← Акыда

Акыда · id 21539

حقيقة البدعة وأحكامها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (506 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المعينات من الحوادث والبدع لا تخرج عن الأدلة الشرعية العامة الكلية، الناهية عن الابتداع والآمرة بالإتباع. وعلى كل ما سبق يتبين أن البدعة لا تدخل في الأمور التي يستفتى فيها القلب، لكونها بيّنة الحرمة والقبح، غير مشتبهة، ولكون أدلتها الشرعية ناصة على ذلك، ولكونها من المنكر والإثم الذي لا تخفى أدلته السمعية على أحد، وليست من المباحات حتى ينظر فيها بمسبار الحرج القلبي أو عكسه، وليست من أبواب تنقيح المناط.

стр. 387

ومن الأدلة التي اشتبهت على محسني البدع: ما ورد عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، من وصف ٍ لبعض الأعمال بأنها بدعة، من غير ذم ٍ لها: ١- كقول عمر ﵁ عن صلاة التراويح جماعة ً: (نعمت البدعة هذه) . ٢- وقول غضيف بن الحارث الثمالي ﵁: (بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء إنا قد أجمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ ، قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبكم إلى شيء ٍ منهما، قال: ولم؟ ، قال: لأن النبي ﷺ قال: ما أحدث قوم ٌ بدعة ً إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنة ٍ خير ٌ من إحداث بدعة) . ٣- عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: (صليت خلف رسول الله ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بني إنها بدعة) .

стр. 388

٤- قول عبد الله بن عمر ﵄ لما سأله مجاهد، وعروة بن الزبير عن الناس الذين يصلون الضحى في المسجد، قال (بدعة) . وفي لفظ عند عبد الرزاق في المصنف أنه قال: (لقد قتل عثمان، وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئا ً أحب إلي منها) . وفي لفظ عنده أيضا ً من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر أنه قال: (قد أصيب عثمان، وما أحد يسبحها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي ... ) . الأثر. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن الحكم بن الأعرج قال: (سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة) ، وقد أورد ابن أبي شيبة هذا الأثر أيضا ً

стр. 389

عن الحكم بن الأعرج، قال: (سألت محمداً عن صلاة الضحى، وهو مسندٌ ظهره إلى حجرة النبي ﷺ فقال: بدعة ٌ ونعمت البدعة) . وفي مصنف ابن أبي شيبة عن سعيد بن عمرو القرشي قال: (ابتعت أبا عبد الله بن عمر لأتعلم منه، فما رأيته يصلي السبحة، وكان إذا رآهم يصلونها قال: من أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذه) . وقد احتج المحسّن للبدع بهذه الآثار زاعماً أن الصحابة استحسنوا بعض البدع، فوصفوا بعض المحدثات بأنها: نعمت البدعة، وأنها من أمثل ما أُحدث، أو أحب ما أُحدثه الناس، أو أحسن ما أحدثوا، وسكتوا عن النهي عن بعض البدع مكتفين بوصفها بأنها بدعة، وهذا كاف ٍ في اعتبار أن بعض المحدثات كانت محبوبة ومستحسنة عند الصحابة رضوان الله عليهم، وفي هذا دليل ٌ على أن عموم " كل بدعة ضلالة " مخصص عندهم، إذ لو كان الأمر على إطلاقه لما صح وصف الصحابة لبعض البدع بالحسن أو نعتها بألفاظ التفضيل، كنِعْمَ وأحبُّ

стр. 390

وأمثلُ وأحسن ُ ونحو ذلك، مما يدل على أن وصف الضلالة، إنما يخص البدع القبيحة والسيئة، أما البدع الحسنة فمحمودة ٌ مثاب ٌ عليها ... ولمناقشة هذا القول، والأدلة التي يستدل بها المحسِّن للبدع يحسُن أن يكون الكلام على الآثار التي استدل بها، ثم على المعنى المراد من هذه الآثار: ١- أما حديث عمر بن الخطاب ﵁ في جَمْع الناس لصلاة التراويح على إمام ٍ واحد فنصه عند البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة ً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع ٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ثم خرجت معه ليلة ً أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) . واحتجاج محسِّن البدع بهذا الحديث منقوض بما يلي: أولا ً: أن فعل عمر ﵁، حينما جمع الناس في التراويح على إمام ٍ واحدٍ مأخوذٌ من فعله ﷺ ، كما روى البخاري وغيره عن عائشة ﵂ أخبرت: (أن رسول الله ﷺ خرج ليلة ً من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال ٌ بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلى بصلاته، فلما كان الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما

стр. 391

قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك) . ففي هذا الحديث النص الصريح على أن الناس اجتمعوا على إمام ٍ واحدٍ في عهده ﷺ ، وبفعله ﵊، وأنه إنما ترك ذلك رأفة ً بأمته، وخشية ً منه ﵊ أن تفرض عليهم، وقد ذكر هذا المعنى الحافظ في الفتح نقلا ً عن بعض العلماء عند شرحه لقول عمر بن الخطاب ﵁ عندما رأى الناس يصلون أوزاعا ً قال: (لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ... ) . قال: ( ... استنبط عمر ذلك من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في تلك الليالي، وإن كان كره ذلك لهم، فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم - إلى أن قال ناقلا ً عن غيره - قيام رمضان سنة؛ لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي ﷺ ، وإنما تركه النبي ﷺ خشية الافتراض) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على الذين يحتجون بقول عمر: (نعمت البدعة) على حسن بعض البدع: (أما قيام رمضان فإن رسول الله ﷺ سنه لأمته، وصلى بهم جماعة ً لعدة ليال، وكانوا على عهده يصلون جماعة ً وفرادى، لكن لم يداوموا على جماعة ٍ واحدةٍ؛ لئلا تفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ استقرت الشريعة، فلما كان عمر ﵁، جمعهم على إمام واحد، وهو أُبي بن كعب ﵁ الذي جمع الناس عليها بأمر من عمر بن الخطاب ﵁، وعمر ﵁ هو من الخلفاء الراشدين، حيث يقول الرسول ﷺ :

