← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بكر وعمر ﵄ ونجاهد فيهما، لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ونرجيء من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله إلى آخر الكلام. فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة، يكون مخطئاً أو مصيباً، وكان يرى أنه يرجيء الأمر فيهما، أما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب) . وقد خصص البخاري ﵀ باباً في كتاب الإيمان للرد على المرجئة خاصة كما قال ابن حجر: (قوله: (باب خوف المؤمن من أن - يحبط عمله وهو لا يشعر) هذا الباب معقود للرد على المرجئة خاصة "، وقد روى البخاري بسنده في هذا الباب عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد الله أن النبي ﷺ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ". وفي هذا دلالة على أن قول المرجئة المبتدعة قد شاع فيما قبل سنة مائة للهجرة. إلا أن هذه البدعة لم تكن في بداية الأمر إلا موقفاً مضاداَ لموقف الخوارج، الذين يرون كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار، فجاء هؤلاء بالقول بأن الأعمال ليست من الإيمان، مع أنه لابد في الإيمان من الإقرار باللسان، وأن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب.

стр. 107

ولذلك عد العلماء هذه البدعة بهذا المعنى من أخف البدع. فقال الحافظ الذهبي بعد أن ساق أسماء بعض العلماء الذين كانوا ينتحلون الإرجاء بالمعنى السالف.. ( ... قلت: الإرجاء مذهب لعدة من جلة العلماء ولا ينبغي التحامل على قائله ... ) . ولكن بدعة الإرجاء لم تتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه قوم حتى عدّوا الإيمان هو معرفة الله بالقلب فقط، وأن المعاصي والطاعات غير مضرة ولا نافعة، وأن إيمان الفاسق والعاصي كإيمان الرسول ﷺ وجبريل ﵇.. وهؤلاء هم غلاة المرجئة، منهم غيلان الدمشقي، ثم بعد ذلك جهم ابن صفوان كما سيأتي.. وقد افترقت المرجئة إلى فرق عديدة كل فرقة تضلل أختها. الفترة الثالثة: ١٠١ - ١٧٧ه ـ: وفيها تأصلت بعض البدع السابقة وتطور بعضها، كما نشأت بدع جديدة. فكان للخوارج شوكة ظهرت بعد وفاة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وصار بينهم وبين الناس معارك، وظهرت الشيعة سنة إحدى وعشرين ومائة، وبايعوا زيد بن الحسين بن علي بالكوفة، ثم إنهم افترقوا عنه ورفضوه بسبب ترحمه على الشيخين، وبقي معه أناس قاتل بهم الكوفة، وانصرف آخرون وبايعوا جعفر بن محمد إماماً لهم ومن هنا افترقت الشيعة إلى إماميّة وزيديّة،

стр. 108

وفي هذه الفترة ظهرت دعوة القرامطة على يد عمار بن يزيد: (خداش) في مرو، فدعا على دين الخرمية، وأباح النساء ونادى بأن لا صلاة ولا صوم ولا حج، وأظهر تأويلات الباطنية وذلك في سنة ١١٨هـ. وفي هذه الفترة وجدت نواة الاتجاه الصوفي في كثير من بلدان الإسلام، لكنها كانت في بداية الأمر زهداً في الدنيا، وتقللاً منها وتزكية للنفس، ومجاهدة للطبائع والأخلاق الرذيلة ... مما سوف نعرض له بعد قليل، وقد تميزت هذه الفترة بظهور شخصيات كان لأعمالها وأفكارها أثراً عميقاً في وجود تأصيل بدع كثيرة، وسوف أذكر أشهر هذه الشخصيات التي كانت ذات أثر في تكريس بدعة سابقة، أو إيجاد بدعة لاحقة، مرتباً ذلك بحسب سني الوفاة: ١- غيلان بن مسلم الدمشقي (١٠٥ه ـ) : قال الأوزاعي: (أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد "، وقد أصبح غيلان الدمشقي فيما بعد ( ... داعية إلى القدر) ، وكان له مناقشات مع محمد بن كعب وربيعة الرأي، ذلك أن غيلان ( ... قدم

стр. 109

بكلمة قد صاغها حتى وقف على ربيعة فقال له: أنت الذي تزعم أن الله أحب أن يعصى، فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى كرهاً؟ فكأنما ألقمه حجراً ... ". وكانت بين غيلان والإمام الأوزاعي مناظرة بين يدي الخليفة الأموي هشام ابن عبد الملك، وكان قد نهاه عمر بن عبد العزيز عن أقواله هذه ومنعه من نشر شكوكه وأوهامه، ودعا عليه، ولكنه عاد داعياً إلى بدعته بعد موت عمر فناقشه الأوزاعي وحكم عليه بأنه مرتاب ومن أهل الزيغ، فأمر هشام بقطع يده ورجله ولسانه وضرب عنقه وصلب في دمشق. وكانت بدعة غيلان الدمشقي تتركز في إنكار القدر، وبإنكار خلق الله لأعمال البشر التي فيها معصية لله سبحانه. وقد أصبح هذا القول فيما بعد أصلاً من أصول المعتزلة سموه (العدل) . ٢- الجعد بن درهم توفي بعد عام ١١٨هـ وهو من أهل حران: ومن موالي بني مروان، سكن دمشق وكان يتردد على وهب بن منبه، ويسأله عن صفات الله مستشكلاً مشككاً، فنهاه وهب عن ذلك، ومازال فيه

стр. 110

وهواه، حتى خرج على الناس ببدعة خلق القرآن، ونفي صفات الرحمن - جل وعلا - فأنكر أن يكون الله قد كلم موسى تكليماً أو اتخذ إبراهيم خليلاً، وقد أخذ هذه البدعة عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت، هذا هو ابن أخت لبيد بن أعصم وزوج ابنته، ولبيد بن أعصم هو الساحر الذي سحر النبي ﷺ وقد دعا الجعد إلى بدعته ونشرها في دمشق، وكان هو أول من قال بخلق القرآن، فأخذه هشام وأرسله على خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فقتله يوم عيد الأضحى، وقال عند قتله مقولته المشهورة، وقد اختلف في قتله فقيل سنة ١١٨هـ، وقيل ١٢٤هـ، ولكن من المؤكد أن لم يقتل إلا بعد عام ١١٨هـ في خلافة هشام بن عبد الملك.

