Полный текст (506 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
واتباع المذاهب والطوائف في الحق والباطل، من أكبر المنكرات وأعظم المحرمات، بل هو مسلك اليهود كما قال الله عنهم: (وكانوا من قبل يسفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) .
(فوصف اليهود: أنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به والداعي واتباع المذاهب والطوائف في الحق والباطل، من أكبر المنكرات وأعظم المحرمات، بل هو مسلك اليهود كما قال الله عنهم: (وكانوا من قبل يسفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) .
(فوصف اليهود: أنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به والداعي إليه، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلوا الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم.
وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم، أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين - غير النبي ﷺ فإنهم لا يقبلون من الدين رأياً ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم) .
٣- ابتاع العادة والعرف والشائع:
وهذا من أسوء أنواع التقليد، إذ يظن البعض أن الأمر المبتدع إذا جرت به العادة بين الناس أو أصبح عرفاً عندهم، أو شاع وانتشر في الناس فإنه لا يقبل المعارضة ولا يتطرق إليه النقض.
بل مما يزيد هذا الأم سوءاً: أن يعتقد أن مجرد الاعتياد على الفعل وكونه أصبح شائعاً متعارفاً عليهن يكسبه شرعية تجيز فعلهن مع أنه من المعلوم الثابت في الشريعة أن ٠شيوعه الفعل لا تدل على جوازه) ومع ذلك فإن كثيراً من العامة وأشباههم، يعتنقون كثيراً من البدع على أنها سنن، بسبب عمومها وشهرتها واستدامة مبتدعيها لفعلها.
بل ويحتجون بذلك على كونها سنناً، أو بدعاً حسنة، ويجعلون ذلك الجاري والشائع بين الناس إجماعاً لا تصح مخالفته، ولو كانت مباينته للسنة جلية
стр. 177
واضحة.
قال شيخ الإسلام في مثل هذا الاحتجاج:
(.. فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات، أكثر من اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترأسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم ولا يعدون من أولي الأمر ولا يصلحون للشورى، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل، من غير روية أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكون فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين.
والاحتجاج بمثل هذه الحجج، والجواب عنها معلوم أنه ليس من طريقة أهل العلم، ولكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس، حتى من المنتسبين إلى العلم والدين..) .
ومما يمكن أن يلحق بهذا القسم: الاحتجاج على صحة البدعة ومشروعيتها، بعمل من عملها أو قال بها من ذوي العلم والفضل.
والاحتجاج بثبوت منفعة هذه البدعة - التي لا أصل لها - بالتجارب والأقسية كأن يقال: بأن الدعاء عند قبور الصالحين مستحب أو جائز؛ لكونه ثبت بالتجربة أنه يستجاب للإنسان عندها، والخلاصة أن التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت، أو كانت مخالفة للحق سبب من أسباب انتشار البدع.
стр. 178
ومن أسباب انتشار البدع:
٤- أخذ أهل السلطة بها أو سكوتهم عنها: أما أخذ السلطة بالبدعة، وكونه سبباً في انتشارها، فيؤكده ما ذكرناه سابقاً عند الحديث عن المعتزلة، وكيف أنهم استطاعوا من خلال التأثير على خلفاء بني العباس، أن ينشروا بدعهم ويرغموا الناس على الأخذ بها، واعتقاها، وكثير من البدع انتشرت تحت وطأة الرغبة أو الرهبة من الحاكمين أو المتسلطين.
كما انتشرت بدع الخوارج في خراسان، وبدع القرامطة في البحرين، وبدع الشيعة في اليمن وإيران.
قال اللالكائي: (.. ومقالة أهل البدع لم تظهر إلا بسلطان قاهر أو بشيطان معاند فاجر، يضل الناس خفياً ببدعته، أو يقهر ذاك بسيفه وسوطه أو يستميله بماله ليضله عن سبيل اللهن حمية لبدعته وذباً عن ضلالتهن ليرد المسلمين على أعقابهم ويفتنهم عن أديانهم..) .
أم السكوت عن المبتدعة الدعاة، فإنه سبب من اسباب انتشار البدع، سواء كان السكوت من العلماء أو الولاة.
ومن الأسباب:
٥- كون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان: وقد قال المصطفى ﷺ : "إن من البيان لسحراً".
وهكذا كان حال المعتزلة فما من طبقة من طبقاتهم إلا وفيها فصحاء بلغاء كواصل بن عطاء، وأبي الهذيل العلاف، ومن البيان الذي يعتمد عليه أهل البدع
стр. 179
الشعر وسائر صنوف الأدب، وهذا مما يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم ويخلب عقولهم، وهو الذي يشبه بالسحر، إذ يغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن جهته.
وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح ويحمد؛ لأن في تحسين الكلام وتحبير الألفاظ وتجميل الأساليب تزييناً للحق، كما أن العكس بالعكس، فكم أضل ابن الفارض بقصائده، والمعري بشعره، والجاحظ بمؤلفاته وكتبه.
٦- احتفاء المبتدعة ببعضهم وتعاونهم فيما بينهم:
وهذا من الأسباب القوية التي أدت إلى انتشار البدع، ومما قيل في هذا المعنى وأصبح كالمثل السائر: (احتفى به كاحتفاء الشيعي بالشيعي والمعتزلي بالمعتزلي) . وفي تاريخ القرامطة والإسماعيلية والرافضة، أكبر دليل على ما نقول.
موقف السلف من البدع:
يختلف الموقف من البدع باختلاف البدعة ذاتها، من حيث ضخامتها أو حقارتها.
стр. 180
وباختلاف المبتدع من حيث كونه داعياً لها أو مستتراً بها، أو كونه مع جماعة لهم قوة وسلطان، أو ليس لها ذلكن وعلى هذا فقد اختلفت مواقف السلف من البدع وأهلها إلا أنه من المتفق عليه بينهم هو التحذير من البدع والتنفير من المبتدعة، هذا في العموم أما على وجه التفصيل فسيأتي بعون الله في فصل: حكم المبتدع.
ولا يمنع أن نعرض هنا لبعض مواقف السلف المتنوعة بتنوع الأسباب والبواعث والملابسات:
١- التأديب والتعزير بالضرب والحبس، كما فعل عمر مع صبيغ بن عسل.
٢- النهي عن مجالسة ومحادثة أهل البدع، والأمر بهجرهم ومقاطعتهم وترك مجادلتهم.
٣- مناظرتهم وتبيين الحق لهم، كما فعل ابن عباس ﵄ مع الخوارج.
٤- قتالهم ومحاربتهم، كما فعل علي ﵁ مع الخوارج.
٥- حمل السيف وإعلان الخروج على المبتدعة، كما فعل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي.
стр. 181
٦- إظهار السنة والدفاع عنها، كما فعل الإمام أحمد بن حنبل.
٧- مجالسة المبتدعة وزيارتهم وردهم عن البدعة، كما فعل أحمد بن حنبل مع أحد الرافضة، ومع أحد المرجئة.
стр. 182
نبذة موجزة لبعض المؤلفات في البدعة ودراسة موجزة لأهمها:
حظي موضوع البدعة باهتمام كبير من قبل علماء الإسلام، حتى أنك لتجد الحديث عنه في غالبية العلوم الشريعة، ففي الحديث وشروحه: تجد أبواب الاعتصام بالسنة، وذم البدع والأهواء، والتوحيد، والسنة، وغير ذلك من الأبواب المختصة بالكلام عن البدعة، ويوجد الكلام عنها في كثير من الأبواب الحديثية الأخرى، بل كل باب من أبواب الحديث ينص على سنة، وباللازم ينهي عن بدعة.
وفي مصطلح الحديث: تجد الكلام عن رواية المبتدع، وحكم الداعي وغير الداعي، وفي التفسير: تجد الكلام عن البدعة عند آيات الاعتصام وذم التفرق.
وفي الفقه: حكم شهادة أهل الأهواء، وحكم المناكحة والمبايعة والإرث، مع المبتدعة.
