Полный текст (506 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة) .
٤- المُبْتَدِعْ:
اسم فاعل دال على الحدث وفاعله، ويراد به الذي وقعت منه البدعة، والجمع: مبتدعة.
(وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا ً في الذم) .
وفي صحيح البخاري: (باب: إمامة المفتون والمبتدع) .
ومن كلام عمر بن عبد العزيز ﵀: ( ... ألا وإني لست بقاض، ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع ... ) .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ( ... سمي المبتدع في الدين مُبتدعا ً لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره) .
٥- التَّبَدُّعْ:
وردت في اللغة بمعنى مبتدع، ففي اللسان: (تبدَّع: أتى ببدعة) ، ووردت بمعنى التحول من السنة إلى البدعة.
стр. 247
ففي تاج العروس: (وتبدَّع الرجل تحول مبتدعاً) ، ومن ذلك قول ابن مسعود
﵁ ( ... وإياكم والتبدُّع) .
٦- المُبَدَّع: من رُمي ببدعة:
وفي الصحاح: (بدَّعه: نسبه إلى البدعة) ، سواء ً كان المرمي بالبدعة ممن يصدق عليه هذا كالجهم بن صفوان، وواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، أو لا يصدق رميه بالبدعة كالبخاري في مسألة اللفظ.
والجمع (مُبَدَّعين، أو مُبَدَّعة) .
وهناك رأي للشيخ جمال الدين القاسمي في إطلاق هذه التسمية على من يكون، فقال:
(المُبدَّعين ... بتشديد الدال المفتوحة أي المنسوبين للبدعة، وإنما آثرنا هذا على تسمية الأكثرين لهم بالمبتدعين؛ لأني لا أرى أنهم تعمدوا البدعة؛ لأنهم مجتهدون يبحثون عن الحق، فلو أخطأوه بعد بذل الجهد كانوا مأجورين غير ملومين، فلا يليق تسميتهم مبتدعة بل مبدَّعة ... ) .
ب - المعنى الاصطلاحي للبدعة إجمالا ً:
اختلفت عبارات الناس سلفا ً وخلفا ً في تعريف البدعة الشرعية، تبعاً لاختلاف تصورهم لماهية البدعة المنهي عنها، وتنوع مشاربهم، فالذي تلبس ببدعة
стр. 248
عملية أو اعتقادية يحاول أن يضع تعريفا ً للبدعة يتلاءم مع مسلكه وهناك من التبس عليه فهم بعض النصوص الواردة في السنة والبدعة فوضع تعريفا ً ملتبسا ً، وسيأتي تفصيل هذا - إن شاء الله - في الفصلين التاليين.
والذي سأورده هنا التعريف الاصطلاحي الذي تدل على صحته نصوص الشريعة، وأحوال السلف وأقوالهم، ثم أورد بعض الأقوال القديمة والحديثة التي تتناسق مع هذا التعريف المختار كليا ً أو جزئيا ً.
وهذا المعنى الاصطلاحي الذي أختاره كحد جامع مانع للبدعة المنهي عنها شرعاً يلخص لنا ما ورد من نصوص شرعية، وأقوال مأثورة عن السلف في حوادث جزئية وحالات مفردة، أو بصيغ عامة، وأقوال مطلقة، مجملة أو مفصلة.
ومن هذه النصوص والأقوال يمكن أن يجتمع لنا معنى ً تركيبيا ً جامعاً مانعا ً يغني عن المعنى الإفرادي، فإن المعنى الإفرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مُفهما ً مؤديا ًللغرض، ولا يلتفت للمعنى الإفرادي إلا من حيث إنه يشكل مع غيره من المعاني المنفردة المبثوثة تركيبا ً كليا ً، أو يشكل كل واحد منها دليلا ً على كلية أو جزئية في المعنى الكلي التركيبي الجامع.
ومثال ذلك ما ورد في الحوادث المفردة من نصوص دالة على بدعيتها، كترك النكاح، وترك أكل اللحم تعبدا ً، أو تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، وغير ذلك من الجزئيات التي جاء الحكم عليها المحدث فيها بالابتداع.
وكذلك ما يرد من أقوال للعلماء في تعريف البدعة، وهذه الأقوال تتناول جانبا ً واحداً من جوانب المعنى الشرعي للبدعة، كقول القائل: البدعة مالم يشرعه الله ورسوله، أو قوله: البدعة ما ليس له أصل في الدين ونحو ذلك من الأقوال التي لا تشمل كل جوانب المعنى الشرعي للبدعة.
فكل هذه النصوص والأقوال تشكل بمجموعها معنى ً تركيبيا ً كليا ً جامعا ً
стр. 249
يغني عن المعنى الإفرادي لكل واحد من النصوص أو الأقوال.
ومن هذه التعريفات الكلية الجامعة: ما ذكره الإمام الشاطبي ﵀ في كتاب الاعتصام، حيث بوب لتعريف البدعة بابا ً مستقلا ً ذكر فيه معناها الاصطلاحي، وشرح التعريف وذكر محترزاته، وقد عرف البدعة بتعريفين:
أحداهما: على رأي من يقول بعدم دخول الابتداع في العادات والمعاملات، وإنما يخصه بالعبادات، فقال فيه: ( ... فالبدعة ... عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) .
الثاني: على رأي من يقول بدخول الابتداع في الأمور العادية، كدخوله في الأمور العبادية، فقال فيه:
(البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) .
وسيتبين الرأي الراجح في قضية دخول الابتداع في الأمور العادية أو عدم دخوله، من خلال محترزات التعريف، وبالتالي يتبين التعريف الراجح، مع العلم أن الفصل الرابع من الباب الثاني مخصوص بهذه المسألة.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قوله: طريقة: يقصد بها السبيل والسنة، وكل ما رُسم للسلوك عليه أو اتخذ للتعبد به، سواء ً كان في المسائل العليمة أو المسائل العملية.
