← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شرع من الدين ما لم يأذن به الله) . ويراد به كذلك استحسان الفعل المحدث، وإن لم يلحق به حكما ً شرعيا ً، وإن كان ذلك غير متصور؛ لأن من لوازم استحسانه إلحاق وصف شرعي به، وإلصاق حكم تشريعي بالبدعة. وقصد القربة يتوجه إلى العمل الذي لا يتصور فيه غير إرادة القربة كالعبادات المحضة، وهي حق خالص لله سبحانه، فلا بد من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع. وكل ما فهم من الشرع أنه لا خيرة للعبد فيه، سواء ً كان له معنى ً معقول أو غير معقول، فإنه مما يعلم أن قصد الشارع فيه الوقوف عند ما حده من غير زيادة ولا نقصان. والعبادة التي هي حق لله لا يتصور فيها غير إرادة القربة فالإحداث فيها يسمى ابتداعا ً، سواء ً قصد القربة أو افتراض أنه لم يقصد القربة، فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة ٍ مخصوصة كالصلاة والذكر فهو مبتدع، حتى مع افتراض عدم قصده للقربة.. مع أن هذا الافتراض تخيلي لا يمكن وقوعه. ويتوجه قصد القربة كذلك إلى العمل الذي يحمل أوجهاً متعددة مثل الأمور الدنيوية، فينظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه القربة إذا اتحدت أوجه الفعل الواحد، ويتضح هذا بالمثال: فمن لبس ثوبا ً بلون ٍ معين، ولم يرد بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا ألحقته أمور منهي عنها، كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصية.

стр. 282

أما إذا أراد بذلك الثوب المعين، واللون المعين القربة، أو ألحق به وصف استحسان أو استحباب أو ندب أو إيجاب، فإنه يكون حينذاك بدعة، كما تفعل طوائف الصوفية التي تشترط لونا ً معينا ً لمريدي طريقتها. والخلاصة: أن كل ما فعل أو ترك بقصد القربة، مما ليس له أصل في الشرع بدعة ... ويخرج بذلك ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذٍ معصية أو مخالفة أو عفوا ً، ولا يطلق عليه بدعة. مثال ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذٍ معصية أو مخالفة أو عفوا ًً، ولا يطلق عليه بدعة. مثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون معصية: جميع المنهيات الشرعية كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا العمل بقصد القربة إلى الله فهو بدعة ... ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون معصية: ترك المأمور به شرعا ً كترك النكاح للقادر عليه، وكترك الدعوة إلى الله لمن وجبت عليه. فإذا كان هذا الترك بقصد القربة إلى الله بذلك فهو بدعة، ومثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون عفواً: حلق الرأس في غير نسك، فإن فعل بقصد القربة فهو بدعة. ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون عفوا ً: الامتناع عن أكل اللحم للتطبب ونحوه، فإن كان الترك للحم تدينا ً فهو بدعة. وقد ذكر شيخ الإسلام ما يشبه هذا الكلام في مواطن من كتبه، ومن ذلك ذكره للحلق الذي يكون مشروعاً والحلق الذي يكون جائزا ً والذي يكون بدعة.

стр. 283

وهذا الشرط - الذي هو قصد القربة - هو ما عناه الشاطبي في تعريفه للبدعة بقوله: (طريقة في الدين تضاهي الشرعية ... ) . ثم شرح ذلك بقوله: ( ... يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة - إلى أن قال - فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية ... ) . ومن هذه المضاهاة طلب القربة من الله ، وقد حاول بعض محسني البدع إلغاء هذا الشرط، واعترض عليه بأنواع من الاعتراضات المقتضية لتحسين بعض البدع، التي قصد بها القربة، كبدعة التوسل بذوات الصالحين، وبدعة التبرك بآثارهم، وبدعة الاحتفال بالمولد النبوي. مع أن المضاهاة من ألزم صفات البدعة؛ لأن ( ... البدعة لا تكون حقا ً محضا ً موافقا ً للسنة؛ إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا ً، ولا تكون باطلا ً محضا ً لا حق فيه؛ إذ لو كانت كذلك لما خفيت على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل، إما مخطئا ً غالطا، وإما متعمدا ً لنفاقٍ فيه وإلحاد) . ومن آكد أوجه المضاهاة بين البدعة والسنة قصد القربة؛ لأن (الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل أحد، لا يكون قولا ً ومذهبا ً لطائفة ٍ تذب عنه، وإنما يكون باطلا ً مشوبا ً بحق، كما قال تعالى: ((لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)) .

стр. 284

وبهذا الاعتبار جعلت البدعة: الإحداث في الدين، وقيدت بالدين، لأنها تخترع فيه، وينسبها صاحبها إليه، ويجعلها منه فيتعبد بها ويتقرب إلى الله بفعلها. ثالثا ً: البدعة تكون بالفعل والترك: وهذا يشمل البدعة الفعلية والبدعة التركية، أي أن البدعة تكون بفعل غير المشروع، كما تكون بترك ما هو مباح أو مشروع، أو بعبارة أخرى فعل ما تركه الشارع وترك ما شرعه، أو ما أباحه تقربا ً وديانة ً ... فأما فعل غير المشروع فواضح، وأمثلته كثيرة، ومن أدلته: ((من عمل عملا ً ليس عليه أمرنا فهو رد)) . فإذا فعل المكلف ما تركه رسول الله ﷺ مع وجود الداعي لذلك، وانتفاء الموانع فقد ابتدع، وأمثلة ذلك: الجهر بالنية في الصلاة، والأذان في العيدين، والاجتماع على صلاة معينة في أول رجب، أو أول جمعة فيه، وأو في ليلة النصف من شعبان، ونحو ذلك. وأما ترك المشروع فهو: أن يترك المكلف ما فعله رسول الله ﷺ أو شرعه أو أباحه تديناً. ومثال ذلك ما رواه الترمذي، عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت النساء، وأخذتني شهوة فحرمت علي اللحم، فأنزل الله تعالى:

стр. 285

((يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) ، ومثال ذلك أيضاً قصة الثلاثة الذين حرموا على أنفسهم ما أباحه الله بقصد المبالغة في التعبد لله. ومن ذلك ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: (بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا أبو سرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) . ومن ذلك ما رواه البخاري عن قيس بن أبي حازم، قال: (دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل

стр. 286

الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت، قال: امرؤ من المهاجرين ... ) الخبر. قال الحافظ ابن حجر: (والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطرفين) . قال شيخ الإسلام بعد ذكر هذا الحديث: ( ... فيدخل في هذا، كل ما اتخذ عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام - إلى أن قال - فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام) . وقال ﵀: ( ... فالتكلم بالخير، خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به، فأما الصمت الدائم فبدعة ٌ منهي عنها، وكذلك الامتناع عن أكل الخبر واللحم، وشرب الماء، فذلك من البدع المذمومة أيضا ً ... ) . وهناك أمثلة عديدة للترك الذي يعد بدعة، بيد أنه يجب التأمل في المتروك من جهة قصد المكلف، ومن جهة اعتبار الشارع: (فإذا كان الترك: لأمر يعتبر مثله شرعا ً، كالذي يمنع نفسه من الطعام الفلاني، لأنه يضره في جسمه ... فإن قلنا بأن التداوي مطلوب شرعا ً، اعتبر هذا الترك مطلوبا ً، وإن قلنا بإباحة التداوي فالترك مباح. وإذا كان الترك: للشيء الذي لا بأس به، حذرا ً من الشيء الذي به بأس وهو المتشابه ليستبرئ لدينه وعرضه، فهذا من أوصاف المتقين، وإذا كان الترك لأمر غير معتبر في الشرع، فيأتي هنا اعتبار قصد المكلف، فإن كان الترك تديناً

стр. 287

فهو الابتداع. وإن لم يكن بقصد الترك فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك ولا يسمى هذا الترك بدعة ... ) . ومما يلحق بهذا الفصل: ما سكت عنه الشارع، ولم ينص عليه بشيء ٍ يفيد إباحته أو تحريمه، وهذا من الأبواب الكبيرة التي دخل منها المبتدعة لترويج بدعهم. ويمكن ضبط المسكوت عنه بما يلي: أولا ً: أن (الأًصل في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر والأصل في العقود والمعاملات الصحة، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم) . ثانيا ً: أن السنة كما أنها تكون بفعله ﷺ ، وتقريره، فإنها تكون بسكوته كذلك، وهذا ما يسمى بالسنة التركية، وهي: (أن يسكت الرسول ﷺ عن الفعل غير الجبلي مع قيام المقتضي وعدم المانع) . فسكوته ﵊ هو المعتبر بشرط ألا يكون فعلا ًجبليا ً، فإن ترك الفعل الجبلي لا يعتبر سنة تركية، وبشرط أن يكون المقتضي للفعل موجودا ً والمانع مفقودا ً، وهذا يتصور في كل أمر عبادي يراد به القربة من الله تعالى، فإن تركه النبي ﷺ ولم يعمل به فإن ذلك دليل ٌ على أن تركه هو السنة، وفعله هو البدعة؛ لأن المقتضي موجود وهو التقرب من الله، والوقت وقت تشريع،

стр. 288

والنبي ﷺ معصوم من الكتمان، فتركه ﷺ مع وجود كل هذه المقتضيات وانتفاء الموانع دليل ٌ على أن المشروع هو الترك. وبناء ً على ما سبق يتضح لنا ما يلي: أن ترك النبي ﷺ للفعل مع وجود الداعي إليه وانتفاء المانع منه يعتبر قسما ً من أقسام السنة؛ لأنه ﷺ مشرع، ولا يجوز أن يترك ما شرعه الله، لأن ذلك يعتبر تقصيرا ً في البيان، وتأخيراً له عن وقت الحاجة، وهذا ما عصم منه النبي ﷺ ، وعلى هذا فلا بد أن يكون لسكوت النبي ﷺ دلالة ولتركه معنى، وهو أنه لا زيادة ولا نقصان على ما صدر منه وأن السنة ترك ما تركه ﵊. قال شيخ الإسلام: (ترك رسول الله ﷺ مع وجود ما يعتقد مقتضيا ً وزوال المانع سنة، كما أن فعله سنة ... ) . ويشترط لاعتبار الترك سنة مواظبة النبي ﷺ على الترك. رابعا ً: كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع: ومما يتعلق به الخطاب الشرعي الفعل والترك، وقد سبق الكلام عن الترك، أما الفعل فهو من حيث تعلق الخطاب الشرعي به على ضربين:

