← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21543

تطريز رياض الصالحين

فيصل آل مبارك

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

في هذين الحديثين: التنصيص على أيام البيض. [١٢٦٤] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ لا يُفْطِرُ أيَّامَ البِيضِ في حَضَرٍ وَلا سَفَرٍ. رواه النسائي بإسنادٍ حسن. فيه: استحباب المداومة على صيام البيض في الحضر والسفر. ٢٣١- باب فضل من فطَّر صائماً وفضل الصائم الذي يؤكل عنده ودعاء الآكل للمأكول عنده [١٢٦٥] عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِماً، كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُنْقَصُ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: فضيلة تفطير الصائم، وفي حديث سلمان: «يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطَّر صائمًا على تمرة، أو شربة ماء، أو مذْقة لبن» . [١٢٦٦] وعن أُمِّ عُمَارَةَ الأنصارِيَّةِ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَاماً، فَقَالَ: «كُلِي» فَقَالَتْ: إنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّ الصَائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرغُوا» . وَرُبَّمَا قَالَ: «حَتَّى يَشْبَعُوا» رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

стр. 702

في هذا الحديث: زيارة أهل الفضل أتباعهم، ولو كان المزور امرأة إذا أمنت الفتنة والتهمة. وفيه: إكرام الضيف. [١٢٦٧] وعن أنسٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ جَاءَ إِلَى سعد بن عبادة ﵁ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأكَلَ، ثُمَّ قَالَ النبي ﷺ : «أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ؛ وَأكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلَائِكَةُ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. في هذا الحديث: إحضار ما سهل، وأنه لا ينافي الجود. وفيه: استحباب الدعاء من الضيف عند فراغ الأكل. * * *

стр. 703

كتَاب الاعْتِكَاف ٢٣٢- باب فضل الاعتكاف [١٢٦٨] عن ابن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. متفقٌ عَلَيْهِ. الاعتكاف: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو قربة. قال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة (١٢٥) ] . وقال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة (١٨٧) ] ، وهو مشروع بالكتاب والسنَّة والإجماع. [١٢٦٩] وعن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ. قال ابن دقيق العيد: فيه استحباب مطلق الاعتكاف، واستحبابه في رمضان بخصوصه، وفي العشر الأواخر بخصوصها. وفيه: دليل على استواء الرجل والمرأة في هذا الحكم. انتهى.

стр. 704

والمقصود من الاعتكاف جمع القلب بالخلوة عن الناس، والإقبال على الله تعالى والتنعم بذكره وعبادته. [١٢٧٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْماً. رواه البخاري. * * *

стр. 705

كتَاب الحَجّ ٢٣٣- باب وجوب الحج وفضله قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران (٩٧) ] . الحج في اللغة: القصد. وفي الشرع: القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة. قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة (١٩٦) ] . والأصل في وجوبه الكتاب والسنَّة والإجماع، وهو أحد أركان الإسلام. والسبيل: الزاد والراحلة. وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال ابن عباس: ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه. وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وقال السدي: هو من وجد ما يحج به، ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به. وقال عمر بن الخطاب ﵁: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه مات يهوديًا أو نصرانيًا. [١٢٧١] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «

стр. 706

بُنِي الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلَاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. [١٢٧٢] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رسول الله ﷺ فَقَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُم الحَجَّ فَحُجُّوا» فَقَالَ رَجُلٌ: أكُلَّ عَامٍ يَا رَسولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلاثاً. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ثُمَّ قَالَ: «ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا أمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْءٍ فَدَعُوهُ» . رواه مسلم. فيه: دليل على أنه لا يجب الحج إلا مرة واحدة في العمر على كل مكلف مستطيع. وهذا الحديث من قواعد الإسلام المهمة، ومما أُوتيه ﷺ من جوامع الكلم، ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام. [١٢٧٣] وعنه قَالَ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «إيمَانٌ بِاللهِ وَرسولِهِ» قيل: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبرُورٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. «المبرور» هُوَ: الَّذِي لا يرتكِبُ صاحِبُهُ فِيهِ معصيةً. في هذا الحديث: أن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح. وفيه: أن الجهاد أفضل من نافلة الحج.

стр. 707

[١٢٧٤] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. الرفث: الجماع، ومقدماته بالفعل والقول. وقال عطاء: الرفث: قول الرجل للمرأة في الإحرام إذا أحللت أصبتك. وقال ابن عباس: الفسوق: المعاصي. وقيل: الرفث: الفحش، والقول القبيح. وقال الشارح: فلم يرفث: فلم يلغ. [١٢٧٥] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. الحج المبرور: هو الذي لا لغو فيه ولا معصية. وفي الحديث: دليل على مشروعية العمرة في كل وقت، وأنه لا كراهة في تكرارها. [١٢٧٦] وعن عائشة ﵂ قَالَت: قُلْتُ: يَا رسول الله، نَرَى الجِهَادَ أفْضَلَ العَمَلِ، أفَلا نُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: «لَكُنَّ أفْضَلُ الجِهَادِ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» . رواه البخاري. فيه: دليل على أن الحج من أفضل الجهاد، وأنه من سبيل الله. [١٢٧٧] وعنها أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أكْثَرَ مِنْ أن يَعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» . رواه مسلم. فيه: فضل يوم عرفة، وأنه يرجى فيه استجابة الدعاء وغفران الذنوب.

