← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الإيمان المحبة لله والخضوع له والتصديق برسله، وأن معرفة ما جاءت به الرسل في الجملة من الإيمان، وليست المعرفة التفصيلية لذلك من الإيمان، وأن كل خصلة من خصال الإيمان ليست بإيمان ولا بعض إيمان ومجموعها إيمان. ولم تخض هذه الفرقة في القدر والجبر كغيرها كما سيأتي، وخالفت فرقة " الغسانية " فرقة اليونسية بقولهم: إن الإيمان يزيد وينقص. ٢) بشر المريسي وهو زعيم فرقة (المريسية) الذين يسمون مرجئة بغداد، وقد جمع المريسي بين ضلالات عدة وبدع مختلفة، فكان يقول بأقوال المعتزلة، ما عدا الوعد والوعيد فإنه كان فيهما مرجئاً على مذهب جهم بن صفوان، بيد أن المريسي اعتنق آراء جهم بن صفوان ولم يدركه، واحتج لها ودعا إليها ونافح عنها، وأثر بها على المأمون الخليفة العباسي فأضله أيما ضلال. وأم البدع التي أخذها عن جهم ودعا إليها فهي: ١/ القول بخلق القرآن.

стр. 142

٢/ القول بنفي صفات الباري، وصنف في ذلك كتاباً سماه (كفر المشبهه) ، وقد رد عليه الإمام الدارمي بكتاب سماه (الرد على بشر المريسي) فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجهمية. ٣/ القول بالجبر وأن الإنسان لا فعل له ولا استطاعة، ثم قيل إنه رجع عن هذا أو قال بالاستطاعة. ٤/ القول بأن الإيمان: التصديق بالقلب واللسان جميعاً وإن سجد للصنم فليس بكافر، ولكن فعله دلالة على الكفر، ففارق جهم في هذه البدعة بجعل تصديق اللسان من الإيمان، كما فارق المعتزلة الذين يكفرون بالكبائر ويقولون بالمنزلة بين المنزلتين، على أصلهم الباطل في الوعد والوعيد، وإن كان يعتبر شيخ المعتزلة في عصره، فهو يعتبر أيضاً رأساً للجهمية في عصره، كذلك وراساً للمرجئة المريسية، فكم جمع هذا الرجل من شر، وكم حوى من بدع، نسأل الله العافية. وكان من المرجئة في هذه الفترة من أُطلق عليهم: المرجئة القدرية، إذ جمعوا بين القول بالإرجاء والقول بالقدر. وقد قال بالإرجاء أو رُمي به عدد من رواة الصحيحين، وإن كان قولهم بالإرجاء ليس كقول جهم بن صفوان، وإنما يتراوح قولهم بين تأخير العمل عن الإيمان وعدم اعتباره منه، ونفي زيادة الإيمان ونقصانه، مع التبري من الذنوب والنهي عنها، والقول بأنها سبب في عذاب الإنسان ودخوله النار ...

стр. 143

وهذا ما سماه شيخ الإسلام إرجاء الفقهاء حين قسم الإرجاء إلى ثلاثة أقسام فقال: (والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب ... ، الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية، الثالث: تصديق القلب وقول اللسان وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم.. - إلى أن قال - دخل في إرجاء الفقهاء جماعة عم عند الأئمة أهل علم ودين، ولم يكفّر أحد من السلف أحداً من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، نعم اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب فليس لأحد أن يقول بخلافه ... ) . وهنا سأذكر بعض هؤلاء العلماء الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، أو أحدهما، على سبيل التمثيل لامتداد فكرة الإرجاء، وتأثر الناس بها في ذلك العصر فمنهم: شبابة بن سوار، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحمَّاني، وعبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي روّاد، ويونس بن بكير.

стр. 144

٥- الصوفية: من سمات هذه الفترة الانفتاح على الثقافات والعلوم والفنون المختلفة، ودخول طوائف من البشر من مختلف الشعوب في الدين الإسلامي، وترجمة الكتب التي تحوي فلسفات وأفكار أمم سلفت.. وكان لكل هذا الأثر البالغ في إيجاد بدع مبتكرة جديدة، أو في تاصيل بدع سبقت. وكما أسلفنا فإن عبد الواحد بن زيد وتلامذته الذين كانوا في البصرة هم البذرة الأولى للتصوف بمعناه المتضمن إيجاد طريقة في العبادة، ليست من المشروع في الدين.. وكانت هذه البذرة قد نشأت في جو قابل للترعرع والنماء في البصرة، بتأثير العوامل الدينية مع العوامل السياسية والاقتصادية، فنشأت هذه البذرة في تلك البيئة القابلة، ثم اتسع نماؤها فتجاوزت حدود المبالغة في الزهد، والعبادة، والخوف، وتجاوزت محل النشأة إلى بلدان أخرى، فأصبحت الصوفية علماً يتخذ من الكلام المحدث والعمل المبتدع طريقة متميزة، وأصبحت كذلك علماً على طائفة متميزة مخصوصة بسلوك وعلم وعمل، ثم اتسعت المسألة حتى أصبح لهؤلاء وأتباعهم فلسفة تقوم على ما يشبه الباطنية، التي اتسعت آنذاك وانتشرت أفكارها، فكان علم الباطن وعلم الحقيقة، الذي يعتمد على ما وراء الظاهر من ذوق ووجد، على أساس هذا العلم تناولوا القرآن والسنة. وبدأ الحديث عن الفناء والبقاء، والصحو والمحو والصلم والوسواس، وغير ذلك من المصطلحات الصوفية المحدثة.. ونشأت الفُرقة العلمية والعملية في تناول المبتدعة للشرع الحنيف، فالمتكلمة تناولوا النصوص بميزانهم العقلي، والمتصوفة تناولوها بميزانهم الذوقي، وانتهى كل منهما إلى الفلسفة المحضة، كما انتهت الباطنية إلى ذلك من قبل، وذلك بتناولهم النصوص على أساس باطني فلسفي، يستتر بالرفض ويبطن الكفر المحض.