стр. 392

(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ... ) . وقال عليه رحمة الله في الاقتضاء: (فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله في الجماعة - إلى أن قال - ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة أو شهر رمضان ليلتين بل ثلاثا ً، وصلاها أيضا ً في العشر الأواخر في جماعة مرات - إلى أن قال - وكان الناس يصلونها جماعات في المسجد على عهده ﷺ وهو يقرهم، وإقراره سنة ٌ منه ﷺ ، وبمثل قول شيخ الإسلام هذا قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ والشاطبي في الاعتصام. ثانيا ً: أن قول عمر ﵁: (نعمت البدعة هذه) ، ينصرف إلى البدعة اللغوية لا الشرعية، وذلك لأمور: الأول: أن صلاة التراويح جماعة قد ثبت فعلها جماعة ً على إمام واحد في عهده ﷺ فلا يمكن أن يسمي عمر هذه السنة الثابتة بدعة إلا من باب اللغة. الثاني: أن صرف قول عمر إلى البدعة اللغوية هو الأولى والأجمل بالفاروق ومنزلته ﵁، فهل يعقل أن يرضى عمر بالبدعة في دين الله وقد تلقى مع غيره من الصحابة قول النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة) ؟ ! مع ما عرف عنه ﵁ من حرص على اتباع السنة ومحاربة البدعة، بل وقطع كل ذريعة تؤدي إلى البدعة

стр. 393

الثالث: أنه يرد في استعمال الصحابة بعض المصطلحات الشرعية بمعانيها الأصلية في لغة العرب، كقول أُبي بن كعب ﵁ للنبي ﷺ : (أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذا ً تكفى همك ويغفر لك ذنبك) . ومراده بقوله صلاتي: " دعائي "، كما في الرواية الأخرى للحديث ألا أجعل دعائي لك كله) . وكقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ في نفر ٍ من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له ... ) الحديث. والمراد: أنه طأطأ رأسه وانحنى له، ففي لسان العرب: (أسجد الرجل: طأطأ رأسه وانحنى، وكذلك البعير. قال الأسدي أنشده أبو عبيد: وقلن له اسجد لليلى فاسجدا يعني بعيرها أنه طأطأ رأسه لتركبه) . والسجود بالمعنى الشرعي هو: الجلوس على الأعضاء السبعة عبادةً لله سبحانه. وليس هذا هو مراد أم المؤمنين في وصفها للبعير، وإنما مرادها المعنى اللغوي، وكذلك لفظ الصلاة في حديث أبي بن كعب ﵁ أراد به المعنى اللغوي، قال في لسان العرب نقلا ً عن ابن الأثير: (وقد تكرر في الحديث ذكر الصلاة

стр. 394

وهي العبادة المخصوصة وأصلها الدعاء في اللغة) . ومن هذا الباب قول عمر ﵁: (نعمت البدعة هذه) أراد بها البدعة بالمعنى اللغوي، وكان هذا المعنى معروفا ً في لغة العرب، فكانت تطلق لفظ البدعة على الأمر الجديد، كما روى الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد الديلي قال: (إني لمع أبي، رجل ٌ شاب ٌ أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل ووراءه رجل ٌ أحول وضيء ذو جمة ٍ يقف رسول الله ﷺ على القبيلة يقول: يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ً، وأن تصدقوني حتى أُنفِذَ عن الله ما بعثني به، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من مقالته قال الآخر من خلفه، يا بني فلان إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الحي بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه، فقلت لأبي من هذا؟ فقال: عمه أبو لهب) . وقد فهم جماعة من العلماء هذا المراد من قول عمر ﵁ ونصوا على ذلك في كلامهم، وإليك قول طائفة منهم على سبيل التمثيل: قال ابن رجب الحنبلي ﵀ في جامع العلوم والحكم: (فكل من أحدث شيئا ً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريءٌ منه، وسواء ٌ في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام ٍ واحد ٍ في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: (نعمت البدعة هذه) .

стр. 395

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ... أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فُعل ابتداء ً من غير مثالٍ سابق ٍ، وأما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه دليل شرعي - إلى أن قال - ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وقد عُلم أن قول النبي ﷺ لم يرد به كل عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاء به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو ﷺ . وقال ﵀: ( ... كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة، وما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة، كما قال: (نعمت البدعة هذه) ... ) . وقال في موضع ٍ آخر: (ولا يحتج محتج بجمع التراويح ويقول: (نعمت البدعة هذه) فإنها بدعة في اللغة ... ) . وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (والبدعة على قسمين: تارة ً تكون بدعة ً شرعية ً كقوله: " فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "، وتارة ً تكون بدعة ً لغوية ً، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم (نعمت البدعة هذه) .

стр. 396

وتحدث الشاطبي معبرا ً عن ما يشبه هذه المعاني في معرض رده على المستحسن للبدع، والمستدل عليها بقول عمر ﵁، فقال: ( ... إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁، لا لأنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؛ لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه ... ) . وقال في موضع ٍ آخر موجها ً كلام العز في تسمية بعض المصالح المرسلة بدعا ً: ( ... وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعاً في اللفظ كما سمى عمر ﵁ الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة) . ثالثا ً: لو افترض أن هذا الفعل من عمر ﵁ ليس له دليل من السنة، ولا يصح صرف معنى قوله: (نعمت البدعة) إلى المعنى اللغوي، فإن فعله ﵁ محل اقتداء لكونه من الخلفاء الراشدين الذين أمر النبي ﷺ بالتزام سنتهم حيث قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ". وإلى هذا المعنى أشار ابن رجب ﵀ عند كلامه على معنى قول عمر ﵁: (نعمت البدعة هذه) حيث بين أنه هذا العمل له أصل في الشريعة، ثم ذكر أدلة المشروعية، فقال: (ومنها أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي ﵃ .

стр. 397

وأشار لهذا المعنى أيضا ً شيخ الإسلام فقال: (فلما كان عمر ﵁ جمعهم على إمام واحد، والذي جمعهم أٌبي بن كعب جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب ﵁، وعمر هو من الخلفاء الراشدين، حيث يقول ﷺ " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " يعني بالأضراس لأنها أعظم في القوة) ، وأشار لهذا المعنى كذلك: الحافظ أبو موسى الأصفهاني في المجموع المغيث حيث قال: (وقيام شهر رمضان في حق التسمية غير بدعة؛ لقوله ﵊: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " و " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر ٍ وعمر ") . ٢- وأما حديث غضيف بن الحارث عن رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد الصبح والعصر وقوله فيها: (أما أنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبكم إلى شيء ٍ منها) فالجواب على احتجاج محسن البدع به، من أوجه: الأول: أن الحديث ضعيف الإسناد فلا يصح الاحتجاج به، وإنما أوردته هنا مع أن محله القسم الأول الذي فيه الأدلة الضعيفة والموضوعة التي يحتج بها المبتدع؛ لكونه يتشاكل مع حديث: (نعمت البدعة) وحديث ابن عمر: (إنها لمن

стр. 398

أحب ما أحدث الناس إلي) وقوله عن صلاة الضحى: (من أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذه) ووجه المشاكلة أن المبتدع وجد في هذه الآثار شبهة تعلق بها، وهي ثناء هؤلاء الأجلاء على بعض ما رأوه من أعمال، ووصفهم لها بالحسن أو الأفضلية، مع أن المعنى على خلاف ما فهمه المبتدع كما مر تفصيل ذلك في حديث عمر (نعمت البدعة) أما وجه ضعف حديث غضيف بن الحارث فهو أن فيه أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني وهو ضعيف، قال ذلك عنه أحمد وغيره، وقد روي عن أبي بكر بن عبد الله بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعن هذا الحديث. الثاني: وعلى افتراض صحة هذا الأثر عن غضيف بن الحارث فإنه لا حجة فيه لمحسن البدعة؛ لأنه وصف هذا العمل بالبدعية، وتبرأ من إجابة عبد الملك بن مروان على شيء ٍ منها، ثم أردف بما روى عن النبي ﷺ : " ما أحدث قوم ٌ بدعة ً إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة ٍ خير من إحداث بدعة ". وكل ذلك يدل على ذمه للبدعة وبراءته منها، وليس في هذا الأثر ما يدل على حسن البدعة، بل الذي فيه قبح سائر البدع صغيرها وكبيرها.

