Полный текст (1 091 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
قَالَ: بَعَثَ رسول الله ﷺ سَرِيَّةً فَقَدِمَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَلَسَ في المَجْلِسِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ رسول الله ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ: لَوْ رَأيْتَنَا حِيْنَ التَقَيْنَا نَحْنُ وَالعَدُوُّ، فَحَمَلَ فُلانٌ وَطَعَنَ، فَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي، وَأنَا الغُلَامُ الغِفَاريُّ، كَيْفَ تَرَى في قَوْلِهِ؟ قَالَ: مَا أرَاهُ إِلا قَدْ بَطَلَ أجْرُهُ.
فَسَمِعَ بِذلِكَ آخَرُ، فَقَالَ: مَا أرَى بِذلِكَ بَأساً، فَتَنَازَعَا حَتَّى سَمِعَ رسول الله ﷺ فَقال: «سُبْحَانَ الله؟ لا بَأسَ أنْ يُؤجَرَ وَيُحْمَدَ» فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاء سُرَّ بِذلِكَ، وَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأسَهُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: أنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول الله ﷺ ؟ فيقول: نَعَمْ، فما زال يُعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إنّي لأَقُولُ لَيَبْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، قَالَ: فَمَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ لنا رسول الله ﷺ : «المُنْفِقُ عَلَى الخَيْلِ، كَالبَاسِطِ يَدَهُ بالصَّدَقَةِ لا يَقْبضُهَا» ، ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوماً آخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيمٌ الأسَديُّ! لولا طُولُ جُمَّتِهِ وَإسْبَالُ إزَارِهِ!» فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْماً فَعَجَّلَ، فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إزارَهُ إِلَى أنْصَافِ سَاقَيْهِ. ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْماً آخَرَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداء: كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إخْوانِكُمْ، فَأصْلِحُوا رِحَالكُمْ، وَأصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأنَّكُمْ شَامَةٌ في النَّاسِ؛ فإِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّش» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ، إِلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَقَدْ روى لَهُ مسلم.
في هذا الحديث: أن إطالة الجمة والإسبال تدافع المدح وتمانع الرفعة
стр. 492
الدينية لأن ذلك منهيٍّ عنه على سبيل الحرمة تارةً، والكراهة أخرى.
وفيه: جواز قول الإنسان في الحرب: أنا ابن فلان إذا كان شجاعًا ليرهب عدوه، وأنه لا مانع من حصول الحمد والأجر.
وفيه: طلب العلم والاستزادة منه. وأن المرء في مقام التعلم إلى اللحد.
وفيه: طلب حسن الهيئة وجمال الزي والاحتراز من ألم المذمة، وطلب راحة الإخوان، واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه.
[٧٩٩] وعن أَبي سعيد الخدريِّ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إزْرَةُ المُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلا حَرَجَ - أَوْ لا جُنَاحَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، فمَا كَانَ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ فَهُوَ في النَّارِ، وَمَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
قوله: «إزرة المسلم إلى نصف الساق» ، وعند ابن ماجة: «إزرة المؤمن» ، أي: الهيئة المستحبة في اتزار المؤمن إلى نصف الساق، لأن ذلك أطهر لبعده عن احتمال وصول النجس، وأطيب لبعده عن الكبر وقربه من التواضع، ولا كراهة في إرخائه إلى ما فوق الكعبين، ويحرم إرخاء الثياب تحت الكعبين.
[٨٠٠] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: مررتُ عَلَى رسولِ الله ﷺ وفي إزَارِي استرخاءٌ، فَقَالَ: «يَا عَبدَ اللهِ ارْفَعْ إزَارَكَ» فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: «زِدْ» فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أتَحَرَّاهَا بَعْدُ. فَقَالَ بَعْضُ القَوْم: إِلَى أينَ؟ فَقَالَ: إِلَى أنْصَافِ السَّاقَيْنِ. رواه مسلم.
فيه مزيد اعتناء ابن عمر بالسنة، وملازمته للاتباع.
[٨٠١] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ
стр. 493
اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْراً» قالت: إِذَاً تَنْكَشِفُ أقْدَامُهُنَّ. قَالَ: «فَيرخِينَهُ ذِرَاعاً لا يَزِدْنَ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: الإذن للنساء في إطالة أذيالهن من القمص، والأزر والخمر وغيرها بحيث يسلبن قدر ذراع من أذيالهن إلى الأرض لتكون أقدامهن مستورة.
وفيه: النهي عن الزيادة على الذراع.
١٢٠- باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعاً
قَدْ سَبَقَ في بَابِ فَضْل الجُوعِ وَخشُونَةِ العَيْشِ جُمَلٌ تَتَعَلَّقُ بهذا الباب.
منها حديث أبي هريرة: رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم من رجل عليه رداء، إِما إِزار، وإِما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين.
ومنها حديث عائشة: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم حشوه ليف.
وحديث أبي أمامة مرفوعًا: «البذاذة من الإيمان» ، وهي رثاثة الهيئة، وترك فاخر اللباس.
[٨٠٢] وعن معاذ بن أنسٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاس تَوَاضُعاً للهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ
стр. 494
عَلَى رُؤوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أيِّ حُلَلِ الإيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: فضيلة من ترك الفاخر من اللباس تواضعًا وثوابه؛ لأنَّ من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن تواضع لله رفعه في الدنيا والآخرة.
١٢١- باب استحباب التوسط في اللباس
وَلا يقتصر عَلَى مَا يزري بِهِ لغير حاجة وَلا مقصود شرعي
[٨٠٣] عن عمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جَدِّهِ ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُرَى أثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
التوسط في اللباس ممدوح، لأن الرفيع شهرة، والداني دناءة، والأعمال بالمقاصد. فإن لبس النفيس تحدثًا بنعمة الله، والداني للتواضع، فهو مأجور، وإن لبس النفيس تكبرًا وفخرًا، والدنيء رياءً فهو مأزور، ويروى عن الشاذلي أنه قال لفقير - كان لابس ثوب مرقع أنكر عليه لبس نفيس ... الثياب –: يا هذا، ثيابي تقول للناس: الحمد لله، وثيابك تقول لهم: أعطوني من مالكم.