стр. 145

وإن كان التصوف في هذه الفترة الزمنية قد سلك مناهج عدة أبرزها منهجان: الأول: ما يسمى بصوفية الورع والزهد والعبادة، ويقوم عليه (شيوخ الصوفية) كما سماهم شيخ الإسلام وابن كثير أو (أئمة الطريق) كما سماهم ابن القيم. قال شيخ الإسلام: (.. شيوخ الصوفية الكبار كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وابي سليمان الداراني، وعمرو بن عثمان الشبلي، والجنيد ابن محمد وسهل بن عبد الله التستري وابي عبد الله محمد بن خفيف

стр. 146

الشيرازي ونحوهم ﵃) . وبعد أن ذكر ابن القيم بعض هذه الأسماء قال: ".. فإنهم تكلموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلاماً مفصلاً جامعاً مبيناً مطلقاً من غير ترتيب، ولا حصر للمقامات بعدد معلوم، فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرفن إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة، وطهارة القلوب وزكاة النفوس، وتصحيح المعاملة، ولهذا كلامهم قليل فيه البركة..) . وهذه الفئة من المتصوفة هي التي انقسمت آراء الناس حولها، فمنهم من جعلهم من الصديقين، وأنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، ومنهم من جعلهم من المبتدعين الخارجين عن الدين، والقول الوسط في هؤلاء أن يقال: (.. أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين..". وهؤلاء الأعلام في الزهد والعبادة كانت لهم مسالك في النسك والزهد والعبادة غير مأثورة، فكان النقض عليهم من هذا الباب، ولهذا نهى الإمام أحمد

стр. 147

عن مجالسة الحارث المحاسبي وأصحابه، وامتحن ذا النون المصري لكونه أتى بعلم لم يعهده الناس، وكان أول من تكلم بمصر في الأحوال ومقامات الأولياء، وكان أوائل الصوفية هؤلاء يقرون بأن الاعتماد في العبادة والذكر وأحوال القلوب وأعمالها، إنما يكون على الكتاب والسنة، ولكن لبس عليهم الشيطان لقلة علمهم. ثاني المسالك الصوفية في تلك الفترة: الصوفية الفلسفية: وهي التي حوت الطامات، وجمعت سائر البليات، فكان ظاهرها الزهد والعبادة، وباطنها الكفر والإلحاد، فأتوا بألفاظ ومصطلحات تحوي عدة معان وتجمع الصحيح والسقيم من المقاصد، مثل الفناء، والبقاء، والصحو، والسكر، والذوق، والمحو، والتجلي، والمكاشفة، واللوائح، والطوالع، واللوامع، والتمكين، إلى

стр. 148

غير ذلك من المتواضع عليه في كتب التصوف. وجاؤوا كذلك بنظريات في التعبد والذكر تنافي الدين، مثل جواز النظر إلى المردان والنساء والجميلات، من أجل التفكر في خلق الله، ومثل سقوط التكليف عمن وصل إلى مرتبة كذا، ومثل جعل رسوم وهيئات - تشبه العبادات - للمريد بين يدي سيده، ومثل استحلال المحرمات، كالزنا والخمر والغناء، ومثل تأويلهم للآيات القرآنية والأحاديث النبوية - مع جهلهم بها - بما يوافق تفسيرات الباطنية ويتجانس معها، وانحدروا بعد ذلك إلى هوة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، نسأل الله العافية، ومن هؤلاء الضالين: الحسين بن منصور بن محمي الحلاج: كان جده محمي مجوسياً من أهل فارس، ونشأ هو بواسط، وكان يظهر الزهد والعبادة والمجاهدة، حتى اغتر به طوائف من الناس في عصره، قيل إنه كان من القرامطة، وكان يكتب إلى خاصته وأتباعه: (من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان) ، كان يعتقد الحلول ومن ذلك قوله: سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب ثم بدا في خلقه ظاهراً في صورة الآكل والشارب حتى وقد عاينه خلقه كلحظة الحاجب بالحاجب سافر إلى الهند وتعلم بها السحر، فكان يحتال على الناس، ويظهر لهم المخاريق، وكان يكتب ويؤلف زاعماً أنه يعارض القرآن ويؤلف مثله، وابتلى كثير

стр. 149

من الناس والجهلة باتباعه والدفاع عنه، بسبب ما كان يظهره من صلاح وورع وتقوى وعبادة وتأله.. وكان يروج على الناس منكره، من خلال سحره وشعوذته، ومن خلال أتباعه، أجمع على تكفيره وحل دمه جماعة من الفقهاء والصوفية في عهد الخليفة العباس المقتدر، بعد أن وجدوا كتباً بخطه تدل على ادعائه الربوبية، وإجازته جعل الكعبة والحج داخل منزل نظيف من النجاسات، وأن ذلك يكفي عن الحج إلى مكة والمشاعر، وأن من صام ثلاثة أيام متواصلة، لا يفطر إلى في اليوم الرابع، أجزأه ذلك عن صيام رمضان، وغير ذلك من ضلالاته. وقد تأثر بالحلاج جماعة من الصوفية في عصره، فقالوا بأقواله ودافعوا عنه فمنهم: ١- دلف بن جعفر الشبلي: أبو بكر الشبلي: وكان من نساك بغداد، ولكنه اشتبه عليه أمر الحلاج فيما نسب إليه من الأقوال، من غير تأمل لما فيها، وخدع بما أظهره الحلاج من زهد وملازمة للعبادة، فأحسن فيه الظن فكان يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئاً واحداً، إلا أنه أظهر وكتمت، ولما سئل الشبلي عن قول الحلاج: هل الكاتب إلا الله، وأنا واليد آلة؟ قال: من يقول بهذا يمنع. وكان قد قال العلماء قبله: من يقول بهذا كافر.

стр. 150

٢- أبو العباس ابن عطاء: وكان من أئمة الصوفية في عصرهن واشتبه عليه أمر الحلاج وأيده في قوله: هل الكاتب إلا الله، وأنا واليد آلة؟ فسأل الوالي فقهاء بغداد فانكروا ذلك وكفروا من اعتقده، فأحضر ابن عطاء وسأله عن قول الحلاج، فقال: من لا يقول بهذا القول فهو بلا اعتقاد. فأمر الوالي بضرب رأسه حتى سال الدم من منخريه، ثم مات بعد سبعة أيام من ذلك في سنة ٣٠٩هـ. محمد بن خفيف الشيرازي: برغم ما قيل عنه من تمسك بالسنة إلا أنه خُدِع بالحلاج، فكان يقول عنه أنه: عالم رباني، ووقع في بعض موبقاته وأخذ ببعض ضلالاته. وهكذا دخلت فلسفة الملاحدة والإباحية والزنادقة عن طريق الصوفية الذين تظاهروا بالزهد والعبادة، وتراءوا بالصلاح والنسك، وأظهروا تعظيم الدين وهم يهدمونه، وادعوا حماية شعائره وهم في الحقيقة يحطمونه، فهؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان والإسلام ويبطنون الكفر والإلحاد. ٦- المعتزلة: تعاظمت المعتزلة ونشطت في هذه الفترة وانتشرت أفكارها وكثر أتباعها، وتوسعت مؤلفاتها. ومن أسباب ذلك تعريب كتب الفلاسفة من الروم والفرس في أثناء الدولة

