← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21543

تطريز رياض الصالحين

فيصل آل مبارك

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

في هذا الحديث: أن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله بعد غزوه، كأجره في إقباله إلى الجهاد، كما يكتب أثر الماشي إلى المسجد، ورجوعه إلى أهله. [١٣٤٧] وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: لَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوك تَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَتَلَقّيتُهُ مَعَ الصِّبْيَانِ عَلَى ثَنيَّةِ الوَدَاعِ. رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح بهذا اللفظ. ورواه البخاري قَالَ: ذَهَبنا نَتَلَقَّى رسولَ اللهِ ﷺ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ. ثنية الوداع: موضع بقرب المدينة، سمّيت بذلك لأن المسافر كان يشيع إليها ويودع عندها. [١٣٤٨] وعن أَبي أُمَامَة ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِياً، أَوْ يَخْلُفْ غَازياً في أهْلِهِ بِخَيرٍ، أصَابَهُ اللهُ بِقَارعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. فيه: الوعيد لمن لم يجاهد بنفسه أو ماله. [١٣٤٩] وعن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح. فيه: وجوب الجهاد بالمال، والنفس، واللسان، قال الله تعالى: ... ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة (٤١) ] .

стр. 737

[١٣٥٠] وعن أَبي عمرو - ويقالُ: أَبُو حكيمٍ - النُّعْمَانِ بن مُقَرِّن ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ رسول الله ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ من أوَّلِ النَّهَارِ أخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: أن أحسن أوقات القتال أول النهار وبعد زوال الشمس لبرد الوقت. قال ابن رَسْلَان: وحربه عند هبوب الرياح استبشار بما نصره الله من الرياح، وهذا مفهوم من قوله: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» . [١٣٥١] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قال ابن بطال: حكمة النهي، أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن. وقال الصدِّيق: لأن أعافى فأشكر، أحب إليَّ من أن أبتلى فأصبر. وكان عليٌّ يقول: لا تدعُ إلى المبارزة، فإذا دعيت فأجب تنصر، فإن الداعي باغٍ.

стр. 738

[١٣٥٢] وعنه وعن جابرٍ ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «الحَرْبُ خَدْعَةٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قوله: خدعة، بتثليث الخاء. وفي الحديث: جواز استعمال الحيلة في الحرب مهما أمكن. قال المهلب: الخِدَاع في الحرب جائز كيفما أمكن، إلا بالأيمان والعهود والصريح بالأمان، فلا يحل شيء من ذلك. قال بعض أهل السير: قال النبي ﷺ هذا الكلام يوم الأحزاب لنعيم بن مسعود. ٢٣٥- باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار [١٣٥٣] عن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. المطعون: وهو الذي مات بالطاعون. والمبطون: من مات بمرض البطن. والغريق: من مات بالغرق. وصاحب الهدم: من مات تحته. والشهيد في سبيل الله: المقاتل إيمانًا واحتسابًا.

стр. 739

[١٣٥٤] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَا تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ ... فِيكُمْ؟» قالوا: يَا رسولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: «إنَّ شهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَاً لَقَليلٌ» ! قالوا: فَمَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: ... «مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في البَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ» . رواه مسلم. قوله: «ومن مات في سبيل الله فهو شهيد» ، أي: مات بسبب غير القتال، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران (١٥٧) ] . [١٣٥٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم، أن للرجل أن يدفع (من أراد أن يأخذ ماله أو شيئًا منه ظلمًا) ، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. وعند النسائي: «من قتل دون ماله مظلومًا فله الجنة» . [١٣٥٦] وعن أَبي الأعْوَر سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل، أحَدِ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهُمْ بِالجَنَّةِ ﵃ قال: سَمِعْتُ رسول

стр. 740

الله ﷺ يقول: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قتِلَ دُونَ دِينهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . الحديث: دليل على جواز المقاتلة، لمن قصد أحد هؤلاء الخصال بغير حق. [١٣٥٧] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ اللهِ، أرَأيتَ إنْ جَاءَ رجلٌ يُرِيدُ أخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرَأيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» . رواه مسلم. الأمر بالمقاتله للإباحة، وجميع من ذكر من الشهداء يُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم، إلا شهيد المعركة، والله أعلم. ٢٣٦- باب فضل العتق قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد (١١: ١٣) ] . ﴿اقْتَحَمَ﴾ : دخل وتجاوز بشدة، جعل الأعمال الصالحة عقبة، وعملها اقتحامًا لها، لما فيه من مجاهدة النفس، أي: فلم يشكر الإنسان تلك النعم بأعمالها في الحسنات. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ، أي: لم تدر كُنْه صعوبتها وثوابها. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ : تفسير للعقبة، أي: تخليصها من الرق. ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، أي: مجاعة. ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ : وخص العتق والإطعام، لما فيهما من النفع المعتدي.