стр. 289

أحدهما: متعلق بمراد الشارع من حيث الحظر والإباحة، ومعرفة الحكم وعدمها، وهذا ما أصطلح عليه باسم: العبادات والمعاملات. الثاني: متعلق بفعل المكلف وهو على ثلاثة أقسام: قسم الاعتقاد، وقسم القول، وقسم الفعل ... وكل هذه الأضرب والأقسام تدخلها البدع وإليك البيان: ١- البدعة تكون في العبادات والمعاملات: أما دخول البدعة في العبادات فظاهر، وأما المعاملات وهي تشمل الشروط والعقود، والأمور الدنيوية العادية، فإنها لا تخلو من شائبة التعبد لله سبحانه. فما ألحق من أحكام شرعية بالأمور العادية بقصد القربة من الله تعالى وهو ليس كذلك في الشريعة فهو بدعة. مثال ذلك في المعاملات: جعل المكوس والضرائب قربة لله بإلحاق حكم الجواز أو الاستحباب أو الوجوب إليها، ومثاله في العادات جعل لباس معين، أو لون معين، أو طعام معين قربة لله تعالى، وهو ليس كذلك في الشرع، والفرق بين العبادات والمعاملات، أن العبادات الأصل فيها المنع، حتى يقوم دليل ٌ على الأمر بعكس المعاملات إذ الأصل فيها الإباحة حتى يقوم دليل ٌ على التحريم. قال ابن القيم ﵀: (والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو ٌ، حتى يحرمها، ولهذا نعى الله على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه

стр. 290

والتقرب إليه بما لم يشرعه ... ) . فإذا كان هذا هو حال المعاملات في الشرع فكيف تدخلها البدع؟ ... وللإجابة على هذا لا بد من إنعام النظر في أمور: ١- المعنى العام الواسع للعبادة، يشمل المعاملات والعقود والعادات، كما مر معنا في شروط العمل المقبول ... وقال النووي ﵀ في شرحه لحديث: (وفي بضع أحدكم صدقة) ، (وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات) وقال الغزالي: (وما من شيء ٍ المباحات إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات) . ٢- وردت نصوص شرعية تدل على اعتبار المعنى العبادي في المعاملات والعادات في الكسب والإنفاق، والإطعام والنكاح، ورد السلام واللباس والغرس، والبشاشة ومعاونة الضعيف، والإحسان إلى الحيوان، والنوم وغير ذلك، وهو كثير. ٣- قال شيخ الإسلام: (الأصل الثاني: أن نعبده بما شرع على ألسنة رسله ولا نعبده إلا بواجب ٍ أو مستحب ٍ، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك) . وقال: (لذات الدنيا ونعيمها إنما هي متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة، وكذلك خلقت فكل لذة ٍ أعانت على لذات الآخرة، فهو مما أمر الله به ورسوله، ويثاب على ما يقصد بها وجهه ... ) . ٤- (الأمور المشروعة تارة ً تكون عبادية، وتارة عادية، فكلاهما مشروع

стр. 291

من قبل الشارع، فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر) . ٥- أفعال المكلفين إما أن تكون من قبيل التعبدات، وإما من قبيل العادات.. وقد ثبت في الأصول الشرعية، أنه لا بد في كل عادي ٍ من شائبة التعبد، لكونه مقيدا ً بأوامر الشرع، إلزاما ً أو تخييرا ً أو إباحة. وبعد، فإن البدع لا تدخل في الأمور العادية إلا من الوجه العبادي فيها، فإذا ألحق المكلف حكما ً شرعيا ً بعمل ٍ عادي ٍ وقصد به القربة وهو في حقيقته ليس كذلك فقد ابتدع. قال الحافظ ابن رجب: (فمن تقرب إلى الله بعمل ٍ لم يجعله اله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه - إلى أن قال - كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام ... ) ويمكن توضيح هذه المعاني كلها بالأمثلة: ففي المعاملات: وضع المكوس على الناس حتى أصبح أمرا ً محتوما ً دائما ً، أو في أوقاتٍ محددة ٍ على كيفيات ٍ مضروبة ٍ بحيث تضاهي المشروع كالزكاة. ونكاح المحلل الذي يحتال به لإجازة ما هو حرام في الشرع، إذا اعتقد فاعلوه جواز ذلك، وحله في الشريعة، أما إذا لم يعتقدوا ذلك فيكون حراما ًومعصية لا بدعة. وإنكار ذي الخويصرة على النبي ﷺ توزيع الغنائم على

стр. 292

الأغنياء، إنما كان في باب المعاملات، ومع ذلك فقد عد النبي ﷺ اعتراضه هذا أصلا ً لبدع الخوارج، الذين أنكروا على علي ٍ ﵁ فيما بعد قبول التحكيم، وترك سبي نساء المسلمين وصبيانهم وبدع الخوارج هذه تدخل في باب المعاملات دخولا ً أوليا ً. أما العادات: فقد سبق حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، ونهي النبي ﷺ عن ذلك، وسبق حديث الثلاثة الذين استقلوا عبادة النبي ﷺ . وقد نص شيخ الإسلام على أن التقيد بلباس ٍ معين ٍ أو قول ٍ معين ٍ، أو عادة ٍ معينة بحيث يجعل ذلك لازما ً مستحباً، وهو في الأصل مباح ٌ أن ذلك يعد بدعة. قال ﵀ عن لبس الصوف: ( ... اتخاذ لبس الصوف عبادة ً وطريقاً إلى الله بدعة ٌ) ، وأشياء من هذا القبيل سيأتي شرحها وبسطها في الفصل الرابع من الباب الثاني بعون الله. ٢- البدعة تكون في العقائد والأقوال والأعمال: وهذه متعلقات فعل المكلف بالخطاب الشرعي، وسواءٌ قلنا إن الترك فعل ٌ أو نفي الفعل، أو إنه وجودي ٌ أو غير وجودي، فإنه يدخل معنا هنا من حيث إن الابتداع يقع في الاعتقاد والأقوال والأعمال، من جهة ترك المشروع كما يقع من جهة عمل غير المشروع. ينضاف إلى ذلك ما سلف ذكره، من أن الأمر لا يعد بدعة إلا إذا قصد