стр. 111

البدع التي دعا إليها الجعد: ١) أول من قال بأن القرآن مخلوق. ٢) أنكر تكليم الله سبحانه لموسى ﵇. ٣) أنكر اتخاذ الله إبراهيم خليلاً. ٤) أول من قال بأن الله سبحانه ليس على العرش حقيقة. ٥) أول من قال بأن الله استوى بمعنى استولى. ثم إن هذه البدع أخذها عنه الجهم بن صفوان ودعا إليها فنسبت إليه. ٣- الجهم بن صفوان (١٢٨ه ـ) : من أهل خراسان ومولى لبني راسب، تتلمذ على الجعد بن درهم، وكان له اتصال بمقاتل بن سليمان، وعمل كاتباً للحارث بن سريج، وكان جهم بن صفوان في جيش الحارث بن سريج، وكان جهم بن صفوان في جيش الحارث فطعنه رجل في فمه فقتله، وقيل بل أسر وأوقف بين يدي سلم بن أحوز فأمر

стр. 112

بقتله ... كان كاتباً متكلماً صاحب ذكاء وجدل. البدع التي دعا إليها جهم: ١) إنكار صفات الباري . ٢) القول بخلق القرآن. ٣) القول بأن الله سبحانه في الأمكنة كلها. ٤) القول بأن الإيمان عقد القلب وإن تلفظ بالكفر. ٥) القول بالجبر وأنه لا فعل للإنسان ولا استطاعة بل كل الأفعال لله فقط. ٦) الزعم بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان. ٧) الزعم بأن علم الله حادث. وأصبح إطلاق لفظ الجهمية عند العلماء يشمل معنى خاصاً وآخر عاماً ... أما الخاص: فيقصد به من قال بأقوال جهم كلها أو أعظمها، كنفي الصفات والقول بالجبر والقول بفناء الجنة والنار. وأما الإطلاق العام: فيقصد به نفاة الصفات عامة.

стр. 113

٤- واصل بن عطاء (١٣١ه ـ) : أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري ولد سنة ٨٠هـ بالمدينة، كان بليغاً يهجر الراء في خطبه لأنه يلثغ فيها، كان يتعلم في مجلس الحسن البصري، فأظهر قولة المبتدع في مرتكب الكبيرة، وكان ذلك في مجلس الحسن البصري حين دخل عليه رجل فقال: (يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟. فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعنزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة ... ". وفي رواية أخرى: أن واصل بن عطاء لما قال قولته هذه في مرتكب الكبيرة، طرده الحسن من مجلسه، فانضم إليه عمرو بن عبيد، واعتزلا حلقة الحسن، وانحاز إليه من وافق مذهبه، فسموا بالمعتزلة. وكان هلاكه في سنة إحدى وثلاثين ومائة وقد أخذ واصل بن عطاء من البدع التي سبقته فتأثر ببعضها، كبدعة الخوارج في الفاسق الملي، وتبنى بعضها

стр. 114

كالقول بخلق القرآن، وكان هو رأس مذهب المعتزلة ومؤسسه، وأما البدع التي دعا إليها فهي: ١) القول بالمنزلة بين المنزلتين في الفاسق من أمة محمد ﷺ . ٢) أخذ رأي معبد الجهني في القدر، إلا أنه قال بأن الله عالم بالأشياء قبل وقوعها ولكن أفعال البشر ليست بمشيئته وإرادته، ولا من خلقه. ٣) القول بنفي صفات الله . ٤) القول بأن أحد الفريقين المتحاربين من الصحابة فاسق لا محالة، من غير تعيين له بعينه وأنه لا تقبل شهادة أحد منهم. فكانت هذه البدع التي قال بها واصل بن عطاء، كالأساسات التي انبنى عليها مذهب المعتزلة في الاعتقاد، وقد أضيف إلى هذه البدع بدع أخرى وأصلت عند المعتزلة فيما يسمونه بالأصول الخمسة، وكانت منهم فتن كبيرة على أهل السنة، إذ حملوا الناس بالقوة على اعتقاد أن القرآن مخلوق وغير منزل. ٥- عمرو بن عبيد بن باب البصري (١٤٤ه ـ) : أصله من كابل وولاؤه لبني تميم، كان والده من شُرُط الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان شيعياً، روى عن الحسن وأبي قلابة، وكان وهو وواصل بن عطاء يتعلمان في مجلس الحسن البصري، فطردهما الحسن من مجلسه لما قالا: الفاسق

стр. 115

لا مؤمن ولا كافر. ونقل الذهبي في الميزان أن أول من تكلم في الإعتزال واصل الغزال، ودخل معه في ذلك عمرو بن عبيد، فأعجب به وزوجه أخته وقال لها: زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة.. . ويعتبر عمرو بن عبيد كبير المعتزلة ورأسهم بعد واصل بن عطاء وكان داعية إلى مذهبه. وسئل عنه يحيى بن معين فقال: (لا يكتب حديثه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال: كان داعية إلى دينه ... ) . وكان يكذب لأجل مذهبه، ويروي عن الحسن البصري أشياء لم يقلها. ويعتبر عمرو بن عبيد المؤسس لفرقة المعتزلة، وقد اغتر بعض الناس بزهده وعبادته وتشقفه، حتى قال الإمام ابن عدي في الكامل: (وعمرو بن عبيد قد

стр. 116

كفانا السلف مؤونته حيث بينوا ضعفه في رواياته، وبينوا بدعته ودعاءه إليها ويغر الناس بنسكه ... " إلى أن قال: ( ... وللسلف فيما ينسب إلى الصلاح كلام كثير، حتى قال يحيى القطان: ما رأيت قوماً أصرح كذباً من قوم ينسبون إلى الخير، وكان يغر الناس بنسكه وتشقفه، وهو مذموم ضعيف الحديث جداً معلن بالبدع، وقد كفانا ما قال فيه الناس ". أما البدع التي دعا إليها فهي التي مضى ذكرها عند واصل بن عطاء، وقد ذكر علماء الجرح والتعديل ما قاله عمرو بين عبيد من بدع) . ٦- مقاتل بن سليمان (١٥٠ه ـ) : أصله من بلخ، ويقال له الخرساني المروزي وهو أزدي بالولاء، انتقل إلى البصرة من بلخ وعاش بها، يروى على ضعفه وسقوطه ثقته عند بعض العلماء

