Полный текст (506 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أو لا أصل لها, وغير ذلك من أقسام ومسميات الضعيف, فمما انبنى على هذا الصنف فهو من البدع الحقيقية, أما إن كان ثبوتها أو ضعفها محتلفاً فيه بين العلماء المعتبرين فالحديث عنها في البدع الإضافية.
القسم الثاني: أدلة معتبرة شرعاً:
وهذه ينظر في استدلال المبتدع بها, فإن كان له نوع شبهة في استدلاله كأن يكون للبدعة شائبة تعلق بهذا الدليل, فهذا من قسم البدع الإضافية وسيأتي بيانه..
وإن كان المستدل بالدليل الشرعي الثابت لا وجه لاستدلاله, لا في نفس الأمر, ولا بحسب الظاهر, لا في الجملة, ولا في التفصيل, وليست هناك شائبة تعلق بين الدليل والبدعة, وال شبهة اتصال بينهما, فهذا من قسم البدع الحقيقية, ومثال ذلك:
ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن سفيان الثوري-﵀ قال: (سمعت رجلاً سأل جابراً عن قوله : (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين)
فقال جابر: (لم يجيء تأويل هذه) قال سفيان: (وكذب) فقلنا لسفيان: ما أراد بهذا؟ فقال: (إن الرافضة تقول: إن علياً في السحاب, فلا نخرج مع من خرج ولده حتى ينادي مناد من السماء-يريد علياً- أنه ينادي أخرجوا مع فلان) يقول جابر: (فذا تأويل هذه الآية, وكذب كانت في إخوة يوسف- ﷺ .
ثم إن للبدعة تعلقاً آخر ينبني عليه اعتبار البدعة حقيقة, أو إضافية وكلية
стр. 422
أو جزئية, ومركبة أو بسيطة, وهو تعلقها بالعمل المشروع أو انفصالها عنه, وسيأتي الحديث هنا عن البدعة الحقيقية, والإضافية, وفي آخر الفصل يأتي الكلام على الكلية والجزئية, والمركبة والبسيطة.
أما ما يتعلق بالحقيقية والإضافية من جهة التصاق البدعة بالعمل المشروع أو انفرادها عنه, فإن الأمرلا يخلو من أحد هذه الأوجه الأربعة:
١. أن تنفرد البدعة عن العمل المشروع.
٢. أن تلتصق البدعة بالعمل المشروع.
٣. أن تصبر البدعة الملتصقة بالعمل المشروع وصفاً لذلك العمل غير منفك عنه.
٤. أن لا تصبر وصفاً له.
فإذا انفردت البدعة عن العمل المشروع, فينظر في دليلها الذي استند إليه المبتدع, فإن كان ثابتاً أو مختلفاً في ثبوته, وفي الاستدلال به شبهة يمكن أن يتعلق بها المبتدع, وشائبة يمكن أن تتعلق بها البدعة فالبدعة هنا إضافية.
وما عدا ذلك فتكون البجعة حقيقية, مع أن الغالب على البدعة المنفصلة عن العمل المشروع أن تكون حقيقة, إلا إذا كان العمل المنفصل عن العبادة المشروعة من العادات, أو مما يفعل اتفاقاً من غير قصد القربة والتعبد, فلا يكون بدعة كأن يقوم إلى الصلاة فيتنحنح أو يتمخط أو يلبس عباءة سوداء, ونحو ذلك, فإذا فعل ذلك بقصد القربة فبدعة حقيقية, وإن لم يكن يقصد القربة فعمل عادي.
أما إذا التصقت البدعة بالعمل المشروع فلا يخلو من أحد حالين:
الأول: أن تصبر وصفاً للمشروع غير منفك عنه, وهذه قد تكون بدعة حقيقية, وقد تكون إضافية بحسب دليلها الذي قامت عليه كما مر.
стр. 423
إلا أن الغالب فيها: أنها تكون بدعة حقيقية, وذلك أن البدعة التي صارت وصفاً للمشروع بسبب التصاقها به, تكون قد أدت إلى انقلاب العمل المشروع إلى عمل غير مشروع, ويبين ذلك قوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
وهذا العمل المشروع عند اتصافه بالوصف البدعي لأجل الملاصقة والملازمة, أصبح عملاً ليس عليه أمره- ﷺ وهو تعبد ببدعة حقيقية, لأن جهة الابتداع قد غلبت على جهة المشروعية.
ومن أمثلة ذلك:
قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد, فإن قراءة القرآن من الأعمال المشروعة ولكن لما اتخذ لها المبتدع هذا الوصف البدعي الملازم لها صارت من البجع الحقيقية.
ومن أمثلته: بدعة المولد.
فإن محبة النبي- ﷺ وذكر سيرته وصفاته وأحواله من الأعمال المشروعة, ولكنها لما اختلطت بالأعمال المبتدعة كاتخاذ يوم مولده عيداً, وتخصيصه بنوع من الذكر المبتدع, والدعاء المحدث, وغير ذلك من البدع وصارت هذه البدع أوصافاً ملازمة للعمل المشروع, وطاغية عليه, أصبحت هذه البدعة حقيقية.
الثاني: أن لا تصبح البدعة الملتصقة بالعمل المشروع وصفاً لازماً له.. وهي في هذه الحالة لا تخلو من أن تكون عرضة لأن تنضم إلى العبادة المشروعة حتى يعتقد أنه من أوصافها, أو جزءاً منها أو لا تكون
стр. 424
كذلك, وهي في حالتيها هاتين قد تكون حقيقية, وقد تكون إضافية بحسب الدليل الذي يستدل الذي يستدل به المبتدع كما مر.
إلا أن الغالب على هذه البدعة أ، تكون إضافية, لغلبة دانب العمل المشروع وعدم تغطية البدعة عليه.
ومن أمثلة هذا النوع: الجهر بالنية في الصلاة, فإن بدعة ملاصقة للصلاة المشروعة, ولكنها لم تصبح وصفاً لازماً مستولياً على العمل المشروع ومغطياً عليه, بحيث يتغلب جانب الابتداع على جانب المشروعية, كما هو الحال في البدعة الحقيقية ومن أجل ذلك كانت هذه البدعة إضافية.
وكل عمل محدث خالط عملاً مشروعاً, ولم يصل إلى درجة أن يصبح العمل المحدث وصفاً للعمل المشروع, فحقه أن ينفرد العمل الزائد بحكمه والعمل المشروع بحكمه, ويسمى الابتداع الذي على هذا النحو: (بدعة إضافية) .
كما روى ابن وضاح بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: (كنت جالساً عند الأسود بن سريع وكان حجلسه في مؤخر المسجد الجامع فافتتح سورة بني إسرائيل حتى بلغ: (وكبره تكبيراً) فرفع أصواتهم الذين كانوا جلوساً حوله, فجاء مجا لد بن مسعود يتوكأ على عصاه فلما رآه القوم قالوا:
стр. 425
مرحباً مرحباً اجلس قال: ما كنت لأجلس إليكم وإن كان مجلسكم حسناً ولكنكم صنعتم قبل شيئاً أنكره المسلمون فإياكم وما أنكر المسلمون) .
فتحسينه المجلس كان لقراءة القرآن, وأما رفع الصوت بالتكبير عند الآية فهو الأمر المحدث الذي نهى عنه مجا لد-﵁ ولما لم يكن هذا الأمر المبتدع طاغياً على العمل المشروع بحيث يصير وصفاً لازماً له أعطي هذا الحكم باعتباره بدعة إضافية.
وقد تبين فيما سبق غالب ملامح البدع الإضافية, إلا أنه يمكن أن يقال من باب التوضيح أن: (البدعة الإضافية) هي كما قال الشاطبي: التي لها شائبتان: إحداهما: لها من الأدلة تعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة, والأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية ... ) .
وقال أيضاً-﵀ ( ... فمعنى الإضافية أنها مشروعة من وجه ورأي مجرد من وجه, إذ يدخلها من جهة المخترع رأي في بعض أحوالها فلم تناف الأدلة من كل وجه ... ) .
وعند التأمل في هذا المعنى الذي ذكره الشاطبي يتضح أن نظره انصب على علاقة العمل المخترع بالدليل, وألمح للشق الآخر وهو علاقة العمل المخترع بالعمل المشروع من حيث الانفراد والالتصاق.