قوله: في الدين: تقييد للطريقة المسلوكة بأنها في الدين؛ لأنها فيه تخترع وإليه تنسب، وبه يلصقها مخترعها، فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على
стр. 250
الخصوص لم تسم بدعة.
قوله: تضاهي الشرعية: يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها، سواء ً كانت المضاهاة بالإلزام أو المنع، كمن يلزم نفسه بعمل لم يلزمه الشرع به، أو يمنع نفسه من شيء لم يمنعه الشرع منه، على وجه القربة والديانة، وتكون المضاهاة بالإلزام أو المنع، كما تكون بقصد القربة، وتخصيص زمان أو مكان أو هيئة بصفة أو عمل لم يخصصها الشرع، وتكون بإلحاق حكم شرعي بالعمل المحدث، من غير أن يكون له ذلك الحكم، وغير ذلك من أنواع المضاهاة، فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة، أو تكون هي مما تلبس عليه بالسنة، ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، بل كل خارج عن السنة بشيء من الابتداع لا بدله من تكلف الاستدلال بأدلة السنة على خصوص هذه المسألة المبتدعة، وإلا لكذَّب إطّراحه للدليل صدق دعواه ونقض تركه للسنة، ما يدعيه من الدخول فيها والكون من أهلها.
وإلى هذه الجملة من التعريف يتفق تعريف من خص البدعة بالدخول على العبادات، وتعريف من لم يخصها بالعبادات بل جعل العادات داخلة في التعريف.
فقال في التعريف على رأي من خصها بالعبادات:
(يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى) .
وقال في شرح هذا: ( ... وذلك أن أصل الدخول فيها [يعني البدعة] يحث على الانقطاع إلى العبادة، والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ، - إلى أن قال - وأيضا ً فإن النفوس قد
стр. 251
تمل وتسأم من الدوام على العبادات المرتبة، فإذا جدد لها أمر لا تعهده حصل لها نشاط ٌ آخر، لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأول، ولذلك قالوا: (لكل جديد لذة) بحكم هذا المعنى - إلى أن قال - وفي حديث معاذ بن جبل ﵁: (فيوشك قائل أن يقول
وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات ... ) .
وقال في التعريف الثاني: الذي لا يختص بالعبادات بل يدخل معها العادات: (يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) .
وعند شرحه لهذا قال: (ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم، لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته، فإن تعلقت بالعبادات فإنما أريد بها أن يأتي العبد على أبلغ ما يكون في زعمه؛ ليفوز بأهم المراتب في الآخرة في ظنه، وإن تعلقت بالعادات فكذلك؛ لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها) .
وقد رجح الشاطبي هذا التعريف، الذي يقول بدخول البدع في العادات والمعاملات، وهذا الترجيح هو الصحيح الموافق لأدلة الشريعة، والمتفق مع أصولها وقواعدها، والمطابق لمقاصدها، وقد لخص ﵀ رأيه في هذه المسألة، وبين معنى القيد السابق بصورة أوضح حين قال:
(ثبت في الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد؛ لأن ما يُعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد التعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع
стр. 252
والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها - إلى أن قال - فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صح دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا) .
ولا أريد الإطناب في هذا المعنى فسيأتي فيه بعض التفصيل في الفصل الثاني من هذا الباب، وزيادة تفصيل في الفصل الثالث من الباب الثاني إن شاء الله.
وقد اعترض الدكتور عزت علي عطية في كتابه البدعة على شرط المضاهاة في البدعة، حين تعرض لكلام الشاطبي في ذم البدع وتقبيحها، فقبل عموم الذم والتقبيح، ثم قال: (ولكنه غير مقبول من ناحية تخصيص البدعة بما ضاهى الدين من المحدثات المخالفة له) .
وقال: ( ... فلا دلالة لوصف البدعة بالضلالة على تخصيصها بما قصد به مضاهاة الشريعة، على أن كثيرا ً من الأمور التي وصفها السلف بأنها بدعة، لا تتسق مع قصد مضاهاة الشرع بها)
ثم ضرب لهذا القول مثلا ً بالأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وأن ذلك منهم تساهلا ً وتشاغلاً، وهو معصية يعلمون حرمتها، ولم يحدثوا ذلك على أن يكون دينا ً لله، ومع ذلك سماها النبي ﷺ بدعة، وقد
стр. 253
نقل الدكتور عزت عطية هذا الاستدلال من غيره مشيرا ً إلى ذلك.
وهذا الاستدلال منقوض من عدة وجوه:
الأول: إن الحديث يدل بلفظه على أن هؤلاء الأمراء يقومون بأعمال مخالفة لأمر الله، وهذه الأعمال مختلفة فمنها إخفاء السنة، ومنها العمل بالبدعة، ومنها تأخير الصلاة عن مواقيتها.
الثاني: أنه لا دليل من لفظ الحديث على أن تأخير الصلاة بدعة وإلا لما عطف بين هذه الأعمال المخالفة بالواو، التي من معانيها المغايرة.
الثالث: أنه لو كان المراد في الحديث وصف تأخير الصلاة بالبدعية، لقال: (ويعملون البدعة حين يؤخرون الصلاة) ، أو لقال: (يؤخرون الصلاة وذلك بدعة) ، أو غير ذلك من التراكيب الدالة على نعت تأخير الصلاة بالبدعية.