стр. 117

عن أئمة كابن سيرين وعمرو بن شعيب والمقبري والزهري، اشتهر هذا الرجل بتفسير القرآن، قال الذهبي في السير: (قال ابن المبارك - وأحسن - ما أحسن تفسيره لو كان ثقة ... ". اتهمه أكثر من الأئمة بالكذب والضعف في الرواية، والنكارة في الحديث، والجسارة على الكذب، وغير ذلك من الأوصاف الجارحة، توفي في سنة خمسين ومائة للهجرة. البدع التي دعا إليها مقاتل: في الوقت الذي خرج فيه جهم بن صفوان ببدعة نفي صفات الله جاء مقاتل بن سليمان ببدعة أخرى كردة فعل لبدع الجهم فأثبت لله الصفات على سبيل تشبهه - سبحانه - بالمخلوقين. روى ابن عدي بسنده في الكامل أن مقاتلاً قدم مرو فتزوج بها، وكان يقص في الجامع بمرو، فقدم عليه جهم فجلس على مقاتل، فوقعت العصبية بينهما فوضع كل واحد منهما على الآخر كتاباً ينقض على صاحبه. وقال ابن حبان: ( ... كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن

стр. 118

الذي يوافق كتبهم، وكان شبيهياً يشبه الرب بالمخلوقين، وكان يكذب في الحديث ". وقد قرن الأئمة بين مقاتل وجهم في الذم والتحذير من كل منهما، بسبب بدعتيهما المتناقضتين، فقال الإمام أبو حنيفة: (أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه) . وقال: (أفرط جهم في النفي حتى قال إنه ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الإثبات حتى جعل الله مثل خلقه ". وقال أبو يوسف: (بخراسان صنفان ما على الأرض أبغض إليّ منهما المقاتلية والجهمية ". ولعل هذه البدعة التي قال بها مقاتل قد أخذها من بعده الهاشمية والكرامية، ودعوا إليها.

стр. 119

٧- عبد الواحد بن زيد (١٧٧ه ـ) : أبو عبيدة البصري أدرك الحسن البصري، وأخذ عنه، كان كما قال ابن حبان: (ممن يغلب عليه العبادة حتى غفل عن الإتقان فيما يروي، فكثر المناكير في روايته فبطل الاحتجاج به ". وقال البخاري: (عبد الواحد بن زيد صاحب الحسن تركوه) . وكان يصاحب عمرو بن عبيد المعتزلي، ففارقه لاعتزاله، وقال بصحة الاكتساب، وقد نسب إليه شيء من القدر ولم يُشهر. وسبب إتيان هذا الرجل ضمن المبتدعة، أنه كان فَرَطاً للصوفية، ومنه ومن تلامذته انبثقت الصوفية بهذا الاسم، وصار لها بعض الاصطلاحات والمراسيم والشارات الخاصة، بل إنه أصبح للصوفيه دار خاصة في البصرة. قال الذهبي عن عبد الواحد بن زيد: ( ... نسب إلى شيء من القدر ولم يشهر، بل نصب نفسه للكلام في مذاهب النساك وتبعه خلق، وقد كان ثابت البُنَانى ومالك بن دينار يعظان أيضاً، ولكنهما كانا من أهل السنة.

стр. 120

وكان عبد الواحد صاحب فنون، داخلاً في معاني المحبة والخصوص، وقد بقي عليه شيء من رؤية الاكتساب، وفي ذلك شيء من أصول أهل القدر، فإن عندهم لا نجاة إلا بالعمل، فأما أهل السنة فيحضّون على الاجتهاد في العمل وليس به النجاة وحدة دون رحمة الله، وكان عبد الواحد لا يطلق: أن الله يضل العباد تنزيهاً له، وهذه بدعة) . وقال الذهبي في الميزان: " عبد الواحد بن زيد البصري الزاهد شيخ الصوفية وواعظهم ". وقال شيخ الإسلام في معرض حديثه عن أصل كلمة صوفية: (وقيل - وهو المعروف - أنه نسبة إلى لبس الصوف، فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد، والعبادة، والخوف، ونحو ذلك ما لم يكن في سائر الأمصار ... ". وقد ذكر شيخ الإسلام بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد الذين كان لهم أثر في إيجاد بعض بدع الصوفية فقال: (وظهر أحمد علي الهجيمي، الذي صحب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد صحب الحسن ومن اتبعه من المتصوفة وبنى دويرة للصوفية، وهي أول ما بُني في الإسلام، وكان عبد الرحمن ابن مهدي وغيره يسمونهم الفقرية، وكانوا يجتمعون في دويرة لهم، وصار

стр. 121

لهؤلاء من الكلام المحدث طريق يتدينون به، مع تمسكهم بغالب الدين. ولهؤلاء من التعبد المحدث طريق يتمسكون به مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع، وضار لهؤلاء حال من السماع والصوت حتى إن أحدهم يموت أو يغشى عليه) . ومن أصحاب عبد الواحد بن زيد: رياح بن عمرو القيسي، وهو أول من نسب للزندقة من الصوفية، قال عنه الذهبي: (رجل سوء) ، وقال: (هو من زهاد المبتدعة بالكوفة) ، وعدّه أبو داود أحد أربعة في الزندقة، وهكذا بدأت الصوفية من المبالغة في العبادة والزهد والمراقبة والحب والمقامات والأحوال والأفعال، وكلما أوغلوا في هذه الأبواب انفتحت عليهم صنوف البدع والأهواء، فأصبحت لهم عبارات ومعان يجعلونها حدوداً وسيراً وأخلاقاً يسير عليها المريد، ثم أصبحت بعد ذلك طرقاً مختلفة، كل طريق لها في السبل متاهات، ولها في البدع ترهات، وأصبحت طرق الصوفية تنتحل من كل فرقة ضلالة، فمنها من يقول بالجبر، ومنها من يقول بالقدر، وآخرون يسلكون الإرجاء، حتى قادتهم البدع إلى وحدة الوجود والاتحاد وتقديس للأولياء، وغير ذلك من البدع الكفرية - نسأل الله العفو والعافية -. وقد ذكر شيخ الإسلام منشأ الصوفية، وحكم الانتساب لها، وحكمها من حيث المدح والذم، ومراحلها التي مرت بها، وأصنافها الموجودة بما فيه الكفاية لمن أراد.