стр. 399

الثالث: قوله: (إنهما أمثل بدعتكم) ليس فيه ثناء على البدعة بل حقيقة هذا القول، ومعناه الذي يتناسب مع سياق الحديث ولغة العرب، أنه وصف هذا العمل بالبدعة التي تقرر عند جميع الصحابة ضلالتها وفسادها. أما لفظة.. (أمثل) فإنها تأتي في لغة العرب بعدة معان، منها قولهم: (المريض اليوم أمثل، أي أحسن حالا ً، من حالة ٍ كانت قبلها ... ويقال: هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير ... ) . وهذا المعنى يمكن أن يطلق على هذه البدع التي أنكرها الصحابي على عبد الملك، فهي بمقارنتها بالبدع الأخرى تعتبر أحسن حالاً وأخف شرا ً، وهي بالنظر إلى ما يخالطها من أعمال مشروعة تعتبر من البدع الإضافية، التي اختلط العمل المشروع فيها بما ليس له أصل في الشريعة، هذا وقد ورد في لغة العرب صيغ على وز أفعل لا يراد بها التفضيل. ٣- وأما حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه في القنوت، فقد احتج

стр. 400

به المحسن للبدع على أنه وصف القنوت في الصلاة بالبدعة ولم يزد، ولم يصف البدعة بالضلالة أو الفساد أو نحو ذلك مما يشعر استقباحه للبدعة، فسكوته عن وصف البدعة يدل على عدم ذمه لها، ثم إن القنوت في الصلاة أمر يقول به طائفة من أئمة الإسلام، ويعمله طوائف من المسلمين قديما ً وحديثا ً ... ومع أنه عبادة محضة ولكنها لم تكن على عهد الرسول ﷺ ولا على عهد خلفائه الراشدين كما نص على ذلك حديث أبي مالك الأشجعي، ثم مضى العمل بالقنوت بعد ذلك، وقال به وعمله أئمة الدين، وهذا يدل على أن الأمر إذا كان حسناً جاز العمل به، وإن لم يكن له دليلٌ ينص عليه ولمناقشة هذه الشبهة ترد هذه الأمور: الأول: أن هذا الأثر في دليلٌ على ذم البدعة، وحرص الصحابة على التحذير منها، فهذا الصحابي الجليل لما رأى القنوت في صلاة الفجر في عصر بني أمية، ولم يسبق له أن رأى ذلك من النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه الراشدين، وحكم بأن هذا العمل بدعة، وفي رواية الترمذي وأحمد (أي بنيَّ محدث) وفي رواية ابن أبي شيبة (يا بني َّ هي محدثة) .

стр. 401

وهذا دليل ٌ واضح ٌ على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقيسون العمل من حيث البدعية وعدمها على المأثور عن الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين، فما كان ثابتا ً عنهم فهو سنة يقتدى بها، وما لم يكن فهو محدثة وبدعة ... وأما قوله عن القنوت بأنه بدعة فإنه كاف ٍ في الذم والتحذير، بحسب ما بلغ هذا الصحابي من العلم في هذه المسألة؛ لأنه قد استقر عند الصحابة رضوان الله عليهم أن البدعة بالمعنى الشرعي مذمومةٌ، وهذا هو وجه وصفه للقنوت بأنه بدعة ٌ، على أن هذا اجتهادٌ منه، أو على أنه قصد مطلق القنوت في كل صلاة فجر. الثاني: القنوت يُراد به في الشرع عدة معان، أحدها: إطالة القيام للقراءة، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : " أفضل الصلاة طول القنوت ". والثاني: قنوت الوتر، وهو مشروع، والثالث: قنوت الفجر بعد القيام بعد الركوع الثاني: وهو على قسمين: الأول: قنوت ٌ عند النوازل وفي مشروعيته أحاديث كثيرة صحيحة. الثاني: قنوت ٌ مطلق، وهذا ما لم يفعله النبي ﷺ ، ولا خلفاؤه، ولعل هذا هو الذي أنكره الصحابي طارق بن أشيم ﵁، واعتبره بدعة ٌ محدثة، وهذا التقسيم هو الذي يوجه الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الفجر، والتي قد يبدو من ظاهرها التعارض. ٤- أما حديث صلاة الضحى، وقول ابن عمر ﵄ (إنهما بدعة) ، وقوله: (ما أحدث الناس شيئا ً أحب إلي منها) . فليس فيها أي مستمسك لمن أراد تحسين بعض البدع، ودليل ذلك عدة

стр. 402

أمور: أولا ً: ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ صلى الضحى، ولم يداوم على ذلك وثبت أنه حث عليها. وأداة مشروعية صلاة الضحى كثيرة، منها: ما رواه مسلم وغيره، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعا ً ويزيد ما شاء الله) . وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، قال: (أوصاني خليلي محمد ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام) . وفي صحيح مسلم وغيره، عن أبي ذر مرفوعا ً قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) . وفي مسند أحمد، والسنن، عن النبي ﷺ قال: (قال الله : يا ابن آدم لا تعجزن عن أربع كلمات في أول النهار أكفك آخره) .