وقد سبق بيان أثر هاتين العلاقتين في اعتبار البدعة حقيقية أو إضافية. غير أن الشاطبي-﵀ فصل في جانب علاقة البدعة بالدليل تفصيلاً بنى عليه الفرق بين البدعتين فقال:
стр. 426
( ... فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي (البدعة الإضافية) أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة, لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة
стр. 427
لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل ... ) .
ومراده بهذا الاستناد ما سلف تفصيلة في شأن الأدلة التي يعتمد عليها المبتدع, ولا بأس من ذكر ذلك مختصراً لاحتياج هذا المقام إليه:
الأدلة التي يعتمد عليها المبتدع تنقسم إلى قسمين:
الأول: أدلة غير معتبرة شرعاً, وهي إما أن تكون غير شرعية كالذوق والوجد, والرأي, والهوى, فما أنبنى على شيء من هذه الأدلة فهو بدعة حقيقية.
وإما أن تكون أدلة شرعية غير ثابتة كالأحاديث الموضوعة والمتفق على ضعفها, فالبدعة فيها حقيقية وإنما سميت شرعية مع أنها غير ثابتة لكونها منسوبة إلى الشريعة ومأخوذة في زعم صاحبها من الوحي.
فإن كانت الأدلة الشرعية التي يعتمد عليها المبتدع مختلف في ثبوتها أو ضعفها بين العملاء المعتبرين المشهود لهم بالتقوى وإتباع السنة فتكون البدع المبينة على هذا النوع, من البجع الإضافية بل قد تقترب إلى حد المشروعية وتصل إلى أن تكون سنة محضة, وسيأتي بيان ذلك عند أقسام البدعة الإضافية ...
الثاني: أدلة معتبرة شرعاً, ويكون النظر فيها من جهة استدلال المستدل بها, فإن كان له نوع شبهة في استدلاله كأن يكون للبدعة شائبة تعلق بهذا الدليل فهي إضافية وإن لم يكن فهي حقيقة ...
وهذا هو معنى قول الشاطبي عن البدعة الإضافية: ( ... أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل, وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل ... ) . وقوله عند ذكر الفرق بين البدعة الإضافية والحقيقية من جهة المعنى: (والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم, ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها ... ) .
هذا هو الجانب الأول, وهو في النظر إلى البدعة من جهة الدليل أم الجانب الثاني, وهو النظر إلى البجعة من جهة التصاقها بالعمل المشروع أو انفصالها عنه, وقد سبق تفصيل هذا, ولابد من ذكر ما يتلاءم مع هذا المقام أيضاً فيقال:
الغالب في البدعة الإضافية أن تلتصق بالعمل المشروع وتخالطه, والغالب في الحقيقية العكس, مع أنه لا بد من ملاحظة الدليل الذي استندنا عليه في حالتي الالتصاق والانفراد.
فإذا التصقت البدعة بالعمل المشروع فلا يخلو من أن تصبح وصفاً للمشروع غير منك عنه أولاً, فإن أصبحت وصفاً غير منك فبدعة حقيقية, وإن لم تصبح وصفاً للمشروع غير منفك عنه فبدعة إضافية, حتى ولو صارت مختلطة بالعمل المشروع إلى حد أن يفتقد أن من أجزائه أو من أوصافه....
والفرق بين هذا المعنى والسابق في البدعة الحقيقية, أ، جانب الابتداع في الحقيقية هو الغالب والطاغي, لكونه أصبح وصفاً لازماً غير منفك.
بينما هو في الإضافية وصف من الأوصاف, وجزء من الأجزاء, وهو غير غالب وال طاغ على المشروع, بيد أن البدعة الإضافية تختلف مراتبها ودرجاتها باختلاف تعلقها بالدليل وبالعمل المشروع, وهذا ما سيأتي بيانه تخت هذا العنوان.
أقسام البدعة الإضافية:
قسمها الشاطبي ﵀ إلى قسمين فقال:
стр. 428
(الإضافية أولاً على ضربين:
أحدهما: يقرب من الحقيقية, حتى تكاد البدعة تعد حقيقية
والآخر: يبعد عنها حتى يكاد يعد سنة محضة ... ) .
وهذا التقسيم مبنى على النظر المذكور سلفاً من جهة اقتران البدعة بالعمل المشروع, أو انفصالها عنه أولاً, ثم من جهة اعتماد فاعلها على الدليل ثانياً ...
وقد بين الشاطبي معنى هذا التقسيم عند ذكره للأمثلة على كل قسم, وأطنب في ذلك وسأكتفي في هذا المجال بذكر بعض الأمثلة ...
فمثال القسم الأول: وهو الذي يقرب من الحقيقية حتى يكاد يعد منها:
ملازمة الخشن من الثياب أو الطعام مع القدرة على غيره من الطيبات, لمجرد التشديد على النفس, بقصد التقرب إلى الله تعالى بذلك لا لأجل غرض صحيح معتبر شرعاً: ككسر كِبر, أو إسقاط عُجب, أو مقاومة شهوة باطلة, ونحو ذلك.. فهذا من البدع الإضافية الذي يقترب من الحقيقية حتى تكاد تعد البدعة حقيقية, وذلك لأن فيه إيثار الحرمان على التنعم بنعم الله المباحة, وفيه التشدد والتنطع الذي نهى عنهما الشرع, وفيه القصد إلى ما تكرهه النفس بما ليس من مطلوبات الشرع, ولا من مقاصده, لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس والتشديد عليها في التكليف وهذا مخالف لقوله- ﷺ : (إن لنفسك عليك حقاً) .
وقد كان النبي ﷺ يأكل الطيب إذا وجده, وكان يحب الحلواء والعسل, ويعجبه لحم الذراع, ويستعذب له الماء, فأين المشدد على نفسه
стр. 429
من هذا؟.) .
وقد قال : (يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) وقال جل وعلا: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ... ) .
فالله سبحانه لم يطالب العباد بترك الملذوذات من المباحات, وإنما طالبهم بالشكر عليها إذا تناولوها, وعدم الإسراف فيها, فالتحري للامتناع من تناول ما أباحه الله من غير موجب شرعي مفتتات على الشارع, وما جاء عن السلف من الامتناع عن بعض المباحات نجد أنهم إنما امتنعوا لعارض شرعي يشهد الدليل باعتباره, كالامتناع من التوسع لضيق ذات اليد أو لأن المتناول ذريعة إلى ما يكره أو يمنع, أو لأن في المتناول وجه شبهة تفطن إليه التارك ولم يتفطن إليه غيره ... ونحو ذلك من العوارض والأعذار المستساغة شرعاً.
ومن هذا الباب: الاقتصار في الأفعال والأحوال على ما يخالف محبة النفوس وحملها على ذلك في كل شيء من غير استثناء, فهو من قبيل التعمق والتشدد, لأنه قد عرف أن الشرع أباح أشياء فيها قضاء لنهمة النفس واستمتاع بما يلذ لها, فلو كانت مخالفة النفس على الإطلاق مما يحبه الشارع لما أمر بما فيه تحقيق متع النفس بل لأمر بالترك.
فمن عمد إلى مخالفة محبات النفس التي أبحها الشرع من غير غرض صحيح معتبر شرعاً, فهو مبتدع يتقرب إلى الله بما لم يشرعه, مثل محالفة النفس في النكاح, أو المنام أو بعض أنواع الطعام أول اللباس المباح, كل ذلك داخل تحت
стр. 430
هذا النوع من البدع الإضافية, الذي يقترب من البدع الحقيقية بل إن بعض أنواع هذا القسم هو من البدع الحقيقية بلا ريب ...
وإنما عدت من البدع الإضافية, لكون فاعلها يعتمد على بعض الأدلة التي تدعو للزهادة في الدنيا, والتخفف من مباحاتها, وبعض سير السلف-﵏ في ذلك مما قد يعد شبه استدلال, وقد مر أن البدعة الإضافية في إحدى جهتيها تتعلق بالسنة لأنها مستندة إلى دليل شرعي, وفي الجهة الأخرى بدعة, لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل.