стр. 122

الفترة الرابعة: ١٧٨ - ٣٠٠ه ـ: في هذه الفترة تبلورت كثير من البدع وتداخل بعضها في بعض، وأصبح لبعض المبتدعة قوة وسلطاناً، ولبعض البدع مدارس ومناهج. وفي هذه الفترة توسعت الترجمة عن كتب الفرس، والهند، واليونان، وأصبح الإطلاع والتعلم من الكتب الفلسفية ميزة يحرص عليها الناس، ففُتن كثير من الناس بما يسمى (العقليات) فكانت فتنة الابتداع تترسخ ببعد الناس عن النقل، الذي هو الوحي الموافق للفطرة والعقل، وبما زُعم لهم من مسلمات عقلية وقواعد منطقية لا تقبل النقاش فضلاً عن الرد. فأخذت الفرق المبتدعة من هذه سنداً فكرياً لها، فالصوفية أخذت فلسفة الإشراق من الهند، والمعتزلة أخذت فلسفتها العقلية من المنطق اليوناني، والشيعة والباطنية أخذت فلسفة الإمامية والعصمة والحلول والتناسخ من فلسفات الفرس وهكذا ... وكما قال شيخ الإسلام عن هذه الفلسفات المعربة: ( ... فعُرب بعض كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند في أثناء الدولة العباسية. ثم طُلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم، فعُربت ودرسها الناس وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر ... ) . وفي هذه الفترة دخلت بعض البدع السالفة في بعض، فالمعتزلة مثلاً أخذت من القدرية والجهمية والخوارج. والشيعة أخذت من المجسمة، والمرجئة أخذت من الجبرية، والصوفية أخذت من التشيع وهكذا ... بيد أنه حصل لهذه الفرق من الشتات ما جعل كل فرقة منها تنقسم إلى

стр. 123

فرق عديدة، وسبل متفرقة، يلعن بعضها بعضاً، ويكفر بعضها بعضاً، كما هو حال أهل البدع في كل زمان. وقد ورد التعيين لأصول البدع لأول مرة في هذه الفترة على لسان يوسف ابن أسباط ثم عبد الله بن المبارك (وهما إمامان جليلان من أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد) . هذا التعيين لأصول البدع يدلنا على ضخامة كل واحدة من هذه البدع في زمانها، وأنه قد ترتب عليها بدع أخرى، وقد تكلف بعض الناس في تعيين الفرق الاثنتين والسبعين الهالكة بناء على هذا القول، فجعلوا لكل فرقة من هذه الفرق الأربع ثماني عشرة فرقة، ومن أدخل الجهمية مع الفرق الأربع جعل لكل طائفة من هذه البدع الخمس اثنتي عشرة فرقة، لكي يتم العدد الذي ذكره النبي ﷺ ... ولكن هذا التعيين لا دليل عليه، وهو تحكم بغير برهان. والذي يهمنا هنا هو أن هذه الفرق الأربع التي جعلها ابن المبارك وابن أسباط أصل البدع، هي في الحقيقة من أمهات الفرق الضالة ، ولذلك فسوف نتحدث عن كل واحدة من هذه البدع، وما حصل لها ومنها في هذه الفترة بإيجاز. أمهات الفرق الضالة هذه الفرق الأربع التي جعلها ابن المبارك وابن أسباط أصل البدع، هي في الحقيقة من أمهات الفرق الضالة، ولذلك فسوف نتحدث عن كل واحدة من هذه البدع، وما حصل لها ومنها في هذه الفترة بإيجاز:

стр. 124

١- الشيعة: بعد أن وضع ابن سبأ بذور شره وهلك، أخذ مذهب السبئية بعده بنان ابن سمعان، وأنشأ طائفة تسمى البنانية، تقوم على تأليه علي ثم تأليه بنان، والقول بالتناسخ، وكان معه في هذه المدة وهذه البدعة المغيرة بن سعد البجلي، الذي كان يزعم أنه علياً ﵁ كان يستطيع أن يحيي الموتى، وأن لمعبوده أعضاءً على صورة حروف الهجاء، ثم ظهر بعدهما وعلى نفس المنوال أبو منصور العجلي، الذي تنسب إليه فرقة المنصورية، وكان يزعم أنه رفع إلى السماء، وأن الله سبحانه مسح على رأسه، وكان هو وأتباعه من الشيعة ينكرون القيامة، ويزعمون أن علياً هو الكسف الساقط من السماء، وأن الجنة رجل أُمرنا بموالاته، وهو إمام الوقت، وأن النار رجل أُمرنا بمعاداته وهو خصم الإمام، وتأول المحرمات والفرائض على أسماء رجال، ثم جاء بعده أستاذ الباطنية وجامع ضلالات من سبق، ومضل من لحق أبو الخطاب الأسدي، الذي تنتسب إليه فرقة الخطابية الكافرة، القائلين بألوهية أحد

стр. 125

أبناء جعفر الصادق، وبالتناسخ، وبكون الشريعة ذات ظاهر وباطن، وأن الفرائض أسماء رجال ونساء. وكان أبو الخطاب الأسدي أحد شيوخ المفضل بن عمر الجعفي وهذا الأخير هو شيخ محمد بن نصير النميري الذي كون فرقة النصيرية الباطنية، ولما توفي جعفر الصادق سنة ١٤٨هـ انقسمت الشيعة بحسب اعتقاداتها السالفة في آل البيت، فالغلاة منهم وهم الذين ذكرنا آنفاً قالوا بإمامة إسماعيل ابن جعفر، الذي توفي قبل والده بخمس سنوات، والإمامية الرافضة قالوا بإمامة أخيه موسى الكاظم.