стр. 403

وفي مستدرك الحاكم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب) . ثانيا ً: إنكار ابن عمر ﵄ على الذين يصلون الضحى، وتسميته الفعل بدعة، يجاب عنه بما يلي: الجواب الأول: في قول الحافظ ابن حجر في الفتح (ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى؛ لأن نفيه محمول ٌ على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر) . الجواب الثاني: يحتمل أن الذي أنكره ابن عمر ليس هو صلاة الضحى، وإنما صفة رآها لاحقة بها، كإظهارها في المسجد، والملازمة لها، وصلاتها جماعة، ونحو ذلك، ذكر هذا الجواب الحافظ ابن حجر في الفتح، والنووي في شرح مسلم، وذكر معناه ابن القيم في الزاد. الجواب الثالث: لعل ابن عمر ﵄ يرى أن صلاة الضحى، تفعل من أجل سبب من الأسباب، وأن هدي النبي ﷺ في صلاة الضحى

стр. 404

أنه يفعلها لسبب، كقدومه من سفر، أو فتحه لبلد، أو زيارته لقوم أو إتيانه لمسجد قباء، ونحو ذلك مما ثبتت به الأحاديث الصحيحة، وأما فعلها من غير سبب من هذه الأسباب فلم يثبت عنده، فرأى أن ذلك بدعة، وذلك اجتهاد منه ﵁. فعلى الجواب الأول يحمل قوله ﵁ على أنه اجتهاد منه في وصف هذا العمل المشروع بالبدعية، وقد يصيب المجتهد وقد يخطئ. وأما على الجواب الثاني، والثالث، فإن اعتبار التخصيص بصفة ٍ أو هيئة أو سبب ٍ من الأمور التي يرد فيها الاجتهاد أيضا ً، فعلى اعتبار التخصيص هذا تكون البدعة التي أطلقها ابن عمر ﵄ على هذا العمل بدعة إضافية، اختلط العمل المشروع فيها بما ليس بمشروع، فعلى اعتبار مشروعية العمل يحمل قوله ﵁: (ما أحدث الناس شيئا ً أحب إلي منها) . وعلى اعتبار ما لحق صلاة الضحى من ترك ٍ لسبب ٍ، أو اتصاف ٍ بصفة ٍ كالصلاة جماعة، أو في المسجد ونحو ذلك، يحمل قوله ﵁ حين سئل عن صلاة الضحى، فقال: " بدعة ". القسم الثاني: شبه من كلام العلماء: كثيرا ً ما يتعلق المحسِّن للبدع والمرغِّب فيها بعبارات وشبهات من كلام العلماء، يحتج بها على ما يريد مدعيا ً أن هذا الكلام البشري هو التوجيه الصحيح للنصوص الشرعية الواردة في البدعة، وأن العالم الفلاني قال في البدعة كذا وكذا، وهو صاحب علم ٍ وفضلٍ وفهم ٍ، وكلامه في هذه المسألة أولى من كلامنا، وفهمه أولى من فهمنا.

стр. 405

أقسام العلماء والعلماء الذين يحتج بأقوالهم المحسنُ للبدع على أقسام: القسم الأول: علماء عرف فضلهم وعلمهم واشتهرت إمامتهم في الدين، وأجمع على عدالتهم ومحبتهم للسنة، ومحاربتهم للبدعة، وعدم تلبسهم بشيء منها كالشافعي مثلاً ... القسم الثاني: علماء لهم فضل وعلم، وقدم صدق في الدين والإيمان، ومنزلة جليلة في الفضل والتقوى، ولهم حسب للسنة ونشر لها، وذم للبدعة والمتلبس بها، ولكن لهم مقالات فيها شيء من الابتداع، إما لشبهة أو تقليد، أو نحو ذلك، ومثال هذا القسم: العز بن عبد السلام، والنووي، وابن حجر الهيثمي، والقرافي، والسيوطي، عليهم جميعاً ـ رحمة الله ـ. القسم الثالث: علماء عرفوا بالابتداع، واشتهروا بالإحداث في دين الله، والافتئات على شرعه، والمضادة لسنة رسوله ﷺ فهم رأس في الضلالة أساس في الجهالة. ومثال هذا القسم: محيي الدين بن عربي، وعبد الوهاب الشعراني وأضرابهما ممن سبقهما أو لحقهما. وسيكون الحديث عن القسمين الأولين، أما القسم الثالث فحقه الاطراح.. وقبل الكلام على أقوال العلماء التي يتعلق بها المحسن للبدع، لابد من التوطئة ببعض القواعد:

стр. 406

الأولى: أن ظاهر كلام الشارع هو المعتبر والمعمول به، والمعتمد عليه ما لم يوجد دليل يصرف اللفظ عن ظاهره، ونصوص الشريعة الذامة للبدعة هي من هذا القبيل الثانية: أن الخطاب الموجود في النصوص الشرعية على درجات أعلاها ما لا يحتاج إلى بيان وأدناها ما لا يعرف إلا ببيان يزيل إجماله، ويكشف إبهامه باجتهاد ونحوه، ونصوص الاعتصام بالسنة، وترك كل بدعة من النوع الذي لا يحتاج إلى بيان لوضوح الخطاب الشرعي فيها. الثالثة: أن الواجب على العلماء والمفتين الحكم بالظاهر من الأدلة، وليس لهم أن يحدثوا أحكاماً أو أقساماً لا ترجع إلى الكتاب والسنة أو الإجماع. الرابعة: قول أو فعل أو فهم أي أحد من البشر ـ عدا النبي ﷺ لا يصار إليه إذا كان مخالفاً للنقل، لأنه ليس في أحد حجة مع النبي ﷺ فضلاً عن أن يكون قوله المخالف للسنة حجة. الخامسة: من قول الإمام الشافعي ﵀ في الرسالة: (قال فكل كلام كان

стр. 407

عاماً ظاهراً في سنة رسول الله ﷺ فهو على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حدي ثابت عن رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي ـ يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض..) ، وقول النبي ﷺ : " كل بدعة ضلالة" من هذا الباب، لأنه لم يعلم حديث ثابت عن رسول الله ﷺ أنه أراد بهذه الجملة العامة الظاهرة بعض البدع دون بعض، بل نص قوله يدل على أن المراد عموم البدع بلا استثناء، ولا تخصيص. ومن العلماء الذين يحتج المحسِّن للبدع بما روي عنهم: ١- الإمام الشافعي ﵀: والمنقول عنه في تعريف البدعة ما يلي: أ - ما رواه أبو نعيم في الحلية بسنده عن الشافعي أنه قال: (البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان نعمت البدعة هي) . ب - ما رواه ابن عساكر بسنده عن طريق البيهقي عن الربيع بن سليمان والذهبي في السير، بسنده عن الربيع قال: قال الشافعي: (المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو جماعا، فهذه البدعة ضلالة، وما أحدث لا خلاف فيه لواحد منها، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان: (نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن،

стр. 408

وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى) . قال المبتدع: هذا تقسيم إمام معترف بفضله وعلمه وعدالته، من عقدت على إمامته ألوية الزمان، ودان لفقهه وفهمه أعلام هذا الدين في القديم والحديث. وهذا التقسيم صريح في أن من البدع ما هو حسن مقبول في الشرع، وما هو قبيح مردود. والجواب على هذا الاستدلال من عدة أوجه: الوجه الأول: أن قول الشافعي ﵀ عن البدعة المذمومة هي ما خالف السنة. وقوله عن المحدث المذموم، بأنه ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، منطبق على سائر البدع في دين الله، فليس هناك بدعة إلا وهي مخالفة للكتاب والسنة والآثار والإجماع، وإلا لما كانت بدعة، لأنه لو ثبت لها أصل من هذه الأصول لأصبحت عملاً مروعاً في دين الله. وهذا ما يتفق عليه علماء المسلمين قديماً وحديثاً، وما يدل عليه قوله ﷺ : "ما صنع أمر على غير أمرنا فهو رد ".