стр. 293

به التقرب، يستوي في ذلك الاعتقاد والقول والعمل. وإنما نصصنا على دخول البدعة في كل هذه الأقسام، لأن البعض قد توهموا أن البدع إنما تكون في قواعد العقائد وأصولها، وما هو منصوص عليه من البدع فقط. والصحيح أن البدعة تدخل في العقائد وفي غيرها، لعموم قوله ﷺ : ((كل محدثة ٍ بدعة ٌ وكل بدعة ٍ ضلالة ٌ)) . وقوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ٌ)) ، وقد جاء عن الصحابة والتابعين وسائر علماء الدين تسمية الأقوال والأفعال المحدثة بدعة وأمثلة البدع في الاعتقاد ما يلي: بدع المرجئة والخوارج، والأشاعرة والمعتزلة، والرافضة. وأمثلة البدع في الأقوال: الجهر بالنية في الصلاة، واتخاذ الأسماء المفردة لله سبحانه للذكر، أو اتخاذ لفظ (هو) للذكر، كما تفعل الصوفية، وغير ذلك من الأمور المحدثة. وأمثلة البدع في الأعمال: لبس الصوف عبادةً، ومؤاخاة المردان والنساء تديناً، وعمل المولد، وصلاة الرغائب، ونحو ذلك.

стр. 294

خامساً: البدعة هي ما ليس له أصل في الدين: أعمال الخلق سواء كانت عبادات أو عادات، عقائد أو أقوال أو أفعال لها أصول في الدين لا تصح مخالفتها. ولأجل ذلك كان أصل الضلالات في العبادات والمعاملات، اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم ما لم يحرم الله. وذلك بمخالفة الأصلين العظيمين اللذين لا صحة للعبادة ولا قبول إلا بهما، وهما: ١- العبادة لله وحدة. ٢- العبادة له بما شرعة. والمبتدع حقيقة يعبد هواه ورأيه وذوقه، وإن كان قصده ببدعته عبادة الله؛ لأنه سلك لهذه العبادة طريقاً لم يشرعها الله، (وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال ... في الأمور العلمية والأمور العبادية) .

стр. 295

فإن المبتدع وإن تعبد ببدعته، وقصد بها وجه الله، فإنه متعبد على غير أصل، مبتدع ما لم يشرعه الله ورسوله. قال الحافظ ابن حجر: (والمحدثات ... جمع محدثة، والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة) ، وقال عند شرحه لقوله ﷺ : (" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله، فلا يلتفت إليه) . وفي عمدة القارئ: (قوله (محدثاتها) جمع محدثة، والمراد به ما أحدث وليس له أصل في الشرع - إلى أن قال - وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة) . قال ابن رجب: (والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة) . المراد بالأصل: يرد عند تعريف البدعة قول بعض العلماء عنها: إنها ما لا أصل له من الدين، ويراد بالأصل هنا الدليل، فما لا دليل عليه فهو بدعة، والدليل الذي يعتمد عليه في ثبوت العبادة، والذي لا يصح مع ثبوته وصف العمل بالبدعية ما يلي: ١- كتاب الله -. ٢- سنة الرسول ﷺ - الثابتة بالأسانيد الصحيحة عن

стр. 296

طريق التواتر أو الآحاد في العبادات أو العقائد أو غيرها، والسنة ما كان فعلاً له ﷺ أو قولاً أو تقريراً، ولم يكن على سبيل الخصوص، ولم يكن من الأفعال الجبلية أو من الأفعال التي عملها بحكم الاتفاق، كنزوله للصلاة في مكان ما لكونه صادف وقت الصلاة. ٣- الإجماع وهو (اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي) ، أي على أمر من الأمور سواء كان فعلاً أو تركاًَ، وفيه أحكام: ١) إجماع الأمة حق فلا تجتمع الأمة على ضلال. ٢) إجماع الأمة حجة قطعية، إذا كان الإجماع قطعياً، وظنية إذا كان الإجماع ظنياًَ. ٣) إذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام، لم يكن لأحد أن يخرج على هذا الإجماع. ٤) الإجماع السكوتي حجة، ويشترط في الإحتجاج به انتفاء موانع الإنكار.

стр. 297

٥) لا يمكن أن يقع الإجماع خلاف دليل صحيح صريح وغير منسوخ. ٦) لا توجد مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس، ويعلم الإجماع فيستدل به، وقد علم باستقراء موارد الإجماع أنها كلها منصوص عليها. ٧) لا إجماع مع ثبوت الخلاف. ٨) الإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ يعدهم كثر الإختلاف وانتشر في الأمة. ومن أدلة الإجماع ما رواه ابن أبي عاصم بسند حسن، عن كعب بن عاصم الأشعري وأنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: " إن الله تعالى قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة ".