وفي أصول الفقه: تجد للبدعة علاقة بأبواب الإجماع والاستحسان والمصالح المرسلة، وقول الصحابي، وفي تعريف السنة وأحكام السكوت عنه، والاجتهاد والتقليد، وغير ذلك من المباحث والأبواب الأصولية.
وفي العقيدة: تجد الكلام عن البدعة والمبتدعة في كل باب منها.
وفي تراجم الرجال: تجد ذكر من جرح بالبدعة، ومن ردت روايته بسبب ابتداعه.
وفي التاريخ: تجد سير المبتدعة أفراداً وفرقاً، وما أحدثوه من حروب وفتن وما قام لهم من دول وما وقع معهم من وقائع.
أما المؤلفات التي تكلم أصحابها عن البدعة، فهي - بحسب ما اطلعت - تنقسم في تناولها لموضوع البدعة إلى أقسام:
القسم الأول:
مؤلفات تكلمت عن بعض البدع وتناولتها بالرد والتبيين، من غير تعرض
стр. 183
لتعريفات البدعة وأقسامها وأحكامها وأحكام المبتدع، وإن تعرضت لشيء من هذا فإنما يكون بصورة عرضية، من غير تعمق بحسب حاجة المؤلف إلى ذلك، مثل المؤلفات التي تتكلم عن بدعة المولد، وبدع الاحتفال بليلة الإسراء، أو النصف من شعبان ونحو ذلك.
وهذه المؤلفات كثيرة، أذكر منها على سبيل المثال:
١) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري.
٢) الرد القوي على الرفاعي، والمجهول، وابن علوي، وبيان أخطائهم في المولد النبوي، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري.
٣) هذه مفاهيمنا، للشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ.
٤) حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته، للشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع.
وهذه الكتب تصدت لمسألة الاحتفال بمولد النبي ﷺ بشكل موسع، بالرد على مزاعم المحسنين لهذه البدعة، وكشف زيوف أدلتهم، وبيان تهافت استدلالات أصحاب بدعة المولد، خصوصاً وأهل التحسين البدعي عموماً، والإجابة بصورة جليّة عن شبههم التي يتعلقون بها ويعتمدون عليها، وبين هذه المؤلفات خصوص وعموم من حيث العمق وشمول التناول.
٥) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف، للشيخ جابر الجزائري، المشهور بأبي بكر الجزائري.
٦) التحذير من البدع، وهو مؤلف يحوي أربع رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية، للشيخ بقية السلف الصالح عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 184
٧) تبصير أولي الألباب ببدعة تقسيم الدين إلى قشر ولباب، تأليف محمد بن أحمد ابن إسماعيل.
٨) تمام الكلام في بدعية المصافحة بعد السلام، تأليف محمد موسى نصر.
٩) تحذير الساجد من بدعة منع الصبيان من المساجد، وبدعة الحجز المكان في المساجد، تأليف أبي حذيفة بن محمد البرقاوي.
والكتب من هذا القبيل كثيرة ومعظمها يتعلق بالبدعة العملية.
القسم الثاني:
مؤلفات تكلمت عن جملة من البدع، مع التناول اليسير، وغير المتعمق أيضاً لحكم البدعة وتعريفها، وحكم المبتدعة.
ومن هذه المؤلفات:
١) إصلاح المساجد من البدع والعوائد، لعلامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي ﵀.
٢) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
٣) رياض الجنة في الرد على أعداء السنة، ومعه الطليعة في الرد على غلاة الشيعة، ورسالة في القبة المبنية على قبر الرسول ﷺ للشيخ مقبل ابن هادي الوادعي.
٤) رسالة الدعي إلى السنة الزاجر عن البدعة، للشيخ عبد الصمد بن حبيب الله المختار الكشني الغاني.
стр. 185
٥) السيف القاطع للنزاع، تأليف محمد المرزوق بن عبد المؤمن الفلاتي.
٦) منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع، للشيخ سليمان ابن سمحان.
٧) القول الأسمى في ذم الابتداع والتقليد الأعمى، تأليف ابي عبد الرحمن سليم حمد السالم.
٨) البدعة أسبابها ومضارها، للشيخ محمود شتلوت.
٩) فتاوى أئمة المسلمين بقطع لسان المبتدعين، للشيخ محمود محمد خطاب السبكي.
стр. 186
القسم الثالث:
مؤلفات تكلمت عن جملة من البدع، مع ذكر موجز نافع فيه بعض الشمول، عن تعريف البدعة وأقسامها وأحكامها وأقسام المبتدعة وأحكامهم، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بقواعد النظر في مسألة البدعة، وقواعد التأصيل في حكمها وحكم فاعليها.
وليست هذه المؤلفات على درجة واحدة في ذلك بل بعضها أشمل من بعض، وبعضها تكلم عن غالبية هذه المسائل التأصيلية، وبعضها لم يتجاوز إلا أجزاء يسيرة منها.
ومن هذه المؤلفات:
١) الإبداع في مضار الإبتداع، للشيخ علي محفوظ.
وقد خصص القسم الأول من الكتاب في تعريف البدعة وشرح معناها، وفي ذكر بعض أقسامها، وفي الفرق بين البدعة وبين المصالح المرسلة، ثم في معنى " كل بدعة ضلالة "، ثم في أحكام البدعة، ثم تكلم عن جملة من البدع الواقعة في العبادات والعادات والاعتقادات، وجملة الخرافات والأوهام الشائعة بين العامة، وعليه مآخذ منها:
· ترجيحه للتعريفات المقتضية حسن بعض البدع.
· وقوله بانقسام البدع إلى واجبة، ومندوبة، ومباحة، ومحرمة، ومكروهة.
· وقوله بوجوب تخصيص قوله ﷺ : " كل بدعة
стр. 187
ضلالة ".
٢) السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات، للشيخ محمد عبد السلام خضر الشقيري وقد تكلم في مطلع كتابه عن ذم البدعة، ثم عن تعريف البدعة والسنة، ثم عن البدعة المكفرة، والمحرمة، والمكروهة، وكل ذلك بإيجاز شديد، ثم شرع في تعداد البدع المتعلقة بالأذكار والصلوات وغيرها، ذاكراً ما يقابلها من سنن ومأثورات.
٣) تحذير المسلمين من الابتداع والبدع في الدين، للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي وهو كتاب يشارك سابقيه في ذكر جملة من البدع العملية والاعتقادية والرد عليها، غلا أنه يتميز بوضوح الرؤية في كثير من المسائل التي عرض لها، ويتميز كذلك بما وضعه المؤلف في صدر هذا الكتاب من كلام عن تعريف البدعة، وأسباب انتشارها، وتعريف السنة والرد على الجاهلين بها أو المكتفين بغيرها، ثم الكلام عن بدعة تقسيم البدع إلى سيء وحسن، ورد شبهات المحسنين للبدع بالنقل والعقل.
ثم الكلام عن الفرق بين البدع والمصالح المرسلة، وعن انقسام السنة إلى فعلية وتركية، ثم الكلام عن بعض أقسام البدعة.
ثم شرع في ذكر البدع الاعتقادية، ثم العملية، ثم ختم بذكر بعض الأحاديث الموضوعة المتعلقة بمسائل عملية وعلمية.
٤) إحياء السنة وإخماد البدعة، للشيخ عثمان بن فودي.
стр. 188
ويشتمل على ثلاثة وثلاثين باباً فيها: ذكر لكثير من البدع المتعلقة بالعبادات والعادات، وبعض الاعتقادات، وقدم لها بثلاثة أبواب الأول: عن حد الكتاب والسنة والإجماع، وأدلة وجوب اتباعها، والثاني: عن حد البدعة وأقسامها، وأدلة وجوب تركها، وهجر أصحابها، والثالث: عن الأدلة والآثار الموجبة لاتباع السنة وآثار القرون الفاضلة.