стр. 708

[١٢٧٨] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً - أَوْ حَجَّةً مَعِي» . متفقٌ عَلَيْهِِ. في هذا الحديث: فضيلة العمرة في رمضان. [١٢٧٩] وعنه: أنَّ امرأة قالت: يَا رسول الله، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ في الحَجِّ، أدْرَكَتْ أَبي شَيْخاً كَبِيراً، لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. الحديث: دليل على جواز حج المرأة عن الرجل، والحج عن المعضوب: وهو الكبير العاجز أو المريض الذي لا يرجى برؤه. [١٢٨٠] وعن لقيط بن عامر ﵁ أنَّه أتى النبي ﷺ فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ، وَلا العُمْرَةَ، وَلا الظَّعَنَ؟ قَالَ: «حُجَّ عَنْ أبِيكَ وَاعْتَمِرْ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: دليل على جواز النيابة عن المعضوب في النسك المفروض. [١٢٨١] وعن السائب بن يزيد ﵁ قَالَ: حُجَّ بي مَعَ رسول الله ﷺ في حَجةِ الوَدَاعِ، وَأنَا ابنُ سَبعِ سِنينَ. رواه البخاري. فيه: جواز إحجاج الصبي قبل البلوغ. [١٢٨٢] وعن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْباً بالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» قالوا: المسلِمُونَ. قالوا: مَنْ أنْتَ؟ قَالَ: «رسولُ اللهِ» . فَرَفَعَتِ امْرَأةٌ صَبيّاً، فَقَالَتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ» . رواه مسلم.

стр. 709

الحديث: دال على أنه يصح حج الصبي سواء كان مميزًا أم لا، حيث فعل وليه عنه ما يفعل الحاج، وإلى هذا ذهب الجمهور، ولكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام، وصفة إحرام الولي عنه أن يقول بقلبه: جعلته محرمًا. [١٢٨٣] وعن أنسٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكانت زَامِلَتهُ. رواه البخاري. قوله: «على رحل» ، أي: على قتب الراحلة، وكانت – أي الراحلة – زاملته. والزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع. ولابن ماجة: (حج النبي ﷺ على رحل رثٍّ، وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، ثم قال: «اللهم اجعله حجًا لا رياءً فيه ولا سمعة» . [١٢٨٤] وعن ابن عباسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ، ... وَمَجِنَّةُ، وَذُو المَجَازِ أسْوَاقاً في الجَاهِلِيَّةِ، فَتَأثَّمُوا أن يَتَّجِرُوا في المَوَاسِمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة (١٩٨) ] في مَوَاسِمِ الحَجِّ. رواه البخاري. قال أبو عبيد: عكاظ: صحراء مستوية لا جبل فيها ولا علم، وهي بَيْنَ نجد والطائف، وكان يقام بها السوق في ذي القعدة نحوًا من نصف شهر، ثم يأتون موضعًا دونه إلى مكة، يقال له: سوق مجنة، فيقام فيه السوق إلى آخر الشهر، ثم يأتون موضعًا قريبًا منه يقال له: ذو المجاز فيقام فيه السوق إلى يوم التروية، ثم يصدرون إلى منى. انتهى. وفي الحديث: دليل على أن التجارة في الحج لا تنافي صحته، وأن البيع والشراء فيه جائز. * * *

стр. 710

كتَاب الجِهَاد ٢٣٤-[باب فضل الجهاد] قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة (٣٦) ] . الجهاد: هو مقاتلة الكفرة لإعزاز الدين. وفي هذه الآية: تحضيضٌ للمسلمين على محاربة المشركين، وبشارة لهم بالنصر. وقال تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة (٢١٦) ] . قال ابن كثير: هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام. وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استُعين أن يعين، وإذا استُغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه، قعد. وقال تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بأَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة (٤١) ] .

стр. 711

في هذه الآية: الأمر بالنفي إلى جهاد الكفار، والأمر بإنفاق المال في ذلك. وقال تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة (١١١) ] . هذا أعظم عقد، وأربح تجارة، وأصدق وعد، وأعظم بشارة، وأوفى عهد. قال قتادة: ثامنهم الله ، فأغلى ثمنهم. وقال عمر ﵁: إنَّ الله بايعك وجعل الصفقتين لك. وقال الحسن: اسعوا إلى بيعة ربيحة، بايع الله بها كل مؤمن. وقال الله تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء (٩٥، ٩٦) ] . في هذه الآية: فضل الجهاد والحث عليه، أي: ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر، والمؤمنون المجاهدون سواء، غير أولي الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين؛ لأنَّ العذر أقعدهم. ﴿فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ، قيل: أراد بالقاعدين ههنا: أولي الضرر؛ لأنَّ المجاهد باشر الجهاد مع النيّة، وأُلي الضرر كانت لهم نية، ولكنهم لم يباشروا. ﴿وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أجْراً عَظِيماً﴾ ، يعني: على القاعدين من غير عذر ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . وقال تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ

стр. 712

كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِن اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ﴾ [الصف (١٠: ١٣) ] . أي: بشَّر يَا محمد المجاهدين بالجنة في الآخرة، والنصر في الدنيا. والنجاة من عذاب الله. والآيات في الباب كثيرةٌ مشهورةٌ. أي: الآيات في وجوب الجهاد وفضله كثيرة في القرآن واضحة. وأما الأحاديث في فضل الجهاد فأكثر من أنْ تحصر، فمن ذلك: [١٢٨٥] عن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: سُئِلَ رسول الله ﷺ : أيُّ الأَعْمَال أفْضَلُ؟ قَالَ: «إيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» . قيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجهادُ في سَبيلِ اللهِ» . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. فيه: أن الجهاد أفضل من نافلة الحج. [١٢٨٦] وعن ابن مسعود ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» . قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ» . قلتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قال الطبري: خص ﵊ هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات.

