Полный текст (1 091 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: الندب إلى الرقاد إذا غلبه النعاس؛ لأن لب الصلاة الخشوع فيها، والحضور مع الله ، وإنما يكون ذلك مع النشاط وصحة اللُّب، وسلامته من الكسل.
[١١٨٦] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ القُرْآنَ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَجِع» . رواه مسلم.
استعجم: التبس، والمعنى: أن غلبة النعاس عليه تمنعه من تدبر القرآن.
٢١٣- باب استحباب قيام رمضان وَهُوَ التراويح
[١١٨٧] عن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيماناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
التراويح سنة، وهي عشرون ركعةً أو أقل أو أكثر، وعشر ركعات إذا خشع فيها ورتل القراءة، أحسن من العشرين بلا خشوع ولا تدبر.
[١١٨٨] وعنه ﵁ قال: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُرَغِّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أنْ يَأمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فيقولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رواه مسلم.
فيه: فضل صلاة التراويح، وأنها ليست بواجب. ولهذا صلاها رسول الله ﷺ ثلاث ليال، فلما كثر الناس في الثالثة حتى غص المسجد، تركها خوفًا من أن تفرض عليهم.
стр. 667
٢١٤- باب فضل قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر (١) ] إِلَى آخرِ السورة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ، أي: القرآن، ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ، أي: الفضل والشرف، وهي ليلة يقدِّر الله فيها أمر السنَّة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة.
قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدَّر لله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: نعم، قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سَوْقُ المقادير التي خلقها إلى المواقيت تنفيذ القضاء المقدَّر.
قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ تعظيم لشأنها.
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ، أي: العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر.
﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ ، أي: جبريل فيها.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ مع نزول البركة والرحمة.
﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ ، أي: لأجل كل أمر قُدِّر في تلك السنة.
﴿سَلامٌ هِيَ﴾ ، أي: ليلة القدر، سلام وخير من كلها ليس فيها شر.
وقال مجاهد: يعني أن ليلة القدر سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أن يحدث فيها أذى.
﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ، أي: إلى مطلع الفجر.
وقال الشعبي: تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد حتى يطلع الفجر.
وقال تَعَالَى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآياتِ [الدخان (٣) ] .
وتمامها: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا
стр. 668
مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ [الدخان (٣: ٦) ] .
[١١٨٩] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: أن من قام ليلة القدر مؤمنًا بها ومحتسبًا العمل فيها، أنه يرجى له مغفرة ذنوبه.
[١١٩٠] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رِجالاً مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المَنَامِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : ... «أرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ في السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال الحافظ: في الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية، بشرط أن لا تخالف القواعد الشرعية.
[١١٩١] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسولُ الله ﷺ يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، ويقول: «تَحرَّوا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخرِ منْ رَمَضانَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قوله: «يجاور» ، أي: يعتكف في العشر الأواخر يتحرى ليلة القدر فيها.
[١١٩٢] وعنها ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوَتْرِ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» . رواه البخاري.
стр. 669
قوله: «في الوتر» أي: الحادية والعشرين، والثالثة، والخامسة، والسابعة، والتاسعة.
قال الحافظ: ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير منه، ثم في أوتاره لا في ليلة بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها. وقال بعد ما ذكر الاختلاف فيها على ستة وأربعين قولاً: وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وإنما تنتقل، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبعة وعشرين.
[١١٩٣] وعنها ﵂ قالت: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ، أحْيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئزَرَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: استحباب إحياء ليالي العشر بالصلاة والذكر والفكر وأنواع العابدات.
وفيه: استحباب إيقاظ الأهل، وبذل الجهد في الطاعة، واعتزال النساء في ليالي العشر ليتقوَّى على العبادة.
[١١٩٤] وعنها قالت: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ في رَمَضَانَ مَا لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ، وَفِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْهُ مَا لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ. رواه مسلم.
فيه: دليل على استحباب زيادة الاجتهاد بالعمل في رمضان على غيره من الشهور، وفي العشر الأواخر منه على العشرين لكون ليلة القدر فيها.
[١١٩٥] وعنها قالت: قُلْتُ: يَا رسول الله، أرَأيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيُّ
стр. 670
لَيلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنّي» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: إيماء إلى أن أهم المطالب، انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب، وطهارته من دنس العيوب.
قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد، وفي التماسها بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها، كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة.
٢١٥- باب فضل السواك وخصال الفطرة
[١١٩٦] عن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
السواك سنة بالإجماع. وهو مشروع في كل وقت، ويتأكَّد عند الصلاة، والوضوء، وقراءة القرآن، والانتباه من النوم، وتغير الفم.
قوله: «لأمرتهم» يعني أمر إيجاب. وللنسائي: «لفرض عليهم السواك مع كل وضوء» .
[١١٩٧] وعن حُذَيْفَةَ ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا قَامَ مِن الليل يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
«الشَّوْصُ» : الدَّلْكُ.
في هذا الحديث: استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأنه مقتضي لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة. والسواك آلة تنظيفه.
стр. 671
[١١٩٨] وعن عائشة ﵂ قالت: كُنَّا نُعِدُّ لِرسولِ الله ﷺ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوضَّأُ وَيُصَلِّي. رواه مسلم.
