← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الناس عشية عرفة، فكرهه، وقال: " محدث ". وروى أيضا ً بسنده قصة ضرب علي بن أبي طالب ﵁ للقاص في مسجد الكوفة. وقصة ضرب عمر ﵁ للقوم الذين اجتمعوا للدعاء للمسلمين وللأمير. فبدعة التعريف في غير عرفة التي نهى عنها نافع والنخعي؛ لم تصادم نصا ً بعينه ينهى عن التعريف، ولم ترفع حكما ً، ولم تُلغ تشريعاً بمنافاتها علين الأمر الشرعي، ومع ذلك فقد سماها السلف بدعة ومحدثة، لإنها اختراع في الدين لا دليل عليه. ولذلك عد أحمد بن حنبل هذا الفهم من أصول السنة، فقال فيما رواه عنه اللالكائي بسنده: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة ضلالة) . فمن أراد إخراج شيء من البدع من وصف الضلالة، فقد خالف السلف في طريقتهم، وأتى بأمر ٍ حادث ليبرر محدثات أخر.. ٨- قول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: عند حديثه عن الاحتفال بالمولد النبوي، بعد أن نقل تعريف الشاطبي للبدعة، ووجه هذا التعريف حسب فهمه:

стр. 352

فقال: (فلِكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها، يجب أن يمارسه صاحبه على أنه داخل في بنية الدين، وأنه جزء لا يتجزأ منه، مع أنه في واقع الأمر على خلاف ذلك.. وتلك هي روح البدعة وسر تحذير الشارع منها، وذلك هو الملاحظ في تسميتها بدعة - إلى أن قال - إن مناط إنكار البدعة وردها على صاحبها أن المبتدع يقحم في بنية الدين وجوهره ما ليس منه) ، ثم مثل على فهمه هذا بأمور عدها من البدع الحسن، كالاحتفالات ببدء العام الهجري، وبالمولد النبوي والإسراء والمعراج، وبذكرى فتح مكة، وغزوة بدر ... وهذا المعنى مخالف أيضا ً لطريقة السلف في اعتبار العمل المحدث بدعة، إذ قصر البدعة على ما أُدخل في الدين وأقحم فيه واعتبر جزءاً منه. وهذا الوصف يصح إطلاقه على سائر البدع باعتبار الإحداث الملازم لها، ولكن إطلاقه على البدعة الحقيقية أوضح، وعلى هذا الاعتبار تخرج البدع الإضافية من وصف الابتداع؛ لأنها إنما تكون ملازمة لعمل مشروع في الأصل، فعند النظر إلى العمل من حيث أصله نراه مشروعا ً وعند النظر إلى ما ألحق به نراه مبتدعا ً، وهذه هي البدعة الإضافية.. فإذا طبق هذا الوصف الذي ذكره البوطي على البدعة الإضافية، فإنه لا يتضمنها، ولا تدخل فيه صراحة، وبهذا ينفتح باب الابتداع. ولذا نراه عندما ذكر بدع الاحتفالات بالمولد والإسراء ونحوها، عدها من السنن الحسنة. وعلى هذا الفهم لا يدخل في الابتداع عنده ما ألحق بالأعمال المشروعة من محدثات، وهذا ما يطلق عليه اصطلاحا ً بالبدع الإضافية.. ثم إن هذا الاشتراط ينافي القاعدة الكلية (شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ، ويلغي معاني الاعتصام بالسنة والتحذير من البدعة التي أجمع عليها السلف،

стр. 353

من مثل قول ابن مسعود ﵁: (إنكم ستجدون أقواما ً يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالعتيق) ، ويناقض ما ورد عن الصحابة والتابعين من إنكار لسائر البدع الحقيقية والإضافية. ٩- قول محمد علوي مالكي عند ذكره لحديث: (كل بدعة ضلالة) : (إن المراد بذلك البدعة السيئة التي لا تدخل تحت أصل شرعي - إلى أن قال - وحديث البدعة هذا من هذا الباب، فعمومات الأحاديث وأحوال الصحابة تفيد أن المقصود به البدعة السيئة، التي لا تندر ج تحت أصل كلي ... ) . وهذا القول ينساق في سياق أقوال المحسنين لبعض البدع، ويتناسب مع دعوته لاعتناق التصوف، وحثه على ممارسة بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وهو قول مكرر لأقوال من سبقه في هذا المضمار، ومقرر لآراء محسني البدع، حيث جعل مراد النبي ﷺ بقوله: (كل بدعة ضلالة) محصورا ً في البدع السيئة. وهذا فيه تعدٍ على النص الشرعي، وذلك بالجزم أن هذا الذي قاله هو المراد، ولو قال بأن هذا فهمي للنص لكان أهو ن الشرين، وأخف المفسدتين، ثم يقال: بأن هذا الفهم مبني على أصل فاسد، وهو أن البدع تنقسم إلى سيئ وحسن من الناحية الشرعية، فترتب على هذا الأصل الفاسد هذا الفرع الفاسد المزعوم أنه هو مراد النبي ﷺ .. وأما قوله في نعته للبدعة السيئة بأنها لا تدخل تحت أصل شرعي

стр. 354

أو أصل كلي فمتصور في سائر المحدثات، التي يقصد بها القربة، وليس عليها دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو فعل الصحابة. وينبني على ذلك، أنه ليس هناك شيء من المحدثات يطلق عليه بدعة حسنة، وآخر يطلق عليه بدعة سيئة؛ لأن المحدث إذا كان تحت أصل شرعي فليس ببدعة شرعية، وإن كان يطلق عليه بدعة من جهة اللغة.. ولكن اعتبار أن لهذا الأمر أصلا ً شرعيا ً، أو أصلا ً كليا ً، لا يمنع أن يكون مخلوطا ً في فعل المكلف بما هو بدعة. ومثال ذلك: حب النبي ﷺ أصل شرعي ومطلب إلهي، ولكن هذا الأصل قد يدخله الابتداع بفعل المكلف، كأن يحدث طريقة يعبر بها عن حبه للنبي ﷺ ، وهذه الطريقة محدثة وبدعة، داخلة على أصل شرعي أو قاعدة كلية.. فليس بكاف أن يقول المرء بأن هذا الأمر داخل ٌ تحت أصل شرعي حتى يضح أولا ً: هل هذا أصل معتبر من جهة الشرع، ثم ينظر ثانيا ً في الأمر الداخل عليه، هل هو مناف ٍ لهذا الأصل، أو لأصل ٍ آخر أم لا؟ . وقد سبق في هذا الفصل أن من أسباب الابتداع، إحداث قواعد وأصول ونظريات يسير عليها المبتدع وينقاد لها، فيبني على الأصل المحدث فرع محدث، وسبق أيضًا أن من حجج أهل الابتداع ومتعلقاتهم، الزعم بأن هذا العمل داخل تحت أصل شرعي أو قاعدة كلية، وهو ليس كذلك إما بمنافاته لهذا الأصل أو لأصلٍ مثله. وبعد ذكر المفاهيم الخاطئة للبدعة يأتي الحديث عن بعض الشبه التي يتعلق بها هؤلاء، مع ملاحظة أن كل بدعة لها شبه تخصها بذاتها، ولا تتعداها إلى غيرها، والذي يهمنا في هذا المقام، هو ذكر بعض الشبه التي يحتج بها في سائر البدع أو غالبها. وبعد ذكر المفاهيم الخاطئة للبدعة يأتي الحديث عن بعض الشبه التي يتعلق بها هؤلاء، مع ملاحظة أن كل بدعة لها شبه تخصها بذاتها، ولا تتعداها إلى غيرها، والذي يهمنا في هذا المقام، هو ذكر بعض الشبه التي يحتج بها في سائر البدع أو غالبها.