стр. 713

[١٢٨٧] وعن أَبي ذرّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أيُّ العَمَلِ أفْضلُ؟ قَالَ: «الإيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ في سَبِيلهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. فيه: فضل الجهاد؛ لأنه قرنه بالإِيمان بالله. [١٢٨٨] وعن أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «لَغَدْوَةٌ في سَبيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ. الغُدوة: سير أول النهار. والروحة: سير آخره. [١٢٨٩] وعن أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رسول الله ﷺ فَقَالَ: أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مُؤْمنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ اللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ في شِعبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. فيه: فضل المؤمن المجاهد، وفضل العزلة إذا خاف الفتنة. [١٢٩٠] وعن سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ في سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ الغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ. في هذا الحدبث: فضل الرباط، وهو ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين.

стр. 714

[١٢٩١] وعن سَلمَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإنْ مَاتَ فيه أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ» . رواه مسلم. قوله: «وأُجري عليه رزقه» أي: برزق من الجنة كما يرزق الشهداء. [١٢٩٢] وعن فَضَالَةَ بن عُبَيْد ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلا المُرَابِطَ فِي سَبيلِ اللهِ، فَإنَّهُ يُنْمى لَهُ عَمَلهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فِتْنَةَ القَبْرِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: فضيلة الرباط، وأن المرابط لا ينقطع عمله بالموت. [١٢٩٣] وعن عثمان ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . قال ابن بزيزة: لا تنافي بينه وبين حديث: «خير من صيام شهر» . قال البيهقي: القصد من هذا ونحوه الإخبار بتضعيف أجر المرابط على غيره، ويختلف ذلك بحسب اختلاف حال الناس نيةً وإخلاصًا، وباختلاف الأوقات.

стр. 715

[١٢٩٤] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «تَضَمَّنَ الله لِمَنْ خَرَجَ في سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إِلا جِهَادٌ في سَبيلِي، وَإيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَيَّ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرٍ، أَوْ غَنيمَةٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللهِ، إِلا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ كُلِم؛ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ ريحُ مِسْكٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا أنْ أَشُقَّ عَلَى المُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبيلِ اللهِ أبداً، وَلكِنْ لا أجِدُ سَعَةً فأحْمِلُهُمْ وَلا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي. وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أنْ أغْزُوَ في سَبيلِ اللهِ، فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أغْزُوَ فَأُقْتَلَ» . رواه مسلم، وروى البخاري بعضه. «الكَلْمُ» : الجَرْحُ. قال الحافظ: قوله: «تضمن الله وتكفل الله، وانتدب الله» بمعنى واحد، ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ ، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه . [١٢٩٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَم في سَبيِلِ الله إِلا جَاءَ يَومَ القِيَامةِ، وَكَلْمُهُ يدْمَى: اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ ريحُ مِسكٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

стр. 716

قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك، أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى. [١٢٩٦] وعن معاذٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله من رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحاً في سَبِيلِ اللهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَغزَرِ مَا كَانَتْ: لَونُها الزَّعْفَرَانُ، وَريحُها كَالمِسْكِ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح) . الفُوَاقُ: ما بين الحلبتين، وهو كناية عن قليل الجهاد. وفيه: بشارة لمن جاهد في سبيل الله، طلبًا لمرضاة الله بالموت على الإسلام. [١٢٩٧] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ رسولِ الله ﷺ بِشِعبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَة، فَأعْجَبَتْهُ، فَقَالَ: لَو اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأقَمْتُ في هَذَا الشِّعْبِ، وَلَنْ أفْعَلَ حَتَّى أسْتَأْذِنَ رسول الله ﷺ فذكَرَ ذَلِكَ لرسول الله ﷺ فَقَالَ: «لا تَفعلْ؛ فَإنَّ مُقامَ أَحَدِكُمْ في سَبيلِ اللهِ أفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ في بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَاماً، أَلا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ، وَيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ؟ أُغْزُوا في سَبيلِ الله، من قَاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . وَ «الفُوَاقُ» : مَا بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ.