في هذا الحديث: مشروعية السواك قبل الوضوء.
[١١٩٩] وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «أكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ في السِّوَاكِ» . رواه البخاري.
فيه: الترغيب في السواك، لمبالغته ﷺ في بيان فضله.
[١٢٠٠] وعن شريح بن هانئٍ، قَالَ: قلت لعائشة ﵂: بأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قالت: بِالسِّوَاكِ. رواه مسلم.
فيه: ندب السواك عند دخول المنزل.
[١٢٠١] وعن أَبي موسى الأشعري ﵁ قال: دَخلتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلمٍ.
في رواية: أتيتُ النبي ﷺ وهو يستاك بسواك رطب. قال: وطرف السواك على لسانه وهو يقول: «أع أع» ، والسواك في فيه كأنه يتهوع.
قال الحافظ: ويستفاد منه مشروعية السواك على اللِّسان طولاً، أما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضًا.
стр. 672
وفيه: تأكيد السواك، وأنه لا يختص بالأسنان، وأنه من باب التنظيف والتطيب، لا من باب إزالة القاذورات، لكونه ﷺ لم يختف به، وبَوَّبُوا عليه استياك الإمام بحضرة رعيته.
[١٢٠٢] وعن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ للرَّبِّ» . رواه النسائي وابنُ خُزَيْمَةَ في صحيحهِ بأسانيدَ صحيحةٍ. وذكر البخاري ﵀ في صحيحه هذا الحديث تعليقًا بصيغة الجزم وقال: وقالت عائشة ﵂.
في هذا الحديث: فضل السواك، وفي السواك فوائد دينية ودنيوية. وذكر بعض العلماء، أن السواك يورث السعة والغنى، ويطيب النهكة، ويشد اللثة، ويسكن الصداع، ويذهب وجع الضرس.
[١٢٠٣] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَنَتْفُ الإبطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
«الاستحْدَادُ» : حَلقُ العَانَةِ، وَهُوَ حَلْقُ الشَّعْرِ الَّذِي حَولَ الفَرْجِ.
الفطرة: الجِبِلَّة التي خلق الله الناس عليها، وجبل طباعهم عليها والمراد هنا: السنَّة القديمة التي اختارها الأنبياء.
والحصر في قوله: «الفطرة خمسٌ» مبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة. كقوله: «الدين النصيحة» ، و «الحج عرفة» .
[١٢٠٤] وعن عائشة ﵂ قالت: قَالَ رسول الله ﷺ : ... «عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ
стр. 673
المَاءِ، وَقَصُّ الأظْفَارِ، وَغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتف الإبْطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ، وَانْتِقَاصُ المَاءِ» قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيْتُ العَاشِرَةَ إِلا أنْ تَكُونَ المَضمَضَةُ. قَالَ وَكِيعٌ - وَهُوَ أحَدُ رُواتِهِ - انْتِقَاصُ المَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءِ. رواه مسلم.
«البَرَاجِم» بالباء الموحدةِ والجِيم: وهي عُقَدُ الأَصَابِعِ، وَ «إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ» مَعْنَاهُ: لا يَقُصُّ مِنْهَا شَيْئاً.
قال العلماء: ويكره في اللِّحية خصال، بعضها أشد قبحًا من بعض: خضابها بالسواد، وتبييضها بالكبريت، ونتفها وتصفيفها طاقة فوق طاقة، والزيادة فيها، والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، وعقدها، وضفرها، وحلقها.
[١٢٠٥] وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: «أحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأعْفُوا اللِّحَى» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قوله: «أحفوا الشوارب» . قال النووي: أي: أحفوا ما طال منها على الشفتين، و «أعفوا اللِّحى» ، أي: وفروا.
قال النووي: حصل من مجموع روايات هذا اللفظ في الصحيحين خمس روايات: «أعفوا» ، و «أوفوا» ، و «أرخوا» ، و «أرجوا» ، ... و «وفروا» . ومعناها كلها: تركها على حالها.
وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» رواه أحمد، والنسائي، والترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزُّوا الشوارب
стр. 674
وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ : «خالفوا المشركين وفِّروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب» . متفق عليه. وكان ابن عمر إذا حجَّ أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.
وعن عائشة ﵂، أنَّ النبي ﷺ أبصر رجلاً وشاربه طويل، فقال: «ائتوني بمقص وسواك» ، فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (وقَّت لنا رسول الله ﷺ في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة) . رواه الخمسة إلا ابن ماجة.
٢١٦- باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها وَمَا يتعلق بِهَا
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة (٤٣) ] .
في هذه الآية: دليل على عظم شأن الزكاة لقرن إعطائها بإقامة الصلاة.
وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة (٥) ] .
قوله: ﴿حُنَفَاء﴾ ، أي: مائلين عن كل دين باطل إلى دين الملَّة المستقيمة وهو الإسلام.
وقال تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة (١٠٣) ] .
стр. 675
هذه الآية: نزلت في أبي لبابة وأناس من الصحابة تأخروا عن الجهاد كسلاً، وهي عامة في جميع المؤمنين.
وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ، أي: ادع لهم، ولهذا يستحب للساعي أن يقول للمتصدق: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت.
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أُتي بصدقة قوم صلَّى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[١٢٠٦] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإقَامِ الصَّلَاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
هذا الحديث: أصل عظيم في معرفة الإِسلام، وقوله: «على خمس» ، أي: دعائم، وفي رواية: «خمسة أركان» .
والشهادتان خصلة واحدة، فمثَّل الإِسلام بالبنيان الذي لا يثبت إلا على خمس دائم، وبقية خصاله كتتمة البنيان.
قال عطاء الخرساني: الزكاة طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإِيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة.
[١٢٠٧] وعن طَلْحَةَ بن عبيد الله ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأسِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رسول الله ﷺ فَإذا هُوَ يَسألُ عَنِ
стр. 676
الإسْلَام، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «خَمْسُ صَلَواتٍ في اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رسول الله ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا، إِلا أنْ تَطَّوَّعَ» فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لا أُزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «أفْلَحَ إنْ صَدَقَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في رواية للبخاري قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإِسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا.
قال النووي: أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مفلحًا.
[١٢٠٨] وعن ابن عباس ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ بعث مُعاذاً ﵁ إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَأنِّي رسول اللهِ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أن اللهَ تَعَالَى، افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
بدأ بالدعاء إلى الشهادتين لأنهما أساس الإِسلام.
وفيه: البداءة بالأهم فالأهم.
وفيه: جواز إخراج الزكاة في صنف واحد.
стр. 677
وفيه: أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإِضافة الصدقة إلى المال.
ولم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث؛ لأن الكلام في الدعاء إلى الإِسلام، فاكتفىى بالأركان الثلاثة لأن كلمة الإِسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإِنسان من حب المال، فإذا أذعن لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل بالنسبة إليها، والله أعلم.
[١٢٠٩] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رسول الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِني دِمَاءهُمْ وَأمْوَالَهُمْ، إِلا بِحَقِّ الإسْلَامِ، وَحِسَابُهُم عَلَى الله» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يمتنع قتالهما فيقتل بإخراج الصلاة عن وقت الضرورة إن لم يتب، ويقاتل الإِمام تاركي الزكاة إذا منعوا من أدائها.
وفيه: أن من أتى بالشهادتين والتزم أحكام الإِسلام جرت عليه أحكام المسلمين سواء كان في الباطن كذلك أم لا، لأن الشريعة إنما تجري على الظواهر، ولا تنفر عما في القلوب.
[١٢١٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: لَمَّا تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقال عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رسولُ الله ﷺ : «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولوُا لا إلهَ إِلا اللهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي
стр. 678
مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بين الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ. وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤدُّونَهُ إِلَى رسول الله ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أنْ رَأيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قوله: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة» ، أهل الردة صنفان: صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة. وإنما أراد عمر الصنف الثاني.
قال الحافظ: والمراد بالفرق: من قرأ بالصلاة، وأنكر الزكاة جاحدًا أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما قاتلهم الصِّدِّيق ولم يعذرهم بالجهل؛ لأنهم نصبوا القتال، فجهَّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصروا قاتلهم.
قال المازري: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لورودهما في الكتاب والسنَّة موردًا واحدًا.
قال الحافظ: فمن صلَّى عصم نفسه، ومن زكَّى عصم ماله، فإن لم يصل قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل.
قوله: (عقالاً) ، وفي رواية: (عناقًا) ، قال البخاري: وهي أصح.
قال عياض: واحتج بذلك من يجيز أخذ العناق في زكاة الغنم إذا كانت كلها سخالاً، وهو أحد الأقوال. وقيل: إنما ذكر العناق. مبالغة في التقليل. وقيل: العقال: يطلق على صدقة عام.
وعن ابن وهب: أنه الفريضة من الإِبل. وقيل: المراد بالعقال: الحبل الذي
стр. 679
يُعقل به البعير، والمراد به المبالغة، والحاصل أنهم متى منعوا شيئًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ولو قل فقد منعوا شيئًا واجبًا، إذ لا فرق في منع الواجب وجحده بين القليل والكثير.
[١٢١١] وعن أَبي أيُّوب ﵁: أنّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ ﷺ : أخْبِرْنِي بعمل يُدْخِلُنِي الجَنَّة، قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ، لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: أن من وحَّد الله، وقام بأركان الإِسلام، ووصل رحمه، دخل الجنة.
[١٢١٢] وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ أعْرَابياً أتَى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الجَنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا أزيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
فيه: أن من قام بالواجبات دخل الجنة، وإن لم يقم بالمندوبات.
[١٢١٣] وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بايَعْتُ النبيَ ﷺ عَلَى إقَامِ الصَّلَاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.
في رواية: قال: (بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت، والنصح لكل مسلم) .
стр. 680
قال القاضي عياض: اقتصر على الصلاة والزكاة لشهرتهما، ولم يذكر الصوم وغيره لدخول ذلك في السمع والطاعة.
قال القرطبي: كانت مبايعة النبي ﷺ لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد، أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظهم.