стр. 151

العباسية، حين طلب المأمون العباسي ١٩٨-٢١٨هـ كتب هؤلاء الفلاسفة، فعربت ودرسها الناس، فكان منها شر عظيم؛ إذ إنها - وهي التصورات والتخصرات البشرية - أصبحت في تلك الفترة مقدمة على الوحي عند أهل الابتداع، إلا أن علماء السنة دافعوا عن الحق ونافحوا عنه، فوقعت الفتنة واستمرت في عهد المأمون، ثم في عهد المعتصم، ثم في عهد الواثق، ثم لما جاء عهد المتوكل، رفع الله لواء أهل السنة ونصرهم على أعدائهم. ويمكن أن يطلق على هذه الفترة بأنها (فترة المعتزلة) لما كان لها من أثر بالغ في الحياة العامة والخاصة، سياسية أو علمية أو عملية، فقد تأثر الخلفاء بأفكارهم واستعانوا بهم على ولاياتهم. وانتشر الفكر الاعتزالي وألفت فيه الكتب، وحدثت في داخل المعتزلة بدع كثيرة، أدت إلى تكفير بعضهم وغيرهم إلا أن هناك عقائد مبتدعة، وأصولاً محدثة، يكاد يتفق عليها سائر فرق المعتزلة، وهي التي أسموها: الأصول الخمسة وهي: ١- العدل: ويقصدون به نفي القدر، وأن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به،

стр. 152

وأن الله لم يخلق أفعال العباد، وأن الإنسان خالق أفعاله.. وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يريده، إذ لو خلقه ثم عذب العباد لأجله يكون ذلك جوراً والله عادل لا يجور. ٢- التوحيد: ويقصدون به نفي صفات الباري تنزيهاً له - بزعمهم - وهذا من أهم أصولهم، فهم يصفون الله سبحانه بصفات السلوب، فيقولون: لا حي ولا سميع، ولا فوق العالم، ولا يقوم به علم ولا قدرة. وبناءً على أصلهم هذا قالوا ببدعة خلق القرآن ونفي رؤية الله - سبحانه-. ٣- الوعد والوعيد: ويقصدون به إيجاب وقوع الثواب للمطيع، وإيجاب وقوع العقاب على مرتكب المعاصي، فلا يجوز على الله - بزعمهم - أن لا يعذبهم ويخلف وعيده، ولا يجوز كذلك عفوه عن الكبيرة من غير توبة. ٤- المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل متلازم مع أصل الوعد والوعيد، فزعموا أن المسلم العاصي بارتكاب الكبيرة في منزلة بين الإيمان والكفر، فلا يسمى مؤمناً ولا يسمى كافراً، وإذا مات وهو مقيم على كبيرة، فهو من أهل النار خالداً فيها. ٥- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقصدوا به الخروج على الحاكم الفاسق الظالم، وحمل الناس على ما يؤمنون به بالحجة والبرهان، أو بالقوة والسلطان، كما فعلوا في محنة خلق القرآن. هذه هي أهم أصولهم التي بنوا بدعهم الكلامية عليها، وأهم مسالك المعتزلة في الاستدلال على العقائد:

стр. 153

١- العقل: فكل ما قبله العقل أقروه، وكل ما لم يقبله رفضوه، ولذلك جعلوه هو الأصل، وجعلوا الشرع شاهداً له، فكل ما خالف معقولاتهم من النصوص أولوه حتى يوافقها، وسبب ذلك ثقتهم المطلقة بالعقل، مما قادهم إلى رعونات في العقائد والأعمال، دفعتهم إليها نزعتهم العقلية فقالوا: (إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية.. فإما أن يجمع بينهما، وهو محال؛ لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يردا جميعاً، وإما أن يقدم السمع وهو محال؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل شيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحاً في النقل والعقل جميعاً، فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يُتأول وإما أن يفوض..) . فهذا هو القانون الكلي الذي يعتمد عليه هؤلاء ويطردونه في سائر مسائل العلم والعمل الخبرية والإرادية. ٢- الفلسفة: لما ترجمت كتب الفلسفة وانتشرت أخذ منها المعتزلة وتأثروا بها، فكانت أدلتهم واستدلالاتهم وأقوالهم معتمدة على الأراء الفلسفية، والمقدمات المنطقية، والأقيسة الكلامية، التي تعود في مجملها إلى الفلسفة اليونانية، وجعلوا ما جاء به الأنبياء من باب الظن الذي لا يفيد يقيناً، كما تفيده معقولاتهم، ولذلك أدخلوا النقل من باب التأويل فهم يقولون: بأن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا الحق، والحق هو ما علمناه بعقولنا، فيجتهدون في تأويل النصوص إلى ما يوافق رأيهم، بأنواع التأويلات التي هي في حقيقتها تحريفات للشريعة.

стр. 154

أسباب انتشار مذهب المعتزلة: ١- تأثيرهم على خلفاء بني العباس: حتى إنهم استطاعوا إقناعهم بأقوالهم، وأخذ مهام الدولة والعمل فيها، والتأثير من خلالها في نشر بدعهم، وحمل الناس عليها وفتنتهم بها.. فقد كان عمرو بن عبيد، وهو المؤسس الثاني لمذهب المعتزلة بعد واصل بن عطاء، كان من جلساء الخليفة أبي جعفر المنصور وأحمد بن أبي دؤاد، كان قاضي القضاة لثلاثة من الخلفاء: المعتصم، والواثق، والمتوكل، وفي زمن المتوكل طرد من القضاء، وكان بشر المريسي أستاذاً للمأمون، وأحد كبار المؤثرين فيه. حتى إنه كانت تعقد للمعتزلة مجالس المناظرة مع أهل السنة تحت نظر الخليفة وسمعه، في مجالس الخلافة. ٢- قدرتهم الكلامية وفصاحتهم اللسانية: فقد أوتوا قوة في الجدال، وفصاحة في الألسن، فكان منهم أهل البيان والفصاحة، يلقون أفكارهم ممزوجة بحكم العرب وأمثالهم وأشعارهم، فكان ذلك

