Полный текст (506 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وهذا القول من الترهات التي يرويها الصوفية ومن لا علم عنده بالسنة والآثار.
هذه هي جملة المآخذ على كتاب الطرطوشي, وهي بالنسبة لما فيه من العلم والفوائد, كالشعرات البيض المعدودة في الحيوان الأسود.
* أما كتاب الاعتصام للشاطبي:
فهو العمدة في هذا الباب, والمورد لكل من تكلم في البدعة بعده, فقد نزع الشاطبي- ﵀ في هذا الكتاب بقوة فما رؤي عبقري يفري فرية حتى ضرب الناس حول كتاب الاعتصام بعطن, وعلوا منه ونهلوا وحرموا ليدركوا شأوه فما وصلوا.
ومؤلفه- ﵀ من العلماء الذين تحروا من ربقة التقليد الأعمى, ونير الجمود والتعصب المذهبي, واستقل في زمن كثر فيه إتباع العوائد والآباء, والمشائخ والمذاهب, مع ما حباه الله من توسع في العلوم الشرعية والعقلية, وإلمام بالأخبار والآثار غير يسير, أما علم الأصول الذي به تفهم مقاصد الشرعية, وقواعدها وكلياتها, فمن أحسن الناس علماً بهو وحسبك في أصول الفقه من بين المؤلفات كتاب الموافقات, وأما اللغة العربية فله فيها الطولى والباع العريض, وقد ذكر مترجموه مؤلفات له في أصول النحو وشرح الألفية, وصفها بعضهم بأنها لم يؤلف مثلها.
فانعقدت لهذا الإمام الجليل ألوية العلم, وجمع بين معرفة الآثار والعلم باللغة, وفهم مقاصد الشريعة, فتأهل لخوض ميدان التأصيل والتقعيد في مجال السنة والبدعة, فأجاد وأفاد, والناظر فيه وفي آثاره في الخلق وما لقيه من قبول ومحبة, يوقن أن أبا إسحاق قد بورك له في علمه وعمله, فرحمه الله ورضي عنه.
стр. 212
وقد ذكر في مقدمة كتابه منة الله عليه في فهم معاني الشريعة ومقاصدها وأن من أعظم ذلك الإيقان بأن كتاب الله وسنة رسوله- ﷺ لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول, ولا أبقيا لغيرهما مجالاً يعتد فيه.. وأن الدين قد كمل والسعادة الكبرى فيما وضع, والطلبة فيما شرع, وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران.
وبين أنه اختار طريق الدليل والمشي مع الجماعة, التي هي السواد الأعظم والسبيل الذي كان عليه محمد- ﷺ وأصحابه, ثم ذكر أنه تولى من الأعمال المتصلة بالناس الخطابة والإمامة, وأراد أن يسلك فيها طريق الاستقامة على السنة, بترك العوائد البدعية التي ألفها جمهور أهل زمانه, وأنه نظر في أمره هذا بين أن يتبع السنة ولو خالف ما اعتاد الناس وألفوا, وما يترتب على هذه المخالفة من اتهامات وأضرار تلحق به, أو يتبع ما ألف الناس من البدع معرضاً عن السنة, ونهج السلف الصالح وأنه اختار متابعة السنة, لأن الهلاك في إتباعها هو النجاة, وأن الناس لن يغنوا عنه من الله شيئاً, وأنه عزم على ذلك متخذاً طريق التدرج في بعض الأمور, فلما أنفذ- ﵀ عزمه هذا وذلك بترك الدعاء الجماعي في أدبار الصلوات, وترك التزام ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة وترك الدعاء للسلاطين فيها, كانت النتيجة كما قال هو-﵀: (فقامت علي القيامة وتواترت على الملامة, وفوق إلى العتاب سهامه, ونسبت إلي البدعة والضلالة, وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة....) .
وأدت مقاومته العملية لهذه البدعة المعتادة أن نسب إلى الرفض, وبغض الصحابة, وإلى اتهامه بأنه يجوز الخروج على السلطان, والتخلي عن طاعته, وأنه يقول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه ... وأنه يلتزم الحرج والتنطع في الدين
стр. 213
وغير ذلك من التهم.
وكانت أرض الأندلس-آنذاك- قد انحسر فيها مد الإسلام واستولى النصارى على كثير من المدن والبلدان, ويكاد ينحصر النفوذ الإسلامي في مملكة غرناطة الممتدة في الجزء الجنوبي من الأندلس إلى ساحل البحر الأبيض, ومضيق جبل طارق.
وكانت الفتن بين الدويلات المفتتة, قد أضعف قوة المسلمين والتصارع بين أبناء الأسر المالكة على تفتيت الفتات المتبقي, قد أثخن أهل ملة الإسلام والاضطرابات والثورات على أشدها, والنصارى يزحفون وبعض ملوك المسلمين يحاربهم, وبعضهم يحارب معهم, وأهل العلم على أقسامهم منهم من قصد للتأليف والتدريس, ومنهم من انزوى للنسك والعبادة, ومنهم من سعى يجاهد ويحرك حميات ذوي البصائر ويستنهض عزمات أهل القلوب, ويقاوم انحرافات أهل الترف والمعاصي, وأهل البدع والمحدثات, ويحاول مد ظل الإسلام الذي تقلص, ورفع لواءه الذي تنكس, وكان من أجلاء هذا الصنف الإمام الشاطبي- ﵀ وقد ألف كتابه-الاعتصام- في هذه الأجواء المشحونة, والأحوال المتردية.
وبعد أن حصل عليه من الإنكار ما سبق ذكره, اجتهد في تتبع النظر في البدع, أصول وقواعد قررت الشريعة, وفروع وجزئيات كثيرة لكنها منتظمة تحت تلك الأصول والقواعد, ورأى الالتباس بين السنة والبدعة, وقع بين الناس بسبب كثرة البدع وانتشارها, ودوام الإكباب عليها, وسكوت العلماء عنها مع قلة من صنف في البدعة على الخصوص من حيث التأصيل, وأن الوجوب متأكد بالنسبة إلى من عنده فيها علم, كل ذلك أداه إلى وضع كتاب يشتمل على بيان البدع, وأحكامها وما يتعلق
стр. 214
بها من المسائل أصولاً وفروعاً, وسماه الاعتصام قال فيه: (وأنا أرجو أن يكون كتب هذا الكتاب الذي وضعت يدي فيه, من هذا القبيل, لأني رأيت باب البدع في كلام العلماء مغفلاً جداً, إلا من النقل الجلي, كما نقل ابن وضاح, أو يؤتى بأطراف من الكلام لا يشفي الغليل بالتفقه فيه, كما ينبغي ولم أجد على شدة بحثي عنه إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشي, وهو يسير في جنب ما يحتاج إليه فيه, إلا ما وضع الناس في الفرق الثنتين والسبعين, وهو فصل من فصول الباب, وجزء من أجزائه فأخذت نفسي بالعناء فيه, عسى أن ينتفع به, واضعه وقارئه وناشره وكاتبه والمنتفع به وجمع المسلمين أنه ولي ذلك ومسديه بسعة رحمته) .
والكتاب المطبوع المتداول مقسم على عشرة أبواب:
الباب الأول: في تعريف البدعة وبيان معناها.
الباب الثاني: في ذم البدع وسوء منقلب أهلها. وهو على سبعة فصول, ذكر في كل فصل وجها من الذم الوارد في النقل, أو المعروف بالعقل.
الباب الثالث: في أن ذم البدع والمحدثات عامة.
وقد تكلم في هذا الباب عن عموم الضلالة فيكل بدعة وأجاب عن شبه المبتدعة, ومن قسم البدع إلى حسن وقبيح كل ذلك وغيره مندرج تحت ثمانية فصول.