стр. 298

وفيه عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ". وفيه عن أبي مسعود موقوفاً قال: (عليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة) . وهذه الأصول الثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع هي عمدة أهل السنة والجماعة في معرفة الأحكام جميعها أصولها وفروعها، ( ... وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس، من أقوال وأعمال، باطنة وظاهرة، مما له تعلق بالدين ... ) . ومن أجل ذلك عرفت البدعة بأنها: ( ... ما خالفت الكتاب والسنة أو

стр. 299

إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات ... ) . ٤- قول الصحابي وفعله: ومحل الكلام هنا محصور فيما قاله الصحابي أو فعله، ولم يعارض كتاباً ولا سنة صحيحة، وله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون لا مجال للرأي فيه بأن كان أمراً تعبدياً لا يمكن تعليله وحكمه حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، ذكر ابن حجر محترزات لقول الصحابي الذي لا مجال للاجتهاد فيه، ثم ذكر بعض الأمثلة عليه فقال: (ومثال المروفع من القول حكماً لا تصريحاً، أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات ما لا مجال للإجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأامور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص، وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبراً له وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفاًَ للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي ﷺ أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة ولهذا وقع الإحتراز عن القسم الثاني، وإذا كان كذلك فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ فهو مرفوع سواء كان ما سمعه منه أو عنه بواسطة.

стр. 300

ومثال المرفوع من الفعل حكماً، أن يفعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد فيه، فينزل على أن ذلك عنده عن النبي ﷺ ... ) ، وهناك أنواع من المرفوع حكماً نذكرها وإن كانت محل اختلاف، إلا أن الراجح عند العلماء إلحاقه بالمرفوع، ومن هذه الأنواع: ١- قول الصحابي من السنة كذا: وينصرف المراد إلى سنة النبي ﷺ ؛ لأن الصحابي عدل عارف باللسان والشرع، والسنة في عرفهم تطلق على ما سنة الرسول ﷺ ، والدليل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: (إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف) ، وهكذا كان فعله ﷺ في حجة الوداع. ٢- قول الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا: وهذا اللفظ المطلق ينصرف في ظاهره إلى من له الأمر والنهي وهو النبي -

стр. 301

صلى الله عليه وسلم - وانصرافه إلى آمر غيره ﷺ احتمال مرجوح، يحتاج إلى دليل، ولا يتصور من الصحابة رضوان الله عليهم إطلاق مثل ذلك على غير النبي ﷺ كعادة من كان في طاعته أمير أو قائد فإنه إذا قال أمرت بكذا، فإن المتبادر أن الذي أمره قائده أو أميره، والصحابة صحاح العقول، فصاح الألسن، لا يشتبه مثل ذلك عليهم، فغن كان هناك قرينة تدل على الآمر غير النبي ﷺ فإنه ينصرف إليه ولا يكون مرفوعاً. ٣- قول الصحابي كنا نفعل كذا وكنا نقول كذا: وهو على قسمين: أ - ما كان مضاف إلى زمن النبي ﷺ كقوله كنا لا نرى بأساً بكذا في حياة الرسول ﷺ ، أو وهو فينا، أو فعلنا كذا وهو بين أظهرنا، أو كانوا يقولون أو يفعلون كذا وكذا في حياته ﷺ ... فهذا حكمه حكم المرفوع. ب - ما لم يكن مضافاً إلى زمنه أو حياته ﷺ ففيه خلاف في كونه آخذاً حكم المرفوع. وقد رجح الحافظ ابن حجر أنه في حكم المرفوع وكذا قال به

стр. 302

الحاكم، والرازي، والآمدي. ٤- أن يحكم الصحابي على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله ورسوله ﷺ أو معصية: فهذا له حكم الرفع؛ لأنه معرفة كون هذا الأمر طاعة أو معصية لا يتأتى من قبيل الاجتهاد. مثال ذلك قول عمار ﵁: (من صام اليوم يشك فيه فقد عصى أبا القاسم) .

стр. 303

فالظاهر من هذا ومثله أنه مما تلقاه عن النبي ﷺ . ٥- إذا قال الصحابي قولاً يخالف القياس: فحكمه حكم المرفوع على أحد قولي العلماء؛ لأن مخالفته للقياس يدل على أنه توقيف عن النبي ﷺ . وهو قول الحنفية وجمهور الحنابلة، وقد نص الإمام أحمد على حجيته في مواضع وهو قول الشافعي في القديم والجديد. وأمثلة ذلك ما أورده أبو الخطاب الحنبلي في التمهيد: قول عمر ﵁ فيمن فقأ عين نفسه على عاقلته دين العين. وقول ابن عباس ﵄: فيمن نذر ذبح ولده يذبح شاة.

стр. 304

الحالة الثانية: أن يقول الصحابي قولاً يمكن تعليله بعلة معقولة، وهو ما كان للرأي فيه مجال: وهو على نوعين: ١- النوع الأول: فتوى مستندة إلى نص صريح، أو ظاهر من الكتاب أو السنة، مثال ذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يرى الجد أباً، ويتأول هذه الآية: [واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق] ، فان ينزل الجد منزلة الأب في الميراث عند فقد الأب، وهذا أمر مدرك بالرأي. ٢- النوع الثاني: فتوى اجتهادية مستندة إلى حكم ثبت عن طريق القياس أو المصلحة أو سد الذرائع. ومثال ذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه أن عمر ﵁ كان

стр. 305

يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله جماعة، فقال له علي ﵁: (يا أمير المؤمنين أرأيت أن نفراً اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضواً وهذا عضواً أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، فقال: فكذلك) . فقد قاس القتل على السرقة بجامع أن كلاً منهما اعتداء على محرم شرعاً وهذا أمر مدرك بالرأي. وهناك أمثلة للمصلحة ولسد الذرائع كلها من باب المدرك بالعقل، وقول الصحابي، وفعله، وفتواه، ومذهبه، وقضاؤه، ينقسم من حيث انتشاره وشيوعه، ووقع الخلاف في بينهم إلى أقسام: القسم الأول: إذا شاع القول أو الفعل بين الصحابة، ولم ينقل

