← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ذكر ذلك ابن حجر في سياق ذكر عدالة الصحابة جميعاً والرد على من نفى ذلك، قال ابن حجر بعده: (وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شأن) . فإذا كان هذا فضل صحابي لعله لم ير رسول الله ﷺ إلا قليلاً، فكيف بفضل غيره، وهذا الفضل مستتبع للعدالة التي تقتضي كون أقوالهم وأفعالهم حجة؛ لأنهم كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب الناس، فاختار محمداً ﷺ فبعثه برسالته، وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار له أصحابه، فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفهمون معنى كون أقوالهم وأفعالهم التي لا تخالف نصاً سنة يقتدى بها، ودليل ذلك ما رواه عبد الرزاق بسنده (أن عمر أصابته جنابة وهو في سفر، فلما أصبح قال: أترون ندرك الماء قبل طلوع الشمس، قالوا: نعم، فأسرع السير حتى أدرك فاغتسل، وجعل يغسل ما رأى من الجنابة في ثوبه، فقال: عمرو بن العاص: لو لبست ثوباً غير هذا وصليت، فقال له عمر: إن وجدت ثوباً وجده كل إنسان؟ إني لو فعلت لكانت سنة، ولكني أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أره) .

стр. 317

من أسباب الوقوع في الابتداع ٢- الجهل بمقاصد الشريعة: فإن الدين قد كمل، ولم يمت رسول الله ﷺ إلا وقد وضح كل شيء ٍ بشهادة الله بذلك، حيث قال سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ً) ، فأما النوازل الحادثة والوقائع المتجددة، فإنها تنضوي تحت كليات الشرع وقواعده (فلم يبق للدين قاعدة يُحتاج إليها في الضروريات والحاجيات، أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان ... ) . والنوازل والجزئيات التي تستجد تدخل تحت هذه القواعد، وينظر في كل نازلة بمنظار الشرع، فإنه ولا بد أن يكون لها حكما ً بالقبول أو الرد، سواءً كان ذلك في مجال العبادات أو في المعاملات، ومن كليات هذا الدين وقواعده الأساسية التي تنظم كل الجزئيات الحادثة قوله ﷺ : ( ... وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ... ) . وهذه القاعدة الشرعية تصوغ لنا مقاصد شرعية أغفلها المبتدعة فضلوا وأضلوا، منها: ١- النظر إلى الشرع بعين الكمال لا بعين النقص: بحيث لا تخرج عنه البتة، ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله بشيءٍ يخترعه، فإن الزائد في الشريعة والمنقص منها

стр. 318

هو المبتدع المنحرف عن الجادة إلى بنياَّت الطريق. وعندما أغفل المبتدعة هذا المقصد الشرعي، استدركوا بأقوالهم وأفعالهم على الشرع الكريم فاتهموه - بواقع حالهم أو بمقالهم - بالنقص. ٢- الإيقان بأنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، وبين أحدها مع الآخر: بل الجميع جار ٍ في مسار ٍ واحد، ومنتظم في نظام واحد. ولما ترك المبتدعة هذا اليقين في النظر إلى الشريعة، تخبطوا واختلفوا فأعرضوا عن بعض الشرع، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض. ومثال ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه معلقا ً عن المنهال عن سعيد، قال: قال رجل ٌ: (إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي، فقال: (فلا أنساب بينهم يومئذ ٍ ولا يتساءلون) (وأقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون) (ولا يكتمون الله حديثا ً) (ربنا ما كنا مشركين) فقد كتموا هذه الآية، وقال: (أم السماء بناها) إلى قوله (دحاها) ، فذكر

стр. 319

خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) إلى (طائعين) ، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء، وقال تعالى: (وكان الله غفورا ً رحيما ً) (عزيزا ً) (حكيما ً) (سميعاً) (بصيرا ً) ، فكأنه كان ثم مضى، فقال: (لا أنساب بينهم) في النفخة الأولى (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) . فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الأخرى أقبل بعضهم على بعض ٍ يتساءلون. وأما قوله (ما كنا مشركين) (ولا يكتمون الله) ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا ً، وعنده (يود الذين كفروا) الآية. وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسوان في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: (دحاها) ، وقوله: (خلق الأرض في يومين) فجعلت الأرض وما فيها من شيء ٍ في

стр. 320

أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين. (وكان الله غفورا ً) سمى نفسه بذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئا ً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلفنَّ عليك القرآن، فإن كلا ً من عند الله) . ٣- الإيقان بأن لا تعارض بين العقل الصريح والنص الصحيح مطلقا ً: فلما تخلف هذا الإيقان عند بعض المبتدعة، وضعوا ما أسموه بالقانون الكلي للتوفيق بين العلق والنقل أو قانون التأويل. فقالوا: إذا ما تعارضا فإما أن يجمع بينهما وهذا محال؛ لأنه جمعٌ بين النقيضين، وإما أن يردا جميعا ً، وإما أن يقدم السمع وهو محال؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح ٌ فيه، فيجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول وإما أن يفوض وقد بنى أصحاب هذا القانون بدعاً كلامية، قادت إلى بدع ٍ في العمل والاعتقاد، مع أن القاعدة الصحيحة في هذا والتي هي من مقاصد الشريعة الإسلامية: أن العقل والنقل إذا كانا قطعيين، فلا يجوز تعارضهما؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله. فإن كان أحد المدلولين المتعارضين قطعيا ً دون الآخر، فإنه يجب تقديم القطعي على الظني، سواءً كان هو السمعي أو العقلي وأما إن كانا جميعاً ظنيين فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما، فأيهما ترجَّحَ كان هو المقدم سواء ً كان سمعيا ً أو عقليا ً وهذا هو قانون درء تعارض العقل والنقل.

стр. 321

فمن لم يفقه مقاصد الشريعة الإسلامية، فهمها على غير وجهها أو حرفها عن مقصدها أو عطل بعضها، أو تقدم عليها بالإحداث والابتداع. ومن أجل ذلك فرق - سبحانه - بين الذين يتبعون المتشابه والذين رسخوا في العلم، وجاء وصف النبي ﷺ للخوارج بأنهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وفي هذا إشارة إلى قلة العلم بالدين، وندرة الفقه فيه عند هؤلاء فمقامهم مقام ترديد الآيات بالحناجر، لا مقام التدبر والتأمل والفهم الذي هو مقام الراسخين في العلم، والعارفين بمقاصد الشرع المحافظين عليها. ومن أسباب الوقوع في الابتداع: ٣- عدم التسليم للنصوص الشرعية والانقياد لها: والمتأمل في حال أهل البدع يجد أن هذا الوصف من أخص نعوتهم؛ ولذلك سماهم عمر بن الخطاب (أعداء السنن) ، وصحت فيهم أوصاف أهل السنة لهم بأنهم: أهل الأهواء وأهل الكلام، وأهل القياس الفاسد، وأهل الابتداع، وأصحاب الرأي المذموم ... وغير ذلك من الأوصاف التي تدل أول ما تدل على ترك هؤلاء للنصوص الشرعية وعدم الاعتماد عليها، وعدم الاعتصام بها، ويظهر ذلك من خلال هذه الملامح: أ. رد الأحاديث التي لا توافق بدعهم بالقدح في الرواة الثقات العدول، أو بنفي حجية خبر الآحاد، أو بتحريف الأدلة عن مواضعها وصرفها عن ظواهرها بتأويلات فاسدة، أو الاحتجاج بأن النصوص تفيد الظن وقواعدهم قطعية. ب. إتباع المتشابه من الأدلة وذلك بحمل النصوص المحكمة على المتشابهة، أو جعل المحكم من الأدلة متشابها ً، كما فعلت الجهمية في الصفات، أو جعل

стр. 322

ما ابتدعوه هو المحكم وما جاءت به الأنبياء هو المتشابه. جـ. معارضة النصوص الشرعية بالأهواء فالصوفي بالكشف والذوق، والمتكلم بالرأي والمنطق والنظر والقياس الفاسد.. أو بما يسمونه قواعد قطعية ذوقية كانت أو عقلية . د. الاستدلال ببعض النصوص دون النظر في غيرها فنافي الصفات مثلاً يستدل بنصوص نفي التماثل بين الله سبحانه وخلقه، ويترك نصوص الإثبات، والخارجي يستدل بنصوص الوعيد وحدها، والمرجئ بنصوص الوعد وحدها، والشيعي بالنصوص الواردة في فضل علي ﵁ وحدها وهكذا ... . هـ الاعتماد على الحكايات والرؤى والقياسات والأحاديث الواهية والضعيفة مما يؤدي إلى ترك النصوص الصحيحة، والالتفات عنها إلى هذه الأغلوطات. وأمثلة هذا كثير ٌ عند الذين ضلوا في أبواب القصد والإرادة كالمتصوفة. ومن أسباب الوقوع في الابتداع: ٤- إحداث قواعد ونظريات عقلية أو ذوقية أو سياسية يسير عليها المبتدع وينقاد لها: وهذا واضح في مسالك المتكلمة والمتفلسفة، إذ سموا ما وضعوه عقليات، وقطعيات وبراهين ...

