← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٨- وقال أيوب السختياني: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً) . ٩- وقال أبو قلابة: (ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف) . ١٠- وقال حسان بن عطية - كما روى ذلك الأوزاعي عنه: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ولا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة. ١١- قال رجل لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله أوصني، قال: إياك والأهواء، وإياك والخصومة، وإياك والسلطان) .

стр. 72

وهذه بعض أقوال العلماء في ذم البدع: جاءت الشريعة الإسلامية بمصالح الأنام في معاشهم ومعادهم وسلكت لأجل ذلك أوضح المسالك وأعطت كل دارج عليها نوره لتهدي وحذرته من مغبة التنكب المقيت؛ لأنه الضلال والفساد والمهالك. والقلوب كالأبدان، لها غذاء ودواء وبلاء فـ (... الشرائع أغذية القلوب فمتى اغتذت بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث. بل بمنزلة من تعاطى السموم المهلكة واتخذ الدواء من أنياب الأفاعي لأن فاعل البدع: (.. يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاءوا به.. وحينئذ.. تورث القلب نفاقاً.. فمن تدبر هذا علم يقيناً ما في حشوة البدع من السموم المضعفة للإيمان ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر..) . لأن الجامع بينها هو مشاقة أمر الله والخروج عن الطريق المستقيم القاصد، إلى الطريق الجائز. وهذا هو الجامع أيضاً بين البدع والمعاصي، بيد أن البدع في عمومها أشر من المعاصي، وأشد إثماً، كما قرر ذلك شيخ الإسلام حين قال: (.. والبدعة شر من المعصية كما قال سفيان الثوري: والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) . واستدل ﵀ على أن البدع شر من المعاصي بحديث الرجل الذي

стр. 73

كان يدعى (حماراً) وكان يضحك النبي ﷺ ، وكان يكثر من شرب الخمر فحده النبي ﵇، فلعنه أحد الصحابة فقال: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله". وشرب الخمر معصية، ولكنه لما كان صحيح الاعتقاد، محباً لله ورسوله شهد له النبي ﵇ بذلك ونهى عن لعنه. واستدل على غلظ البدعة وعظم خطرها بحديث الرجل الذي قال للنبي ﷺ : (هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) فقال النبي ﷺ : "يخرج من ضئضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". ولكون البدع أشر من المعاصي صار (أئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب.. ولهذا أمر النبي ﷺ بقتل الخوارج ونهى عن قتال الولاة الظلمة..) . والسبب في أن البدع أسوأ حالاً ومآلاً من المعاصي ما بينه سفيان الثوري، ﵀ في الكلام المنقول عنه آنفاً، يضاف إلى ذلك أمور هي

стр. 74

من أسباب اعتبار البدع أضخم في الإثم والذم من المعاصي، وهي في ذات الوقت ذم للبدع فمن ذلك: ١- أن المبتدع بلسان حاله يتهم الرسول ﷺ بالخيانة في أداء الأمانة والرسالة، وذلك بكونه يحدث من العبادات والاعتقادات والأقوال والأعمال ما يعتقد أنه قربه إلى الله - تعالى -، ولو كان كذلك لأخبرنا به نبينا - محمد ﷺ لأنه ما ترك خيراً إلا دلنا عليهن ولا شراً إلا نهانا عنه، وهذا المبتدع كأنه يقول بفعله: هذه طريقة حسنة، وعبادة تقرب إلى الله وتنيل الثواب الوفير، وهذا اتهام للمبلغ الأمين - عليه أفضل الصلاة والتسليم-، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس - عليه رحمة الله-: (من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً) . ٢- أن البدع مضادة للشريعة ومتهمة لها، إذ تستدرك على الشرع بزيادة أو نقصان، أو تغيير للأصل الصحيح الذي هو الصراط المستقيم، فالبدع عموماً: (.. مضادة للشارع، ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له) . ٣- وعلة ذلك أن المبتدع: (.. المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيراً له من رأي أو كشف أو نحو ذلك.

стр. 75

ولأن أهل البدع عموماً أصلوا أصولاً توافق أهواءهم، وتناقض الحق الذي أمر الله به، فلم يهتدوا إلى الحق، بل جعلوا ما أصلوه مقدماً على الشرع الحنيف، بل إنهم جعلوا كلامهم هو المحكم، وكلام الشارع هو المجمل المتشابه.. وهذا هو عين المضادة والمراغمة التي تقود إلى الاعتقادات الباطلة، والأعمال والأحوال الفاسدة، والخروج عن الشريعة والمنهاج الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا. ٤- إن الشيطان الرجيم في تدرجه المشين لإضلال بني آدم بشروره واستحواذهن يسعى أولاً إلى إدخال الإنسان في الكفر والشرك، وهذه غاية أمانيه، فإذا لم يستطع ذلك انتقل (.. إلى المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك فإذا نال منه البدعة، وجعله من أهلها بقي أيضاً نائبه، وداعياً من ذاته، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها. ومن هذا الباب يخشى على المبتدع أن يكون كافراً، ويخاف عليه من سوء الخاتمة - نعوذ بالله -. ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر.

стр. 76

وبسبب خطورة البدع، حذر العلماء الأجلاء من مجالسة ومخاطبة أهل البدع، والصلاة خلفهم، والرواية عنهم، والتحدث معهم؛ إلا لمن كان قادراً على كف شرهم عن نفسه، بالرسوخ في العلم، وعلاج ما هم فيه من البلاء بالحرص على إنقاذهم، ودعوتهم إلى الحق بالرفق والحكمة. فهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - عليه رحمة الله - كان يغشى مجلسه عبد الرحمن بن صالح الأزدي - وكان رافضياً - فيقربه الإمام أحمد ويدنيه، فقيل له فيهن فقال: (سبحان الله! رجل أحب قوماً من أهل بيت النبي ﷺ ..) . وكان عبد الرحمن هذا يحدث بمثالب الصحابة، وأمهات المؤمنين، ولكن الإمام أحمد - بفقهه، وعلمه بمقاصد هذا الدين، ورسوخه في علم الكتاب والسنة، وحرصه على إنقاذ هذا الرجل - الذي أخبر الإمام بحاله - كان يقربه ويدنيه، لعله يزيل عن قلبه غشاوة البدعة، وعن بصره ضلالة الهوى، ليعود إلى الحق المبين، كما فعل ﵀ مع موسى بن حزام شيخ البخاري والترمذي، والنسائي، حيث (.. كان في أول أمره ينتحل الإرجاء ثم أعانه الله - تعالى - بأحمد بن حنبل، فانتحل السنة وذب عنها، وقمع من خالفها، مع لزوم الدين حتى مات. (.. ألا ترى أن الإمام أحمد لزمه أن يجلس معه المجالس الطوال، مناقشاً له برفق وسكينة، وحكمة وموعظة حسنة، حتى استطاع صرفه عن بدعة