стр. 717

في هذا الحديث: الحض على الجهاد في سبيل الله، وأنه أفضل من نوافل العبادة. [١٢٩٨] وعنه قَالَ: قيل: يَا رسولَ اللهِ، مَا يَعْدلُ الجهادَ في سَبِيلِ ... اللهِ؟ قَالَ: «لا تَسْتَطِيعُونَهُ» فَأعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لا تَسْتَطِيعُونَهُ» ! ثُمَّ قَالَ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبيلِ اللهِ كَمَثلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانتِ بآياتِ الله لا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ، وهذا لفظ مسلمٍ. وفي رواية البخاري: أنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رسول الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ؟ قَالَ: «لا أجِدُهُ» ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتقومَ وَلا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلا تُفْطِرَ» ؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟! . فيه: أنه لا يعدل الجهاد شيء من نوافل العبادات. [١٢٩٩] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانَ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي القَتْلَ وَالمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ في رَأسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذَه الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِن هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤتي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلا في خَيْرٍ» . رواه مسلم.

стр. 718

في هذا الحديث: استحباب الاستعداد للجهاد في سبيل الله، واستحباب العزلة. [١٣٠٠] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إنَّ في الجنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ» . رواه البخاري. فيه: عظيم فضل المجاهد وعظم عناية الله به. [١٣٠١] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإسْلَامِ ديناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» ، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رسولَ اللهِ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا العَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَينِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ» . قَالَ: وَمَا هيَ يَا رسول الله؟ قَالَ: «الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، الجهَادُ في سَبيلِ اللهِ» . رواه مسلم. قال القرطبي: الدرجة: المنزلة الرفيعة، ويراد بها غرف الجنة ومراتبها التي أعلاها الفردوس. [١٣٠٢] وعن أَبي بكر بن أَبي موسى الأشعريِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبي ﵁ وَهُوَ بَحَضْرَةِ العَدُوِّ، يقول: قَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّ أبْوَابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» . فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا

стр. 719

مُوسَى أأنْتَ سَمِعْتَ رسولَ اللهِ ﷺ يقول هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلَى أصْحَابِهِ، فَقَالَ: أقْرَأُ عَلَيْكُم السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَألْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى العَدُوِّ فَضَربَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم. قوله: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» . قال القرطبي: هو من الكلام النفيس الجامع الموجز، المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين. [١٣٠٣] وعن أَبي عبسٍ عبد الرحمن بن جَبْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «ما اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» . رواه البخاري. فيه: بشارة للمجاهد بالنجاة من النار. وعند أحمد وغيره من حديث معاذ «ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الآخرة بعد الصلاة المفروضة، كجهاد في سبيل الله» . [١٣٠٤] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ في سَبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: بشارة بالنجاة من النار لمن خشي الله تعالى، وللمجاهدين في سبيل الله.

стр. 720

[١٣٠٥] وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «عَيْنَانِ لا تَمسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ اللهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . الخشية: الخوف الناشئ عن تعظيم ومعرفة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ . [١٣٠٦] وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازياً في سَبيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازياً في أهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ. فيه: أن من أعان مؤمنًا على عمل فله مثل أجر العامل. [١٣٠٧] وعن أَبي أُمَامَة الباهلي ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «أفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ في سَبِيلِ اللهِ وَمَنيحَةُ خَادِمٍ في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ طَرُوقَةُ فَحلٍ في سَبِيلِ اللهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: أن أفضل الصدقات والعواري ما كان في الجهاد. [١٣٠٨] وعن أنس ﵁: أن فَتَىً مِنْ أسْلَمَ، قَالَ: يَا رسولَ اللهِ، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِيَ مَا أَتَجهَّزُ بِهِ، قَالَ: «ائْتِ فُلاناً فَإنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ» فَأتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، ويقول: أعْطِني الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ. قَالَ: يَا فُلَانَةُ، أعْطِيهِ

стр. 721

الَّذِي كُنْتُ تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلا تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئاً، فَوَاللهِ لا تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئاً فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ. رواه مسلم. فيه: أن من أخرج شيئًا في وجه من وجوه الخير، ثم عرض له ما يمنعه أنه يستحب له صرفه في مثله من أبواب الخير. [١٣٠٩] وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ بَعَثَ إِلَى بَنِي لَحْيَانَ، فَقَالَ: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أحَدُهُمَا، وَالأجْرُ بَيْنَهُمَا» . رواه مسلم. وفي روايةٍ لَهُ: «لِيَخْرُجَ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ» ثُمَّ قَالَ للقاعد: «أيُّكُمْ خَلَفَ الخَارِجَ في أهْلِهِ وَمَالِهِ بِخيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أجْرِ الخَارِجِ» . فيه: أن من خَلَّف الغازي في أهله وماله بخير، فله نصف أجر الغازي من غير أن ينقص من أجره شيء. [١٣١٠] وعن البَراءِ ﵁ قال: أتَى النبيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بالحَدِيدِ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: «أسْلِمْ، ثُمَّ قَاتِلْ» . فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ. فَقَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيراً» . متفقٌ عَلَيْهِِ. وهذا لفظ البخاري. فيه: أن الأعمال بالخواتيم.