الرابع: على افتراض أن تأخير الصلاة من الأمراء وُصف في لفظ الحديث بالبدعية، فذلك لا ينفي وصف المضاهاة عن البدعة؛ الأمراء أخروا الصلاة عن وقتها إنما فعلوا ذلك مضاهاة للشريعة إذ علموا من نصوصها وجوب طاعة ولي الأمر المسلم، فاتخذوا ذلك ذريعة لبدعة تأخير الصلاة عن وقتها، بل بدعوا من خالفوا في بدعتهم هذه كما فعل الوليد بن عقبة مع ابن مسعود عندما أقام الصلاة وصلى بالناس حينما تأخر الوليد، فقال له: (أجاءك أمر من أمير المؤمنين أو ابتدعت؟) ، فرميه ابن مسعود بالبدعة واتهامه بها مبني على أنه ظن أن من حقه أن
стр. 254
يؤخر الصلاة عن وقتها، وأن ذلك لكونه من أمراء المسلمين الذين تجب طاعتهم، وهذا فيه مضاهاة للشرع بإبطال التخصيص الزماني المشروع للصلاة، وإيجاد وقت آخر يوافق هواه المبني على النصوص الموجبة لطاعة ولي الأمر ( ... فالمبتدع من هذه الأمة إنما ضل في أدلتها حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة، لا مأخذ الانقياد لحكم الله) .
وقد احتج الدكتور عزت عطية على نفي صفة المضاهاة عن البدعة بقوله:
(وعلى فرض أن هذه الصفات بمجموعها جعلت للبدعة سمة خاصة تميزها عن مجرد المخالفة الحادثة، فلماذا جعلت هذه الخاصية هي مضاهاة الشارع، ولماذا لا تكون تلك السمة الخاصة هي وقوع الذنب موقع الاقتداء، حيث يعامل مرتكبه معاملة من سنه، ويتحمل وزره ووزر من تابعه عليه ... ) .
وهذه الحجة أيضا ً منقوضة بما يلي:
١- البدعة من جنس المعاصي، كما قال الشاطبي: (ولا شك أن البدع من جملة المعاصي على مقتضى الأدلة المتقدمة، ونوع من أنواعها) .
ولكن البدعة تزيد في إثمها وضررها عن المعصية التي ليست ببدعة، (لأن المبتدع مع كونه مصراً على ما نهي عنه يزيد على المصر بأنه معارض للشريعة بعقله، غير مسلم لها في تحصيل أمره، معتقدا ً في المعصية أنها طاعة حيث حسن ما قبحه الشارع) .
٢- أما لماذا لا تكون السمة الخاصة للبدعة كونها ذنبا ً واقعاً موقع الاقتداء، فهذا الوصف لا يصح أن يكون سمة خاصة للبدعة؛ ذلك أن البدعة قد تكون فردية مسرا ً بها صاحبها غير داعٍ إليها، وغير مجاهرٍ بها، ومع ذلك فلا تخرج
стр. 255
عن مسمى البدعة ولا مسمى الضلالة، وإن كان الحكم على المبتدع يختلف باختلاف حاله من حيث الجهر والإستتار، والاستتار، والدعوة وعدمها كما سيأتي.
ويا للعجب كيف ينفي وصف المضاهاة عن البدعة، وهو وصف معلوم بالاستقراء من الأدلة، وأحوال المبتدعة، ويضيف إليها وصف الاقتداء الذي ليس بلازم لها، فكأنه يقول: إذا لم تكن البدعة في موضع اقتداء فليست ببدعة.
٣- أما وقوع الذنب موقع الاقتداء، فلا شك أن ذلك مما تشترك فيه المعاصي والبدع، من حيث وقوع الوزر على من سن السنة السيئة، لقوله تعالى:
((ليحملوا أوزارهم كاملة ً يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم)) .
قال الشاطبي ﵀: (وإذا اقتدي بصاحب البدعة الصغيرة، كبرت بالنسبة إليه، لإن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم الزور، وهذا بعينه موجود في صغائر المعاصي ... ) .
على هذا لا يصح أن يكون وصف الاقتداء خاصاً بالبدعة، أما المضاهاة فتصح أن تكون وصفا ً خاصاً بالبدعة الشرعية.
ولا يشترط أن تكون المضاهاة خاصة بالإلزام أو المنع أو التشريع الزائد فقط، بل وتكون مع ذلك بالتخصيص الزماني أو المكاني، والتخصيص بالهيئة والطريقة، ونحو ذلك من أنواع التخصيص، الذي لا يكون إلا من قبل الشرع، وتكون بالاعتماد على شبه الأدلة الشرعية، وتكون المضاهاة كذلك بقصد القربة بالعمل المبتدع، وهذا أوسع أبواب المضاهاة، فإن المبتدع إنما يريد ببدعته القرب إلى الله سبحانه والتعبد بهذا العمل المحدث، فهو يضاهي بقصده هذا وإرادته العمل المشروع.
стр. 256
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ( ... فإن البدعة لا تكون حقا ً محضا ً موافقا ً للسنة؛ إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلاً، ولا تكون باطلاً محضا ً لا حق فيه؛ إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل إما مخطئا ً غالطاً، وإما متعمداً لنفاق فيه وإلحاد) .
وهذا هو حال المبتدعة وواقعهم، فهم يستدلون بالمتشابه، وببعض الأدلة دون بعض، ولو لم يكونوا كذلك لكانوا في عداد الخارجين عن الدين حتى في تصورهم لأنفسهم، ولكنهم يعتقدون أنهم على الدين القويم " ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير، فأنت ترى العرب في الجاهلية في تغيير ملة إبراهيم ﵇ كيف تأولوا فيما أحدثوه احتجاجا ً منهم كقولهم في أصل الإشراك (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) - إلى أن قال - فما ظنظ بمن عُدَّ أو عَدَّ نفسه من خواص أهل الملة؟ فهم أحرى بذلك وهم المخطئون وظنهم الإصابة) .
والدليل على هذا المعنى أنك لا تجد مبتدعاً ينتسب إلى الملة الإسلامية إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي ينزله على ما يوافق هواه وشهوته، وينساق مع الأدلة المتشابهة لا الواضحة.
وسبب نفي الدكتور عزت عطية لقيد المضاهاة الذي اشترطه الشاطبي في تعريف البدعة: أنه ممن يقول بحسن بعض المحدثات، ولا يعتبر أن كل بدعة ضلالة.