стр. 77

الإرجاء، التي توهمه أن العمل ليس شرطاً في الإيمان، وإنما هو تصديق القلب فقط، ثم مجالس أخرى علمه فيها السنن، ثم مجالس أخرى بعث فيه همة عالية، استمر حتى موته بالدفاع عن السنة وقمع مخالفيها، من أهل البدع والشهوات) . وكلام العلماء في دعوة المبتدعة وإرشادهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، واسع، له أحكامه وآدابهن ووسائلهن مما لا يتسع له الموضوع الذي نحن بصدده. وما ورد من أقوال فضلاء هذه الأمة في التحذير من مبتدع بعينه، يتوجه إلى من كان داعياً لبدعته، مصراً عليها، ومن كان مظهراً لها، وهو ممن يقتدى به، أما المسر ببدعته، والمستتر بشبهته، فالأولى عدم تعيينه بتحذير، أو تشهير أو تنفير؛ لما في ذلك من فساد، قد يؤدي إلى إصرار واستكبار، ودعوة إلى البدعة من حيث ظن أنه تنفير عنها، وجلب للفرقة والخلاف، بدلاً من الاجتماع والائتلاف، وسيأتي الحديث عن هذا مفصلاً في حكم المبتدع. أما ما ورد عن الأئمة النبلاء، في التحذير من أهل الأهواء فكثير، اذكر منه على سبيل المثال والاستدلال، لا على سبيل الحصر، ما يلي: أول تنبيه على هذا المعنى ما ورد عن النبي ﷺ في الجليس الصالح والجليس السوء، والتمثيل بحامل المسك ونافخ الكير، وإذا كان هذا الحديث في عموم المعاصي والمخالفات بين، فهو في البدع والأهواء أبين، إذ إن للسنة عبقها وعبيرها، وشذاها ونداها.. وللبدعة نتنها وعفنها، وكيرها وأذاها. وكذلك ما روي عنه ﷺ أنه قال: "لا تجالسوا أهل

стр. 78

القدر ولا تفاتحوهم". ومما يمكن أن يستدل به من كلام المصطفى ﷺ في هذا المعنى قوله: ".. ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى، يتجارى بهم ذلك الهوى، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله". ولهذا الحديث وجه في الاستدلال على وجوب الحذر من مجالسة ومخالطة أهل البدع. (وبيان ذلك: أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكلب واقع بالكلب، ثم إذا عض ذلك الكلب أحداً صار مثله، ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب، إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل غما أن يقع معه في مذهبه، ويصير من شيعته وإما أن يثبت في قلبه شكاً، يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر) . وقد فهم هذا المعنى الدقيق ابن طاووس حين دخل عليه وعلى ابنه أحد المبتدعة، فجعل يتكلم في القدر، فأدخل ابن طاووس أصبعه في أذنيه وقال لابنه: (أدخل أصابعك في أذنيك، واشدد، فلا تسمع من قوله شيئاً فإن القلب ضعيف.

стр. 79

ووعى هذا من قبل الإمام الحجة محمد بن سيرين ﵀ حين دخل عليه رجل من المبتدعة فقال: (يا أبا بكر، أقرأ عليك آية من كتاب الله، لا أزيد على أن أقرأها، ثم أخرج، فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال: أخرج عليك أن كنت مسلماً لما خرجت من بيتي، فقال يا أبا بكر: إني لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج، قال: فقال بإزاره يشده عليه ويتهيأ للقيام، فأقبلنا على الجرل، فقلنا: قد حرج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلاً من بيته؟ قال: فخرج. فقلنا: يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج قال: إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكني خفت أن يلقي في قلبي شيئاً أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع) . وهذا هو حكم (سماع كلام أهل البدع، والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم) . ولكنه ينهى في العموم عن ذلك لما يترتب عليه من مفاسد في الدين والدنيا. فهذا هو سبيل السلف - عليهم رضوان الله - أخذوه من تأديب الرسول ﷺ للثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وإن كان ذلك ليس ابتداعاً منهم، ولكنه مخالفة لأمر النبي ﵇، فكان ذلك دالاً على هجر أهل البدع، وعدم السماع منهم من باب الأولى، كما بوب أبو داود السجستاني لذلك في سننه بقوله: (باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم) ثم استدل بحديث كعب ابن مالك في قصة تخلفه عن النبي ﷺ في غزوة تبوك. وهذا صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه عبد الله ابن عمر ﵄ لما نقل له كلام نجدة الحروري: (.. جعل لا

стр. 80

يسمع منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء) . وقد ذهب إمام دار الهجرة إلى أبعد من ذلك فجعل تلقي العلم عن المبتدع الداعي لبدعته أمراً منهياً عنه، وهذا من باب الأولى أيضاً فإذا كان السماع قد نهي عنه فتلقي العلم أحرى بالنهي. قال مالك ﵀: (لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به) . هذا في سماعهم والتلقي عنهم، أما في مجادلتهم والخوض معهم فيما خاضوا فيه، فقد نبه السلف على ذلك كثيراً، إذ جعلوا مصطلح (أهل الجدل والخصومات) مرادفاً لمصطلح (أهل البدع والأهواء) فهذا أبو قلابة يقول: ٠إياكم وأصحاب الخصومات، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. بل قد جعل الحكم بن عتيبة الخصومات سبباً في دخول الناس في الأهواء والبدع حين سأله أحد أصحابه: (ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال: الخصومات) .

стр. 81

ولعله يدخل في هذا ما يسلكه بعض أهل السنة، بدافع حبهم للسنة وتحذيرهم من البدعة، فيجادلون عن السنن، ويخاصمون أهل البدع، فيكون ذلك سبباً في نشر بدعة كانت نائمة، والإشارة إلى مبتدع لم يكن معروفاً، قال الفضيل ابن عياض: (لا تجادلوا أهل الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله) . وقد بوب اللالكائي ﵀ لهذا باباً سماه: (سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن مناظرة أهل البدع، وجدالهم والمكالمة معهم، والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) . وهذا لا يعارض ما ذكرناه آنفاً من دعوة المبتدعة، وإرشادهم، ولا يعارض كذلك التحذير منهم وكشف شبههم والرد عليها. بشرط أن يلتزم في ذلك بآداب الدعوة إلى الله ، ومعرفة المهم والأهم، وقاعدة أخف الضررين، وأعلى المنفعتين. وما يقال في ترك السماع من أهل البدع، وترك الخوض فيما خاضوا فيه، يقال كذلك في مجالستهم، وجامع ذلك هو الذم للمبتدع ولبدعته، والتحذير منه، فعن ابن عباس ﵄ قال: (لا تجالس أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلوب) . وعن عبد الله بن المبارك: (يكون مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجالس صاحب بدعة) . وعن الحسن البصري قال: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم) .