стр. 155

من أسباب انتشار مذهبهم، إذ خدعوا الناس بالبيان "وإن من البيان لسحرا" كما قال ﵊، وسبب ذلك أن المعتزلة جمعوا بين علوم الكلام والجدل، وهذه بطبيعتها تقود إلى المناظرات والمخاصمات وكثرة الكلام، وعلوم الأدب والغة وهي ثوب قثيب يخدع الناس ويستهويهم، وممن اشتهر بفصاحته من المعتزلة، ابن أبي دؤاد، وواصل بن عطاء، وأبو الهذيل العلاف، وأبو علي الجبائي وغيرهم، ولا تخلو طبقة من طبقات المعتزلة من وجود مفوه فصيح. هذا وقد جمعت المعتزلة بين بدع سلفت وبدع حدثت، فأما البدع السالفة فقد أخذوا القول بالقدر، ولكن ليس لعى ريقة القدرية الغلاة النفاة، الذين يقولون بأن الأمر أنف، وإنما قالوا بنفي خلق الله لأعمال العباد وهو ما أسموه بالعدل، ونفي إرادة الله وقضائه، وخلقه للشر، ولذلك سموا بالقدرية، وأخذوا من الخوارج الحكم على مرتكب الكبيرة، ولكنهم حوروه إلى ما أطلقوا عليه المنزلة بين المنزلتين، وأخذوا منهم الخروج على الحاكم الظالم، وأخذوا من الجهمية نفي صفات الباري سبحانه، والقول بخلق القرآن، ولذلك سموا بالجهمية، فإنهم

стр. 156

كانوا أكثر الفرق ترسيخاً لبدعة الجهمية، وعلى أيديهم انتشرت مقالات جهم، ولذلك فإنه كما يقال المعتزلة القدرية فإنه يقال المعتزلة الجهمية. وهذه الأقوال والأصول الخمسة التي ذكرت آنفاً هي جماع قول المعتزلة، وإن كان لبعض زعمائهم أقوال تخالف بعض ذلك أو تزيد عليه، فقد كثرت فرق المعتزلة في هذه الفترة، وتعددت مقالاتها، وتنوعت بدعها في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، مما لا يتسع المجال في هذه العجالة لحصره. وأهم حدث حصل في هذه الفترة الزمنية، هو الابتلاء الواقع من قبل المعتزلة، ومعهم السلطة، على أهل السنة، في الفتنة التي سميت فتنة خلق القرآن، من سنة ٢١٨هـ، حين أجمع المأمون رأيه على القول بخلق القرآن والدعاء له، وإكراه الناس عليه، إلى أن أفضت الخلافة إلى المتوكل سنة ٢٣٤هـ فأمر بترك هذا القول المبتدع، ونبذ قائله وإظهار السنة. ٧- أشخاص لهم أقوال قامت عليها بدع: عاش في هذه الفترة مجموعة من الأعلام، الذين كان لهم أثر في إيجاد بعض الأقوال البدعية، التي قامت عليها بعد ذلك فئات من الناس، ودعت إليها، وهؤلاء الأعلام الذين سنعرض لهم بإيجاز هنا ليسوا من أصحاب الفرق السالفة الذكر، فلذلك خصصناهم هنا:

стр. 157

(أ) ابن كلاب: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان البصري، أحد المتكلمين في أيام المأمون، وصاحب التصانيف في الرد على الجهمية والمعتزلة، تتلمذ عليه داود الظاهري والحارث المحاسبي، وعنه أخذ الكلام، وكانت له مع المعتزلة مناظرات ومناقشات في إثبات الصفات لله ، توفي بعد الأربعين ومائتين بقليل. ويعتبر ابن كلاب من متكلمة الصفاتية، وطريقته يميل فيها إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكنها فيها نوع من البدعة، وكان ممن انتدب للرد على الجهمية النفاة، والمعتزلة الجهمية، ولذلك فقد اتهموه بالبدعة ومواطأة قول النصارى، ولكن هذا من الكذب عليه (وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية، الذين رد عليهم فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى) . ولما رد ابن كلاب على الجهمية وقع في بدع أخرى، وسلك مسالك مبتدعة في تقرير الصفات، اضطره إلى ذلك المسلك الكلامي الذي سار عليه، وعدم اتباهه لأصل كلام الجهمية الذي أحدثوه، ولكنه مع ذلك له فضله في الرد على الجهمية نفاة الصفات، والعلو؛ إذ بسط القول ووضع الدلائل وأظهر الحجج في هذا الباب، حتى صار قدوة لمن بعده وإماماً، وممن اتبعه

стр. 158

الحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي ثم أبو الحسن الأشعري فإنه لما ترك مذهب المعتزلة النفاة، سلك مسلك ابن كلاب، وهؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك يلقبون بنُظار أهل الحديث هذا وأشهر البدع التي خالف فيها ابن كلاب وأتباعه من الكلابية مذهب أهل الحق ما يلي: ١- القول بنفي الصفات الاختيارية الفعلية الثابتة لله دون قيام الحوادث به، ويقصدون بذلك نفي كون الصفات الفعلية متعلقة بمشيئته سبحانه، فلا يجعلون الكلام مثلاً متعلقاً بمشيئته إن شاء تكلم، وإن لم يشأ لم يتكلم. قالوا بهذا لنفي الحوادث عن الله، وتنزيهه عنها، ولأن إثبات الصفات الفعلية يلزم منه التسلسل كما يزعمون. ٢- زعموا أن الله لم يزل يتكلم بالقرآن، بخلاف قول أهل السنة، إنه إنما تكلم الله بالقرآن حين خاطب جبريل، وكذلك سائر الكتب. ٣- قالوا في حروف القرآن ومعانيه: (إن المعاني التي هي معاني الحروف المنتظمة، هي معنى واحد في نفسه، والأمر والنهي والخبر صفات لموصوف واحد، فالذي هو الأمر هو الخبر، والذي هو الخبر هو النهي، وقالوا: إن ذلك الواحد إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وغن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسيريانية كان إنجيلاً".

стр. 159

٤- قالوا في تكليم الله لعباده: إنه مجرد خلق إدراك لهم، من غير تجدد تكليم منه سبحانه. ٥- أثبتوا ذواتاً قديمة قائمة بذات الباري سبحانه، منها ذوات توجب أن يكون عالماً، ولولاها لم يكن عالماً، وذات توجب كونه قادراً، ولولاها لم يكن قادراً. (ب) محمد بن كرام بن عراق أبي عبد الله السجستاني المتوفي سنة ٢٥٥ه ـ: كان زاهداً عابداً، بعيد الصيت، كثير الأصحاب، جالس بعض الوضاعين في الحديث الكاذبين فيه، وأكثر الرواية عنهم، نشأ بسجستان، وجاور بمكة خمس سنين، وورد نيسابور وحبس فيها بسبب بدعته، فأقام ببيت المقدس، ثم أخرج منها حتى توفي ببلدة تسمى زغر من بلاد الشام. وقد ابتدع محمد بن كرام وإليه تنسب فرقة (الكرامية) بدعاً عديدة، وإن كان يعد هو وفرقته من متكلمي أهل الإثبات، ويطلق عليهم هم والكلابية والأشعرية متكلمة الصفاتية، إلا أن الكرامية بالغوا في الإثبات إلى حد التشبيه والتجسيم (فلم يمتنعوا من تسمية صفات الله أعراضاً، كما لم يمتنعوا من تسميته جسماً) .