١٢٢- باب تحريم لباس الحرير عَلَى الرجال
وتحريم جلوسهم عَلَيْهِ واستنادهم إِلَيْهِ
وجواز لبسه للنساء
[٨٠٤] عن عمر بن الخَطَّابِ ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإنَّ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: تحريم لبس الحرير على الرجال، وفيه الوعيد الشديد على من لبسه.
стр. 495
[٨٠٥] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية للبخاري: «مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ في الآخِرَةِ» .
قَوْله: «مَنْ لا خَلاقَ لَهُ» أيْ: لا نَصِيبَ لَهُ.
[٨٠٦] وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: الوعيد الشديد على من لبس الحرير.
[٨٠٧] وعن علي ﵁ قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ أخَذَ حَريراً، فَجَعَلَهُ في يَمِينهِ، وَذَهَبَاً فَجَعَلَهُ في شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُور أُمّتي» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ.
[٨٠٨] وعن أَبي موسى الأشْعَري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِير وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لإنَاثِهِمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذين الحديثين: جواز لبس الحرير والذهب للنساء.
[٨٠٩] وعن حُذَيْفَةَ ﵁ قال: نَهَانَا النَّبيُّ ﷺ أنْ نَشْرَبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وأنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وعَنْ لُبْس الحَريرِ وَالدِّيبَاج، وأنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. رواه البخاري.
стр. 496
خص الأكل والشرب بالذكر، لأنهما أغلب أنواع الاستعمال، وإلا فسائر استعمال الذهب والفضة حرام.
وفيه: تحريم الجلوس على الحرير، وهو قول الجمهور.
١٢٣- باب جواز لبس الحرير لمن بِهِ حكة
[٨١٠] عن أنسٍ ﵁ قال: رَخَّصَ رسولُ الله ﷺ لِلزُّبَيْرِ وعَبْدِ الرَّحْمن ابن عَوْفٍ ﵄ في لُبْس الحَريرِ لِحَكَّةٍ بِهِما. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: جواز لبس الحرير للضرورة.
١٢٤- باب النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عَلَيْهَا
[٨١١] عن معاوية ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تَرْكَبُوا الخَزَّ وَلا النِّمَارَ» . حديث حسن، رواه أَبُو داود وغيره بإسناد حسن.
الخز نوعان: فنوع معمولٌ من الحرير، وهو حرام. وأما المعمول من الصوف فيحمل النهي فيه على التنزيه لأجل التشبه بالعجم.
[٨١٢] وعن أَبي المليح عن أبيه ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ. رواه أَبُو داود والترمذيُّ والنسائيُّ بأسانِيد صِحَاحٍ.
وفي رواية للترمذي: نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أنْ تُفْتَرَشَ.
فيه: النهي عن استعمال جلود السباع لما فيها من الخيلاء.
стр. 497
١٢٥- باب مَا يقول إِذَا لبس ثوباً جديداً أَوْ نعلاً أَوْ نحوه
[٨١٣] عن أَبي سعيد الخدْريِّ ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوباً سَمَّاهُ باسْمِهِ - عِمَامَةً أَوْ قَميصاً أَوْ رِدَاءً - يقولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسْأَلكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: استحباب الدعاء عند اللباس وحمد الله تعالى.
١٢٦- باب استحباب الابتداء باليمين في اللباس
هَذَا الباب قَدْ تقدم مقصوده وذكرنا الأحاديث الصحيحة فِيهِ.
تقدم ذلك في باب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، ومن ذلك أن يدخل يده اليمنى في كمها قبل إدخال اليسرى، ويدخل رجله اليمنى في كل من الخف والنعل والسراويل قبل إدخال اليسرى.
стр. 498
كتَاب آداب النَّوم
١٢٧- باب آداب النَّوم والاضطجاع
والقعود والمجلس والجليس والرؤية
[٨١٤] عن البَراءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا أوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نفسي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وَألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْك، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأ وَلا مَنْجا مِنْكَ إِلا إلَيكَ، آمَنْتُ بكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ» . رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الأدب من صحيحه.
[٨١٥] وعنه قَالَ: قَالَ لي رسول الله ﷺ : «إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأ وُضُوءكَ لِلْصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَن، وَقُلْ ... » وذَكَرَ نَحْوَهُ، وفيه: «وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: استحباب الوضوء عند النوم، واستحباب هذا ... الدعاء، لأنه إن مات مات على الفطرة، وإن أصبح أصاب خيرًا.
[٨١٦] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي
стр. 499
مِنَ اللَّيْلِ إحْدَى عَشرَةَ رَكْعَةً، فَإذا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَن حَتَّى يَجيءَ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: استحباب الضجعة بعد سنة الفجر لمن كان تهجد بالليل، ليقوم إلى الفرض بنشاط.
[٨١٧] وعن حُذَيْفَةَ ﵁ قال: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا أخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أمُوتُ وَأحْيَا» وَإِذَا اسْتَيْقَظ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَ مَا أمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُشُورُ» . رواه البخاري.
قيل: إنما كان ﷺ يختار الأيمن لأنه كان يحب التيمن في شأنه كله، ولأنه يكون أخف للنوم، ولأن النوم أخو الموت، قال الله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ ... يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر (٤٢) ] .
[٨١٨] وعن يَعيشَ بن طِخْفَةَ الغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبي: بينما أَنَا مُضْطَجِعٌ في الْمَسْجِدِ عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي برجلِهِ، فَقَالَ: «إنَّ هذِهِ ضجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ» . قَالَ: فَنظَرْتُ فَإذَا رسولُ الله ﷺ . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.
في هذا الحديث: كراهية الاضطجاع على البطن.
[٨١٩] وعن أَبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدَاً لَمْ يَذْكُرِ الله فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضجَعاً لا يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى فِيهِ، كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.
стр. 500
«التِّرَةُ» : بكسر التاء المثناة من فوق، وَهِيَ: النقص، وقِيلَ: التَّبعَةُ.
في هذا الحديث: كراهة الغفلة واستحباب الذكر في كل حالة. وفي رواية أحمد والنسائي: وما مشى أحدكم ممشى لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة.
قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران (١٩٠، ١٩١) .