стр. 82

وهذا ما يسميه العلماء: (هجر أهل البدع والأهواء) . ولابد من التنبيه هنا إلى أن الهجر حكم شرعي، يأتي على وجه التأديب لمن أظهر المنكرات والمحدثات (.. وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدعة لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية..) . ولابد من تنبيه آخر يناسب هذا المقام وهو: أن الذم الوارد للمبتدعة وللبدع، فإذا ثبت ذم البدع فقد ثبت ذم صاحبها، وإذا تأكد ذم مقارف البدع دل ذلك من باب الأولى على ذم ما كان سبباً في استحقاقه لهذا الذم. وإنما تطلق هذه المعاني التي ذكرناها آنفاً في باب التحذير من البدع والتنفير من أهلها، ولهذا الباب متعلقات حكمية تفصيلية، تختلف باختلاف البدعة من حيث ضخامتها، أو ضآلتها، وكونها في الأصول أو الفروع العلمية العملية، وتختلف كذلك باختلاف أحوال المبتدع جهلاً أو علماً، وهوى أو تأولاً، ودعوة أو استتاراً، مما ينبغي مراعاته والعناية به، وسوف يأتي تفصيله - بعون الله - في الباب الثالث.

стр. 83

لمحة تاريخية عن ظهور البدع

стр. 84

المبحث الأول: اللمحة التاريخية الموجزة لظهور البدع: لم يكن ظهور البدع في دين الإسلام على شكل طفرة في زمن واحد وبشكل مفاجئ، وإنما كان ذلك في أزمنة مختلفة متباعدة، وبهيئات وكيفيات متنوعة، وفي أشخاص وثبات وجماعات متباينة. وكلما ظهرت شمس النبوة في مكان أو زمان، أو شخص أو جماعة، اختفت حنادس البدع، وكلما حجبت أنوار الرسالة، بدت دياجير ظلام الهوى والابتداع، ولذلك فسوف أعرض لتاريخ البدع هنا بإيجاز، على حسب الفترات التاريخية، ذاكراً أهم البدع وأغلظها في كل فترة، لأجمع بين المنهجين اللذين ذكرهما شيخ الإسلام في ترتيب الناس لأهل الأهواء، إذ إن (... منهم من يرتبهم على زمان حدوثهم، فيبدأ بالخوارج، ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغلظه..) . الفترة الأولى: "فترة ما قبل ظهور البدع ". من بعثته ﷺ حتى عام ٣٥ هـ. فيها بعث المصطفى ﵇ فنشر الإسلام، وأقام على طريق الجنة المعالم بسيرته وسنته، وبه اقتدى ذلك الرهط الكريم. وشعت أنوار النبوة، فزهق الباطل، وتراجع حزب الشيطان مذؤوماً مدحوراً، وأقيم صرح الملة الحنيفية، وتزلزل كيان الوثنية. وتحرر الإنسان من ربقة العبوديات المتفرقة، ونجا من نيران الشهوات

стр. 85

والشبهات المحرقة، ليصبح عبداً للإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، ثم ليكون بعد ذلك في نور التوحيد معتصماً بالعروة الوثقى لا انفصام لها. وفي فترة حياة الرسول ﵇ كان ينزل الوحي الكريم، فكان منه ري القلوب، وشبع العقول، وطمأنينة الأرواح، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يجدون فيه أمنهم وأمانهم، وإسلامهم وإيمانهم، فمنه كانوا ينهلون وعليه كانوا في أقوالهم وأعمالهم واعتقادهم يعتمدون. استناروا بنوره فلم يضلوا، وتمسكوا بقوته فلم يذلوا، آمنوا بغيبه وعملوا بشرعه، فخافوا من وعيده واطمأنوا لوعده، حفظوه من بعد أن وعته قلوبهم، وفهمته عقولهم، وطبقته جوارحهم. وكان الوحي الطريق الوحيد لاعتقادهم، والسبيل الفريد لأعمالهم، فلم تجرفهم الشبهات، ولم تلعب بهم الأهواء، فكانوا على هدى من الله وفي صراط مستقيم، قدوتهم نبيهم، يبلغهم عن ربهم، فيصل الأرض بالسماء ويربط الدنيا بالآخرة.. وبه كانوا يقتدون، وعلى سنته يسيرون، أفعاله وأقواله وأحواله ﵇ محط أنظارهم، ومجال تنافسهم، وقرة أعينهم وبهجة أفئدتهم، فكانوا لذلك خير أمة أخرجت للناس، وكانوا خير القرون.. أهم ما يشغلهم تطبيق هذا الدين، واتباع الرسول الأمين، والحذر من مخالفته بالتقصير عنه، أو الاستدراك فيه، أو الإفراط بالغلو والتعمق والتنطع، أو التفريط بالتكاسل والتهاون، فكانوا بذلك أمة وسطاً وكانوا على عقيدة واحدة؛ لإدراكهم زمن الوحي، وحيازتهم شرف صحبة النبي ﷺ وشدة تمسكهم بالمأثور، ونفورهم من الابتداع والافتراق، وإن كان قد حصل بينهم تنازع في مسائل الاجتهاد؛ فذلك لسعة هذا الباب، وارتفاع الملام عن كلا المتنازعين باجتهاد. إلا أن الصحابة الكرام لم يتنازعوا في مسألة من قواعد هذا الدين أو كلية من كلياته، أو أصل من أصوله.