стр. 741

[١٣٥٨] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْها، عُضْواً مِنْهُ في النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ ... بِفَرْجِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. فيه: أنه ينبغي أن يكون العتيق كاملاً ليحصل الاستيعاب، وعتق الذكر أفضل، لحديث «أيما امرئ مسلم أعتق امرءًا مسلمًا كان فكاكه من النار، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاك من النار» ، رواه الترمذي. ولأبي داود: «أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار» . [١٣٥٩] وعن أَبي ذرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله، أيُّ الأعمَالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «الإيمَانُ بِاللهِ، وَالجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ» قَالَ: قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «أنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأكْثَرُهَا ثَمَناً» . متفقٌ عَلَيْهِِ. الحديث: دليل على أنَّ ما كثرت قيمته واغتبط به سيده فعتْقهُ أفضل من غيره، وقد قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران (٩٢) ] . ٢٣٧- باب فضل الإحسان إِلَى المملوك قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوَالِدَيْنِ إحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء (٣٦) ] .

стр. 742

يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له؛ لأنه الخالق الرازق، وأنْ لا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته، ويوصي بالإحسان إلى الوالدين والأقربين، واليتامى، والمساكين، والجيران، والضيوف، والأرقاء؛ لأنَّ الرقيق ضعيف الحليلة أسير في أيدي الناس. وعن أبي رجاء الهروي قال: لا تجد سيِّء الملكة إلا وجدته مختالاً فخورًا، وتلا: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ [النساء (٣٦) ] ، ولا عاقَّا إلا وجدته جبَّارًا شقيَّا، وتلا: ... ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ [مريم (٣٢) ] . [١٣٦٠] وعنِ المَعْرُورِ بن سُوَيْدٍ قَالَ: رَأيْتُ أَبَا ذَرٍ ﵁، وَعَلَيهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهَا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أنَّهُ سَابَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِليَّةٌ هُمْ إخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أيديكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قوله: «فعيّره بأمه» ، قال له: يا ابن السوداء. قوله: «فيك جاهلية» ، أي: خلق من أخلاق الجاهلية، وهي ما قبل الإسلام، سُمّوا به لكثرة جهالاتهم. قوله: «هم إخوانكم وخولكم» ، أي: لأنتم وهم أولاد آدم. وخولكم، أي: خدمكم. وفي الحديث: الندب إلى مساواة المماليك في الطعام واللباس، وإنْ كان الاستئثار جائزًا إذا لم ينقصهم عن عادة البلد. [١٣٦١] وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى أحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ

стр. 743

أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ؛ فَإنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ» . رواه البخاري. «الأُكْلَةُ» بضم الهمزة: هِيَ اللُّقْمَةُ. فيه: الأمر بالتواضع، وعدم الترفع على المسلم، ويلتحق بالرفيق من في معناه من أجير وغيره. ٢٣٨- باب فضل المملوك الَّذِي يؤدي حق الله تعالى وحق مواليه [١٣٦٢] عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إنَّ العَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. [١٣٦٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ المُصْلِحِ أجْرَانِ» ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَوْلا الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ وَالحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَبْتُ أنْ أَمُوتَ وَأنَا مَمْلُوكٌ. متفقٌ عَلَيْهِ. قال الحافظ: وإنما استثنى أبو هريرة هذه الأشياء؛ لأن الجهاد والحج يشترط فيهما إذن السيد، وكذلك بر الأم فقد يحتاج فيه إلى إذن السيد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات البدنية. [١٣٦٤] وعن أَبي موسى الأشعري ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «المَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وَالنَّصِيحَةِ، وَالطَّاعَةِ، لهُ أجْرَانِ» . رواه البخاري.

стр. 744

[١٣٦٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثَةٌ لَهُمْ أجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أدَّى حَقَّ الله، وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَأدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا؛ فَلَهُ أَجْرَانِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. في هذا الحديث: فضل هؤلاء الثلاثة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ... ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص (٥٢، ٥٤) ] . ٢٣٩- باب فضل العبادة في الهرج وَهُوَ: الاختلاط والفتن ونحوها [١٣٦٦] عن مَعْقِلِ بن يسار ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «العِبَادَةُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إليَّ» . رواه مسلم. قال النووي: سبب كثرة فضل العبادة في الهرج، أنَّ الناس يغفلون ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد. قال القرطبي: المتمسك في ذلك الوقت، والمنقطع إليها، المنعزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبيِّ ﷺ ؛ لأنه ناسبه من حيث أن المهاجر فرَّ بدينه ممن يصده عنه للاعتصام بالنبيِّ ﷺ وكذا هذا المنقطع للعبادة فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو في الحقيقة قد هاجر إلى ربه، وفرّض من جميع خلقه.