الباب الرابع: في مآخذ أهل البدع في الاستدلال, وفيه يبين أقسام الناس من حيث الرسوخ في العلم وعدمه, وكيفية استدلالهم بالشرع, ومعنى إتباع المتشابه, والتحريف, وأنواع الأدلة والاستدلالات التي يعتمد عليها المبتدع من الشرع أو من غيره, وقد جعل هذه المعاني موزعة على عشرة فصول.
الباب الخامس: في البدع الحقيقية والإضافية, والفرق بينهما, وتحته
стр. 215
عشرون فصلاً, ذكر فيها حدود البدعة الحقيقية وأمثلتها, والإضافية وأمثلتها, واستطرد في بيان البدعة الحقيقية وأقسامها لكثرة الإشكال الحاصل فيها, وتكلم عن حكم العمل المتذرع به إلى البدعة وأصله مشروع, وحكم الذرائع عموماً ... وعالج في هذا الباب رهبانية الصوفية, وأخذهم بالشدة على أنفسهم والمشقة على أجسادهم, ثم بدعة الدعاء الجماعي أدبار الصلوات.
الباب السادس: في أحكام البدع, وأنها ليست على رتبة واحدة, وتحته ثمانية فصول, تناول فيها التفاوت الحاصل بين البدع بسبب تفاوت متعلقاتها, وأنها تنقسم إلى كبائر وصغائر, ومحرمة ومكروه تحريماً وأن عموم لفظ الضلالة يشمل كل هذه الأقسام.
الباب السابع: في الابتداع: هل يدخل في الأمور العادية أم يختص بالأمور العبا دية؟ .. وحصر الكلام في فصلين, تحدث فيهما عن أفعال المكلفين في نظر الشرع, وأن لكل فعل حكمه, ثم يبين كيفية دخول الابتداع في الأمور العادية, وضرب على ذلك أمثلة عديدة تدل على دخول الابتداع في العادات والمعاملات.
الباب الثامن: في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان, وفيه خمسة فصول, وقد بدأ الباب بتبيان معنى المصالح المرسلة, ثم ضرب لها عشرة أمثلة, من المأثور والمعقول.. ثم أتبع ذلك بالكلام عن الاستحسان, وذكر له عدة تعريفات, شملت مسألة الحسن والقبيح, العقليين, ومسألة الاستحسان الفقهي والأصولي, ثم ضرب على ذلك عشرة أمثلة, ثم بين تعلق أهل البدع بالاستحسان, ورد على احتجاجاتهم, وبين بالدليل سقوط ما تعلقوا به, وكشف الإشكالات الواردة في هذا الباب.
الباب التاسع: في السبب الذي من أجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين.. وقد أطال في هذا الباب, وتعرض لكثير من القضايا الاعتقادية والعملية, مفصلاً ذلك ضمن خمسة وعشرين مسألة.
بدأ ببيان أسباب الاختلاف الواقع في الفرق, وأنها كسبية وغير كسبية.
стр. 216
ثم بين وجوه الاختلاف الكسبي, وبين أحكام المبتدع من خلال هذه الوجوه من حيث الأعذار, وعدمية التكفير والتفسيق, ومتى يطلق مسمى الفرقة, والكلام عن تعيين الفرق وحصرها في عدد معين, ثم الكلام عن خواص وعلامات أهل الفرقة والابتداع, وحكم أهل الفرق من حيث الكفر وعدمه, ومعاني نصوص الوعيد الواردة فيهم.. ثم تحدث عن الفرقة الناجية, وأوصافها, ومعنى الجماعة, وعلى من يطلق هذا الوصف.
ثم تكلم عن حديث الكلب والمعاني المستنبطة منه, واستطرد من ذلك إلى توبة المبتدع, وإمكان وقوعها وقبولها, ومعاني الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب.
الباب العاشر: في معنى الصراط المستقيم, الذي انحرفت عنه سبل الابتداع, فضلت عن الهدى بعد البيان.
وفيه تحدث عن الصراط المستقيم وأهله, ثم عن المداخل التي تلج منها البدعة على الشرع, وأنها أربعة: الجهل بأدوات المقاصد, والجهل بالمقاصد, وتحسين الظن بالعقل, وإتباع الهوى.
وتكلم عن كل واحد من هذه المداخل كلاماً مفصلاً مؤيداً بالأدلة النقلية والعقلية, والأمثلة الواقعية.
وفي ختام الكتاب ضرب عشرة أمثلة لا تباع الهوى والتقليد, وبعد نهاية الأمثلة قال: (فصل: إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال, فالحق لا يعرف دون وسائطهم, بل بهم يتوصل إليه وهم الأدلاء على طريقة) .
ولم يزد على ذلك, وهذا يدل على أن الكتاب غير مكتمل, فإما أن يكون المؤلف-رحمه الله تعالى- لم يكمله, كما جاء في آخر النسخة المخطوطة منه, والتي طبع عليها الكتاب المتداول ولفظه: (هذا ما جاء في آخر النسخة المخطوطة التي
стр. 217
وجدت في مكتبة الشنقيطي, وقد تم نسخها في ٢٥ المحرم سنة ١٢٩٥ من هجرة النبي- ﷺ ) .
وأما أن يكون المؤلف قد أكمله ولكن الناسخ ظن- بسبب نقصان النسخة التي نقل عنها- أن المؤلف لم يكمل الكتاب.. وعلى كل حال فالكتاب أجل من ثنائي عليه, ومؤلفه- ﵀ أكبر من إشادتي به.
وهو في حاجة شديدة إلى تحقيق علمي دقيق, وإكمال للنواقص الموجودة في أثناء هذا السفر الجليل وأخره, والنسخة المطبوعة والمتداولة قامت بسد فراغ فقده, ولكنها لكثرة سلبياتها في الطباعة والتحقيق والتخريج أخلت بكثير من فوائد ومقاصد هذا الكتاب.
نسأل الله أن يهيئ له من طلبة العلم من يقوم بخدمته على الوجه الصحيح, أ/االنقد الذي يمكنه توجيهه إلى كتاب الاعتصام ومؤلفه, فهو مندرج تحت الأرقام الآتية:
١. قوله عند الكلام عن إتباع المتشابهات: (ومثاله في ملة الإسلام مذهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب-المنزه عن النقائص- من العين واليد والوجه المحسوسات, والجهة وغير ذلك من الثابت للمحدثات) .
فإن كان مراده بالظاهرية المجسمة والمشبهة فلا اعتراض, وإن كان مراده الذين يأخذون بظواهر نصوص الصفات ويثبتونها كما وردت من غير تحريف \, ولا تأويل, ولا تعطيل, فهذا هو القول الحق الذي لا تدل الأدلة الشرعية على سواه, وهو مذهب السلف الصالح وأتباعهم, والمعترض عليهم بتأويل أو تعطيل مبتدع.
٢. قوله في رده على المعتزلة الذين زعموا أن القرآن مخلوق: (وأما كون الكلام هو الأصوات والحروف فبناء على عدم النظر في الكلام النفسي وهو مذكور
стр. 218
في الأصول) .
والكلام النفسي في مصطلحات الأشاعرة, التي أطلقوها على كلام الله- حيث قالوا: كلام الله تعالى القديم هو الكلام النفسي وهو معنى واحد قائم بذاته, غير مخلوق وهو صفة من صفاته, غير بائن عنه ليس بحرف ولا صوت ...
وهذا القول فيه جملة من البدع, لا مجال هنا لذكر الرد عليها, وإنما المراد ١كر مذهب الشاطبي في هذه المسألة.
٣. جعله النيروز من أعياد النصارى, وهذا خطأ يسير, والصحيح أنه من أعياد المجوس.
٤. جعله التثويب بدعة, تبعاً لمذهب المالكية في ذلك, وقد روي فيه أحاديث وآثار, منها ما هو صحيح, ومنها ما هو حسن, ومنها ما هو ضعيف, فلا وجه لاعتباره بدعة.