стр. 323

وأطلقوا على أنفسهم أهل التحقيق والنظر والاستدلال والإيقان. وظاهر ٌ أيضا ً في مسالك المتصوفة والمتنسكة إذ سموا ما ابتدعوه: حقيقة ويقينا ً وسموا أنفسهم أهل الحقيقة وغيرهم أهل الشريعة، وفي مسالك المتملكة والمتأمرة إذ سموا طريقتهم بالسياسة الحسنة البديعة، ولو كانت في مخالفة الشريعة، ولهذا فإنك تجد أصناف المبتدعة يبتعدون عن الشرع، ويعتمدون على قواعدهم وأصولهم الضالة تاركين كتاب الله وسنة رسوله خلفهم ظهريا ً، وإن اعتمدوا على شيء ٍ منها فإنما هو للاستئناس ولتعضيد ما أصلوه. مع أن كل دليل ٍ عقليٍ يحتج به المبتدع فيه دليلٌ على بطلان قوله. ومن الأسباب: ٥- اتباع العوائد والمشايخ: ويظهر هذا في بدع التشيع والتصوف بصورة جلية، مع أنه لا تكاد طائفة من طوائف المبتدعة تخلو من ذلك ... فعند الشيعة الإمامية: اعتقاد العصمة في أئمتهم، وكذلك عند الإسماعيلية وسائر فرق الباطنية.

стр. 324

وعند الصوفية اعتقاد الولاية لفلان، وأنه أعظم من الأنبياء أو مساوٍ لهم إلا أنه لا يوحى إليه، ولا يحق للمريد أن يعترض أو يرفض أمر الشيخ، فإن ذلك نقص ٌ في الاتباع حتى قالوا: ليكن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل، وحتى عند أصحاب البدع الكلامية الذين يزعمون أن طريقتهم في الاعتقاد برهانية يقينية، يجعلون كلام أساتذتهم وقواعدهم الفلسفية من المسلمات التي لا يصح الاعتراض عليها، فضلاً عن نقضها، ولهذا فإنك تجد المتعزلي يقرر قاعدة بدعية ويستدل عليها بقوله - مثلا ً - وقد تقرر برهان هذه القاعدة في مسألة الحسن والقبح، وكذلك يفعل الأشعري، وعندما تعود إلى قاعدتهم تجدها من بدع مشايخهم أهل الكلام ... وأما اتباع العوائد فيظهر مثالها في الأيام المخصصة بنوع ٍ من العبادات المبتدعة، فيحتج المبتدع بأن هذا الفعل اعتاده الناس منذ كذا وكذا، وجرى العمل به في الأقطار، وتلقاه الناس جيلا ً فجيلا ً، وأمثال ذلك من الحجج الواهية. ومن أسباب الابتداع: ٦- سوء الفهم للقرآن والسنة: وعدم معرفة أقوال السلف: أما سوء الفهم للقرآن فقد مرَّ قول جابر الجعفي - أحد أئمة الشيعة الإمامية - في قوله تعالى: ((فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي)) ، ومثل ذلك فهم بعض الصوفية لقوله تعالى: ((وعلمناه من لدنا علما ً)) ، وأن المراد به العلم اللدني الذي يؤتاه الولي، فيكون بمثابة الوحي المعصوم وبنوا على ذلك أن الولي أفضل من النبي أو في منزلة مساوية له. ومثال ذلك استدلال الخارجي على أن أهل الكبائر في النار يوم القيامة بقوله تعالى: ((فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه

стр. 325

فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون)) ، فقال: المراد في الآية أن من خفت موازينه فهو كافر، والمعلوم أن موازين أهل الكبائر قد خفت فيجب أن يكونوا كفرة. ومثل ذلك استدلاله بقوله تعالى: ((وهل نجازي إلا الكفور)) ، فقال الخارجي: لا شك بأن صاحب الكبيرة مجازى، فيجب أن يكون من الكفرة، فهذا هو حال المبتدعة مع نصوص الكتاب الكريم، أخْذُ بعضها وترك بعضها مع الفهم السقيم للآيات التي يستدلون بها، مع أنه من المقرر عند أهل السنة والحمد لله (أن كل آية ٍ يستدل بها مبتدع فيها دليلٌ على فساد قوله) . أما السنة فإن المبتدعة على قلة اعتمادهم على الصحيح منها، وكثرة أخذهم بالواهي والضعيف، فإنهم كثيرا ً ما يفهمون الأحاديث الثابتة على يغر وجهها، ويدفعون مقاصدها بالتحريفات والتأويلات الفاسدة، وقد مضى أمثلة هذا، ونوعه كثير جدا ً في كتب المبتدعة. أما عدم معرفتهم لكلام السلف فكما قال شيخ الإسلام في سياق كلامه عن تنازع المبتدعين في كلام الله : ( ... عامة هؤلاء المختلفين في الكتاب لم يعرفوا القول السديد قول السلف، بل ولا سمعوه ولا وجدوه في كتاب ٍ من الكتب التي يتداولونها؛ لأنهم لا يتداولون الآثار السلفية، ولا معاني الكتاب والسنة إلا بتحريف بعض المحرفين لها، ولهذا إنما يذكر أحدهم أقوالا ً مبتدعة: إما قولين أو ثلاثة، وإما أربعة وإما خمسة، والقول الذي كان عليه السلف ودل عليه الكتاب والسنة لا يذكره؛ لأنه لا يعرفه ... ) .

стр. 326

فترك المبتدعة لكلام السلف وجهلهم به، وإعراضهم عن فهم السلف لنصوص الكتاب والسنة، أحد الأسباب الكبيرة لوقوعهم في الابتداع. ومن أسباب الابتداع: ٧- حكاية إجماعات لم تقع، وجعلها أصولا ً يعتمد عليها، وعدم قبول الحق إلا من طائفتهم: أما حكاية الإجماعات فمثل حكاية الرازي أن المعتبرين أجمعوا على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه. مع أن المنقول عن الأنبياء والصحابة والتابعين مناقض لهذه الدعوى. ومثل ذلك ما نقله أبو المعالي الجويني من اتفاق المسلمين على أن الأجسام تتناهى في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفرادا ً، فكل جزء لا يتجزأ وليس له طرف واحد ومقصده بذلك نفي الصفات عن الله سبحانه؛ لأن الصفات - في زعمه - لا تكون إلا في جسم مبعض، مع أن قوله هذا لم يقله سوى طائفة من أهل الكلام، ولم يقله بقيتهم، ولم يقله أحد من السلف مطلقا ً.