стр. 355

وهذه الشبه على أقسام: القسم الأول: شُبه من الأدلة الشرعية، وهذه الأدلة التي يستدل بها هؤلاء على قسمين: أ - حديث موضوع أو ضعيف. ب - نص صحيح ولكن ليس فيه دلالة على ما ذهبوا إليه. القسم الثاني: شبه من كلام العلماء. القسم الثالث: شبه من جهة النظر والذوق والكلام ونحو ذلك. بيد أنه يُلاحظ مما سبق نقله من تعريفات ومفاهيم خاطئة للبدعة، أنها تشترك في أمر واحد: وهو تحسين بعض البدع. أو تقرير أنه يوجد في المصطلح الشرعي بدعة حسنة وأخرى سيئة، ومن أجل ذلك نرى أن الأدلة التي يستدل بها هؤلاء، تدور في هذه الدائرة نفسها، ولهذا فإن مناقشة الأدلة التي يستدل بها على حسن بعض البدع، ستكون منقسمة بين هذا الفصل، والفصل الخامس من الباب الثاني. القسم الأول: شُبه الأدلة: والأدلة التي يستدل بها من يقول بحسن شيء من البدع، ليس فيها ما يصح أن يكون دليلاً له، إما لأنها غير ثابتة لكونها وردت بسند واهٍ أو ضعيف، وإما لأن وجه الدلالة فيها ليس كما فهمه المستدل به. فمن القسم الأول: ١- ما رواه الترمذي، وابن ماجه كل بسنده إلى كثير بن عبد الله بن

стр. 356

عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال لبلال ابن الحارث: " أعلم قال: ما أعلم يارسول الله؟ قال: اعلم يا بلال، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعةَ ضلالةٍ لا تُرضى الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً " وها لفض الترمذي. استدل بهذا الحديث من استحسن بعض البدع، فقال: قوله ﷺ : "من ابتدع بدعةَ ضلالةٍ لا ترضي الله ورسوله " دليل على أن البدع لا تذم بإطلاق، بل يذم منها ما كان متصفاً بالضلالة أو مؤدياً إلى سخط الله ورسوله.. أما إذا كانت المحدثة ليست كذلك، فهي داخلة تحت وصف السنة الحسنة التي ينال صاحبها الأجر والثواب، لأن الإضافة الواردة في قوله: " من ابتدع بدعة ضلالةٍ" تفيد مفهوماً مخالفاً مؤداه: أن من ابتدع بدعة ليست بضلالة، فإنه موعود بالإثابة. ولمناقشة هذه الشبه قبل الكلام عن سند هذا الحديث أقول: إن الحديث على افتراض صحة سنده، ليس فيه هذا المعنى الذي يقول به المبتدع، بل هو دليل عليه، لأنه ما من بدعةٍ إلا وهي ملازمة لوصف الضلال، بنص حديث الرسول ﷺ : " كل بدعة ضلالة " ... وما من بدعة إلا ويبغضها الله ورسوله، بدليل تحذيره صلى الله عليه

стр. 357

وسلم من كل محدثة "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة " فيكون الحديث على هذا المعنى دليلاً ضد المستدل به على حسن بعض البدع، أما الإضافة الواردة في الحديث فلا مفهوم لها، إلا كمفهوم الصِفَةِ في قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَافاً مّضَاعَفَةً﴾ ، وذلك لأن، الضلالة صفة ملازمة للبدعة في كل حال. ثم إن في هذا الحديث دليلاً على إبطال البدع، وذلك بالحض على إحياء سنة قد أميتت، فإنه وعد بالأجر لمن أحيا سنةً ميتةً، لا لمن يخترع شيئاً جديداً، ثم يطلق عليه سنة حسنة، لأن الذي ورد في الحديث، إحياء سنة ثابتة نُسيت أو تُركت، وليس فيه إحداث مالم يثبت، فدل هذا على أن المراد التحذير من الابتداع، لأنه في مقابل الاتباع، ولأنه ملازم للضلال في كل الأحوال. هذا على افتراض صحة الحديث، فكيف وقد ثبت أنه (موضوع) وعلّته كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف المُزني، الذي عليه مدار الحديث (فقد سُئل عن أبو داود فقال: كان أحد الكذابين، وقال الشافعي عنه: ذاك أحد الكذابين أو أحد أركان الكذب، وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب، وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه) . أما تحسين الترمذي لهذا الحديث، فمنقوض بأقوال أئمة الجرح والتعديل، الذين اتفقوا على جرحه، وقد بين الذهبي أن الترمذي لا يعتمد عليه في التصحيح، وذلك عند ترجمته لكثير بن عبد الله هذا. قال: (وأما الترمذي فروى من حديثه

стр. 358

الصلح جائز بين المسلمين وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي) ٢- ومن الشُبه التي يتمسك بها المحسّن للبدع: قوله قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلبَ محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، بعد قلب محمد، فوحد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء" وفي بعض الروايات زيادة: (وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر \﵁ . وهذا الحديث الذي يستدل به المحسن للبدع، لم يرد مرفوعاً إلى النبي ﷺ إلا عند الخطيب في تاريخ بغداد (٤/١٦٥) عن أنس بن مالك ﵁ وفي سنده أبو داود النخعي وهو سليمان بن عمرو، وقد تفرد بروايته، كما قال الخطيب، وهو كذاب كما قال الذهبي في الميزان (٢/٢١٦) ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: كان يضع الحديث، فالحديث موضوع، وقد ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٨٠ (وذَكَر تفرد النخعي، وكلام أحمد عنه

стр. 359

ثم قال: وهذا الحديث إنما يعرف من كلام ابن مسعود، أما الأسانيد الأخرى المذكورة فكلها جاءت به موقوفاً على ابن مسعود، وهذا ما جعل الزيلعي في نصب الراية يقول: (غريب مرفوعاً ولم أحده إلا موقوفاً على ابن مسعود) . والغريب عند الزيلعي مصطلح منه لنفسه في الحديث الذي لم يجد له أصلاً. وقال ابن القيم بعد أن أورد هذا الأثر (.. ليس من كلام رسول الله وإنما يضيفه إلى كلام من لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود) وإليك دراسة موجزة لهذه الأسانيد: الطريق الأول: بسند الإمام أحمد في مسنده، وفي فضائل الصحابة، والحاكم في مستدركه وفيه أبو بكر بن عياش، ثقة عابد تغير حفظه بعد ما كبر. قال الذهبي في الميزان: (صدوق ثبت، في القراءة لكنه في الحديث يغلط ويهم) . وفيه عاصم بن بهدلة، قال في الميزان: (ثبت في القراءة وهو في الحديث دون الثبت، صدوق بهم) . وفي التقريب: (صدوق له أوهام) .