ومن هذا الباب أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للأخرة, أحدهما سهل ميسور, والآخر شاق عسر, وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد فيأخذ المتشدد بالطريق الأصعب, الذي يشق عليه ويترك الطريق الأسهل بناء على أن التشديد على النفس من القربات, ومن الطرق التي يرضاها الشارع الرحيم ...
كالذي يجد للطهارة ماءين: ساخناً وبارداً فيتحرى البارد الشاق استعماله ويترك الآخر, فهذا لم يعط نفسه حقها الذي طلبه الشارع منه, وخالف دليل رفع الحرج, من غير معنى زائد.
وزعم بفعله هذا أن القصد إلى مكروهات النفس تشريع من الله, وتقدم بين يدي الشارع بعبادة غير مشروعة, وصار متبعاً لهواه, فتكون بدعته هذه إضافية تقترب من الحقيقية, إذ أن لها شبهة تعلق بالدليل الشرعي في قوله- ﷺ : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره) .
стр. 431
فيظن المبتدع أن في الحديث دليل, على أن للإنسان أن يسعى في تحصيل هذا الأجر بإكراه النفس, ولا يكون ذلك إلا بتحري إدخال الكراهة عليها, وهذه هي شائبة الاعتماد على الدليل الشرعي, وشبهة الاستدلال التي جعلت هذه البدعة إضافية.
وهذا الاستدلال الذي اعتمد عليه المبتدع غير مستقيم, لأنه لا دليل في الحديث على ما أراد, وإنما فيه أن الإسباغ مع وجود الكراهية هو محل الثواب, فهذا أمر زائد غير الأمر الذي ذكر المثال له, كالرجل يجد ماء بارداً في الشتاء ولا يجده ساخناً فلا يمنعه شدة برده عن كمال الإسباغ, وأما القصد إلى الكراهية فليس في الحديث ما يقتضيه بل في الأدلة الشرعية ما يدل على أنه مرفوع عن العباد.
ومن هنا كان هذا العمل بدعة.
أما القسم الثاني من أقسام البدعة الإضافية: وهو ما يبعد عن البدعة حتى يكاد يعد سنة محضة ... فقد ضرب له الشاطبي بعض الأمثلة منها:
العمل الذي شرع أصله ولكنه يصير جارياً مجرى البدعة, من باب سد الذرائع.
كأن يلتزم النوافل التزام السنن الرواتب, إما دائماً وإما في أوقات محدودة وعلى طريقة محدودة.
ووجه دخول الابتداع في هذا, أن كل ما واظب عليه رسول الله ﷺ من النوافل وأظهره في الجماعات, فالمواظبة عليه وإظهاره من السنن, وأما النافلة التي ليست على هذا الوجه ويلتزمها العامل التزام السنن الرواتب بأي
стр. 432
نوع من الالتزامات التي لم تشرع ...
وهذا الالتزام يخرج العمل عن طريقته المشروعة إلى أخرى لم يرد بها دليل, وذلك حين يخرج بالنافلة عن مكانها المخصوص بها شرعاً ويلحقها بالراتبة, فيظن أ، ها سنة راتبة, وليست كذلك وهذا افتئات على الشرع وتخصيص بغير مخصص شرعي, ويلزم من هذا اعتقاد العوام ومن لا علم عنده أنها سنة راتبة.
ومثال هذا أن يلتزم صلاة نافلة مطلقة في وقت معين, ويداوم على ذلك ويظهرها في المساجد أو يقيمها جماعة.
ومنه أيضاً المداومة على السنن التي ثبت أن الرسول- ﷺ فعلها أحياناً ولم يداوم عليها, كالمداومة على قراءة سورة السجدة في صلاة فجر في يوم الجمعة, فإن ذلك يخرجها من مجال تشريعها وهو سنيتها في بعض الأيام إلى الوجوب ومن أجل ذلك نبه العلماء على ترك المدوامة على قرائتها, كقول شيخ الإسلام أثناء حديثه عن قراءة سورة السجدة في فجر الجمعة: ( ... لا ينبغي المدوامة عليها بحيث يتوعم الجهال أنها واجبة وأن تاركها مسيء, بل ينبغي تركها أحياناً لعدم وجوبها) ومن هذا الباب ترك من يقتدي به فعل ما هو مشروع, لئلا يظن أنه واجب فيعطى حكماً لم يعطه إياه الشارع, فيكون ابتداعاً أو ذريعة للابتداع.
وأصل هذا المعنى فيما رواه البيهقي بسند صحيح, عن أبي سريحة الغفاري وهو حذيفة بن أسيد ﵁ قال: (ما أدركت أبا بكر, أو رأيت
стр. 433
أبا بكر وعمر-﵄ كانا لا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما) .
وفي البيهقي أيضاً عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: (إني لأدع الأضحى وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي) .
وهذا فهم من الصحابة-رضوان الله عليهم- لأحكام الشريعة, وأ، كل عمل له حكمه الذي شرعة الله, فانتقاله إلى حكم أعلى منه, أو أدنى منه لا يكون إلى بأمر الشارع, وعلى هذا الاعتبار يعد هذا الانتقال غير المشروع من البدع الإضافية التي تكاد تعد سنة محضة.
والسبب في اعتبار هذا العمل وأمثاله من البدع الإضافية, التي تكاد تعد سنة محضة هو أن العامل له يخرج العمل عن بابه الذي وضعه الشرع فيه, ويضع له خاصية ليست مشروعة له.. وهذا زيادة على الشرع وتقييد بلا دليل, حتى مع افتراض أن العمل في ذاته صحيحاً فإخراجه عن بابه اعتقاداً وعمالً من باب إفساد الأحكام الشرعية, ومن باب التزود على الشرع والتقديم بين يدي الله ورسوله.
وجميع هذا الذي ينهى عنه من باب سد الذرائع الموصلة إلى البدع, وله شواهد وأدلة من فعل السلف-رضوان الله عليهم- فمن ذلك نهيهم عن اتباع الآثار, كما أخرج ابن وضاح بسنده عن المعرور بن سويد قال: (خرجنا حجاجاً مع عمر بن الخطاب, فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه,
стр. 434
فقال عمر: ما شأنهم؟ قفالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال عمر: أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم بإتباعهم مثل هذا, حتى أحدثوها بيعاً, فمن عرضت له فيه صلاة فليصل, ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض) .
وخرج ابن وضاح أيضاً بطريقين أن عمر بن الخطاب-﵁: ( ... أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي- ﷺ فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تختها فخاف عليهم الفتنة) .
ومن هذا الباب كراهة سفيان الثوري ومالك تخصيص سورة الإخلاص بالقراءة دون غيرها في الصلاة, ففي البدع لابن وضاح: (أن سفيان سئل عن رجل يكثر قراءة قل هو الله أحد, لا يقرأ غيرها كما يقرأها فكرهه, وقال: إنما أنتم متبعون فاتبعوا الأولين, ولم يبلغنا عنهم نحو هذا, وإنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء) .
وفيه عن مالك: (أنه سئل عن قراءة قل هو الله أحد مراراً في ركعة فكره ذلك, وقال هذا من محدثات الأمور التي أحدثوها) .
ولا يعارض هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة: (أن رسول الله- ﷺ بعث رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد, فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله- ﷺ فقال: (سلوه لأي شيء يصنع ذلك) فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمان فأنا أحب أن أقرأ بها, فقال رسول الله ﷺ (أخبروه أن الله يحبه) .
стр. 435
ففي هذا الحديث دليل الجواز لا دليل المشروعية هذا أولاً, ثم إن كلام سفيان ومالك منصب على من يقرأها ويخصها بالقراءة دون غيرها, أو يكررها في ركعة واحدة, وكل هذا وإن كان أصله مشروعاً بمثل حديث مسلم وغيره إلى أنه بهذا الالتزام والتخصيص والمداومة يصبح له حكماً آخر ويصير ذريعة إلى اتخاذ العمل غير المسنون وغير المشروع سنة مشروعة.