[١٢١٤] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ، وَلا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ فَيَرَى سَبيلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قيل: يَا رسولَ الله، فالإبلُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبِ إبلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَومَ وِرْدِهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أوْفَرَ مَا كَانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصيلاً وَاحِداً، تَطَؤُهُ بِأخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، في
стр. 681
يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ، فَالبَقَرُ وَالغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبِ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بقَاعٍ قَرْقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئاً، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلا جَلْحَاءُ، وَلا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بقُرُونها، وَتَطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا، كُلَّمَا مرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، في يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَة حَتَّى يُقْضى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرى سَبيِلَهُ، إمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإمَّا إِلَى النَّارِ» قيل:
يَا رسول الله فالخَيْلُ؟ قَالَ: «الخَيلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ. فَأمَّا الَّتي هي لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ ربطها رِيَاءً وَفَخْراً وَنِوَاءً عَلَى أهْلِ الإسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأمَّا الَّتي هي لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ الله، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ في ظُهُورِهَا، وَلا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأمَّا الَّتي هي لَهُ أجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ الله لأهْلِ الإسْلَامِ في مَرْجٍ، أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ المَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَات وكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أرْوَاثِهَا وَأبْوَالِهَا حَسَنَات، وَلا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنِ إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا، وَأرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلا يُرِيدُ أنْ يَسْقِيهَا إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ» قِيلَ: يَا رسولَ اللهِ فالحُمُرُ؟ قَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ في الحُمُرِ شَيْءٌ إِلا هذِهِ الآية الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ » . [الزلزلة (٧، ٨) متفقٌ عَلَيْهِِ، وهذا لفظ مسلم.
قوله: «حتى يرى سبيله إِما إِلى الجنة وإِما إِلى النار» ، أي: يعذب بماله الذي منع زكاته خمسين ألف سنة، فإِن كان مسلمًا دخل الجنة بعد ذلك، وإن كان كافرًا خلد في النار مع أهلها.
قوله: «ومن حقها حلبها يوم وردها» ، أي: ورودها الماء ليسقي من ألبانها للمارة والواردين. ومن ذلك الأمر بالصَّرَامِ نهارًا ليحضره المحتاج وكراهته ليلاً، وقد قال تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام (١٤١) ] .
قال ابن عمر: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة.
стр. 682
وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.
قوله: «الخيل ثلاثة» ، أي: لها أحكام ثلاثة فلا زكاة فيها ولا في الحمر إلا ما كان للتجارة، ففيه زكاة العروض.
٢١٧- باب وجوب صوم رمضان
وبيان فضل الصيام وَمَا يتعلق بِهِ
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر﴾ . [البقرة (١٨٣، ١٨٥) ] .
قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ، أي: فرض.
قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة (١٨٤) ] ، كانوا مخيَّرين في أول الإسلام بين الصيام والإطعام، ثم نسخ بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة (١٨٥) ] .
وَأما الأحاديث فقد تقدمت في الباب الَّذِي قبله.
أي: الأحاديث الدالة على وجوب صوم رمضان، كقوله ﷺ : «بُني الإسلام على خمس ... » الحديث، وغيره.
[١٢١٥] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «قَالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَام، فَإنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإذَا كَانَ يَومُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ. وَالذِي نَفْسُ
стр. 683
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أفْطَرَ فَرِحَ بفطره، وَإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ، وهذا لفظ روايةِ البُخَارِي.
وفي روايةٍ لَهُ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَشَهْوَتَهُ مِنْ أجْلِي، الصِّيَامُ لي وَأنَا أجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا» .
وفي رواية لمسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يضاعَفُ، الحسنةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ. قَالَ الله تَعَالَى: إِلا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أجْلِي. للصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» .
في هذا الحديث: فضل الصيام، وأن الله يجزي الصائم بغير حساب.
وفيه: شرف الصوم عند الله تعالى.
قوله: «والصيام جنة» ، أي: وقاية من النار.
قال ابن العربي: إنما كان جُنَّة من النار، لأنه إمساك عن الشهوات، والنَّار محفوفة بها.
[١٢١٦] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأبي أنْتَ وَأُمِّي يَا رسولَ اللهِ! مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ
стр. 684
ضَرورةٍ، فهل يُدْعى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبوَابِ كُلِّهَا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، وَأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قوله: «فمن كان من أهل الصلاة» إلى آخره، أي: صلاة التطوع، وصيام التطوع، وصدقة التطوع.
وفي الحديث: منقبة عظيمة لأبي بكر ﵁.
[١٢١٧] وعن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ أحدٌ غَيْرُهُمْ، يقال: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لا يَدخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قوله: «لا يدخل منه أحد غيرهم» ، كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيدًا.
زاد النسائي: «من دخله لم يظمأ أبدًا» .
[١٢١٨] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْماً في سَبِيلِ اللهِ إِلا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفَاً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال ابن الجوزي: إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد.
وقال القرطبي: «سبيل الله» ، طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله.
[١٢١٩] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
стр. 685
قوله: «إيمانًا واحتسابًا» ، أي: مصدقًا محتسبًا ثوابه عند الله تعالى.
[١٢٢٠] وعنه ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِحَتْ أبْوَاب الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ، وَصفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في رواية للنسائي: «وتغل فيه مردة الشياطين» .