стр. 722

[١٣١١] وعن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ» . وفي رواية: «لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. في هذا الحديث: فضل الشهادة وحقارة الدنيا، وعبر بالتمني؛ لأن الرجوع إلى الدنيا محال. [١٣١٢] وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «يَغْفِرُ اللهُ لِلْشَّهِيدِ كُلَّ شَيْءٍ إِلا الدَّيْنَ» . رواه مسلم. وفي روايةٍ له: «القَتْلُ في سبيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شيءٍ إلا الدَّيْن» . في حديث ابن مسعود عند أبي نعيم: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع» . [١٣١٣] وعن أَبي قتادة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِيهِم فَذَكَرَ أنَّ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ، وَالإيمَانَ بِاللهِ، أفْضَلُ الأعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، أرأيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ اللهِ، أتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لهُ رسول الله ﷺ : «نَعَمْ، إنْ قُتِلْتَ في

стр. 723

سَبيلِ الله وَأنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ» ، ثُمَّ قَالَ رسول الله ﷺ : «كيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أرَأيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ اللهِ، أتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : «نَعَمْ، وَأنْتَ صَابرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيرُ مُدْبِرٍ، إِلا الدَّيْنَ فَإنَّ جِبْريلَ ﵇ قَالَ لِي ذَلِكَ» . رواه مسلم. فيه: فضيلة عظيمة للمجاهد، وهي تكفير خطاياه كلها، إلا حقوق الآدميين. [١٣١٤] وعن جابر ﵁ قال: قَالَ رَجُلٌ: أيْنَ أنَا يَا رسول الله إنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ: «في الجَنَّةِ» . فَألْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم. كان ذلك يوم أُحُد. قال الشارح: أجابه ﷺ بالبتِّ؛ لأنه علم منه الإِخلاص في الجهاد، ومن قتل كذلك دخل الجنة. [١٣١٥] وعن أنس ﵁ قال: انْطَلَقَ رسولُ الله ﷺ وَأصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا المُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ المُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَقْدمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أكُونَ أنَا دُونَهُ» . فَدَنَا المُشْرِكُونَ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ» قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بن الحُمَامِ الأنْصَارِيُّ ﵁: يَا رسولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بَخٍ بَخٍ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَولِكَ بَخٍ بَخٍ؟» قَالَ: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهْلِهَا، قَالَ: «فَإنَّكَ مِنْ أهْلِهَا» . فَأخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا

стр. 724

حَييتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هذِهِ إنّهَا لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم. «القَرَن» بفتح القاف والراء: هُوَ جُعْبَةُ النشَّابِ. قوله: «لا يقدمنَّ أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» المراد: النهي عن الاستبداد في شيء دون أمره ﷺ . وفي الحديث: المسارعة إلى الشهادة. [١٣١٦] وعنه قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ أن ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُمْ: القُرّاءُ، فِيهِم خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالمَاءِ، فَيَضَعُونَهُ في المَسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَلِلفُقَرَاءِ، فَبَعَثَهُمُ النبي ﷺ فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أنْ يَبْلغُوا المَكَانَ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، وَأتَى رَجُلٌ حَراماً خَالَ أنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أنْفَذَه، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ إخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا وَإنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا» . متفقٌ عَلَيْهِِ، وهذا لفظ مسلم. قوله: «فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان» ، أي: مكان أبي براء ابن ملاعب الأسنَّة، عرض لهم عدو الله عامر بن الطفيل، واستصرخ عليهم بني عامر فأبَوا أن يجيبوه، وقالوا: لا نخفر أبا براء وقد عقد لهم جوازًا، فاستصرخ عليهم رعلاً، وذكوان، وعصية، فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم

стр. 725

في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم فقاتلوهم فقتلوهم في معرك الحرب. [١٣١٧] وعنه قَالَ: غَابَ عَمِّي أنسُ بنُ النَّضْرِ ﵁ عن قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ وانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءُ - يعني: أصْحَابَهُ - وَأبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هؤُلاءِ - يَعنِي: المُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعَدَ بنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إنِّي أجِدُ ريحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ! قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رسولَ اللهِ مَا صَنَعَ! قَالَ أنسٌ: فَوَجدْنَا بِهِ بِضعاً وَثَمَانِينَ ضَربَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً برُمح أَوْ رَمْيةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَمَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أحَدٌ إِلا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أنسٌ: كُنَّا نَرَى - أَوْ نَظُنُّ - أنَّ هذِهِ الآية نَزَلتْ فِيهِ وَفي أشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ المُؤمِنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ إِلَى آخرها [الأحزاب (٢٣) ] . متفقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ سبق في باب المجاهدة. قوله: «إني أجد ريحها من دون أُحُد» يحتمل أنه نشق ريح الجنة حقيقة، ويحتمل أنه استحضر الجنة فصور أنها في ذلك الموضع. والمعنى: أني لأعلم أن الجنة تكتب بالشهادة فأنا مشتاق لها. [١٣١٨] وعن سَمُرَة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجرةَ فَأدْخَلَانِي دَاراً هِيَ أحْسَنُ وَأَفضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أحْسَنَ مِنْهَا، قالا: أمَّا هذِهِ الدَّارُ فَدَارُ