стр. 126

أما الإسماعيلية فقد بايعت على الإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الإمام المكتوم كما يقولون، وفي هذه المدة تركز المذهب الباطني بفلسفاته، وظهر بفتنته في أيام المأمون العباسي، وكان تدبير أمر هذه الدعوة ونشرها واستمالة الناس إليها على يد عبد الله بن ميمون القداح، الذي كان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وميمون بن ديصان، ومحمد بن الحسين الملقب بدندان، حيث

стр. 127

اجتمع الثلاثة في سجن العراق، ووضعوا قواعد الملة الإسماعيلية، وبدأوا بنشر دعوتهم في جبال الأكراد، وبلاد المغرب، وفي أهل البحرين، ثم في أهل اليمن، وقد تمكنت الدعوة الباطنية من الانتشار، حتى دخل في دعوتهم من حشم المعتصم، وخاصته، وجلٌ يقال له: (أفشين) وكان يداهن بابك الخرمي الذي قام بحرب المسلمين وقتالهم وكانت منه أمور نكراء. وتفرع من مذهب الباطنية هذا مذاهب عديدة، كالقرامطة، والدروز، وإخوان الصفا، والحشاشين، وقامت لهم دولة العبيدية في المغرب ثم الفاطمية في مصر، والقرمطية في البحرين واليمن، وكانت لهم ثورات مثل ثورة الزنج،

стр. 128

وكان منهم شر عظيم ومفاسد كبيرة ولا يزال. أما الشيعة الإمامية فإنهم كما سبق قد افترقوا على الإسماعيلية، بزعمهم أن الإمام جعفر الصادق هو موسى الكاظم، وفي الحقيقة أن هذا الإفتراق كان مبنياً على افتراق في المعتقد أساساً، مثلما افترقت الزيدية قبل ذلك عن الشيعة، وقد كان للشيعة الاثني عشرية بعض شأن في هذه الفترة من الزمان، ومما كان منهم أنهم خرجوا في البصرة على المأمون مع زيد بن موسى الكاظم، وكان أخوه علي الرضا وهو ثامن الأئمة الإثني عشر عند الإمامية، قد نال منزلة عند المأمون، فجعله ولي عهده وزوجه ابنته وضرب اسمه على الدنانير والدراهم، وغيّر من أجله زي بني العباس من الأسود إلى الأخضر، وبقي علي الرضا على ذلك حتى توفي بطوس سنة ٢٠٣هـ. وفي هذه الفترة عاش ستة من الأئمة الإثنا عشر عند الشيعة الإمامية الرافضة وهم بالترتيب: ١) موسى الكاظم، المتوفي عام ١٨٣هـ.

стр. 129

٢) علي الرضا، المتوفي عام ٢٠٣هـ. ٣) محمد الجواد، المتوفي عام ٢١٩هـ. ٤) علي الهادي، المتوفي عام ٢٥٤هـ. ٥) الحسن العسكري، المتوفي عام ٢٦٠هـ. ٦) محمد المنتظر بن الحسن العسكري، الذي يسمونه الإمام المهدي المنتظر. وفي هذه الفترة ظهر متكلموا الشيعة الإمامية، ووضعوا المؤلفات في تأسيس عقائدهم، وأول من ألف في ذلك:

стр. 130

علي ابن إسماعيل بن ميتم التّمار، ألف كتاب الإمامة وتكلم في هذه المسألة على مذهبه الشيعي الرافضي الإمامي. ثم كان بعده تلميذه هشام بن الحكم، الذي كان يعتبر من أكبر الشخصيات الكلامية في القرن الثاني الهجري، وكانت له معارك كلامية لمخالفي مذهبه الإمامي، مثل مناظرته مع أبي الهذيل المعتزلي، ويعتبر هشام بن الحكم عند الشيعة ( ... من متكلمي الشيعة ممن فتق الكلام في الإمامة، وهذب المذهب والنظر، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب ... " وكان مما قرره هشام بن الحكم في فلسفته الكلامية أنه قال: بأن الله جسم ذو أبعاض، وأنه سبعة أشبار بشبر نفسه وأنه - سبحانه - كالبلورة أو كالسبيكة، وغير ذلك من الأقوال التي هي في حقيقتها ولوازمها، تشبيه للباري بخلقه. فقد جمع هشام بن الحكم بين التشبيه والتجسيم في صفات الباري - سبحانه

стр. 131

وتعالى - (وزعم أن الله علم بالأشياء بعد أن لم يكن علماً بها) ، وزعم كذلك بأن النبي تقع منه المعصية، ويأتيه الوحي بالتنبيه عليها ... أما الإمام فيجب أن يكون معصوماً عن المعصية، لأنه لا ينزل عليه الوحي. وتعتبر مدرسة هشام بن الحكم الكلامية ومؤلفاته الشيعية الفلسفية هي العمدة عند الشيعة الإمامية، مع بعض المخالفات اليسيرة التي طرأت على هذه النحلة فيما بعد. وممن ظهر في هذه الفترة وكان ينسج على منوال هشام بن الحكم، هشام ابن سالم الجواليقي وبسبب تمازج أقوالهما وتداخل بدعهما نسبت فرقة الهاشمية إليهما، وممن أظهر على هذه الطريقة الشيعية الرافضة الإمامية المجسمة، يونس بن عبد الرحمن القمي إمام الشيعة وفقيههم بالعراق، وإليه تنسب فرقة اليونسية

стр. 132

من الشيعة الإثنا عشرية. ومحمد بن النعمان الملقب بشيطان الطاق من متكلمة الشيعة وحذاقهم، وله مؤلفات في الإمامة وفي إمامة المفضول وفي أمر طلحة والزبير وعائشة ﵃. ومنهم علماء وفقهاء الشيعة الإمامية في هذه الفترة، أحمد بن محمد البيزنطي ومحمد بن خالد البرقي القمي، والحسن بن محبوب السراد، ومحمد ابن عيسى بن عبيد بن يقطين وغير هؤلاء مما لا يتسع المجال لحصرهم هنا. وكان انتشار فقه وعقائد الشيعة في هذه الفترة سبباً لقوتهم وتعاظم أمرهم فيما بعد، إذ نشأت بعد سنة ثلاثمائة من الهجرة دول شيعية إمامية وإسماعيلية وكان منهم شر مستطير.