قال القرطبي: فإن قيل: كيف ترى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا؟ فالجواب: أنها إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفَّد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم، والمقصود تقليل الشرور فيه. وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية.
[١٢٢١] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ، فَأكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ، وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية مسلم: «فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْماً» .
في هذا الحديث: دليل على أنه لا يجب صوم رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.
واختلفت الروايات عن الإمام أحمد فيما إذا حال دون منظر الهلال غيمٌ أو قتر، فعنه: يجب صومه، وعنه: أن الناس تبع للإمام، وعنه: لا يجب صومه قبل رؤية هلاله، أو إكمال شعبان.
стр. 686
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه. وعنه: صومه منهي عنه، وهذا الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة.
وقال البخاري: باب قول النبي ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» . وقال ﷺ : «يا عمار، من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ » .
٢١٨- باب الجود وفعل المعروف والإكثار من الخير
في شهر رمضان والزيادة من ذَلِكَ في العشر الأواخر منه
[١٢٢٢] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدَ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِيْنَ يَلْقَاهُ جِبْريلُ، وَكَانَ جِبْريلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَ رسول الله ﷺ حِيْنَ يَلْقَاهُ جِبرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِن الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
المرسلة: أي: المطلقة، يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح. وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح جميع ما تهب عليه.
وفي الحديث من الفوائد: الحثُّ على الجود في كل وقت، والزيادة في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان.
[١٢٢٣] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْر أحْيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلَهُ، وَشَدَّ المِئْزَرَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
стр. 687
في هذا الحديث: دليل على استحباب الزيادة من العمل في العشر الأواخر من رمضان.
٢١٩- باب النهي عن تقدم رمضان بصوم بعد نصف
شعبان إِلا لمن وصله بما قبله أَوْ وافق عادة لَهُ بأن كَانَ
عادته صوم الاثنين والخميس فوافقه
[١٢٢٤] عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُم رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلا أنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَومَهُ، فَليَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال العلماء: معنى الحديث: «لا تستقبلوا رمضان بصيام» . على نيّة الاحتياط لرمضان.
[١٢٢٥] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمضَانَ، صُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ فَأكْمِلُوا ثَلاثِينَ يَوْماً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
«الغَيايَةُ» بالغين المعجمة وبالياءِ المثناةِ من تَحْت المكررةِ، وهي: السحابة.
قال الترمذي: والعمل عل هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان.
قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم.
стр. 688
[١٢٢٦] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فَلا تَصُومُوا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
[١٢٢٧] وعن أَبي اليقظان عمارِ بن يَاسِرٍ ﵄، قَالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: تحريم صيام يوم الشك، وهو آخر يوم من شعبان سواء كان في ليلة غيم أو لا، وهو قول أكثر أهل العلم، وخصه بعضهم بغير ما في ليلة غيم، والأول أصح.
٢٢٠- باب مَا يقال عند رؤية الهلال
[١٢٢٨] عن طلحة بن عبيدِ اللهِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأى الهلَالَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأمْنِ وَالإيمانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالإسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، هِلالُ رُشْدٍ وخَيْرٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: مشروعية الدعاء عند رؤية الهلال، وقد ورد في ذلك أدعية مشهورة.
٢٢١- باب فضل السحور وتأخيره
مَا لَمْ يخش طلوع الفجر
[١٢٢٩] عن أنس ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «تَسَحَّرُوا؛ فَإنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
стр. 689
البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنَّة ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبُّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة.
[١٢٣٠] وعن زيدِ بن ثابتٍ ﵁ قال: تَسَحَّرْنَا مَعَ رسول الله ﷺ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ. قِيلَ: كَمْ كَانَ بينهما؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسين آيةً. متفقٌ عَلَيْهِ.
قال المهلب وغيره: كان النبي ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه، فيشق على بعضهم. ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضًا على بعضهم، وقد يفضي إلى ترك صلاة الصبح.
وفيه: الاجتماع على السحور.
وفيه: تقدير الأوقات بأعمال البدن.
[١٢٣١] وعن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ لرسولِ الله ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «إنْ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا أنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
في الحديث: دليل على جواز أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.
وفيه: جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر؛ لأن الأصل بقاء الليل، وجواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه، ويستحب أن لا يؤذن
стр. 690
قبل الفجر، إلا أنْ يكون معه مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح، كفعل بلال، وابن أمِّ مكتوم اقتداء برسول الله ﷺ .
[١٢٣٢] وعن عمرو بن العاص ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وصِيَامِ أهْلِ الكِتَابِ، أكْلَةُ السَّحَرِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: التصريح بأن السحور من خصائص هذه الأمة، وأن الله تعالى تفضل به علينا، كما تفضل بغيره من الرخص.
٢٢٢- باب فضل تعجيل الفطر
وَمَا يفطر عَلَيْهِ، وَمَا يقوله بعد إفطاره
[١٢٣٣] عن سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
زاد أحمد عن أبي ذر: «وأخروا السحور» ، وفي رواية: «لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم» .