فهو يقسم البدع إلى حسن وقبيح، ويعتبر أن البدعة في عرف السلف
стр. 257
ما هو مذموم فقط فيقول: (ومن المحدثات ما لا يخالف الدين ولا يخرج عن إطاره، وهو من الدين يدور مع أصله الذي يدل عليه من النصوص، وهو مقبول، بل إن حديث (وكل بدعة ضلالة) يفيد ذلك أيضا ً فلم يرد على إطلاقه وإنما سبق هذا القول الأمر بالمحافظة على سنة الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين، ومما يشير بدقة إلى أن البدعة التي عمم الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين، ومما يشير بدقة إلى أن البدعة التي عمم الرسول ﷺ وصفها بالضلالة: هي البدعة المصادمة للسنة، المخرجة عن الإتباع وذلك لا ينفي أن من البدع ما لا يخالف السنة أو ماليس بضلالة وهو البدعة الحسنة) .
وبناء ً على نفي صفة المضاهاة، اعترض على الشاطبي حين بدَّع من اتخذ المولد النبوي عيدا ً أو من التزم عبادة معينة في وقت معين.
ويعتبر أن المبتدع هو من أبطل شرعا ً أو أسقط حكما ً أو بدل آية، أو ألزم الناس بما ألزم به نفسه.
ويعتبر البدعة المنهي عنها ما ورد فيها الذم على وجه الخصوص، فيقول: ( ... وقد قدمنا ما يفيد عدم اشتراط مضاهاة الدين في معنى البدعة وأن السلف لم يطلقوا لفظ البدعة إلا على ما هو في نظرهم مذموم) .
وسوف يأتي رد هذه المزاعم عند الكلام عن مفهوم البدعة عند غير أهل السنة وشبههم ومناقشتها، وقد أطنبت في الرد على من نفى المضاهاة لأهمية ذلك.
وهذا التعريف الذي اختاره الشاطبي ورجحه - أقصد التعريف الذي ينص على دخول الابتداع في العبادات والعادات يمكن شرحه تفصيليا ً بأن معناه: ما فُعل أو ترك بقصد القربة لله تعالى مما ليس له أصلٌ في الشريعة سواء ً كان ذلك في العقائد أو في الأحكام، وفي العبادات أو العادات.
стр. 258
وللعلماء أقوالٌ تتفق مع هذا التعريف كليا ً أو جزئيا ً، أذكر بعضها هنا:
١- قول شيخ الإسلام ابن تيمية:
((فمن ندب إلى شيءٍ يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله) .
وقوله ﵀: ( ... البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعُلم بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعه الله - إلى أن قال - سواء ً كان هذا مفعولا ً على عهد النبي ﷺ أو لم يكن ... ) .
وقال أيضا ً: ( ... والبدعة ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات، كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية، وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد، والذين يعتبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة) .
وقال أيضا ً: ( ... السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعةٌ لله ولرسوله، سواءً فعله رسول الله ﷺ أو فعل على زمانه، أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو وجود المانع منه - إلى أن قال - فما سنه الخلفاء الراشدون ليس بدعة شرعية يُنهى عنها، وإن كان يسمى في اللغة بدعة لكونه اُبتدئ) .
стр. 259
وقال أيضا ً: ( ... فإن البدعة ما لم يشرعه الله من الدين، فكل من دان بشيءٍ لم يشرعه الله فذلك بدعة، وإن كان متأولا ً فيه) .
٢- قول أحمد بن حجر الهيتمي المكي:
(البدعة: هي ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب سواء ً فعل في عهده ﷺ أو لم يفعل كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ... ) .
٣- قول الحافظ ابن حجر:
(والمحدثات ... جمع محدثة، والمراد بها ما أُحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة: فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواءٌ كان محمودا ً أو مذموما ً) .
٤- قول الإمام النووي:
(البدعة: بكسر الباء في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ .
٥- قول الإمام العيني:
(قوله: (محدثاتها) جمع مُحدثة، والمراد به ما أُحدث وليس له أصل في الشرع، وسمي في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة) .
стр. 260
٦- قول الجرجاني في التعريفات:
(البدعة: هي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي) .
٧- قول ابن الجوزي:
(والبدعة: عبارة عن فعل ما لم يكن فابتُدع، والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة، وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان) .
٨- قول ابن رجب الحنبلي:
(والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعا ً، وإن كان بدعة ً لغة ً - إلى أن قال - فكل من أحدث شيئا ً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل ٌ من الدين يرجع إليه فهو ضالة، والدين بريءٌ منه، وسواء ٌ في ذلك مسائل الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة أو الباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية) .
٩- قول الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
عن البدعة أنها (ما أُحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من عقيدة ٍ أو عمل) .
١٠- قو ل الشيخ الألباني:
عند كلامه عن البدعة المنصوص على ضلالتها من الشارع، وقد ذكر جملة أوصاف أنقل منها ما يتلاءم مع التعريف:
стр. 261
(كل أمر يتقرب إلى الله به، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ وكل أمر ٍ لا يمكن أن يُشرع إلا بنص أو توقيف، ولا نص عليه فهو بدعة، إلا ما كان عن صحابي، وكل ما ألصف بالعبادة من عادات الكفار.
وكل عبادة لم تأت كيفيتها إلا في حديث ضعيف أو موضوع.
وكل عبادة أطلقها الشارع وقيدها الناس ببعض القيود، مثل المكان أو الزمان أو صفة أو عدد) .
١١- قول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي:
(والبدعة شرعا ً هي: التي أُحدثت بعد الرسول ﷺ على سبيل التقرب إلى الله ولم يكن قد فعلها الرسول ﷺ ولا أمر بها ولا أقرها ولا فعلتها الصحابة) .
١٢- قول الشيخ محمد بن عبد السلام الشقيري:
(والبدعة: هي الحدث في الدين بعد الإكمال، وما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال - إلى أن قال - وقيل هي: ما أحدث على خلاف الحق المتلقَّى عن رسول الله ﷺ وجعل ديناً قويماً وصراطاً مستقيماً) .