وهذه الأمثلة التي سبق ذكرها تعتبر بلا شك من الأمور الجائزة أو المندوب إليها, ولكنها تخرج من هذا الحيز بأي نوع من التخصيص غير الشرعي, إلى أن تصبح بدعة أو ذريعة إلى البدعة, وسبب اعتبارها إضافية أنها في أصلها لها دليل قائم على جوازها أو مشروعيتها, وأنها مخالطة لأعمال مشروعة ولم تصبح وصفاً ملازماً لها, وإنما صارت كالسبب الموضوع لاعتقاد البدعة أو للعمل بها على غير السنة أو لتصبح ذريعة إلى البدعة) .
وهذا هو وجه تسميتها بدعة إضافية, ووجه تصنيفها في القسم الثاني من أقسام الإضافية.
بيد أنه لا بد من التنبيه على مسألة سد الذرائع هذه, وأنها ليست على إطلاقها فيبدع بأي عمل يظن أو يتوهم أنه يؤدي إلى بدعة, أو يحكم على كل ذريعة إلى بدعة بأنها من قسم البدع الإضافية وذلك للاعتبارات التالية:
١. أن سد الذرائع أو ترك سدها محل اجتهاد المجتهد.
فقد يرى من لا يذهب إلى سد الذريعة في المسألة الفلانية أن العمل عنده مشروع, ويكون لصاحبه أجره, أو يرى أنها-أصلاً- ليست بذريعة حتى يجب سدها.. وقد يذهب من يراها ذريعة يوجب سد الذرائع أن هذا العمل ممنوع, وأن صاحبه ملوم على فعله.
وعلى هذا فلا بد من اعتبار الحكم على العمل بالبدعية أو عدمها من هذا
стр. 436
الباب الذي يسوغ فيه الاجتهاد, لا سيما في مسألة سد الذرائع هذه.
٢. يصح أن يكون العمل مشروعاً أو جائزاً من جهة نفسه, ومنهياً عنه من جهة ما يؤدي إليه من مفاسد, أو من جهة مآله.
كقوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسب الله عدواً بغير علم) .
وهناك أحكام فقهية عديدة علل العلماء فيها الأمر أو النهي بالتذرع وعليه فإدخال ذريعة البدعة في حكم البدعة, من السائغ المقبول شرعاً, وإن كان الأمر المتذرع به مشروعاً أو جائزاً من جهة نفسه.
٣. تختلف الذرائع في أحكامها باختلاف منازل المتذرع إليه وأصل هذا المعنى في قوله- ﷺ : (من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه) قالوا: يا رسول الله وهل يسب الرجل والديه؟ قال: (نعم, يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه) .
فجعل سب الرجل لوالدي غيره بمنزلة سبه لوالديه نفسه, حتى ترجمة عنها بقوله: (أن يسب الرجل والديه) .
فعد ذلك من أكبر الكبائر مع أنه لا يمكن أن يقصد الرجل والديه بالسب, ولكن سبه لوالدي الآخر صار ذريعة لسب والديه هو فعد ساباً لهما.
وفي هذا الحديث عدة فوائد: منها اعتبار سد الذرائع, ومنها أن حكم
стр. 437
ذريعة الشيء يختلف باختلاف ما توصل إليه, وكذلك ذرائع البدع يكون حكمها بحسب ما توصل إليه فإن كانت توصل إلى بدعة كبيرة فالوسيلة كذلك, وإن كانت توصل إلى بدعة صغيرة فالوسيلة كذلك, وعليه فلا يعتبر كل ما جاء من باب سد الذرائع في مسألة البدعة من البدع الإضافية التي تقترب من السنة المحضة بل قد تكون إضافية مقتربة من الحقيقية, وقد تكون حقيقية بحتة, وإنما جاء ما ذكر سلفاً عند القسم الثاني من الإضافية من باب التمثيل.
وقد تعرض الإمام الشاطبي ﵀ لأمور أخرى غير ما سبق وعدها من البدع الإضافية منها:
١. المتشابه:
ويراد به كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة فينهى عنه أم غير بدعة فيعمل به.
والمشتبه في هذا الباب من ضمن المشتبهات الواردة في الحديث المروي في الصحيحين عن- ﷺ أنه قال: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فيمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه....) الحديث.
ويدخل المشتبه أمره من حيث البدعية أو عدمها في هذا الحديث, لأن العامل بهذا المشتبه لا يقطع بأنه يعمل بسنة, كما لا يقطع أنه يعمل ببدعة وهذا كحال ما اختلف في حله أو تحريمه من الأعيان, والأشربة, والألبسة, والمكاسب
стр. 438
ونحوها, فلم يعلم أهي من الحلال المحض أم من الحرام المحض, كما لو اختلطت الميتة بالمذكاة والرضيعة بالأجنبية ونخو ذلك.
وهذا المشتبه فيه من حيث البدعية أو عدمها, يخرج بسبب هذا التردد بين الحل والحرمة من نطاق البدعة الحقيقية, لأنه كما مر: أن البدعة الإضافية ذات وجهين, وتتعلق بأمرين, أحدهما مشروع والآخر ممنوع, ومن أجل ذلك قيل إن هذا القسم من قبيل البدع الإضافية, وله أمثلة ذكرها الشاطبي يأتي هنا إيجاز بعضها.
المثال الأول:
إذا تعارضت الأدلة على المجتهد في أن العمل الفالني سنة يتعبد بها أو بدعة فلا يصح التعبد بها, ولم يستطع أ، يجمع بين الأدلة ولم يتبين له إسقاط بعضها بنسخ أو ترجيح أو تخصيص أو تقييد وغير ذلك, من طرق ووسائل الترجيح.
فلو عمل بمقتضى أدلة المشروعية من غير مرجح لكان عاملاً بمتشابه لإمكان صحة الأدلة على عدم المشروعية, فالصواب الوقوف عن العمل استبراء لدينه وتنزيهاً عن الوقوع في الشبهات, مع أن هذا قد يقع لمجتهد فيكون عنده من المشتبهات, ولا يقع لآخر فيكون من الواضحات.
المثال الثاني: التبرك بالصالحين وآثارهم:
فهذا العمل متردد بين مجموعتين من الأدلة, إحداها توحي بأن التبرك بالصالحين وآثارهم جائزة, والأخرى تدل على المنع من ذلك.
فمن الأدلة التي يعتمد عليها من يجيز التبرك بالصالحين وآثارهم ما ثبت عن الصحابة-﵃ أنهم كانوا يتبركون بأشياء من رسول الله-صلى الله
стр. 439
عليه وسلم- كما روى البخاري ومسلم عن أبي جحيفة ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة فأتي بوضوء فجعل الناس يأخذون من فضل وضوءه فيتمسحون به) .
وفي حديث صلح الحديبية: (ما تنخم النبي- ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده) .
وفي البخاري عن موسى بن عقبة قال: (رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها, ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي- ﷺ يصلي في تلك الأمكنة) .
وفي الصحيحين عن عتبان بن مالك قال: (كنت أصلي لقومي بني سالم فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني أنكرت بصري وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي, فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكاناً حتى
стр. 440
أتخذه مسجداً فقال: أفعل إن شاء الله, فغدا على رسول الله ﷺ وأبو بكر معه, بعد ما اشتد النهار فاستأذن النبي ﷺ فأذنت له, فلم يجلس حتى قال: (أين تحب أن أصلي من بيتكم) ؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه, فقام رسول الله- ﷺ فكبر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا حين سلم) ومن هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم أن أبا بكر الأثرم قال: (قلت لأبي عبد الله-يعني أحمد بن حنبل-: قبر النبي- ﷺ يمس ويتمسح به, فقال: ما أعرف هذا, قلت: فالمنبر, فقال: أما المنبر فنعم فنعم قد جاء فيه, قال أبو عبد الله شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر, قال: ويروون عن سعيد بن المسيب في الرمان قلت: ويروون عن
стр. 441
يحي بن سعيد أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا, فرأيته استحسنه ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء) .
ومن هذا القبيل ما رواه الذهبي في سير النبلاء: أن عبد الله بن الزبير- ﵁ شرب دم الرسول- ﷺ بعد أن احتجم. وأشياء من هذا الباب كثيرة يستدل بها من يجيز التبرك بآثار الصالحين ومقاماتهم ومحل عباداتهم.