قال الحافظ: ومن البدع المنكرة إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، يفعلونه للاحتياط في العبادة، وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت، زعموا فأخر الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنَّة. فلذلك قل عنهم الخير وكثر فيهم الشر، والله المستعان.
[١٢٣٤] وعن أَبي عطِيَّة قَالَ: دَخَلْتُ أنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عائشة ...
стр. 691
رضي الله عنها، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوق: رَجُلَانِ مِنْ أصْحَابِ محمد ﷺ كِلَاهُمَا لا يَألُو عَنِ الخَيْرِ؛ أحَدُهُمَا يُعَجِّلُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ؟ فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ المَغْرِبَ وَالإفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ - يعني: ابن مسعود - فَقَالَتْ: هكَذَا كَانَ رسولُ اللهِ يَصْنَعُ. رواه مسلم.
قَوْله: «لا يَألُو» أيْ: لا يُقَصِّرُ في الخَيْرِ.
فيه: استحباب تعجيل المغرب والإفطار، إذا تحقق غروب الشمس.
[١٢٣٥] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «قَالَ اللهُ : أحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أعْجَلُهُمْ فِطْراً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
سبب محبة الله لمعجلي الفطر متابعة السنَّة.
قال الله تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران (٣١) ] .
[١٢٣٦] وعن عمر بن الخطاب ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ ها هُنَا، وَأدْبَرَ النهارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أفْطَر الصَّائِمُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
قال ابن دقيق العيد: الإقبال والإدبار متلازمان، وقد يكون أحدهما أظهر للعين في بعض المواضع، فيستدل بالظاهر علىالخفي، كما لو كان في جهة المغرب ما يستر البصر عن إدراك الغروب، وكان المشرق ظاهرا بارزًا فيستدل بطلوع الليل على غروب الشمس.
стр. 692
[١٢٣٧] وعن أَبي إبراهيم عبدِ الله بنِ أَبي أوفى ﵄، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رسول الله ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: «يَا فُلَانُ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» ، فَقَالَ: يَا رسول الله، لَوْ أمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ نَهَاراً، قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» قَالَ: فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ رسول الله ﷺ ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ قَدْ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِنْ ها هُنَا، فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ» . وَأشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قَوْله: «اجْدَحْ» بِجيم ثُمَّ دال ثُمَّ حاءٍ مهملتين، أيْ: اخْلِطِ السَّويقَ بِالمَاءِ.
في هذا الحديث: استحباب تعجيل الفطر، وإنما توقف الصحابي احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة.
وفيه: تذكير العالم بما يخشى أن يكون نسيه، وترك المراجعة له بعد ثلاث.
وفيه: أن الغروب متى تحقق كفى، وأن الأمر الشرعي أبلغ من الحسي، وأن العقل لا يقضي على الشرع.
[١٢٣٨] وعن سلمان بن عامر الضَّبِّيِّ الصحابي ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «إِذَا أفْطَرَ أحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فإنَّهُ طَهُورٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قوله: «فليفطر على تمر» ، زاد الترمذي: «فإنه بركة» والحكمة فيه: أنه إِن وجد في المعدة فضلة أزالها وإلا كان غذاء، وأنه يجمع ما تفرق من ضوء البصر بسبب الصوم.
стр. 693
[١٢٣٩] وعن أنس ﵁ قَالَ: كَانَ رسولُ الله ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أنْ يُصَلِّي عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
تتمة: عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» . رواه أبو داود.
وعن معاذ بن زهرة قال: أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت» . رواه أبو داود مرسلاً. وورد في بعض الآثار: «اللَّهُمَّ إني صمت لوجهك، وأفطرت على رزقك، أسألك يا واسع المغفرة أن تغفر لي ذنوبي، وأن تعتق رقبتي من النار» .
٢٢٣- باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحه
عن المخالفات والمشاتمة ونحوها
[١٢٤٠] عن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
الرفث: الكلام الفاحش: والصخب: الخصام والصياح. وهذا ممنوع في كل وقت، ولكنه يتأكد للصائم.
стр. 694
قوله: «ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني صائم» . ولابن خزيمة: «فإن سابك أحدٌ، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس» .
قال الروياني: إن كان في رمضان فليقل بلسانه، وإن كان في غيره فليقله في نفسه.
[١٢٤١] وعنه قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» . رواه البخاري.
في رواية: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل» .
وفي هذا الحديث: التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وأن الله لا يقبل صوم صاحبه.
٢٢٤- باب في مسائل من الصوم
[١٢٤٢] عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ، فَأكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
في هذا الحديث: دليل على أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا لم يفسد صومه.
وفيه: لطف الله بعباده، والتيسر عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم. وعند ابن خزيمة وغيره: «من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة» .
[١٢٤٣] وعن لَقِيط بن صَبِرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أخْبِرْني عَنِ الوُضُوءِ؟ قَالَ: «أسْبغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ،
стр. 695
وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ، إِلا أنْ تَكُونَ صَائِماً» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: استحباب إسباغ الوضوء، وتخليل الأصابع، والمبالغة في الاستنشاق إلا للصائم فتُكره المبالغة خشية وصول الماء إلى حلقه.