стр. 306

خلاف فيه بينهم فهذا إجماع سكوتي يشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار. القسم الثاني: إذا قال الصحابي قولاً في مسألة تعم بها البلوى، ولم ينقل فيها خلاف أحد من الصحابة فهو بمنزلة الإجماع السكوتي؛ لأن المسالة إذا كانت مما تعم بها البلوى تستلزم انتشار القول واشتهاره. القسم الثالث: إذغ صدر عن الصحابي قول أو فعل ولم ينتشر بين الصحابة ولم ينقل خلاف فيه بينهم، وهذا محل نزاع بين العلماء في حجيته على غير الصحابي، أما على الصحابي فقد حكى الآمدي الإجماع على كونه غير حجة عليه وسيأتي الحديث عن حجيته قول الصحابي والأدلة. القسم الرابع: إذا اختلف الصحابة في مسألة، فإنه يسلك سبيل الترجيح بين أقوالهم، وقد ذكر العلماء مسالك الترجيح بين أقوالهم بتفصيل ليس هذا مكانه. حجية قول الصحابي: تنوعت مذاهب العلماء في هذه المسألة وانقسمت إلى خمسة مذاهب مشهورة: المذهب الأول: قول الصحابي حجة يجب العمل به ... وقد نسب هذا القول إلى مالك والشافعي في القديم، وأحمد في رواية عنه، وعليه أكثر الأصوليين والفقهاء من الحنفية، وابن عقيل من الحنابلة، والعلائي والخطيب البغدادي من الشافعية. واختاره ابن القيم في إعلام الموقعين، والشاطبي في الموافقات وابن تيمية.

стр. 307

المذهب الثاني: أنه ليس بحجة مطلقاً: وقد نسب إلى الشافعي في الجديد - وليس بصحيح كما سنوضح - وأحمد في رواية، ومذهب جمهور الشافعية، منهم الغزالي والآمدي وبه قالت المعتزلة وهو مذهب ابن حزم. المذهب الثالث: أنه حجة إن كان مما لا مجال للرأي فيه فقط، وهو قول جماعة من الأحناف. المذهب الرابع: قول أبي بكر وعمر ﵄ حجة دون غيرهما. المذهب الخامس: قول الخلفاء الأربعة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ حجة دون غيرهم. والراجح والله أعلم هو القول الأول ... وأدلة الترجيح التي سوف أذكرها هنا بإيجاز ترد قول من قال أنه ليس بحجة مطلقاً، وقول من خصص الحجية بما لا مجال للرأي فيه وقول من خصص الحجية بقول الخلفاء الراشدين، أو بقول الشيخين وابن مسعود وغيرهم، من

стр. 308

الصحابة الذين وصفوا بالعلم والفتيا والقضاء. فأما التخصيص بما لا مجال للرأي فيه، فقد سبق معنا أنه في حكم المرفوع وهذه ميزة لهذا النوع من أقوال الصحابة، لا تقتضي نفي الحجية عن ما سواه، لاسيما وأن الأدلة من النقل والعقل تدل على عدم التخصيص. وكذلك التخصيص ببعض الصحابة الذين وردت الأحاديث بفضلهم وعلمهم وتميزهم، لا يقتضي إلغاء الحجية عن غيرهم، وأقصى ما يمكن قوله في هذا أن من وردت الأحاديث بتخصيصهم، فإن له مزية في زيادة العلم والفهم الذي يشاركهم فيه غيرهم، وأن قولهم عند الترجيح بين الأقوال مقدم على ما سواهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. أما الأدلة التي يستدل بها الذين يقولون بأن قول الصحابي حجة، يجب العمل به، فهي من الكتاب والسنة والأثر والنظر: فمن الكتاب: قوله تعالى: [والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان رضي لله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم] . روى الحافظ ابن جرير في تفسيره لهذه الآية بسنده، عن محمد بن كعب القرضي قال: (مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ [والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار] حتى بلغ [ورضوا عنه] ، قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ ، قال: أبي بن كعب، قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه،

стр. 309

فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا.. قال: نعم. قال: أنت سمعتها من رسول ﷺ ؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أظن أنا رفعنا رفعه لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبي: بلى تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة [وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم] . وفي سورة الحشر: [والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان] . وفي الأنفال: [والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم] . وسبب سؤال عمر أنه كان يقرأ هذه الآية برفع الأنصار، وبعدم إلحاق الواو في الذين كما أورد ذلك ابن جرير، ثم لما تبين له من أبي بن كعب الخفض وإلحاق الواو قال: لقد كنت أظن أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحمد بعدنا، يقصد المهاجرين وهذا القول منه ﵁ يؤيد ما ذهب إليه أصحاب القول الأول القائلين بحجية أقوال الصحابة من غير تخصيص لبعضهم، إذا اشترك الجميع في وصف الثناء عليهم بكونهم سبقوا في كل علم وفضل وجهاد وعمل، وهذه الآية احتج بها ابن القيم وجعلها من الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة) . وحكى احتجاج الإمام مالك بها في هذا المعنى.