стр. 360

وبذلك أصبح هذا الأثر حسن الإسناد. قال عنه الهيثمي في المجمع (رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجاله موثقون) . وبهذا يظهر أن سند البزار والطبراني، متفق مع سند الإمام أحمد. قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على المسند: (إسناده صحيح، وهو موقوف على ابن مسعود) . قال الساعاتي في الفتح الرباني مثل ذلك.

стр. 361

وقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه، من طريق الإمام أحمد، وقال عنه (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) . الطريق الثاني: بسند أبي داود الطيالسي في مسنده أخرجه البيهقي في الاعتقاد عن طريق الطيالسي. وأبو نعيم في كتاب الإمامة عن طريق الطيالسي أيضاً والخطيب في الفقيه والمتفقه. ورواه أيضاً أبو نعيم في الحلية، والطبراني في معجمه، عن طريق أبي داود، الطيالسي كما ذكر الزيلعي. وهذا السند يجتمع في الرواية عن المسعودي، عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود وهو سند ضعيف، علته المسعودي وهو: عبد الرحمن

стр. 362

ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، قال في التقريب: (صدوق اختلط قبل موته) ، وفي الميزان: (سيء الحفظ) وفي نصب الراية: (المسعودي ضعيف) ، قال ابن الكيال في الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات: (وقد روى عنه أبو داود الطيالسي بعد اختلاطه، وكذلك عاصم ابن علي) . وروى هذا الأثر عن المسعودي الإمام الطيالسي وعاصم بن علي، وكلاهما رويا عنه بعد اختلاطه، وروى عنه عبد الله بن يزيد المقري بسند رجاله ثقات كما عند أبن حزم في الإحكام ولم يُذكر في كتب التراجم، هل روى عبد الله ابن يزيد عن المسعودي قبل الاختلاط أم بعده؟ . الطريق الثالث: بسند الخطيب في الفقيه والمتفقه والبيهقي في المدخل، كما ذكر ذلك الزيلعي. ورجال هذا السند ثقات، ما خلال صالح بن محمد الأزاذواري لم أجد في

стр. 363

الكتب التي بين يديّ له ترجمة. وأحمد بن إسحاق بن بنجاب الطيبي قال عنه الخطيب في تاريخ بغداد (لم أسمع فيه إلا خيراً) . ومما سبق يتضح أن هذا الأثر الذي يستدل به محسّن البدع، لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ بل هو من كلام ابن مسعود ﵁ هذا من جهة السند، وقد يبقى فيه شائبةُ احتجاج عند من يترك المحكمات من النصوص، ويتعلق بما اشتبه ليبرر بذلك ما أملاه عليه نظره وهواه فيقول: هذا من كلام صحابي جليل أوصى النبي ﷺ بالأخذ عنه، أو يقول: هذا الكلام من قبيل المرفوع حكماً، لكونه مما لا يُدرك بالعقل. ولمناقشة هذه الشبه لابد من وقفات: الوقفة الأولى: المتأمل للآثار الواردة على الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ يرى أنه من أشد الناس على البدع وأهلها، صغيرها وكبيرها كقوله ﵁ (اقتصادٌ في سنةٍ خيٌ من اجتهاد في بدعة) وقوله: (أيها الناس إنكم ستحدثون ويُحْدَثُ لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول) . وقوله (اتبعوا آثارنا فقد كُفيتم) . وقوله: (اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم كل ضلالة) وقوله: (عليكم بالعلم، وإياكم والتبدّع والتنطّع والتعمّق،

стр. 364

وعليكم بالعتيق) وهو الذي أنكر على المجمعين في مسجد الكوفة ذكرهم لله بصورة جماعية، وقال لهم: (لقد فَضُلتم أصحاب محمد ﷺ علماً، أو لقد جئتم ببدعة ظلماً إلى أن قال والذي نفسي بيده لئن أخذتم آثار القوم ليسبقنكم سبقاً بعيداً ولئن حرتُم يميناً وشمالاً لتضلُنَّ ضلالاً بعيداً) . وهو الذي حَصَبَ الذين اجتمعوا على الذكر بالحصا في مسجد الكوفة، حتى أخرجهم منه وهو يقول: (لقد أحدثتم بدعةً ظلماً، أو قد فَضُلْتم أصحاب محمد ﷺ علماً) . والآثار الواردة عنه في ذم البدع والتحذير منها كثيرة، فهل يُعقل أن يقال بعد ذلك أن ابن مسعود ﵁ يقول بحسن بعض البدع، أو بجواز إحداث شيء يُتقرب به إلى الله، لم يكن على عهد النبي ﷺ . الوقفة الثانية: القول بأن مراد ابن مسعود بقوله هذا، مشروعية أو إباحة شيء من البدع التي يستحسنها لاناس، أتّهام لهذا الصحابي في دينه، فهل يصح أن يقول أحد من عامة المسلمين، أن ما رآه المسلمون حسناً، فإنه يجوز أن يتعبد الله به لأنه عند الله حسن؟ فضلاً عن صحابي عُرف عنه الحرص الشديد في الدعوة، إلى الاعتصام بالسنة ونبذ سائر البدع. الوقفة الثالثة: الزعم بأن المراد بهذا الأثر، جواز إتباع ما استحسنه المجتهد أو العالم أو العابد، تعدٍ على مقام الإلوهية، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ

стр. 365

مّنَ الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ قال الطبري ﵀ في تفسير هذا الآية يقول: (ابتدعوا له من الدين، ما لم يُبح الله لهم ابتداعه) ، (وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله، أن يقول بلا استدلال ... ولا يقول بما استحسن، فإن القول بما استحسن شيء يُحدثه لا على مثال سبق) . وهذا الذي يزعمه محسن البدع ويستدل عليه بشبه لا تنهض لتقرير مسألة من مسائل الفروع، يعارض النصوص الكثيرة في الإلزام بالاعتصام بالكتاب والسنة، والنهي عن إحداث شيء لم يأذن به الشرع الحنيف، وقولُ أو فعلُ المجتهد في العبادة أو العلم لا يكون دليلاً، وكذلك محتاج إلى دليل، كما قال الإمام الشافعي ﵀: (ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله، أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهةُ العلم بعدُ: الكتابُ والسنةُ والإجماع ُ والآثار ... ) . الوقفة الرابعة: أن العلماء استشهدوا بهذا الأثر في غير ما استدل به محسنو البدع، وعلموا من لفظه ومعناه، غير ما اشتبه على هؤلاء وهذه الاستدلالات، تدور حول عدة معان: الأول: أن هذا الأثر جاء في فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وعلو منزلتهم، وارتفاع مكانتهم، يدلُّ على هذا المعنى: ما جاء في الأثر من تصريح بفضلهم.. ويدل عليه الجزء الذي يستدل به المبتدع وهو قوله: (وما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ... ) ولذلاك وضعه الحاكم في مستدركه في كتاب معرفة الصحابة ولم يرو إلا هذا الجزء من الأثر، وكذلك فعل