стр. 745

٢٤٠- باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان والنهي عن التطفيف وفضل إنظار الموسِر المُعْسِرَ والوضع عَنْهُ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة (٢١٥) ] . أي فيجزيكم عليه قليلاً كان أو كثيرًا. وقال تَعَالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُم﴾ [هود (٨٥) ] . يقول تعالى حكايةً لمَّا قال شعيب لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ ، أي: الكيل والوزن (بِالْقِسْطِ) بالعدل والسوية. ﴿وَلا تَبْخَسُوا﴾ تنقصوا النَّاسَ أَشْيَاءهُم، تعميم بعد تخصيص، وقيل: كانوا مكاسين. وقال تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين (١: ٦) ] . قال الزَّجَّاج: إنما قيل ينقص المكيال والميزان: مطفف؛ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. قال نافع: كان ابن عمر يمرُّ بالبائع فيقول: اتَّقِ الله، أوفِ الكيل والوزن، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة، حتى إنّض العرق ليلجمهم إلى أنصاف إذانهم. [١٣٦٧] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ فَأغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : «دَعُوهُ، فَإنَّ

стр. 746

لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالاً» ثُمَّ قَالَ: «أعْطُوهُ سِنّاً مِثْلَ سِنِّهِ» . قالوا: يَا رسولَ اللهِ، لا نَجِدُ إِلا أمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: «أعْطُوهُ، فإنَّ خَيْرَكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً» . متفقٌ عَلَيْهِِ. قوله: «فإن لصاحب الحق مقالاً» ، أي: صولة الطلب، وقوة الحجة. وفي الحديث: جواز المطالبة بالدَّين إذا حل أجله. وفيه: حسن خلق النبي ﷺ وعظم حلمه، وتواضعه، وإنصافه، وأنّ مَنْ عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق. وفيه: جواز استقراض الحيوان والسلم فيه. وفيه: جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد. [١٣٦٨] وعن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحاً إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» . رواه البخاري. قال البخاري: باب السهولة والسماحة في البيع، ومن طلب حقَّا فليطلبه في عفاف. وذكر الحديث. قوله: «فليطلبه في عفاف» ، أي: عما لا يحل من قولٍ أو فعل، أشار بهذا إلى ما أخرجه الترمذي وغيره، عن ابن عمر، وعائشة، مرفوعًا: ... «من طلب حقَّا فليطلبه في عفافٍ، وافٍ أو غير وافٍ» . وفي الحديث: الحضُّ على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم.

стр. 747

[١٣٦٩] وعن أَبي قتادة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يُنَجِّيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» . رواه مسلم. هذا مقتبس من مشكاة قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة (٢٨٠) ] . [١٣٧٠] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» . متفقٌ عَلَيْهِِ. يدخل في التجاوز: الإنظار، والوضيعة، وحسن التقاضي. [١٣٧١] وعن أَبي مسعود البدريِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : ... «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ شَيْءٌ، إِلا أنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِراً، وَكَانَ يَأمُرُ غِلْمَانَهُ أنْ يَتَجَاوَزُوا عَن المُعْسِر. قَالَ اللهُ : نَحْنُ أَحَقُّ بذلِكَ مِنْهُ؛ تَجَاوَزُوا عَنْهُ» . رواه مسلم. [١٣٧٢] وعن حذيفة ﵁ قَالَ: أُتَي اللهُ تَعَالَى بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ في الدُّنْيَا؟ قَالَ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ ... حَدِيثاً﴾ قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ

стр. 748

المُعْسِرَ. فَقَالَ الله تَعَالَى: «أنَا أَحَقُّ بِذا مِنْكَ تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» فَقَالَ عُقْبَةُ بن عامِر، وأبو مسعودٍ الأنصاريُّ ﵄: هكَذا سَمِعْنَاهُ مِنْ فيِّ رسولِ الله ﷺ . رواه مسلم. قال البخاري: باب من أنظر موسرًا. وذكر حديث حذيفة، قال: قال النبي ﷺ : «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، قالوا: أعَمِلْتَ من الخير شيئًا؟ قال: كنت آمر فِتْياني أنْ يُنْظِرُوا المعسر ويتجاوزوا عن الموسر» . وقال أبو مالك عن ربعي: كنت أيسر على الموسر، وانظر المعسر. وقال أبو عوانة عن عبد الملك عن ربعي: أُنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر. وقال ابن أبي هند عن ربعي: فأقبل من الموسر، وأتجاوز عن المعسر. [١٣٧٣] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أظَلَّهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: عظم ثواب من أخّر مطالبة المعسر، أو وضع دَيْنِه. [١٣٧٤] وعن جابر ﵁ أنَّ النبي ﷺ اشْتَرَى مِنْهُ بَعِيراً، فَوَزَنَ لَهُ فَأرْجَحَ. متفقٌ عَلَيْهِ. فيه: استحباب الرجحان في الوزن. [١٣٧٥] وعن أَبي صَفْوَان سُويْدِ بنِ قيسٍ ﵁ قَالَ: جَلَبْتُ أنَا وَمَخْرَمَةُ العَبْدِيُّ بَزّاً مِنْ هَجَرَ، فَجَاءنا النبي ﷺ فَسَاوَمَنَا

стр. 749

بسَرَاوِيلَ، وَعِنْدِي وَزَّانٌ يَزِنُ بِالأجْرِ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لِلْوَزَّانِ: «زِنْ وَأرْجِحْ» . رواه أَبُو داود، والترمذي وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . هَجَر: بفتحتين بلد معروف، وهو قصبة البحرين. وفي المثل: كمبضع تمرٍ إلى هَجَر. ***