стр. 133

ففي سنة ٣٢١هـ ابتدأ أمر بني بويه وظهرت دولتهم، وهي دولة شيعية إمامية، قاتلوا خلفاء بني العباس وأظهروا الرفض والشتم للصحابة. وقامت دولة الحمدانية، وهي شيعية بقتال الخليفة العباسي الراضي سنة ٣٢٧هـ، وما استكملت سنة ٣٤٦هـ إلا ( ... وقد امتلأت البلاد رفضاً وسباً للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد مصراً وشاماً وعراقاً وخراسان وغير ذلك من البلاد، وكانوا رفضاً، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب فكثر السب والتكفير منهم للصحابة ". ٢- الخوارج: وكانت لهم في هذه الفترة ثورات وحروب، إذ إنهم بعد أن تفرقوا في البلدان، وانتشروا في الأقاليم، نشروا أفكارهم وبثوا دعاتهم، وجمعوا في أماكن عديدة من بلدان المسلمين حولهم أتباعهم من كان قوة لهم في الحروب والمعارك، ولقيت أفكارهم رواجاً بين الناس الذين رأوا إسراف خلفاء بني العباس في الملذات والشهوات وتسلط أمرائهم على الناس بالظلم والاضطهاد، وتنازع بني العباس على الولايات، وتحكم الموالي في شؤون الدولة، وغير ذلك من أمور أحفظت الناس، وجعلتهم يلتفون حول قادة الخوارج فكان من ثوراتهم: خروج خراشة الشيباني الخارجي سنة ١٨٠هـ على الرشيد بالجزيرة

стр. 134

من أرض العراق وفيها قتل، وكان قد خرج قبله بالجزيرة الفراتية الوليد بن طريف الشيباني سنة ١٧٧هـ في خلافة الرشيد، وحشد جموعاً كثيرة، وكان ينتقل بين نصيبين والخابور، واستولى على أرمينية وسار إلى أذربيجان، ثم حلوان وأرض السواد، وعبر إلى غرب دجلة واستولى على بلاد الجزيرة بالعراق حتى قتل سنة ١٧٩هـ. وفي سنة ١٨٠هـ هدم الرشيد سور مدينة الموصل بالعراق لكثرة الخوارج فيها وتحصنهم بها. وفي سنة ١٨٠هـ خرج أبو عمرو الشاري على الرشيد بالجزيرة العراقية فأرسل إليه الرشيد من يقاتله. وفي سنة ١٨٥هـ قتل أبان بن قحطبة، وكان من رؤوس الخوارج، وكانت له قوة وشوكة، حتى قتل في مرج العلقة، وفي هذه السنة خرج حمزة الشاري في بلاد باذغيس من خراسان، فقاتلهم والي الخليفة حتى انحاز حمزة

стр. 135

إلى كابل وزابلستان، وبقي حتى كانت حوادث سنة ١٩٢هـ في خراسان، حيث ضعفت قوة الخلافة بسبب ثورات الخرّميّة، وانتقاض القواد والأمراء على الدولة، فخرج حمزة الخارجي وعاث بها فساداً وصار يقتل ويجمع الأموال، ويحملها إلى عمال هراة وسجستان، حتى قاتله والي المأمون عبد الرحمن النيسابوري، وسار خلفه حتى بلغ هراة، وهناك تفرقت قوته وتلاشت، وذلك في سنة ١٩٤هـ. ومن ثورات الخوارج التي تذكرها كتب التاريخ، ثورتهم ببلاد ربيعة سنة ٢٣١هـ أيام الواثق تحت إمرة محمد بن عبد الله التغلبي الخارجي، فقوتلوا حتى غلبوا وأسر أميرهم وتفرق شملهم. ومن فتنتهم العظيمة بالمشرق ثورة مساور بن عبد الرحمن البجلي، الذي خرج في سنة ٢٥٢هـ ثائراً على الخليفة في الموصل، وتجمع حوله جمع من الأعراب والأكراد، وكانت له مواقع مع جيش الخلافة في جلولاء سنة ٢٥٣هـ، وفي الموصل سنة ٢٥٤هـ حتى دخل الموصل، واستولى عليها سنة ٢٥٥هـ واتخذ مكاناً يقال له الحديثة، قرب الموصل دار هجرة له، واستولى على بقاع كثيرة

стр. 136

من العراق، وحاصر بغداد، ومنع الأموال عن الخليفة حتى ضاقت عليه وعلى جنده البلاد، وتأهبت الجيوش لقتال هذا الخارجي فلم تظفر به وخافه الناس، وجعل ينتقل في البلاد فيُجبى له خراجها، وقتل والي خراسان سنة ٢٦١هـ وبقي هذا دأبه حتى توفي وهو يريد لقاء عسكر الخليفة العباسي الموفق بالله سنة ٢٦٣هـ. وذكر الحافظ ابن كثير أن الخوارج أقاموا خلافةً باسمهم في مدينة هراة لمدة ثلاثين سنة من ٢٢٩-٢٥٩هـ حتى ظفر بزعيمهم الذي كان ينتحل الخلافة، فقتل وحمل رأسه على رمح وطيف به في الآفاق. ومن فرق الخوارج التي تشعبت في هذه الفترة فرقة (الحمزية) ، وهم أتباع حمزة بن أكرك الشاري، الماضي ذكره تقريباً، والذي كانت منه فتن وطامات في ارض خراسان. وقد افترق عن الخوارج (الخازمية) في باب القدر والاستطاعة، فقالوا فيهما بقول القدرية، وقالوا بتكفير كل من لا يوافقهم، وكانوا يزعمون أن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون، لا تحل غنائمهم، وكانوا يحرقون غنائم معاركهم مع مخالفيهم، ويعقرون دوابهم. وقد ذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) طائفة من متكلمي الخوارج

