحج فأي الكتب تنصحونني بقرائتها كي أحج على بصيرة؟ (١) ج: ننصح بقراءة الكتب التي بينت أحكام الحج مثل عمدة الحديث للشيخ عبد الغني المقدسي، ومثل بلوغ المرام، ومثل المنتقى. هذه موجودة ومهمة، وهناك مناسك فيها كفاية وبركة إذا قرأتها استفدت منها. منها منسك كتبناه في هذا وسميناه (التحقيق والإيضاح لكثير من أحكام الحج والعمرة والزيارة) وهو جيد ونافع ومفيد وهناك مناسك أخرى لغيرنا من المشايخ والإخوة مثل منسك الشيخ عبد الله بن جاسر وهو جيد ومفيد. س: الأخت التي رمزت لاسمها ب. ن. ف من الدلم تقول في سؤالها: ما حكم من أخر الحج بدون عذر وهو قادر عليه ومستطيع؟ (٢) . ج: من قدر على الحج ولم يحج الفريضة وأخره لغير

стр. 8604

عذر، فقد أتى منكرا عظيما ومعصية كبيرة، فالواجب عليه التوبة إلى الله من ذلك والبدار بالحج؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ولقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (٢) » . متفق على صحته، «ولقوله ﷺ : لما سأله جبرائيل ﵇ عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه، من حديث عمر بن الخطاب ﵁. والله ولي التوفيق.

стр. 8605

العمرة واجبة في العمر مرة س: حديث ابن عباس ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «إن الله كتب عليكم الحج فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال ﷺ : لو قلتها لوجبت؛ الحج مرة فمن زاد فهو تطوع (١) » رواه الخمسة إلا الترمذي وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة. ألا يدل على عدم وجوب العمرة؟ (٢) . ج: الأدلة متنوعة وهذا في الحج، والعمرة لها أدلتها، والصواب أنها واجبة مرة في العمر كالحج وما زاد فهو تطوع؛ «لقوله ﷺ في الحديث الصحيح لعائشة ﵂ لما سألته هل على النساء جهاد؟ قال: نعم. جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة (٣) » ، «ولقوله ﷺ

стр. 8606

لما سأله جبرائيل ﵇ عن الإسلام قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج وتعتمر (١) » . أخرجه ابن خزيمة والدارقطني بإسناد صحيح. ولأدلة أخرى.

стр. 8607

من اعتمر مع حجه فلا يلزمه عمرة أخرى س: حججت حجة فرض ولم أعتمر معها فهل علي شيء؟ ومن اعتمر مع حجه هل يلزمه الاعتمار مرة أخرى؟ . ج: إذا حج الإنسان ولم يعتمر سابقا في حياته بعد بلوغه فإنه يعتمر سواء كان قبل الحج أو بعده، أما إذا حج ولم يعتمر فإنه يعتمر بعد الحج إذا كان لم يعتمر سابقا؛ لأن الله

стр. 8608

جل وعلا أوجب الحج والعمرة، وقد دل على ذلك عدة أحاديث عن النبي ﷺ ، فالواجب على المؤمن أن يؤديها، فإن قرن الحج والعمرة فلا بأس، بأن أحرم بهما جميعا أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج فلا بأس ويكفيه ذلك، أما إن حج مفردا بأن أحرم بالحج مفردا من الميقات ثم بقي على إحرامه حتى أكمله، فإنه يأتي بعمرة بعد ذلك من التنعيم أو من الجعرانة أو غيرها من الحل خارج الحرم، فيحرم هناك ثم يدخل فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر هذه هي العمرة، كما فعلت عائشة ﵂ فإنها لما قدمت وهي محرمة بالعمرة أصابها الحيض قرب مكة فلم تتمكن من الطواف بالبيت وتكميل عمرتها، فأمرها الرسول ﷺ أن تحرم بالحج وأن تكون قارنة ففعلت ذلك وكملت حجها ثم طلبت من النبي ﷺ أن تعتمر؛ لأن صواحباتها قد اعتمرن عمرة مفردة، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يذهب بها إلى التنعيم فتحرم بالعمرة من هناك ليلة أربعة عشر، فذهبت إلى التنعيم وأحرمت بعمرة ودخلت وطافت وسعت وقصرت، فهذا دليل على أن من لم يؤد العمرة في حجه يكفيه أن يحرم من التنعيم وأشباهه من الحل، ولا يلزمه الخروج إلى الميقات، أما من اعتمر سابقا وحج سابقا ثم جاء ويسر الله له الحج فإنه لا تلزمه العمرة ويكتفي بالعمرة السابقة؛ لأن العمرة