[١٢٤٤] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسول الله ﷺ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: دليل على صحة الصوم من الجنب سواءً كان عامدًا أو ناسيًا، وسواء كان صيامه فرضًا أو تطوعًا.
وفيه: دليل على جواز تأخير الغسل إلى بعد طلوع الفجر، ويقاس على ذلك الحائض. والنفساء إذا انقطع دمها ليلاً ثم طلع الفجر قبل اغتسالها صح صومها.
[١٢٤٥] وعن عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: كَانَ رسول الله ﷺ يُصْبحُ جُنُباً مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: جواز تأخير الغسل إلى بعد طلوع الفجر سواء كان من جماع أو احتلام.
٢٢٥- باب بيان فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم
[١٢٤٦] عن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ الله المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعدَ الفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: فضل صيام شهر عاشوراء، وفضل صلاة الليل.
стр. 696
[١٢٤٧] وعن عائشة ﵂ قالت: لَمْ يكن النبي ﷺ يَصُومُ مِنْ شَهْرٍ أكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ.
وفي رواية: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلاً. متفقٌ عَلَيْهِ.
قوله: «كان يصوم شعبان كله» ، أي: معظمه.
وفيه: فضل صيام شعبان.
[١٢٤٨] وعن مُجِيبَةَ البَاهِليَّةِ عن أبيها أَوْ عمها: أنه أتى رسول الله ﷺ ثُمَّ انطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ - وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ وَهيئَتُهُ - فَقَالَ: يَا رسولَ الله أمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «وَمَنْ أنْتَ» ؟ قَالَ: أَنَا الباهِليُّ الَّذِي جِئْتُك عام الأَوَّلِ. قَالَ: «فَمَا غَيَّرَكَ، وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الهَيْئَةِ!» قَالَ: مَا أكَلْتُ طَعَاماً مُنْذُ فَارقتُكَ إِلا بِلَيْلٍ. فَقَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «عَذَّبْتَ نَفْسَكَ!» ثُمَّ قَالَ: «صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَيَوماً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» قَالَ: زِدْنِي، فَإنَّ بِي قُوَّةً، قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْن» قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ» قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «صُمْ مِنَ الحُرُم وَاتركْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتركْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتركْ» . وقال بأصابِعه الثَّلاثِ فَضَمَّها، ثُمَّ أرْسَلَهَا. رواه أَبُو داود.
وَ «شَهْر الصَّبر» : رَمَضَان.
الأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
٢٢٦- باب فضل الصوم وغيره
في العشر الأول من ذي الحجة
[١٢٤٩] عن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ أيَّامٍ، العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هذِهِ الأَيَّام»
стр. 697
يعني أيام العشر. قالوا: يَا رسولَ اللهِ، وَلا الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ؟ قَالَ: «وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ» . رواه البخاري.
زاد أبو داود: من حديث ابن عمر: «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، فإن صيام يوم منها يعادل صيام سنة، والعمل فيها بسبع مئة ضعف» .
٢٢٧- باب فضل صوم يوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء
[١٢٥٠] عن أَبي قتادة ﵁ قَالَ: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن صَومِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ» . رواه مسلم.
فيه: فضيلة صيام يوم عرفة، وأنه يكفر السيئات.
[١٢٥١] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ صَامَ يَومَ عاشوراءَ وَأمَرَ بِصِيامِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: استحباب صوم يوم عاشوراء، وأنه سنَّة.
[١٢٥٢] وعن أَبي قتادة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عَنْ صِيامِ يَوْمِ عَاشُوراءَ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ» . رواه مسلم.
فيه: فضيلة صيام يوم عاشوراء، وأنه يكفر السيئات.
[١٢٥٣] وعن ابن عباس ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «
стр. 698
لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» . رواه مسلم.
فيه: استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء مخالفةً لأهل الكتاب، لأنهم كانوا يصومون اليوم العاشر فقط ويقولون إنه يومٌ نجى الله فيه بني إسرائيل من فرعون وقومه، فقال النبي ﷺ : «نحن أحقُّ بموسى» ، فصامه وأمر الناس بصيامه، وقال: «خالفوا اليهود صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» .
٢٢٨- باب استحباب صوم ستة أيام من شوال
[١٢٥٤] عن أَبي أيوب ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» . رواه مسلم.
الحديث: دليل على استحباب صوم ستة أيام من شوال سواء كانت متوالية أو متفرقة. وعن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان فشهره بعشر، ومن صام ستة أيام الفطر فذلك صيام السنة» . رواه أحمد والنَّسائي.
٢٢٩- باب استحباب صوم الاثنين والخميس
[١٢٥٥] عن أَبي قتادة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عَنْ صَومِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، فَقَالَ: «ذَلِكَ يَومٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَومٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» . رواه مسلم.
قوله: (سئل عن صوم يوم الاثنين) ، أي: عن حكمه إيثاره بالصوم عن باقي الأيام، فأخبر ﷺ أن ذلك لأجل مولده فيه، ومبعثه.
[١٢٥٦] وعن أَبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: «
стр. 699
تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَومَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأنَا صَائِمٌ» رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن) ، ورواه مسلم بغير ذِكر الصوم.
لفظ مسلم: «تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدًا بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا» .