стр. 137

وأسماء كتبهم. وفي موضع آخر من (الفهرست) ذكر طائفة من فقهائهم وأسماء ما صنفوه من الكتب، وقد كان لطائفة (الإباضية) من الخوارج في هذه الفترة دولة في عمان جنوب شرق جزيرة العرب، وكان أول أئمة الخوارج الإباضية فيها: الوارث ابن كعب الخروصي اليحمدي، ولي إمامة الإباضية سنة ١٧٩هـ فأرسل إليه هارون الرشيد جيشاً بقيادة ابن عمه عيسى بن جعفر، فانكسر جيشه وأسر عيسى، وبقي الوارث إماماً للخوارج الإباضية اثني عشر عاماً ونيفاً، حتى مات غرقاً في سنة ١٩٢هـ فتولى بعده الإمامة غسان بن عبد الله اليحمدي وبقي حتى توفي عام ٢٠٧هـ فجاء بعده عبد الملك بن حميد الأزدي وبقي على إمامتهم حتى سنة وفاته ٢٢٦هـ.

стр. 138

فأخذ إمامتهم بعده المهنا بن جيفر اليحمدي، وكان له جيش قوي، وأسطول بحري ضخم، واستمر إماماً لهم إلى أن توفي سنة ٢٣٧هـ. فجاء بعده الصلت بن مالك الخروصي اليحمدي، وكانت لدولته قوة ومنعة، حتى قاتل البرتغال عند احتلالهم جزيرة سقطرى في بحر العرب جنوب حضرموت، وبقي إماماً للإباضية خمسة وثلاثين عاماً، وخُلع قبل وفاته التي كانت سنة ٢٧٥هـ. ٣- القدرية: ذكرنا فيما مضى أن القدرية بعد أن نشأت على يد معبد الجهني وغيلان الدمشقي، على أن الله لم يكن عالماً بشيء قبل وقوعه، وأنه لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئاً من أفعال العباد، تحولت بعض هذه الآراء إلى المعتزلة، وحصل في بعضها تبدل، وذلك حين أخذ واصل بن عطاء قول معبد الجهني في القدر، غير أنه قال بعلم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها، خلافاً لمعبد وغيلان اللذين كانا يقولان الأمر أنف، ووافقهم واصل الذي يعتبر رأس مذهب الإعتزال، في أن أفعال الشر الواقعة من العباد ليست بإرادته ولا مشئيته، وليست من خلقه وفي هذه الفترة التي نحن بصد الحديث عنها، لم يكن للقدرية فرقة مستقلة كالخوارج والشيعة، بل إن بدع القدرية توزعت بين فرق أخرى، فلأخذت الشيعة منها: كقول الكيسانية بالبداء على الله -

стр. 139

زكقول هشام بن الحكم - الذي يعتبر بمثابة المؤسس الكلامي لمذهب الشيعة الإثنا عشرية - أن الله عليم بالأشياء بعد أن لم يكن عالماً بها. وأخذ بعض فرق الخوارج من أقوال القدرية كفرقة (الميمونية) ، الذين قالوا في باب القدر والاستطاعة والإرادة بقول القدرية والمعتزلة، وكفرقة (الحمزية) إذ قال زعيمهم حمزة بن أكرك بقول القدرية، وممن قال بأقوال القدرية من الخوارج، فرقة (الحارثية) من الإباضية، ومن الخوارج غير الإباضية الفرقة التي تسمى (أصحاب طاعةٍ لا يراد الله بها) . وكذلك فقد أخذ بعض فرق المرجئه بأقوال القدرية، وهم الذين يطلق عليهم في كتب الفرق " المرجئه القدرية ". بل لقد تأثر ببدعة القدرية بعض الأئمة الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، ونذكر هنا بعضهم - على سبيل المثال - ممن عاش خلال هذه الفترة التي يجري الحديث عنها وهي من ١٧٨هـ إلى ٣٠٠هـ فمنهم: عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وكهمس بن المنهال، ومحمد بن سواء

стр. 140

العنبري، وغيرهم من الثقات الذين روي لهم في غير الصحيحين. ولكن الفرقة التي أخذت أقوال القدرية، وتولت كِبر هذه البدعة، وتفننت فيها، ووسعت القول البدعي فيها، ووضعت لها الأسس والأصول الفلسفية، هي فرقة المعتزلة، وسيأتي الحديث عنها قريباً بعون الله. ٤- المرجئة: انتشرت في هذه الفترة أقوال غيلان الدمشقي وجهم بن صفوان، التي من ضمنها الإرجاء في الإيمان، وجعل الإيمان معرفة الله بالقلب فقط. وتشعبت أقوال المرجئة، وتعددت مدارسها، فأخذ بعضها بالجبر مع الإرجاء، وأخذ بعضها الآخر بالقدر مع الإرجاء، بينما قال البعض بالإرجاء الذي يعتبر مع معرفة القلب إقرار باللسان مع اعتبار زيادة الإيمان دون نقصه، أو نقصه دون زيادته، أو مع نفي زيادة الإيمان ونقصه، وقد أخذت بعض الفرق الأخرى ببعض أقوال المرجئة. وقال ببعض أقوالهم جِلّة من علماء الإسلام، وهنا سنعرض لبعض مشاهير المرجئة وبعض من قال بالإرجاء أو رمي به: ١) يونس بن عون صاحب فرقة اليونسية: وقد زعم أن الإيمان في القلب واللسان، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وحقيقة

стр. 141

الإيمان المحبة لله والخضوع له والتصديق برسله، وأن معرفة ما جاءت به الرسل في الجملة من الإيمان، وليست المعرفة التفصيلية لذلك من الإيمان، وأن كل خصلة من خصال الإيمان ليست بإيمان ولا بعض إيمان ومجموعها إيمان. ولم تخض هذه الفرقة في القدر والجبر كغيرها كما سيأتي، وخالفت فرقة " الغسانية " فرقة اليونسية بقولهم: إن الإيمان يزيد وينقص. ٢) بشر المريسي وهو زعيم فرقة (المريسية) الذين يسمون مرجئة بغداد، وقد جمع المريسي بين ضلالات عدة وبدع مختلفة، فكان يقول بأقوال المعتزلة، ما عدا الوعد والوعيد فإنه كان فيهما مرجئاً على مذهب جهم بن صفوان، بيد أن المريسي اعتنق آراء جهم بن صفوان ولم يدركه، واحتج لها ودعا إليها ونافح عنها، وأثر بها على المأمون الخليفة العباسي فأضله أيما ضلال. وأم البدع التي أخذها عن جهم ودعا إليها فهي: ١/ القول بخلق القرآن.