إلا أن هذا الاستدلال يعارض بمجموعه من الأدلة منها: أنه هذه الأدلة المذكورة, والتي يعتمد عليها من يجيز التبرك خاصة بالنبي- ﷺ وأن محل الاختصاص مرتبط بمرتبة النبوة, والخيرية المطلقة التي لا يمكن أن تحقق في أحد بعده, وهذا ما فهمه الصحابة-رضوان الله عليهم- إذ جعلوا هذا التبرك مختصاً به هو ﵇ لاختصاصه بالأفضلية والسيادة على الأنبياء وسائر البشر, واختصاصه ﷺ بجواز التبرك به وبآثاره, كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع والوصال في الصيام وشبه ذلك.
فعلى هذا المأخذ لا يصح لمن بعده الإقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها, ومن اقتدى به في هذا كان إقتداؤه بدعة كما كان الإقتداء به في الزيادة على أربعة نسوة أو الوصال في الصيام بدعة.
ومن أدلة المعترضين:
وهو مرتبط بما سبقه, أن الصحابة-رضوان الله عليهم- بعد موته-﵇ لم يقع من أحد منهم شيء من هذا التبرك بالنسبة إلى من خلفه, وقد كان بين ظهرانيهم أفضل الأمة بعد نبيها: الصديق ﵁ ثم عمر أفضل الأمة بعده,
стр. 442
ثم عثمان, ثم علي, ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة, ولم ينقل بطريق صحيح أن أحداً في عصرهم تبرك بهم على أحد تلك الوجوه المنقولة في تبركهم بالنبي-صلى الله عليهم وسلم- أو نحوها. وهذا إجماعاً في القرون الفاضلة على ترك هذا العمل والإجماع أصل مقطوع به لا يجوز الخروج عليه لا سيما وقد انعقد في الزمن الفاضل.
ومن الأدلة أيضاً:
لو سلمنا أن الصحابة ﵃ لم يعتقدوا اختصاص النبي- ﷺ بهذا, ولم ينعقد إجماعهم على ترك التبرك بغيره, فإنه يجب أ، يقال أنهم تركوا ذلك من باب الذرائع خوفاً من أن يجعل ذلك سنة كما تقدم في اتباع الآثار ونهي عمر عن ذلك وقطعه للشجرة.
أو لأن العامة لا تقتصر في هذا الباب على حد, بل تتجاوز فيه الحدود وتبالغ بجهلها في التماس البركة, حتى تعتقد تعظيم المتبرك به وقد تعتقد عصمته وقدرته على النفع والضر, وهذا من أشنع أنواع الشرك-والعياذ بالله- كما يفعل كثير من الجهلة والمبتدعة مع شيوخهم, من لبس الخرقة والتبرك بالمجلس والتمسح بالأقدام.
وقد فتح هذا الباب على كثير من طوائف المسلمين وعامتهم أبواباً من الاعتقادات الضالة, كاعتقاد الولاية في الزنادقة, واعتقاد البركة المطلقة في كل ما يتصل بمن يرونه ولياً, حتى وصل الأمر عند بعضهم أن يعتقد البركة في البول والعذرة ...
فإذا علم أن الصحابة كانوا يعتقدون اختصاص النبي- ﷺ بجواز التبرك به وبآثاره, بدليل إطباقهم على عدم قياس غيره عليه في هذا وإجماعهم على الترك, إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده أو عملوا به ولو
стр. 443
في بعض الأحوال 'ما وقوفاً مع أصل المشروعية وإما بناء على اعتقاد انتفاء العلة الموجبة للامتناع.
أضف إلى ذلك ما يؤدي 'ليه جواز ذلك من أمور, هي في حقيقتها ذرائع إلى بدع كبيرة ومفاسد خطيرة ...
وقد ذكر الإمام الشاطبي هذا المثال ضمن أمثلة المتشابه الدائر بين أمرين من الأدلة وجعله من البدع الإضافية بسبب اعتماد مبتدعها على شيء من الأدلة, وتعلق هذه البدعة بشيء من النصوص الثابتة, وهذه البدعة حقها أن تصنف-في أقل الأحوال- ضمن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية ...
ومن الأمور التي ألحقها الشاطبي بالبدع الإضافية:
٢. (أن يكون أصل العبادة مشروعاً إلى أنها تخرج عن صل شرعيتها بغير دليل, توهما أنها باقية على أصلها تخت مقتضى الدليل, وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي أو يطلق تقييدها) .
وقد جعل الشاطبي هذه البدعة من الإضافية التي تقرب من الحقيقية, وقد سبق ذكر شيء من هذا المعنى, ول بأس بذكره هنا منفرداً, لكونه من متعلقات أهل البدع واحتجاجاتهم الكبيرة, إذ لا يعتقدون دخول التخصيصيات والتقييدات العقلية للعمل المشروع في البدع, ولا يعتبرون ذلك مخرجاً للأعمال المشروع أو الجائزة عن حدها الذي حد لها, فيقعون في كثير من البدع من هذا الباب....
وقد ضرب الشاطبي لهذا النوع من البدع الإضافية أمثلة منها: أن الصوم في الجملة مندوب إليه, ولم يخصه الشارع بوقت دون وقت, ما عدا ما نهي عن صيامه على الخصوص كالعيدين وإفراد الجمعة, وما ندب إليه على الخصوص
стр. 444
كعرفة, وعاشوراء, وأيام البيض والاثنين والخميس ...
فإذا جاء إنسان فخصص يوماً من الأسبوع كالأربعاء, أو أياماً من الشهر كالأول والثلاثين وما أشبه ذلك, فإن هذا التخصيص أت من جهة رأيه وهواه ...
وهو تخصيص بغير دليل, يضاهي به تخصيص الشارع أياماً بأعيانها دون غيرها فصار هذا التخصيص من المكلف بدعة, لكونه تشريع بغير مستند, وتقييد بغير دليل, وإخراج للعبادة المشروعة عن وضعها الشرعي إلى وضع مبتدع ...
ومنها: تخصيص الأيام الفاضلة كعشر ذي الحجة وعاشوراء ويومي العيد بأنواع من العبادات التي لم تشرع, كتخصيص يوم كذا بصلاة كذا وكذا من الركعات, أو ليلة كذا يختم القرآن فيها أو بإحيائها بالصلاة والذكر وما أشبه ذلك من أنواع التخصيصات التي لا دليل عليها.
فيكون هذا التخصيص والعمل له من البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية. ولا حجة في القول بأن هذا اليوم أو هذه الليلة لها من الفضل كذا وكذا فيحسن إيقاع العبادات فيها لأن الذي بين فضل هذا الزمان قادر على تشريع ما يلائمه من قربات, وقد عرف من الشرع أنه خصص أياماً فاضلة بأنواع من العبادات والقربات لا توجد في غيرها من الأيام, فدل ذلك على أن مجرد الأفضلية لا يكون سبباً في إيقاع العبادات كما أن التخصيص بعبادة في زمن ما من حقوق الشرع وخصائصه, وليست تابعة لآراء العباد وأهوائهم.
ومن الأمور التي ألحقها الشاطبي بالبدع الإضافية:
٣. تحديث الناس بما لا يفقهون, وتكليمهم في دقائق العلوم وصعاب المسائل التي لا تصل إليها أفها مهم:
وهذا العمل يكون بدعة باعتقاد فاعله: أنه يتقرب إلى الله بحديثه في هذه الأمور, أو أنه بفعله هذا ينشر العلم الشرعي, ونحو ذلك من المتعلقات التي يريد
стр. 445
من خلالها تحصيل الأجر والمثوبة ...
وهذا النوع من العمل من باب وضع الحكمة في غير موضعها, فسامع الكلام الذي لا يصل إليه فهمه إما أن يفهمه على غير وجهه وهو الغالب, وهذه فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق والشك في الشرع والعمل بالباطل, وإما لا يفهم منه شيئاً وهو أسلم من سابقه, ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون بل صار في التحديث بها كالعابث بنعمة الله ومن منح الجهال علماً أضاعه..