وقد اعتمد على كتب وآراء فقهاء المالكية كثيراً، لاسيما كتاب المدخل لابن الحاج، فإنه نسج على منواله، وأكثر من النقل والاقتباس عنه، وعلى هذا الكتاب مآخذ منها:
قوله عند ختام الباب: (اللهم وفقنا لاتباع سنة نبيك محمد ﷺ بجاهه عندك) وهذا القول من التوسل البدعي الذي لم ينقل عن الصحابة ولا التابعين، ولا أحد من أئمة الدين القول به، ولا الإفتاء بجوازه، والمؤلف مع جلالته وحرصه على الاتباع وقع في هذه الزلة، والله يغفر له ويسامحه، فلعله لم تبلغه الحجة، ولم يصل إليه في ذلك علم يزيل عنه الشبهة.
ومنها موافقته لمن قال بانقسام البدعة إلى خمسة أقسام: وتجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة.
ومنها قوله - بناء على أخذه بالتقسيم السابق -: إن من البدع ما ينكر ومنها:
стр. 189
ما لا ينكر، وأن منها ما هو حسن، ومنها ما هو قبيح.
ومنها: أنه عند ذكره لباب الإيمان، وما أحدث الناس فيه من البدع ذكر بعض الأسماء والصفات، واستدل بالقرآن على ثبوتها غير أنه ذكر منها: واجب الوجود مستدلاً بقوله تعالى: [أفي الله شك فاطر السماوات والأرض] والقديم، مستدلاً بقوله: [هو الأول] ، وليس من أسماء الله أو صفاته واجب الوجود أو القديم، وإنما حدثت هذه التسميات من قبل أهل الكلام.
ومنها: أنه ذكر أموراً لا تعد من البدع، تابع فيها ابن الحاج في المدخل كجعله نَتْر الذَكَر بقوة بعد البول بدعة محرمة إجماعاً، وجعله الاستنجاء من الريح، والتغوط عرياناً وصب الماء في الأذن حال الغسل، وصوت مج الماء من المضمضة أثناء الوضوء، وبسط الفرش في المسجد واتخاذ المراوح فيها، ونسخ القرآن وكتب العلم وتعليم الصبيان فيها، كل ذلك - وغيره كثير في أغلب الأبواب - جعله بدعة.
وكذلك جعله بعض المعاصي والمخالفات بدعة، والأمثلة موجودة في كل باب.
٥) المدخل، لابن الحاج.
وهو مصنف كبير جمع فيه طائفة كبيرة من الأعمال المخالفة وسماها بدعاً، فأما بعضها فليست ببدع ولا مخالفات، كبعض الأعمال العادية، التي ظنها
стр. 190
مخالفات شرعية، وأما بعضها فهي من المعاصي وليست من البدع.
وفيه ذكر جملة من البدع والمحدثات، في العوائد والعبادات والمعاملات وبعض الاعتقادات، وفيه بعض السنن التي عدها من البدع.
وقد ذكر هذا الكتاب الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة عند ترجمته لابن الحاج فقال: ( ... وجمع كتاباً سماه المدخل، كثير الفوائد كشف فيه معايب وبدع يفعلها الناس ويساهلون فيها وأكثرها مما ينكر وبعضها مما يحتمل ... ) .
والنقد السابق لكتاب إحياء السنة وإخماد البدعة، يصدق جله على كتاب المدخل لابن الحاج؛ لأن عثمان فودي اعتمد كثيراً على هذا الكتاب كما سبق ذكر ذلك.
٦) العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، للشيخ العلامة صالح بن مهدي المقبلي.
وهو رجل نبذ التقليد وعاداه أشد المعاداة، وتحرر مؤثراً الحق الذي أداه إليه اجتهاده على كل شيء، غير مبال بمن خالفه ولا آبه بمن عاداه، فرد بقوة على المعتزلة والأشاعرة والصوفية، ولكنه تجاسر حتى نال من بعض علماء السلف، ووقع في بعض الهفوات، والله يعفو عنه.
أما كتاب العلم الشامخ، فحقه أن يكون مع الكتب المذكورة في القسم الآتي لولا أنه ملأه بكثير من المباحث الأصولية والفقهية والحديثية والتاريخية، ومسائل الجرح والتعديل، وغير ذلك من المباحث والمسائل التي تجعله من الكتب غير المتخصصة في مسألة البدعة.
стр. 191
ومع ذلك فقلما يخلو - مبحث من هذه المباحث من ذكر للبدعة - إما قصداً وإما عرضاً واستطراداً، على رشاقة في عبارته، وسلاسة في أسلوبه، ولذلك لا تجد كلامه عن البدعة والمبتدعة في مكان واحد، بل مبثوث في هذا الكتاب، الذي قال عنه في مقدمته أنه لم يسقه مساق التصنيف فتارة تجده يتكلم عن فرقة من الفرق، وتارة عن حكم تكفير المبتدعة، وتارة عن أقسام البدعة، وأخرى يورد النصوص المحذرة منها وهكذا ... وقد أكسبه نظره المتجرد عن التقليد جرأة على تناول الموضوعات، وشجاعة هجم بها على سائر المقالات، حتى أنه لشدة معاداته للتقليد في العقائد والفروع أخذ على نفسه أن يقف على المسائل التي يتحدث عنها موقف الجهل الذي خرج به من بطن أمه، حتى يضطره اليقين المدعوم بالدليل إلى نيل مطلبه، إلا أنه لم يسلم له ذلك تماماً، فقد تأثر بابن الوزير وكان مراده ﵀ بلوغ الحق وتحقيق الإنصاف بعيداً عن التعصب لقول فلان ورأي فلان، وهو في معظم أبحاثه على طريقة السلف، غير أنه احتوشته جرأته فوق بعض الهنات: كانتقاده للإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، والذهبي في رد روايات بعض المبتدعة وقبول روايات بعضهم، وكشكه في عدالة الصحابة وإضافته مذهب الزيدية إلى نفسه وقد تبرأ منه، وقوله بقول المعتزلة والأشاعرة في بعض مسائل القدر، وغير ذلك من المآخذ التي جاءت من رواسب نشأته القديمة، أو بسبب ردة فعلة الشديدة نحو التقليد، والمصنف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، والرجل ما أراد إلا الحق، وما قصد سوى الإنصاف والله رؤوف بالعباد.
стр. 192
٧) الباعث على إنكار البدع والحوادث، للإمام أبي شامة.
وهو كتاب جمع فيه مؤلفه ﵀ جملة من البدع المنتشرة في زمانه؛ ليحذر الناس منها، وقد بدأه بالأحاديث والآثار المحذرة من البدع والمحدثات، والموجبة لاتباع سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين، وإنكار المنكر وإحياء السنة وإماتة البدع.
ثم أتبه ذلك بفصل فيه المعنى الشرعي للبدعة، ثم فصل على تقسيم الحوادث إلى بدع مستحبة ومستقبحة، وذكر أمثلة على ما أرتاه من بدع حسنة، ثم عقب بذكر البدع التي يظنها الناس قربة وهي بخلاف ذلك، وساق أمثلة من البدع في عصره، وأطنب في بدعة صلاة الرغائب، ثم أورد في آخر الكتاب البدعة المشعرة بأنها من السنة وليس كذلك، ثم ختم بالبدعة الحادثة في مناسك الحج، وهو في خلال سوقه للأمثلة على البدع يأتي ببعض القواعد الجليلة كقوله: (المكلف ليس له منصب التخصيص بل ذلك إلى الشارع) .
وككلامه على ملازمة المندوب، بحيث ينتقل إلى مرتبه الوجوب.
وككلامه عن فعل العالم المرموق بعض البدع، وأن ذلك يوهم العامة أنها من السنن، وكلامه عن ترك بعض المستحبات أحياناً من قبل المقتدى بهم لئلا يظن أنها حتم واجب.
وكضربه بعض الأمثلة على البدع في العادات، وغير ذلك من الفوائد
стр. 193
ومما يؤخذ عليه: تقسيمه البدعة إلى مستحبة ومستقبحة ووصفه بدعو المولد بأنها من أحسن ما ابتدع في زمانهم ووصفه بعض الأمور المشروعة بأنها من البدع الحسنة، كتأليف الكتب وبناء المنابر والمدارس وغي ذلك.