стр. 86

كما قال ابن القيم ﵀: (.. أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيماناً.. ولكن - بحمد الله - لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء، والصفات، والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلاً، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلاً ولم يبدوا لشيء منها إبطالاً، ولا ضربوا لها أمثالاً، ولم يدفعوها في صدورها، وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها، وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوا بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمراً واحداً، وأجروها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع، حيث جعلوها عضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها، من غير فرقان مبين..) . هكذا كان عصر خيرة أمة محمد ﷺ : اتباع عن طواعية ومحبة، وبعد عن البدع والجدل والخصومات، والمشكلات والمشتبهات، وكل ما فيه مغبة، وانتصار للحق الذي يؤمنون به، ودعوة إلى الله وجهاد في سبيله. وإن كان قد حدث بعض الميل عن هذا الخط العام، والصراط الواضح، فإنما كان ذلك من بعضهم - عليهم رضوان الله - وكان بمثابة قزعة صغيرة من السحاب، في ليلة بدر ساطعة، لاحت ثم راحت، وأطلت ثم اضمحلت، فمن ذلك ما أراده النفر الثلاثة - عليهم رضوان الله - حين سألوا عن عبادة الرسول ﷺ فكأنهم استقلوها، فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: لا أتزوج النساء، وقال الثالث: لا آكل اللحم، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وأخبرهم بالسنة، فانتهوا - عليهم الرضوان. وحين تكلم بعض الصحابة في القدر، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فنهاهم عن ذلك الصنيع فانتهوا، ومنعهم من هذا ومثله فامتنعوا.

стр. 87

ففي مسند الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن نفراً كانوا جلوساً بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ فخرج، فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان، فقال: "بهذا أمرتم، أو بهذا بعثتم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيء، انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا) . وفيه بالسند نفسه أنه ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آية، وهذا ينزع بآية، فذكر الحديث. وهذا الذي حدث بين بعض الصحابة - عليهم رضوان الله - شذوذ يؤكد القاعدة ولا ينفيها، وأمر عارض اقتضته الحكمة الإلهية، ليكون منه التأديب والتعليم، والتشريع إلى قيام الساعة.. ولذلك فإننا نرى أن الصحابة - عليهم رضوان الله - لما قامت فتنة القدرية، كانوا مصابيح الهداية في ظلمات الشبهات، التي علقت بأذهان بعض الناس. وفي العهد النبوي بعد الهجرة، ظهرت بعض البذور الخبيثة لبعض البدع لكنها لم تكن ظاهرة على السطح، أو بارزة للعيان، ولم تكن قد اتخذت مساراً فكرياً أو عملياً واضحاً.. وإنما كانت بمثابة اعتراضات سطحية جانبية لم تشكل عمقاً، ولم تكن ذات بال، ولولا أن الرسول ﷺ أخبر بأنها

стр. 88

بذرة لفرقة تخرج فيما بعد، لما التفت لها إلا كما التفت إلى اعتراضات المنافقين أو اليهود، وذلك أن نور النبوة الساطع كان هو الأعم الأغلب، ومثل هذه النتوءات الضئيلة ما كانت لتحجب ضوء الرسالة الصافي. (والنبي ﷺ إنما ذكر الخوارج الحرورية لأنهم أول صنف من أهل البدع خرجوا بعده، بل أولهم خرج في حياته فذكرهم لقربهم من زمانه..) . قال شيخ الإسلام في المعنى الذي قررناه آنفاً: (ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف، فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية، والمتأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها، كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبي ﷺ كانت أفضل، فالسنن ضد البدع، فكل ما قرب منه ﷺ مثل سيرة أبي بكر وعمر كان أفضل مما تأخر كسيرة عثمان وعلي، والبدع بالضد كلما بعد عنه كان شراً مما قرب منه، وأقربها من زمن الخوارج فإن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه، ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين علي ﵁) . ويشير شيخ الإسلام بقوله: (إن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه ﷺ إلى قصة ذي الخويصرة المروية في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله:

стр. 89

اعدل، فقال رسول الله ﷺ : "فمن يعدل إذا لم أعدل.."، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ : "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر أحدهم إلى نصله، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس.. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد أن علي ابن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت) . وهذه البدعة التي فاح شيء من نتنها في عهد النبوة المبارك، لم تكن سوى ومضة تشبه ارتداد الطرف، في ضحاً أشرق بالسنا النبوي وأضاء بسراج الرسالة المحمدي، فلم يكن لها أن تطمس شيئاً من ذلك وأتي لها؟ بيد أن هذه البدعة كانت نواة بدع ضخام كبرى فيما بعد، ومن هذا الباب عد العلماء الفضلاء بدعة الخوارج أول البدع ظهوراً، وعدوها كذلك البدعة التي حدثت في عهد رسول الله ﷺ . ولا تناقض بين قول هؤلاء وقول الذين قالوا بأنه لم يكن في عهد النبي ﷺ شيء من البدع والأهواء فإن كلا القولين صحيح من جهة، فأما قول الأولين فإنهم قصدوا أن جذور بدعة الخوارج وجدت منذ أن اعترض ذو الخويصرة على حكم الرسول ﵇، ودليلهم في ذلك قوله ﷺ : "... إن من ضئضيء هذا قوماً يقرأون القرآن ولا يجاوز

стр. 90

حناجرهم". والضئضيء بالهمز: الأصل، والمراد يخرج من صلبه ونسله وهذا ما حدث في آخر العهد الراشد. وبهذا الاعتبار عدت هذه أول بدعة في الإسلام حدثت في مدة حياة الرسول ﷺ . لأن هذه معارضة للشرع بالهوى، ومعاندة للنص بالرأي الباطل، فمن هنا كانت أولى البدع. وأما من قال بأنه لم يكن في عهده ﷺ شيء من البدع، فينصرف إلى اعتبار ظهورها وتفشيها وانتشارها، وتجمع الناس حولها، وهذا لم يحدث في زمنه ﷺ ، وما كان ليحدث والوحي يتنزل والإسلام في زيادة، والنبي حي - عليه أفضل الصلاة والتسليم - وهو الناصح الأمين والمجاهد الجاهد في طمس كل ما لا يحبه الله. وبدأو ببعض المخالفات التي قد تحسب في حساب البدع كقول الثلاثة، وتنازع بعض الصحابة في القدر، واعتراض ذي الخويصرة.. لا يشكل ظاهرة يشار إليها.. وإنما كان حدوث ذلك وفق حكمة الباري ليكون بسببها التنبيه على خطورة البدع، والتحذير من شرها، وفي ذلك بلاغ وذكرى للمؤمنين. وبعد وفاة المصطفى ﵊ ظهرت الاعتراضات كالبذور، وظهر منها الشبهات كالزروع، ولكنها كانت في أغلبها اختلافات اجتهادية، خصوصاً ما حدث بين الصحابة - عليهم رضوان الله - وكان كل قصدهم إقامة مراسم الدين وفق مناهج الشرع القويم، وحفظ الملة من كل خطأ وزلة، فكان بينهم اختلافات اجتهادية، لم تصل إلى حد البدعة والفرقة، مثل ما حدث في مرضه ﵇ -