وقال تعالى ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف (٢٠٥) ]
١٢٨- باب جواز الاستلقاء عَلَى القفا
ووضع إحدى الرِّجلين عَلَى الأخرى إِذَا لم يخف انكشاف العورة
وجواز القعود متربعاً ومحتبياً
[٨٢٠] عن عبدِ اللهِ بن زيد ﵁: أنَّه رأى رسولَ الله ﷺ مُسْتَلْقِياً في الْمَسْجِدِ، وَاضِعاً إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. متفقٌ عَلَيْهِ.
الاحتباء: ضم الظهر مع الساقين بثوب، أو بيد، وكان أكثر جلوسه ﷺ محتبيًا.
وفي الحديث: جواز الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخش انكشاف العورة.
[٨٢١] وعن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال: كَانَ النبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الفَجْرَ تَرَبَّعَ في مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاء.
стр. 501
حديث صحيح، رواه أَبُو داود وغيره بأسانيد صحيحة.
في الحديث: جواز الجلوس متربعًا، أو استحباب الذكر بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس.
[٨٢٢] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: رأيتُ رسول الله ﷺ بفناءِ الكَعْبَةِ مُحْتَبِياً بِيَدَيْهِ هكَذا، وَوَصَفَ بِيَدَيْهِ الاحْتِبَاءَ، وَهُوَ القُرْفُصَاءُ. رواه البخاري.
القرفصاء: أن يجلس على أليته ويلصق بطنه بفخذيه، ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبي بثوب.
[٨٢٣] وعن قَيْلَةَ بنْتِ مَخْرَمَةَ ﵂، قالت: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ وَهُوَ قَاعِدٌ القُرْفُصَاءَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رسولَ الله المُتَخَشِّعَ في الجِلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنَ الفَرَقِ. رواه أَبُو داود والترمذي.
في هذا الحديث: استحباب التخشع في الجلوس.
قيل: إن القرفصاء أن يجلس على ركبتيه منكبًا، ويلصق بطنه بفخذيه وبباطن كفيه، وهي جلسة االأعراب.
[٨٢٤] وعن الشَّريدِ بن سُوَيْدٍ ﵁ قال: مَرَّ بي رسولُ الله ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هكَذَا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ اليُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأتُ عَلَى أَليَةِ يَدي، فَقَالَ: «أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؟!» رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.
في هذا الحديث: كراهة هذه الجلسة، والمنع عن التشبه باليهود في هيآتهم.
стр. 502
١٢٩- باب آداب المجلس والجليس
[٨٢٥] عن ابن عمر ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا يُقِيمَنَّ أحَدُكُمْ رَجُلاً مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَوَسَّعُوا وَتَفَسَّحُوا» وكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: النهي عن إقامة الرجل من مجلسه الذي سبق إليه
وفيه: استحباب التفسح والتوسع.
وفيه: مزيد وروع ابن عمر.
[٨٢٦] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . رواه مسلم
فيه: أن من قام من مجلسه لعذر ثم عاد إليه فهو أحق، سواء ترك فيه متاعًا أو لا.
[٨٢٧] وعن جابر بن سَمُرَة ﵄، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النبي ﷺ جلَسَ أحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: استحباب الجلوس حيث ينتهي به المجلس، سواء كان في صدر المحل أو أسفله، كما كان ﷺ يفعله.
[٨٢٨] وعن أَبي عبد الله سَلْمَان الفارسي ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ
стр. 503
مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيب بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَينِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» . رواه البخاري.
في هذا الحديث: استحباب الغسل والطيب يوم الجمعة، وكراهة التفريق بين الاثنين.
وفيه: أن من فعل ذلك وانصت في الخطبة غُفر له.
[٨٢٩] وعن عمرو بن شُعَيْب عن أبيهِ عن جَدِّهِ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلا بإذْنِهِمَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وفي رواية لأبي داود: «لا يُجْلَسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِلا بِإذْنِهِمَا» .
في هذا الحديث: النهي عن الجلوس بين الاثنين بغير رضاهما.
[٨٣٠] وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ. رواه أَبُو داود بإسنادٍ حسن.
وروى الترمذي عن أبي مِجْلَزٍ: أنَّ رَجُلاً قَعَدَ وَسَطَ حَلْقَةٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ لَعَنَ اللهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ. قَالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: النهي عن الجلوس وسط الحلقة من غير حاجة كساقٍ، ومعلم ونحو ذلك.
[٨٣١] وعن أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «خَيْرُ المَجَالِسِ أوْسَعُهَا» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح عَلَى شرط البخاري.
стр. 504
في هذا الحديث: استحباب سعة المجلس لما فيه من راحة الجالسين.
[٨٣٢] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
اللغط: الكلام الذي فيه جلبة واختلاط، وإنما ترتب على هذا الذكر مغفرة ما كسب في ذلك المجلس لما فيه من تنزيه الله سبحانه والثناء عليه بإحسانه والشهادة بتوحيده، ثم سؤال المغفرة منه وهو الذي لا يخيب سائلاً صادقًا.
[٨٣٣] وعن أَبي بَرْزَة ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ يقولُ بأَخَرَةٍ إِذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلا أنتَ أسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إليكَ» . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى؟ قَالَ: «ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ في المَجْلِسِ» . رواه أَبُو داود، ورواه الحاكم أَبُو عبد الله في " المستدرك " من رواية عائشة ﵂ وقال: (صحيح الإسناد) .
إذا ختم الإنسان المجلس بهذا الذكر كان كفارة لما يكون في المجلس من لغط ونحوه. وإن كان مجلس ذكر كان كالطابع عليه، وكان خيرًا على خير.
[٨٣٤] وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رسول
стр. 505
الله ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهؤلاء الدَّعَواتِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ به عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بأسْمَاعِنا، وَأَبْصَارِنَا، وقُوَّتِنَا مَا أحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوارثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَلْ مُصيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الخشية: هي الخوف مع معرفة جلال المخشي منه، ولذا اختصت بالعلماء بالله تعالى قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر (٢٨) ] ، وهذا الدعاء جامع لخيري الدنيا والآخرة.
[٨٣٥] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ الله تَعَالَى فِيهِ، إِلا قَامُوا عَنْ مِثْل جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةٌ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.