стр. 327

ومثل ذلك قول النبهاني: إن جمهور الأمة على تنزيه الله سبحانه عن جميع الجهات وجميع الأمكنة والأزمنة والعلويات والنقليات.. أما عدم قبول الحق إلا من طائفتهم، فهذا من ديدن أصحاب الابتداع ولأجل ذلك تراهم يعتمدون على أقوال أصحابهم ومشايخهم، أكثر من اعتمادهم على النصوص الشرعية، ويزعمون فوق ذلك أنهم أصحاب الحق وحدهم، وأن من عداهم فهم أصحاب الضلال، ويدعون أنهم هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية دون من سواهم، وأنهم هم أهل السنة والجماعة، وأن غيرهم أهل البدعة. وعدم قبول الحق إلا من الطائفة التي يهواها الإنسان ويحبها وينتمي إليها، سبب للابتداع وترك الاتباع، وسبب للضلال ورد الحق، وقد وصف الله اليهود بهذا الوصف، ولعنهم لأجل تلبسهم به، فقال سبحانه: ((ولما جاءهم كتاب ٌ من عند الله مصدق ٌ لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)) .

стр. 328

قال شيخ الإسلام بعد ذكره لهذه الآية: (فوصف اليهود: أهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به والدعي إليه، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة لم يهوونها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها إلى أن قال - وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم، أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين غير النبي ﷺ ، فإنهم لا يقبلون من الدين رأيا ً ورواية ً إلا ما جاءت به طائفتهم ... ) . فهذا هو حال أهل الابتداع، وهذه أظهر الأسباب التي حملتهم على الوقوع في البدع، ولا يخلو مبتدع من سبب من هذه الأسباب إن لم تكن كلها أو معظمها فيه، فهو يتبع دينا ً مبدلا ً أو منسوخا ً. بعض تعريفات البدعة وإليك الآن بعض التعريفات التي تلائم هذا السياق السالف، مع ملاحظة أن مدار التعريفات الخاطئة للبدعة - حسب اطلاعي - على أن في البدع ما هو حسن مقبول عند الله مثاب عليه. فإثبات الحسن لبعض المحدثات تصريحا ً أو تلميحا ً، مما تجمع عليه التعريفات أو المفاهيم الخاطئة للبدعة: ١- تعريف عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى -: قال في قواعد الأحكام: (البدعة: فعل ما لم يُعهد في عصر رسول الله ﷺ وهي

стр. 329

منقسمة إلى بدعة واجبة , وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة. والطريق إلى معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة ... ) . ثم ذكر بعد ذلك أمثلة لما ذكر. وقد جعلت هذا التعريف أولا ً لكونه مُعْتَمدُ كثير ٍ ممن جاء بعده فقد نقله النووي ﵀ مستشهدا ً به، وفعل مثله الزركشي في المنثور، وذكره ابن حجر الهيتمي مستدلا ً به على أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، وألمح إليه السخاوي في فتح المغيث وبسط القول في ذلك القرافي

стр. 330

المالكي على منوال شيخه العز بن عبد السلام، ونسج على منوال القرافي صاحب تهذيب الفروق ببسط ٍ أكثر، وحكى أسماء مجموعة من الذين ساروا على تقسيم العز. وقد ذكر هذا التقسيم باختصار محمد بن جُزي المالكي ونقل تعريف العز وتقسيمه السيوطي في الحاوي ناصرا ً له، وفي الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع دون إشارة إلى أنه من كلام العز. وأما المؤلفين في العصر الحديث فمنهم الشيخ عثمان بن فودي في إحياء السنة وإخماد البدعة، ومحمد علوي مالكي حيث أشار إلى تعريف العز وتقسيمه، مستدلا ً به ومعتمدا ً عليه في ترويج بِِدَعِه ِ. وابن خليفه عليوي إذ نقل كلام العز بمعناه مؤيدا ً له، واستشهد بتعريف العز وتقسيمه يوسف السيد هاشم الرفاعي ونقل في كتابه كلام عبد الله بن محمد الصديق الغماري، وفيه استدلاله على أن البدع منقسمة إلى

стр. 331

حسن وقبيح بكلام العز بن عبد السلام، ورده على الشاطبي - بأسلوب متهكم - في اعتراضه على تقسيمات العز للبدعة. وقد نقل السيد محمد صديق حسن خان في الدين الخالص عن جماعة من علماء الهند، سلكوا مسلك التقسيم هذا، وردَّ عليهم بما يشفي ونقل عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي. فتعريف عز الدين بن عبد السلام ﵀ وتقسيمه للبدع عمدة الذين يرون أن في البدع ما هو حسن مقبول، ولذلك فإنه يمكن أن يلاحظ أن غالبية الذين يعتمدون على هذا التعريف هم من أهل البدع. مع أن كلام هذا الإمام ليس بدليل، ولكنه محتاج إلى دليل ككلام غيره من العلماء، وهو مع ذلك يمكن أن يوجه إلى غير ما قصده أهل الابتداع، كما سيأتي بيانه بحول الله في الفصل الخاص بالبدعة، وتعلقها بالحسن والقبح والمصالح المرسلة، وعند الكلام عن شبه المحسَّنة للبدعة. ٢- تعريف الزركشي ﵀ -: في كتابه المنثور في القواعد، بعد أن عرف البدعة في اللغة قال: (فأما في الشرع فموضوعة للحادث المذموم، وإذا أريد الممدوح قيدت، ويكون ذلك مجازا َ شرعيا ً حقيقة ً لغوية ... ) .

стр. 332

وهذا التعريف سائر على نفس النمط السابق فقوله: (موضوعة للحادث المذموم) يشعر أن من الحوادث ما هو ممدوح، كما دل على ذلك كلامه اللاحق.. وهذا القول مخالف للدليل الشرعي الكلي، وهو قوله ﷺ : ((وكل بدعة ضلالة)) . ومخالف لطريقة السلف الذين كانوا يعدون كل أمر ٍ محدث ٍ يتقرب به إلى الله بدعة ً مردودة ً قبيحة ً مذمومة ً. وقوله: (إذا أريد الممدوح قيدت ... ) ، يريد به جواز إطلاق مصطلح البدعة الحسنة على بعض المحدثات المحمودة. وهذا كما سبق مخالف للنصوص الشرعية ولأقوال السلف، أضف إلى ذلك أن كل مبتدع يرى أن بدعته محمودة سواء ً في ذلك المتكلم أوصاحب الذوق والكشف أو غيرهم من المبتدعة، فلا يبقى حينئذٍ شيءٌ يمكن أن يطلق عليه بدعة مذمومة؛ لأن كل فرقة وطائفة ترى ما هي عليه محمودٌ وحسن ٌ، ونافع ٌ وصالح ٌ فلا يمكن على معنى تحسين الممدوح من البدع أن ينضبط معنى الاتباع والابتداع، ولا مصطلح السنة والبدعة، بل تبقى المسائل نسبية فلا يظهر حق يجب اتباعه ولا باطل يلزم اجتنابه. وتعريف الزركشي هذا يدخل تحت التوجيه الذي سيذكر عند مناقشة كلام العز، في الفصل الخامس من الباب الثاني. ومثل تعريف الزركشي وتقسيمه تعريف. ٣- ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث، إذ قال بعد أن ذكر كلام

стр. 333

عمر ﵁: (نعمت البدعة هذه) . (البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه ورسوله فهو في حيز المدح ... ) . ثم ذكر أمثلة الممدوح من البدع، فأما التسقيم إلى هدى وضلال فقد سبق الإلماح إلى خطئه وسيأتي - بعون الله - تفصيل ذلك. إلا أن قوله ﵀ في بدعة الضلال إنها ما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ غير ضابط للبدعة حتى على تقسيمه هو؛ لأن البدع المحدثة أيا ً كانت فهي في حقيقتها على خلاف ما أمر الله به ورسوله، وهذا منطبق على كل بدعة صغيرة أو كبيرة، فلا معنى للتقسيم، هذا من جانب، ومن جانب آخر ليست كل مخالفة لأمر الشارع تعتبر بدعة، بل قد تقع المخالفة وتكون معصية وليست بدعة. وقد يلمح من قوله في تعريف البدعة: (بدعة الضلال) ، أن المقصود به ما جاء الأمر الشرعي بتركها على الخصوص، وهذا المفهوم خاطئ، فليست البدع في ما نهى عنها الشارع بخصوصها فقط، وإلا لانحصر المنكر فيما ورد الشرع بالنهي عنه بصفة خاصة، وهذا تعطيل للنصوص وإسقاط لدلالاتها بالكلية. ٤- تعريف الجرجاني في كتاب التعريفات: قال: (البدعة هي الفِعلة المخالفة للسنة، سميت البدعة لأن قائلها ابتدعها من غير مقال إمام) .