стр. 91

في شأن الكتاب الذي طلب النبي ﷺ كتابته، وما حصل بين ابن عباس وعمر ﵄ في ذلك، وما حصل كذلك عند وفاته ﵇، حينما اعتقد عمر أنه ﷺ لم يمت وإنما رفع إلى السماء. وما حصل في موضع دفنه ﵇. ثم ما حصل من خلاف في السقيفة بين المهاجرين والأنصار، في موضع الإمامة، ولكن الله سلم تلك الأمة المختارة من الفتنة في هذا الباب، الذي كان فيما بعد سبباً من أسباب الفتن، ومدخلاً من مداخل البدع، ثم ما حصل من اختلاف بين الصحابة في أمر فدك وفي إرث النبي ﷺ ثم في قتال مانعي الزكاة وأشباه هذه المسائل التي لم تكن من البدع في شيء،

стр. 92

والحمد لله؛ بل كانت من الأمور الاجتهادية التي يؤجر فيها المصيب والمخطئ لكونها من مسائل الأحكام. وهكذا كان عهد أبي بكر الصديق ﵁ هو أقرب العهود إلى العهد النبوي المبارك، وكان من أهم ما حدث في هذا العهد قتال المرتدين، ولم يعتبر العلماء أهل الردة من المبتدعة لكونهم جحدوا بعض أركان الإسلام، وأعلنوا الخروج على الدين باتباعهم للكاذبين المدعين للنبوة، وتصريح بعضهم بالكفر والردة عن الإسلام. وفي عهد الفاروق عمر ﵁ حدثت حوادث مفردة وحيدة في عصر الخلافة التي هي على منهاج النبوة.. وكانت نادرة في زمان، السنة فيه هي الملتزم، والشرع هو المحترم، والوحي هو المقدم، وهذا ما حدث من (صبيغ بن عسل) الذي كان يطرح على الناس ما استشكل عليه من متشابه القرآن، فأخذه عمر وضربه، حتى زال ما كان يجد في رأسه من شبه) . وبهذا تبددت نأمة هذه الشبهة وتلاشت نبتة هذه الفتنة، وهكذا مضى العهد العمري، فلما قُتل ﵁ عام ٢٤هـ انكسر الباب، ولكن

стр. 93

الفتن والبدع لم تطل برأسها في أول عهد ذي النورين ﵁، ولكنها قد فشت سراً بين الناس عن طريق عبد الله بن سبأ، وأشياعه، حتى حاصر الناسُ عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين واقتحموا داره، وذبحوه، وهنا وقع السيف، وأسقط في أيدي كبار الصحابة، وبدت بوادر الفتنة التي حضر لها اليهودي، وإن كانت مقدمات هذه الفتنة، وما ترتب عليها فيما بعد من حروب ومشكلات، تعد من الخلافات السياسية، والأمور التي اختلفت فيها اجتهادات الصحابة - عليهم رضوان الله - إلا أنها كانت إرهاصات لبدع كبيرة هزت الأمة الإسلامية ولا تزال. ومن خلال هذا العرض الموجز، لهذه الفترة التاريخية، يتبين لنا بالمقارنة مع الفترات الآتية صفاء هذه الفترة من المحدثات، ونقاؤها من البدع والانحرافات، وما حدث من أمور مبتدعة في هذه الفترة، لم يكن سوى نقطة سوداء صغيرة في ثوب أبيض نقي، وحالة نادرة عابرة في حياة مليئة بالحرص على السنة وتطبيقها. الفترة الثانية من سنة ٣٦ - ١٠٠ ه ـ: وتبدأ هذه الفترة من بداية ولاية أمير المؤمنين علي ﵁ وقد اختلفت آراء الناس، وتفرقت أمورهم، وزاد ابن سبأ اليهودي أمور الفتنة بما كان يصنعه في السر بين الناس، حتى اقتتلوا وكانت وقعة الجمل سنة ست وثلاثين، وقد أثار فتنتها ابن سبأ ومن معه من السفهاء صباح ذلك اليوم، بعد

стр. 94

أن تم في اليوم الأول ما يشبه الصلح بين الناس.. وفي سنة سبع وثلاثين وقعت موقعة صفين، وفيها رفع أهل الشام المصاحف، ودعوا إلى الحكم بما في كتاب الله، وقبل علي ذلك مكرهاً من بعض جيشه، ثم إنهم اعترضوا على قبول التحكيم بعد ذلك فكانت فرقة الخوارج الذين كفروا علياً ﵁ ثم جعلوا أن من تبرأ من عثمان وعلي وطلحة والزبير والحكام من بني أمية فهو منهم، وانحازوا بعد ذلك وكونوا قوة تقوم على مبدأ تكفير العصاة من أمة محمد ﷺ واعتبارهم من الخالدين في النار. وبدأ الخروج على الإمام، وقد جهد أمير المؤمنين علي في ردهم عن غيهم وتوضيح الشبهة لهم، ولكنهم لم يقبلوا منه بل كانوا يقاطعونه ويؤذونه ويشتمونه، وانتهى بهم الأمر إلى قتاله ﵁. وظهر على إثر فتنة الخوارج فتنة الشيعة، الذين أفرطوا في محبة علي ﵁ كما أفرط الخوارج في بغضهم وإن كانت فكرة التشيع أسبق في عهد علي من فكرة الخوارج، فإن الناس كانوا يتعاطفون مع علي ﵁ وكانت الشيعة المفضلة يفضلون علياً على عثمان من غير تجريح لأحد من الصحابة.. وبعد أن ازدادت الفتنة ووقعت المعارك، ازداد تعلق الناس بعلي ﵁ وقد استغل ابن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام هذه المحبة، الموجودة في قلوب الناس، فأظهر التعلق بمحبة آل البيت وخاصة علي ﵁ وزعم أن علياً أوصى له بالخلافة من النبي ﷺ ، ونشر ذلك بين الناس، ثم غالى حتى زعم أن علياً كان نبياً يوحى إليه، ثم غلا حتى ادعى له الألوهية من دون الله .