وذكر جيفة الحمار زيادة في التنفير، وإيماء إلى أن تارك الذكر بمثابة الحمار المضروب به المثل في البلادة، إذ غفل بما هو فيه من الترهات، ولذائذ المحاورات عن ذكر رب الأرض والسماوات.
[٨٣٦] وعنه عن النبي ﷺ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا الله تَعَالَى فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ فِيهِ، إِلا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ؛ فَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
[٨٣٧] وعنه عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُر الله
стр. 506
تَعَالَى فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعَاً لا يَذْكُرُ الله تَعَالَى فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ» . رواه أَبُو داود.
وَقَدْ سبق قريباً، وشَرَحْنَا (التِّرَة) فِيهِ.
الترة: النقص، وقيل التَّبِعَة.
وفي الحديث: ذم الغفلة عن الذكر، واستحبابه في كل حال من الأحوال.
١٣٠- باب الرؤيا وَمَا يتعلق بها
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم (٢٣) ] .
يقول تعالى: ومن آياته الدالة على توحيده وقدرته منامكم بالليل والنهار، وذلك لما فيه من إذهاب الشعور والإِدرك حتى يصير النائم كالميت ثم يستيقظ منه فيعود له إدراكه وشعوره كما كان قبله، والرؤيا لا تكون إلا في النوم.
[٨٣٨] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبوَّةِ إِلا المُبَشِّرَاتِ» . قالوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» . رواه البخاري.
معناه: أن الوحي انقطع بموته ﷺ فلم يبق منه إلا الرؤيا الصالحة، أي: الصادقة.
[٨٣٩] وعنه: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤيَا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية: «أصْدَقُكُمْ رُؤْيَا، أصْدَقُكُمْ حَدِيثاً» .
قوله: «إذا اقترب الزمان» ، أي: قربت القيامة. قال ابن أبي جمرة:
стр. 507
أن المؤمن حينئذٍ يكون غريبًا فيقل أنيسة، فيكرم بالرؤيا الصادقة.
وقال السيوطي: لأن أكثر العلم ينقص حينئذٍ، وتَنْدّرِسَ معالم الديانة فيكون الناس على مثل الغرة محتاجين إلى مُذَكِّر ومُجَدِّد لما دَرَسَ من الدين كما كانت الأمم تُذَكَّرُ بالأنبياء.
[٨٤٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ رَآنِي في المَنَامِ فَسَيَرَانِي في اليَقَظَةِ - أَوْ كَأنَّما رَآنِي في اليَقَظَةِ - لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: بشارة لمن رأى النبي ﷺ في الرؤيا أنه يراه يوم القيامة.
وفيه: أن الشيطان لا يتمثل في صورته ﷺ .
[٨٤١] وعن أَبي سعيدٍ الخدرِيِّ ﵁ أنَّه سَمِعَ النبي ﷺ يقول: «إِذَا رَأى أحَدُكُمْ رُؤيَا يُحِبُّهَا، فَإنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا - وفي رواية: فَلا يُحَدِّثْ بِهَا إِلا مَنْ يُحِبُّ - وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فإنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ؛ فَإنَّهَا لا تَضُرُّهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: طلب الحمد عند حدوث النعم، وتجدد المنن فذلك سبب لدوامها.
وفيه: أنه لا يخبر بالرؤيا الحسنة إلا من يحب، لأن العدو ربما يحملها على بعض ما تحتمله، لأنها لأول عابر.
وفي رواية الترمذي: «ولا تحدث بها إلا لبيبًا، أو حبيبًا، وإذا رأى
стр. 508
الرؤيا القبيحة فلا يفسرها، ولا يخبر بها أحدًا» .
[٨٤٢] وعن أَبي قَتَادَة ﵁ قال: قَالَ النبيُّ ﷺ : «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ - وفي رواية: الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ - مِنَ اللهِ، وَالحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأى شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَن شِمَالِهِ ثَلَاثاً، وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فإنَّهَا لا تَضُرُّهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«النَّفْثُ» : نَفْخٌ لَطِيفٌ لا رِيقَ مَعَهُ.
قال القاضي عياض: أمر بالنفث طردًا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرًا له، واستقذارًا، وخص بها اليسار لأنها محل الأقذار.
[٨٤٣] وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأى أحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثَاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثاً، وَلْيَتَحَوَّل عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» . رواه مسلم
التحول: تفاؤل يتحول الحال من الرؤيا القبيحة إلى الرؤيا الحسنة.
وجاء من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصلِّ، ولا يحدث به الناس» . متفق عليه.
[٨٤٤] وعن أَبي الأسقع واثِلةَ بن الأسقعِ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ مِنْ أعْظَمِ الفِرَى أنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيرِ أبِيهِ، أَوْ يُرِي عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولَ عَلَى رسول الله ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ» رواه البخاري.
стр. 509
في هذا الحديث: أن هذه الخصال الثلاث من أعظم الكذب لأن المنتسب إلى غير أبيه يدَّعي أن الله خلقه من ماء فلان، والكذب في الرؤيا كذب على الله، لأنها جزء من النبوة، وعن ابن عباس مرفوعًا: «من تحلم بحلم لم يره كُلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل» .
والكذب على الرسول ﷺ كذب في الدين.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .
* * *
стр. 510
كتَاب السَّلَام
١٣١- باب فضل السلام والأمر بإفشائه
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أهْلِهَا﴾ [النور (٢٧) ] .
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن لا يدخلوا بيوت غيرهم حتى يستأذنوا ويسلموا.
وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: يستأذن على ذوات المحارم، ومثله، عن الحسن فإن كانوا في دار واحدة يتنحنح، ويتحرك أدنى حركة.
وقال تَعَالَى: ﴿فَإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور (٦١) ] .
قال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلِّم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
قال قتادة: وحُدِّثنا أنَّ الملائكة ترد عليه.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ، قال: حسنة جميلة.
وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ ... [النساء (٨٦) ] .
الرد واجب، والزيادة سُنَّة، فإذا قال مثلاً: السلام عليكم، قال: وعليكم السلام ورحمة الله.
стр. 511
وقال تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ الْمُكرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً﴾ [الذاريات (٢٤، ٢٥) ] .
﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ ، فيه: تعظيم لشأن الحديث، وتنبيه على أنه إنما عرفه بالوحي.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلاماً﴾ ، أي: نسلم عَلَيْكُمْ سلامًا. قال: ﴿سَلامٌ﴾ ، أي: عليكم سلام.
[٨٤٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
إطعام الطعام من خير خصال الإِسلام لما فيه من دفع الحاجة عن الفقير، وجلب المحبة، والتآلف، وكذلك إفشاء السلام لما فيه من التآلف وجلب المحبة أيضًا والإِبعاد عن الكبر.
[٨٤٦] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ ﷺ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولئِكَ - نَفَرٍ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوس - فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ؛ فَإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيتِكَ من بعدك. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فقالوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قوله: فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. في رواية: وعليك السلام ورحمة الله.
وفي الحديث: مشروعية الزيادة في الرد على الابتداء.
[٨٤٧] وعن أَبي عُمَارة البراءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: أمرنا رسول الله ﷺ بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ
стр. 512
العَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعيفِ، وَعَوْنِ المَظْلُومِ، وَإفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإبْرَارِ المُقسِمِ. متفقٌ عَلَيْهِ، هَذَا لفظ إحدى روايات البخاري.
فيه: الأمر بإِفشاء السلام، أي: إشاعته وإظهاره.
[٨٤٨] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . رواه مسلم
إشاعة السلام وإذاعته سبب للتوادد ودخول الجنة.
[٨٤٩] وعن أَبي يوسف عبد الله بن سلام ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، أفْشُوا السَّلَامَ، وَأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَصَلُّوا والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَام» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: إنَّ هذه الخصال من أسباب دخول الجنة. قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر (٤٦) ] .
[٨٥٠] وعن الطُّفَيْل بن أُبَيِّ بن كعبٍ: أنَّه كَانَ يأتي عبد الله بن عمر، فيغدو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فإذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبدُ الله عَلَى سَقَّاطٍ وَلا صَاحِبِ بَيْعَةٍ، وَلا مِسْكِينٍ، وَلا أحَدٍ إِلا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عبد الله بنَ عُمَرَ يَوْماً، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بالسُّوقِ، وَأنْتَ لا تَقِفُ عَلَى البَيْعِ،
стр. 513
وَلا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلا تَسُومُ بِهَا، وَلا تَجْلِسُ في مَجَالِسِ السُّوقِ؟ وَأقُولُ: اجْلِسْ بِنَا ها هُنَا نَتَحَدَّث، فَقَالَ: يَا أَبَا بَطْنٍ – وَكَانَ الطفَيْلُ ذَا بَطْنٍ – إنَّمَا نَغْدُو مِنْ أجْلِ السَّلَامِ، فنُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقيْنَاهُ. رواه مالك في المُوطَّأ بإسنادٍ صحيح.
في هذا الحديث: استحباب دخول السوق لأجل إفشاء السلام ونشره، وذكر الله تعالى لكون الأسواق محل الغفلة، وقد جاء في حديث: «ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين» .
١٣٢- باب كيفية السلام
يُسْتَحَبُّ أنْ يَقُولَ المُبْتَدِئُ بالسَّلَامِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَيَأتِ بِضَميرِ الجَمْعِ، وَإنْ كَانَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِداً، وَيقُولُ المُجيبُ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فَيَأتِي بِوَاوِ العَطْفِ في قَوْله: وَعَلَيْكُمْ.
كمال السلام يأتي بضمير الجمع ليعم من يحضره من الملائكة، وإن أفرد الضمير جاز.
[٨٥١] عن عِمْرَان بن الحصين ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «عَشْرٌ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «عِشْرُونَ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَركَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ثَلاثُونَ» . .رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
стр. 514
في هذا الحديث: أن زيادة الحسنات بزيادة التحية.
[٨٥٢] وعن عائشةَ ﵂، قالت: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ : «هَذَا جِبريلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ» . قالت: قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وهكذا وقع في بعض رواياتِ الصحيحين: «وَبَرَكاتُهُ» وفي بعضها بحذفِها، وزِيادةُ الثقةِ مقبولة.
في هذا الحديث: جواز سلام الرجل الأجنبي على المرأة عند أمن الريبة، وزاد البخاري في روايته: أنها قالت: ترى ما لا نرى يَا رسول الله.
[٨٥٣] وعن أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تكلم بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلاثَاً حَتَّى تُفهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سلم عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً. رواه البخاري.
وهذا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الجَمْعُ كَثِيراً.
في هذا الحديث: كمال حسن خلقه ﷺ ومزيد شفقته، والاقتصار على الثلاث في الكلام إشعار بأن مراتب الفهم كذلك: أعلى , وأوسط، وأدنى. ومن لا يفهم في ثلاث لا يفهم ولو زيد على ذلك.
[٨٥٤] وعن المِقْدَادِ ﵁ في حدِيثهِ الطويل، قَالَ: كُنَّا نَرْفَعُ للنَّبيِّ ﷺ نَصِيبَهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً لا يُوقِظُ نَائِماً، وَيُسْمِعُ اليَقْظَانَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ. رواه مسلم.
في هذا الحديث: أن المسلِّم على النيام لا يرفع صوته بحيث يوقظ النائم
стр. 515
بل يجعل صوته بين الجهر والإِخفات.
[٨٥٥] وعن أسماء بنتِ يزيد ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ مَرَّ في المَسْجدِ يَوْماً، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَألْوَى بِيَدِهِ بالتسْلِيمِ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وهذا محمول عَلَى أنَّه ﷺ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالإشَارَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أنَّ في رِوَايةِ أَبي داود: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا.
في هذا الحديث: جواز الإِشارة بالسلام مع التلفظ به ليتنبه المسلَّم عليه.
[٨٥٦] وعن أَبي جُرَيٍّ الهُجَيْمِيِّ ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رسول الله. قَالَ: «لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ؛ فإنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ المَوتَى» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق لفظه بِطُولِهِ.
في هذا الحديث: نهي المبتدئ بالسلام عن قوله: عليك السلام، لأن ذلك تحيَّة الموتى. وقد ورد عنه ﷺ تقديم لفظ السلام على الموتى حين قال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» فهو أحسن.