ومثال ذلك أن يطرح على العوام بعض أحاديث الصفات-كحديث الصورة- التي لا تصل إليها أفها مهم, أو بعض شبهات المبتدعة والكافرين, أو بعض النصوص التي قد تبدو للجاهل وبادي الرأي متعارضة, أو بعض مسائل الاختلاف, أو الحديث عن مسائل القضاء والقدر وأطفال المشركين, ووالدي الرسول, ونحو ذلك من المسائل التي قد تكون فتنة للجاهل والعامي.
ولأجل هذا جاء انهي عن كثير من السلف عن الأغلوطات والمسائل المشكلة, وقد ترجم لهذا المعنى البخاري في صحيحه فقال: (باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا) .
ثم ذكر حديثاً موقوفاً على علي-﵁ أنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله) .
وفي مسلم عن عبد الله بن مسعود رض الله عنه قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) .
قال الذهبي في سير النبلاء: (كذا ينبغي للمحدث أن لا يشهر الأحاديث التي يتشبث بظاهرها أعداء السنن من الجهمية ... وأهل الأهواء والأحاديث
стр. 446
التي فيها صفات لم تثبت, فإنك لن تحدث قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم, فلا تكتم العلم الذي هو علم, ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليك, أو الذين يفهمون منه ما يضرهم) .
وكلام العلماء من السلف والخلف في هذا الباب كثير, والمقصود أن التحدث مع الناس بما لا تبلغه عقولهم يدخل في باب البدع الإضافية وسبب دخول هذا العمل في الابتداع أنه عند عامله منبعث من محبة الأجر وطلب القربة إلى الله بنشر العلم وتعليم الخلق, وهذا المقصد في ذاته من الأعمال المشروعة....
وهو أحد الوجهين اللذين يتعلق بهما هذا العمل, والوجه الآخر: أنه هذا الفعل على خلاف الشرع, وعلى خلاف ما كان عليه سلف هذه الأمة, وفيه من المفاسد الدينية ما سبق بيان بعضه, فلذلك كان هذا العمل من البدع الإضافية التي تقترب من الحقيقية.
وبما يمكن إلحاقه بهذا الفصل-وقد سبق الإشارة إليه في أوله-: تقسيم البدعة إلى كلية وجزئية, وإلى بسيطة ومركبة, وسبب الإلحاق هذا, هو أن النظر مرتكز في هذه التقسيمات إلى البدعة ذاتها هذا من جهة, ومن جهة أخرى, فإن البدعة الكلية والمركبة تكون غالباً من البدع الحقيقية, بينما تكون الجزئية والبسيطة من البدع الإضافية في الغالب أيضاً ...
ويتحدد هذا بالنظر في الدليل الذي قامت عليه البدعة, وبالنظر في التصاقها بالعمل المشروع أو انفصالها عنه كما سبق بيانه..
فأما البدعة الكلية: فهي التي تعتبر كالقاعدة أو الأصل لبدع أخرى تنبني عليها ويتعدى أثرها إلى أمور كثيرة.
مثل بدعة عصمة الأئمة عند الرافضة, فهي بدعة كلية ترتب عليها جملة
стр. 447
من الضلالات والبدع, كإنزالهم أئمتهم منزلة لا يصلها نبي مرسل ولا ملك مقرب, واعتقاد الصواب المطلق في أقوالهم وأفعالهم, وكاعتقاد خروج المهدي من السرداب, وغير ذلك من الانحرافات.
ومن البدع الكلية الأصول الخمسة عند المعتزلة, والقول بأن للشريعة ظاهراً وباطناً كما تقول الباطنية, والزعم بأن منزلة الولي فوق منزلة النبي كما يقول زنادقة الصوفية, وترك العمل بالحديث النبوي كما فعلت الخوارج ...
وأما البدعة الجزئية: فهي لا تتجاوز ذاتها, فلا يبنى عليها شيء من البدع ولا يمتد أثرها إلى شيء من الأعمال الأخرى, التي يفعلها صاحبها فهي على عكس البدعة الكلية, ومن أمثلتها بدعة المداومة على المصافحة عقب الصلوات, وبدعة الجهر بالنية في الصلاة, وبدعة تلقين الميت في قبره بعد دفنه ونحو ذلكز
وأما البدعة المركبة: فهي التي اشتملت على مجموعة من البدع وحوت عدة محدثات, انضمت إلى بعضها حتى أصبحت كأنها بدعة واحدة, ومثالها بدعة المولد, إذ تضم هذه البدعة لفيفاً من البدع, وتشتمل على عدة مخالفات شرعية منها تخصيص يوم معين, وذكر معين, وهيئة معينة بغير دليل, وإحداث أوراد وأشعار مبتدعة تحوي أصنافاً من الأكاذيب والضلالات وغير ذلك.
وأما البدعة البسيطة: فهي على عكس المركبة إذ هي مخالفة بدعية لا يدخل معها غيرها وتشبه الجزئية..
стр. 448
البدعة المتعلقة بالفعل والترك
مر سابقاً أن من مفاهيم أهل السنة والجماعة للبدعة أنها تقع بالفعل والترك، أي بفعل غير المشروع، وترك ما هو مباح أو مشروع، وبتعبير آخر: فعل ما تركه الشارع، وترك ما شرعه أو أباحه تقرباً إلى الله بذلك.
وهنا سيرد بعض البسط لهذا المفهوم، بتبيين المراد بالفعل والترك، وأدلة ذلك وأمثلة وبالله التوفيق ...
أما الفعل فيراد به هاهنا معنيان:
الأول: فعل الشارع.
الثاني: فعل المكلف.
١- فعل الشارع:
فهو ما تقوم به الحجة على وجوب أمر أو استجابة أو ندبة أو إباحته أو تحريمه أو كراهته، وبعبارة أخرى: يراد بفعل الشارع ما يؤدي إلى إلحاق حكم شرعي بالوصف المراد.
وهذا يشمل نصوص الكتاب ونصوص السنة الثابتة، وهي فعل النبي ﷺ أو قوله أو إقراره، مما لا يعد من خصائصه ﷺ ، ولا من الأمور الجبلية، ولا مما فعله على سبيل الاتفاق، كتوقفه أثناء سفره لقضاء حاجته ونحو ذلك.
أما فعل رسول الله ﷺ على وجه العادة فهو مباح لنا، إلا أن يقوم دليل على اختصاصه.
وفعل الشارع بهذا الإطلاق يدخل المعنى العام للسنة الذي هو: الشريعة
стр. 449
الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة، أو ما استنبط منهما من أصول وما ورد من أخبار وآثار، وهذا الذي أراده شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: ( ... السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله رسول الله ﷺ أو فُعل في زمانه، أو لم يفعله ولم يُفعل في زمانه؛ لعدم المقتضي حينئذ لفعله، أو وجود المانع منه فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة ... ) .
وهذا الإطلاق العام يضم مراد الشارع من حيث الحظر والإباحة، وما بينهما من أحكام، في ما عُرفت علته وحكمته، وفي ما لم تُعرف علته وحكمته، وهو ما اصطلح عليه باسم العبادات والمعاملات، سواء كان هذا المراد الشرعي نصاً كألفاظ الكتاب والسنة، أو أصلا يعتمد في ثبوته ودلالته وحجيته على نصوص الكتاب والسنة، كالإجماع، والقياس، والمصالح المرسلة، وقول الصحابي، وقد وضح الشاطبي هذا المعنى في الموفقات أثناء حديثه عن معنى (السنة) واختلاف معاني إطلاقات هذا اللفظ فقال: ( ... ويطلق أيضاً في مقابل البدعة، فيقال: (فلان على سنة) إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ كان ذلك مما نص عليه الكتاب أولاً، ويقال: (فلان على بدعة) إذا عمل على خلاف ذلك، وكأن هذا الإطلاق إذا اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة، فأطلق عليه لفظ السنة من تلك الجهة، وإن كان العمل بمقتضى الكتاب.
ويطلق أيضاً لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السنة، أو لم يوجد لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم، فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضاً إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه، حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم، فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان، كما فعلوا في حد الخمر وتضمين الصناع، وجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين وما أشبه ذلك ... ) .