стр. 95

قال شيخ الإسلام: (وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله ابن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر". إلا أن الشيعة في تلك الفترة لم يكن لهم قوة ولا جماعة ولا إمام يقاتلون به المسلمين، نما كان ذلك للخوارج الذين تميزوا بدارٍ سموها دار الهجرة، وجعلوا ديار المسلمين الأخرى ديار كفر وحرب، وتميزوا كذلك بجماعة أطلقوا عليها الشراة، وجعلوا غيرهم من المسلمين كافراً، وتميزوا كذلك بقوة وقيادة، ولهذا كان فسادهم ظاهراً في سفك الدماء وأخذ الأموال والخروج بالسيف، وهنا ندرك حكمة الأحاديث النبوية التي جاءت بقتالهم وهي كثيرة جداً. الخوارج: منذ سنة سبع وثلاثين وشر الخوارج يزداد أواره؛ بسبب شدة الخوارج وتمسكهم بمبادئهم وتحمسهم لآرائهم، على شدة جهل بالدين، وقوة اندفاع نحو ما اعتقدوه؛ فاستولت على أذهانهم بعض المفاهيم للإيمان والكفر والحكم، فانطلقوا من فهمهم القاصر واستنباطهم الجزئي باسم الإيمان والحكم، فقتلوا المسلمين وأهرقوا الدماء، كما استهواهم فكرة البراء من الظالمين، فخرجوا على أئمة المسلمين، ومزقوا قوة الأمة وشتتوا جهودها، وفرقوا شملها، وكانوا من الأسباب القوية لضعف الفتح الإسلامي الرشيد. ومن أهم بدعهم: ١- الحكم على كل مرتكب للكبيرة بأنه كافر مخلد في النار حلال الدم والمال.

стр. 96

٢- أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر. ٣- الخروج على الحاكم الظالم والفاسق. ٤- يردون الأحاديث الواردة عن طريق عثمان وعلي ومعاوية ﵃ وكل من كان في حزبهم. ٥- يرون أن الخلافة لا يشترط أن تكون في قريش أو في العرب، بل تكون بالشورى فيمن يختاره عقلاء الأمة. ٦- يردون أخبار الآحاد التي فيها زيادة على ما في القرآن، كأحاديث الرجم ونحوها. هذه هي جملة المبادئ التي اتفق أكثر الخوارج عليها، وإن كانوا فيما بعد اختلفوا فيها وفي غيرها اختلافاً كبيراً. فإنهم كانوا كثيري الخلاف شديدي النزاع، يختلفون في أصغر الأمور وأدق المسائل، فيفترقون ويقتتلون، وربما كان هذا هو السبب الذي أدى إلى انهزامهم، وتضاؤلهم وانكسار شوكتهم فيما بعد، بالرغم من قوتهم وشدة شكيمتهم في القتال وندرة صبرهم فيه. وقد تفرع من فرقة الخوارج فرق كثيرة.. ففي سنة ثمان وثلاثين كانت وقعة النهروان بين علي بن أبي طالب ﵁ والخوارج (.. فقاتلهم علي ﵁ بالنهروان مقاتلة شديدة فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة، وما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة، فانهزم اثنان منهم إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل مورون

стр. 97

باليمن.. وظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع منهم..". وهذا أحد أسباب تفرقهم في البلدان، وما ذكر آنفاً من شدة نزاعهم وغلظة جدالهم، هو السبب في تفرقهم إلى فرق متناحرة متقاتلة، لكل منها مقولة وعقيدة، كالأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والإباضية..) وكانت لهم دولاً وحكومات في نجد واليمن وعمان والمغرب العربي ولا يزال من بقاياهم الإباضية المنتشرة في عمان وليبيا وأجزاء من المغرب العربي، وعلى منهجهم الفكري وطريقتهم العملية والاعتقادية وجدت في مصر في هذا القرن (جماعة المسلمين) أو ما يسمى بجماعة التكفير والهجرة. الشيعة: في أواخر عهد الخليفة الراشد عثمان ﵁ نقم عليه بعض الناس أموراً بعضها لا يثبت بدليل، والآخر مما ثبت له مجال من الاجتهاد المقبول. وهناك أثيرت الفتن في الأقطار الإسلامية ضد الخليفة الراشد. وسواء أكانت هذه الفتن مثارة من قبل عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام، أم أنه استغل وجود هذه الفتن لينشر أفكاره وسمومه، وهي مسألة تمسك كل فريق من المؤرخين قديماً وحديثاً فيها بجانب.. وهذا لا يعنينا هنا، ولكن الذي يعنينا أن ابن سبأ قد فعل فعلته تلك ومعه من المؤيدين من يثير الفتنة ويذكيها، ويجمع أراذل الناس وأوباش القبائل، والهمج والرعاع والغوغاء وسفلة الناس، ويرتب لكل منهم مسؤولاً ويكاتبهم ويحرضهم، حتى اجتمعوا على قتل الخليفة ﵁ ووقعت الفتنة التي تموج كموج البحر، كما أخبر المصطفى ﷺ .

стр. 98

وتولى علي ﵁ في هذه الظروف الصعبة بعد أن بقيت المدينة والأمة الإسلامية فترة بدون خليفة، وكانت لعلي ﵁ محبة في قلوب الناس، بما وهبه الله من علم وتقوى، وسابقة في الإسلام، وقرب من النبي ﷺ وقوة في الحق. ولما تولى ازداد المعجبون به إعجاباً، وأصبحوا يعلنون على الناس آراءهم فيه ومحبتهم له، حتى وصل بهم الأمر إلى تفضيله على عثمان ﵁ ولا سيما بعد أن انقسم الناس بينه وبين معاوية ﵁ من جانب، وطلحة والزبير وعائشة ﵃ من جانب آخر. وازداد تعلق هؤلاء به بعد مقتل عمار ورجوع عائشة من معركة الجمل وندمها، وفي هذه الأثناء عملت السبئية عملها مستغلة هذه العواطف، وهذه القلوب المائلة نحو أمير المؤمنين علي ﵁ فزادت في إذكائها، وأظهر ابن سبأ محبته لآل البيت وعلي بالذات، وغالى فيه وزعم أنه الوصي بالخلافة، ثم زعم له الرجعة، ثم زعم له الألوهية، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.. وبهذا يتضح لنا أن المتشيعين لعلي ﵁ لم يكونوا على درجة واحدة منذ بداية الأمر. فالمفضلة على قسمين: الأول من يرى أفضليته على عثمان دون أبي بكر وعمر، والثاني من يرى أفضليته على سائر الصحابة وعلى أبي بكر وعمر، من غير تكفير أو ذم لأحد منهم. والسابة هم الذين كانوا يسبون أبا بكر وعمر، وتفرع منهم الرافضة الذين جاءوا في خلافة هشام بن عبد الملك للخروج مع زيد بن علي بن

стр. 99

الحسين فخرجوا عليه وتركوه لرفضه التبري من الشيخين ولترحمه عليهما، فانقسم الشيعة: الرافضة فتولى أخاه أبا جعفر محمد بن علي، والزيدية يتولون زيد بن علي. والسبئية: وهم الذين كانوا يقولون بأنه إله وقد أحرقهم علي ﵁. وهم أصل فرق الشيعة الباطنية كالإسماعيلية والدروز والنصيرية. ومن أهم بدع الشيعة التي تكاد سائر الطوائف الشيعية أن تتفق عليها: ١- تفضيل علي ﵁ على سائر الصحابة. ٢- القول بإمامته نصاً ووصية. ٣- القول بعصمته. ٤- القول بإمامة وعصمة ذريته من بعده. مع أن بعض طوائف الشيعة تخالف في بعض هذه الأمور بزيادة فيها أو