١٣- قول الشيخ حسن البنا:
(وكل بدعة في دين الله لا أصل لها - استحسنها بعض الناس بأهوائهم سواء ً بالزيادة فيه أو النقص - ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها) .
١٤- قول الشيخ حافظ الحكمي:
( ... ومعنى البدعة: شرع ما لم يأذن به الله، ولم يكن عليه أمر النبي
стр. 262
صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه) .
١٥- قول الشيخ علي الطنطاوي:
(والبدعة إذا أُطلقت يراد بها المستحدث الذي لم يكن على عهد رسول الله ﷺ .
١٦- قول الشيخ أبي بكر الجزائري:
(وهي في عرف الشرع: كل ما لم يشرعه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ من معتقد أو قول أو فعل، وبعبارة أسهل البدعة هي: كل ما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ديناً يعبد الله به أو يتقرب إليه به من اعتقاد أو قول أو عمل، مهما أُضفي عليه من قداسة، وأُحيط به من شارات الدين وسمات القربة والطاعة) .
وأقوال العلماء عن البدعة كثيراً جداً، وهذه الأقوال التي ذكرتها هنا لا تمثل سوى جزءا ً مما جمعته من أقوال العلماء في البدعة.
стр. 263
الفصل الثاني: مفهوم البدعة عند أهل السنة وأدلتهم
يطلق مصطلح أهل السنة ويراد به معنيان:
الأول: في مقابل الشيعة.
الثاني: وهو المراد هنا يقصد به إتباع آثار الرسول ﷺ في الباطن والظاهر، وإتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهي بهذا المعنى في مقابل البدعة.
والسنة المقصودة هنا: ما سنة رسول الله ﷺ وما شرعه في العقائد والأقوال، وفي المقاصد والأفعال.
والسنة والشريعة تأتيان في الإطلاق العام بمعنى واحد:
( ... فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل، فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام، والولايات والعطيات) .
وأهل السنة هم الذين يعملون بذلك لاسيما في مجال الاعتقاد.
ومن هنا جاءت تسمية المؤلفات في ذلك بالسنة، من قبل علماء السنة
стр. 264
كابن أبي عاصم وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهم، وقد يسمى أهل السنة بأسماء أخرى تحمل أوصافاً تختص بهم منها:
أهل الحديث والأثر:
ولا يقصد بهذا من اقتصر على سماعه الأحاديث والآثار وكتابتها وروايتها فقط، بل من عرفها وفهمها واتبعها ظاهراً وباطناً.
ويطلق هذا المصطلح على أتباع مذهب السلف أهل السنة والجماعة؛ لأنهم لا يصدرون في أعمالهم وعقائدهم عن آراء عقلية قابلة للتسليم والرد، وإنما عن مأثورات وأخبار مسندة مرفوعة إلى النبي ﷺ وأصحابه الكرام برواية الثقات العدول.
فقد روى الخطيب في شرف أصحاب الحديث بسنده، عن سفيان
стр. 265
الثوري قال: (إنما الدين بالآثار وليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي ... ) .
وروى بسنده أيضاً عن الإمام أحمد، حين سئل عن أحد علماء الابتداع فكلح وجهه وقال: (إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله ﷺ وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب) .
وروى بسنده عن الأوزاعي قال: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم) .
وروى الحافظ الدارقطني بسنده في كتاب الصفات عن عباد بن العوام قال: قدم علينا شريك بن عبد الله فقلنا: إن عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وإن أهل الجنة يرون ربهم فحدثني شريك بنحو من عشرة أحاديث في هذا وقال: (أما نحن فأخذنا ديننا عن أبناء التابعين عن أصحاب رسول الله ﷺ فهم عمن أخذوا) .
стр. 266
وروى الدارقطني أيضاً بسنده في كتاب الصفات، عن شريك بن عبد الله النخعي أنه قال: (هؤلاء أبناء المهاجرين يحدثون أن الله يرى في الآخرة حتى جاءنا ابن يهودي صباغ، فزعم أن الله لا يرى يعني بشراً المريسي) .
ومن هنا نلمح اهتمام أهل السنة بالأحاديث والآثار، وحرصهم عليها تأليفاً وشرحاً، بل لا يعرف أن أحداً من العلماء نبغ في مذهب أهل السنة والجماعة وهو غير معتمد على حديث وأثر، قال ابن الجوزي: ( ... ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله ﷺ هم أهل السنة؛ لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث) .
وأكثر أهل البدع جاهل بالأحاديث وكتبها، والآثار ومصنفاتها، عالم بكلام أهل الكلام، كما قال هارون الرشيد: طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث) .
وكما قال عبد الله بن داوود (ليس الدين بالكلام إنما الدين بالآثار) ، ولأجل هذا جعل من علامات المبتدعة التي تدل عليهم، بغض الحديث وأهله كما قال الأوزاعي: (ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله ﷺ بخلاف بدعته بحديث إلا أبغض الحديث) .
стр. 267
وقد جعل أحمد بن سنان القطان من سيماء المبتدعة بغضهم للحديث وأهله، فقال: (ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث فإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه) .
ومن هنا نجزم بصواب مسلك أهل السنة والجماعة، ولا نظن كما يظن بعض الناس أن الجزم بالصواب مسألة نسبية؛ لأن كل ذي عقيدة يجزم بأنه الأصح الأقرب إلى الحق ...
بل الحق الذي لا شك فيه أن طريقة أهل السنة هي الصواب المحض، لأنها مبنية على الإتباع من خلال الآثار المتصلة الموثقة، ولأن شعار الإحتكام لديهم في كل أمر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ الذي قال عنهما رسول الله ﷺ : " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، لن يتفرقا حتى يردا على الحوض ".