٥. جعله مذهب الظاهرية في الفقه بدعة, وهذا ليس بصحيح, بل في مذهب الظاهرية من الحرص على السنة وإتباع الآثار وحفظها وروايتها, ما ليس في المذاهب الفقهية الأخرى, التي اعتمدت الرأي والتقليد, نعم في المذهب الظاهري بعض المسالك المبتدعة, كإلغاء القياس الصحيح, وعدم القول به, كما أن في غيره من المسالك المبتدعة الأخذ بالقياس الفاسد, وتقديم قول المذهب على النص, وهي مسألة سيأتي بسطها في الفصل الثالث من الباب
стр. 219
الثاني, إن شاء الله.
٦. في رده على بدعة إدعاء المهدية التي زعمها ابن تومرت قال: (وكذب فالمهدي عيسى ﵇) .
وهذا القول مخالف للحديث الصحيح عنه- ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً, ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً) .
٧. وقوعه في بعض الأخطاء والآثار, منها استشهاده بحادثة ابنة النضر بن الحارث, حين ألقت شعرها على النبي- ﷺ بعد مقتل والدها صبراً, حين عادوا من بدر , ومنها تفسير الآية بخبر إسرائيلي واستشهاده به, وقوله عن أحد الأحاديث أنه في صحيح البخاري, وليس كذلك وإيراده قصة صبيغ بن عسل العراقي بغير الطريقة الواردة في كتب الآثار, كالدار مي, وابن وضاح, فأن بين ما أورد وما يثبت بالسند
стр. 220
اختلاف في المعنى.
ومن ذاك قوله عن الأحاديث المتواترة وأحاديث الآحاد: ( ... فإن كان وارداً من السنة فمعظم نقل السنة بالآحاد, بل أعوز أن يوجد حديث عن رسول الله ﷺ متواتراً....) .
مع أن المنقول من السنة المتواترة ليس معوزاً لقلته كما يقول-﵀ بل هو كثير, وفي ذلك مصنفات عديدة.
وقوله: وفي مسلم مرفوعاً عن ابن مسعود- ﵁ قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) وهذا الحديث ليس بمرفوع إلى النبي- ﷺ بل في سنده إلى ابن مسعود إرسال.
ومن ذلك إيراده لبعض الأحاديث واستدلاله بها, ووضعه بعض القواعد والمعاني عليها ثم تشككه في صحتها.
ومن ذلك حكمه على بعض الأحاديث بالضعف, وعدم الصحة, وهي صحيحة أو في معناها أحاديث صحيحة.
стр. 221
٨. قوله عند الكلام عن الحكم بالتكفير أو عدمه للفرق الهالكة: (وإذا قلنا بعدم التكفير, فيحتمل على مذهب أهل السنة أمرين: أحدهما: نفوذ الوعيد من غير غفران, ويدل على ذلك ظواهر الأحاديث, وقوله هنا (كلها في النار) أي مستقرة ثابتة فيها, فإن قيل: ليس إنفاذ الوعيد بمذهب أهل السنة, قيل: بلى قد قال به طائفة منهم.....) .
ونسبة إنفاذ الوعيد من غير غفران في ما دون الشرك إلى بعض أهل السنة نسبة غير صحيحة, بل أهل السنة مجمعون على أن ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي والبدع, إذا مات صاحبها عليها من غير توبة, فهو في مشيئة الله, إن شاء عذبه, وإن شاء غفر له, ولا يقولون بتخليد مؤمن في النار.
٩. قوله في مسألة التقبيح والتحسين العقليين يقول الأشاعرة.
وقد سبق الإشارة إلى هذا المسألة عند الكلام عن كتاب البدعة وأثرها السيئ في الأمة لسليم الهلالي, وسيأتي الكلام عليها مفصلاً في الفصل الخامس من الباب الثاني, وهذه المأخذ مغمورة في بحر فوائد ومنافع هذا المصنف النادر, ومستورة برداء فضائل ومحاسن مؤلفه-﵀ والمنصف من اغتفر قليل خطأ في كثير صوابه, وكما قال الذهبي-﵀: (إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق, واتسع علمه, وظهر ذكاؤه, وعرف صلاحه وورعه وإتباعه, يغفر له زلله ,ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه, نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه, ونرجو له التوبة من ذلك) .
ولست أخص بهذا المعنى الإمام الشاطبي, بل كل من قدمت لمؤلفه دراسة أو نقداً في هذه العجالة, وحتى الذي تجنى على الشاطبي وقال فيه: (وكتاب
стр. 222
الاعتصام للشاطبي-رغم اتساعه وطول نفس مؤلفه- فيه تكرار وإطناب وتضارب واختلاط, ولم ينجح في ستر ذلك قدرة مؤلفه على التحليل والتعليل, وتمتعه بأسلوب مؤثر جميل- ثم نقل عن غيره قولاً فيه شطط- فقال: (غير أن سيئاته لا تذهب بها الحسنات, إطنابه ممل, وإيجازه مخل, وخياله غزير, وفي التحقيق مقل, يغتر به من يغرهم زخرف المقال, ويرتضيه من ليس له في ميدان البحث مجال) ولست بصدد الدفاع عن الشاطبي أو تبرير زلاته, وهل يخلو من الزلات بشر؟ ولكن حسن الأدب واجب مع مثل هؤلاء الأئمة الأجلاء, فهل أقول لهذا الكاتب ما قاله الحافظ ابن كثير في الشيخ البكري علي بن يعقوب حين عارض شيخ الإسلام ابن تيمية: (وما مثاله إلا مثال ساقية ضعيفة لا طمت بحراً عظيماً صافياً, أو رملة أرادت زوال جبل....) .
وأختتم بقول شيخ الإسلام ابن تيمية بما لعله يبرئ أسقام الاعتراضات الجافية, قال-﵀: (من له في الأمة لسان صدق عام, بحيث يثني عليه ويحمد في جماهير الأمة, فهؤلاء هم أئمة الهدى, ومصابيح الدجى, وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم, وعامته من موارد الاجتهاد, والتي يعذرون فيها, وهم الذين يتبعون العلم والعدل, فهم بعداء عن الجهل والظلم, وعن إتباع الظن وما تهوى الأنفس..) .
وإني لأحسب الإمام الشاطبي من هذا الصنف- ﵀ وأعلى
стр. 223
درجاته في الجنة.
أما كتاب (البدعة تحديدها موقف الإسلام منها) للدكتور عزت علي عطية: فأصله رسالة دكتوراه تقدم بها المؤلف بجامعة الأزهر، وهو يمثل الأسلوب الحديث في التأليف والبحث والدراسة.
وقد بدأه المؤلف بتقديم، ذكر فيه اطلاعه على المؤلفات في البدعة وتناولها مبتدئاً بالبدع والنهي عنها لابن وضاح، ثم كتاب الطرطوشي ثم الباعث لأبي شامة، ثم الاعتصام للشاطبي، ثم الإبداع لعلي محفوظ وغيرها ...
وأزرى بهذه المؤلفات، وذكر أن قلة اعتمادهم على الحديث النبوي الصحيح أدى إلى اختلال قواعدهم ...
ثم ذكر أنه سار في هذا الكتاب بعقلية متجردة، وأن ما اقتنع بأنه الحق من خلال الدراسة المتأنية للنصوص، والفحص المدقق لآراء العلماء، أخذ به وقرره.
ثم بين أن هذا الكتاب يقوم على مقدمة وتمهيد وأربعة أبواب.
أما المقدمة فقد سبق ذكر شيء ٍ منها.
وأما التمهيد فيشتمل على فصلين:
الفصل الأول: عن نشأة البدع في الإسلام، وفيه أجمل الكلام عن العصر النبوي وعصر الشيخين، ثم تكلم عن عهد عثمان وبداية تحرك الفتنة، وما حصل من ابن سبأ، وأفاض في الكلام عنه.
الفصل الثاني: في الحث على التباع السنة والتحذير من البدعة، وفيه ساق الآيات، ثم أتبعها بالأحاديث والآثار الدالة على هذا المعنى.