стр. 409

وعلى هذا الوجه لا حجة في كلام الشافعي لمحسن البدع، بل الحجة عليه في كلام هذا الإمام. الوجه الثاني: قول الشافعي ﵀ أن ما وافق السنة فهو محمود، وقوله: ما أحدث لا خلاف فيه لواحد من هذا يعني الكتاب والسنة والأثر والإجماع فهذه محدثة غير مذمومة، قول فيه إجمال، يحتاج إلى بيان: فإن كان مراده بالبدعة والمحدثة معناهما اللغوي فهذا المعنى مقبول ووارد، وسياق الكلام يدل على أن هذا هو مراد الشافعي ﵀، حيث وصف البدعة المذمومة شرعاً، وبين معالمها، ووضح مسالكها، توضيحاً ستغرق سائر أنواع البدع، ثم عطف بذكر البدع المحمودة، مستدلاً عليها بحديث عمر ﵁ وقد مر قبل قليل أن معنى الكلام إليه لتلائمه مع منزلته وعلمه، ومكانته في هذا الدين. وعلى هذا التوجيه نفسه يمكن حم لكلام الشافعي في قوله هذا، لاسيما وقد سبق بيانه للبدعة المذمومة شرعاً، وألحق في نهاية كلامه قول عمر ﵁، وإن كان مراده بقوله هذا معنى آخر غير المعنى اللغوي، فهذا ما يأتي بيانه. الوجه الثالث: وهو أن يكون مراده ﵀ الحوادث التي استجدت وليس عليها بأعيانها أدلة من الكتاب أو السنة أو الآثار أو الإجماع، ولكنها تدخل تحت أصل من الدين، وتنضوي تحت قاعدة من قواعده، وهي ليست من العبادات المحضة. فهذه الحوادث إذا كانت بهذه الصفة فهي محمودة من جهة الشرع، ولا تسمى بدعاً في الدين، وإن كانت تسمى بدعاً من جهة اللغة. وفي هذا الوجه

стр. 410

تدخل المصالح المرسلة، بناء على أنها لم تدخل أعيانها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع وهذا محمل آخر يمكن توجيه قول الشافعي إليه. الوجه الرابع: من الإنصاف ألا يحمل كلام هذا الإمام أكثر مما يحمل، وألا ينظر إلى كلامه هذا معزولاً عن بقية مقولاته، لا سيما إذا كان في بعض كلامه إجمال، وفي بعضه الآخر تفصيل، فإنه يجب حمل المجمل على المفصل، وتقديم المبين على المبهم، والمنطوق على المفهوم، والعبارة على الإشارة، ومن كلامه الذي يمكن ضمه إلى تعريفه هذا للدعة، ما جاء في الرسالة حيث قال عن الاستحسان الذي يجنح إلى التعلق به كل محسن للبدعة: ( ... وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلا بالاستدلال إلى أن قال: ولا يقول بما استحسن، فإن القول بما استحسن، فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سبق) . وقال ﵀: ( ... وهذا يبين أن حراماً على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر، والخبر من الكتاب والسنة عين، يتأخى معناها المجتهد ليصيبه ... ) . وقال: (وإنما الاستحسان تلذذ) . وقال: (ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال هو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم جائزاً ... ولم يجعل الله لأحد بعد رسوله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وضعت من القياس عليها..) . وقال: (وإنما الاستحسان تلذذ) . وقال: (ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال هو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم جائزاً ... ولم يجعل الله لأحد بعد رسوله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وضعت من القياس عليها..)

стр. 411

فهل يمكن بعد كل هذا أن يقال بأن الشافعي يستحسن البدع، ويمدحها ويثني عليها، ويجيز التقرب بها إلى الله؟ . وهل يعقل أن يكون مراد الشافعي بقوله في تعريف البدعة، تحسين المحدثات والحث على اعتناق ما تراه النفوس والعقول والأذواق حسناً؟ .. إن المقارنة بين كلامه في تعريف البدعة وكلامه في ذم الاستحسان يوجب على العاقل معرفة قدر هذا الإمام، فلا يرمه بهذه الداهية الدهياء، ولا ينسب إليه ما هو منه براء. ذكر الذهبي في ترجمته عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت محمد ابن داوود يقول: لم يلحظ في دهر الشافعي كله أن تكلم في شيء من الأهواء ولا نسب إليه ولا عرف به، مع بغضه لأهل الكلام والبدع) . وذكر أن أحمد بن حنبل كان يقول: (ما رأيت أحداً أتبع للأثر من الشافعي) وذكر ابن الإمام سحنون قال: (لم يكن في الشافعي بدعة) ، ولو كان الشافعي ممن يستحسن البدع، أو يجيز وقوع بعضها شرعاً، لما استحق من هؤلاء الأئمة هذه الأوصاف، ولنقل عنه ولو مرة واحدة، أنه وصف بدعة الدين بأنها حسنة محمود.

стр. 412

الوجه الخامس: وضع الشافعي قواعد في أصول هذا الدين، تدل الناظر فيها على عكس ما توهم المبتدع، الذي يستشهد بما توهم من كلام الشافعي في تعريف البدعة، على استحسان بعض المحدثات، وهذا المحدثات وهذه القواعد تدل بجلاء على أن تعريف الشافعي للبدعة المحمودة، لا بد أن يحمل على غير ما ذهب إليه المحسن للبدع. فمن هذه القواعد قوله عليه ﵀ (وما نهى عنه رسول الله ﷺ فهو على التحريم، حتى تأتي دلالة منه على أنه أراد به غير التحريم) . فإذا نظرت إلى قوله ﷺ : " وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة "، وقوله: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، وجدت أن النهي هنا للتحريم، ولم يرد نص واحد فيه دلالة على النهي ليس للتحريم، بل النصوص متضافرة على هذا المعنى، فهل يقال بعد هذه القاعدة، بأن الشافعي يرى تحسين ما حرمه الله؟ معاذ الله. ومن القواعد الأصولية التي قالها الشافعي ﵀: (فكل كلام كان عاماً ظاهراً في سنة رسول الله على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله بأبي هو وأمي يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض ... ) . وقوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة "، من العام الظاهر الذي لم يرد على الشرع كله، ما يدل ولا بمفهوم المخالفة على تخصيص شيء منه. وهذه القاعدة تنقض ما استدل به المحسن للبدع من كلام الشافعي ﵀.