стр. 160

ومن بدعهم أنهم قالوا عن كلام الله بأنه حروف وأصوات حادثة في ذاته بعد أن لم يكن متكلماً، فهم وإن قالوا بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته - وهذا حق - إلا أنه يمتنع عندهم أنه كان في الأزل متكلماً بمشيئته وقدرته. ومن بدع محمد بن كرام قوله: (الإيمان هو نطق اللسان بالتوحيد مجرد عن عقد قلب وعمل جوارح) . وهذا هو عين قول المرجئة، بل إن ابن كرام قال الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن، فعليه يكون المنافق مؤمناً. ومما ابتدعته الكرامية قولهم: (إن النبي تجوز منه الكبائر سوى الكذب) . وقد نسب إلى ابن كرام تجويز وضع الأحاديث على الرسول ﵇. (ج) أبو الحسن الأشعري: علي بن إسماعيل بن إسحاق، يصل نسبه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، ولد سنة ستين ومائتين للهجرة وتوفي سنة ٣٢٤هـ وقيل ٣٣٠هـ وقيل بعد ذلك. دخل بغداد، وتعلم الحديث بها على زكريا بن يحيى الساجي، وروى عنه جماعة، وتعلم الكلام من زوج أمه: أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه،

стр. 161

واعتنق بسببه مذهب الاعتزال، وبلغ فيه الغاية، ثم إنه كان يورد الأسئلة على أستاذه في الدرس، فلا يجد فيها جواباً شافياً، فكان ذلك سبب مراجعته لمعتقده، إذ عارض مسائل الكلام بما في القرآن والسنة، فوجد بينها بوناً شاسعاً، فأثبت ما وجد من أدلة الاعتقاد بالنص، ونبذ ما وراء ذلك، ثم خرج على الناس في البصرة، وعلى منبرها فأعلن توبته من اعتقاد المعتزلة، وأظهر للناس فضائح المعتزلة وقبائحهم، وكانت له مناظرة مع الجبائي في القدر، ألزمه فيها بقول أهل السنة وأفحمه حتى انقطع الجبائي، وقد ألف في أوبته هذه كتاب (الإبانة عن أصول الديانة) أبان فيه مسلكه في الاعتقاد، وأظهر فيه طريقته فقال: (قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا وبسنة نبينا ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به ابو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائفين وشك الشاكين..) . إلا أن الأشعري (لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في، كتبه كلها كالإبانة، والموجز، والمقالات، وغيرها، وكان مختلطاً بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم..". ولذلك فإنه يعد من متكلمي أهل الإثبات، ومن متكلمة الصفاتية، ويعتبر من أقربهم إلى السنة وأتبعهم لأحمد بن حنبل.

стр. 162

بل إنه (.. أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد، الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وابن الجوزي) . وقد ذكر شيخ الإسلام ذم ابن حزم للأشعري وأصحابه ومبالغته في ذلك فقال: (وكذلك أبو محمد بن حزم، مع معرفته بالحديث وانتصاره لطريقة داود، وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر، قد بالغ في نفي الصفاتن وردها إلى العلم.. ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث، ويذم الأشعري وأصحابه ذماً عظيماً، ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات. ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته، أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات، أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله) .

стр. 163

ومما تقدم يظهر أن الأشعري كانت له ثلاث مراحل في الاعتقاد، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام بقوله: (وكنت أقرر للحنبلية وأبين أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره، كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم) . المرحلة الأولى: القول بالاعتزال وقد تلقاه عن أبي علي الجبائي، ومكث عليه فترة من الزمن، ثم أعلن توبته منه ومعاداته له. قال شيخ الإسلام: (هذا أبو الحسن الأشعري نشأ في الاعتزال أربعين عاماً يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك، وصرح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرد عليهم. المرحلة الثانية: أخذه عن ابن كلاب، وقوله ببعض أقوالهن واعتقاده على طريقة الكلابية، مع بعض أشياء تفرد بها. فإن أبا الحسن لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، فقد كان ابن كلاب إماماً للأشعري وأصحابه. وفي هذه المرحلة حصل الاضطراب حول اعتقاد الأشعري، فأتباعه الذين

стр. 164

ينتسبون إليه يأخذون أقواله التي قال بها في هذه المرحلة، ويزيدون عليها وينقصون منها، ويعتبرون هذا آخر ما وصل إليه، ولذلك ينتمون إليه، ولكن أتباع مذهب الأشعري الذين سلكوا مسلكه في هذه المرحلة، لم يكتفوا بما قاله الأشعري بل قالوا بأقوال لم يقل بها، وسلكوا مسالك نهى عنها وذمها، وهم مع ذلك مختلفون في مذهبهم، فليست مقولاتهم في أبواب الاعتقاد متفقة، فتجد أن لأئمة الأشاعرة مقولات مختلفة ومتباينة في قضايا العقيدة. وهذه المرحلة التي مر بها الأشعري، هي التي كان أئمة السنة ينكرون فيها مقولاته ويردونها. قال شيخ الإسلام: (والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا التجهم والاعتزال..". فقد بقي عند الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال بعض أصولهم العقلية، فقال ببعض الأقوال المبتدعة مثل نفي قيام الأفعال الاختيارية بالله - سبحانه -، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيه ونسبوه إلى البدعة، وبقايا بعض الاعتزال، فقد (وافق الأشعري ابن كلاب في إثبات الصفات اللازمة، ونفي أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها) . المرحلة الثالثة: عقيدته التي استقر عليها أخيراً، وهي عقيدة أهل السنة في جمهور ما ذهب