стр. 450
وهذا الذي ذكره الشاطبي من معاني السنة هو الذي كان رائجاً في العصر الأول، فقد كان السلف يطلقون اسم السنة بهذا المفهوم، وهو ما يتلاءم مع هذا السياق: في بيان المراد بفعل الشارع وفي الحديث عن البدعة ...
وبهذا المفهوم العام للفظ السنة أو مراد الشارع أو فعله تدخل سائر الأحكام الشرعية الواجبة والمندوبة، والمباحة والمحرمة والمكروهة، سواء كانت متعلقة بالأعمال أو الأقوال أو الاعتقادات، وسواء كانت فعلاً أو تركاً ...
وبإيجاز: كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي، وعلى هذا فإنه يجب أن ينظر إلى أفعال البشر وتصرفاتهم وفق هذا الميزان الشرعي، فإن كانت موافقة لمراد الشرع عُمل بها وإن لم تكن كذلك رُدت وهذا ما سبق بيانه تحت عنوان: (البدعة هي ما ليس له أصل في الدين) .
٢- وأما فعل المكلف:
فيراد به كل عمل يقوم به بالجوارح أو باللسان أو بالجنان، في مجال العبادات أو المعاملات أو العادات.
وهذه الأفعال لا تخرج بحال من الأحوال عن النظر الشرعي؛ لأنه ما من فعل إلا ولله فيه مراد وحكم: [أيحسب الإنسان أن يترك سدى] ، [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] .
وهذا الحكم الإلهي والمراد الشرعي لله قد يكون منصوصاً عليه باللفظ، وقد يكون مستنبطاً من لفظ الشارع، أو من سكوته، أو من أصول ومقاصد وكليات وقواعد بنيت على النصوص الشرعية ... وما إلى ذلك مما
стр. 451
يصلح للاحتجاج.
وفعل المكلف إما أن يكون في مجال العبادات، أو في مجال العادات والمعاملات، ولكل من المجالين قاعدة شرعية، وحكم إلهي تسير عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
( ... الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم، أن أعمال الخلق تنقسم إلى: عبادات يتخذونها ديناً، وينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معاشهم.
فالأصل في العبادات: أن لا يشرع فيها إلا ما شرعه الله.
والأصل في العادات: أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله.
وبهذا القياس توزن أعمال المكلفين، وبهذا المعيار تسير أفعالهم فإن كانت وفق الدليل الشرعي، ولها أصل في دين الله يدل عليها، فهي مقبولة مثاب عليها فاعلها إذا قصد بها وجه الله.
وإن كانت مخالفة للشرع، أو مناقضة له فلا تخلو من أحد حالين:
الأول: أن لا يقصد بهذه المخالفة القربة إلى الله سبحانه فتعد معصية، وفي هذا تدخل جميع المنهيات الشرعية مثل النظر إلى النساء، وسماع الغناء، والحلف بالطلاق، وشرب المسكر، وكشف العورة، وأكل الربا ... وغير ذلك.
الثاني: أن يقصد بالمخالفة القربة على الله فهذه هي التي تعد بدعة، سواء كانت في العبادات المحضة أو المعاملات أو العادات، وسواء كانت بالاعتقاد أو الجواح أو باللسان.
فأما في العبادات فالأمر بين وواضح، مثل: صلاة الرغائب، وصلاة النصف
стр. 452
من شعبان، والأوراد البدعية عند الصوفية، واعتقا دالولاية في مظهر الفسوق وغير ذلك، وهو كثير ...
وأما المعاملات فمثل: النظر إلى النساء والمردان، أو استماع الغناء بقصد القربة، أو أخذ المكوس والضرائب على الأبدان، والبضائع، مع اعتقاد أن ذلك مما يجيزه الشرع أو يبيحه، ويدخل في هذا المعنى مجموعة من البدع السياسية وكل البيوع والعقود والشروط التي نهى عنها الشارع وألغاها، فإن فعلها على وجه القربة لله، أو إلحاق حكم لها بالوجوب أو الندب أو الإباحة من الإبتداع.
ومن أوضح ما يصح التمثيل به في هذا الباب: نكاح المتعة الذي تجيزه الرافضة وتعمل به.
ومثله نكاح المحلل، من قال بجوازه وحله فقد أتى بدعة منكرة، إذ أنه وجد في زمان الرسول ﷺ المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليتراجعا، ولما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على
стр. 453
رجوعها إليه، دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها.
وأما في العادات فمثل: لبس الصوف عبادة وحلق الرأس على وجه التعبد في غير نسك ولزوم زي واحد وجعله ديناً وقربة ومن ذلك لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة.. ونحو ذلك، مع أن الأصل في الأفعال العادية عدم التحريم وكذلك في المعاملات، ولكن لما ألحق المبتدع إليها أوصافاً ليست لها من قبل الشارع كاعتقاده التقرب بهذا العمل، وجعله ديناً وعبادة، أو إلحاق حكم شرعي بالندب أو الوجوب أو الجواز، وليس له هذا الحكم من جهة الشرع كان هذا هو سبب اعتبار هذه الأعمال وأمثالها بدعاً في دين الله.
وهذا الذي مضى هو قسم البدع الفعلية، وأما البدع التركية، فإن الحديث عنها فيما يلي:
وسيكون الكلام عن الترك هنا على قسمين:
١- الترك من قبل الشارع.
٢- الترك من قبل المكلف.
القسم الأول: الترك من قبل الشارع:
стр. 454
ويراد به أحد معنين:
المعنى الأول:
المطلوب تركه من قبل الشارع، وهو المنهي عنه، أو هو غير المأذون به، وهو المكروه والممنوع، فتركه ﷺ ونهيه عنه دال على مرجوحية الفعل وبطلانه وعدم جوازه.
وأصل هذا قوله ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ... الحديث) .
قال ابن رجب: (قال بعض العلماء: هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر؛ لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، والأمر قيد بحسب الاستطاعة) .
وهذا المعنى يشمل سائر المنهيات من المعاصي والبدع، فأما المعاصي المنهي عنها فكثيرة، وليس هذا محل الحديث عنها، وأما البدع فقد جاء طلب تركها من الشارع بألفاظ عامة مطلقة، وفي أوقات كثيرة، كقوله ﷺ : (.. وإياكم ومحدثات الأمور) فتكون غير مأذون بشيء منها مطلقاً، وحكمها دائر بين التحريم والكراهة، ولا تخرج عن ذلك بحال ...
المعنى الثاني:
وهو أن يترك الشارع الفعل مع وجود مقتضاه وعدم المانع منه.. وقد يسمى بالمسكوت عنه، أو السنة التركية، وحده الذي له تعلق بموضوع البدعة هو: (أن يسكت الرسول ﷺ عن الفعل غير الجبلي، مع قيام
стр. 455
المقتضى وعدم المانع) .
فنسبة السكوت إليه ﷺ قيد، يخرج به سكوت وترك غيره فإنه لا يعد سنة تركية.
ووصف الفعل بغير الجبلي: قيد يخرج به الفعل الجبلي، فإن ما فعله رسول الله ﷺ أو تركه مما يظهر فيه أنه جرى الجبلة كالأكل والشرب والقيام والقعود والنوم وقضاء الحاجة، فهو على الإباحة له ﷺ ولأمته.
ويقصد بالإباحة في الأفعال الجبلية ما يجري على الطبع البشري، كأكله وقت الجوع، وشربه وقت عند الظمأ، ونومه بعد التعب، ونحو ذلك.
ولا يدخل في هذا المعنى ما شرعه ﷺ من أقوال وهيئات تكون مع هذه الأفعال الجبلية، بل قد تكون واجبة كالأكل باليمين، أو مندوبة كالنوم على طهارة، ويخرج بهذا القيد - أقصد وصف الفعل بغير الجبلي - ما فعله رسول الله ﷺ اتفاقاً، مثل نزوله لقضاء حاجته أثناء نسك الحج، فإن هذا ما جرى على الجبلة، وليس من السنة التي يقتدى به فيها.
وكذلك ما تركه ﷺ اتفاقاً فإنه يلحق بهذا، وما تركه بمقتضى الجبلة لا يعد من السنة التركية، كتركه - مثلاً - الشرب أثناء طوافه ﷺ لعدم احتياجه إليه، فهذا الترك لا يعد سنة تركية.