стр. 100

نقصان، وبإضافات بدعية أخرى ليس هذا مجال استقصائها. وكما نشأت بدعة التشيع متعددة، فإنها اطردت في التعدد إلى عشرات الفرق والأهواء، فكان منها: الزيدية بفرقها المتعددة، وكان منها الإمامية الإثنى عشرية، والإمامية الإسماعيلية، وسائر الفرق الباطنية. القدرية: كان الكفار يتذرعون بالقدر ويحتجون به لتبرير شركهم ولتسويغ أعمالهم الفاسدة المبتدعة.. ففي القرآن المجيد: (يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك، واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم: (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء) . أي: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطاناً.. ومضمون كلامهم أنه لو كان - تعالى - كارهاً فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكننا منه، قال الله - تعالى - راداً عليهم شبهتهم: (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) .. أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة: أي في كل قرية وطائفة من الناس رسولاً..".

стр. 101

وكان مشركوا قريش يخاصمون في القدر، ويجعلونه حجة لهم في ترك عبادة الله ووسيلة لهم في التخلي عن وحدانية الله. فعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت: ٠يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر) . وفي حياة النبي ﷺ تكلم بعض الصحابة في القدر فخرج عليهم النبي ﷺ غضباناً ونهاهم عن ذلك وقد تقدم الحديث على ذلك. وقد حذر النبي ﷺ أصحابه وأمته من القدرية وآرائهم، وأمر بهجرهم وتركهم وسماهم: مجوس هذه الأمة. فقد روى ابن أبي عاصم بسنده في كتاب السنة عدة أحاديث في ذلك منها: ١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل أمة مجوساً وإن مجوس هذه الأمة القدرية فلا تعودوهم إذا مرضوا ولا تصلوا على جنائزهم إذا ماتوا) . ولم يظهر الكلام في القدر إلا في عهد عبد الملك بن مروان،

стр. 102

وكان هذا في آخر عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - وكان أول من تكلم في القدر معبد الجهني، قال الأوزاعي: (أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد". فكان أول من قال بها هو سوسن النصراني، وأول من أظهرها معبد الجهني، الذي قتله عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين للهجرة. أما سوسن النصراني هذا فقد قال عنه ابن عون، كما روى اللالكائي بسنده: (أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان حتى نشأ ها هنا حقير يقال له: سنسويه البقال.. قال: فكان أول من تكلم في القدر..".

стр. 103

وروى اللالكائي بسنده أيضاً عن يونس بن عبيد قال: (أدركت البصرة وما بها قدري إلا سنسويه ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوافة) . هذا هو أول بدعة القدرية (.. وأصل بدعتهم كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله، والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده. وظنوا أن ذلك ممتنع، وكانوا قد آمنوا بدين الله، وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر، من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر، وهو يعلم أن المأمور يعصيه، ولا يطيعه، وظنوا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يعلم أنه يفسد، فلما بلغ قولهم بإنكار القدر السابق الصحابة، أنكروا إنكاراً عظيماً وتبرأوا منهم.. ثم كثر الخوض في القدر وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام، وبعضه في المدينة، فصاروا هم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار نزاع الناس في الإرادة وخلق أفعال العباد، فصاروا في ذلك حزبين: (النفاة) يقولون: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئاً من أفعال العباد، وقابلهم الخائضون في القدر من (المجبرة) مثل الجهم بن صفوان وأمثاله فقالوا: ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا: العبد لا فعل له البتة، ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط". ثم أخذت المعتزلة القول بالقدر على أن الله عالم بأفعال العباد قبل أن تقع، ولكن أفعال الشر ليست بمشيئته وخلقه، وإنما هي من أفعال العباد فقط، ثم تعددت فرق القدرية وتشعبت مذاهبها وكل فرقة تكفر سائرها.

стр. 104

المرجئة: لما وقعت الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁ انقسم الصحابة كل بحسب اجتهاده، فرهط منهم مع علي وآخرون مع طلحة والزبير، وجماعة منهم مع معاوية، وبقيت فئة منهم لم تشارك في القتال، ولم يبدو رأيهم في المقاتلين، ومن هؤلاء سعد بن أبي وقاص وأبو بكرة، وابن عمر وعمران بن حصين، وأرجؤوا الحكم في أي الطائفتين أحق، وفوضوا أمرهم إلى الله - تعالى -. وهذا هو أول الكلام عن الإرجاء، وهو كما ترى ليس الإرجاء البدعي المتعلق بالإيمان، كما قال سفيان بن عيينه عندما سئل عن (الإرجاء فقال: " الإرجاء على وجهين: قوم أرجأوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك.. فأما المرجئة اليوم فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصلوا معهم، ولا تصلوا عليهم ". قال الطبري بعد أن ساق جملة من الآثار في ذم المرجئة والتحذير منهم: (الإرجاء معناه ما بيّنا قبل من تأخير الشيء، فمؤخر أمر علي وعثمان ﵄ إلى ربهما، وتارك ولايتهما والبراءة منهما، مرجئاً أمرهما فهو مرجيء، ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان ومرجئهما عنه فهو مرجيء ... ) .

стр. 105

وأول من أظهر الإرجاء، بمعنى إرجاء أمر المتحاربين من الصحابة إلى الله هو (الحسن بن محمد بن الحنفية) كما ذكر ذلك علماء التراجم، وذكروا ندمه على تأليفه للكتاب الذي وضعه في الإرجاء. وذكروا نقد بعض الأئمة له بسبب هذا المؤلف، وعدّوه بذلك من المرجئه، وقد نقل العراقي عن الدارقطني قوله: (هو صحيح الحديث واحتج به أهل الصحيح، فلا اعتبار بكونه نسب إلى الإرجاء، فلم ينقل أنه عاد إليه بل قد روي عنه أنه ندم عليه.. ". وإن كان هذا الإعتذار عن الحسن بن محمد وله وجاهته من جانب، إلا أنه يوهم كما نقلت كتب التراجم أنه من المرجئة المبتدعة، وقد محّص الحافظ بن حجر القول في ذلك، وذكر أنه اطلع على كتاب الحسن بن محمد ولم يجد فيه القول المبتدع، الذي يعزل العمل عن الإيمان، فقال في تهذيب التهذيب ما نصه: ( ... قلت: المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه، غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة، المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور ... ) ، إلى أن قال الحافظ ناقلاً من هذا الكتاب: ( ... ونوالي أبا