أما الباب الأول: فتكلم فيه عن السنة، وجعل الفصل الأول منه عن ماهية السنة وتعريفها في اللغة، ثم تعريفها في اللغة، ثم تعريفها في الشرع (يقصد في الاصطلاح) وذكر التعريفات المختلفة. باختلاف الفنون، ثم تكلم في الفصل الثاني عن سنة القول،
стр. 224
وفيه تعرض لمسألة التعارض والترجيح بين السنن، وتكلم عن النسخ وأدلته، ثم تكلم في الفصل الثالث عن سنة الفعل، وأقسام أفعاله ﷺ وما الذي يكون منها محل اقتداء، وأدلة ذلك، ثم تكلم في الفصل الرابع عن سنة الترك، وأقسام المتروك منه ﷺ ، ثم في الفصل الخامس عن سنة الإقرار، وماذا يراد بها، وأقسامها وأمثلتها.
ثم في الفصل السادس عن سنة الخلفاء الراشدين، وما حد الاقتداء والاستنان بالخلفاء الراشدين.
أما الباب الثاني فتكلم فيه عن البدعة، وجعل الفصل الأول في تعريف البدعة في اللغة ثم في الاصطلاح، وفيه ذكر الاتجاهات المختلفة في تعريف البدعة، وناقش هذه الاتجاهات، ثم تكلم عن ما أسماه بالمحدثات في عهد النبي ﷺ .
وجعل الفصل الثاني عن أسباب الابتداع، وهي القول في الدين بغير علم، وذلك بسبب الجهل باللغة، والجهل بالسنة، وبمكانتها في التشريع، واتباع المتشابهة، وفيه بين معنى المحكم والمتشابه، واتباع الهوى والتسليم لغير المعصوم، ثم ختم الفصل بذكر الأسباب المعينة على انتشار البدع، وجعل الفصل الثالث في تقسيم البدعة، فذكر انقسامها إلى عادية وعبادية وحقيقية وإضافية، ثم قال: تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، ثم تقسيمها إلى فعلية وتركية، وإلى اعتقادية وقولية وعملية، وإلى كلية وجزئية وإلى بسيطة ومركبة.
وجعل الفصل الرابع في حكم البدعة، وفيه ذكر البدعة المكفرة، ومتى تعتبر ومتى لا تعتبر البدعة مكفرة.
تم الباب الثالث سماه: نماذج من البدع، وجعل الفصل الأول عن الخوارج، وذكر الأحاديث فيهم، وكيف نشأت هذه الفرقة وكيف ترعرعت.
ثم ذكر أشهر بدعهم وناقشها بالتفصيل، وجعل الفصل الثاني عن المعتزلة
стр. 225
وعن تاريخ ظهورهم وتطور بدعهم، ثم تكلم بإيجاز عن أربعة من أصولهم الخمسة، وجعل الفصل الثالث في التوسل
والوسيلة، والكلام عن بعض أنواع التوسل وبعض الأدلة والواردة فيه.
وجعل الفصل الرابع عن التصوير والنحت والفنون التشكيلية، وتكلم فيه عن بعض أنواع التصوير وبعض أحكامه.
وجعل الفصل الخامس في الاحتفال بالمولد النبوي، وذكر كلام المانعين منه والمبيحين له، ثم ختم ما يرجح استحباب الاحتفال بالمولد، على حسب ما وصف.
ثم الباب الرابع سماه: كيف نقضي على البدع.
جعل الفصل الأول منه في وسائل الوقاية من البدع.
وجعل الفصل الثاني في وسائل القضاء عل البدع، وفيه استطرد في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراتبهما وبذلك ختم الكتاب.
والكتاب في جملته يحوي مباحث مفيدة، ومسائل نافعة، وعناية جيدة بالأحاديث والُآثار، وتركيز تسلسل منهجي في إيراد الأدلة وأقوال العلماء وترتيب للحجج، بحيث تؤدي إلى النتيجة التي يريدها، مع تناسق وترابط بين بعض موضوعات البحث وفصوله.
أما الملاحظات التي تؤخذ على كتاب البدعة للدكتور علي عزت عطية، فهي ما يلي:
١. المؤلف هيأ كتابه منذ البداية لتسويغ رأيه في حسن بعض البدع وذلك باعتراضه الخشن على كتاب الاعتصام، والإشارة إلى وجود ما هو حسن من المحدثات.
٢. يكاد يكون الكتاب في مجموعه العام، ومن خلال التعريفات والتقسيمات
стр. 226
ومناقشة الآراء وغير ذلك، إنما جاء لتقرير قول من حسّن بعض البدع.
٣. نفيه لوصف المضاهاة الذي جعله الشاطبي من أوصاف البدعة، حين قال: (طريقة في الدين مخترعة، تضاهي المشروع، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) .
وسبب نفي الدكتور عزت عطية لوصف المضاهاة الذي اشترطه الإمام الشاطبي، وقاله جملة من العلماء: أنه ممن يقول بحسن بعض البدع، ولا يعتبر أن كل بدعة ضلالة، وستأتي مناقشة نفيه لو صف المضاهاة عند الكلام عن التعريف الاصطلاحي للبدعة.
٤. من أكبر الأخطاء التي قام عليها الكتاب تأصيلا ً وتمثيلا ً، أنه بعد ذكر الأحاديث والآثار التي توهم أنها تفيد بمفهومها انقسام البدعة في نظر الشارع إلى حسنة وسيئة، قال:
( ... وهو بمفهومة يفيد أن من البدع ما ليس بضلالة، وهو ما لا يقابل السنة الحسنة بل يساويها ويكون مثلها ... ) .
وقال: ( ... البدعة التي عمم الرسول ﷺ وصفها بالضلالة هي البدعة المصادمة للسنة، المخرجة عن الاتباع، وذلك لا ينفي أن من البدع ما لا يخالف السنة، أو ما ليس بضلالة، وهو البدعة الحسنة ... ) .
стр. 227
وهذا القول تقرير ٌ للمبدأ الذي دخل منه سائر أهل الابتداع، وتكريس للمفهوم البدعي في النظر إلى البدعة.
فهو مخالف للنصوص الشرعية الكلية، الجامعة المانعة، ومخالف لأقوال أهل السنة والجماعة، وسيأتي ذكر هذه المسألة والتفصيل فيها عند ذكر شبه المحسنين للبدع في الفصل الثالث من الباب الأول.
٥. ومن الأخطاء الكبيرة الشائعة في هذا الكتاب والمنبنية على الخطأ السالف قوله بالحسن في بعض البدع، واعتناؤه بهذه المسألة تأصيلا ً وتدليلا ً وتمثيلا ً.
وسيأتي الرد على شبهات المحسنة.
٦. نقله عن الشاطبي، ثم إضافة بعض الكلام من عنده، مما يوهم أنه للشاطبي.
٧. قوله: ( ... البدعة في نظر الشرع إذا أطلقت عن التقييد بوصف أو إضافة أو غيرها، لا تدل إلا على ما هو مخالف للشرع، ولا يقصد بها غير ذلك فيه ... ) .
وهذا القول فيه إجمال، فإن كان مراده بأن البدعة الشرعية لا تكون إلا فيما نهى عنه الشرع بخصوصه فهذا غير صحيح.
стр. 228
وإن كان مراده أن البدعة من أوصافها المخالفة للشرع فهذا صحيح.
٨. جعل المضاهاة من الأمور المشتركة بين البدع والمعاصي يسوغ نفي اختصاص البدعة بوصف المضاهاة.
وهذا القول فيه إجمال ٌ أيضا ً من حيث اشتراك البدع والمعاصي في وصف المضاهاة.