стр. 268
ومن أسمائهم:
أهل الجماعة:
وقد ورد هذا اللفظ في عدة أحاديث نبوية أشهرها حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن هذه الأمة ستفترق على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة ".
وقد ورد الحديث عن طائفة من الصحابة بألفاظ متقاربة، وحديث أسامة ابن شريك عن النبي ﷺ قال: " يد الله على الجماعة ".
وحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله
стр. 269
عليه وسلم -: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".
وحديثه الآخر أن النبي ﷺ قال: " عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة ".
ومذهب أهل الحق هو مذهب أهل السنة والجماعة، لأنهم معتصمون بكتاب الله وسنة رسوله، مجتمعون على ذلك، وأحق من يوصف بالجماعة (سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ) .
ومن عدا أهل الجماعة فهم أهل البدع، الذين هم أهل الافتراق المتبعين للسبل المتفرقة عن سبيل الحق.
قال ابن عباس ﵁ في تفسير قوله سبحانه: [يوم تبيض وجوه وتسود وجوه] ، (تبيض وجه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة) .
قال الإمام أحمد عند وصف المبتدعة: ( ... عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب) .
стр. 270
ومن أوصافهم:
الفرقة الناجية:
هذا الوصف مأخوذ من الحديث النبوي الذي رواه أنس بن مالك وغيره، أن النبي ﷺ قال: " إن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة ".
وفي حديث عبد الله بن عمرو قوله ﷺ " كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي ".
ومأخذ هذه التسمية الوصفية من أخبار رسول الله ﷺ بأن الفرق المعدودة هالكة ماعدا فرقة واحدة، وهي الناجية من الهلاك، وعين هذه الفرقة بالوصف؛ لأن ذلك هو الآكد في جانب التعبد، ولأن ذلك أوجز، فإذا علم الناجي بالوصف، علم أن ما سواه هالك.
ومن أسمائهم الوصفية:
أتباع السلف:
ويطلق مسمى السلف على الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، وأتباعهم وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلف عن سلف.
стр. 271
وقد نقل السفاريني في اللوامع عن ابن رجب مقولة يحدد فيها إلى أي زمن يطلق السلف حيث قال: (وفي زماننا تتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان في حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة ... ) .
قال شيخ الإسلام في هذا الصدد: (ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والإعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها: القرن الأول، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة: من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم من الدين بالضرورة من دين الإسلام وأضله الله على علم ... ) .
هؤلاء هم السلف الذين ينتسب إليهم أهل الحق، ويتبعون آثارهم؛ لأنهم
стр. 272
خير القرون كما جاء في الحديث الذي روته عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " خير الناس القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث ".
وبنحوه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته ".
وهؤلاء السلف الذي أمر المصطفى ﷺ بإكرامهم كما روى عمر ﵁ في خطبته بالجابية فقال: (إن رسول الله قام فينا كمقامي فيكم فقال: أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا فمن سره بحبحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد ... ) الحديث.
وأتباع السلف هم الذين أخذوا الإسلام محضاً، ولم يشوبوه بشيء من البدع كما كان السلف عليهم رضوان الله، وهم الذين سلكوا في علمهم وعملهم واعتقادهم وسائر أحوالهم مسلك أولئك الأخيار الأبرار.
قال ابن حزم: (وأهل السنة الذين نذكرهم هم أهل الحق ومن عداهم فأهل
стр. 273
البدعة، فإنهم الصحابة ﵃، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها ... ) .
ومن أوصاف أهل السنة والجماعة الواردة في الأخبار:
الطائفة المنصورة:
وهم الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة ".
وسبب اختصاصهم بالنصر أنهم أحبوا الله تعالى وأحبوا رسوله ﷺ واتبعوا ما يحبه الله بالطريقة التي يحبها الله.
وقد ورد لبعض العلماء تعيين لهذه الطائفة المنصورة، فخصها البخاري بأهل العلم، وقال الإمام أحمد: (إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم ... ) ، قال القاضي عياض مفسراً قول أحمد هذا: (إنما أراد أحمد أهل السنة
стр. 274
والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث) .
ويؤيد هذا المعنى قول شيخ الإسلام الذي نقلناه آنفاً عند ذكر أهل الحديث والأثر.
قال النووي ﵀ بعد أن نقل هذه الأقوال في تعيين الطائفة المنصورة: (يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض) .
ومن أوصافهم أنهم:
الخلف العدول:
وهم ورثة هذا الدين من سيد المرسلين، الذي قال فيهم ﵊: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ".
стр. 275
ومن أسمائهم:
أصحاب السنن:
الذين هم أعلم الناس بكتاب الله، كما قال ذلك عمر وعلي ﵄.
هؤلاء هم أهل السنة الذين هم أهل الإسلام، كأهل الإسلام بين سائر الملل.
والذين (شهادتهم مقبولة على سائر فرق الأمة، بخلاف أهل البدع والأهواء ... ) .
ولذلك فسوف أذكر هنا مفهوم أهل السنة والجماعة للبدعة على اعتبار أن فهمهم هو الأقوم، ونهجهم في العلم والعمل والاعتقاد هو الأسلم والأعلم والأحكم.
وأريد بالمفهوم عن قولي في هذا الفصل: (مفهوم البدعة عند أهل السنة) ، وفي الفصل الثاني الذي يليه: (مفهوم البدعة عند غير أهل السنة) معنيين:
الأول:
فهم هؤلاء وأولئك للنصوص الشرعية الواردة في البدعة وما يترتب على هذا الفهم من تصورات وأحكام وأعمال، وقد جاء في تاج العروس: ( ... الفهم تصور المعنى من اللفظ) .
стр. 276
الثاني:
ما يستخرج من هذه المفاهيم والتصورات من معان ومدلولات، وقد جاء في اللسان قوله: (فهمت الشيء عقلته وعرفته) .