стр. 142

٢/ القول بنفي صفات الباري، وصنف في ذلك كتاباً سماه (كفر المشبهه) ، وقد رد عليه الإمام الدارمي بكتاب سماه (الرد على بشر المريسي) فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجهمية. ٣/ القول بالجبر وأن الإنسان لا فعل له ولا استطاعة، ثم قيل إنه رجع عن هذا أو قال بالاستطاعة. ٤/ القول بأن الإيمان: التصديق بالقلب واللسان جميعاً وإن سجد للصنم فليس بكافر، ولكن فعله دلالة على الكفر، ففارق جهم في هذه البدعة بجعل تصديق اللسان من الإيمان، كما فارق المعتزلة الذين يكفرون بالكبائر ويقولون بالمنزلة بين المنزلتين، على أصلهم الباطل في الوعد والوعيد، وإن كان يعتبر شيخ المعتزلة في عصره، فهو يعتبر أيضاً رأساً للجهمية في عصره، كذلك وراساً للمرجئة المريسية، فكم جمع هذا الرجل من شر، وكم حوى من بدع، نسأل الله العافية. وكان من المرجئة في هذه الفترة من أُطلق عليهم: المرجئة القدرية، إذ جمعوا بين القول بالإرجاء والقول بالقدر. وقد قال بالإرجاء أو رُمي به عدد من رواة الصحيحين، وإن كان قولهم بالإرجاء ليس كقول جهم بن صفوان، وإنما يتراوح قولهم بين تأخير العمل عن الإيمان وعدم اعتباره منه، ونفي زيادة الإيمان ونقصانه، مع التبري من الذنوب والنهي عنها، والقول بأنها سبب في عذاب الإنسان ودخوله النار ...

стр. 143

وهذا ما سماه شيخ الإسلام إرجاء الفقهاء حين قسم الإرجاء إلى ثلاثة أقسام فقال: (والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب ... ، الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية، الثالث: تصديق القلب وقول اللسان وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم.. - إلى أن قال - دخل في إرجاء الفقهاء جماعة عم عند الأئمة أهل علم ودين، ولم يكفّر أحد من السلف أحداً من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، نعم اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب فليس لأحد أن يقول بخلافه ... ) . وهنا سأذكر بعض هؤلاء العلماء الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، أو أحدهما، على سبيل التمثيل لامتداد فكرة الإرجاء، وتأثر الناس بها في ذلك العصر فمنهم: شبابة بن سوار، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحمَّاني، وعبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي روّاد، ويونس بن بكير.

стр. 144

٥- الصوفية: من سمات هذه الفترة الانفتاح على الثقافات والعلوم والفنون المختلفة، ودخول طوائف من البشر من مختلف الشعوب في الدين الإسلامي، وترجمة الكتب التي تحوي فلسفات وأفكار أمم سلفت.. وكان لكل هذا الأثر البالغ في إيجاد بدع مبتكرة جديدة، أو في تاصيل بدع سبقت. وكما أسلفنا فإن عبد الواحد بن زيد وتلامذته الذين كانوا في البصرة هم البذرة الأولى للتصوف بمعناه المتضمن إيجاد طريقة في العبادة، ليست من المشروع في الدين.. وكانت هذه البذرة قد نشأت في جو قابل للترعرع والنماء في البصرة، بتأثير العوامل الدينية مع العوامل السياسية والاقتصادية، فنشأت هذه البذرة في تلك البيئة القابلة، ثم اتسع نماؤها فتجاوزت حدود المبالغة في الزهد، والعبادة، والخوف، وتجاوزت محل النشأة إلى بلدان أخرى، فأصبحت الصوفية علماً يتخذ من الكلام المحدث والعمل المبتدع طريقة متميزة، وأصبحت كذلك علماً على طائفة متميزة مخصوصة بسلوك وعلم وعمل، ثم اتسعت المسألة حتى أصبح لهؤلاء وأتباعهم فلسفة تقوم على ما يشبه الباطنية، التي اتسعت آنذاك وانتشرت أفكارها، فكان علم الباطن وعلم الحقيقة، الذي يعتمد على ما وراء الظاهر من ذوق ووجد، على أساس هذا العلم تناولوا القرآن والسنة. وبدأ الحديث عن الفناء والبقاء، والصحو والمحو والصلم والوسواس، وغير ذلك من المصطلحات الصوفية المحدثة.. ونشأت الفُرقة العلمية والعملية في تناول المبتدعة للشرع الحنيف، فالمتكلمة تناولوا النصوص بميزانهم العقلي، والمتصوفة تناولوها بميزانهم الذوقي، وانتهى كل منهما إلى الفلسفة المحضة، كما انتهت الباطنية إلى ذلك من قبل، وذلك بتناولهم النصوص على أساس باطني فلسفي، يستتر بالرفض ويبطن الكفر المحض.

стр. 145

وإن كان التصوف في هذه الفترة الزمنية قد سلك مناهج عدة أبرزها منهجان: الأول: ما يسمى بصوفية الورع والزهد والعبادة، ويقوم عليه (شيوخ الصوفية) كما سماهم شيخ الإسلام وابن كثير أو (أئمة الطريق) كما سماهم ابن القيم. قال شيخ الإسلام: (.. شيوخ الصوفية الكبار كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وابي سليمان الداراني، وعمرو بن عثمان الشبلي، والجنيد ابن محمد وسهل بن عبد الله التستري وابي عبد الله محمد بن خفيف
следующие страницы →