стр. 165

إليه. يظهر ذلك جلياً في مؤلفه المشهور: (الإبانة عن أصول الديانة) حيث قال فيه: (قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا وبسنة نبينا ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما يقول أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل.. قائلون ولمن خالف قوله مجانبون..) . ثم سرد جملة أقواله في سائر أبواب الاعتقاد، وفيها إثبات صفات الله كما وردت بدون تأويل. وفيها طائفة من أبواب الاعتقاد على منهاج السلف، ومما يدل على ترك الأشعري لعقيدة ابن كلاب وانتقاله عنها إلى عقيدة أهل السنة، ما ذكره الذهبي في كتاب العلو حيث قال: (ونقل الإمام أبو بكر بن فورك المقالة المذكورة عن أصحاب الحديث، عن أبي الحسن الأشعري في كتاب (المقالات والخلاف بين الأشعري وبين أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري) تأليف ابن فورك فقال: الفصل الأول: في ذكر ما حكى أبو الحسن ﵁ في كتاب (المقالات) من جمل مذاهب أصحاب الحديث، وما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك، ثم سرد ابن فورك المقالة بهيئتها، ثم قال في آخرها: فهذا تحقيق لك من ألفاظه أنه معتقد لهذه الأصول التي هي قواعد أصحاب الحديث، وأساس توحيدهم)

стр. 166

ويعتبر كتاب (الإبانة) من المؤلفات المعتمد عليها في تقرير عقدية أهل السنة والجماعة - في الجملة - وممن اعتبر ذلك محمد بن أحمد السفاريني في (لوامع الأنوار) وابن القيم في (النونية) وابن تيمية في (درء التعارض) ولهذا فقد شكك بعض الناس في نسبة كتاب الإبانة إلى الأشعري؛ بسبب وقوفهم على ما اعتقده بعد انتقاله من الاعتزال إلى ابن كلاب، وقد فند هذا الزعم وأبان حقيقة الأمر الشيخ حماد الأنصاري، في رسالته عن أبي الحسن الأشعري. إذ وثق نسبة هذا الكتاب إليه بأنواع من التوثيق تكفي المنصف، ومن قبله ابو القاسم بن درباس في رسالته: (الذب عن أبي الحسن الأشعري) وبهذا يظهر لنا أن الأشعري في آخر أمره قد قال بأقوال أهل السنة، ودافع عن معتقاداتهم، ورد على من خالفهم، كما في كتابيه (مقالات الإسلاميين) و (الإبانة) وصار الأشعري بذلك يعد متكلماً لأهل السنة، وموافقاً لأئمة الحديث في جمهور ما يقولونه، مع حصول بعض المخالفات منه في بعض أقواله لما كان يقول به السلف، وقد أشار إلى ذلك ابن عساكر في تبيين كذب المفترى وأشار إلى

стр. 167

ذلك شيخ الإسلام مبيناً السبب في بقاء بعض أصول المعتزلة معه فقال: (.. ولهذا كان هو - أي الأشعري - وأمثاله يعدون من متكلمة أهل الحديث، وكانوا هم خيرة هذه الطوائف، وأقربها إلى الكتاب والسنة، ولكن خبرته بالكتاب والسنة كانت مجملة، وخبرته باكلام كانت مفصلة، فلهذا بقي عليه بقايا من أصول المعتزلة) وهذا القول لا ينافي ما ذكرنا من كونه استقر على اعتقاد السلف، وقال بقولهم، وسلك طريقة أهل السنة والحديث، وذهب إلى ما كان يقوله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل. ولكن يمكن أن يقال إن الأشعري مع كل هذه التوبة الصادقة، بقيت معه بقايا من علم الكلام لا يقر عليها، ولا تنقص من فضله (والأشعري ابتلي بطائفتين، طائفة تبغضه، وطائفه تحبه..) وخير من ذلك ما قاله شيخ الإسلام، بعد أن ذكر طائفة من العلماء، الذين كانت لهم مقولات مبتدعة وأقوال مخالفة للصواب.. قال: (.. ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق، وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا إلى طرده، والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها.. والله يتقبل من جميع عباده الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات.. ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه..) .

стр. 168

أسباب ظهور البدع مر معنا في أثناء العرض التاريخي الموجز للبدع بعض الأسباب التي أدت لظهور البدع، ويمكن هنا أن نذكر تلك الأسباب وغيرها على سبيل الإيجاز، والأسباب على ضربين: أحدهما: سبب قدري أزلي: وهو معنى قوله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) فالله جل وعلا قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، على إيمان أو على كفر، كما قال سبحانه: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) ، ولكنه سبحانه أراد كوناً لحكمة تقتضيها هذه الإرادة أن: (لا يزال في الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم. قال عكرمة: (مختلفين في الهدى) .. قال تعالى: (ولا يزالون مختلفين غلا من رحم ربك) . فإن الله - سبحانه - أراد قدراً أن يكون هذا الخلق صائراً إلى الرحمة أو الاختلاف، وهذه هي الغاية التي غليها يصيرون، وهي مرادة بخلقه - سبحانه - وهي العاقبة الكونية التي قدرها أزلاً، بعد أن هدى الناس بالدلالة والإرشاد، إذ

стр. 169

أوجد الفطرة القابلة، والعقول الباصرة، وأرسل الرسل الهادية، والكتب الدالة (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) وهذا الاختلاف الوارد في الآية يقصد به: الاختلاف في أصل الملة على أديان شتى كاليهودية والنصرانية. ويقصد به كذلك الاختلاف بين أهلة ملة الإسلام وهو على نوعين: النوع الأول: الاختلاف في مسائل الاجتهاد، وهو اختلاف التنوع وهذا ليس بمذموم وليس أهله من أهل التفرق والعذاب. النوع الثاني: اختلاف أهل البدع والأهواء، في القواعد الكلية والأصول الشرعية الاعتقادية والعبادية، فهذا داخل تحت هذه الآية؛ لأنه يؤدي إلى التفرق شيعاً. فالمرحومون في هذا التفرق والخلاف هم: (.. أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين..) واتبعوا هدي الرسول الأمين، وهم الفرقة الناجية الذين أخبر عنهم ﵇ في حديث افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، وما سواهم من الفرق فهو من أهل الأهواء المختلفين الموعودين بالجحيم. والضرب الثاني من أسباب الابتداع: كسبي، وهو على أنواع: ١- اتباع الهوى: ومن هذا الباب سمي أهل البدع أهل الأهواء؛ لأنهم قدموا أهواءهم