стр. 366

البيهقي في كتاب الاعتقاد، إذ أدخله في باب القول في أصحاب رسول الله ﷺ . وكذلك صنع الساعاتي في تريبه لمسند الإمام أحمد، حيث جعل هذا الأثر في كتاب المناقب، باب ذكر مناقبهم على الإجمالي، وقد سبقهم في هذا التصنيف الإمام أحمد، في كتابه فضائل الصحابة، وبما يشبه هذا التصنيف، كان صنيع الحافظ أبي نعيم الأصفهاني في كتاب الإمامة واستدل به ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ . الثاني: هذا الأثر يجيء في أدلة صحة خلافة الصديق ﵁، وقد استدل به غير واحد، فمنهم على سبيل المثال صاحب الرياض النضرة في مناقب العشرة، بعد أن أورده بالزيادة الواردة في المستدرك وغيره وهي: (وقد رأي الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر ﵁ قال: (وهذا من أقوى الأدلة على صحة خلافته ﵁ فإن الإجماع قطعي) وكذلك ابن كثير في البداية والنهاية حيث قال بعد إيراده للأثر من مسند أحمد: (وهذا الأثر فيه حكاية إجماع الصحابة في تقديم الصديق) . وقد جمع بين هذا المعنى والذي قبله، شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث استدل بهذا الأثر في منهاج السنة على فضل الصحابة جميعاً، وعلى فضل أبي بكر على

стр. 367

وجه الخصوص، في سيقا رده على الرافضي، الذي زعم أن الذين بايعوا الصديق، إنما كانوا أصحاب جهل وطلب للدنيا، أخزاه الله ورضي الله، عن جميع صحابة نبيه. الثالث: يجيء الاستدلال بهذا الأثر، عند أهل العلم في باب الإجماع عند ذكر حجيته، وممن استدل به ابن قدامه في الروضة وأبو الخطاب الكلوذاني في التمهيد والخطيب في الفقيه والمتفقه وابن القيم في إعلام الموقعين وفي الفروسية. الرابع: مما سبق يتبين أن المراد بقوله: (ما رآه المسلمون ... ) الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بدليل سياق الأثر: (ثم ينظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن ... ) . ويؤيد أن المقصود بالمسلمين في الأثر الصحابة، ما سبق نقله والإشارة إليه من أقوال العلماء، حيث دلت في مجموعها على هذا المعنى، وبذلك لا يبقى لمحتج بهذا الأثر على استحسان بعض البدع أي مستمسك، فإن لم يكن ظاهر اللفظ متضحاً لصاحب الشبهة، فإنه يتوجه إلى الإجماع، كما قال الإمام الشاطبي

стр. 368

رحمه الله في الرد على من استدل بهذا الأثر: (إن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن، والأمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حسن شيء يدل على حسنه شرعاً، لأن الإجماع يتضمن دليلاً شرعياً، الحديث دليل عليكم لا لكم - إلى أن قال- إذا لم يرد به أهل الإجماع وأريد بعضهم، فيلزم استحسان العوام، وهو باطل بإجماع) وقال الحافظ أبو محمد بن حزم الظاهري ﵀: (واحتجوا في الاستحسان بقولٍ يجري على ألسنتهم وهو: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) ، وهذا لا نعلمه بسند إلى رسول الله ﷺ من وجه أصلاً، وأما الذي لا شك فيه فإنه لايوجد البتة في مسند صحيح، وإنما نعرفه عن ابن مسعود ثم ذكر سنده إلى أبن مسعود وأورد الأثر ثم قال: وهذا لو أتى من وجه صحيح لما كان لهم فيه متعلق، لأنه إنما يكون إثبات إجماع المسلمين فقط، لأنه لم يقل ما رآه بعض المسلمين حسناً فهو حسن ... ) . وقد سبق الإلماح إلى استدلال العلماء بهذا الأثر في باب الإجماع، وهنا جاء أن المراد من الأثر كما يدل سياقه، صحابة الرسول ﷺ ولا تنافي بين ذلك، ولا حجة فيه على تحسين أية بدعةٍ، بل على العكس من ذلك، فأما إجماع الأمة فإنه لا يمكن أن يكون على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ كقوله ﷺ : " وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ". ولأجل ذلك تقرر عند علماء الإسلام، أن إجماع الأمة حق فلا تجتمع على ضلالة، فإذا كان الأمر كذلك، والنص بأن " كل بدعة ضلالة " أصبح

стр. 369

الدليل الذي يستدل به المحسن للبدع ضده. وأما على أن المراد إجماع الصحابة، فإن الأثر ينقلب على المستدل به على حسن البدع، ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على ذم كل البدع صغيرها وكبيرها، وحذروا منها، ونهوا عن مجالسة أصحابها، بل وحذروا من كل ذريعة تؤدي إلى البدعة، ولم يُنقل عن أحد منهم التوقف في شأن بدعة محدثة في دين الله، بل كان موقفهم كما تشهد بذلك سيرتهم: اعتقادُ أن كل المحدثات ضلال وانحراف عن سواء الصراط، فإذا كان هذا هو حالهم، فهو إجماع منهم على قبح سائر البدع، وحسن محاربتهم وأهلها، وهنا يأتي، مكان الاستدلال بقول ابن مسعود ﵁: ما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ... ) . وقد رأى جميع الصحابة أن الاعتصام بالسنة أمر حسن محمود، وأن ترك البدع والتحذير منها أمر لازم ممدوح، وأن إحداث شيء من البدع سيء وقبيح.

стр. 370

القسم الثاني من شبه الأدلة: ما ورد بسند صحيح ووجه الدلالة فيه على خلاف ما فهمه المبتدع، المحسن للبدع، وهذه هي نصوص بعض الأحاديث: (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً". (٢) عن جرير بن عبد الله قال: (جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابهم حاجة، فحثّ الناس على الصدقة فأبطأوا عنه، حتى رؤى ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرّةٍ من وَرقٍ، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده، كُتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء ". (٣) عن أبري هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فحثّ عليه فقال رجل عندي كذا وكذا، قال: فما بقي في المجلس رجل إلا تصدق عليه بما قل أو كثر، فقال رسول الله ﷺ : "من استن خيراً فاستن به، كان له أجره كاملاً، ومن أجور من استن به ولا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن استن سنة سيئة فاستن به فعليه وزره كاملاً، ومن أوزار الذي استن به ولا ينقص من أوزارهم شيئاً ".