فالبدع من جنس المعاصي والمخالفات بلا شك، ولكن قصد القربة يميز بينهما، وقصد القربة نوع من المضاهاة، فأيما معصية عملها صاحبها قاصداً بها القربة فإنها تكون بدعة
٩. قوله تحت عنوان: ما حدث في عهد النبي ﷺ ( ... من هذه المحدثات ما أقره ﷺ ، بل استحسنه، ومثل هذه لا تعتبر بدعا ً على أي اتجاه من الاتجاهات الثلاثة في تعريف البدعة، بل هي قسم من أقسام السنة كما تقدم، وهو سنة الإقرار، ومن هذه المحدثات ما أنكره ﷺ ورده على فاعليه، ومثل هذه المحدثات تعتبر بدعا ً على أساس كل الاتجاهات التي ذكرناها في تعريف البدعة) .
وهذا الكلام في جملته صحيح، لولا أنه يوهم أن النبي ﷺ استحسن بعض البدع، وشرعها، وأنكر بعض البدع وردها، وهذا المعنى يتوافق مع مراد المؤلف حين قسم البدع إلى حسن وقبيح.
ولو قبل هذا الكلام على إطلاقه، لقيل في كل الأمور الشرعية بمثل هذا القول، لأنها جديدة، وهل يقول مسلم إن النبي ﷺ لما علم بما أحدثه بلال من إلزام المداومة على صلاة ركعتين بعد الوضوء استحسن هذه البدعة وأقرها؟!! .
стр. 229
اللهم إلا إن كان المراد بالبدعة والمحدثة هنا المعنى اللغوي فلا بأس ... أما قوله في المحدثات التي أنكرها النبي ﷺ ورها بأنها تعتبر بدعا ً فليس على إطلاقه؛ لأن بعض الذي رده النبي ﷺ يعتبر من المعاصي، كرده على الذي عير الآخر بأمه السوداء، وبعض الذي رده يعتبر من البدع، كرده على الثلاثة الذين تقالوا عبادته ﷺ ، ورده على من أراد الاختصاء، ونحو ذلك، والمميز بين الفعلين إرادة القربة بالعمل المحدث.
١٠. جعل الضرر في المصنوعات الحديثة وصفا ً يصح به إطلاق الابتداع على هذه المصنوعات، أي اعتبارها بدعا ً شرعية.
ولم يقل أحد من العلماء بأن كل ما فيه ضرر أو أدى إلى مفسدة يعتبر بدعة، لأن مسألة الضرر في المصنوعات الحديثة مسألة نسبية، وحتى الذي يتمحض فيه الإضرار لا يعتبر بدعة، إلا إذا عمله الشخص متقربا ً به إلى الله، أما إذا لم يكن هذا مقصده فإنه يكون قد ارتكب معصية لا بدعة.
١١. قوله ( ... من العادات ما قيده الشارع بنظام خاص أو أسلوب معين، فالخروج عن ذلك بدعة - على ما اخترناه في تحديد مفهوم البدعة - لما في ذلك من إحداث ما خالف الشرع، كالأكل بالشمال بدلا ً من اليمين، ولبس الحرير والذهب للرجال ونحو ذلك) .
وهذا رأي مجانب للصواب؛ لأن المخالفة الشرعية لا تسمى بدعة إلا إذا اقترن بها قصد القربة، أو كانت فعلا ً عباديا ً محضا ً لا يتصور فيه إلا قصد القربة.
ولو طرد هذا المفهوم الذي ذكره لاعتبرنا جميع المعاصي المنتشرة بين الناس بدعا ً، وهذا غير صحيح.
стр. 230
١٢. بعد أن ذكر قصة ابن مسعود مع الذين اجتمعوا على الذكر، وإنكاره عليهم، واعتباره الذكر الجماعي بدعة، جعل إنكار ابن مسعود وتبديعه لهؤلاء متوجها ً إلى كونهم من الخوارج، لا لأنهم ابتدعوا هذه الطريقة المحدثة في الذكر ...
وهذا الاستنتاج مناف ٍ للصواب، ومخالف لنص الخبر الوارد عند ابن وضاح، ومنه:
( ... ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحا ً معلوماً، ويهللون ويكبرون، قال: فلبس برنسا ً ثم انطلق فجلس إليهم، فلما عرف ما يقولون رفع البرنس عن رأسه، ثم قال: أنا أبو عبد الرحمن، ثم قال: لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ أو لقد جئتم ببدعة ظلماً ... ثم قال رجل من بني تميم، والله ما فضلنا أصحاب محمد ٍ علما ً ولا جئنا ببدعة ٍ ظلما ً ولكنا قوم نذكر ربنا، فقال: بلى، والذي نفس ابن مسعود بيده لقد فضلتم أصحاب محمد علما ً أو جئتم ببدعةٍ ظلما ً ... ) الخبر.
وفي البدع لابن وضاح بسنده أن ابن مسعود مر برجل يقص في المسجد على أصحابه هو يقول: سبحوا عشرا ً، وهللوا عشرا ً، فقال عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب محمد ﷺ أو أضل، بل هذه بل هذه، يعني أضل) .
فأين في هذين الأثرين ذكر الخوارج؟ وصرف تبديع ابن مسعود لهؤلاء عن الذكر الجماعي تعسف يخالف ظاهر الأثر.
أما قوله: بأن (القراء) لقب عرف به الخوارج قبل خروجهم، وتميزوا به عن غيرهم من صالحي المسلمين، ونسبته هذا القول إلى الباعث لأبي شامة
стр. 231
ص ٧ غير صحيح، من حيث إن هذا اللقب مختص بالخوارج، ومن حيث نسبة القول إلى الباعث لأبي شامة.
وإنما حاول المؤلف جعل كلام ابن مسعود متوجها ً نحو كون المجتمعين على الذكر من الخوارج، ليبرر قوله بتحسين المولد، والذكر الجماعي كما سيأتي، وأين ابن مسعود من زمن الخوارج، فقد توفي ﵁ سنة ٣٢ هـ، وخروج الخوارج سنة ٣٧ هـ.
١٣. اعتراضه على الشاطبي حين جعل التزام هيئة معينة في وقت ٍ معين بذكر ٍ مخصوص من البدع.
وعد هذا القول من الأخطاء الواضحة، وعقب عليه بجعل الاجتماع على الذكر بصفة وهيئة غير محددة شرعا ً من الجائز بل المندوب، وقوله: بأن كثيرا ً من المجتهدين استحبها وأجازها، وهذا القول فيه مجاوزة.
ثم تأكيده مشروعية التزام الهيئات المعينة في الذكر، حتى ولو كانت غير مشروعة، وتلبيس ذلك بالمناقشات المخالفة للنصوص وأقوال السلف، والمناقضة لمفهوم البدعة عندهم، واستدلاله بفعل
عمر في التراويح على جواز ابتداع ما هو حسن - على حد تعبيره - مثل الاجتماع للذكر بهيئة معينة ولو لم تكن مشروعة.
١٤. استشهاده بفعل عمر في التراويح على أنه مظهر حسن من مظاهر هذه العبادة المندوبة أو المسنونة، وأن ما كان مثلها يقال فيه مثل الذي قيل في فعل عمر.
стр. 232
وهذا القول هو عين استدلال المحسنين للبدع، وهو فتح لأبواب البدع على مصاريعها..نسأل الله العفو والعافية.
١٥. تأويله لإنكار ابن مسعود على أهل الذكر الجماعي المبتدع، بأنه نهى عن ذلك لخوفه عليهم من العجب، أو لئلا يظنون أنهم أهدى من الصحابة.
وقوله في إنكار ابن مسعود وغيره من السلف على مثل هذه البدع بأنها وقائع أحوال لا تفيد حكما ً عاماً.
وهذا التأويل مخالف لمنطوق النص ومفهومه، ومناقض لمراد السلف وطريقتهم في إنكار البدع، ومتناقض مع قوله السابق.