стр. 413

الوجه السادس: لو افترض جدلاً أن الشافعي أراد بقوله في تعريف البدعة ما ذهب إليه المبتدع، فإنه كلام بشر لا يمكن أن يعارض به النصوص الشرعية، لاسيما وقد قرر هذا الإمام المطلبي ﵀ أنه: ( ... إذا ثبت عن رسول الله ﷺ الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لايقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس إتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمراً يخالف أمره) . وقال ﵀ فيما يرويه عنه الربيع بن سليمان: (إذا وجدتم في كتابي خلال سنة رسول الله ﷺ فقولوا به ودعوا ما قلته) . وقال: (كل ما قلت فكان عن رسول الله ﷺ خلاف قولي ما يصح، فحديث رسول الله ﷺ أولى) . وقال: (كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني) . وبمعنى هذا القول وهو من الكلام السائر في الآفاق قوله ﵀ إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط. وقال ﵀: كل مسألة تكلمت فيها وصح الخبر فيها عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي) .

стр. 414

ومن العلماء الذين يحتج المحسن للبدع بأقوالهم: ٢- سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام ﵀. حيث قال في قواعد الأحكام: (البدعة هي فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله ﷺ وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة ... والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشرعية، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة ... ) . ثم ذكر بعد ذلك أمثلة لما ذكر. وهذا التعريف والتقسيم نقله واعتمد عليه كثير من الذين جاءوا بعد العز بن عبد السلام منهم: القرافي في الفروق حيث بسط الكلام في هذه المسألة، شارحاً لرأي شيخه العز، وتبع القوافي صاحب تهذيب الفروق وفعل مثلهما النووي في: تهذيب الأسماء واللغات والزركشي في: المنثور وابن حجر الهيثمي في: الفتاوى الحديثية والسيوطي في: الحاوي، وفي الأمر بالاتباع والسخاوي في: فتح المغيث ومحمد بن جزي المالكي في: قوانين الأحكام الشرعية، وغيرهم من القدماء والمحدثين، مما يدل على اعتمادهم على التعريف والتقسيم الذي قاله العز بن عبد السلام.

стр. 415

الأول: أن تعريفه للبدعة بأنه فعل ما لم يعهد في عصر الرسول ﷺ يدل على مراده في تقسيم البدعة، والحادث الذي لم يعهد في عصره ﷺ كثيراً، يشمل أمور الدين والدنيا، والعبادات والمعاملات، والمصنوعات والمخترعات، والعلوم والأعراف، والعادات وكل شيء جديد لم يكن معهوداً في عصره ﷺ ، داخل تحت هذه القول، ولكنه لا يكون بدعة شرعية، إلا إذا اقترن به قصد التعبد، وليس له أصل في الدين يدل على ذلك. فهذا التعريف يشمل البدع الشرعية التي لا تكون إلا ضلالة، ولا يتصور فيها التقسيم إلا بالكراهية والتحريم. ويشمل كذلك البدع اللغوية التي قد تكون مشروعة، وقد تكون من المباحات، ولكنها تسمى بدعاً في اللفظ، لكونها حادثة بعد أن لم تكن. وعلى ذلك فلا يصح الاحتجاج بهذا القول على أن البدعة الشرعية فيها ما هو حسن ... الثاني: تقسيم العز بن عبد السلام للبدع إلى خمسة أقسام، وإدخال كل قسم منها تحت حكم من الأحكام الشرعية الخمسة، وتمثيله على ذلك يدل على أنه لم يفرق بين البدعة الشرعية التي لا تكون إلا مذمومة، والبدعة اللغوية التي قد تكون مذمومة، وقد تكون محمودة، وقد تكون مباحة. وسبب ذلك أنه إنما نظر إلى العمل من حيث وجه الإحداث فيه، وكونه أمراً مبتدأً، وليس هذا هو مناط النهي عن البدع من الناحية الشرعية، فلا مجال إذاً للاحتجاج بقوله على تحسين البدع.

стр. 416

الثالث: من خلال أمثلة العز بن عبد السلام ﵀ لما أسماه بالبدع الواجبة والمندوبة والمباحة، نجد أن أكثرها مشروع أو مباح من قبل الشرع، فلا يطلق عليه بدعة من ناحية شرعية إذ البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله ﷺ : كل بدعة ضلالة " أما ما قام دليل على وجوبه، أو استحبابه، أو إباحته فليس من هذا الباب، ولا يصح إدخاله في مسمى البدعة، إلا من ناحية لفظية وهذه الناحية لا خلاف فيها، لأن كل جديد بدعة من حيث اللغة، ولكن محل الكلام هنا هو في البدعة الشرعية التي حذر منها الشارع ونهى عنها، وذمها السلف. والخلط بين البدعة اللغوية والشرعية قد يؤدي إلى ضرر ولبس، فيظن أن ما ليس ببدعة بدعة والعكس. ولا يتميز حكم الشرع مع التباس التسميات، ولهذا فإن السلف وهم يفتون في المسائل الحادثة بإيجاب أو استحباب أو إباحة، ما كانوا يقولون هذه بدعة، ولكنها واجبة أو مستحبة أو مباحة، لاستقرار مصطلح البدعة الشرعية عندهم، وثبات حكمها المتراوح بين التحريم والكراهية. وكذلك في فتواهم في الأمور الحادثة، مما يعد معصية شرعية تكون بالتحريم أو الكراهية، مع تفريقهم بين ما هو معصية وما هو بدعة. الرابع: يظهر من خلال أمثلة العز بن عبد السلام أنه أدخ المصالح المرسلة في مسمى البدع، بناء على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع. فلكونها داخلة تحت قواعد الشرع، حكم عليها بالوجوب أو الندب أو الإباحة، ولكونها حادثة غير معهودة في عصر الرسول ﷺ سماها بدعاً، فيكون بذلك من القائلين بالمصالح المرسلة، وهي ليست بدعاً إلا في

стр. 417

اللفظ. فيكون الاحتجاج بقوله وتقسيمه على حسن البدع من الناحية الشرعية احتجاجاً في غير محل النزاع. الخامس: قول شيخ الإسلام: (إن المحافظة على عموم قول النبي ﷺ : " كل بدعة ضلالة" متعين، وأنه يجب العمل بعمومه، وأن من أخذ يصنف البدع إلى حسن وقبيح، ويجعل ذلك ذريعة أن لا يحتج بالبدعة على النهي، فقد أخطأ كما يفعل طائفة من المتفقهة والمتكلمة والمتصوفة والمتعبدة، إذا نهوا عن العبادات المبتدعة والكلام في التدين المبتدع، أدعوا أن لا بدعة مكروهة إلا ما نهي عنه، فيعود الحديث إلى أن يقال: " كل ما نهي عنه "، أو " كل ما حرم "، أو " كل ما خالف نص النبوة فهو ضلالة"، وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان، بل كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة. وما سمي "بدعة" وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال: إن ما ثبت حسنه فليس من البدع في الدين وإن كان يسمى من حيث اللغة كما قال عمر: (نعمت البدعة هذه) فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه. وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع من هذا العموم، احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك العموم اللفظي المعنوي موجباً للنهي، ثم إن المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً ... ) .