стр. 371

فيقول المبتدع في استدلاله بقوله ﷺ : " من سن سنة حسنة " إن النبي ﷺ (أجاز لنا ابتداع ما كان حسناً، وجعل في الأجر لمن ابتدعه ولمن عمل به، مالم يشق ذلك على الناس ... ) . وعلى هذا المنوال تَردُ استدلالات المبتدعة بهذا الحديث وبقوله: " من دعا إلى هدى، ومن دعا إلى ضلالة ... " وقوله: " من استنَّ خيراً فاستن به ومن استن سنة سيئة فاستن به.. " الحديث. وترد شبهتهم ـ من هذه الأدلة ـ على البدع التي يستحسنونها بقولهم: هذه النصوص نَسَبت الاستننان إلى المكلف، وفي هذه دليل على جواز اختراع شيء في الدين، ولي المراد عَملَ سنةٍ ثابتةٍ، لأنه لو كان هذا هو المراد لقال: (من أحيا سنة، أو من عمل بسنة ثابتةٍ أو من عمل بسنتي) ، ونحو ذلك، ولكن الوارد: " من سن سنة "، " من استن خيراً فاستن به " وهذا اللفظ يدل دلالة واضحة على أن من أوجد شيئاً من أمور الخير واقتُدى به فيه، فإنه يُحمد على ذلك بدوام أجره إلى يوم القيامة، بعكس من أحدث شراً، فإنه يُذم ويجازى باستمرار الآثام عليه إلى يوم القيامة. مناقشة هذه الشبهة: الناظر إلى نصوص الشريعة لا بد أن يوقن بأنه لا تضاد بينها البتة، ويلزم

стр. 372

من ذلك أن يكون نظره غليها نظراً متكاملاً، فلا يؤمن ببعض ويكفر ببعض، ولا يستدل بنص مُجْتزأ عن النصوص الأخرى أو معزول عنها، كما يفعل غالبية أهل الابتداع، بل لابد من الإحاطة بالنصوص في المسألة التي يريد إصدار الحكم فيها، إحاطة موقن بأنه لا يمكن أن تتناقض النصوص الشرعية الثابتة. وعلى هذا فلا بد من النظر إلى هذه الأحاديث، التي يستدل بها المبتدع بهذا المعيار، الذي من تجاوزه تخبّط في أحكامه. فالدعوة إلى الهدُى أو استنان سنة الخير، أو إيجاد السنة الحسنة، كل ذلك لابد أن يكون مضبوطاً بالضوابط الشرعية الثابتة بالنصوص الكثيرة: وعلى هذا فلا بد من النظر إلى هذه الأحاديث، التي يستدل بها المبتدع بهذا المعيار، الذي من تجاوزه تخبط في أحكامه. فالدعوة إلى الهُدى أو استنان سنة الخير، أو إيجاد السنة السحنة، كل ذلك لابد أن يكون مضبوطاً بالضوابط الشرعية الثابتة بالنصوص الكثيرة: فمن هذه الضوابط أن العمل الذي يعمله الإنسان مريداً به القربة على الله، لابد أن يكون مشروعاً في أصله، فإذا لم يكن كذلك فهو ابتداع أو ضلال، لقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". فمن رأى هذا النص الذي كان ينادي به الرسول ﷺ في خُطَبِهِ، وقارنه مع قوله: " من سن سنة حسنة" أو " من استن خيراً فاستُن به " يجد أن لا تناقض بينها ولا تضاد، فاستنان الخير ليس على إطلاقه بل هو مضبوط بكونه مشروعاً، فإن لم يكن له أصل شرعي معتبر يدل عليه، فهو ابتداع وضلال، حتى ولو كان في ذاته فعل خير. فملاً صلاةُ الرغائب تعتبر في ذاتها ـ مجردة عما يلحق بها ـ من أفعال الخير لوجود الذكر والتلاوة والتعبد بالركوع والسجود فيها، ولكن فعل الخير هذا لمّا لم يكن له أصل من الشرع، من حيث الهيئةُ والزمان، أصبح من البدع والمنكرات، وهكذا سائر البدع المحدثة في دين الله، وليس اعتبار الخيرية في عمل من الأعمال كافٍ في جعل هذا العمل مشروعاً، حتى يُعلم أن هذا الخير له أصل في الشرع لا من جهته الذاتية المنفصلة، بل ومن جهة ما يتبعه من هيئات وصفات ومتعلقات ...

стр. 373

ولزيادة التوضيح ترد قصة ابن مسعود ﵁ مع الذين اجتمعوا في مسجد الكوفة، يذكرون الله بصفةٍ جماعية، وبين أيديهم الصحى يذكرون بها فأنكر عليهم ابن مسعود وزجرهم واعتبر عملهم هذا بدعةَ ضلالةٍ، وإحداث على غير هدى، مع أن الذكر في اصله مشروع، وقد وردت أحاديث في فضله، وفضل المجتمعين على ذكر الله، وهو من أمور الخير بلا شك، ولكن ذلك لم يكن مانعاً من إنكار ابن مسعود وتبديعه لهذا العمل، ومع أنه من أعلم أهل زمانه بفضل الذكر ومجالسه، ولكنه لما رأى هؤلاء أحدثوا هيئةً للذكر، وطريقة يتعبدون بها، ولم يكن ذلك معهوداً في عهده ﷺ أنكر عليهم ﵁، وحصبهم حتى أخرجهم من المسجد، ولم ينقل عن أحد منهم أنه احتج بأن: "من استن خيراً فاستُن به كان له أجره كاملاً ومن أجور من استن به". ولم يعتبر ابن مسعود الخيرية الحاصلة بالذكر، منفصلة عن الخيرية الحاصلة بالاتباع وترك الابتداع، ولذلك أنكر عليهم وبدَّع عملهم. وهكذا يطرَّد هذا المعنى في سائر الأمور ... ثم يقال لماذا يتمسّك المبتدع أو المحسن لبعض البدع بقوله: " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.. " الحديث. ويعرض عن قوله ﷺ : " ... من رغب عن سنتي فليس مني "، مع أنهما متلازمان من حيث المعنى والمقصد. وهكذا كان فهم السلف ـ رضوان الله عليهم ـ للسنة والمراد بها، كما قال عمر ابن عبد العزيز ﵀: (سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، ومن اقتدى بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) . وهذا سعيد بن المسيب ـ

стр. 374

رحمه الله ـ ينهى الرجل الذي رآه يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود، فقال له الرجل: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة، قال: (لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة) . ثم إن الناظر بعين الإنصاف والبحث عن الحق، يجد أن النصوص الذامة للبدع، نصوص عامة تكرر عمومها في أحاديث كثيرة من غير تخصيص، وقول القائل بأن المراد بقوله: " من سن سنة حسنة " الاختراع والابتداع الحسن، يلزم منه التعارض بين الأدلة الثابتة، وهذا غير مقبول، مع أنه قد توضح بأنه لا تعارض مطلقاً وإنما هي من باب المطلق والمقيد ... فقوله ﷺ : " من سن سنة حسنة " وقوله: " من استن خيراً فاستُّن به " من المطلق الذي قُيّدَ بقوله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وقوله: " من رغب عن سنتي فليس مني " وقوله: " وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " هذا على افتراض أن المراد بقوله: " من سن سنة حسنة " الاختراع والابتداء والإيجاد، مع أن هذا ليس هو المراد، وإنما المراد العمل بما ثبت أنه من السنة، والدليل على أن هذا هو المراد ما يلي: ١- أن سبب قوله ﷺ : " نسنة سنة حسنة " حادثة القوم الحفاة العراة الذين لما رآهم ﷺ خطب في الناس، وحث على الصدقة عليهم، فأبطأ الناس حتى كره ذلك رسول الله ﷺ ثم جاء رجل من الأنصار بصّرةٍ من مال فوضعها، ثم تتابع الناس فقال رسول الله ﷺ " من سن سنة حسنة.. " الحديث.