وخرج بقيام المقتضى: سكوته ﷺ عن الفعل مع عدم المقتضي إليه، فهذا لا يكون سنة تركية، بل يجوز أن يفعل بدليل آخر كالقياس والمصلحة المرسلة.
فإذا سكت رسول الله ﷺ عن الفعل مقتضاه قائم، كزيادة
стр. 456
التقرب إلى الله بعمل ما، فإن هذا المقتضى موجود في حياته ﷺ فتركه لهذا الفعل مع وجود مقتضاه يدل على أن المشروع هو الترك، وبعبارة أخرى: ألا يأتي النبي ﷺ بالفعل مع وجود الداعي إليه، كالأذان لصلاة العيد، فإنها - أي صلاة العيد - مشروعة أن تؤدى في جماعة، وهذا يحتاج إلى نوع من الإعلام بها، والمعهود في الصلاة أن يكون الإعلام بها بالأذان، ومع كل هذا فإن الرسول ﷺ لم يأمر بالأذان لصلاة العيد، فهذا سكوت عن فعل، وترك لعمل مع وجود الداعية إليه، وفيه دلالة على أن عدم الأذان لصلاة العيج سنة تركية.
وفي الحقيقة أن كل البدع التي يحدثها المخترع في الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات تدخل تحت هذا المعنى، من قريب أو من بعيد إذ غاية ما يرجوه المبتدع ببدعته تحصيل قربة، وزيادة أجر ومثوبة بعمل يعتقد أنه مشروع، وهو ليس كذلك.
وكل هذه مقتضيات موجودة في عهده ﷺ وواجب عليه أن يبلغ أمته طرق القربات، وأنواع العبادات، وأن يشرع لهم الواجبات والمندوبات، وأن لا يكتم من ذلك أي شيء، وقد فعل - بأبي هو وأمي - فلم يكتم شيئاً مما أمر ولم يسكت عن خير يقربنا من ربنا سبحانه، وهو معصوم ﷺ من الكتمان وقت الحاجة، مع حرصه على خير أمته في العاجل والآجل، ووقته وقت تشريع ووحي وبيان ...
فإذا علم هذا واستقر، تبين أن كل أمر عبادي يراد به القربة من الله وهو مقتضى عام موجود في عهده ﷺ وليس هناك مانع من عمل هذا الأمر العبادي، ومع ذلك لم بعمله النبي ﷺ ولم يشرعه، فإن ذلك دليل على تركه هو المطلوب، وهو السنة وأن فعله هو المنهي عنه وهو الابتداع.
стр. 457
قال الشاطبي في الموافقات: (أن يسكت عنه - أي الشارع - وموجبه المقتضي له قائم، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص، على أن قصد الشارع ألا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجوداً، ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع، إذ فهم من قصده الوقوف على ما حد هنالك، لا الزيادة عليه والنقصان منه) .
وخرج بشرط انتفاء المانع: سكوته وتركه للفعل من أجل مانع، كتركه ﷺ صلاة التراويح جماعة مخافة أن تفرض على أمته، فلما توفاه الله إليه زال المانع، وانتفى هذا المحذور، وكذلك تركه ﷺ جمع القرآن في مصحف واحد، من أجل نزول الوحي، فلما توفي زال هذا المانع..
فلا يعتبر الترك الذي كان بسبب مانع من السنة التركية.
قال شيخ الإسلام في معنى هذا الحد ومحترزاته: (.. فأما ما كان المقتضي لفعله موجوداً لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدين من الملوك والعلماء والعباد أو من زل منهم باجتهاد - إلى أن قال - فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون، لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلاً على كراهته، وإلا لقيل هذا ذكر الله، وداء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات كقوله تعلى: [اذكروا الله ذكراً كثيراً] ، وقوله تعالى: [ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله] ، أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكثر
стр. 458
البدع، بل يقال: ترك رسول الله ﷺ مع وجود ما يعتقد مقتضياً وزوال المانع سنة، كما أن فعله سنة، فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر أو الحج، فإن رجلاً لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات، وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك، وكذلك لو أراد أن ينصب مكاناً آخر يقصد الدعاء لله فيه وذكره لم يكن له ذلك، وليس له أن يقول هذه بدعة حسنة، بل يقال له: كل بدعة ضلالة، ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهياً خاصاً عنها، أو نعلم ما فيها من المفسدة، فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لوكان خيراً فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتاً على عهد رسول الله ﷺ ، ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس) .
أما إذا سكت الشارع أو ترك الفعل ولا داعية له مقتضية، ولا موجب يقرر لأجله، ولا وقع سبب يوجب تقريره، وليس هناك مانع شرعي من فعله فلا يخلو من أحد حالين:
الأول:
أن يكون هذا المتروك أو المسكوت عنه من العبادات المحضة التي لا يعقل معناها على التفصيل، فلا يجوز فعل هذا المتروك لأن فعله هو عين الابتداع ...
وسبب ذلك أنه وإن توهم فاعله أن هذا النوع مما يسكت عنه الشارع، وتركه عفواً، فإن الأمر بخلاف ذلك تماماً، إذ غاية ما يسعى إليه المبتدع في هذا النوع أن يحصل على مزيد قربة بتعبده بهذا العمل، وهذا المعنى موجود في وقت
стр. 459
التشريع.
والقربة والتعبد لله مقتضى يوجب تحصيل هذا الفعل، لو كان مراداً لله شرعاً، فإذا لم يشرعه فهذا دليل على أنه في حقيقته ليس بقربة ولا عبادة صحيحة وإن تخيل المبتدع ذلك.
الثاني:
أن يكون المتروك مما هو معقول المعنى وليس هناك مقتضى لفعله أو سبب محوج لتقريره في عهد التشريع، فهذا إذا حدث أو حصل ما يوجب حدوثه فإنه يرجع إلى أصول الشريعة وكلياتها، للنظر فيه وإثبات حكم شرعي له، بالقياس أو الاستصلاح، أو غير ذلك من الأصول والقواعد والكليات الشرعية.
(كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي ﷺ فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها، وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها الدين وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح، مما لم يسنه رسول الله ﷺ على الخصوص، وهو معقول المعنى، كتضمين الصناع ... والجد مع الإخوة، وعول الفرائض، ومنه جمع المصحف ثم تدوين الشرائع، وما أشبه ذلك مما لم يحتج في زمانه ﷺ إلى تقريره..) .
ومن هذا الوجه سمي مسكوتاً عنه، وإلا ففي الحقيقة ليس ثم مسكوت عنه بحال، بل هو إما منصوص وإما مقيس على النصوص، وإما له من عمومات النصوص وقواعد الشريعة ومقاصدها ما يدل على حكمه، وكل هذه من جملة الأدلة الشرعية فلا نازلة إلا ولها في الشريعة محل حكم.
стр. 460
القسم الثاني: الترك من قبل المكلف:
وهي عدة أنواع:
النوع الأول:
أن يترك ما أمره الشارع بتركه، وهذا من العبادة لله - سبحانه - ولكن لا بد من نية في هذا المتروك إذ: ( ... كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية ... فإذا نوى تركها لله ثم فعلها ناسياً لم يقدح نسيانه في أجره بل يثاب على قصد تركها لله ... ) .
النوع الثاني:
أن يكون الترك لأمر يعتبر مثله شرعاً وهذا على أقسام:
الأول: أن يترك من المباح ما يضر بجسمه أو عقله أو دينه، مثل أن يترك الطعام الفلاني لأنه يضر بجسده، فلا مانع من هذا الترك، بل من قال بطلب التداوي يقول بطلب الترك هنا، ومن قال بإباحة التدواي جعل هذا الترك مباحاً.
الثاني: ترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس، مثل ترك المتشابه كالمختلف في حله وتحريمه أو إباحته، ومنعه من الأعيان المطعومة والمشروبة والملبوسة، والمعاملات وغير ذلك، مما لم يشتهر بكونه حلالاً أو حراماً ونحو ذلك، مما يدخل تحت مسمى المتشابه ...
فترك هذا المشتبه من صفات المتقين وعلامات الصالحين
следующие страницы →