стр. 750

كتَابُ العِلم ٢٤١- باب فضل العلم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً﴾ [طه (١١٤) ] . هذا من أعظم أدلة شرف العلم، وعظمه، إذ لم يؤمر ﷺ أنْ يسأل ربه الزيادة إلا منه. وروى الترمذي وغيره، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علمًا ينفعني، وزدني علمًا، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» . وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر (٩) ] . هذا استفهام إنكار في معنى النفي، أي: لا استواء بينهم. وقال تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ... دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة (١١) ] . أي: ويرفع الله العلماء من المؤمنين درجات بما جمعوا من العلم والعمل. وقال تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر (٢٨) ] . وقال ابن عباس: يريد إنما يخافني مِنْ خلقي، مَنْ عَلِمَ جبروتي، وعزَّتي، وسلطاني. وقال ابن مسعود: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية.

стр. 751

وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه. ثم تلا: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إن الله عزيز غفور﴾ [فاطر (٢٨) ] . [١٣٧٦] وعن معاوية ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» . متفقٌ عَلَيْهِ. في هذا الحديث: بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقَّه في الدين على سائر العلم. قال الحافظ: ومفهوم الحديث: أنَّ من لم يتفقّه في الدين، أي: يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرِمَ الخير. [١٣٧٧] وعن ابن مسعود ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا حَسَدَ إِلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ. والمراد بالحسدِ: الغِبْطَةُ، وَهُوَ أنْ يَتَمَنَّى مِثله. قال البخاري: باب الاغتباط في العلم والحكمة. وقال عمر: «تفقُّهوا قبل أنْ تسودوا» . وذكر الحديث. والحسد المذكور في الحديث: هو الغبطة، وليس من الحسد المذموم الذي هو تمنّي زوال النعمة عن المنعم عليه، والمراد بالحكمة هنا: القرآن. وقيل: كل ما منع من الجهل، وزجر عن القبيح.

стр. 752

[١٣٧٨] وعن أَبي موسى ﵁ قال: قَالَ النبيُّ ﷺ : «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصَابَ أرْضاً؛ فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبةٌ قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ، وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أجَادِبُ أمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ؛ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كلأً، فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأسَاً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ. قال البخاري: باب فضل من علم وعلَّمَ. وذكر الحديث. قوله: «أجادب» ، هي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء وجمع ﷺ في المثل بين الطائفتين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها. [١٣٧٩] وعن سهل بن سعد ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» . متفقٌ عَلَيْهِ. فيه: فضل نشر العلم والدعوة إلى الإسلام. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف (١٠٨) ] . [١٣٨٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلا

стр. 753

حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . رواه البخاري. في هذا الحديث: الحضُّ على تعليم القرآن. قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ ... [الأنعام (١٩) ] ، وتحريم الكذب على رسول الله ﷺ والوعيد على ذلك بالنار، وهو من الكبائر. قوله: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» . قال الحافظ: أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية، خشية الفتنة. ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك؛ لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار. [١٣٨١] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ» . رواه مسلم. في هذا الحديث: فضل طلب العلم الديني، وأنّ الله تعالى يوفّق طالبه لسلوك طريق الجنة. [١٣٨٢] وعنه أَيضاً ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً» . رواه مسلم. فيه: فضل الدعوة إلى الهدى، ولو بإبانته وإظهاره، قليلاً كان أو كثيرًا، وأن الداعي له مثل أجر العامل، وذلك من عظيم فضل الله وكمال كرمه. [١٣٨٣] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ

стр. 754

عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . رواه مسلم. الحديث: دليل على أنه ينقطع أجر كل عمل بعد الموت، إلا هذه الثلاث فإنه يجري ثوابها بعد الموت لدوام نفعها. الأولى: الصدقة الجارية، كالوقف ونحوه. الثانية: علم ينتفع به كالتعليم والتصنيف. الثالثة: دعاء الولد الصالح. [١٤٨٤] وعنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلا ذِكْرَ الله تَعَالَى، وَمَا وَالاهُ، وَعَالِماً، أَوْ مُتَعَلِّماً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . قَوْله: «وَمَا وَالَاهُ» : أيْ طَاعة الله. الملعون من الدنيا، ما ألهى عن طاعة الله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون (٩) ] . [١٣٨٥] وعن أنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ العِلْمِ كَانَ في سَبيلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . وجه مشابهة طلب العلم بالجهاد في سبيل الله، أنه إحياء للدين، وإذلال للشيطان وإتْعابٌ للنفس، وكسر للهوى واللذة.