стр. 418

أقسام البدعة: حقيقة وإضافية تنقسم البدعة بحسب متعلقاتها إلى أقسام عديدة تختلف باختلاف النظر إليها, وإلى معتنقيها, فبالنظر إلى البدعة ذاتها تجد أنها تنقسم إلى كلية وجزئية, وبسيطة ومركبة, وهذه يجمعها فصل البدعة الحقيقية والإضافية.. وبالنظر إلى لوازم البدعة وعمل المبتدع, تجد أنها تنقسم إلى فعلية وتركية واعتقا دية وعملية, في العبادات المحضة, والمعاملات والعادات, وتجد أن لها علاقة بمسائل الحسن والقبح والمصالح المرسلة, من حيث التشابه الذي بين البدعة وهذه المسائل, واحتجاج المبتدع بهذا التشابه واعتماده عليه ... وهذا ما ستجده في الفصول الآتية, إن شاء الله.

стр. 419

* الفصل الأول البدعة الحقيقية والإضافية تنقسم البدعة في ذاتها إلى حقيقية وإضافية, وهذا التقسيم ينتج من النظر إلى البدعة, وعلاقتها بالدليل الشرعي من جهة, ثم علاقتها بالعمل من حيث الالتصاق والانفراد من جهة أخرى. فالحقيقة لا تستند إلى دليل معتبر, ولا إلى شبه دليل لا في الجملة ولا في التفصيل. وأما الإضافية فلها نوع تعلق بالدليل الشرعيز والحقيقية قد تنفرد عن العمل المشروع وقد تتصل به. وأما الإضافية فملتصقة بالعمل المشروع, ومتداخلة معه في غالب أحوالها. وسيظهر هذا المعنى من خلال التعريف, وضرب الأمثلة لكل من البدعتين. البدعة الحقيقية: عرفها الشاطبي-﵀ بأنها: (هي التي لم يدل عليها دليل شرعي, لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع, وال استدلال معتبر عند أهل العلم, لا في الجملة وال في التفصيل) . وقد يقول قائل: هذا هو شأن كل بدعة, إذ لا دليل عليها وال أصل لها فكيف توصف البدعة الحقيقية وحدها بهذا الوصف؟ والجواب على هذا التساؤل: أنه ما من مبتدع في دين الله إلا وهو

стр. 420

يتعلق في بدعته بدليل يدعي استنادها إليه, ولا يستطيع ترك التعلق بالأدلة لئلا ينسب إليه مضادة الشريعة, أو الخروج عليها صراحة هذا من جهة, ومن جهة أهرى حتى يثبت صلاحية هذه البدعة للتعبد والتقرب بها, ولا يمكن له ذلك, ما لم يساندها بأدلة يزعم أنها تعتمد عليها, والأدلة التي يستدل بها المبتدع على بدعته تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أدلة غير معتبرة وهي صنفان: الأول: أدلة غير شرعية فاسدة الأصل والدلالة, ويدخل في هذا الصنف كثير من أدلة أهل الأهواء كالرأي والنظر, والذوق, والكشف, ونحو ذلك, ومن أمثلة هذا الصنف: التحسين والتقبيح, عند المعتزلة والأشاعرة, والرؤى والكشوف الشيطانية عند المتصوفة, وعصمة الأئمة عند الرافضة. إذ تجد في كتب المعتزلة والأشاعرة عند حديثهم عن بعض القضايا الاعتقادية أو الأصولية, أنهم يبنون كلالمهم ونقاشهم على التحسين والتقبيح ويستدلون به على صحة القضية أو فسادها, ويجعلونها مقبولة أو مردودة, من خلال موافقتها أو مخالفتها للتحسين والتقبيح الذي يعتقده, ويستدل له وهذا كثير في كتب المعتزلة والأشاعرة. وتجد أن كثيراً من الصوفية يبنون أعمالهم وأقوالهم المبتدعة على رؤيا رآها, أو رؤية له, أو رآها شيخه, أو على كشف شيطاني بان له, أو على ذوق نفسي وجده. ويستدل على مشروعية عمله أو جوازه بهذه الأدلة الفاسدة وأمثالها وهذا داخل في البدع الحقيقية. وأمثلة هذا الصنف عديدة, بعدد الأهواء وأهلها. الصنف الثاني: أدلة شرعية غير ثابتة, كالأحاديث المتفق على أنها صعيفة أو موضوعة,

стр. 421

أو لا أصل لها, وغير ذلك من أقسام ومسميات الضعيف, فمما انبنى على هذا الصنف فهو من البدع الحقيقية, أما إن كان ثبوتها أو ضعفها محتلفاً فيه بين العلماء المعتبرين فالحديث عنها في البدع الإضافية. القسم الثاني: أدلة معتبرة شرعاً: وهذه ينظر في استدلال المبتدع بها, فإن كان له نوع شبهة في استدلاله كأن يكون للبدعة شائبة تعلق بهذا الدليل, فهذا من قسم البدع الإضافية وسيأتي بيانه.. وإن كان المستدل بالدليل الشرعي الثابت لا وجه لاستدلاله, لا في نفس الأمر, ولا بحسب الظاهر, لا في الجملة, ولا في التفصيل, وليست هناك شائبة تعلق بين الدليل والبدعة, وال شبهة اتصال بينهما, فهذا من قسم البدع الحقيقية, ومثال ذلك: ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن سفيان الثوري-﵀ قال: (سمعت رجلاً سأل جابراً عن قوله : (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين) فقال جابر: (لم يجيء تأويل هذه) قال سفيان: (وكذب) فقلنا لسفيان: ما أراد بهذا؟ فقال: (إن الرافضة تقول: إن علياً في السحاب, فلا نخرج مع من خرج ولده حتى ينادي مناد من السماء-يريد علياً- أنه ينادي أخرجوا مع فلان) يقول جابر: (فذا تأويل هذه الآية, وكذب كانت في إخوة يوسف- ﷺ . ثم إن للبدعة تعلقاً آخر ينبني عليه اعتبار البدعة حقيقة, أو إضافية وكلية