стр. 170

ورجحوا آراءهم، وجعلوها مساويةً للنصوص الشرعية، أو أعلى منها درجة ودلالة، بل ربما جعلوا عقولهم وأذواقهم هي الأساس والأدلة الشرعية للتعضيد والاستئناس. قال ابن القيم: (وكان السلف يسمون أهل الأراء المخالفة للسنة وما جاء به الرسول في مسائل العلم الخبرية، وأهل مسائل الأحكام العملية يسمونهم أهل الشبهات والأهواء؛ لأن الرأي المخالف للسنة جهل لا علم، وهوى لادين فصاحبه ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، وغايته الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة..) . وقال شيخ الإسلام: (وأصل الضلال: اتباع الظن والهوى..) . وقال عمر بن الخطاب ﵁: (إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) . وهذا هو دأب أهل البدع، يضعون أهوائهم أولاً، ثم يطلبون الأدلة عليه من الشرع وكلام العرب، بعكس أهل الحق فإنهم يضعون الدليل أولاًن ثم ينقادون له فيعتقدون ويحكمون بعد ما يستدلون. وأهل الأهواء إذا وجدوا الأدلة على خلاف ما يعتقدون، أولوها وحرفوها وصرفوها عن حقيقة معناها. كما فعل المعتزلة في الأدلة المخالفة لأصولهم الخمسة، وكما فعلت الجهمية في آيات الصفات.

стр. 171

ومما يدل على أن اتباع الهوى هو أحد أسباب البدع، أنك تجد من أهل البدع من يرد النصوص الصريحة الصحيحة؛ لأنها خالفت هواه كما فعلت الشيعة في النقول الواردة في فضائل الشيخين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (.. وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم، فهم لم يثبتوا الحق، بل أصلوا أصولاً تناقض الحق، فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا، ولم يدلوا على الحق، حتى أصلوا أصولاً تناقض الحق، ورأوا أنها تناقض ما جاء به الرسول ﷺ فقدموها على ما جاء به الرسول) والهوى المضاد للهدى، والمتسبب في إيجاد البدع، قد يكون هوى الإنسان نفسه وقد يكون هوى لغيره وهو يتبعه، وقد يكون هوى التحسين والتقبيح، أو هوى اتباع الأقيسة والآراء، أو هوى الذوق والوجد، أو هوى الحب والبغض. ٢- قلة العلم بالشرع المنزل: كما قال الإمام أحمد في وصف المبتدعة: (.. عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما

стр. 172

يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين". فشعار المبتدعة ترك الآثار، وشعار أهل السنة مثل ما قال محمد بن سيرين ﵀: (كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر) . ولذلك فإن أهل السنة أتباع الحق والهدى، يسمون أهل الحديث تارة، وأهل الأثر تارة، كما قال هارون الرشيد: (طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته في الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث". فانظر كيف فرق بين اتباع الهدى أصحاب الاتباع، وأتباع الردى ذوي الابتداع؛ لأن الله عصم أولئك بمسلكهم خلف رسول الله ﷺ كما قال وكيع بن الجراح: (لو أن الرجل لم يصب في الحديث شيئاً إلا أن يمنعه من الهوى كان قد أصاب فيه) . وأساس علوم الإسلام كتاب الله وسنة رسوله، وقد أخبر المصطفى ﵇ عن ذهاب العلم فقال: ".. إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن قبض العلم قبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فيسألون، فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .

стр. 173

ولقلة علمهم اتبعوا المتشابه، وتركوا المحكم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ (سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ) . وقد وصف الصادق ﷺ الخوارج بصفات منها: ما رواه علي ﵁ حيث قال: (.. وإني سمعت النبي ﷺ يقوم: "سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". وهم على عكس أهل السنة الذين من صفاتهم الرسوخ في العلم ورد المحكم إلى المتشابه، إذ من صفات المبتدعة الزيغ، وقلة العلم، وابتاع المتشابه، فمن جهة الجهل بالشرع حصل لهم الزيغ، فتركوا الأدلة المحكمة واتبعوا المتشابه فقادهم ذلك إلى الابتداع. وفروع جهل المبتدعة بالشريعة كثيرة ومتنوعة منها: ١- الجهل بالحديث النبوي وبمراد النبي ﷺ . ٢- الجهل بالآثار الواردة عن السلف - رضوان الله عليهم-.

стр. 174

٣- الجهل بمقاصد الشريعة. ٤- الجهل بكلام العرب وأساليبهم. ٥- الجهل بقواعد العلوم وأصولها، كالمطلق والمقيدن والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمبين. ٦- الأخذ بالأحاديث والآثار والنقولات الواهية، والمكذوبة. ٧- أخذ الأدلة الشرعية مجزأة عن بعضها، وعدم تصور الشريعة صورة واحدة متكاملة متصلة. ٨- جعل كلامهم وأصولهم هي المحكمة، وكلام الشارع هو المتشابه المجمل. ٣- اتباع العوائد: وهي على أقسام: ١- اتباع الآباء والمشائخ: على طريقة أولئك الذين حكى الله عنهم (إنا وجدنا اباءنا على أمة وإنا على اثرهم مقتدون) وهذا هو التقليد المذموم الذي يقود صاحبه إلى الاستنان بآراء واقوال الرجال، وطرح الهدى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، التقليد الذي يطرح صاحبه به الحق، ويعتنق بسببه الباطل.

стр. 175

ومن أمثلة ذلك: التغالي في تعظيم الشيوخ، وزعماء المذاهب والطوائف، تعظيماً يجعلهم في منزلة من لا يسال عما يقول. أو يفعل، كما تفعل الصوفية والشيعية والمتفلسفة، فالشيخ عند الصوفية محل السمع والطاعة المطلقة (وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمر به، وإن تضمن تحليل حرام أو تحريم حلال) . حتى أن عبارة (من اعترض فقد انطرد) من المسلمات عند المريدين والسالكين أتباع الصوفية. والإمام عند الشيعة بمنزلة النبي، وكلامه إما وحياً أو كالوحي. ٢- اتباع المذهب والطائفة: وهو أيضاً من التقليد المذموم، الذي قاد إلى بدع كثيرة، إذ إن أكثر فرق المبتدعة تضع لنفسها أصولاً وقواعد بدعية عقلية كالمعتزلة، أو ذوقية كالصوفية، فمن تقيد بهذه الأصول وسار عليها، فهو عندهم المؤمن، ومن خالفها فهو الكافر أو الفاسق. بل ربما جعل ذلك المبتدع طائفته هم أهل السنة والجماعة، ومن خالفها فهو من أهل البدع. وبذلك تنتشر البدع في أغمار الناس، وفي من التبس عليه الحق بالباطل أو اتبع هواه وظنه.