стр. 334

وعلى هذا التعريف مآخذ: أ. قوله (المخالفة للسنة) يشمل البدعة والمعصية، فكلتاهما مخالفة للسنة، وعليه فالتعريف غير منضبط. ب. قوله (لأن قائلها ابتدعها) وهذا قد يفهم منه حصر البدع في جانب القول فقط، وهذا غير صحيح فالبدع تكون بالقول والعمل والاعتقاد، فعلا ً أو تركا ً. ج. قوله (من غير مقال إمام) وهذا من أكبر متعلقات المبتدعة في تسويغ بدعهم إذ يقولون: الإمام الفلاني قال كذا، والعالم الفلاني فعل كذا، مستدلين بذلك على جواز الفعل المحدث. وقد سبق الكلام عن اتباع العوائد والمشايخ وأنه من أسباب الابتداع في دين الله، ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)) الآية، وهذا القيد الذي جعله الجرجاني للبدعة لا يبقي للبدعة معنى ً، إذ كل مبتدع له إمام يتبعه ويقتدي به، ويسلك مسلكه، ويحتج بقوله أو فعله ... والأصل الذي تقرره الأدلة وسار عليه السلف الصالح أنه ما من إمام ٍ ولا عالم ٍ ولا ذي فضل ٍ يستقل قوله أو فعله دليلا ً، بل هو في حاجة ٍ إلى الدليل، فإن وافق الدليل أخذ به، وإن خاله رد على صاحبه كائنا ً من كان ... وللإنصاف لا بد من ذكر تعريف آخر جعله الجرجاني، بعد التعريف السابق وهو قوله: (البدعة هي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي) . وهذا تعريف مقارب، غير أنه ليس بجامع ولا مانع، إذ لا يوجد فيه شرط قصد القربة، ويمكن أن يدخل فيه كل محدث، وإن كان من الأمور العادية التي لا ابتداع فيها.

стр. 335

٥- قول الغزالي في الإحياء: (فليس كل ما أبدع منهيا ً عنه، بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة، أو ترفع أمرا ً من الشرع مع بقاء علته ... ) . قوله: (فليس كل ما أبدع منهيا ً عنه) يحتمل البدع الشرعية والبدع الدنيوية، فأما الشرعية فمنهي ٌ عنها كلها بلا استثناء، وأما الدنيوية فالأصل فيها الإباحة ويدخلها الابتداع بالشروط السابقة في الفصل السابق، ومقصد كلام الغزالي كما يظهر من سياق الكلام وسياقه: البدع الدنيوية؛ لأنه كان يرد على من قال بأن الموائد والمناخل والشبع من البدع. وقوله: (بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة، أو ترفع أمرا ً من الشرع مع بقاء علته) عليه مآخذ: أ. المضاد للسنة والرافع لأمر من الشرع مع بقاء علته يصح أن يكون معصية، كما يصح أن يكون بدعة. ب. اعتبار البدعة المنهي هي المضادة للسنة أو الرافعة للحكم الشرعي الثابت، اعتبار يتعلق به أكثر أهل البدع، وخصوصاً في البدع الإضافية. نعم لا توجد بدعة إلا ويرفع مثلها في السنة، ولكن ذلك على وجه العموم، فقد توجد بدع لا يقابلها سنة أصلا ً، وهذا هو الفهم الصحيح للأثر: ((ما من أمة ٍ تحدث في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة)) . فرفع السنة لا يشترط فيه أن تكون في مقابل البدعة على التخصيص، بل إذا قابل البدعة سنة رفعت إحداهما بالأخرى، ولكن يحدث بدع لا يقابلها على وجه الخصوص سنن.

стр. 336

فهل يقال بأن هذا الأمر المحدث ليس ببدعة، لكونه لم يرفع سنة ثابتة، ولم يلغ حكما ً شرعيا ً باقي العلة؟ .. إن البدعة منهي ٌ عنها سواء ً كانت في مقابل سنة أو لم تكن وسواء ٌ رفعت أمرا ً من الشرع أو لم ترفع. فهذا الاشتراط في وصف البدعة منقوض بعموم النصوص الناهية عن البدع، والآثار السلفية الذامة لها، فلم يكن السلف ﵏ في نهيم عن البدع ينظرون إلى الأمر المبتدع بهذا المقياس، بل كانوا ينهون عن كل بدعة.. قابلت سنة ورفعت حكما ً أم لا. وهذا الاشتراط عمدة من استحسن بعض البدع، وأضرب لذلك مثالاً واحدا ً: وهو احتجاج بعض المؤلفين بهذا الاشتراط الذي وضعه الغزالي، على جواز بدعة المولد النبوي، وجواز التزام عبادة معينة في وقت ٍ معينٍ لم يأمر بها الشرع. فقال في معرض رده على الشاطبي حينما شبه اتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ بعمل أهل الجاهلية لكونه عيداً لم يشرعه الله ( ... إن تشبيهه من اتخذ يوم ولادة النبي ﷺ عيداً أو من التزم عبادة ً معينة ً في وقت ٍ معين ٍ بمن فعل من الجاهليين ما فعل في دين إبراهيم من البدع غير مقبول، فالجاهليون الذين ضُرب بهم المثل خالفوا الأصل، وغيروا الحكم، وأبطلوا ما أمر الله به، واستدلوا به ما شاء لهم الهوى، ثم تأولوا ذلك وعللوا له، أما من حدد لنفسه كيفية خاصة للذكر أو هيئة معينة له، أو نحو ذلك، فلم يبطل شرعاً أو يسقط حكما ً أو يبدل آية، وصلاته هي الصلاة المعهودة، وذكره هو الذكر الوارد، وما دام لم يلزم الناس بما ألزم نفسه، ولم يفرضه عليهم كتشريع محتوم قصد به مشابهة الشارع فيما شرع فلا ينبغي تشبيهه بالجاهليين في تغييرهم شريعة إبراهيم ﵇ . على هذا الكلام كثير من المآخذ بيد أن الذي يهمنا هنا هو قوله: (فلم يبطل شرعاً أو يسقط حكما ً أو يبدل آية) ، وهو شبيه بكلام الغزالي آنف

стр. 337

الذكر ... إلا أن المؤلف زاد مقصده وضوحاً، حين تحدث عن البدعة بمفهومها الشرعي، فقال: (وقيدها بعضهم بما حدث بعد الرسول صلى الله عليه وسيلم وخالف سنته وهو ما اخترناه وأقمنا الدليل عليه) . فاشتراطه وصف المخالفة للسنة في قوله: (يبطل شرعا ً أو يسقط حكما ً) هو مثل قول الغزالي: (بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة، أو ترفع أمرا ً من الشرع) ، وقد أخذ هذا المعنى تلميذه ابن العربي المالكي، فقال: (وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة) . وهذه الأوصاف وإن كانت تصح على البدع في عمومها، ولكنها لا تصلح أن تكون شروطا ً لاعتبار الأمر بدعة، لأن القاعدة الكلية في ذلك هي قوله ﷺ : ((كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) ، فلا معنى لهذا الاشتراط سوى حصر البدع في هذه الأوصاف، وقد علم أن البدع كثيرة متنوعة، وليست كل واحدة منها في مقابل سنة أو رافعة لحكم شرعي، وعلى هذا نقول: إن كل بدعة أحدثت في هذا الدين فهي ضلالة، سواء ً كانت معطلة لحكم شرعي أو سنة نبوية أم غير معطلة، فإنها كلها منهي عنها، ومذموم، ومع اختلاف درجات الذم، وهذه هي الأوصاف القائلة بأن البدعة هي المضادة لسنة ثابتة أو الرافعة لأمر من الشرع مع بقاء علته، أو المبطلة لحكم شرعي، أو المصادمة لنص شرعي في مقابلها أو المخالفة لهدي نبوي يقابلها، أو أن البدعة هي ما نهي عنها بخصوصها، كل هذه الأوصاف لا تصلح أن تكون حدا ً حقيقيا ً لمعنى البدعة، وإن كان بعض