١٣٣- باب آداب السلام
[٨٥٧] عن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَليلُ عَلَى الكَثِيرِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية للبخاري: «والصغيرُ عَلَى الكَبيرِ» .
стр. 516
قال المهلب: تسليم الماشي لتشبيهه بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع، وتسليم القليل لأجل حق الكثير لأن حقهم أعظم.
قوله: «والصغير على الكبير» . قال ابن بطال: وذلك لأن الصغير مأمور بتوقير الكبير والتواضع له.
[٨٥٨] وعن أَبي أُمَامَة صُدَيِّ بن عجلان الباهِلي ﵁ قال: قَالَ ... رسولُ الله ﷺ : «إنَّ أَوْلى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأهُمْ بِالسَّلامِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ.
ورواه الترمذي عن أَبي أُمَامَةَ ﵁، قِيلَ: يَا رسول الله، الرَّجُلانِ يَلْتَقِيَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ؟ ، قَالَ: «أَوْلَاهُمَا بِاللهِ تَعَالَى» . قَالَ الترمذي: «هَذَا حديث حسن» .
صار البادئ بالسلام أولى بالله لما صنع من المبادرة إلى طاعة الله والمسارعة إليها. وروى البيهقي في " شعب الإِيمان " عن ابن مسعود يرفعه: «إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل لأنه ذكرهم السلام وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب» .
١٣٤- باب استحباب إعادة السلام
عَلَى من تكرر لقاؤه عَلَى قرب بأن دخل ثم خرج ثُمَّ دخل في الحال، أَو حال بينهما شجرة ونحوها
[٨٥٩] عن أَبي هريرة ﵁ في حديثِ المسِيءِ صلاته: أنّه
стр. 517
جَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ﵇، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النبي ﷺ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: دليل على استحباب إعادة السلام في مثل ذلك.
[٨٦٠] وعنه عن رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ» . رواه أَبُو داود.
المراد بالحيلولة: ما يمنع الرؤية بحيث يعد فاصلاً عرفيًا.
١٣٥- باب استحباب السلام إِذَا دخل بيته
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور (٦١) ] .
هذه الآية عامة في جميع البيوت، فإذا دخل بيتًا فيه أهله فليسلِّم عليهم. وإذا دخل بيته فليسلِّم على أهله. وإذا دخل بيتًا خاليًا فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
[٨٦١] وعن أنسٍ ﵁ قال: قَالَ لي رسول الله ﷺ : «يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ، وعلى أهْلِ
стр. 518
بَيْتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: الأمر بالسلام إذا دخل بيته لتناله بركة التحية.
١٣٦- باب السلام عَلَى الصبيان
[٨٦٢] عن أنس ﵁ أنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ رسول الله ﷺ يَفْعَلُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: استحباب السلام على الصبيان وتدريبهم على تعلم السنن، وتأديبهم بآداب الشريعة.
وفيه: حسن خلقه ﷺ وتواضعه.
١٣٧- باب سلام الرجل على زوجته
والمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهن وسلامهن بهذا الشرط
[٨٦٣] عن سهل بن سعدٍ ﵁ قال: كَانَتْ فِينَا امْرَأةٌ - وفي رواية: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ - تَأخُذُ مِنْ أصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي القِدْرِ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ، وَانْصَرَفْنَا، نُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُهُ إلَيْنَا. رواه البخاري.
قَوْله: «تُكَرْكِرُ» أيْ: تَطْحَنُ.
السلق: بقل معروف. قال في " القاموس ": يجلو، ويحلل، ويلين، ويفتح ويسر النفس نافع للنِّقْرِسِ والمفاصل.
[٨٦٤] وعن أُم هَانِىءٍ فاخِتَةَ بنتِ أَبي طالب ﵂،
стр. 519
قالت: أتيت النبيَّ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ ... وَذَكَرَتِ الحديث. رواه مسلم.
وجه الدليل من هذا الحديث تقريره ﷺ إذ لو حرم سلام الأجنبية مطلقًا لبينه لها فإذا أمنت الفتنة فلا كراهة في السلام منها وعليها.
[٨٦٥] وعن أسماءَ بنتِ يزيدَ ﵂، قالت: مَرّ عَلَيْنَا النّبيُّ ﷺ فِي نِسوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن) ، وهذا لفظ أَبي داود.
ولفظ الترمذي: أنَّ رسول الله ﷺ مَرَّ في المَسْجِدِ يَوْماً، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلْوَى بِيَدِهِ بالتَّسْلِيمِ.
فيه: جواز التسليم على الأجنبيات إذا أمنت الفتنة بهن أو منهن.
١٣٨- باب تحريم ابتدائنا الكافر بالسلام
وكيفية الرد عليهم
واستحباب السلام عَلَى أهل مجلسٍ فيهم مسلمون وكفار
[٨٦٦] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا تَبْدَأُوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيق فَاضطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: النهي عن ابتداء الكافر بالسلام، وهو قول الجمهور قطعًا للتواد، وجوز بعض العلماء ابتداءهم به لضرورة وحاجة وسبب.
[٨٦٧] وعن أنسٍ ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال النووي: اتفق العلماء على الرد على أهل الكتب إذا سلموا. لكن لا يقال: وعليكم السلام.
стр. 520
بل يقال: عليكم، أو: وعليكم. انتهى.
ووجه هذا الحديث: ما جاء في حديث آخر: «أن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
والسام: الموت.
[٨٦٨] وعن أُسَامَة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلَاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكينَ - عَبَدَة الأَوْثَانِ - واليَهُودِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِم النبيُّ ﷺ . متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: مشروعية السلام على المجلس الذي فيه مسلمون وكفار.
١٣٩- باب استحباب السلام إِذَا قام من المجلس
وفارق جلساءه أَوْ جليسه
[٨٦٩] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا انْتَهى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإذَا أرَادَ أنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأحَقّ مِنَ الآخِرَةِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: مشروعية السلام عند دخول المجلس، وعند القيام منه.
قال الطيبي: قيل: كما أن التسليمة الأولى إخبار عن سلاماتهم من شره عند الحضور، فكذا الثانية إخبار عن سلامتهم من شره عند الغيبة.
١٤٠- باب الاستئذان وآدابه
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور (٢٧) ] .
стр. 521
الاستئذان: طلب الأذن في الدخول على من بالمنزل.
وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُم الحُلُمَ فَلْيَسْتَأذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور (٥٩) ] .
لما رخص تعالى للمماليك والصبيان أن يدخلوا بغير استئذان إلا في ثلاثة أوقات، أمر الأطفال إذا بلغوا أن يستأذنوا في كل وقت.
[٨٧٠] وعن أَبي موسى الأشعري ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : ... «الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلا فَارْجِعْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: الأمر بالانصراف بعد الثلاث قيل: إن الأولى للتنبيه والثانية للتعريف والثالثة ليأذن به ويتركه ومن لم ينتبه عند الثالثة لا ينتبه غالبًا.
[٨٧١] وعن سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: أنه لا يجوز للمستأذن أن ينظر من خلل الباب إلى البيت.
[٨٧٢] وعن رِبْعِيِّ بن حِرَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أنَّهُ اسْتَأذَنَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ في بيتٍ، فَقَالَ: أألِج؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ لِخَادِمِهِ: «أُخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمهُ الاسْتِئذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُل؟» فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل؟ فَأذِنَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ فدخلَ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
قوله: (أأدخل) بهمزتين.
قال الشارح: وظاهره أن المتكلم مخير بين تحقيق الهمزة، وإبدال الثانية ألفًا وتسهيليها.
стр. 522
قلت: وتجوز بهمزةٍ واحدةٍ.
[٨٧٣] عن كِلْدَةَ بن الحَنْبل ﵁ قال: أتَيْتُ النبي ﷺ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل؟» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: الأمر بالمعروف واستدراك السنن، وعدم التساهل فيها.
١٤١- باب بيان أنَّ السنة إِذَا قيل للمستأذن: من أنت ؟
أن يقول: فلان، فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أَوْ كنية
وكراهة قوله: «أنا» ونحوها
[٨٧٤] عن أنس ﵁ في حديثه المشهور في الإسراءِ، قَالَ: قَالَ ... رسول الله ﷺ : «ثُمَّ صَعَدَ بي جِبْريلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فقِيلَ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ثُمَّ صَعَدَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَسَائِرِهنَّ وَيُقَالُ فِي بَابِ كُلِّ سَمَاءٍ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: جِبْريلُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: أن المستأذن يسمي نفسه باسمه المعروف، إذا قيل: من هذا؟
[٨٧٥] وعن أَبي ذرٍّ ﵁ قال: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإذَا رسول الله ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ، فَجَعَلْتُ أمْشِي فِي ظلِّ القمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي، فَقال: ... «مَنْ هَذَا؟» فقلتُ: أَبُو ذَرٍّ. متفقٌ عَلَيْهِ.
أجاب أبو ذرّ بما اشتهر به من كنيته، لأنه بها أعرف منها باسمه.
стр. 523
[٨٧٦] وعن أُمِّ هانئ ﵂، قالت: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: «مَنْ هذِهِ؟» فقلتُ: أنا أُمُّ هَانِئٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.
أجابت أم هانيء بكنيتها لشهرتها بذلك. ووجه الدلالة من الحديثين تقريره ﷺ على ذلك.
[٨٧٧] وعن جابر ﵁ قال: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقَالَ: «مَنْ ذَا؟» فَقُلتُ: أَنَا، فَقَالَ: «أنَا، أنَا!» كَأنَّهُ كَرِهَهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: أن دق الباب بقوم مقام الاستئذان.
وفيه: كراهة قول المستأذن: أنا، ومثله: إنسان، أو شخص أو صديق لعدم حصول غرض السائل بذلك.
١٤٢- باب استحباب تشميت العاطس إِذَا حمد الله تَعَالَى
وكراهة تشميته إذا لَمْ يحمد الله تَعَالَى
وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب
التشميت، بالشين المعجمة وبالسين المهملة، فمعنى شمته: دعا له أن يجمع شمله. والتسميت بالمهملة: التبريك، يقال: سمته: إذا دعا له بالبركة.
وقال أبو بكر ابن العربي: تكلم أهل اللغة في اشتقاق اللفظين، ولم يبينوا المعنى فيه، وهو بديع. وذلك أنَّ العاطس ينحل كل عضو في رأسه، وما يتصل به من العنق ونحوه، فكأنه إذا قيل له يرحمك الله، كان معناه: أعطاك رحمةً يرجع بها بدنك إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان التسميت بالمهملة فمعناه رجع كل عضو إلى سمته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة فمعناه: صان الله شوامته، أي: قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال.
стр. 524
[٨٧٨] عن أَبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «إنَّ الله يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ الله تَعَالَى كَانَ حَقّاً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» . رواه البخاري.
العطاس: يكون غن خفة البدن، وانفتاح المسام، وعدم الغاية في الشبع، فيستدعي النشاط للعبادة، والتثاؤب يكون عن غلبة البدن، وثقله مما يكون ناشئًا عن كثرة الأكل والتخليط فيه، فيستدعي الكسل.
قال الحليمي: الحكمة في مشروعية الحمد للعاطس أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي فيه قوة الفكرة، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس فناسب أن تقابل هذه النعمة بالحمد لله.
قال الحافظ ابن حجر: ولا أصل لما اعتاده كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله: الحمد لله رب العالمين.
[٨٧٩] وعنه عن النبي ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ ... للهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله. فإذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَليَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» . رواه البخاري.
قيل: الحكمة في إفراد الدعاء للعاطس وجمعه للمجيب، أن الرحمة مدعو بها للعاطس وحده مما أصابه مما تنحل به أعصابه ويضر سمتها لولا الرحمة من الله، وأما الهداية فمدعو بها لجميع المؤمنين، ومنهم المخاطب.
[٨٨٠] وعن أَبي موسى ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول
стр. 525
الله ﷺ يقولُ: «إِذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإنْ لَمْ يَحْمَدِ الله فَلا تُشَمِّتُوهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يشمت.
[٨٨١] وعن أنس ﵁ قال: عَطَسَ رَجُلانِ عِنْدَ النبي ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ فَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ فَقَالَ: «هَذَا حَمِدَ الله، وَإنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ الله» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: إكرام من فعل طاعة، وترك من تركها، وحكي عن الأوزاعي أنه عطس رجل بحضرته فلم يحمد الله فقال له الأوزاعي، كيف تقول إذا عطست؟ فقال: أقول الحمد لله. فقال له: يرحمك الله.