وجعله بعض الأمور التي قد تعد من المخالفات والمعاصي بدعة كالصلاة في أوقات النهي. ونفيه أن يكون هناك حديث صحيح في ليلة النصف من شعبان مع أنه ورد فيها أحاديث صحيحة ولكنها لا تقتضي تخصيصها بنوع من العبادة.
٨) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي.
وقد بدأه بالآيات والأحاديث والآثار المتعلقة بلزوم السنة والجماعة، وذم البدعة والتفرق ثم عقب بفصل في تمييز السنة من البدعة، أتى فيه بالمعنى العام للسنة، وبعض معاني البدعة من غير أن يذكر تعريفاً يحدهما، ثم أتبعه بفصل المحدثات والبدع التي لا تصادم الشريعة حسب رأيه وفيه قسم البدع إلى مستحسنة ومستقبحة.
وقسم المستقبحة إلى بدع في العقائد تؤدي إلى الضلال والخسران، وجعلها في الثنتين والسبعين فرقة.
وبدع الأفعال، وقسم هذه إلى ما تعرف العامة والخاصة أنه بدعة، وهي
стр. 194
إما محرمة أو مكروهة، وما يظنه بعضهم أنها عبادة وقربة وسنة ثم ساق في بقية الكتاب أمثلة على هذا التقسيم وإن لم يلتزم به، فذكر بدع المعاشرة والنظر والسماع والرقص، ثم بدع تعظيم الأماكن والقبور، ثم بدع الأعياد والمناسبات والمواسم، ثم بدع الكلام والمشي ثم بدع التبتل والانصراف عن الدنيا ونفع الناس، ثم ختم بذكر ألوان من البدع متفرقة في العبادات والعادات والمعاملات وجعل في آخر الكتاب وصايا في الحث على التمسك بالسنة.
وفي هذا الكتاب تحذير من كثير من البدع المنتشرة بين المسلمين في عصره، وبعضها باق إلى الآن، وليس فيه جديد من حيث التأصيل في مسالة البدعة والمبتدع وأحكامها، اللهم إلا في التقسيمات التي ذكرتها آنفاً، وهي تقسيمات لا تتفق مع مذهب السلف في البدع لاسيما فيما سماه البدع المستحسنة المحمودة، وعرفها بأنها كل موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها، ولا يلزم من فعله محظور شرعي مثل بناء المنابر والمدارس، وغير ذلك من أنواع البر والتصانيف في العلوم النافعة.
وهذه لا يطلق عليها بدعة شرعية لأنها كما قال موافقة لقواعد الشريعة وغير مخالفة لشيء منها، فكيف يصح تسميتها بدعة شرعية ولها أصل في دين الله؟ ، إلا إن كان مراده بتسميتها بدعة من جهة اللغة، فذلك جائز ولكن لابد من البيان حتى لا يوهم الكلام أن في البدع الشرعية ما هو حسن.
ومن المآخذ أنه نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابة اقتضاء الصراط المستقيم نصوصاً حرفية ولم يشر إلى ذلك أدنى إشارة، ونقل نم أبي شامة
стр. 195
في الباعث على إنكار البدع والحوادث ولم يعزه وعند النظر والمقارنة بين ما نقله عن غيره، وما كتبه هو تجد أن المنقول هو الأكثر والغالب.
ومن المآخذ أنه استحب إحياء ليلة النصف من شعبان بالعبادة، بشرط أن يكون ذلك بانفراد من غير جماعة، وهذا التخصيص بدعة محدثة لا دليل عليها.
ومن المآخذ اعتباره بعض المعاصي بدعاً كالكبر والاستعلاء واحتقار الناس، نعم من فعل ذلك بقصد العبادة والقربة فعمله بدعة، وكذلك اعتباره قول الشخص كيف أصبحت وكيف أمسيت قبل السلام.. بدعة، وهي مسالة مختلف فيها بين من يقول بجواز ذلك ومن يقول بكراهته والصحيح جوازه.
وكذلك اعتباره اللعب النرد والشطرنج، والقمار من البدع والصحيح أن اللعب بها من المعاصي والمخالفات، وليس من البدع بالمعنى الشرعي.
القسم الرابع:
مؤلفات عنيت بمسائل التأصيل في النظر إلى البدعة والمبتدع، وهي على أقسام: -
الأول: -
مؤلفات تكلمت بشمول وعمق عن سائر مسائل التأصيل هذه أو بعضها،
стр. 196
مثل الاعتصام واقتضاء الصراط المستقيم، والرسائل التي خصصها شيخ الإسلام للكلام عن البدعة، مثل رسالة العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعية، ومثل قاعدة في تكفير أهل البدع والأهواء، وغير ذلك من الرسائل والقواعد المبثوثة في مجموع الفتاوى.
الثاني: -
مؤلفات اختصرت أو اقتبست من المؤلفات التي اعتنت بالتأصيل كالاعتصام والاقتضاء وغيرها، ومع زيادات يسيرة في هذا الباب مثل:
١- أصول في البدع والسنن، تأليف محمد أحمد العدوي، وهو تلخيص لكتاب الاعتصام ليس إلا.
٢- البدعة وأثرها السيء في الأمة، تأليف سليم الهلالي.
وفيه جمل منقولة أو مقتبسة من الاعتصام، وزاد أشياء وناقش مسائل فيها نفع وفائدة، ويظهر فيه حرص مؤلفه علة مسلك أهل السنة والجماعة وطريقة السلف ﵃ إلا أن عليه مآخذ:
منها أنه وضع تعريفاً للبدعة صدره مأخوذ من الاعتصام، وعجزه من عند المؤلف، ونسبه في الهامش إلى الاعتصام، وكان الأولى أن يشير بقوله: انظر أو من الاعتصام بتصرف، ونحو ذلك حتى لا يوهم القارئ أن التعريف هو تعريف الشاطبي.
ومنها: أنه عندما رد على قسم البدع إلى حسن وقبيح - وقد أجاد في ردوده - تعرض في الأخير لمسألة التحسين والتقبيح العقليين فقال: (وإنما أتي المبتدع من باب التحسين والتقبيح العقلي، والحقيقة أن العقل غير مستقل البتة،
стр. 197
ولا ينبني على غير أصل، وينبني على أصل متقدم على الإطلاق، ففي الأمور الشرعية لا يستقل بإدراكها دون الوحي ... ) .
ففي الجملة الأخيرة وافق الأشعرية في مذهبهم، وستأتي مناقشة هذه المسألة مفصلة في الفصل الخامس من الباب الثاني.
ومنها: وهي يسيرة أنه يورد بعض الأقوال وينسبها لغير أهلها فربما كان سبق قلم.
ومنها: أنه اعتبر الحجية في فعل الصحابة بشرط أن يكون الفعل معقول المعنى بحيث لو عرض على العقول لتلقته بالقبول، أما التي لا يعقل معناها على التفصيل فلا حجية لقول الصحابي فيه.
والراجح من أقوال العلماء في حجية الصحابي أنه حجة ... يجب العمل به سواء كان فيما يعقل معناه أو لا، بشروط وضوابط مذكورة في الفصل الثاني من الباب الأول.
ومنها قوله: (الإثم قدر مشترك بين البدع كلها فلا يجوز أن نحكم على بدعة بأنها أقل إثماً من غيرها، والتفريق في الوصف قائم على الرأي المحض، وهو بدعة في نفسه ... ) .
стр. 198
وهذا القول ربما أن صاحبه أراد به المبالغة في الزجر عن البدع ولكن حكمه بالتبديع على فرق في مراتب الإثم بين البدع فيه تجاوز وخشونة، إذ لا شك في أن من البدع ما هو مخرج عن الملة، وفيها ما هو بمنزلة الكبائر، وفيها ما هو من الصغائر، وكلها مشتركة في عموم الضلالة والقبح والفاسد ... فهل تستوي هذه وتلك مع بدعة الموالد والصيام قائماً في الشمس؟ ... اللهم لا، فلكل حكم يدل على أن بعضها أكثر إثماً من بعض وسيأتي تفصيل هذا في الفصل الأول من الباب الثالث.