والبدعة في هذين الفصلين مأخوذة من تعريف حدي مباشر، يدل على المعنى بمنطوقه الصريح، ومأخوذة كذلك من فحوى العبارات وإشارات الألفاظ.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀ في شرح روضة الناظر: (واعلم أن مراده بالفحوى والإشارة المفهوم، وعُرّف المفهوم بأنه ما يقتبس من الألفاظ من فحواها وإشاراتها، لا من صيغتها) .
وأقصد بالمفهوم هنا المعاني التي يحتويها التعريف صراحة؛ لأنها أساسيات في دلالته، والمعاني التي يتضمنها التعريف إيماءً؛ لأنها من لوازمه أو توابعه.
فقد تكون الدلالة في هذه المعاني كلية، وقد تكون جزئية، وقد تكون مجملة في مواطن، مبينة في مواطن أخرى، وقد تكون جزءاً من الحد في المواضع وتكون في مواضع أخرى احترازاً أو حكماً ... ولكنها في مجموعها تعطي تصوراً لمعنى البدعة عند الفريقين.
стр. 277
ثانيا ً: البدعة هي التي تفعل بقصد القربة:
وهذا أصل أصيل عند أهل السنة، يفرقون به بين الفعل الذي يكون بدعة والفعل الذي يكون معصية فقط، وإن كانت البدعة معصية لله إلا أنها تفوق المعصية في الإثم والحكم.
فالمعصية في أصل وقوعها من حيث العمل والاعتقاد تختلف عن البدعة من جهة ما يقترن بكل ٍ منهما....
فالعاصي لا يعتقد أنه بمعصيته يُرضي الله بخلاف المبتدع فإنه يعتقد في عمله المحدث القربة إلى الله، وهذا هو وجه المفارقة.
ووجه ٌ آخر: هو ما تؤول إليه البدعة من مفاسدٍ حالية ومآلية في الدنيا والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعية أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتب على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير بخلاف المعصية أو المخالفة.
ومن هنا نفهم أن قول سفيان الثوري ﵀ حين قال: (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) .
والسبب في عدم توبة المبتدع أنه يرجو بعمله أو قوله أو اعتقاده المحدث القرب من الله، فلا ينفك من ملازمة العمل.
وبسبب كون البدع أشر من المعاصي، وأهلها أضر من أهل الذنوب أمر النبي ﷺ بقتال الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة.
ومما جاء عن السلف في اعتبار أن البدعة أشد ضررا ً من المعاصي، ما رواه ابن وضاح بسنده عن أبي بكر بن عياش قال: (كان عندنا فتى ً يقاتل
стр. 278
ويشرب وذكر أشياء من الفسق، ثم أنه تقرَّأ فدخل في التشيع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت، وهو يقول: لأنت يوم كنت تقاتل وتفعل ما تفعل خير منك اليوم) .
والدليل على اختصاص البدعة بوصف قصد القربة، ما ورد في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالَّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء الرسول ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .
وفي لفظ مسلم: ( ... فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش ... ) الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: (قوله: " فمن رغب سنتي فليس مني " المراد بالسنة الطريقة - إلى أن قال -: والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى - ثم قال - وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر
стр. 279
ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس وتكثير النسل) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ... ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس الملذات، كما قال النبي ﷺ للذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، - ثم ذكر الحديث - ... ) .
فالإنكار إنما توجه إليهم بسبب قصد القربة بهذا الترك.
ومثل هذا حديث سعد بن أبي وقاص قال: (رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا) ، قال النووي: (قال العلماء: التبتل هو الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعاً إلى عبادة الله.. .)
ومن هنا تتقرر هذه القاعدة التي نص عليها الشاطبي ﵀ حيث قال:
(ولا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المبتدع مشروعا ً، وليس بمشروع) .
فالفعل الذي يقترن به أصل التشريع بإلحاق حكم شرعي له، كالاستحباب أو الوجوب يكون بدعة، فإن لم يقترن به هذا القصد فهو منهي عنه؛ لكونه معصية أو هو عفو.
وباعتبار وصف القربة في البدعة جاء تعريف شيخ الإسلام للبدعة، بأنها
стр. 280
الدين الذي لم يأمر به الله، ولا يخفى ما في هذا النعت من اعتبار قصد القربة في العمل المحدث ليكون بدعة.
قال ﵀: (وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة، أن البدعة: هي الدين الذي لم يأمر الله به ورسوله، فمن دان دينا ً لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك، وهذا معنى قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) .
وقال: ( ... فإن البدعة ما لم يشرعه الله من الدين، فكل من دان بشيء لم يشرعه الله فذاك بدعة، وإن كان متأولا ً فيه) .
وقال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث: (البدعة التي يظن الناس أنها قربة، وهي بخلاف ذلك - ثم قال - فهذا الذي وضعت الكتاب لأجله ... ) .
وقال الشيخ عثمان بن فودي في إجياء السنة وإخماد البدعة عند ذكر حديث رسول الله ﷺ : ((كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)) قال: (وقد بين العلماء ﵃ أن المعنى في الحديث المذكور راجع لتغيير الحكم باعتقاد ما ليس بقربة قربة، لا مطلق الإحداث إذا تناولته الشريعة بأصولها، فيكون راجعا ً إليها) .
وقصد القربة يراد به: إلحاق حكم شرعي بعمل محدث كالندب والاستحباب والإيجاب، أو الكراهة والتحريم، قال شيخ الإسلام:
(فمن ندب إلى شيءٍ يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله، من غير أن يشرعه الله فقد
стр. 281
شرع من الدين ما لم يأذن به الله) .
ويراد به كذلك استحسان الفعل المحدث، وإن لم يلحق به حكما ً شرعيا ً، وإن كان ذلك غير متصور؛ لأن من لوازم استحسانه إلحاق وصف شرعي به، وإلصاق حكم تشريعي بالبدعة.
وقصد القربة يتوجه إلى العمل الذي لا يتصور فيه غير إرادة القربة كالعبادات المحضة، وهي حق خالص لله سبحانه، فلا بد من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع.