[٨٨٢] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ - أَوْ غَضَّ - بِهَا صَوْتَهُ. شك الراوي. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: استحباب وضع الثوب على فمه وأنفه إذا عطس لئلا يخرج منه شيء يؤذي جليسه، ولا يلوي عنقه.
قال ابن العربي: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا للأعضاء.
ورُوِيَ من حديث عبادة مرفوعًا: «إذا تجشى أحدكم أو عطس فلا يرفع بهما الصوت، فإن الشيطان يحب أن يرفع بهما الصوت» .
стр. 526
[٨٨٣] وعن أَبي موسى ﵁ قال: كَانَ اليَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ رسول الله ﷺ يَرْجُونَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُم الله، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُم اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
كان اليهود يعلمون نبوته ﷺ ورسالته باطنًا وإن أنكروها ظاهرًا حسدًا وعنادًا.
قال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة (١٤٦) ] .
وفيه: أن الكافر لا يقال له: يرحمك الله بل يقال: يهديكم الله ويصلح بالكم.
[٨٨٤] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا تَثَاءبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» . رواه مسلم.
فيه: استحباب وضع اليد على الفم عند التثاؤب، لأن الشيطان يدخل الجوف مع التثاؤب. وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ولا يعوي فإن الشيطان يضحك منه» .
١٤٣- باب استحباب المصافحة عِنْدَ اللقاء وبشاشة الوجه
وتقبيل يد الرجل الصالح وتقبيل ولده شفقة
ومعانقة القادم من سفر وكراهية الانحناء
[٨٨٥] عن أَبي الخطاب قتادة، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أكَانَتِ
стр. 527
المُصَافَحَةُ في أصْحَابِ رسولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه البخاري.
فيه: دليل على مشروعية المصافحة؛ لأن الإجماع السكوتي حجة.
[٨٨٦] وعن أنس ﵁ قال: لَمَّا جَاءَ أهْلُ اليَمَنِ قَالَ رسولُ الله ﷺ : «قَدْ جَاءكُمْ أهْلُ اليَمَنِ» . وَهُمْ أوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالمُصَافَحَةِ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
المصافحة: مما يؤكد المحبة، وأهل اليمن ألين قلوبًا وأرق أفئدةً.
[٨٨٧] وعن البراءِ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمَينِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أنْ يَفْتَرِقَا» . رواه أَبُو داود.
في هذا الحديث: تأكيد أمر المصحافة، والحث عليها لإِخبار الصادق ﷺ أنه يغفر للمتصافحين في مقامهما.
[٨٨٨] وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أينحَنِي لَهُ؟ قَالَ: «لا» . قَالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: «لا» . قَالَ: فَيَأخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: استحباب المصافحة والنهي عن الانحناء، وأما المعانقة فتشرع للقادم من السفر.
[٨٨٩] وعن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ ﵁ قال: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبيِّ، فَأتَيَا رسول الله ﷺ فَسَألاهُ عَنْ تِسْعِ
стр. 528
آياتٍ بَيِّنَاتٍ ... فَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى قَوْلهِ: فقَبَّلا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ. رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحةٍ.
لفظ الحديث عند الترمذي، فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصةً، أيها اليهود ألا تعدوا في السبت.
قال الطيبي: كان عند اليهود عشر كلمات: تسع منها مشتركة بينهم وبين المسلمين، وواحدة مختصة بهم، فسألوا عن التسع المشتركة، وأضمروا ما كان مختصًا بهم. فأجابهم ﷺ عما سألوه، وعما أضمروه ليكون أدل على معجزاته. انتهى.
وفيه: جواز تقبيل يد الرجل الصالح.
[٨٩٠] وعن ابن عمر ﵄ قِصَّة قَالَ فِيهَا: فَدَنَوْنَا مِنَ النَّبيِّ ﷺ فَقَبَّلْنَا يَدَه. رواه أَبُو داود.
وحاصل القصة أنهم كانوا في سرية ففروا، فأتوا النبي ﷺ وقالوا: نحن الفارون. فقال: «بل أنتم الكارهون» . وفي رواية: فقال: «أنا فئة المسلمين» .
[٨٩١] وعن عائشة ﵂ قالت: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ المَدِينَةَ وَرسولُ الله ﷺ في بَيتِي، فَأتَاهُ فَقَرَعَ البَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ النبيُّ ﷺ يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: استحباب قصد القادم أول قدومه إلى من يعز عليه.
وفيه: جواز الاسئذان بالقرع.
وفيه: استحباب المعانقة والتقبيل للقادم من الأصحاب والأقارب.
стр. 529
[٨٩٢] وعن أَبي ذَرٍّ ﵁ قال: قَالَ لي رسول الله ﷺ : «لا تَحقِرَنَّ منَ الْمَعرُوف شَيْئاً، وَلَوْ أنْ تَلْقَى أخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْيقٍ» . رواه مسلم
في هذا الحديث: استحباب طيب الكلام، وبشاشة الوجه، وفعل المعروف وإن قل.
[٨٩٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَبَّلَ النبيُّ ﷺ الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ ﵄، فَقَالَ الأقْرَعُ بن حَابِسٍ: إنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَدَاً. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ!» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفيه: استحباب تقبيل الأطفال شفقة ورحمة.
* * *
стр. 530
كتاب عيَادة المريض وَتشييع المَيّت
والصّلاة عليه وَحضور دَفنهِ وَالمكث عِنْدَ قبرهِ بَعدَ دَفنه
١٤٤- باب عيادة المريض
[٨٩٤] عن البَرَاءِ بن عازِبٍ ﵄، قَالَ: أمَرَنَا رسولُ الله ﷺ بعِيَادَةِ الْمَريضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلَامِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
عيادة المريض سنة مؤكدة. ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس عنده، وينفس له في أجله، ويذكر له فضل الصبر، ويدعو له.
[٨٩٥] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
وفي رواية لمسلم: «حق المسلم على المسلم ست» . وزاد: «وإذا استنصحك. فانصح له» .
[٨٩٦] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ اللهَ يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ
следующие страницы →