١٦. تجويزه التبرك بآثار الصالحين لأنه - حسب قوله - من باب الحب في الله، أما قطع عمر للشجرة، فعنده أنه واقعة حال، وأما ترك السلف لذلك فلأنهم اكتفوا برؤية النبي ﷺ وهو حي، وأن الممنوع في التبرك هو ما يستدام كالخشب، والحديد، والبناء، وغير ذلك من الاستدلالات التي زعم فيها أنه يرد على الشاطبي الذي عد التبرك بآثار الصالحين بدعة.
ولا شك أن تجويزه التبرك بآثار الصالحين من البدع عند أهل السنة والجماعية، الذين هم السلف الصالح وأتباعهم.
١٧. سلوكه طريقة الفلاسفة المتكلمين، واستشهاده بكلامهم تحت عنوان: قانون التأويل، وقد أتى فيه بشوب من الأقوال، وأخلاط من المبتدعات الكلامية وغيرها.
١٨. رده على شيخ الإسلام ابن تيمية في منع التوسل إلى الله بذوات أحد من
стр. 233
المخلوقين، وقوله صراحة بجواز التوسل بذوات الصالحين، وتعسف الأدلة لإثبات جواز هذا الفعل المبتدع.
١٩. قوله باستحباب الاحتفال بالمولد النبوي، ورده على من اعتبره بدعة وشبه الأدلة التي تعلق بها لتبرير هذا العمل المبتدع.
هذه جملة المآخذ التي استطعت جمعها عن هذا الكتاب، وهناك مآخذ كثيرة في تخريج الأحاديث، وعزو النقولات، والتقسيم المنهجي للموضوع، أعرضت عنها خوف الإطالة.. وأخشى أن يكون هذا الكتاب حجة للمبتدعين في تسويغ المبتدعات التي استحسنها المؤلف، أو وسيلة لفتح أبواب الابتداع في دين الله، وذلك بما طرحه من استدلالات وشبه وردود.
وبهذا الكتاب أكون قد ختمت العنصر الخامس من عناصر المدخل الذي أسميته (نبذة موجزة لبعض المؤلفات في البدعة ودراسة لأهمها) ، وفيه تعرضت لثلاثة وثلاثين مؤلفا ً.
стр. 234
المعنى اللغوي والاصطلاحي للبدعة
الباب الأول:
تعريف البدعة ومفهومها عند أهل السنة وغيرهم
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول:
أ - المعنى اللغوي للبدعة .
ب - المعنى الاصطلاحي للبدعة إجمالا ً.
الفصل الثاني:
مفهوم البدعة عند أهل السنة وأدلتهم.
الفصل الثالث:
مفهوم البدعة عند غير أهل السنة وشبههم ومناقشتها.
стр. 235
فالفصل الأول ذكرت فيه المعنى اللغوي والاصطلاحي للبدعة، أما المعنى اللغوي فيدخل فيه: أصل استعمال لفظ بدعة في لغة العرب، ثم الاشتقاقات اللفظية لهذه الكلمة، وانتقال دلالة لفظ بدعة من الأصل اللغوي إلى الاستعمال الشرعي، والترابط بين المعاني اللغوية في أصل الاستعمال، والمعاني الشرعية بعد الانتقال.
وأما المعنى الاصطلاحي للبدعة، فيأتي على سبيل الإجمال، وذلك باختيار التعريف الذي يتطابق مع مفهوم أهل السنة والجماعة للبدعة، مع ذكر بعض محترزاته، وشرح بعض معانيه ثم أورد تعريفات أخرى متلائمة مع هذا التعريف، وإن لم تكن من حيث الشمول والإحاطة على مستوى التعريف المختار.
ثم يأتي الفصل الثاني، وفيه ذكر بعض مفهوم البدعة عند أهل السنة، وأدلتهم على ذلك مبتدئا ً ببيان معنى المفهوم في هذا الفصل، وفي الذي يليه.
ثم يأتي الفصل الثالث وفيه ذكر بعض المفاهيم الخاطئة، والتعريفات المغالطة للبدعة عند غير أهل السنة، مبينا ً المراد بغير أهل السنة، ثم ذكر الشبهات التي اعتمد عليها هؤلاء في تعريفاتهم، مع مناقشتها ونقض الاستدلال بها.
стр. 236
الفصل الأول:
ويشمل:
أ - المعنى اللغوي للبدعة.
ب - المعنى الاصطلاحي للبدعة إجمالا ً.
стр. 237
أ - المعنى اللغوي للبدعة:
البدعة مصدر (بَدَعَ) ولهذه الكلمة في كتب اللغة ذكرٌ يتناول أصل استخدامها عند العرب، والمعاني التي تدل عليها هذه الكلمة، ثم انتقال هذه المعاني إلى دلالات أخرى اشتقت من المعاني الأصلية لكلمة بدع.
فأما أصل استعمالها في لغة العرب فأصلان:
( ... أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال) .
وشواهد هذين الأصلين في لغة العرب كثيرة، ومن ذلك:
قولهم: وهو يتعلق بالأصل الأول: (بدعتُ الرَّكيَّ، إذا استنبطتها، ركيَّ بديع: حديثة الحفر، وقول العرب: لست ببدع في كذا وكذا، أي لست بأول من أصابه هذا) .
وقال في معجم مقاييس اللغة: (والعرب تقول: ابتدع فلان الركي إذا استنبطه) .
فهذا في معنى الأصل الأول الذي هو: (إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة) .
أما الأصل الثاني وهو الكلال، والانقطاع، فإنه يأتي من (بَدَعَ) بهذا المعنى مضارعا ً
(أبْدِعَ) و (أَبْدَعَ) واسم مفعول (مُبْدِع) .
стр. 238
ففي كتاب العين: ( ... وأُبْدِع البعير فهو مُبْدِع، وهو من داء ٍ ونحوه، ويقال هو داء بعينه) .
وأُبْدِعَتْ الإبل: إذا تركت في الطريق من الهزال.
وأبدع الرجل: إذا حسر عليه ظهره) .
وقال في معجم مقاييس اللغة: ( ... أبدعت الراحلة إذا كلت وعطبت وأبدع بالرجل إذا كلت ركابه وبقي منقطعا ً به) .
وفي الحديث: (إن رجلا ً أتاه فقال: يا رسول الله صلى إني أبدع بي فاحملني) .
ويقال: الإبداع لا يكون إلا بضلع، وقد نقل هذا صاحب لسان العرب وزاد بعده
( ... يقال: أبدع فلان بفلان إذا قطع به وخذله، ولم يقم له بحاجته ولم يكن عند ظنه به، وأبدع به ظهره) .
قال الأفوه:
ولكل ساع سنة ممن مضى تَنْمي به في سعيه أو تبدع
وفي حديث الهدي: (فأزْحَفَتْ عليه بالطريق فَعَيَّ بشأنها إن هي أُبْدِعَتْ) . أي: انقطعت عن السير بكلال أو ظلع، كأنه جعل انقطاعها عما
стр. 239
كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعاً، أي: إنشأ أمر خارج عما اعتيد عليه منها، ومن الحديث: (كيف أصنع بما أُبْدَع عليَّ منها) .
( ... وأُبْدِعَ علي ما لم يسم فاعله، ... وفي المثل: إذا طلبت الباطل أبدع بك) .
وقد ذكر علماء اللغة ما اشتق من لفظة (بدع) من ألفاظ ومعان أنقل منها هنا ما له علاقة بموضع البحث:
ففي كتاب العين:
(البدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة، والله بديع السماوات والأرض، ابتدعها ولم يكونا قبل ذلك شيئا ً يتوهمهما متوهم وبدع الخلق.
البدع: الشيء الذي يكون أولا ً في كل أمر، كما قال تعالى: (قل ما كنت بدعا ً من
الرسل) ، أي: لست بأول مرسل ...
ابتدعت: جئت بأمر مختلف لا يعرف ...
البدعة: اسم ما ابتدع من الدين وغيره ... ما استحدث بعد رسول الله صلى - الله عليه وسلم - من أهواء وأعمال، ويجمع على: البدع) .