стр. 755

قال البخاري: باب الخروج في طلب العلم، ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهرٍ إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. وذكر حديث ابن عباس في سفر موسى ﵇ إلى الخضر. وفيه: ما كان عليه الصحابة من الحرص على تحصيل السنن النبوية. قيل لأحمد: رجل يطلب العلم، يلزم رجلاً عنده علم كثير، أو يرحل؟ قال: يرحل يكتب عن علماء الأمصار، فيشام الناس ويتعلّم منهم. [١٣٨٦] وعن أَبي سعيدٍ الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: «لَنْ يَشْبَعَ مُؤْمِنٌ مِنْ خَيْرٍ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي وقال: ... (حديث حسن) . قوله: «لن يشبع المؤمن من خير» ، أي: من كل مُقَرَّبٍ إلى الله تعالى، وأشرفها العلم الديني. وفي بعض الآثار: «اثنان لا يشبعان ولا يستويان: طالب علم، وطالب دنيا» [١٣٨٧] وعن أَبي أُمَامَة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أدْنَاكُمْ» . ثُمَّ قَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأهْلَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

стр. 756

فيه: عِظَمُ شرف العلماء الذين تعلموا العلم، وقاموا بحقه من عمل، أو نفع، أو هداية، أو غير ذلك من حقوق العلم النافع، وأنهم بمنزلة الأنبياء. [١٣٨٨] وعن أَبي الدرداء ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقاً إِلَى الجَنَّةِ، وَإنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِمَا يَصْنَعُ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحيتَانُ في المَاءِ، وَفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي. قوله: «وإن العلماء ورثة الأنبياء» ، أي: في العلم، والعمل، والكمال، ولا يتم ذلك إلا لمن صفى علمه، وعمله، فسَلِمَ من الإخلاد إلى الشهوات الخافضة. قال الحسن: من طلب العلم يريد ما عند الله، كان خيرًا له مما طلعت عليه الشمس. وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. [١٣٨٩] وعن ابن مسعودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئاً، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . قوله: «نضر الله امرءًا» ، أي: نعَّمه. والنضارة في الأصل: حسن الوجه والبريق. وإنما أراد حسن خلقه وقدره. قاله في النهاية. قال بعضهم: إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة. أشار به إلى إجابة الدعوة لهم.

стр. 757

وفيه: فضيلة للضابط الحافظ ألفاظ السنَّة. وروى الشافعي وغيره: (نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، فَرُبَّ حاملِ فقهٍ غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) . [١٣٩٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . فيه: عِظَم وعيدِ من كتم العلم الشرعي لغرض دنيوي. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة (١٧٤) ] . [١٣٩١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . يَعْنِي: رِيحَهَا. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. فيه: وعيد شديد لمن تعلّم علوم الدين، ولا يقصد بذلك إلا الدنيا. قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود (١٥، ١٦) ] . [١٣٩٢] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄،

стр. 758

قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزعهُ مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأفْتوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأضَلُّوا» . متفقٌ عَلَيْهِ. قال البخاري: باب كيف يُقْبَض العلم. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا تَقْبَلْ إلا حَدِيثَ رسول الله ﷺ ولتفشوا العلم، ولِتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا. وذكر الحديث. قال الحافظ: وفيه: الحث على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة. وفيه: أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم، وقال البخاري أيضًا: باب رفع العلم وظهور الجهل. وقال ربيعة: لا ينبغي لأحدٍ عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، وذكر حديث أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أشراط الساعة أنْ يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» . قال الحافظ: ومراد ربيعة: أنَّ من كان فيه فهم وقابلية للعلم، لا ينبغي له أنْ يهمل نفسه فيترك الاشتغال به، لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم. أو مراده: الحثّ على نشر العلم في أهله، لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم. أو مراده: أن يشهر العالم نفسه، ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه. وقيل: مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأنْ يجعله عرضًا للدنيا. وهذا معنى حسن، لكن اللائق بتبويب المصنف، ما تقدم، انتهى. والله أعلم.

стр. 759

كتَاب حَمد الله تَعَالَى وَشكره ٢٤٢- باب فضل الحمد والشكر الحمد أعم من الشكر، وقيل: الحمد باللسان قولاً، وبالأركان فعلاً. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ... [البقرة (١٥٢) ] . قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمعونتي. وعن زيد بن أسلم: أن موسى ﵇ قال: يَا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني. وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ، قال: ذكر الله إيَّاكم أكبر من ذكركم إياه. وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: «من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خيرٍ منهم» . وقال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم (٧) ] . أي: لئن شكرتم نعمتي، وأَطَعتموني لأزيدنكم في النعمة.

стр. 760

وقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ﴾ [الإسراء (١١١) ] . وقال ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [يونس (١٠) ] . عن كثير من السلف: أن أهل الجنة كلما اشتهوا شيئًا قالوا: سبحانك اللَّهُمَّ، فيأتيهم الملك بما يشتهون، ويسلِّم عليهم، فيردُّون عليه. وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس (١٠) ] ، فإذا أكلوا، وحمدوا الله. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام (١) ] . وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر (٧٥) ] . قال ابن عباس: افتتح الله الخلق بالحمد، وختمه بالحمد. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص (٧٠) ] . [١٣٩٣] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ. فَقَالَ جِبريل: الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلفِطْرَةِ لَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. رواه مسلم. قال النووي: فسروا الفطرة هنا، بالإسلام والاستقامة، ومعناه والله أعلم: اخترت علامة للإسلام والاستقامة، وجعل اللَّبَن علامة ذلك، لكونه سهلاً طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين، سليم العاقبة. والخمر أم الخبائث، جالبة لأنواع من الشر، حالاً ومآلاً.