стр. 176

واتباع المذاهب والطوائف في الحق والباطل، من أكبر المنكرات وأعظم المحرمات، بل هو مسلك اليهود كما قال الله عنهم: (وكانوا من قبل يسفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) . (فوصف اليهود: أنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به والداعي واتباع المذاهب والطوائف في الحق والباطل، من أكبر المنكرات وأعظم المحرمات، بل هو مسلك اليهود كما قال الله عنهم: (وكانوا من قبل يسفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) . (فوصف اليهود: أنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به والداعي إليه، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلوا الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم. وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم، أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين - غير النبي ﷺ فإنهم لا يقبلون من الدين رأياً ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم) . ٣- ابتاع العادة والعرف والشائع: وهذا من أسوء أنواع التقليد، إذ يظن البعض أن الأمر المبتدع إذا جرت به العادة بين الناس أو أصبح عرفاً عندهم، أو شاع وانتشر في الناس فإنه لا يقبل المعارضة ولا يتطرق إليه النقض. بل مما يزيد هذا الأم سوءاً: أن يعتقد أن مجرد الاعتياد على الفعل وكونه أصبح شائعاً متعارفاً عليهن يكسبه شرعية تجيز فعلهن مع أنه من المعلوم الثابت في الشريعة أن ٠شيوعه الفعل لا تدل على جوازه) ومع ذلك فإن كثيراً من العامة وأشباههم، يعتنقون كثيراً من البدع على أنها سنن، بسبب عمومها وشهرتها واستدامة مبتدعيها لفعلها. بل ويحتجون بذلك على كونها سنناً، أو بدعاً حسنة، ويجعلون ذلك الجاري والشائع بين الناس إجماعاً لا تصح مخالفته، ولو كانت مباينته للسنة جلية

стр. 177

واضحة. قال شيخ الإسلام في مثل هذا الاحتجاج: (.. فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات، أكثر من اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترأسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم ولا يعدون من أولي الأمر ولا يصلحون للشورى، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل، من غير روية أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكون فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين. والاحتجاج بمثل هذه الحجج، والجواب عنها معلوم أنه ليس من طريقة أهل العلم، ولكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس، حتى من المنتسبين إلى العلم والدين..) . ومما يمكن أن يلحق بهذا القسم: الاحتجاج على صحة البدعة ومشروعيتها، بعمل من عملها أو قال بها من ذوي العلم والفضل. والاحتجاج بثبوت منفعة هذه البدعة - التي لا أصل لها - بالتجارب والأقسية كأن يقال: بأن الدعاء عند قبور الصالحين مستحب أو جائز؛ لكونه ثبت بالتجربة أنه يستجاب للإنسان عندها، والخلاصة أن التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت، أو كانت مخالفة للحق سبب من أسباب انتشار البدع.

стр. 178

ومن أسباب انتشار البدع: ٤- أخذ أهل السلطة بها أو سكوتهم عنها: أما أخذ السلطة بالبدعة، وكونه سبباً في انتشارها، فيؤكده ما ذكرناه سابقاً عند الحديث عن المعتزلة، وكيف أنهم استطاعوا من خلال التأثير على خلفاء بني العباس، أن ينشروا بدعهم ويرغموا الناس على الأخذ بها، واعتقاها، وكثير من البدع انتشرت تحت وطأة الرغبة أو الرهبة من الحاكمين أو المتسلطين. كما انتشرت بدع الخوارج في خراسان، وبدع القرامطة في البحرين، وبدع الشيعة في اليمن وإيران. قال اللالكائي: (.. ومقالة أهل البدع لم تظهر إلا بسلطان قاهر أو بشيطان معاند فاجر، يضل الناس خفياً ببدعته، أو يقهر ذاك بسيفه وسوطه أو يستميله بماله ليضله عن سبيل اللهن حمية لبدعته وذباً عن ضلالتهن ليرد المسلمين على أعقابهم ويفتنهم عن أديانهم..) . أم السكوت عن المبتدعة الدعاة، فإنه سبب من اسباب انتشار البدع، سواء كان السكوت من العلماء أو الولاة. ومن الأسباب: ٥- كون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان: وقد قال المصطفى ﷺ : "إن من البيان لسحراً". وهكذا كان حال المعتزلة فما من طبقة من طبقاتهم إلا وفيها فصحاء بلغاء كواصل بن عطاء، وأبي الهذيل العلاف، ومن البيان الذي يعتمد عليه أهل البدع

стр. 179

الشعر وسائر صنوف الأدب، وهذا مما يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم ويخلب عقولهم، وهو الذي يشبه بالسحر، إذ يغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن جهته. وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح ويحمد؛ لأن في تحسين الكلام وتحبير الألفاظ وتجميل الأساليب تزييناً للحق، كما أن العكس بالعكس، فكم أضل ابن الفارض بقصائده، والمعري بشعره، والجاحظ بمؤلفاته وكتبه. ٦- احتفاء المبتدعة ببعضهم وتعاونهم فيما بينهم: وهذا من الأسباب القوية التي أدت إلى انتشار البدع، ومما قيل في هذا المعنى وأصبح كالمثل السائر: (احتفى به كاحتفاء الشيعي بالشيعي والمعتزلي بالمعتزلي) . وفي تاريخ القرامطة والإسماعيلية والرافضة، أكبر دليل على ما نقول. موقف السلف من البدع: يختلف الموقف من البدع باختلاف البدعة ذاتها، من حيث ضخامتها أو حقارتها.

стр. 180

وباختلاف المبتدع من حيث كونه داعياً لها أو مستتراً بها، أو كونه مع جماعة لهم قوة وسلطان، أو ليس لها ذلكن وعلى هذا فقد اختلفت مواقف السلف من البدع وأهلها إلا أنه من المتفق عليه بينهم هو التحذير من البدع والتنفير من المبتدعة، هذا في العموم أما على وجه التفصيل فسيأتي بعون الله في فصل: حكم المبتدع. ولا يمنع أن نعرض هنا لبعض مواقف السلف المتنوعة بتنوع الأسباب والبواعث والملابسات: ١- التأديب والتعزير بالضرب والحبس، كما فعل عمر مع صبيغ بن عسل. ٢- النهي عن مجالسة ومحادثة أهل البدع، والأمر بهجرهم ومقاطعتهم وترك مجادلتهم. ٣- مناظرتهم وتبيين الحق لهم، كما فعل ابن عباس ﵄ مع الخوارج. ٤- قتالهم ومحاربتهم، كما فعل علي ﵁ مع الخوارج. ٥- حمل السيف وإعلان الخروج على المبتدعة، كما فعل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي.
следующие страницы →