стр. 375

فدلت هذه القصة على السنة المقصودة في هذا الحديث وهي العمل بما ثبت كونه مشروعاً، إ السنة التي سنّها الأنصاري ﵁ هي: مبادرته إلى الصدقة التي حضّ عليها رسول الله ﷺ ، ومن هذا السبب لورود الحديث، يتبين أن المراد به عمل ما هو مشروع، وليس إحداث ما ليس مشروعاً ن ثم تسميته سنة حسنة كما فهم المبتدع. ٢- أن قوله ﷺ : " من سن سنة حسنة " لايمكن حمله على الاختراع والأحداث والابتداء عن غير أصل مشروع معتبر، لأن كون العمل حسناً أو سيئاً قبيحاً لا يُعرف إلامن جهة الشرع ... نعم، يدرك العقل حسن الشيء وقبحه، فيما هو متعلق بالمدح والثواب والذم والعقاب، ولكنه لا يستلزم حكماً في فعل العبد، بل يجعل الفعل صالحاً لاستحقاق الأمر والنهي من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقلُ حسنَه، ولكن إدراك العقل حسن الشيء، لا يلزم منه حكماً بالوجوب أو الاستحباب، بل الحكم من خطاب الشارع، فلو لم يرسل الله رسولاً، لم يكن هناك أمر ولا نهي ولا عقاب، ولا أدرك العقل مصلحةَ أو مفسدةَ الفعل، ومن هنا يقال: بأن حسن الشيء وقبحه وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، يأتي كل ذلك من قبل الشرع والعقل يدرك الحسن والقبح، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو وسط في هذا الباب، بين المعتزلة الذين يقولون بأن الحسن والقبح عقلي لا يتوقف معرفته وأخذه عن الدليل السمعي، والأشاعرة الذين قالوا بأن العقل لا يدرك حسن الشيء ولا قبحه مطلقاً، وإنما الحسن ما حسّنه الشرع، والقبح ما قبّحه الشرع. ومذهب أهل السنة هو الوسط الذي قال بإدراك العقل حسن الشيء وقبحه، ولكن بدون أن يكون مستلزماً لأمرٍ أو نهي أو ثواب أو عقاب، لأن

стр. 376

ذلك من خصائص الشارع الحكيم ... ومن هنا نقول بأن استحسان العقل أو الذوق لفعل من الأفعال لا يكون مبرراً لإٌحداثه واعتباره سنة حسنة، لأنه لو اعتبر ذلك، من غير نظر إلى حكم الشارع لا نفرط عقد الشريعة، ولقال كل من شاء ما شاء، ولفعل كل إنسان ما أملاه عليه عقله أو ذوقه، فإذا عُلم ـ مع ما سبق ـ مقدار تنوع عقول الناس وأفهامهم وأذواقهم، عُرف كم في حشايا القول باستحسان البدع من خطرٍ على الدين، وافتئات على الله وشرعه القويم الكامل، الذي قال فيه جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً﴾ . ومن الأدلة التي اشتبهت على محسنّني البدع: ١- حديث وابصة بن معبد ﵁ قال: (جئت إلى رسول الله ﷺ أسأله عن البر والإثم فقال: " جئت تسأل عن البر والإثم؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما جئتك أسألك عن غيره، فقال: البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك الناس) . وفي لفظ: " استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس،

стр. 377

والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس ". وبمعنى حديث وابصة حديث أبي ثعلبة الخُشني. قال: (قلت: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي ويحرم علي، قال فصعّد النبي ﷺ وصوّب فيّ النظر، فقال النبي ﷺ : " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، وأُم ما لم تسكن غليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون ... " الحديث. ٢- عن أبي أمامه الباهلي ﵁ قال " (سأل رجل النبي ﷺ " ما الإثم؟ قال: إذا حكّ في نفسك شيء فدعه، قال: فما الإيمان؟ قال: إذا ساءَتك سيئتُك، وسركتك حسنتك، فأنت مؤمن) .

стр. 378

٣- وبمعنى ما مضى: عن النواس بن سمعان ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) . وهذه الأحاديث الأربعة بمعنى متقارب، يستدل بها وبأمثالها من الأحاديث والآثار، المحسّن للبدع، على أن معناها الرجوع في الأمور الحادثة في الدين إلى ما يقع بالقب، ويهجُس في النفس، فإذا اطمأنت إليه النفس ولم تجد حرجاً فهو صحيح حسن، يصلح أن يكون قربة، لأنه بِرّ يجازي الله عليه بالثواب. وأما إذا تحرّجت النفس فيه وارتابت وترددت، فإنه، قبيح يحظر الإقدام عليه، ولا يصلح أن يكون قربه لكونه مأثماً. وإن في مجموع هذه الأحاديث، دليلاً على أن الاستحسان والاستقباح الذي يقع بالقلب، أمر يصح الاعتماد عليه لقوله: " استفت قلبك ". وفيه دلالة واضحة على أن لاستحسان العقول وميل النفوس أثراً في شرعية الأحكام. مناقشة هذه الشبهة: تتعلق هذه الأحاديث بأمور عدةٍ، منها ما يخص الكلام عن البدعة، ومنها ما تدخل فيه البدعة من وجه دون وجه، ومنها ما لاعلاقة له ببحث البدعة، وسيكون الكلام عن القسمين الأولين وهما يدوران حول الأمور التالية:

стр. 379

١) الإلهام ومتى يعتبر ومتى لا يعتبر؟ ٢) متى يصح استفتاء القلب؟ ٣) المتشابه. ٤) دليل الحكم ومناط الحكم. والكلام على الأمرين الثالث والرابع منضوٍ ـ مع غيره ـ تحت الأمر الثاني أما الأمر الأول فهو: (١) الإلهام: ويراد به ما يُلقى في روح الإنسان من علم أو عمل أو إرادة. وقد يسمى العلم اللدنّّي. وبين الإلهام وكلّ من التحديث والفراسة والإعلام بلا واسطة والكشف، عموم وخصوص من حيث الحقيقة والمتعلق، وتنقسم كل هذه المعاني من حيث الحكم إلى قسمين: الأول: حق في ذاته ومتعلقاته، وهو ما كان ثمرة العبودية والمتابعة والصدق مع الله، والإخلاص له، وبذلك الجهد في تقلي العلم من مشكاة رسوله ﷺ وكمال الانقياد له. الثاني: باطلٌ وشر في ذاته ومتعلقاته، وهو ما كان ثمرة للإعراض عن الوحي وتحكيم الهوى والشيطان، وما تشتهيه الأنفس. وعلى ذلك فإن الإلهام الذي يقع في روع المسلم إما أن يكون رحمانياً أو