стр. 761

[١٣٩٤] وعنه: عن رسول الله ﷺ قَالَ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدأُ فِيهِ بِالحَمْدُ للهِ فَهُوَ أقْطَعُ» . حديث حسن، رواه أَبُو داود وغيره. قوله: «كل أمر ذي بال» ، أي: ذي شأن يُهتم به شرعًا. «لا يبدأ فيه بالحمد لله فهوأقطع» ، أي: ناقص البركة. [١٣٩٥] وعن أَبي موسى الأشعري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدي؟ فَيقولون: نَعَمْ، فيقول: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ؟ فيقولون: نَعَمْ، فيقول: ماذا قَالَ عَبْدِي؟ فَيقولون: حَمدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فيقُولُ اللهُ تَعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدي بَيتاً في الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . الولد هنا شامل للبالغ، وغيره، والذكر، والأنثى. وسمي ثمرةً لكونه بمنزلة خلاصة الخلاصة. وفيه: كمال فضل الصبر على فقد الصفيّ. كما في حديث الآخر: ... «ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيّه من الدنيا فاحْتَسَبَ إلا الجنة» . [١٣٩٦] وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «إنَّ الله لَيرْضَى عَنِ العَبْدِ يَأكُلُ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَة، فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» . رواه مسلم. في هذا الحديث: بيان فضل الحمد عند الطعام والشراب، وهذا من كرم الله تعالى، فإنه الذي تفضَّل عليك بالرزق، ورضي عنك بالحمد.

стр. 762

كتاب الصَّلاة عَلَى رَسُول الله ﷺ - ٢٤٣- باب فضل الصلاة عَلَى رسول الله ﷺ - قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب (٥٦) ] . أمر الله كل مؤمن بالصلاة والسلام على النبي ﷺ ووطأ قبله بالإخبار عنه تعالى، وعن ملائكته الكرام، بأنهم دائمون على ذلك. قال أبو العالية: صلاة الله تعالى: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون: يبركون. وروي عن سفيان الثوري، وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة. وصلاة الملائكة: الاستغفار. قال ابن كثير: والمقصود من هذه الآية، أنَّ الله أخبر عبادة بمنزلة عبده ونبيّه في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأنَّ الملائكة تصلّي عليه. ثم أمر تعالى أهل العالم السُّفْلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العَالَمِيْن: العلوي والسفلي جميعًا.

стр. 763

[١٣٩٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً» . رواه مسلم. الحديث: رواه أحمد أيضًا عن أبي موسى بلفظ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً واحدةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات» . [١٣٩٨] وعن ابن مسعود ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَومَ القِيَامَةِ أكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . قوله: «أولى الناس بي» ، أي: أخص أمتي بي، وأقربهم مني، وأحقهم بشفاعتي يوم القيامة، أكثرهم علَّي صلاة. [١٣٩٩] وعن أوس بن أوس ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ، فَأكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» . فَقَالُوا: يَا رسول الله، وَكَيفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟! قَالَ: يقولُ بَلِيتَ. قَالَ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح. في هذا الحديث: استحباب كثرة الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة. [١٤٠٠] وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «

стр. 764

رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . فيه: استحباب الصلاة عليه ﷺ إذا ذكر، وذم من لم يصلِّ عليه إذا ذُكِرَ عنده. [١٤٠١] وعنه ﵁: قال: قَالَ رسول الله ﷺ : «لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح. أول الحديث: «لا تجعلوا بيتوكم قبورًا» ، أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها، فتكونَ بمنزلة القبور، فأمر بتحرِّي العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم من هذه الأمة. قوله: «ولا تجعلوا قبري عيدًا» . العيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان. قوله: «وصلوا عَلَيَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» . يشير بذلك إلى أنَّ ما ينالني منكم من الصلاة والسلام، يحصل مع قربكم من قبري، وبعدكم فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيدًا. [١٤٠٢] وعنه: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» . رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح. عن سهيل بن أبي صالح، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عند القبر، فناداني – وهو في بيت فاطمة ﵂ يتعشَّى – فقال: هَلُمَّ إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد

стр. 765

فسلم. ثم قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا» ، «ولا تتخذوا بيتوكم مقابر» ، «وصلوا عَلَيَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم» ، «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، ما أنتم ومَنْ بالأندلس إلا سواء. رواه سعيد بن منصور. [١٤٠٣] وعن عليّ ﵁ قال: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . قوله: «البخيل» ، أي: كامل البخل. وفي رواية: «البخيل كل البخل من ذُكِرْت عنده فلم يصل عَلَيَّ» . [١٤٠٤] وعن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ ﵁ قال: سَمِعَ رسول الله ﷺ رَجُلاً يَدْعُو في صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ الله تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النبي ﷺ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ - أَوْ لِغَيْرِهِ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النبي ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) . فيه: استحباب بدء الدعاء بالحمد لله، والصلاة على نبيه ﷺ . [١٤٠٥] وعن أَبي محمدٍ كعبِ بن عُجْرَة ﵁ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا النبي ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ،