стр. 726

الشُّهَدَاءِ» . رواه البخاري، وَهُوَ بعض من حديث طويل فِيهِ أنواع العلم سيأتي في باب تحريم الكذب إنْ شاء الله تَعَالَى. فيه: أن منزل الشهداء في الجنة أحسن المنازل. [١٣١٩] وعن أنس ﵁ أنَّ أمَّ الرُّبيعِ بنتَ البَرَاءِ وهي أُمُّ حَارِثة بن سُرَاقَةَ، أتَتِ النبي ﷺ فَقَالَتْ: يَا رسولَ اللهِ، ألا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ - وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ - فَإنْ كَانَ في الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ في البُكَاءِ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ إنَّهَا جِنَانٌ في الجَنَّةِ، وَإنَّ ابْنَكِ أصابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» . رواه البخاري. كان قولها قبل تحريم النوح؛ لأن تحريمه كان بعد غزوة أُحد. [١٣٢٠] وعن جابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النبي ﷺ وقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَذَهَبْتُ أكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَا زَالتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا» . متفقٌ عَلَيْهِِ. تظليل الملائكة تشريف له. وفي رواية للبخاري: «ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه» . [١٣٢١] وعن سهل بن حنيف ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ سَألَ اللهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» . رواه مسلم. [١٣٢٢] وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً أُعْطِيَهَا ولو لَمْ تُصِبْهُ» . رواه مسلم.

стр. 727

في هذين الحديثين: أن من نوى شيئًا من أعمال البر صادقًا من قلبه، أثيب عليه وإن لم يتفق له ذلك. [١٣٢٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ القَتْلِ إِلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . قوله: «من مسِّ القَرَصة» ، أي: قرصة نحو النملة من كل مؤلم ألمًا خفيفًا، سريع الانقضاء، لا يعقب علة ولا سقمًا. قال العاقولي: القرصُ: الأخذ بأطراف الأصابع. وأدخل عليها أداة الحصر. دفعًا لما يتوهم أنَّ ألمه أعظم من ألمها. [١٣٢٤] وعن عبد الله بن أَبي أوْفَى ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ في بَعْضِ أيَّامِهِ الَّتي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ في النَّاسِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُموهُمْ فَاصْبِروا؛ وَاعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» . ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ، أهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قوله: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية» . قال ابن بطال: حكمة النهي أنه لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن. قال الحافظ: وفي الحديث: استحباب الدعاء عند اللقاء، ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، ومراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة، والحث على سلوك الأدب.

стр. 728

[١٣٢٥] وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ، أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَعِنْدَ البَأسِ حِيْنَ يُلْحِمُ بَعْضُهُم بَعضَاً» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. قوله: «حين يلحم بعضهم بعضًا» ، أي: يتقاربون. وروي بالجيم، أي كأن كلاً يلجم صاحبه بالسلاح. [١٣٢٦] وعن أنس ﵁ قال: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ إِذَا غَزَا، قَالَ: «اللَّهُمَّ أنْتَ عَضْديِ وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . في هذا الحديث: الخروج من حول العبد وقوته، والاعتماد على الله . [١٣٢٧] وعن أَبي موسى ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَوماً، قَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهمْ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. فيه: التحصن بالله تعالى، والالتجاء إليه فيما ينزل بالإنسان. [١٣٢٨] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ... «الخَيْلُ مَعقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. سميت خيلاً لا ختيالها، وهو إعجابها بنفسها مرحًا. [١٣٢٩] وعن عروة البارِقِيِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «الخَيْلُ مَعقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: الأجْرُ، وَالمَغْنَمُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

стр. 729

وعند الطبراني من حديث جابر: «الخيل معقود في نواصيها الخير واليمن إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، قلدوها، ولا تقلدوها الأوتار» ، زاد أحمد: «فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة» . وعند البرقاني: «والإبل عزٌ لأهلها والغنم بركة» . قال عياض: في هذا الحديث مع وجيز لفظه، من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن، مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير. [١٣٣٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللهِ، إيمَانَاً بِاللهِ، وَتَصْدِيقَاً بِوَعْدِهِ، فَإنَّ شِبَعَهُ، وَرَيَّهُ ورَوْثَهُ، وَبَوْلَهُ في مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . رواه البخاري. في هذا الحديث: فضل النفقة على الخيل المحتبسة في سبيل الله. وفيه: أن النية يترتب عليها الأجر. [١٣٣١] وعن أَبي مسعود ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ بِنَاقةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هذِهِ في سَبيلِ اللهِ. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُ مئَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» . رواه مسلم. هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة ٢٦١] .

стр. 730

[١٣٣٢] وعن أَبي حمادٍ - ويقال: أَبُو سعاد، ويقال: أَبُو أسدٍ، ويقال: أَبُو عامِر، ويقال: أَبُو عمرو، ويقال: أَبُو الأسود، ويقال: أَبُو عبسٍ - عُقبة بن عامِر الجُهَنيِّ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، يقول: « ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] ، أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» . رواه مسلم. قوله: «ألا إن القوة الرمى» : أي: هو أعظم أنواعها نكاية في العدو، وأنفعها في الحرب. [١٣٣٣] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلا يَعْجِز أَحَدُكُمْ أنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» . رواه مسلم. فيه: الندب إلى الرمي والتمرن عليه. [١٣٣٤] وعنه: أنَّه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ عُلِّمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ فَقَدْ عَصَى» . رواه مسلم. هذا تشديد عظيم في نسيان الرمي بعد علمه. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من علم الرمي ونسيه فهي نعمة جحدها» .