стр. 380

شيطانياً، ويُعرف ذلك بحال صاحبه، كما تقدم، ويعرف كذلك بالشيء المُلهَم به، فإن كان ما وقع في القلب من علم أو إرادة أو عمل، مضاداً للشريعة بالابتداع، وللكتاب والسنة بالاستدراك والأحاديث، فهو إلهام شيطاني، كما يقع لكثير من الصوفية وغيرهم المبتدعة، وإن كان الذي وقع في القلب إنما هو من باب الترجيح بين الأدلة المتكافئة، أو النظر في مناط الحكم، أو عند الاشتباه بين الحلال والحرام ونحو ذلك، وكان الذي وقع عليه الإلهام ممن شرح الله صدره بالإيمان، ووفقه للعلم النافع، وهداه للاعتصام بالسنة، فهو إلهام رحماني، يعتبر دليلاً في حقه، وترجيحُهُ بهذا الإلهام ترجيحٌ شرعيٌ، بشرط أن لايكون مخالفاً للشرع. وبهذا التقسيم يمكن معرفة المعتبر من غيره في مسألة الإلهام، التي يُستَدل عليها بالأحاديث السابقة، وغيرها من الأحاديث والآثار.. ويمكن معرفة مراد السلف في إنكارهم وذمهم للمتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند على دليل شرعي بل إلى مجرد رأي وذوق، وكذلك إنكارهم للكلام في مسائل الحلال والحرم، بمجرد الرأي، من غير دليل شرعي. ومع هذا الإنكار ورد عنهم اعتبار الرجوع إلى ما في القلب عند الاشتباه والترجيح، ونحو ذلك من الحق الذي دلت عليه النصوص النبوية، وفتاوى الصحابة. بحيث لا يكون في ذلك الرجوع، خروج على قاعدة " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وقاعدة " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " ... وبهذا التقسيم المضبوط بالشروط، يتضح موقف من قبل الإلهام من أهل الأصول، ومن

стр. 381

رده بيد أنه يجب التنبه إلى أن هذا الباب ولج منه مبتدعة الصوفية والرافضة، إلى اعتقادات هي غاية في الضلال والزندقة، حيث جعلوا ما يقع في القلب بمثابة الوحي من الله، وفي منزلته في وجوب اتباعه، فاعتقدت الاثنى عشرية العصمة في أئمتهم، واعتقدت الصوفية مثل ذل في مشائخهم. كقول أحدهم عند كلامه عن الإلهام: (وإن تأملت في مقامات الأولياء ومواجيدهم وأذواقهم ـ وذكر مجموعة من الصوفية ثم قال: علمت أن ما يلهمون به لا يتطرق إليه احتمال وشبهة، بل حقٌ حقٌ حق، مطابقٌ لما في نفس الأمر ـ على أن قال ـ وإن تأملت في كلام الشيخ الأكبر خليفة الله في الأرضين، خاتم فص الولاية: الشيخ محي الملة والدين، الشيخ محمد بن العربي قُدس سره، ووفقنا لفهم كلماته الشريفة، لما بقي لك شائبةُ وهمٍ وشكٍ في أن ما يُلهمون به من الله تعالى ... ) . وهذا كله من الضلال الذي يُعارض دين الله، فيس لأحد كائناً من كان اعتقادَ الشريعة والعصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ لا بذوق ولا برأي ولا بكشف، ومن اعتقد ذلك فقد خلع سربال العبودية لله تعالى، وارتدى مرقعات الإشراك، فتعوذ بالله من الضلال. وجماع القول في باب الإلهام الذي يحتج به طوائف من أهل الابتداع، ويستدلون عليه بأحاديث استفتاء النفس والقلب ما يلي: ١) الإلهام والكشف منه ما هو حق وصواب، ومنه ما هو باطل وضلال. . ٢) الإلهام الحق هو الذي توفرت فيه وفي صاحبه هذه الأمور: (أ) الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ظاهراً وباطناً، وكمال الانقياد لها والتحلّي بالتقوى والإخلاص والمتابعة.

стр. 382

(ب) أن يكون تابعاً لحكم شرعي، ولدليل من الوحي لا مستأنفاً لحكم من عنده، أي أنه ليس بدليل منفصل ولا مستقل. (ج) أن يكون موافقاً للكتاب والسنة، وغير متعارض معهما، لنه لو كان يأتي الإنسان من الله مالا يحتاج عرضه على الكتاب والسنة، لكان مستغنياً عن الرسول في بعض دينه وهذا كفر. ٣) الإلهام والتحديث والكف، الواقعة للمؤمن التقي المتبع للسنة، منه ما هو خطأ، ومنه ما هو صواب، والكتاب والسنة تميز صوابه من خطئه. ٤) الأصل في رد الأحكام والفتيا في الأعمال والأخبار، إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما عدا ذلك من اجتهاد أو نظر أو إلهام فهو تابع في منزلته وحكمه للنقل، لأنه هو حجة الله على خلقه. ٥) الإلهام الحق لا يقع في كل شيء، بل هو واقع في حيز الأمور التي يصح استفتاء القلب فيها، وهذا هو الأمر الثاني الذي يجري الحديث عنه. (٢) متى يصح استفتاء القلب؟ وقد مر ذكر ذلك عرضاً في مسألة الإلهام، وهنا بعض التفصيل: ١- لايوجد أمر من أمور الدين إلا قد بينه الله ووضّحه رسوله ﷺ أكمل توضيح، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً﴾ . وكما قال رسول الله ﷺ : " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك".

стр. 383

وهذا الأصل لا ينكره إلا زائع هالك. ٢- ينبني على هذا الأصل، أن المرجع في الأمور كلها، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمنها التشريع وإليهما التحاكم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ إلى قوله سبحانه ـ ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللهُ إِليْكَ ... ﴾ . وقد حظر على نبيه محمد ﷺ العمل والحكم بغير الوحي فقال : ﴿إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللهُ﴾ (فأمره بالحكم بما أراه الله، لا بما رآه هو أو حدثته به نفسه، فغيره من البشر أولى أن يكون ذلك محظوراً عليه) . وهذا أصل ثان، وعليه من أدلة الكتاب والسنة وأقواله الصحابة والتابعين ما يفوق هذا الحيز المختصر. ١- عند النظر إلى حديث " استفت نفسك "و " استفت قلبك " وما في معناه، فإنه يجب إلحاقها بالأصلين السابقين، فمتى ظن أحدٌ أن استفتاء القلب هو

стр. 384

بإيجاد حكم مستقل عن الدليل الشرعي، فقد ضل ضلالا بعيداً. ٢- وارداتُ القلوب من إلهام وكشف وتحديث ونحو ذلك، تدخل عند العلماء في الأمور التالية: أ- الاشتباه في الأمر هل هو بِرّ أو إثم، حلال أو حرام ... والبدعةُ ليست من المشتبه، بل هي واضحة الحكم في قوله ﷺ "كل بدعةٍ ضلالة " وقوله: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" ب- عند الترجيح بين الأدلة الشرعية المتكافئة، عند من هو أهل للنظر والترجيح علماً وإخلاصاً واتباعاً ... ليست البدعة من هذا الباب حتى يُستفتي القلب فيها، بل هي داخلة تحت الأدلة الشرعية المحكمة، الدالة كلها على أن كل ابتداع شر وفساد. جـ- (الله فطر عباده على الحنيفية: وهو حب المعروف، وبغض المنكر، فإذا لم تَسْتحِلْ الفطرة فالقلوب مفطورة على الحق، فإذا كانت الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان، منّورة بنور القرآن، وخفي عليها دلالة الأدلة السمعية الظاهرة، ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين، كان هذا أقوى الأمارات عند مثله) . وهذا الكلام هو معنى " البر ما أطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في صدرك " د - الترجيح بين المباحات من المِلْك والمال وغير ذلك، إذا تعذر الترجيح بسبب شرعي معلوم وكذلك الحكم في فضول المباحات. فإنه قد يُرجع فيها إلى استفتاء القلب، واعتبار ما يُلهمه الله به.