стр. 338

هذه الأوصاف ينطبق على المحدثات في وصف من هذه الأوصاف مخالف للنصوص الشرعية ولطريقة السلف الصالح، ويكفي لكي توقن ببذلك أن ترى كيف كان السلف ينكرون كل محدثة في دين الله بالزيادة أو النقصان بالفعل أو الترك من غير اعتبار لوجود هذه الأوصاف المذكورة آنفاً، ثم إذا تأملت هذه الأوصاف وجدت أنها تتضمن في حالة حصر البدعة في وصف ٍ واحد ٍ منها تعطيلاً واضحاً لقوله ﷺ : ((كل بدعة ضلالة)) وإسقاطاً بينا ً لمراده ﵊؛ لأن كل وصف من هذه الأوصاف معلوم حكمه على وجه الخصوص.. فمثلا ً العمل المصادم للنص، معلوم حكمه، وكذلك ما نهي عنه بخصوصه أو ما خالف هديا ً ثابتاً أو أبطل سنة صحيحة.. ثم إن الزعم بأن المراد بقوله ﷺ : ((كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) ما كان متصفا ً بأحد هذه الأوصاف، إحالة على ما لا يمكن حصره من المنهيات والمخالفات، سواء ً كانت بدعا ً أو معاصٍ، وفي ذلك اتهام للنبي ﷺ بأنه أخفى ما يجب عليه بيانه، وبين ما لم يرد ظاهره، فإن بين قوله: (كل بدعة ضلالة) وهذه الأوصاف فرق كالفرق بين العموم والخصوص، فإن زُعم أن المراد بالحديث أحد هذه الأوصاف، أدى ذلك إلى اتهام النبي ﷺ بالتلبيس على أمته لأنه تكلم بلفظ ٍ عام، وأراد معنى خاصاً وأطلق القاعدة الكلية ومراده الوصف الجزئي المقيد.. ومن هنا يتبين أن هذه الأوصاف لا يجوز حمل الحديث على واحد ٍ منها ليكون هو المقصود والمراد بلفظ البدعة. ٦- تعريف محمد عبد الحي اللكنوي الهندي: بعد أن ذكر المعنى اللغوي للبدعة، تحدث عن المعنى الشرعي الخاص، فقال:

стр. 339

(هو الزيادة في الدين أو النقصان منه الحادثات بعد الصحابة، بغير إذن الشارع لا قولا ً، ولا فعلا ً، ولا صريحا ً ولا إشارةً، فلا يتناول العادات أصلا ً بل يقتصر على بعض الاعتقادات، وبعض صور العبادات ... ) . وهذا التعريف وإن كان فيه بعض الصواب، كقوله عن البدعة: (هي الزيادة في الدين أو النقصان منه) ، وكقوله: (بغير إذن الشارع) ، إلا أنه يحتوي مع ذلك على جملة من المبهمات المجملة، التي تحتاج إلى إيضاح وتفصيل، وجملة أخرى من الأخطاء.. فأما المجمل في التعريف فقوله: (الحادثات بعد الصحابة) . وهذا يحتاج إلى إيضاح، فليس كل ما أحدث في زمن الصحابة سنة مقبولة، وهذا راجع إلى ما سبق الحديث عنه عن الكلام على مفهوم البدعة عند أهل السنة. ويمكن تلخيصه هنا بما يناسب المقام، وهو أن قول الصحابي وفعله إذا خالف النص فهو غير معتبر، وإذا خالفه صحابي آخر فينظر في المسألة بمقياس الأدلة، ومقاييس الترجيح المذكورة في كتب الأصول والمصطلح، وإذا قال قولاً لم ينتشر ولم يعلم فيه خلاف من أحد فهو محل خلاف، والراجح أنه حجة، وكذلك ما كان في حكم المرفوع فهو حجة، وما عدا ذلك فما حدث في زمانهم فلا يجعل حجة، فضلا ً عن كونه سنة، والدليل على ذلك إنكار بعض الصحابة على بعض أمور حدثت، مثل إنكار ابن عباس ﵄ على معاوية ﵁ حين مسح في طوافه أركان البيت الأربعة.

стр. 340

وإنكار سلمان الفارسي ﵁ على أبي الدرداء حين كتب إليه أن: (هلم إلى الأرض المقدسة) فكتب إليه سلمان: (إن الأرض لا تقدس أحدا ً، وإنما يقدس الإنسان عمله) ، وغير ذلك. أما قوله: (بغير إذن الشارع لا قولا ً ولا فعلا ً ولا صريحا ً ولا إشارة) ، ففي قوله: (ولا إشارة) إجمال يحتاج إلى بيان، فكم من مبتدع في الأحوال والسلوك بنى بدعته على ما يدعيه من إشارات النصوص، وقد اشتهر في مناهج تفسير القرآن (التفسير الإشاري) الذي تعتمد عليه الصوفية في فهمها لنصوص القرآن. وإن قصد بالإشارة: إشارة النص الذي: هو العمل بما يثبت بنظم الكلام لغة ً، لكنه غير مقصود، ولا سبق له النص: كقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن) سبق لإثبات النفقة، وفيه إشارة إلى أن النسب إلى الآباء ... ) فهذا المعنى محتمل، ويختلف الحكم عليه باختلاف الأفهام التي تستنبط الأحكام من النصوص، إلا أن قاعدة (لا اجتهاد مع النص) ، وقاعدة (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) تحكم هذا الفهم وتضبطه، وتحكم عليه بالقبول أو الرد.

стр. 341

أما قوله عن المعنى الشرعي للبدعة، وأنه (لا يتناول العادات أصلا ً) فهذا خطأ ظاهر، وقد سبق بيان دخول البدع في العادات والمعاملات، وسيأتي الكلام عنها بعون الله في الفصل الرابع من الباب الثاني بتفصيل أوسع. والأصل في هذا الباب: قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة الرسول ﷺ : فكأنهم استقلوها، فمنع أحدهم نفسه من النوم، والآخر من الأكل نهاراً والثالث من تزوج النساء. ومثل ذلك قصة الرجل الذي نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فأمره النبي ﷺ بإتمام صومه، وترك الصمت والشمس والقيام. قال الحافظ ابن رجب: (فمن تقرب إلى الله بعمل ٍ لم يجعله الله ورسوله قربة ٍإلى الله فعمله باطل مردود عليه - إلى أن قال - كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقاً إلى الله بدعة) . فإذا كانت العادات مما يراد به القربة إلى الله سبحانه، وليس لها هذا الوصف شرعا ً فهي بدعة بلا شك، ولهذا فإن النبي ﷺ بعد زجره للثلاثة الذين استقلوا عبادته، فألزموا أنفسهم بترك بعض المباحات زيادة ً في القربة إلى الله ، قال ﷺ : (لكني أصوم وأفطر وأصلى

стр. 342

وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) . أما قوله عن المعنى الشرعي للبدعة، وأنه: (يقتصر على بعض الاعتقادات وبعض صور العبادات) فغلط ٌ واضح. إذ أن البدعة تكون في العقائد والأقوال والأعمال، وهذا معلوم من حال أهل البدع، وقد مر أن كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع. فالخطاب الشرعي يتعلق بأفعال المكلف الاعتقادية، والقولية، والفعلية، وهذه الأضرب تدخلها البدع، ولا صحة لتخصيص البدعة بنوع ٍ من هذه الأنواع فضلا ً عن بعض هذا النوع، بل إن البدعة تتعلق بالترك كما تتلق بالفعل، وبالعادات كما تتعلق بالعبادات، وقصر البدعة على بعض الاعتقادات وبعض صور العبادات مخالف للواقع، فقد دخل الابتداع في أصول الاعتقاد، وفي فروعه وفي أعمال القلوب وأعمال الجوارح، وأعمال اللسان، وهذا التخصيص مخالف أيضا ً للقاعدة الكلية (وكل محدثة بدعة) . فكيف يمكن تخصيص الابتداع في بعض الاعتقادات، أو بعض صور العبادات.. ومخالف لطريقة السلف فإنهم أنكروا كل بدعة حدثت في الدين بالزيادة فيه أو النقصان منه، في شتى صور العبادات الصغيرة والجليلة، في العقيدة أو العمل، في العادات والمعاملات، أو العبادات المحضة، واعتبروا كل ما أحدث وليس له أصل ٌ في الشرع، وقصد به الديانة بدعة ضلالة. والمفاهيم الخاطئة للبدعة كثيرة وشائعة في كتب ومقولات محسني البدع، وهنا سنعرض لبعض هذه المفاهيم المخالفة لمفهوم أهل السنة، وطريقتهم في تعريف البدعة أو الحكم عليها: ١- قول ابن حجر الهيتمي عندما سئل: هل الاجتماع للبدع المباحة جائز؟..