стр. 310

وذكر أن الآية تتضمن مدح الصحابة والثناء عليهم، واستحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين يقتدى بهم، وتؤخذ أقوالهم وأنها اقتضت المدح لمن اتبعهم كلهم، أو اتبع كل واحد منهم ما لم يخالف نصاً. ومن الأدلة قوله تعالى: [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله] ، روى ابن جرير بسنده عند تفسيره لهذه الآية عن الضحاك قال: (هم أصحاب رسول الله ﷺ خاصة) . قال ابن جرير بعد إيراده لهذا الأثر مبيناً معناه: (يعني: وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم) . قال ابن القيم في استشهاده بهذه الآية على وجوب اتباع الصحابة واعتبار الحجية في أقوالهم: (شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم، ولم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف، ولا نهى فيها عن منكر، إذ الصواب معروف بلا شك، والخطأ منكر من بعض الوجوه إلى أن قال وإذا كان هذا باطلاً علم أن خطأ من يعلم منهم في العم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضي أن قوله حجة) .

стр. 311

واستشهد بالآية الشاطبي حين قرر أن: (سنة الصحابة ﵃ سنة يعمل عليها ويرجع إليها) ، فقال في الآية: (إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقتضي باستقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة) . وقد أفاض الإمام ابن قيم الجوزية في الاستدلال على حجية قول الصحابة بالآيات الكريمة ووجه استدلاله فأجاد وأفاد. أما الأدلة من السنة فهي كثيرة منها: قوله ﷺ : " خير الناس القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث "، فإخباره ﷺ بذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، ولا سيما في ظفرهم بالصواب. فهم (أفضل من غيرهم في كل فضيلة، من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم من الدين بالضرورة من دين الإسلام ... ) . ومن أدلة السنة ﷺ : " النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب

стр. 312

أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ". وتشبيه الصحابة بالنجوم يفيد وجوب الاهتداء بهم، نظير اهتدائهم بنبيهم محمد ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم، وجعل بقائهم بين الأمة أمنة لهم وحرزا من الشر وأسبابه. قال النووي في شرحه لقوله ﷺ : " أتى أمتي ما يوعدون "، معناه من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن ... ومن أدلة السنة قوله ﷺ : " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ بد أحدهم ولا نصيفه ". فإذا كان هذا قدرهم فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب، ويظفر به من بعدهم، لا سيما وهم خيرة خلق الله، كما جاء بذلك الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين ".

стр. 313

ومن الأدلة قوله ﷺ : " أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف - إلى أن قال ﷺ عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ... " الحديث. وهذا صريح فيما نحن بصدد الحديث عنه، إذ قرن النبي ﷺ بين الوصية بأصحابه وإخباره بفشو الكذب، ووقوع الفرقة التي هي سيماء أهل البدع، ثم يذكر الجماعة التي هي أبرز أوصاف الفرقة الناجية مم ايدل دلالة واضحة على أن الوصية بأصحابه، تعني الأخذ عنهم، والتلقي منهم، وهذه شهادة تزكية من الصادق ﷺ ومما يدل على هذا المعنى بصورة أكثر جلاءً حديث الرسول ﷺ : " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ... وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، ما أنا عليه وأصحابي ". وأصحابه ﷺ هم حواريوه الذين أخذوا سنته، ونصروا دينه واقتدوا بدينه، واتبعوا كل ما جاء به، ونقلوا الدين على من بعدهم، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما نبي بعثه الله إلا كان له في أمته حواريون

стр. 314

وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره "، وقد استشهد البيهقي بهذا الحديث على أفضليتهم ومنزلتهم العالية في كل علم وعمل وقصد كيف لا وقد شهد بذلك ﷺ فقال: " أكرموا أصحابي فإنهم خياركم ". أما الأدلة من الآثار فمنها: ما روى عن حذيفة بن اليمان ﵄ أنه قال: (يامعشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً) . وعنه ﵁ قال: (اتبعوا سبلنا، ولئن اتبعتمونا لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالاً بعيداً) . روى الخطيب بسنده عن عامر الشعبي أنه قال: (ما حدثوك عن

стр. 315

أصحاب محمد ﷺ فخذه..) . وروى ابن وضاح بسنده: (أن عبد الله بن مسعود مر برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا عشراً، وهللو عشراً، فقال عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب محمد ﷺ أو أضل بل هذه بل هذه يعني أضل) . ومما يدل على فضل أي واحد من الصحابة كثر لقاؤه للنبي ﷺ أو قل، ما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة الإصابة أنه قرأ في كتاب أخبار الخوارج لمحمد بن قدمة المروزي خبراً نقله بسنده، وقال فيه بعد نقله له: ورجال هذا الحديث ثقات، ونصه (عن نبيح العنزي، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا عنده وهو متكئ فذكرنا علياً ومعاوية، فتناول رجل معاوية فاستوى أبو سعيد الخدري جالساً ثم قال: كنا ننزل رفاقاً مع رسول الله ﷺ فكنا في رفقة أبو بكر، فنزلنا على أهل أبيات وفيهم امرأة حبلى، ومعنا رجل من أهل البادية، فقال: للمرأة الحامل: أيسرك أن تلدي غلاماً؟ ، قالت: نعم، قال: إن أعطيتني شاة ولدت غلاماً، فأعطته فسجع لها أسجاعاً، ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها وجلسنا نأكل منها، ومعنا أبو بكر، فلما علم بالقصة قام فتقيأ كل شيء أكل، قال: ثم رأيت ذلك البدوي أتى به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار، فقال: لهم عمر: لولا أنه له صحبه من رسول الله ﷺ ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه، ولكن له صحبه من رسول الله ﷺ ) .