стр. 731

[١٣٣٥] وعنه ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ اللهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِي بِهِ، ومُنْبِلَهُ. وَارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ تَرْكَبُوا. وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عُلِّمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا» أَوْ قَالَ: «كَفَرَهَا» . رواه أَبُو داود. في هذا الحديث: فضيلة الرمي، وأنه من اللهو المستحب. وآخر الحديث: «ليس من اللهو ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله» . أي: ليس ذلك من اللهو المكروه. [١٣٣٦] وعن سَلَمة بن الأكَوعِ ﵁ قال: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ: «ارْمُوا بَنِي إسماعِيلَ فَإنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِياً» رواه البخاري. فيه: الحث على الرمي، والاقتداء بالآباء في الأفعال المحمودة. [١٣٣٧] وعن عمرو بن عبسة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ رَمَى بِسَهمٍ في سَبيلِ الله فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرَّرَةٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . قوله: «عدل محررة» ، أي: مثل رقبة معتقة. [١٣٣٨] وعن أَبي يحيى خُرَيْم بن فاتِكٍ ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ أنْفَقَ نَفَقَةً في سَبيلِ اللهِ كُتِبَ لَهُ سَبْعُ مِئَةِ ضِعْفٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

стр. 732

وروى أحمد وغيره عن أبي عبيدة عن النبي ﷺ قال: «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبع مئة ضعف، ومن أنفق على نفسه أو على أهله، أو أعاد مريضًا، أو أماط أذى عن الطريق، فهي حسنة بعشر أمثالها، والصوم جُنَّة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حطةٌ» . [١٣٣٩] وعن أَبي سعيد ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْماً فِي سَبيلِ اللهِ إِلا بَاعَدَ اللهُ بِذلِكَ اليَوْمِ وَجهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرْيفاً» . متفقٌ عَلَيْهِِ. الخريف هنا: العام، والفضل المذكور محمول على من لم يضعفه الصوم عن الجهاد. [١٣٤٠] وعن أَبي أُمَامَة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْماً في سَبيلِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقاً كما بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . أخرج أحمد وغيره، عن العباس بن عبد المطلب، قال: (كنا عند النبي ﷺ فقال: «أتدرون كم بين السماء والأرض» ؟ قلنا: الله أعلم ورسوله، قال: «بينهما مسيرة خمس مئة سنة ... » .) الحديث. [١٣٤١] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بغَزْوٍ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» . رواه مسلم.

стр. 733

قال القرطبي: في الحديث: أن من لم يتمكن من عمل الخير ينبغي له العزم على فعله إذا تمكن منه، ليكون بدلاً عن فعله، فأما إذا خلا عنه ظاهرًا وباطنًا، فذلك شأن المنافق الذي لا يعمل الخير ولا ينويه، خصوصًا الجهاد الذي أعز الله به الإسلام، وأظهر به الدين. [١٣٤٢] وعن جابر ﵁ قال: كنا مَعَ النبيِّ ﷺ في غَزاةٍ فقال: «إنَّ بِالمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِياً إِلا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ المَرَضُ» . وفي رواية: «حَبَسَهُمُ العُذْرُ» . وفي رواية: «إِلا شَرَكُوكُمْ في الأجْرِ» . رواه البخاري من رواية أنس، ورواه مسلم من رواية جابر واللفظ لَهُ. قال العيني: فيه: أن من حبسه العذر عن أعمال البر مع نيته فيها يكتب له أجر العامل بها. [١٣٤٣] وعن أَبي موسى ﵁ أنَّ أعرابياً أتى النبيَّ ﷺ فَقال: يَا رسولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ ليُرَى مَكَانُهُ؟ وفي رواية: يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. وفي رواية: وَيُقَاتِلُ غَضَباً، فَمَنْ في سبيل الله؟ فقالَ رسولُ اللهِ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ في سَبيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. الحاصل: أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب. وكلٌّ منها يتناوله المدح والذم،

стр. 734

فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي. وفي الحديث: أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة. وفيه: ذم الحرص على الدنيا، وعلى القتال، لحض النفس في غير الطاعة. وفيه: أن الفضل الذي ورد في المجاهدين مختص بمن قاتل لإعلاء دين الله. قال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله، لم يضره ما انضاف إليه. [١٣٤٤] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ، إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورهُمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أجُورهُمْ» . رواه مسلم. معناه: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، كما قال بعض الصحابة: فمنا من سلم ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها. [١٣٤٥] وعن أَبي أُمَامَة ﵁ أنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسولَ اللهِ، ائْذَنْ لي في السِّيَاحَةِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ » . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ. السياحة: مفارقة الوطن والذهاب في الأرض. وقال ابن المبارك: عن ابن لهيعة: أخبرني عمارة بن غزية، أن السياحة ذكرت عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «أبدلنا الله بذلك، الجهاد في سبيل الله، والتكبير على كل شرف» .

стр. 735

وقال ابن عباس وغيره: السائحون، الصائمون. وقال عكرمة: السائحون هم طلبة العلم. قال ابن كثير: ومن أفضل الأعمال، الصيام وهو ترك الملاذ من ... الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة ها هنا، ولهذا قال: ... ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة (١١٢) ] ، كما وصف أزواج النبي ﷺ بذلك في قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم (٥) ] ، أي صائمات، وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة، ولهذا قال: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ﴾ [التوبة (١١٢) ] ، وهم مع ذلك ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه ... علمًا وعملاً، فقاموا عبادة الحق، ونصح الخلق، ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف (١٣) ] ، إلى أن قال: وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن، والزلازال في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم، يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» . [١٣٤٦] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: «قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ. «القَفْلَةُ» : الرُّجُوعُ، وَالمراد: الرُّجُوعُ مِنَ الغَزْوِ بَعدَ فَرَاغِهِ؛ ومعناه: أنه يُثَابُ في رُجُوعِهِ بعد فَرَاغِهِ مِنَ الغَزْوِ.