стр. 343

فأجاب: (نعم هو جائز) . وهذا القول مناقض لما قاله بعد ذلك تحت عنوان: (مطلب في أن البدعة الشرعية لا تكون إلا ضلالة بخلاف اللغوية) . ومناقض لما اعتبره تفسيرا ً للبدعة، فقال: البدعة (هي ما لم يقل دليل شرعي على أنه واجب، أو مستحب، سواء ً فعل في عهده ﷺ أو لم يفعل) . وهذا المعنى صحيح ولكنه لم يستقر عليه عند التطبيق، فأجاز ما سماه الاجتماع على البدع المباحة، وأجاز أيضا ً مطالعة كتب ابن العربي وابن الفارض، بل قال إن مطالعتها مستحبة، وإن فيها من عجائب الأسرار، ودقائق المعاني ولطائف العوارض ما لا يوجد في غيرها. مع أن هذه الكتب والقصائد التي ندب إلى قراءتها محشوة بالبدع الكفرية من عقائد الحلول والاتحاد وغير ذلك، من المحدثات المناقضة للدين، وأمثلة التطبيقات البدعية المخالفة لشرع الله في كلام الهيتمي كثيرة. ٢- قول السيوطي في الحاوي: عند حديثه عند بدعة المولد النبوي، ورده على من اعتبرها من المحدثات: ( ... البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضا ً مباحةً ومندوبة ً وواجبة ً ... ) . ويوجد في كلام السيوطي ما يؤيد تحسينه واستحبابه لبعض البدع، بناء ً

стр. 344

على فهمه للبدعة الشرعية، وأنها على ضربين قبيحة مذمومة وحسنة محمودة. ٣- قول ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري: ( ... إذ كل بدعة لا توصف بالضلالة، فإن البدعة هو ما ابتدع وأحدث من الأمور، حسنا ً كان أو قبيحا ً، بلا خلاف عند الجمهور) . فإن كان مراده بقوله: (فأما البدعة ما ابتدع وأحدث من الأمور حسنا ً كان أو قبيحا ً، بلا خلاف عند الجمهور) . فإن كان مراده بقوله: (فأما البدعة ما ابتدع وأحدث من الأمور حسناً كان أو قبيحا ً) البدعة اللغوية فصحيح، وإن كان مراده البدعة بالمعنى الشرعي فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ودعوى عدم المخالفة عند الجمهور دعوى غير صحيحة، بل السلف قاطبة لم يؤثر عن أحدٍ منهم وصف أي محدثة في دين الله بالحسن الشرعي. ٤- قول اللكنوي في إقامة الحجة فيما نقله عن سعد الدين التفتازاني محتجا ً به: ( ... البدعة المذمومة: هي المحدث في الدين من غير أن يكون في عهد الصحابة والتابعين، ولا دل عليه الدليل الشرعي..) . وهذا المفهوم في مجمله صحيح إلا في قوله: (من غير أن يكون في عهد الصحابة والتابعين) ، فإنه يحتاج إلى تفصيل فأما ما كان في عهد الصحابة فله أحكام سبق الحديث عنها، وأما التابعين فلا شك في أفضلية قرنهم بنص الحديث، ولكن ذلك لا يقتضي كون أفعالهم حجة ً شرعية ً، بل إن أقوالهم وأفعالهم لا بد من وزنها بميزان الكتاب والسنة، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه رُدَّ على صاحبه كائنا ً من كان.

стр. 345

ثم نقل اللكنوي عن كلام بعض علماء الأحناف ما نصه: (المراد من السنة التي يجب التمسك ما كان عليه القرن المشهود لهم بالخير والصلاح والرشاد، وهم الخلفاء الراشدون، ومن عاصر سيد الخلائق، ثم الذين من بعدهم، فما أحدث بعد ذلك من أمر على خلاف مناهجهم، فهو من البدعة، وكل بدعة ضلالة) . وهذا الكلام ليس بصحيح من كل الوجوه، فأما السنة التي يجب التمسك بها فهي قول رسول الله ﷺ أو فعله أو تقريره، وما جاء بعد ذلك من أقوال الصحابة وأفعالهم فبعضه حجة، وبعضه ليس بحجة على التفصيل السابق في الفصل السابق. أما الذين جاءوا بعد الصحابة، وهم التابعون ومن تبعهم، فكلامهم وأفعالهم لا تسمى سنة بالمصطلح الشرعي؛ لأنه حينئذ ٍ ينفرط حبل السنن، ويصبح كل إمام قال أو فعل ما يخالف السنة لعدم بلوغ الدليل أو عدم صحته عنده يحتج أتباعه بأن هذا القول سنة؛ لكونه في عهد التابعين أو تابعيهم، وهذا ما يتشبث به متعصبة المذاهب، بل الصحيح كما قاله الإمام أبو حنيفة ﵀: ما جاء عن الرسول ﷺ ، فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة اخترنا، وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال) . ويتوجه قول الإمام النعمان فيما جاء عن الصحابة إلى الفتيا والقضاء، فيما للرأي فيه مجال، أما ما كان مرفوعاً أو في حكم المرفوع فهو حجة كما سبق ذكره.. وفي الكلام الذي نقله اللكنوي ما لفظه: (فما أحدث بعد ذلك من أمر على خلاف مناهجهم فهو من البدعة) . متعلق بما سبق بيانه فلا حجية لقول أحد أو فعله، إذا خالف الكتاب والسنة، ولا حجية مطلقة لقول الصحابي أو فعله ... أما من جاء بعدهم فلا تعتبر أقوالهم

стр. 346

أو أفعالهم حجة، إلا إذا علم عدم معارضتها للشرع، فالصحابة والتابعون لهم بإحسان هم سلفنا ﵃ ومع ذلك فالحجية في مذهب الصحابي مشروطة فيما كان مرفوعاً أو في حكم المرفوع، أما التابعون فقد حصل في زمانهم كثير من البدع، وقال بعضهم أو وقع فيما هو بدعة ٌ باجتهاد ٍ ونحوه، كما قال شيخ الإسلام عند حديثه عن المخالف للسنة في أمور ٍ دقيقة ٍ: (ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة ... ) ، فعلى هذا فلا يكون قول التابعي أو تابع التابعي سنة أو حجة، بل هو خاضع لميزان الكتاب والسنة. ٥- قول الشعراني في كتابه المسمى باليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، وهو مصنف لبيان وشرح اعتقاد محي الدين بن عربي: قال: (فإن قلت: فهل يلحق بالسنة الصحيحة في وجوب الإذعان لها ما ابتدعه المسلمون من البدعة الحسنة؟ ... فالجواب كما قاله الشيخ: أنه يندب الإذعان لها، ولا يجب - إلى أن قال - كما أشار إليها قوله ﷺ : ((من سن سنة حسنة)) فقد أجاز لنا ابتداع كل ما كان حسنا ً، وجعل فيه من الأجر لمن ابتدعه ولمن عمل به ما لم يشق ذلك على الناس، وأخبر أن العابد لله تعالى بما يعطيه نظره إذا لم يكن على شرع من الله تعالى معين يحشر أمة وحده، يعني بغير إمام يتبعه، فجعله خيرا ً وألحقه بالأخيار) .