[١٢٥٧] وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسولُ الله ﷺ يَتَحَرَّى صَومَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيس. رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: استحباب صيام الاثنين والخميس لعظم فضلهما.
٢٣٠- باب استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر
والأفضل صومُها في الأيام البيض وهي الثالثَ عشر والرابعَ عشر والخامسَ عشر، وقِيل: الثاني عشر، والثالِثَ عشر، والرابعَ عشر، والصحيح المشهور هُوَ الأول.
[١٢٥٨] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: أوْصاني خَلِيلي ﷺ بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأنْ أُوتِرَ قَبْلَ أنْ أنَامَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، سواء كانت البيض أوالسود أو الغرر.
[١٢٥٩] وعن أَبي الدرداءِ ﵁ قَالَ: أوصاني حَبِيبي ﷺ بِثَلاثٍ لَنْ أدَعَهُنَّ مَا عِشتُ: بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ
стр. 700
الضُّحَى، وبِأنْ لا أنَامَ حَتَّى أُوتِرَ. رواه مسلم.
فيه: استحباب المداومة على صيام ثلاثة أيام، وصلاة الضحى.
وفيه: استحباب الوتر قبل النوم لمن لا يثق بقيامه آخر الليل.
[١٢٦٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «صَوْمُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
أي: لأن الحسنة بعشر أمثالها.
[١٢٦١] وعن مُعاذة العدوية: أنها سألت عائشةَ ﵂: أكَانَ رسول الله ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثة أيَّامٍ؟ قالت: نَعَمْ. فقلتُ: مِنْ أيِّ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قالت: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أيِّ الشَّهْرِ يَصُومُ. رواه مسلم.
فيه: إيماء إلى أن المراد حصول مثل ثواب صوم الشهر باعتبار تضاعف الحسنة عشرًا، وذلك حاصل بأي ثلاثة كانت.
[١٢٦٢] وعن أَبي ذر ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثاً، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
[١٢٦٣] وعن قتادة بن مِلْحَان ﵁ قَالَ: كَانَ رسولُ الله ﷺ يَأمُرُنَا بِصِيَامِ أيَّامِ البِيضِ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رواه أَبُو داود.
стр. 701
في هذين الحديثين: التنصيص على أيام البيض.
[١٢٦٤] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ لا يُفْطِرُ أيَّامَ البِيضِ في حَضَرٍ وَلا سَفَرٍ. رواه النسائي بإسنادٍ حسن.
فيه: استحباب المداومة على صيام البيض في الحضر والسفر.
٢٣١- باب فضل من فطَّر صائماً وفضل الصائم
الذي يؤكل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده
[١٢٦٥] عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِماً، كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُنْقَصُ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: فضيلة تفطير الصائم، وفي حديث سلمان: «يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطَّر صائمًا على تمرة، أو شربة ماء، أو مذْقة لبن» .
[١٢٦٦] وعن أُمِّ عُمَارَةَ الأنصارِيَّةِ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَاماً، فَقَالَ: «كُلِي» فَقَالَتْ: إنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّ الصَائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرغُوا» . وَرُبَّمَا قَالَ: «حَتَّى يَشْبَعُوا» رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
стр. 702
في هذا الحديث: زيارة أهل الفضل أتباعهم، ولو كان المزور امرأة إذا أمنت الفتنة والتهمة.
وفيه: إكرام الضيف.
[١٢٦٧] وعن أنسٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ جَاءَ إِلَى سعد بن عبادة ﵁ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأكَلَ، ثُمَّ قَالَ النبي ﷺ : «أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ؛ وَأكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلَائِكَةُ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
في هذا الحديث: إحضار ما سهل، وأنه لا ينافي الجود.
وفيه: استحباب الدعاء من الضيف عند فراغ الأكل.
* * *
стр. 703
كتَاب الاعْتِكَاف
٢٣٢- باب فضل الاعتكاف
[١٢٦٨] عن ابن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
الاعتكاف: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو قربة.
قال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة (١٢٥) ] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة (١٨٧) ] ، وهو مشروع بالكتاب والسنَّة والإجماع.
[١٢٦٩] وعن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قال ابن دقيق العيد: فيه استحباب مطلق الاعتكاف، واستحبابه في رمضان بخصوصه، وفي العشر الأواخر بخصوصها.
وفيه: دليل على استواء الرجل والمرأة في هذا الحكم. انتهى.
стр. 704
والمقصود من الاعتكاف جمع القلب بالخلوة عن الناس، والإقبال على الله تعالى والتنعم بذكره وعبادته.
[١٢٧٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْماً. رواه البخاري.
* * *
стр. 705
كتَاب الحَجّ
٢٣٣- باب وجوب الحج وفضله
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران (٩٧) ] .
الحج في اللغة: القصد. وفي الشرع: القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة (١٩٦) ] .
والأصل في وجوبه الكتاب والسنَّة والإجماع، وهو أحد أركان الإسلام.
والسبيل: الزاد والراحلة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال ابن عباس: ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه.
وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب.
وقال السدي: هو من وجد ما يحج به، ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه مات يهوديًا أو نصرانيًا.
[١٢٧١] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «
следующие страницы →