стр. 736

في هذا الحديث: أن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله بعد غزوه، كأجره في إقباله إلى الجهاد، كما يكتب أثر الماشي إلى المسجد، ورجوعه إلى أهله. [١٣٤٧] وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: لَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوك تَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَتَلَقّيتُهُ مَعَ الصِّبْيَانِ عَلَى ثَنيَّةِ الوَدَاعِ. رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح بهذا اللفظ. ورواه البخاري قَالَ: ذَهَبنا نَتَلَقَّى رسولَ اللهِ ﷺ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ. ثنية الوداع: موضع بقرب المدينة، سمّيت بذلك لأن المسافر كان يشيع إليها ويودع عندها. [١٣٤٨] وعن أَبي أُمَامَة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِياً، أَوْ يَخْلُفْ غَازياً في أهْلِهِ بِخَيرٍ، أصَابَهُ اللهُ بِقَارعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. فيه: الوعيد لمن لم يجاهد بنفسه أو ماله. [١٣٤٩] وعن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح. فيه: وجوب الجهاد بالمال، والنفس، واللسان، قال الله تعالى: ... ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة (٤١) ] .

стр. 737

[١٣٥٠] وعن أَبي عمرو - ويقالُ: أَبُو حكيمٍ - النُّعْمَانِ بن مُقَرِّن ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ رسول الله ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ من أوَّلِ النَّهَارِ أخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: أن أحسن أوقات القتال أول النهار وبعد زوال الشمس لبرد الوقت. قال ابن رَسْلَان: وحربه عند هبوب الرياح استبشار بما نصره الله من الرياح، وهذا مفهوم من قوله: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» . [١٣٥١] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قال ابن بطال: حكمة النهي، أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن. وقال الصدِّيق: لأن أعافى فأشكر، أحب إليَّ من أن أبتلى فأصبر. وكان عليٌّ يقول: لا تدعُ إلى المبارزة، فإذا دعيت فأجب تنصر، فإن الداعي باغٍ.

стр. 738

[١٣٥٢] وعنه وعن جابرٍ ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «الحَرْبُ خَدْعَةٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قوله: خدعة، بتثليث الخاء. وفي الحديث: جواز استعمال الحيلة في الحرب مهما أمكن. قال المهلب: الخِدَاع في الحرب جائز كيفما أمكن، إلا بالأيمان والعهود والصريح بالأمان، فلا يحل شيء من ذلك. قال بعض أهل السير: قال النبي ﷺ هذا الكلام يوم الأحزاب لنعيم بن مسعود. ٢٣٥- باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار [١٣٥٣] عن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. المطعون: وهو الذي مات بالطاعون. والمبطون: من مات بمرض البطن. والغريق: من مات بالغرق. وصاحب الهدم: من مات تحته. والشهيد في سبيل الله: المقاتل إيمانًا واحتسابًا.

стр. 739

[١٣٥٤] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ ... فِيكُمْ؟» قالوا: يَا رسولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: «إنَّ شهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَاً لَقَليلٌ» ! قالوا: فَمَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: ... «مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في البَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ» . رواه مسلم. قوله: «ومن مات في سبيل الله فهو شهيد» ، أي: مات بسبب غير القتال، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران (١٥٧) ] . [١٣٥٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم، أن للرجل أن يدفع (من أراد أن يأخذ ماله أو شيئًا منه ظلمًا) ، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. وعند النسائي: «من قتل دون ماله مظلومًا فله الجنة» . [١٣٥٦] وعن أَبي الأعْوَر سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل، أحَدِ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهُمْ بِالجَنَّةِ ﵃ قال: سَمِعْتُ رسول

стр. 740

الله ﷺ يقول: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قتِلَ دُونَ دِينهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . الحديث: دليل على جواز المقاتلة، لمن قصد أحد هؤلاء الخصال بغير حق. [١٣٥٧] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، أرَأيتَ إنْ جَاءَ رجلٌ يُرِيدُ أخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرَأيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» . رواه مسلم. الأمر بالمقاتله للإباحة، وجميع من ذكر من الشهداء يُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم، إلا شهيد المعركة، والله أعلم. ٢٣٦- باب فضل العتق قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد (١١: ١٣) ] . ﴿اقْتَحَمَ﴾ : دخل وتجاوز بشدة، جعل الأعمال الصالحة عقبة، وعملها اقتحامًا لها، لما فيه من مجاهدة النفس، أي: فلم يشكر الإنسان تلك النعم بأعمالها في الحسنات. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ، أي: لم تدر كُنْه صعوبتها وثوابها. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ : تفسير للعقبة، أي: تخليصها من الرق. ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة. ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ : وخص العتق والإطعام، لما فيهما من النفع المعتدي.
следующие страницы →