стр. 766

فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجْيدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ. قوله: (قد علمنا كيف نسلم عليك) ، أي: بما علمهم في التشهد من قولهم: السَّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. [١٤٠٦] وعن أَبي مسعودٍ البدري ﵁ قال: أتَانَا رسول الله ﷺ وَنَحنُ في مَجْلِسِ سَعدِ بن عُبَادَةَ ﵁، فَقَالَ لَهُ بَشْيرُ بْنُ سَعدٍ: أمَرَنَا الله تَعَالَى أنْ نُصَلِّي عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رسول الله ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ» . رواه مسلم. قوله: «كما صليت على إبراهيم» . «وكما باركت على إبراهيم» . وقع للبخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء في ترجمة إبراهيم ﵇، من حديث كعب بن عجرة بلفظ: «كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم» . وكذا قوله: «كما باركت» ... . [١٤٠٧] وعن أَبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قال: قالوا: يَا رسولَ الله كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى

стр. 767

مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجِيدٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ. قوله: «وعلى أزواجه» . زوجاته ﷺ : إحدى عشرة، توفي منهن اثنتان على عهده، ومات عن تسع. «وذريته» ، أي: جميع أولاده، وبناته، وذريتهن.

стр. 768

كتاب الأذْكَار ٢٤٤- باب فَضلِ الذِّكْرِ وَالحَثِّ عليه قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلذِكْرُ الله أكْبَرُ﴾ [العنكبوت (٤٥) ] . أي: ذكر الله أفضل الطاعات. وقال ابن عباس: يقول ولذكر الله أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه. وقال تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة (١٥٢) ] . قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمعونتي. وفي الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» . وقال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ [الأعراف (٢٠٥) ] . قال مجاهد: أَمَرَ أن يذكروه في الصدور، وبالتضرع إليه في الدعاء، والاستكانة، دون رفع الصوت، والصياح بالدعاء. وقال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرَاً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال (٤٥) ] . قال قتادة: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون عند الضرب بالسيوف. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ... ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب (٣٥) ] .

стр. 769

يخبر الله تعالى أنه هيَّأ لهؤلاء المذكورين مغفرة منه لذنوبهم، وثوابًا عظيمًا، وهو الجنة. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب (٤١، ٤٢) ] . أشار بذلك للآيات بعد الرغبة في الذكر لما اشتملت عليه من صلاة الله وملائكته على الذاكرين، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ [الأحزاب (٤٣، ٤٤) ] . وَالآيَاتُ فِي البَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. أي: وكثرتها تمنع من استيعابها، دفعًا للتطويل، وفيما ذكر كفاية لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد. [١٤٠٨] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العظيمِ» . متفقٌ عَلَيْهِ. في هذا الحديث: بيان سعة رحمة الله بعباده، حيث يجزي على العمل القليل بالثواب الجزيل. [١٤٠٩] وعنه ﵁: قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلا إلهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أكْبَرُ، أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» . رواه مسلم. قوله: «سبحان الله» . التسبيح: التنزيه لله عما لا يليق به. والحمد: الثناء عليه بنعوت الكمال. ولا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله. والتكبير: التعظيم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر (٦٧) ] .

стр. 770

[١٤١٠] وعنه: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ؛ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، في يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِي، وَلَمْ يَأتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ» . وقال: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، في يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» . متفقٌ عَلَيْهِ. في هذا الحديث: بيان فضل الذكر، وسعة رحمة الله تعالى ومغفرته. [١٤١١] وعن أَبي أيوب الأنصاريِّ ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لا إلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ. كَانَ كَمَنْ أعْتَقَ أرْبَعَةَ أنْفُسٍ منْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» . متفقٌ عَلَيْهِ. في الحديث: دليل على أن الكافر الأصلي من ولد إسماعيل يرق كالكافر الأصلي من غيرهم، وخص ولد إسماعيل ﵇ لشرفهم. [١٤١٢] وعن أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ : «ألا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلَامِ إِلَى اللهِ؟ إنَّ أَحَبَّ الكَلَامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» . رواه مسلم. الواو: واو الحال، أي: أسبحه متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي،

стр. 771

فكانت سبحان الله وبحمده أحب الكلام إلى الله، لاشتمالها على التقديس والتنزيه، والثناء بأنواع الجميل. [١٤١٣] وعن أَبي مالك الأشعري ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : ... «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، وَالحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ» . رواه مسلم. قوله: «الطُّهور شطر الإيمان» ، أي: نصفه؛ لأن خصال الإيمان قسمان: ظاهرة، وباطنة، فالطهور من الخصال الظاهرة، والتوحيد من الخصال الباطنة، ولهذا قال ﷺ : «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» . قوله: «والحمد لله تملأ الميزان» ، أي: عِظَم أجرها يملأ ميزان الحامد لله تعالى. قوله: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض» ، أي: لو كان جسمين لملآ ما ذكر، ففيه عظم فضلهما وعلوِّ مقامهما. [١٤١٤] وعن سعد بن أَبي وقاصٍ ﵁ قال: جَاءَ أعْرَابيٌّ إِلَى رسول الله ﷺ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَاماً أقُولُهُ. قَالَ: «قُلْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، اللهُ أكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ للهِ كَثيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالِمينَ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ» قَالَ: فهؤُلاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» . رواه مسلم.