وكل ما فهم من الشرع أنه لا خيرة للعبد فيه، سواء ً كان له معنى ً معقول أو غير معقول، فإنه مما يعلم أن قصد الشارع فيه الوقوف عند ما حده من غير زيادة ولا نقصان.
والعبادة التي هي حق لله لا يتصور فيها غير إرادة القربة فالإحداث فيها يسمى ابتداعا ً، سواء ً قصد القربة أو افتراض أنه لم يقصد القربة، فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة ٍ مخصوصة كالصلاة والذكر فهو مبتدع، حتى مع افتراض عدم قصده للقربة.. مع أن هذا الافتراض تخيلي لا يمكن وقوعه.
ويتوجه قصد القربة كذلك إلى العمل الذي يحمل أوجهاً متعددة مثل الأمور الدنيوية، فينظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه القربة إذا اتحدت أوجه الفعل الواحد، ويتضح هذا بالمثال:
فمن لبس ثوبا ً بلون ٍ معين، ولم يرد بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا ألحقته أمور منهي عنها، كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصية.
стр. 282
أما إذا أراد بذلك الثوب المعين، واللون المعين القربة، أو ألحق به وصف استحسان أو استحباب أو ندب أو إيجاب، فإنه يكون حينذاك بدعة، كما تفعل طوائف الصوفية التي تشترط لونا ً معينا ً لمريدي طريقتها.
والخلاصة:
أن كل ما فعل أو ترك بقصد القربة، مما ليس له أصل في الشرع بدعة ...
ويخرج بذلك ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذٍ معصية أو مخالفة أو عفوا ً، ولا يطلق عليه بدعة.
مثال ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذٍ معصية أو مخالفة أو عفوا ًً، ولا يطلق عليه بدعة.
مثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون معصية: جميع المنهيات الشرعية كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا العمل بقصد القربة إلى الله فهو بدعة ...
ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون معصية: ترك المأمور به شرعا ً كترك النكاح للقادر عليه، وكترك الدعوة إلى الله لمن وجبت عليه.
فإذا كان هذا الترك بقصد القربة إلى الله بذلك فهو بدعة، ومثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون عفواً: حلق الرأس في غير نسك، فإن فعل بقصد القربة فهو بدعة.
ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون عفوا ً: الامتناع عن أكل اللحم للتطبب ونحوه، فإن كان الترك للحم تدينا ً فهو بدعة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ما يشبه هذا الكلام في مواطن من كتبه، ومن ذلك ذكره للحلق الذي يكون مشروعاً والحلق الذي يكون جائزا ً والذي يكون بدعة.
стр. 283
وهذا الشرط - الذي هو قصد القربة - هو ما عناه الشاطبي في تعريفه للبدعة بقوله: (طريقة في الدين تضاهي الشرعية ... ) .
ثم شرح ذلك بقوله:
( ... يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة - إلى أن قال - فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية ... ) .
ومن هذه المضاهاة طلب القربة من الله ، وقد حاول بعض محسني البدع إلغاء هذا الشرط، واعترض عليه بأنواع من الاعتراضات المقتضية لتحسين بعض البدع، التي قصد بها القربة، كبدعة التوسل بذوات الصالحين، وبدعة التبرك بآثارهم، وبدعة الاحتفال بالمولد النبوي.
مع أن المضاهاة من ألزم صفات البدعة؛ لأن ( ... البدعة لا تكون حقا ً محضا ً موافقا ً للسنة؛ إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا ً، ولا تكون باطلا ً محضا ً لا حق فيه؛ إذ لو كانت كذلك لما خفيت على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل، إما مخطئا ً غالطا، وإما متعمدا ً لنفاقٍ فيه وإلحاد) .
ومن آكد أوجه المضاهاة بين البدعة والسنة قصد القربة؛ لأن (الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل أحد، لا يكون قولا ً ومذهبا ً لطائفة ٍ تذب عنه، وإنما يكون باطلا ً مشوبا ً بحق، كما قال تعالى: ((لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)) .
стр. 284
وبهذا الاعتبار جعلت البدعة: الإحداث في الدين، وقيدت بالدين، لأنها تخترع فيه، وينسبها صاحبها إليه، ويجعلها منه فيتعبد بها ويتقرب إلى الله بفعلها.
ثالثا ً: البدعة تكون بالفعل والترك:
وهذا يشمل البدعة الفعلية والبدعة التركية، أي أن البدعة تكون بفعل غير المشروع، كما تكون بترك ما هو مباح أو مشروع، أو بعبارة أخرى فعل ما تركه الشارع وترك ما شرعه، أو ما أباحه تقربا ً وديانة ً ...
فأما فعل غير المشروع فواضح، وأمثلته كثيرة، ومن أدلته: ((من عمل عملا ً ليس عليه أمرنا فهو رد)) .
فإذا فعل المكلف ما تركه رسول الله ﷺ مع وجود الداعي لذلك، وانتفاء الموانع فقد ابتدع، وأمثلة ذلك:
الجهر بالنية في الصلاة، والأذان في العيدين، والاجتماع على صلاة معينة في أول رجب، أو أول جمعة فيه، وأو في ليلة النصف من شعبان، ونحو ذلك.
وأما ترك المشروع فهو: أن يترك المكلف ما فعله رسول الله ﷺ أو شرعه أو أباحه تديناً.
ومثال ذلك ما رواه الترمذي، عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت النساء، وأخذتني شهوة فحرمت علي اللحم، فأنزل الله تعالى:
стр. 285
((يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) ، ومثال ذلك أيضاً قصة الثلاثة الذين حرموا على أنفسهم ما أباحه الله بقصد المبالغة في التعبد لله.
ومن ذلك ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: (بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا أبو سرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) .
ومن ذلك ما رواه البخاري عن قيس بن أبي حازم، قال: (دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل
следующие страницы →