стр. 422

أو جزئية, ومركبة أو بسيطة, وهو تعلقها بالعمل المشروع أو انفصالها عنه, وسيأتي الحديث هنا عن البدعة الحقيقية, والإضافية, وفي آخر الفصل يأتي الكلام على الكلية والجزئية, والمركبة والبسيطة. أما ما يتعلق بالحقيقية والإضافية من جهة التصاق البدعة بالعمل المشروع أو انفرادها عنه, فإن الأمرلا يخلو من أحد هذه الأوجه الأربعة: ١. أن تنفرد البدعة عن العمل المشروع. ٢. أن تلتصق البدعة بالعمل المشروع. ٣. أن تصبر البدعة الملتصقة بالعمل المشروع وصفاً لذلك العمل غير منفك عنه. ٤. أن لا تصبر وصفاً له. فإذا انفردت البدعة عن العمل المشروع, فينظر في دليلها الذي استند إليه المبتدع, فإن كان ثابتاً أو مختلفاً في ثبوته, وفي الاستدلال به شبهة يمكن أن يتعلق بها المبتدع, وشائبة يمكن أن تتعلق بها البدعة فالبدعة هنا إضافية. وما عدا ذلك فتكون البجعة حقيقية, مع أن الغالب على البدعة المنفصلة عن العمل المشروع أن تكون حقيقة, إلا إذا كان العمل المنفصل عن العبادة المشروعة من العادات, أو مما يفعل اتفاقاً من غير قصد القربة والتعبد, فلا يكون بدعة كأن يقوم إلى الصلاة فيتنحنح أو يتمخط أو يلبس عباءة سوداء, ونحو ذلك, فإذا فعل ذلك بقصد القربة فبدعة حقيقية, وإن لم يكن يقصد القربة فعمل عادي. أما إذا التصقت البدعة بالعمل المشروع فلا يخلو من أحد حالين: الأول: أن تصبر وصفاً للمشروع غير منفك عنه, وهذه قد تكون بدعة حقيقية, وقد تكون إضافية بحسب دليلها الذي قامت عليه كما مر.

стр. 423

إلا أن الغالب فيها: أنها تكون بدعة حقيقية, وذلك أن البدعة التي صارت وصفاً للمشروع بسبب التصاقها به, تكون قد أدت إلى انقلاب العمل المشروع إلى عمل غير مشروع, ويبين ذلك قوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . وهذا العمل المشروع عند اتصافه بالوصف البدعي لأجل الملاصقة والملازمة, أصبح عملاً ليس عليه أمره- ﷺ وهو تعبد ببدعة حقيقية, لأن جهة الابتداع قد غلبت على جهة المشروعية. ومن أمثلة ذلك: قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد, فإن قراءة القرآن من الأعمال المشروعة ولكن لما اتخذ لها المبتدع هذا الوصف البدعي الملازم لها صارت من البجع الحقيقية. ومن أمثلته: بدعة المولد. فإن محبة النبي- ﷺ وذكر سيرته وصفاته وأحواله من الأعمال المشروعة, ولكنها لما اختلطت بالأعمال المبتدعة كاتخاذ يوم مولده عيداً, وتخصيصه بنوع من الذكر المبتدع, والدعاء المحدث, وغير ذلك من البدع وصارت هذه البدع أوصافاً ملازمة للعمل المشروع, وطاغية عليه, أصبحت هذه البدعة حقيقية. الثاني: أن لا تصبح البدعة الملتصقة بالعمل المشروع وصفاً لازماً له.. وهي في هذه الحالة لا تخلو من أن تكون عرضة لأن تنضم إلى العبادة المشروعة حتى يعتقد أنه من أوصافها, أو جزءاً منها أو لا تكون

стр. 424

كذلك, وهي في حالتيها هاتين قد تكون حقيقية, وقد تكون إضافية بحسب الدليل الذي يستدل الذي يستدل به المبتدع كما مر. إلا أن الغالب على هذه البدعة أ، تكون إضافية, لغلبة دانب العمل المشروع وعدم تغطية البدعة عليه. ومن أمثلة هذا النوع: الجهر بالنية في الصلاة, فإن بدعة ملاصقة للصلاة المشروعة, ولكنها لم تصبح وصفاً لازماً مستولياً على العمل المشروع ومغطياً عليه, بحيث يتغلب جانب الابتداع على جانب المشروعية, كما هو الحال في البدعة الحقيقية ومن أجل ذلك كانت هذه البدعة إضافية. وكل عمل محدث خالط عملاً مشروعاً, ولم يصل إلى درجة أن يصبح العمل المحدث وصفاً للعمل المشروع, فحقه أن ينفرد العمل الزائد بحكمه والعمل المشروع بحكمه, ويسمى الابتداع الذي على هذا النحو: (بدعة إضافية) . كما روى ابن وضاح بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: (كنت جالساً عند الأسود بن سريع وكان حجلسه في مؤخر المسجد الجامع فافتتح سورة بني إسرائيل حتى بلغ: (وكبره تكبيراً) فرفع أصواتهم الذين كانوا جلوساً حوله, فجاء مجا لد بن مسعود يتوكأ على عصاه فلما رآه القوم قالوا:

стр. 425

مرحباً مرحباً اجلس قال: ما كنت لأجلس إليكم وإن كان مجلسكم حسناً ولكنكم صنعتم قبل شيئاً أنكره المسلمون فإياكم وما أنكر المسلمون) . فتحسينه المجلس كان لقراءة القرآن, وأما رفع الصوت بالتكبير عند الآية فهو الأمر المحدث الذي نهى عنه مجا لد-﵁ ولما لم يكن هذا الأمر المبتدع طاغياً على العمل المشروع بحيث يصير وصفاً لازماً له أعطي هذا الحكم باعتباره بدعة إضافية. وقد تبين فيما سبق غالب ملامح البدع الإضافية, إلا أنه يمكن أن يقال من باب التوضيح أن: (البدعة الإضافية) هي كما قال الشاطبي: التي لها شائبتان: إحداهما: لها من الأدلة تعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة, والأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية ... ) . وقال أيضاً-﵀ ( ... فمعنى الإضافية أنها مشروعة من وجه ورأي مجرد من وجه, إذ يدخلها من جهة المخترع رأي في بعض أحوالها فلم تناف الأدلة من كل وجه ... ) . وعند التأمل في هذا المعنى الذي ذكره الشاطبي يتضح أن نظره انصب على علاقة العمل المخترع بالدليل, وألمح للشق الآخر وهو علاقة العمل المخترع بالعمل المشروع من حيث الانفراد والالتصاق. وقد سبق بيان أثر هاتين العلاقتين في اعتبار البدعة حقيقية أو إضافية. غير أن الشاطبي-﵀ فصل في جانب علاقة البدعة بالدليل تفصيلاً بنى عليه الفرق بين البدعتين فقال:
следующие страницы →