ثم إن المؤلف ناقض نفسه في هذه المسألة إذ بين أن العلماء اتفقوا على رد رواية من يكفر ببدعته، واختلفوا في رواية الذي لا يكفر ببدعته وهذا دليل على تفاوت البدع في المفسدة والحكم والإثم.
ومن المآخذ وهو أيسر من كل ما سبق، أنه أكثر في هذه الرسالة الصغيرة من الإحالة على كتبه الأخرى مثل: انظر كتابي كذا وكذا، انظر الكتاب الفلاني بتحقيقي وهكذا ... مع ألأن هذه الكتب ليست من المراجع والمصادرالمعتمدة أو المعروفة في بحث البدعة.
٣- البدعة والمصالح المرسلة، للدكتور توفيق الواعي.
وهو من أجود الكتب التي تعرضت لموضوع البدعة، وقد ركز فيه على علاقة البدعة بالمصالح المرسلة فأجاد أيما إجادة.
بدأ الكتاب بتعريف الاتباع والتقليد وصلتهما بالبدعة، ثم ذكر أقسام البدعة، ثم حكم البدعة والمبتدع.
стр. 199
وفي الباب الأخير تكلم عن المصالح المرسلة وتعريفاتها المختلفة وأدلة مشروعيتها وأنواعها والصلة بينها وبين البدعة.
وقد اعتمد في الجملة على كتاب الاعتصام وحق له ذلك، إذ هو الأم في هذا الباب، واعتمد في التعاريف المنقولة عن العلماء في كتاب عزت عطية وتبعه في نقل أقوال لم يذكر مصادرها، غير أنه في رده على القائلين بتقسيم البدعة تميز عن عزت عطية، وأتى بكلام جيد ومفيد وناقش شبه المحسنين مناقشة موضوعية.
في تخريجه للأحاديث يكتفي أحياناً بذكر مخرجه من أهل الكتب، دون ذكر الجزء أو الصفحة أو الباب.
وأحياناً يقول في الحديث: لم أجده. ويكون قد خرجه في موضع آخر في نقله لأقوال العلماء لا يذكر أحياناً الكتب التي نقل منها، وفي بعض المواطن ينقل كلام بعض العلماء نصاً أو معنى من غير أن يشير إلى ذلك منقول أو مقتبس.
عند كلامه عن العلاقة بين التعريفات التي تذم البدعة بإطلاق، والتي تقول بالبدعة الحسنة قال: (وينفرد أصحاب البدعة الحسنة في العادات غير العبادية مثل الأكل على الموائد ونخل الدقيق) .
стр. 200
والأمر ليس كذلك، بل الذين يقولون بتحسين بعض البدع، يجوزون الابتداع في الأقوال والأفعال والاعتقادات، مثل تحسينهم بدعة المولد وبدعة صلاة الرغائب وغير ذلك ... أما هذا الذي مثل به أمر عادي مقبول عند من يقول بذم البدع مطلقاً، فلم ينفرد أصحاب التحسين البدعي به.
ومع كل هذا فالكتاب من أحسن ما قرأت في باب البدعة، خصوصاً في مسألة البدعة والمصالح المرسلة والعلاقة بينهما.
٤- البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها، للدكتور عزت علي عطية، وسوف أفرده بدراسة موجزة مع بعض المؤلفات الأخرى.
الثالث: -
مؤلفات استقلت فلم تعن بقضايا التأصيل كالمؤلفات المذكورة سلفاً، أي أن مسائل تعريف البدعة وأقسامها وأحكامها، وأحكام المبتدع لم تجر فيها على وجه التقنين والتصنيف، ولكنها تعد أصولاً اعتمد عليها من ألف في البدعة وأخذ عنها واقتبس منها ومن أجل هذا، جعلتها في هذا القسم والمؤلفات، التي أعني هي:
١- البدع والنهي عنها لابن وضاح.
٢- الحوادث والبدع لأبي بكر الطرطوشي.
وسوف أذكر لهما دراسة موجزة مع بعض المؤلفات الأخرى.
стр. 201
وبعد هذا الاستعراض السريع للمؤلفات في البدعة، بحسب ما وصل إلى يدي منها على التقسيم الذي اجتهدت أن يكون مطابقاً لحال هذه الكتب المدروسة أقوم الآن بدراسة موجزة لبعض المؤلفات المذكورة آنفاً وهي:
١- البدع والنهي عنها لابن وضاح، توفي سنة ٢٨٧هـ.
٢- الحوادث والبدع للطرطوشي، توفي سنة ٥٢٠هـ.
٣- الاعتصام للشاطبي، توفي سنة ٧٩٠هـ.
٤- البدعة للدكتور عزت علي عطية.
وسبب اختيار هذه المؤلفات للدراسة مايلي:
١) أن كل واحد منها يمثل حقبة من الزمان.
٢) أن بينها اختلافاً في المنهج والأسلوب، وطريقة العرض، فكل واحد منها يمثل منهج وأسلوب عصره.
٣) أن بينها تباين في طريقة عرض موضوع البدعة، فالأول: على طريقة المحدثين ومن خلاله نتعرف على مناهج الكتب المشابهة،
стр. 202
والثاني: على طريقة الفقهاء، والثالث: على طريقة الأصوليين، والأخير: على طريقة التأليف المعاصر ... ومن خلال كل واحد تتضح لنا طريقة أمثاله.
* أما كتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح: فمعدود من الأجزاء الحديثيه وقد جمع فيه مؤلفه ما وصل إليه من أحاديث وآثار وأخبار عن الصحابة والتابعين في موضوع البدع, ويعد هذا المؤلف من أشهر الكتب المصنفة في البدع , ولذلك تجد النقل عنه في بعض الكتب المؤلفة في البدع كالحوادث للطرطوشي.. والاعتصام للشاطبي , والباعث على إنكار البدع , والحوادث لأبي شامة. وتجد ذكره في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية , وابن القيم وغيرهما, بل تجد الشاطبي في الاعتصام أخذ معظم استشهادا ته من ابن وضاح واستخرج من الأحاديث والآثار التي رواها ابن وضاح , قواعد أصولية في مسألة البدعة ,فأشبه حاله حال الصائغ الذي يأخذ سبيكة الذهب فيصوغ منها الحلي والدينار.
وهذا الكتاب المطبوع فيه أغلاط وتصحيفات كثيرة, وقد ذكر ذلك محققه وذكر أنه لم يجد منه سوى نسخة واحدة رديئة الخط فطبع عليها واجتهد جزاه الله خيراً- في تخريج أحاديثه, وبيان معاني ألفاظه , والتنبيه على مواطن الغلط والتصحيف ,ومع ذلك لم يخل من أغلاط.
وقد بدأ ابن وضاح بذكر الأحاديث والآثار الحاثة على إتباع السنة, وأنها محفوظة بحفظ العدول لها, وأن الله يهيئ لكل بدعة يكاد بها الإسلام ,ولياً من أوليائه يذب عن السنة والدين.
ثم ذكر محبة السلف وحرصهم على رد الناس عن البدعة والتحذير من أهلها.
ثم قال: باب ما يكون بدعة, وأتى فيه ببعض الآثار التي أنكر فيها الصحابة على المبتدعين, الذي تنادوا للصلاة في جامع البلد بعد هجعة من الليل, والذين اعتزلوا بمسجد دون الناس, والذين جلسوا يسبحون بطريقة جماعية, والذين
стр. 203
يصومون أيام المجوس, ثم ساق آثار عن الصحابة في الأمر بالإتباع والنهي عن الابتداع, ثم عقبها بأخبار عمليه في زجر المبتدعة, كضرب القاص وضرب أحد الصحابة لولده لما جلس مع المبتدعة, ثم ذكر كلام السلف عن القصاص ومحدثاتهم , ثم قال: باب كل محدثة بدعة, وأتى بالأحاديث والآثار على هذا المعنى ثم عطف مرة أخرى على ذكر الآثار الآمرة بالاتباع, والناهية عن الابتداع, والمحذرة من كل بدعة, وفي أثنائها ساق الآثار الواردة في توبة المبتدع.