стр. 106

بكر وعمر ﵄ ونجاهد فيهما، لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ونرجيء من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله إلى آخر الكلام. فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة، يكون مخطئاً أو مصيباً، وكان يرى أنه يرجيء الأمر فيهما، أما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب) . وقد خصص البخاري ﵀ باباً في كتاب الإيمان للرد على المرجئة خاصة كما قال ابن حجر: (قوله: (باب خوف المؤمن من أن - يحبط عمله وهو لا يشعر) هذا الباب معقود للرد على المرجئة خاصة "، وقد روى البخاري بسنده في هذا الباب عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد الله أن النبي ﷺ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ". وفي هذا دلالة على أن قول المرجئة المبتدعة قد شاع فيما قبل سنة مائة للهجرة. إلا أن هذه البدعة لم تكن في بداية الأمر إلا موقفاً مضاداَ لموقف الخوارج، الذين يرون كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار، فجاء هؤلاء بالقول بأن الأعمال ليست من الإيمان، مع أنه لابد في الإيمان من الإقرار باللسان، وأن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب.

стр. 107

ولذلك عد العلماء هذه البدعة بهذا المعنى من أخف البدع. فقال الحافظ الذهبي بعد أن ساق أسماء بعض العلماء الذين كانوا ينتحلون الإرجاء بالمعنى السالف.. ( ... قلت: الإرجاء مذهب لعدة من جلة العلماء ولا ينبغي التحامل على قائله ... ) . ولكن بدعة الإرجاء لم تتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه قوم حتى عدّوا الإيمان هو معرفة الله بالقلب فقط، وأن المعاصي والطاعات غير مضرة ولا نافعة، وأن إيمان الفاسق والعاصي كإيمان الرسول ﷺ وجبريل ﵇.. وهؤلاء هم غلاة المرجئة، منهم غيلان الدمشقي، ثم بعد ذلك جهم ابن صفوان كما سيأتي.. وقد افترقت المرجئة إلى فرق عديدة كل فرقة تضلل أختها. الفترة الثالثة: ١٠١ - ١٧٧ه ـ: وفيها تأصلت بعض البدع السابقة وتطور بعضها، كما نشأت بدع جديدة. فكان للخوارج شوكة ظهرت بعد وفاة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وصار بينهم وبين الناس معارك، وظهرت الشيعة سنة إحدى وعشرين ومائة، وبايعوا زيد بن الحسين بن علي بالكوفة، ثم إنهم افترقوا عنه ورفضوه بسبب ترحمه على الشيخين، وبقي معه أناس قاتل بهم الكوفة، وانصرف آخرون وبايعوا جعفر بن محمد إماماً لهم ومن هنا افترقت الشيعة إلى إماميّة وزيديّة،

стр. 108

وفي هذه الفترة ظهرت دعوة القرامطة على يد عمار بن يزيد: (خداش) في مرو، فدعا على دين الخرمية، وأباح النساء ونادى بأن لا صلاة ولا صوم ولا حج، وأظهر تأويلات الباطنية وذلك في سنة ١١٨هـ. وفي هذه الفترة وجدت نواة الاتجاه الصوفي في كثير من بلدان الإسلام، لكنها كانت في بداية الأمر زهداً في الدنيا، وتقللاً منها وتزكية للنفس، ومجاهدة للطبائع والأخلاق الرذيلة ... مما سوف نعرض له بعد قليل، وقد تميزت هذه الفترة بظهور شخصيات كان لأعمالها وأفكارها أثراً عميقاً في وجود تأصيل بدع كثيرة، وسوف أذكر أشهر هذه الشخصيات التي كانت ذات أثر في تكريس بدعة سابقة، أو إيجاد بدعة لاحقة، مرتباً ذلك بحسب سني الوفاة: ١- غيلان بن مسلم الدمشقي (١٠٥ه ـ) : قال الأوزاعي: (أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد "، وقد أصبح غيلان الدمشقي فيما بعد ( ... داعية إلى القدر) ، وكان له مناقشات مع محمد بن كعب وربيعة الرأي، ذلك أن غيلان ( ... قدم

стр. 109

بكلمة قد صاغها حتى وقف على ربيعة فقال له: أنت الذي تزعم أن الله أحب أن يعصى، فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى كرهاً؟ فكأنما ألقمه حجراً ... ". وكانت بين غيلان والإمام الأوزاعي مناظرة بين يدي الخليفة الأموي هشام ابن عبد الملك، وكان قد نهاه عمر بن عبد العزيز عن أقواله هذه ومنعه من نشر شكوكه وأوهامه، ودعا عليه، ولكنه عاد داعياً إلى بدعته بعد موت عمر فناقشه الأوزاعي وحكم عليه بأنه مرتاب ومن أهل الزيغ، فأمر هشام بقطع يده ورجله ولسانه وضرب عنقه وصلب في دمشق. وكانت بدعة غيلان الدمشقي تتركز في إنكار القدر، وبإنكار خلق الله لأعمال البشر التي فيها معصية لله سبحانه. وقد أصبح هذا القول فيما بعد أصلاً من أصول المعتزلة سموه (العدل) . ٢- الجعد بن درهم توفي بعد عام ١١٨هـ وهو من أهل حران: ومن موالي بني مروان، سكن دمشق وكان يتردد على وهب بن منبه، ويسأله عن صفات الله مستشكلاً مشككاً، فنهاه وهب عن ذلك، ومازال فيه

стр. 110

وهواه، حتى خرج على الناس ببدعة خلق القرآن، ونفي صفات الرحمن - جل وعلا - فأنكر أن يكون الله قد كلم موسى تكليماً أو اتخذ إبراهيم خليلاً، وقد أخذ هذه البدعة عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت، هذا هو ابن أخت لبيد بن أعصم وزوج ابنته، ولبيد بن أعصم هو الساحر الذي سحر النبي ﷺ وقد دعا الجعد إلى بدعته ونشرها في دمشق، وكان هو أول من قال بخلق القرآن، فأخذه هشام وأرسله على خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فقتله يوم عيد الأضحى، وقال عند قتله مقولته المشهورة، وقد اختلف في قتله فقيل سنة ١١٨هـ، وقيل ١٢٤هـ، ولكن من المؤكد أن لم يقتل إلا بعد عام ١١٨هـ في خلافة هشام بن عبد الملك.
следующие страницы →