وفي جمهرة اللغة: (كل من أحدث شيئا ً فقد ابتدعه، والاسم البدعة، والجمع: البدع) .
وفي الصحاح: (أبدعت الشيء: أخرجته لا على مثال، والله تعالى بديع
стр. 240
السماوات والأرض
والبديع: المُبْتَدِع.
والبديع: المُبْتَدَع.
وشيء بِدّع بالكسر: أي: مُبْتَدِع.
البدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال ...
بدعة: نسبة إلى البدعة) .
وفي معجم مقاييس اللغة: ( ... أَبْدِعَتُ الشيء قولا ً وفعلا ً، وإذا ابتدأته لا عن سابق مثال ...
وابتدعت الراحلة إذا كلت ... أبدع بالرجل إذا كلت ركابه أو عطبت وبقي منقطعاً به ... ومن بعض ذلك اشتقت البدعة) .
وبعد ذكر أصل الاستعمال والاشتقاقات اللفظية من كلمة (بدع) ، أذكر الترابط بينها وبين الاستعمالات الشرعية أو بمعنى آخر: اذكر الدلالة المشتركة بين الأصل اللغوي والاشتقاقات اللفظية والاستعمال الشرعي على ضوء ما ذكر آنفا ً.
أما الأصل اللغوي بالمعنى الأول فإنه يتفق تماما ً على البدعة بالمعنى الشرعي، إذ هو كما مضى (ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال) .
أو (إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة) .
وهذا المعنى ينطبق على البدعة الشرعية؛ لأنها إحداث في دين الله وابتداء أشياء في الشرع لا دليل عليها منه، واختراع ما يضاهي المشروع بما ليس له ذكر
стр. 241
فيه، وبما ليس عند فاعله معرفة ولا برهان (فإن جميع البدع إنما هي رأي على غير أصل) .
والأصل الثاني في استعمال كلمة (بدع) هو: الانقطاع والكلال مأخوذ من الإبداع وهو المرض الذي يصيب الإبل فيمنعها عن المسير، من هزال أو عطب أو كلال.
فكأن العرب جعلوا الانقطاع الإبل عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعا ً، أي: إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها.
وهذا المعنى ينطبق على البدعة بالمعنى الشرعي، إذ المبتدع حين ينشىء بدعته مضاد للشرع ومراغم له ((حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة، لا نصب المكتفي بما حد له)) .
وهذا هو عين الانقطاع، بل هو أشنع انقطاع وأخبثه، لأنه يزيح الإنسان عن تحصيل كمال خلقه بالعبودية التامة لله، والتي لا تتحقق إلا باتباع الشارع، ( ... فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم، وأقربهم إلى الله وأقواهم، وأهداهم أتمهم عبودية لله ... وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله، وانزل به كتبه، وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره مشرك، والمتنع عن الإسلام له مستكبر) .
فإذا حصل هذا الانقطاع تبعه انقطاع عن تحصيل لذاته في العاجلة والآجلة، بمرض قلبه واسوداده وانتكاسه (فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك:
أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا ً ولا ينكر منكرا ً وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا ً والمنكر معروفا ً، والسنة
стр. 242
بدعة والبدعة سنة، والحق باطلا ً والباطل حقا ً.
الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول ﷺ وانقياده للهوى واتباعه له) .
وهذا هو حال البدع؛ - نسأل الله العافية - تنقطع بالإنسان عن الوصول إلى مراداته، وفي المثل: إذا طلبت الباطل أبدع بك وكل من ابتدع في دين الله ما ليس منه وقع في الوهن والضعف والكلال، إما بالانقطاع عن العمل المشروع كما هو حال كثير من المبتدعة في الأعمال ... وإما بانقطاع إرادة القلب عن التلقي من الشرع، كما ذكر ربنا عن بني إسرائيل (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) .
(والظاهر من سياق الآية مع ما قبلها وما بعدها: أن الله سبحانه يقصد إلى ذم الابتداع في الدين، ويبين أنه مناف للفطرة أن يهن ويضعف عن القيام بها، لأنها مخالفة ومجافية للفطرة والعقل السليم ... فأما الدين الذي شرعه الرب العليم الحكيم لإتمام النعمة على عباده، فإنه لإصلاح الإنسانية، وأخذها إلى الصراط المستقيم بفطرة الله التي فطر الناس عليها) .
والبدعة تخلف صاحبها وتخذله، إذ يحسب أنه على شيء وهو يطلب الأجر كمن يطلب الماء من السراب، حتى إذا جاءت أعماله لم يجدها شيئا ً ووجد الله عنده فوفاه حسابه ... وهذا معنى قول العرب: فلان أبدع بفلان إذا قطع به
стр. 243
وخذله ولم يقم بحاجته ولم يكن عند ظنه به) .
ويقول أهل اللغة: (الإبداع لا يكون إلا بظلع) ويقولون: ( ... أبدعت به راحلته: أي ظلعت) .
وهذا المعنى ينطبق على الابتداع في دين الله، إذ البدعة ظلع واعوجاج في نفس صاحبها وفي عمله.
وذلك باتباع الهوى، ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء؛ لأنههم اتبعوا أهواءهم، وما تشتهيه أنفسهم، وما تمليه عقولهم، ولم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا ً فيها من وراء ذلك. وهذا الظلع الذي يبدع بصاحبه هو الذي سماه الله (زيغا ً) في قوله تعالى: ((فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ... )) .
وفي الحديث: ((أن النبي ﷺ تلا هذه الآية على عائشة ثم قال: ((فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)) ، فإبداع أهل البدع: انقطاعهم عن السير في صراط الله المستقيم الذي ذكره في قوله تعالى: ((وأن هذا صراطي مستقيما ً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)) .
( ... فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة، والسبل
стр. 244
هي سبل أهل الاختلاف الحائرين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع..) .
وبعد فهذا بيان معاني ودلالات لفظ (بدعة) وما اشتق منها:
١- البدعة:
اسم يطلق على العمل المحدث ذاته، والجمع بدع.
ففي كتاب العين: (البدعة: اسم ما ابتدع من الدين وغيره) .
وفي الصحاح: (البدعة الحدث في الدين بعد الإكمال) .
وفي الجمهرة: ( ... كل من أحدث شيئا ً فقد ابتدعه، والاسم البدعة والجمع بدع) .
وفي التعريفات: (البدعة هي الفعلة المخالفة للسنة وهي الأمر المحدث) .
وقال في الاعتصام: ( ... وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة، فمن هذا العمل سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة) .
والبدعة: (اسم هيئة من الابتداع كالرفعة من الارتفاع) .
قال الشاطبي: ( ... فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة ... ) .
والدليل الشرعي على أن لفظ البدعة يراد به العمل المحدث قوله ﷺ :
(فإن كل محدثة بدعة) .
стр. 245
٢- الابتداع:
مصدر للمضارع ابتدع يبتدع. ويطلق على الاستخراج للبدعة.
أي: أن إيجاد البدعة وإحداثها يسمى ابتداعا ً.
ففي مسند الإمام أحمد أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة مرةً فقام عبد الله بن مسعود فثوب بالصلاة فصلى بالناس، فأرسل إليه الوليد: ما حملك على ما صنعت، أجاءك من أمير المؤمنين أمر فيما فعلت أم ابتدعت، قال لم يأتني أمر من أمير المؤمنين ولم أبتدع، ولكنه أبى الله علينا ورسوله أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك) .
وفي كتاب العين: (ابتدعت: جئت بأمر مختلف لم يعرف ... ) .
وفي جمهرة اللغة: (وكل من أحدث شيئا ً فقد ابتدعه) .
ويطلق الابتداع على الفعل المبتدع ذاته فتقول: هذا ابتداع، ولو كان الفاعل مقلدا ً غير مخترع.
ومثل هذا الابتداع في المعنى: الإحداث والاختراع.