ثم قال: باب إحداث البدع, وساق حديثاً في عقوبة من أحدث في الدين ما ليس منه, ثم آثاراً في التثبت في الفتيا والاستفهام من السائل قبل إجابته لئلا تؤدي الفتيا إلى الابتداع, ثم ذكر أثراً في نظرة السلف نحو البدعة, ومقارنتها بالمعصية, وأن البدعة أشنع, ثم قال: باب تغير البدع, وهكذا في المطبوع, ولعل الصحيح تغيير البدع, لأن الآثار التي ساقها عن الصحابة في تبيان ضرر البدعة ووجوب تغييرها, تدل على عكس ذلك, وأورد بعد ذلك أحاديث وآثاراً في تقابل السنة والبدعة, وأن وجود واحدة منهما يرفع الأخرى.
ثم قال: باب في إتباع الآذان, هكذا في المطبوع وهو غلط بين , ولعل الصحيح إتباع الآثار, لأنه ساق مجموعة من الآثار في النهي عن تتبع الآثار المكانية التي صلى عندها النبي- ﷺ أو التي بايع تحتها.
ثم قال: ما جاء في ليلة النصف من شعبان, وأورد فيها أثرين, ثم قال: كراهية اجتماع الناس عشية عرفة, وأورد خمسة أثار, ثم قال: النهي عن الجلوس مع أهل البدع, وخلطتهم , والمشي معهم, وبعد إيراد جمله من الآثار قال: باب هل لصاحب البدعة توبة؟ وساق آثاراً ختمها بقصة صبيغ العراقي مع عمر, ثم قال: باب نقص عرى الإسلام, ودفن الدين وإظهار البدع, وأتى بالأحاديث والآثار في غربة الدين وأهله وما في هذا المعنى, وأطال, ثم قال: باب فيما يدال الناس بعضهم من بعض والبقاع, وذكر فيه الآثار الواردة في دولة الحمق والسفلة على الحلماء والأشراف وارتفاع الأشرار على الأخيار, وسيادة المنافقين وتملك من ليس أهلاً, واختلاف أهواء الناس, وصدودهم عن من يعظهم ويذكرهم,
стр. 204
وغير ذلك من الفتن والبليات التي هي من علامات الساعة, ثم أورد بعض أحاديث وآثار في افتراق هذه الأمة, وأحاديث وآثار في الخوارج , وفي الفتن والنفاق الذي يحصل من قراء هذه الأمة وعلمائها, ثم ساق جملة من الأحاديث والآثار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبها ختم كتابه.
هذا موجز ما في الكتاب, أما ما يتميز به, وما يؤخذ عليه فهو ما يلي:
١. جاء الكتاب في جميع أحاديثه وآثاره بالسند, ومؤلفه عاش في تدوين الحديث, وعصر أئمة الكبار, وكانت له لقياً وتتلمذ على كبار أئمة أهل السنة كأحمد, وابن معين, وابن المديني, وسعيد بن منصور, وابن المبارك , وابن أبي شيبة, وغيرهم.
وقد جعله الذهبي من طبقة الإمام مسلم.
وعرف من مشائخه ثلاثة وثلاثون شيخاً من البغداديين, والشاميين, والمصريين, وقيل في ترجمته: عدة الرجال الذين سمع منهم ابن وضاح, مائة وخمسة وستون رجلاً.
٢. جمع الكتاب من الأحاديث والآثار ما جعله عمدة المتكلمين والمصنفين, في هذا الباب بعده.
٣. حرص مؤلفه-﵀ أن تكون الأحاديث والآثار المجموعة في مكان واحد, ذات معنى واحد أو متقارب, وإن لم يطرد هذا في كل الأبواب.
٤. الكتاب مروي عن ابن وضاح, ولذلك يجد القارئ في أول السند غالباً: حدثني محمد بن وضاح, أو حدثنا وأحياناً تكون بداية السند باسم آخر.
٥. غالب البدع المنهي عنها في هذا الكتاب من البدع العملية.
٦. تجد تعليقات لابن وضاح على بعض الأحاديث والآثار وهي تعليقات
стр. 205
قليلة وهي على قلتها تعطي صورة لفقه ابن وضاح وعلمه.
أما المآخذ فهي:
١. هذا الكتاب على جلالته وقدره , لم ينل من التحقيق والتخريج ما يستحقه.
٢. عدم التزام المصنف-﵀ بالترتيب والتبويب الذي وضعه, فيورد في الباب المتأخر, ما سبق ذكره في الأبواب متقدمة أو العكس.
٣. إيراده للآثار الناهية عن مجالسة القصاصين والتحذير منهم واعتبار عملهم بدعة, ثم إيراده أن ابن مسعود كان يقص.
٤. إيراده للآثار بأسانيد فيها مجاهيل, كأن يقول: عن بعض مشيخته أو يقول حدثنا بعض أصحابنا أو يقول: عن رجل أخبره , ولعله لو درس الكتاب دراسة حديثية مدققة لوجد في أسانيده أنواعاً أخرى من العلل, كالانقطاع والجهالة والضعف.
٥. إيراده بعض الأعمال وتسميتها بدعة, وهي من الأمور الجائزة كقراءة سورة الإخلاص في كل ركعة , وسجود الشكر, أو من الأمور المختلف فيها التثويب بالصلاة أي أن يقول المؤذن بعد أن يمضي وقت من أذانه: الصلاة يرحمكم الله, وما أشبه ذلك, أو من الأمور العادية كالتنحنح في المنارة.
* أما كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي:
فهو كتاب جرى فيه صاحبه على الأسلوب الفقهي واعتمد-بحكم
стр. 206
مذهبه- على كتب المالكية وأقوالهم, واعتنى بالبدع العملية, ومع ذكر يسير للبدع الاعتقادية ووقد قسم الكتاب إلى أربعة أبواب:
الباب الأول: فيما انطوى عليه الكتاب العزيز من الأمور, التي ظاهرها سلم جرت إلى هلك, وليس تحت هذا الباب فصول.
الباب الثاني: فيما اشتملت عليه السنة من التحذير من الأهواء والبدع وتحت هذا الباب, فصل في أصول البدع والفرق, وآخر تعريف البدعة.
الباب الثالث: في منهاج الصحابة في إنكار البدع وترك ما يؤدي إليها وتحته فصول وفروع كثيرة, أهمها ما يتعلق بصلاة التروايح, ومشروعيتها جماعة والفصل الذي عقده في مسألة سد الذريعة, والآخر الذي سماه: شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه, والذي بعده وهو في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين.
الباب الرابع: في نقل غرائب البدع وإنكار العلماء لها, وفيه ساق إلى نهاية الكتاب, مجموعه من البدع الشائعة في عصره وكلها من البدع العملية.
والكتاب حققه محمد الطيبي, وقدم له مقدمة فيها نفس لا ينسجم مع طريقة السلف, بل هو أقرب إلى التأليف النظري الثقافي الذي لا يلامس المقصود من هذا الكتاب, بل حمل المؤلف ما لا يحتمل في دراسته لهذا الكتاب, وانتقد عليه أنه لم يشر إلى البدع المستحسنة, وأنه استخدم الأسلوب الجدلي ويقصد به المناقشة الفقهية للآراء المخالفة, وأنه استعان بالمعتزلة لكي يضفي على الكاتب صفة التحرر, ثم وصف الكتاب بأنه شعبي متين الصلة بالشعب ومتعلقاً بخيوط الشعارات العنكبوتية, التي شاعت بين المسلمين في هذا العصر.
وانتقد هذا المحقق على الطرطوشي أموراً, هي من الدين: كالمص في شرب
стр. 207
الماء, والنهش في أكل اللحم, وليس العمامة والاستياك.
وسخر من الطرطوشي والفقهاء الذين سبقوه أو لحقوه, حين ظنوا أن العصر الذهبي هو في عهد الرسول ﷺ والسلف, وبالجملة فالمحقق في هذه الدراسة, أساء إلى المؤلف والكتاب من حيث ظن أنه أحسن.....
وكتاب الطرطوشي هذا قد استفاد منه بعض من كتب في البدع بعده كالشاطبي في الاعتصام, وابن شامة في الباعث, والسيوطي في الأمر بالإتباع.