стр. 8609

إنما تجب في العمر كالحج سواء، فالحج مرة في العمر والعمرة كذلك لا يجبان جميعا إلا مرة في العمر، فإذا كان قد اعتمر سابقا كفته العمرة السابقة فإذا أحرم بالحج مفردا واستمر في إحرامه ولم يفسخه إلى عمرة، فإنه يكفيه، ولا يلزمه عمرة في حجته الأخيرة، لكن الأفضل له والسنة في حقه إذا جاء محرما بالحج أن يجعله عمرة بأن يفسخ حجه هذا إلى عمرة فيطوف ويسعى ويقصر ويتحلل، فإذا جاء وقت الحج أحرم بالحج يوم الثامن، هذا هو الأفضل وهو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه في حجة الوداع لما جاء بعضهم محرما بالحج وبعضهم محرما بالحج والعمرة وليس معهم هدي، أمرهم أن يحلوا ويجعلوها عمرة، أما من كان معه الهدي فيبقى على إحرامه حتى يكمل حجه إن كان مفردا، أو عمرته إن كان معتمرا مع حجه.

стр. 8610

الحج مع القدرة واجب على الفور س: هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟ (١) . ج: الحج واجب على المكلف على الفور مع القدرة،

стр. 8611

إذا استطاع. قال الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١) فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو واجب مع الاستطاعة، أما العاجز فلا حج عليه، لكن لو استطاع ببدنه وماله وجب عليه، وإذا استطاع بماله، ولم يستطع ببدنه لكونه هرما أو مريضا لا يرجى برؤه فإنه يقيم من ينوب عنه ويحج عنه.

стр. 8612

حكم تأخير الحج إلى ما بعد الزواج س: إذا كان الشاب قادرا على أن يحج فأخر الحج إلى أن يتزوج أو يكبر في السن هل يأثم؟ (١) . ج: إذا بلغ الحلم وهو يستطيع الحج والعمرة وجب عليه أداؤهما؛ لعموم الأدلة ومنها قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) ولكن من اشتدت حاجته إلى الزواج وجبت عليه المبادرة به قبل الحج؛ لأنه في هذه الحال لا يسمى مستطيعا، إذا كان لا يستطيع نفقة الزواج والحج جميعا فإنه يبدأ بالزواج حتى يعف نفسه؛ لقول النبي

стр. 8613

صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (١) » متفق على صحته.

стр. 8614

س: سمعت من بعض الناس أن الحج قبل الزواج لا يصح فريضة بل لا بد من تأدية الفريضة بعد الزواج هل هذا صحيح؟ (١) . ج: هذا القول ليس بصحيح فالحج يجوز قبل الزواج وبعد الزواج، إذا كان قد بلغ الحلم فحجه صحيح ويؤدي عنه الفريضة، أما إذا حج قبل أن يبلغ فيكون نافلة، والبلوغ يحصل بأمور ثلاثة بإكمال خمس عشرة سنة، وبإنبات الشعر الخشن حول الفرج، وبإنزال المني عن شهوة في الليل أو في النهار أو في النوم أو في اليقظة، إذا نظر أو فكر فأنزل المني يكون بذلك قد بلغ الحلم بإنزال المني عن تفكير أو ملامسة أو احتلام، وبإكمال خمس عشرة سنة، وبإنبات الشعر الخشن حول الفرج، هذه الأمور الثلاثة يحصل بها البلوغ للرجل والمرأة جميعا وتزيد المرأة أمرا رابعا وهو الحيض فإذا حاضت

стр. 8615

صارت بالغة، فإذا حج بعدها أو بعد أحدها على الوجه الشرعي فحجه صحيح ويؤدي عنه الفريضة ولو لم يتزوج.
следующие страницы →