стр. 385

هـ- النظر في دليل حكم المسألة لابد أن يكون من الكتاب والسنة، أما النظر في مناط الحكم، فإنه لا يلزم أن يكون المناط ثابتاً بدليل شرعي فقط، فيصح استفتاء القلب في مناط الحكم إذا لم يكن منصوصاً عليه، ومثال ذلك: إذا سأل العامي عن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة، إذا فعله المصلي هل تبطل صلاته أم لا؟ فقال له العالِم إذا كان الفعل يسيراً لم تبطل، وإن كان كثيراً بطلت صلاته ... كان ذلك كافٍ في أن ينظر العامي في الفعل الذي هو مناط الحكم، فيميز بين اليسير والكثير، وفي هذا المثال الأدنى دليل على ما هو أعلى في مسألة مناط الحكم، ومثله الدم الفاحش على الثوب وحكمه في الصلاة ... وهذا التفريق بين دليل الحكم ومناط الحكم، هو ما يمكن أن يطلق عليه من وجه آخر الأحكام الكلية، والأحكام المعينات. (فإن الشارع بين الأحكام الكلية وأما الأحكام المعينات التي تسمى تنقيح المناط، مثل كون الشخص المعين عدلاً أو فاسقاً، أو مؤمناً، أو منافقاً، أو ولياً لله، أو عدواً له، وكون هذا المعين عدواً للمسلمين يستحق القتل، وكون هذا العقار ليتيم أو فقير يستحق الإحسان إليه، وكون هذا المال يُخاف عليه من ظلم ظالم، فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله، فهذه الأمور لا يجب أن تعلم بالأدلة الشرعية العامة الكلية، بل تعلم بأدلة خاصة تدل عليها. ومن طرق ذلك الإلهام، فقد يُلهم الله بعض عباده حال هذا المال المعين، وحال الشخص المعين، وإن لم يكن هناك دليل ظاهر يشركه فيه غيره ". وهذا المعنى لا ينطبق على المحدثات بوجهٍ من الوجوه، لأن أدلتها العامة الكلية من أوضح الواضحات في دين الله، فلا يرجع فيها بحال من الأحوال إلى الإلهامات، أو زوال الحرج في النفس والقلب، لأنها منضوية تحت الأحكام الكلية في الشريعة، وجميع

стр. 386

المعينات من الحوادث والبدع لا تخرج عن الأدلة الشرعية العامة الكلية، الناهية عن الابتداع والآمرة بالإتباع. وعلى كل ما سبق يتبين أن البدعة لا تدخل في الأمور التي يستفتى فيها القلب، لكونها بيّنة الحرمة والقبح، غير مشتبهة، ولكون أدلتها الشرعية ناصة على ذلك، ولكونها من المنكر والإثم الذي لا تخفى أدلته السمعية على أحد، وليست من المباحات حتى ينظر فيها بمسبار الحرج القلبي أو عكسه، وليست من أبواب تنقيح المناط.

стр. 387

ومن الأدلة التي اشتبهت على محسني البدع: ما ورد عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، من وصف ٍ لبعض الأعمال بأنها بدعة، من غير ذم ٍ لها: ١- كقول عمر ﵁ عن صلاة التراويح جماعة ً: (نعمت البدعة هذه) . ٢- وقول غضيف بن الحارث الثمالي ﵁: (بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء إنا قد أجمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ ، قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبكم إلى شيء ٍ منهما، قال: ولم؟ ، قال: لأن النبي ﷺ قال: ما أحدث قوم ٌ بدعة ً إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنة ٍ خير ٌ من إحداث بدعة) . ٣- عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: (صليت خلف رسول الله ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بني إنها بدعة) .

стр. 388

٤- قول عبد الله بن عمر ﵄ لما سأله مجاهد، وعروة بن الزبير عن الناس الذين يصلون الضحى في المسجد، قال (بدعة) . وفي لفظ عند عبد الرزاق في المصنف أنه قال: (لقد قتل عثمان، وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئا ً أحب إلي منها) . وفي لفظ عنده أيضا ً من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر أنه قال: (قد أصيب عثمان، وما أحد يسبحها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي ... ) . الأثر. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن الحكم بن الأعرج قال: (سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة) ، وقد أورد ابن أبي شيبة هذا الأثر أيضا ً

стр. 389

عن الحكم بن الأعرج، قال: (سألت محمداً عن صلاة الضحى، وهو مسندٌ ظهره إلى حجرة النبي ﷺ فقال: بدعة ٌ ونعمت البدعة) . وفي مصنف ابن أبي شيبة عن سعيد بن عمرو القرشي قال: (ابتعت أبا عبد الله بن عمر لأتعلم منه، فما رأيته يصلي السبحة، وكان إذا رآهم يصلونها قال: من أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذه) . وقد احتج المحسّن للبدع بهذه الآثار زاعماً أن الصحابة استحسنوا بعض البدع، فوصفوا بعض المحدثات بأنها: نعمت البدعة، وأنها من أمثل ما أُحدث، أو أحب ما أُحدثه الناس، أو أحسن ما أحدثوا، وسكتوا عن النهي عن بعض البدع مكتفين بوصفها بأنها بدعة، وهذا كاف ٍ في اعتبار أن بعض المحدثات كانت محبوبة ومستحسنة عند الصحابة رضوان الله عليهم، وفي هذا دليل ٌ على أن عموم " كل بدعة ضلالة " مخصص عندهم، إذ لو كان الأمر على إطلاقه لما صح وصف الصحابة لبعض البدع بالحسن أو نعتها بألفاظ التفضيل، كنِعْمَ وأحبُّ

стр. 390

وأمثلُ وأحسن ُ ونحو ذلك، مما يدل على أن وصف الضلالة، إنما يخص البدع القبيحة والسيئة، أما البدع الحسنة فمحمودة ٌ مثاب ٌ عليها ... ولمناقشة هذا القول، والأدلة التي يستدل بها المحسِّن للبدع يحسُن أن يكون الكلام على الآثار التي استدل بها، ثم على المعنى المراد من هذه الآثار: ١- أما حديث عمر بن الخطاب ﵁ في جَمْع الناس لصلاة التراويح على إمام ٍ واحد فنصه عند البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة ً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع ٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ثم خرجت معه ليلة ً أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) . واحتجاج محسِّن البدع بهذا الحديث منقوض بما يلي: أولا ً: أن فعل عمر ﵁، حينما جمع الناس في التراويح على إمام ٍ واحدٍ مأخوذٌ من فعله ﷺ ، كما روى البخاري وغيره عن عائشة ﵂ أخبرت: (أن رسول الله ﷺ خرج ليلة ً من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال ٌ بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلى بصلاته، فلما كان الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما
следующие страницы →