стр. 772

الذكر ثناء ودعاء، كما في سورة الفاتحة؛ ولهذا قال الأعرابي للجمل الأولى: فهؤلاء لربي فما لي؟ أي: فأي شيء أدعو به مما يعود لي بنفعٍ ديني أو دنيوي، فأمره أن يطلب من الله المغفرة، والرحمة، والهداية، والرزق. [١٤١٥] وعن ثَوبانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثَاً، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإكْرَامِ» قِيلَ لِلأوْزَاعِيِّ - وَهُوَ أحَدُ رواة الحديث -: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تقول: أسْتَغْفِرُ الله، أسْتَغْفِرُ الله. رواه مسلم. في هذا الحديث: مشروعية الاستغفار بعد الصلاة. وفيه: إيماء إلى أنه ينبغي عدم النظر لما يأتي به العبد من الطاعة، فذلك مزيد للقول، والتكرار للمبالغة في رؤية النقص فيما جاء به من العبادة. [١٤١٦] وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» . متفقٌ عَلَيْهِ. الجدُّ: الحظ والغنى، أي: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه، إنما ينفعه عنايتك به، وما قدمه من صالح العمل. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء (٨٨، ٨٩) ] . [١٤١٧] وعن عبدِ الله بن الزُّبَيْرِ رضي الله تَعَالَى عنهما أنَّه كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، حِيْنَ يُسَلِّمُ: «لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ

стр. 773

المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، لا إلهَ إِلا اللهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلا إيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لا إلهَ إِلا اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ» . قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَكَانَ رسول الله ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ. رواه مسلم. في هذا الحديث: مشروعية التهليل خلف الصلاة المكتوبة. [١٤١٨] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ فُقَراءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رسول الله ﷺ فقالوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أمْوَالٍ، يَحُجُّونَ، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ. فَقَالَ: «ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُون أَحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا منْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قالوا: بَلَى يَا رسول الله، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ» . قَالَ أَبُو صالح الراوي عن أَبي هريرة، لَمَّا سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِنَّ قَالَ: يقول: سُبْحَان اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ واللهُ أكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنهُنَّ كُلُّهُنَّ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ. متفقٌ عَلَيْهِ. وزاد مسلمٌ في روايته: فَرَجَعَ فُقَراءُ المُهَاجِرينَ إِلَى رسول الله ﷺ فقالوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أهْلُ الأمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ؟ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : «ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» . «الدُّثُورُ» جمع دَثْر - بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة - وَهُوَ: المال الكثير.

стр. 774

في هذا الحديث: فضيلة الذكر. وفيه: أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف. وفيه: التوسعة في الغبطة، والفرق بينها وبين الحسد المذموم. وفيه: المسابقة إلى الأعمال المحصِّلة للدرجات العالية، لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم. وفيه: أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق. وفيه: أن العمل القاصر قد يساوي المتعدي. [١٤١٩] وعنه عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ الله في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ، وحَمِدَ اللهَ ثَلاثاً وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلاثاً وَثَلَاثِينَ، وقال تَمَامَ المِئَةِ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» . رواه مسلم. الحديث: دليل على استحباب هذا الذكر عقب الصلوات المكتوبة. [١٤٢٠] وعن كعب بن عُجْرَةَ ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مُعَقِّباتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلاثٌ وَثَلاثونَ تَسْبِيحَةً. وَثَلاثٌ وثَلَاثونَ تَحْمِيدَةً، وَأرْبَعٌ وَثَلَاثونَ تَكْبِيرَةً» . رواه مسلم. سميت معقبات؛ لأنها تفعل مرة بعد مرة. [١٤٢١] وعن سعد بن أَبي وقاص ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ دُبُرَ الصَّلَواتِ بِهؤُلاءِ الكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعوذُ بِكَ

стр. 775

مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» . رواه البخاري. الجُبْن: ضعف القلب، وهو ضد الشجاعة، والبخل: ضد السخاء. وأرذل العمر: الهرم. وعن عليّ ﵁، أنه خمس وسبعون سنة، ففيه ضعف القوى، وسوء الحفظ، وقلة العلم. وفتنة الدنيا: الابتلاء بالغنى، أو الفقر المشغل عن طاعة الله تعالى. وفتنة القبر: سؤال منكر ونكير، فيثبت الله المؤمن، ويضل المنافق. قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم (٢٧) ] . [١٤٢٢] وعن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ» فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاة تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح. في هذا الحديث: شرف لمعاذ ﵁، وفي الدعاء بهذه الألفاظ القليلة مطالب الدنيا والآخرة. [١٤٢٣] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ، يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» . رواه مسلم. في هذا الحديث: مشروعية الاستعاذة بالله من هذه الأربع لعظم الأمر فيها وشدة البلاء في وقوعها.
следующие страницы →