стр. 316

ذكر ذلك ابن حجر في سياق ذكر عدالة الصحابة جميعاً والرد على من نفى ذلك، قال ابن حجر بعده: (وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شأن) . فإذا كان هذا فضل صحابي لعله لم ير رسول الله ﷺ إلا قليلاً، فكيف بفضل غيره، وهذا الفضل مستتبع للعدالة التي تقتضي كون أقوالهم وأفعالهم حجة؛ لأنهم كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب الناس، فاختار محمداً ﷺ فبعثه برسالته، وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار له أصحابه، فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفهمون معنى كون أقوالهم وأفعالهم التي لا تخالف نصاً سنة يقتدى بها، ودليل ذلك ما رواه عبد الرزاق بسنده (أن عمر أصابته جنابة وهو في سفر، فلما أصبح قال: أترون ندرك الماء قبل طلوع الشمس، قالوا: نعم، فأسرع السير حتى أدرك فاغتسل، وجعل يغسل ما رأى من الجنابة في ثوبه، فقال: عمرو بن العاص: لو لبست ثوباً غير هذا وصليت، فقال له عمر: إن وجدت ثوباً وجده كل إنسان؟ إني لو فعلت لكانت سنة، ولكني أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أره) .

стр. 317

من أسباب الوقوع في الابتداع ٢- الجهل بمقاصد الشريعة: فإن الدين قد كمل، ولم يمت رسول الله ﷺ إلا وقد وضح كل شيء ٍ بشهادة الله بذلك، حيث قال سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ً) ، فأما النوازل الحادثة والوقائع المتجددة، فإنها تنضوي تحت كليات الشرع وقواعده (فلم يبق للدين قاعدة يُحتاج إليها في الضروريات والحاجيات، أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان ... ) . والنوازل والجزئيات التي تستجد تدخل تحت هذه القواعد، وينظر في كل نازلة بمنظار الشرع، فإنه ولا بد أن يكون لها حكما ً بالقبول أو الرد، سواءً كان ذلك في مجال العبادات أو في المعاملات، ومن كليات هذا الدين وقواعده الأساسية التي تنظم كل الجزئيات الحادثة قوله ﷺ : ( ... وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ... ) . وهذه القاعدة الشرعية تصوغ لنا مقاصد شرعية أغفلها المبتدعة فضلوا وأضلوا، منها: ١- النظر إلى الشرع بعين الكمال لا بعين النقص: بحيث لا تخرج عنه البتة، ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله بشيءٍ يخترعه، فإن الزائد في الشريعة والمنقص منها

стр. 318

هو المبتدع المنحرف عن الجادة إلى بنياَّت الطريق. وعندما أغفل المبتدعة هذا المقصد الشرعي، استدركوا بأقوالهم وأفعالهم على الشرع الكريم فاتهموه - بواقع حالهم أو بمقالهم - بالنقص. ٢- الإيقان بأنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، وبين أحدها مع الآخر: بل الجميع جار ٍ في مسار ٍ واحد، ومنتظم في نظام واحد. ولما ترك المبتدعة هذا اليقين في النظر إلى الشريعة، تخبطوا واختلفوا فأعرضوا عن بعض الشرع، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض. ومثال ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه معلقا ً عن المنهال عن سعيد، قال: قال رجل ٌ: (إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي، فقال: (فلا أنساب بينهم يومئذ ٍ ولا يتساءلون) (وأقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون) (ولا يكتمون الله حديثا ً) (ربنا ما كنا مشركين) فقد كتموا هذه الآية، وقال: (أم السماء بناها) إلى قوله (دحاها) ، فذكر

стр. 319

خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) إلى (طائعين) ، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء، وقال تعالى: (وكان الله غفورا ً رحيما ً) (عزيزا ً) (حكيما ً) (سميعاً) (بصيرا ً) ، فكأنه كان ثم مضى، فقال: (لا أنساب بينهم) في النفخة الأولى (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) . فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الأخرى أقبل بعضهم على بعض ٍ يتساءلون. وأما قوله (ما كنا مشركين) (ولا يكتمون الله) ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا ً، وعنده (يود الذين كفروا) الآية. وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسوان في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: (دحاها) ، وقوله: (خلق الأرض في يومين) فجعلت الأرض وما فيها من شيء ٍ في

стр. 320

أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين. (وكان الله غفورا ً) سمى نفسه بذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئا ً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلفنَّ عليك القرآن، فإن كلا ً من عند الله) . ٣- الإيقان بأن لا تعارض بين العقل الصريح والنص الصحيح مطلقا ً: فلما تخلف هذا الإيقان عند بعض المبتدعة، وضعوا ما أسموه بالقانون الكلي للتوفيق بين العلق والنقل أو قانون التأويل. فقالوا: إذا ما تعارضا فإما أن يجمع بينهما وهذا محال؛ لأنه جمعٌ بين النقيضين، وإما أن يردا جميعا ً، وإما أن يقدم السمع وهو محال؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح ٌ فيه، فيجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول وإما أن يفوض وقد بنى أصحاب هذا القانون بدعاً كلامية، قادت إلى بدع ٍ في العمل والاعتقاد، مع أن القاعدة الصحيحة في هذا والتي هي من مقاصد الشريعة الإسلامية: أن العقل والنقل إذا كانا قطعيين، فلا يجوز تعارضهما؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله. فإن كان أحد المدلولين المتعارضين قطعيا ً دون الآخر، فإنه يجب تقديم القطعي على الظني، سواءً كان هو السمعي أو العقلي وأما إن كانا جميعاً ظنيين فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما، فأيهما ترجَّحَ كان هو المقدم سواء ً كان سمعيا ً أو عقليا ً وهذا هو قانون درء تعارض العقل والنقل.
следующие страницы →