٣- المُبْتَدَعْ:
اسم مفعول دال على الحدث ومفعوله، ويراد به الأمر المحدث ذاته، ومن ذلك قول معاذ بن جبل ﵁: ( ... فيوشك قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتبعوني
стр. 246
وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة) .
٤- المُبْتَدِعْ:
اسم فاعل دال على الحدث وفاعله، ويراد به الذي وقعت منه البدعة، والجمع: مبتدعة.
(وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا ً في الذم) .
وفي صحيح البخاري: (باب: إمامة المفتون والمبتدع) .
ومن كلام عمر بن عبد العزيز ﵀: ( ... ألا وإني لست بقاض، ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع ... ) .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ( ... سمي المبتدع في الدين مُبتدعا ً لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره) .
٥- التَّبَدُّعْ:
وردت في اللغة بمعنى مبتدع، ففي اللسان: (تبدَّع: أتى ببدعة) ، ووردت بمعنى التحول من السنة إلى البدعة.
стр. 247
ففي تاج العروس: (وتبدَّع الرجل تحول مبتدعاً) ، ومن ذلك قول ابن مسعود
﵁ ( ... وإياكم والتبدُّع) .
٦- المُبَدَّع: من رُمي ببدعة:
وفي الصحاح: (بدَّعه: نسبه إلى البدعة) ، سواء ً كان المرمي بالبدعة ممن يصدق عليه هذا كالجهم بن صفوان، وواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، أو لا يصدق رميه بالبدعة كالبخاري في مسألة اللفظ.
والجمع (مُبَدَّعين، أو مُبَدَّعة) .
وهناك رأي للشيخ جمال الدين القاسمي في إطلاق هذه التسمية على من يكون، فقال:
(المُبدَّعين ... بتشديد الدال المفتوحة أي المنسوبين للبدعة، وإنما آثرنا هذا على تسمية الأكثرين لهم بالمبتدعين؛ لأني لا أرى أنهم تعمدوا البدعة؛ لأنهم مجتهدون يبحثون عن الحق، فلو أخطأوه بعد بذل الجهد كانوا مأجورين غير ملومين، فلا يليق تسميتهم مبتدعة بل مبدَّعة ... ) .
ب - المعنى الاصطلاحي للبدعة إجمالا ً:
اختلفت عبارات الناس سلفا ً وخلفا ً في تعريف البدعة الشرعية، تبعاً لاختلاف تصورهم لماهية البدعة المنهي عنها، وتنوع مشاربهم، فالذي تلبس ببدعة
стр. 248
عملية أو اعتقادية يحاول أن يضع تعريفا ً للبدعة يتلاءم مع مسلكه وهناك من التبس عليه فهم بعض النصوص الواردة في السنة والبدعة فوضع تعريفا ً ملتبسا ً، وسيأتي تفصيل هذا - إن شاء الله - في الفصلين التاليين.
والذي سأورده هنا التعريف الاصطلاحي الذي تدل على صحته نصوص الشريعة، وأحوال السلف وأقوالهم، ثم أورد بعض الأقوال القديمة والحديثة التي تتناسق مع هذا التعريف المختار كليا ً أو جزئيا ً.
وهذا المعنى الاصطلاحي الذي أختاره كحد جامع مانع للبدعة المنهي عنها شرعاً يلخص لنا ما ورد من نصوص شرعية، وأقوال مأثورة عن السلف في حوادث جزئية وحالات مفردة، أو بصيغ عامة، وأقوال مطلقة، مجملة أو مفصلة.
ومن هذه النصوص والأقوال يمكن أن يجتمع لنا معنى ً تركيبيا ً جامعاً مانعا ً يغني عن المعنى الإفرادي، فإن المعنى الإفرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مُفهما ً مؤديا ًللغرض، ولا يلتفت للمعنى الإفرادي إلا من حيث إنه يشكل مع غيره من المعاني المنفردة المبثوثة تركيبا ً كليا ً، أو يشكل كل واحد منها دليلا ً على كلية أو جزئية في المعنى الكلي التركيبي الجامع.
ومثال ذلك ما ورد في الحوادث المفردة من نصوص دالة على بدعيتها، كترك النكاح، وترك أكل اللحم تعبدا ً، أو تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، وغير ذلك من الجزئيات التي جاء الحكم عليها المحدث فيها بالابتداع.
وكذلك ما يرد من أقوال للعلماء في تعريف البدعة، وهذه الأقوال تتناول جانبا ً واحداً من جوانب المعنى الشرعي للبدعة، كقول القائل: البدعة مالم يشرعه الله ورسوله، أو قوله: البدعة ما ليس له أصل في الدين ونحو ذلك من الأقوال التي لا تشمل كل جوانب المعنى الشرعي للبدعة.
فكل هذه النصوص والأقوال تشكل بمجموعها معنى ً تركيبيا ً كليا ً جامعا ً
стр. 249
يغني عن المعنى الإفرادي لكل واحد من النصوص أو الأقوال.
ومن هذه التعريفات الكلية الجامعة: ما ذكره الإمام الشاطبي ﵀ في كتاب الاعتصام، حيث بوب لتعريف البدعة بابا ً مستقلا ً ذكر فيه معناها الاصطلاحي، وشرح التعريف وذكر محترزاته، وقد عرف البدعة بتعريفين:
أحداهما: على رأي من يقول بعدم دخول الابتداع في العادات والمعاملات، وإنما يخصه بالعبادات، فقال فيه: ( ... فالبدعة ... عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) .
الثاني: على رأي من يقول بدخول الابتداع في الأمور العادية، كدخوله في الأمور العبادية، فقال فيه:
(البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) .
وسيتبين الرأي الراجح في قضية دخول الابتداع في الأمور العادية أو عدم دخوله، من خلال محترزات التعريف، وبالتالي يتبين التعريف الراجح، مع العلم أن الفصل الرابع من الباب الثاني مخصوص بهذه المسألة.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قوله: طريقة: يقصد بها السبيل والسنة، وكل ما رُسم للسلوك عليه أو اتخذ للتعبد به، سواء ً كان في المسائل العليمة أو المسائل العملية.
قوله: في الدين: تقييد للطريقة المسلوكة بأنها في الدين؛ لأنها فيه تخترع وإليه تنسب، وبه يلصقها مخترعها، فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على
стр. 250
الخصوص لم تسم بدعة.
قوله: تضاهي الشرعية: يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها، سواء ً كانت المضاهاة بالإلزام أو المنع، كمن يلزم نفسه بعمل لم يلزمه الشرع به، أو يمنع نفسه من شيء لم يمنعه الشرع منه، على وجه القربة والديانة، وتكون المضاهاة بالإلزام أو المنع، كما تكون بقصد القربة، وتخصيص زمان أو مكان أو هيئة بصفة أو عمل لم يخصصها الشرع، وتكون بإلحاق حكم شرعي بالعمل المحدث، من غير أن يكون له ذلك الحكم، وغير ذلك من أنواع المضاهاة، فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة، أو تكون هي مما تلبس عليه بالسنة، ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، بل كل خارج عن السنة بشيء من الابتداع لا بدله من تكلف الاستدلال بأدلة السنة على خصوص هذه المسألة المبتدعة، وإلا لكذَّب إطّراحه للدليل صدق دعواه ونقض تركه للسنة، ما يدعيه من الدخول فيها والكون من أهلها.
وإلى هذه الجملة من التعريف يتفق تعريف من خص البدعة بالدخول على العبادات، وتعريف من لم يخصها بالعبادات بل جعل العادات داخلة في التعريف.
فقال في التعريف على رأي من خصها بالعبادات:
(يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى) .
وقال في شرح هذا: ( ... وذلك أن أصل الدخول فيها [يعني البدعة] يحث على الانقطاع إلى العبادة، والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ، - إلى أن قال - وأيضا ً فإن النفوس قد
следующие страницы →