قال أبو شامة: (وقد صنف الإمام الشيخ الزاهد أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي- رحمه الله تعالى- كتاباً ذكر فيه جملاً من بدع الأمور ومحدثاتها التي ليس لها أصل في كتاب أو سنة, ولا إجماع ولا غيره, وهو كتاب مشحون بالفوائد على صغره) .
وقد عني الطرطوشي بمسائل التأصيل في قضية البدعة, فتكلم عن أقسامها من حيث معرفة الناس بها وعدمها , وتكلم عن إمكانية حصر البدع في عدد معين وعن أصول البدع الاعتقادية, وخصص فصلاً لتعريف البدعة في اللغة والاصطلاح وتكلم عن صلاة التروايح, وقول عمر فيها, وبين أنها سنة ولا حجة فيها للمحسن.
стр. 208
ووضع قاعدة سماها شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه, وضرب لها الأمثلة, وتعرض لمسألة سد الذرائع وله في ثنايا كلامه عن البدع التي تحدث عنها, كلام يصلح أن يكون من الأقوال التأصيلية في البدعة.
أما ما يؤخذ على هذا الكتاب فهو ما يلي:
١. اعتماده الكثير على المذهب المالكي في تقرير المسائل والحكم عليها.
٢. بسبب اعتماده على المذهب المالكي في أكثر المسائل, عد من البدع ما فقال فيه الإمام مالك مكروه أو أكره ذلك, أولا يعجبني, ونحو ذلك مع أن في بعض هذه التي كرهها الإمام مالك ليست من البدع.
٣. وقوله في صلاة التراويح: (وجرت عادة الأئمة أن يفصلوا بين كل ترويحتين بركعتين خفيفتين يصلونهما أفذاذاً.....) .
ومع كون هذا العمل غير مشروع ولا دليل عليه, فهو مناقض لقوله في موضع آخر: (اعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب, إنما هو حماية الذرائع وألا يزاد في الفروض, ولا في السنن المسننة, وألا يعتقد أيضاً في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة..) .
٤. إطلاقه لفظ القيم الباري على الأول- سبحانه- وهذا إطلاق محدث لم يعرف عن السلف.
٥. قوله ﵀: (.... وهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر, فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية, ويثقف حروفه تثقيف القدح, وهو أجهل الجاهلين
стр. 209
بأحكامه, فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء ومحلها وعزوبها ورفضها, وتفريقها على أعضاء الوضوء لم يخرج جواباً) .
وهذه الدقائق التي يجهل بها القراء ليست من السنة ولا أصل لها, فهي غير مشروعة, بل هي من المحدثات التي اخترعها مقلدة المذاهب في باب النية وإلا فأين الدليل الشرعي على تفريق النية على أعضاء الوضوء؟.
٦. نقله عن الإمام مالك النهي عن رفع اليدين حال الدعاء, ونقله أيضاً عن الحسن البصري أن مد الأيدي بالدعاء بدعة.
وقد ثبت في السنة بأحاديث كثيرة مشروعية رفع الأيدي عند الدعاء, فلا عبرة بقول أحد إذا كان النص بخلافه.
٧. نقله عن الإمام مالك جواز نشدان الضالة في المسجد إذا كان بصوت غير مرتفع.
وقد ثبت في صحيح مسلم نهيه- ﷺ عن ذلك.
٨. ذكره أن صوم رجب يكره على أحد ثلاثة أوجه, ثم أتى بواحد منها وترك الباقية فلعله سهى عنها.
٩. تعليله لنهي عمر- ﵁ عن لبس الجارية للإزار, لئلا يظن الناس أن الحرة والأمة في الستر سواء, فتموت سنة وتحيا بدعة , التعليل بالتفريق بين الحرة والأمة صحيح, أما كون هذا الفعل بدعة ومقابلة سنة فلا, فإن أقصى ما يمكن أن يقال فيه, أنه معصية إلا إن أراد البدعة بالمعنى
стр. 210
اللغوي فنعم, ولكن ذلك ليس بظاهر قوله, لكونه قابل بين السنة والبدعة.
١٠. نقله عن مالك كراهية قراءة القرآن في المصحف في المسجد وأن ذلك محدث.
ولا وجه لكراهة ذلك, ولا لعده من المحدثات إلا من حيث المعنى اللغوي.
١١. عده المجبنات والإسفنج من الأطعمة المبتدعة.
نعم من حيث أنها حادثة ومخترعة هي بدعة, ولكن لا يطلق عليها بدعة بالمعنى الشرعي.
١٢. جعله الحمام واتخاذ الألوان في الأطعمة والأكل على الخوان, وتقديم اللحم على الفاكهة, وأكل اللحم من غير نهش, وشرب الماء من غير مص, والأكل بأزيد من ثلاثة أصابع من البدع ... وهذه من الأمور العادية المباحة التي لا تعد مخالفات أو معاصي, فضلاً عن كونها بدعاً.
١٣. عده بعض الأعمال المكروهة شرعاً من البدع, وهي ليست كذلك, بل هي من المخالفات, كالكلام والإمام يخطب, وحفر القبر بدون لحد.
١٤. قوله في شأن زيارة قبر النبي- ﷺ : (ويصلى ركعتين قبل السلام عليه ... ) . وهاتين الركعتين من المحدثات التي لا أصل لها.
١٥. إيراد أقوالاً فقهية لا دخل لها بموضوع الكتاب, كاستطراده في التعزية وآدابها ونحو ذلك.
١٦. قوله: إن الخضر- ﵇ جاء يعزي في النبي ﷺ -
стр. 211
وهذا القول من الترهات التي يرويها الصوفية ومن لا علم عنده بالسنة والآثار.
هذه هي جملة المآخذ على كتاب الطرطوشي, وهي بالنسبة لما فيه من العلم والفوائد, كالشعرات البيض المعدودة في الحيوان الأسود.
* أما كتاب الاعتصام للشاطبي:
فهو العمدة في هذا الباب, والمورد لكل من تكلم في البدعة بعده, فقد نزع الشاطبي- ﵀ في هذا الكتاب بقوة فما رؤي عبقري يفري فرية حتى ضرب الناس حول كتاب الاعتصام بعطن, وعلوا منه ونهلوا وحرموا ليدركوا شأوه فما وصلوا.
ومؤلفه- ﵀ من العلماء الذين تحروا من ربقة التقليد الأعمى, ونير الجمود والتعصب المذهبي, واستقل في زمن كثر فيه إتباع العوائد والآباء, والمشائخ والمذاهب, مع ما حباه الله من توسع في العلوم الشرعية والعقلية, وإلمام بالأخبار والآثار غير يسير, أما علم الأصول الذي به تفهم مقاصد الشرعية, وقواعدها وكلياتها, فمن أحسن الناس علماً بهو وحسبك في أصول الفقه من بين المؤلفات كتاب الموافقات, وأما اللغة العربية فله فيها الطولى والباع العريض, وقد ذكر مترجموه مؤلفات له في أصول النحو وشرح الألفية, وصفها بعضهم بأنها لم يؤلف مثلها.
فانعقدت لهذا الإمام الجليل ألوية العلم, وجمع بين معرفة الآثار والعلم باللغة, وفهم مقاصد الشريعة, فتأهل لخوض ميدان التأصيل والتقعيد في مجال السنة والبدعة, فأجاد وأفاد, والناظر فيه وفي آثاره في الخلق وما لقيه من قبول ومحبة, يوقن أن أبا إسحاق قد بورك له في علمه وعمله, فرحمه الله ورضي عنه.
стр. 212
وقد ذكر في مقدمة كتابه منة الله عليه في فهم معاني الشريعة ومقاصدها وأن من أعظم ذلك الإيقان بأن كتاب الله وسنة رسوله- ﷺ لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول, ولا أبقيا لغيرهما مجالاً يعتد فيه.. وأن الدين قد كمل والسعادة الكبرى فيما وضع, والطلبة فيما شرع, وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران.