стр. 347

وهذا القول باطل مخالف للكتاب والسنة وطريقة السلف. فقوله: (من البدع الحسنة) سبق نقض ذلك وسيأتي في نهاية الفصل الحديث عنه. وقوله: (إنه يندب الإذعان لها ولا يجب) تشريع لم يأذن الله به، فكيف يلحق حكم الندب بأمر ٍ محدث؟ مع أنه لا يصح فيه وصف الإباحة؛ لكونه ممنوعا ً من جهة الشارع، الذي قال: ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة)) . وهذا التقسيم بين الندب والوجوب، تزييف لحقيقة الحكم، فكأن المسألة مختلف فيها بين الوجوب والندب فقط، خاضعة لمبدأ الإذعان، وهذا ما لم يقل به أحد من سلف الأمة، أو أحد من العلماء أهل العلم والإيمان أتباع منهج السلف. ولو ترك حكم البدع والسنن على هذا المنوال الذي اختطه الشعراني، وابن عربي لما بقي من الدين شيء، ولذهبت معاني الآيات والأحاديث الحاثة على الاتباع أدراج هذا القول المُردي. أما قوله: (إن العابد لله تعالى بما يعطيه نظره، إذا لم يكن على شرع من الله تعالى يحشر أمة وحده , يعني بغير إمام يتبعه فجعله خيراً وألحقه بالأخيار) ..... فهذا عين الضلال , والمضادة لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فكيف يكون متقدماً بين يدي الله ورسوله، بما يمليه عليه نظره أو ذوقه، ثم يصير من الأخيار، وأي معنى للعبودية والخضوع لله حينئذ، وما معنى الاتباع لرسوله ﷺ التي وردت بها نصوص الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)) . وقوله: ((يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)) .

стр. 348

وقوله: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ً مما قضيت ويسلموا تسليما ً)) . وإذا كان كل من أملى عليه نظره أو ذوقه شيئاً أصبح أمة ً وحده، ومن الأخيار فليس هناك مبتدع على وجه الأرض. فهذا القول من أعظم المحادَّة لله ولرسوله، كما قال تعالى: ((أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)) . وهذا القول مطابق لاعتقادات محي الدين بن عربي الضالة الزائفة، فقد سوغ لنفسه أن يتبع ما يعطيه نظره، وما يملي عليه هواه، حتى تردى في هوة وحدة الوجود، وكفر بالإله المعبود، فكان - كما قضى بذلك علماء الأمة - أمة وحده، ولكن في الكفر والزندقة، إمامه الشيطان، وإلهه هواه، فنسأل الله العفو والعافية. أما استدلاله بقوله ﷺ فسيأتي تفنيده في نهاية هذا الفصل عند الكلام عن شُبه محسني البدع والرد عليها. ٦- قول القاضي أبي بكر بن العربي في شرحه للترمذي، عند قوله ﷺ : ((وإياكم ومحدثات الأمور)) : قال: ( ... وليس المحدث والبدعة مذموماً للفظ محدث وبدعة، ولا لمعناها فقد قال الله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر ٍ من ربهم محدث)) ، وقال عمر: ((نعمت البدعة هذه)) . وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة) .

стр. 349

أما لفظ محدث وبدعة ومعناهما اللغوي، فلا يتعلق بهما على خصوصهما مدح أو ذم، ولكنهما بالمعنى الشرعي مذمومان. فما من شيء ٍ حدث بعد أن لم يكن حادثا ً ووجد بعد أن لم يكن موجوداً إلا ويطلق عليه من جهة اللغة " محدث " و " بدعة "، والمصطلح الشرعي الوارد في لفظ الحديث: ((وإياكم ومحدثات الأمور)) هو المقصود بالذم والتحذير، وليس هناك بدعة بالمعنى الشرعي إلا وهي باطلة وضلالة. أما قوله (وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة) فإنه ما من بدعة ٍ إلا وهي مخالفة للسنة على وجه العموم أو الخصوص، فإذا تقرر ذلك فإن سائر البدع مذمومة ... فإن كان المراد أنه إنما تذم البدع المخالفة لسنة في مقابلها على وجه الخصوص، فهذا تخصيص لقاعدة " كل بدعة ضلالة " بغير مخصص، وقد سبق الكلام عن هذا عند مناقشة تعريف الغزالي ... أما قوله: (ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة) ، فمنطبق على سائر البدع؛ لأن كل بدعة ضلالة في ذاتها داعية إلى الضلال، وذلك من مقتضياتها، ولربما قصد القاضي ابن العربي ﵀ بهذه الجملة أنها إنما يذم المحدث الداعي إلى ضلالة، بخلاف المحدث الداعي إلى الهدى، وهذا ما يفهم من سياق حديثه عن البدعة.. وهذا الفهم مجانب للصواب، فليس هناك محدثة داعية إلى هدى، وإلا لبطل معنى قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة "، ولأصبح كل مبتدع يدعي أنه ببدعته المحدثة داع ٍإلى هدى.. فلا يكون حينئذٍ مجال للإنكار على أي مبتدع لا سيما إذا علمنا أن كل مبتدع إنما يقصد ببدعته التقرب إلى الله، وهذا هو الهدى عنده. ٧- قول يوسف السيد هاشم الرفاعي: ( ... البدعة هي ما صادم نصا ً أو خالف هدى الرسول ﷺ أو ترتب عليه مفسدة، وهذا هو معنى قول علمائنا إن البدعة المضلة الواردة في الحديث الشريف هي المنافية لأمر

стр. 350

الشرع..) وفي هذا القول مغالطات مخالفة للحق الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعمل السلف. فقوله: (البدعة هي ما صادم نصا ً) قول محدث مخالف للنصوص، ولطريقة السلف في الحكم على العمل بالبدعية أو عدمها؛ لأنه قيد البدعة بمصادمتها للنص الشرعي، وهذا القيد تحكم بلا دليل، إذ لا يتصور أن يكون إزاء كل بدعة نص شرعي، فقد تكون مصادمة للنص الشرعي صراحة ً، وقد تكون مصادمة لعمومات الشريعة ومقاصدها، وقد لا يكون في مقابل البدعة بعينها نص بعينه، يدل على أنها أمر حادث، ولكنها تكون داخلة في الابتداع من حيث كونها محدثة يراد بها لتقرب إلى الله ولا أصل لها في الشرع. وهذا الذي كان عليه سلف الأمة، ومن أدلة ذلك: ما رواه ابن وضاح بسنده عن أبي حفص المدني، قال: (اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار ٍ لآل عمر، فقال: أيها الناس: إن الذي أنتم عليه بدعة، وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجع) . وروى ابن وضاح أيضا ً بسنده إلى إبراهيم النخعي، أنه سئل عن اجتماع

стр. 351

الناس عشية عرفة، فكرهه، وقال: " محدث ". وروى أيضا ً بسنده قصة ضرب علي بن أبي طالب ﵁ للقاص في مسجد الكوفة. وقصة ضرب عمر ﵁ للقوم الذين اجتمعوا للدعاء للمسلمين وللأمير. فبدعة التعريف في غير عرفة التي نهى عنها نافع والنخعي؛ لم تصادم نصا ً بعينه ينهى عن التعريف، ولم ترفع حكما ً، ولم تُلغ تشريعاً بمنافاتها علين الأمر الشرعي، ومع ذلك فقد سماها السلف بدعة ومحدثة، لإنها اختراع في الدين لا دليل عليه. ولذلك عد أحمد بن حنبل هذا الفهم من أصول السنة، فقال فيما رواه عنه اللالكائي بسنده: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة ضلالة) . فمن أراد إخراج شيء من البدع من وصف الضلالة، فقد خالف السلف في طريقتهم، وأتى بأمر ٍ حادث ليبرر محدثات أخر.. ٨- قول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: عند حديثه عن الاحتفال بالمولد النبوي، بعد أن نقل تعريف الشاطبي للبدعة، ووجه هذا التعريف حسب فهمه:

стр. 352

فقال: (فلِكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها، يجب أن يمارسه صاحبه على أنه داخل في بنية الدين، وأنه جزء لا يتجزأ منه، مع أنه في واقع الأمر على خلاف ذلك.. وتلك هي روح البدعة وسر تحذير الشارع منها، وذلك هو الملاحظ في تسميتها بدعة - إلى أن قال - إن مناط إنكار البدعة وردها على صاحبها أن المبتدع يقحم في بنية الدين وجوهره ما ليس منه) ، ثم مثل على فهمه هذا بأمور عدها من البدع الحسن، كالاحتفالات ببدء العام الهجري، وبالمولد النبوي والإسراء والمعراج، وبذكرى فتح مكة، وغزوة بدر ... وهذا المعنى مخالف أيضا ً لطريقة السلف في اعتبار العمل المحدث بدعة، إذ قصر البدعة على ما أُدخل في الدين وأقحم فيه واعتبر جزءاً منه. وهذا الوصف يصح إطلاقه على سائر البدع باعتبار الإحداث الملازم لها، ولكن إطلاقه على البدعة الحقيقية أوضح، وعلى هذا الاعتبار تخرج البدع الإضافية من وصف الابتداع؛ لأنها إنما تكون ملازمة لعمل مشروع في الأصل، فعند النظر إلى العمل من حيث أصله نراه مشروعا ً وعند النظر إلى ما ألحق به نراه مبتدعا ً، وهذه هي البدعة الإضافية.. فإذا طبق هذا الوصف الذي ذكره البوطي على البدعة الإضافية، فإنه لا يتضمنها، ولا تدخل فيه صراحة، وبهذا ينفتح باب الابتداع. ولذا نراه عندما ذكر بدع الاحتفالات بالمولد والإسراء ونحوها، عدها من السنن الحسنة. وعلى هذا الفهم لا يدخل في الابتداع عنده ما ألحق بالأعمال المشروعة من محدثات، وهذا ما يطلق عليه اصطلاحا ً بالبدع الإضافية.. ثم إن هذا الاشتراط ينافي القاعدة الكلية (شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ، ويلغي معاني الاعتصام بالسنة والتحذير من البدعة التي أجمع عليها السلف،

стр. 353

من مثل قول ابن مسعود ﵁: (إنكم ستجدون أقواما ً يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالعتيق) ، ويناقض ما ورد عن الصحابة والتابعين من إنكار لسائر البدع الحقيقية والإضافية. ٩- قول محمد علوي مالكي عند ذكره لحديث: (كل بدعة ضلالة) : (إن المراد بذلك البدعة السيئة التي لا تدخل تحت أصل شرعي - إلى أن قال - وحديث البدعة هذا من هذا الباب، فعمومات الأحاديث وأحوال الصحابة تفيد أن المقصود به البدعة السيئة، التي لا تندر ج تحت أصل كلي ... ) . وهذا القول ينساق في سياق أقوال المحسنين لبعض البدع، ويتناسب مع دعوته لاعتناق التصوف، وحثه على ممارسة بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وهو قول مكرر لأقوال من سبقه في هذا المضمار، ومقرر لآراء محسني البدع، حيث جعل مراد النبي ﷺ بقوله: (كل بدعة ضلالة) محصورا ً في البدع السيئة. وهذا فيه تعدٍ على النص الشرعي، وذلك بالجزم أن هذا الذي قاله هو المراد، ولو قال بأن هذا فهمي للنص لكان أهو ن الشرين، وأخف المفسدتين، ثم يقال: بأن هذا الفهم مبني على أصل فاسد، وهو أن البدع تنقسم إلى سيئ وحسن من الناحية الشرعية، فترتب على هذا الأصل الفاسد هذا الفرع الفاسد المزعوم أنه هو مراد النبي ﷺ .. وأما قوله في نعته للبدعة السيئة بأنها لا تدخل تحت أصل شرعي

стр. 354

أو أصل كلي فمتصور في سائر المحدثات، التي يقصد بها القربة، وليس عليها دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو فعل الصحابة. وينبني على ذلك، أنه ليس هناك شيء من المحدثات يطلق عليه بدعة حسنة، وآخر يطلق عليه بدعة سيئة؛ لأن المحدث إذا كان تحت أصل شرعي فليس ببدعة شرعية، وإن كان يطلق عليه بدعة من جهة اللغة.. ولكن اعتبار أن لهذا الأمر أصلا ً شرعيا ً، أو أصلا ً كليا ً، لا يمنع أن يكون مخلوطا ً في فعل المكلف بما هو بدعة. ومثال ذلك: حب النبي ﷺ أصل شرعي ومطلب إلهي، ولكن هذا الأصل قد يدخله الابتداع بفعل المكلف، كأن يحدث طريقة يعبر بها عن حبه للنبي ﷺ ، وهذه الطريقة محدثة وبدعة، داخلة على أصل شرعي أو قاعدة كلية.. فليس بكاف أن يقول المرء بأن هذا الأمر داخل ٌ تحت أصل شرعي حتى يضح أولا ً: هل هذا أصل معتبر من جهة الشرع، ثم ينظر ثانيا ً في الأمر الداخل عليه، هل هو مناف ٍ لهذا الأصل، أو لأصل ٍ آخر أم لا؟ . وقد سبق في هذا الفصل أن من أسباب الابتداع، إحداث قواعد وأصول ونظريات يسير عليها المبتدع وينقاد لها، فيبني على الأصل المحدث فرع محدث، وسبق أيضًا أن من حجج أهل الابتداع ومتعلقاتهم، الزعم بأن هذا العمل داخل تحت أصل شرعي أو قاعدة كلية، وهو ليس كذلك إما بمنافاته لهذا الأصل أو لأصلٍ مثله. وبعد ذكر المفاهيم الخاطئة للبدعة يأتي الحديث عن بعض الشبه التي يتعلق بها هؤلاء، مع ملاحظة أن كل بدعة لها شبه تخصها بذاتها، ولا تتعداها إلى غيرها، والذي يهمنا في هذا المقام، هو ذكر بعض الشبه التي يحتج بها في سائر البدع أو غالبها. وبعد ذكر المفاهيم الخاطئة للبدعة يأتي الحديث عن بعض الشبه التي يتعلق بها هؤلاء، مع ملاحظة أن كل بدعة لها شبه تخصها بذاتها، ولا تتعداها إلى غيرها، والذي يهمنا في هذا المقام، هو ذكر بعض الشبه التي يحتج بها في سائر البدع أو غالبها.

стр. 355

وهذه الشبه على أقسام: القسم الأول: شُبه من الأدلة الشرعية، وهذه الأدلة التي يستدل بها هؤلاء على قسمين: أ - حديث موضوع أو ضعيف. ب - نص صحيح ولكن ليس فيه دلالة على ما ذهبوا إليه. القسم الثاني: شبه من كلام العلماء. القسم الثالث: شبه من جهة النظر والذوق والكلام ونحو ذلك. بيد أنه يُلاحظ مما سبق نقله من تعريفات ومفاهيم خاطئة للبدعة، أنها تشترك في أمر واحد: وهو تحسين بعض البدع. أو تقرير أنه يوجد في المصطلح الشرعي بدعة حسنة وأخرى سيئة، ومن أجل ذلك نرى أن الأدلة التي يستدل بها هؤلاء، تدور في هذه الدائرة نفسها، ولهذا فإن مناقشة الأدلة التي يستدل بها على حسن بعض البدع، ستكون منقسمة بين هذا الفصل، والفصل الخامس من الباب الثاني. القسم الأول: شُبه الأدلة: والأدلة التي يستدل بها من يقول بحسن شيء من البدع، ليس فيها ما يصح أن يكون دليلاً له، إما لأنها غير ثابتة لكونها وردت بسند واهٍ أو ضعيف، وإما لأن وجه الدلالة فيها ليس كما فهمه المستدل به. فمن القسم الأول: ١- ما رواه الترمذي، وابن ماجه كل بسنده إلى كثير بن عبد الله بن
следующие страницы →