وبين أنه اختار طريق الدليل والمشي مع الجماعة, التي هي السواد الأعظم والسبيل الذي كان عليه محمد- ﷺ وأصحابه, ثم ذكر أنه تولى من الأعمال المتصلة بالناس الخطابة والإمامة, وأراد أن يسلك فيها طريق الاستقامة على السنة, بترك العوائد البدعية التي ألفها جمهور أهل زمانه, وأنه نظر في أمره هذا بين أن يتبع السنة ولو خالف ما اعتاد الناس وألفوا, وما يترتب على هذه المخالفة من اتهامات وأضرار تلحق به, أو يتبع ما ألف الناس من البدع معرضاً عن السنة, ونهج السلف الصالح وأنه اختار متابعة السنة, لأن الهلاك في إتباعها هو النجاة, وأن الناس لن يغنوا عنه من الله شيئاً, وأنه عزم على ذلك متخذاً طريق التدرج في بعض الأمور, فلما أنفذ- ﵀ عزمه هذا وذلك بترك الدعاء الجماعي في أدبار الصلوات, وترك التزام ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة وترك الدعاء للسلاطين فيها, كانت النتيجة كما قال هو-﵀: (فقامت علي القيامة وتواترت على الملامة, وفوق إلى العتاب سهامه, ونسبت إلي البدعة والضلالة, وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة....) .
وأدت مقاومته العملية لهذه البدعة المعتادة أن نسب إلى الرفض, وبغض الصحابة, وإلى اتهامه بأنه يجوز الخروج على السلطان, والتخلي عن طاعته, وأنه يقول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه ... وأنه يلتزم الحرج والتنطع في الدين
стр. 213
وغير ذلك من التهم.
وكانت أرض الأندلس-آنذاك- قد انحسر فيها مد الإسلام واستولى النصارى على كثير من المدن والبلدان, ويكاد ينحصر النفوذ الإسلامي في مملكة غرناطة الممتدة في الجزء الجنوبي من الأندلس إلى ساحل البحر الأبيض, ومضيق جبل طارق.
وكانت الفتن بين الدويلات المفتتة, قد أضعف قوة المسلمين والتصارع بين أبناء الأسر المالكة على تفتيت الفتات المتبقي, قد أثخن أهل ملة الإسلام والاضطرابات والثورات على أشدها, والنصارى يزحفون وبعض ملوك المسلمين يحاربهم, وبعضهم يحارب معهم, وأهل العلم على أقسامهم منهم من قصد للتأليف والتدريس, ومنهم من انزوى للنسك والعبادة, ومنهم من سعى يجاهد ويحرك حميات ذوي البصائر ويستنهض عزمات أهل القلوب, ويقاوم انحرافات أهل الترف والمعاصي, وأهل البدع والمحدثات, ويحاول مد ظل الإسلام الذي تقلص, ورفع لواءه الذي تنكس, وكان من أجلاء هذا الصنف الإمام الشاطبي- ﵀ وقد ألف كتابه-الاعتصام- في هذه الأجواء المشحونة, والأحوال المتردية.
وبعد أن حصل عليه من الإنكار ما سبق ذكره, اجتهد في تتبع النظر في البدع, أصول وقواعد قررت الشريعة, وفروع وجزئيات كثيرة لكنها منتظمة تحت تلك الأصول والقواعد, ورأى الالتباس بين السنة والبدعة, وقع بين الناس بسبب كثرة البدع وانتشارها, ودوام الإكباب عليها, وسكوت العلماء عنها مع قلة من صنف في البدعة على الخصوص من حيث التأصيل, وأن الوجوب متأكد بالنسبة إلى من عنده فيها علم, كل ذلك أداه إلى وضع كتاب يشتمل على بيان البدع, وأحكامها وما يتعلق
стр. 214
بها من المسائل أصولاً وفروعاً, وسماه الاعتصام قال فيه: (وأنا أرجو أن يكون كتب هذا الكتاب الذي وضعت يدي فيه, من هذا القبيل, لأني رأيت باب البدع في كلام العلماء مغفلاً جداً, إلا من النقل الجلي, كما نقل ابن وضاح, أو يؤتى بأطراف من الكلام لا يشفي الغليل بالتفقه فيه, كما ينبغي ولم أجد على شدة بحثي عنه إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشي, وهو يسير في جنب ما يحتاج إليه فيه, إلا ما وضع الناس في الفرق الثنتين والسبعين, وهو فصل من فصول الباب, وجزء من أجزائه فأخذت نفسي بالعناء فيه, عسى أن ينتفع به, واضعه وقارئه وناشره وكاتبه والمنتفع به وجمع المسلمين أنه ولي ذلك ومسديه بسعة رحمته) .
والكتاب المطبوع المتداول مقسم على عشرة أبواب:
الباب الأول: في تعريف البدعة وبيان معناها.
الباب الثاني: في ذم البدع وسوء منقلب أهلها. وهو على سبعة فصول, ذكر في كل فصل وجها من الذم الوارد في النقل, أو المعروف بالعقل.
الباب الثالث: في أن ذم البدع والمحدثات عامة.
وقد تكلم في هذا الباب عن عموم الضلالة فيكل بدعة وأجاب عن شبه المبتدعة, ومن قسم البدع إلى حسن وقبيح كل ذلك وغيره مندرج تحت ثمانية فصول.
الباب الرابع: في مآخذ أهل البدع في الاستدلال, وفيه يبين أقسام الناس من حيث الرسوخ في العلم وعدمه, وكيفية استدلالهم بالشرع, ومعنى إتباع المتشابه, والتحريف, وأنواع الأدلة والاستدلالات التي يعتمد عليها المبتدع من الشرع أو من غيره, وقد جعل هذه المعاني موزعة على عشرة فصول.
الباب الخامس: في البدع الحقيقية والإضافية, والفرق بينهما, وتحته
стр. 215
عشرون فصلاً, ذكر فيها حدود البدعة الحقيقية وأمثلتها, والإضافية وأمثلتها, واستطرد في بيان البدعة الحقيقية وأقسامها لكثرة الإشكال الحاصل فيها, وتكلم عن حكم العمل المتذرع به إلى البدعة وأصله مشروع, وحكم الذرائع عموماً ... وعالج في هذا الباب رهبانية الصوفية, وأخذهم بالشدة على أنفسهم والمشقة على أجسادهم, ثم بدعة الدعاء الجماعي أدبار الصلوات.
الباب السادس: في أحكام البدع, وأنها ليست على رتبة واحدة, وتحته ثمانية فصول, تناول فيها التفاوت الحاصل بين البدع بسبب تفاوت متعلقاتها, وأنها تنقسم إلى كبائر وصغائر, ومحرمة ومكروه تحريماً وأن عموم لفظ الضلالة يشمل كل هذه الأقسام.
الباب السابع: في الابتداع: هل يدخل في الأمور العادية أم يختص بالأمور العبا دية؟ .. وحصر الكلام في فصلين, تحدث فيهما عن أفعال المكلفين في نظر الشرع, وأن لكل فعل حكمه, ثم يبين كيفية دخول الابتداع في الأمور العادية, وضرب على ذلك أمثلة عديدة تدل على دخول الابتداع في العادات والمعاملات.
الباب الثامن: في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان, وفيه خمسة فصول, وقد بدأ الباب بتبيان معنى المصالح المرسلة, ثم ضرب لها عشرة أمثلة, من المأثور والمعقول.. ثم أتبع ذلك بالكلام عن الاستحسان, وذكر له عدة تعريفات, شملت مسألة الحسن والقبيح, العقليين, ومسألة الاستحسان الفقهي والأصولي, ثم ضرب على ذلك عشرة أمثلة, ثم بين تعلق أهل البدع بالاستحسان, ورد على احتجاجاتهم, وبين بالدليل سقوط ما تعلقوا به, وكشف الإشكالات الواردة في هذا الباب.
الباب التاسع: في السبب الذي من أجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين.. وقد أطال في هذا الباب, وتعرض لكثير من القضايا الاعتقادية والعملية, مفصلاً ذلك ضمن خمسة وعشرين مسألة.
بدأ ببيان أسباب الاختلاف الواقع في الفرق, وأنها كسبية وغير كسبية.
следующие страницы →