Полный текст (1 091 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
جبريلُ ﵇، في سَاعَةٍ أنْ يَأتِيَهُ، فَجَاءتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأتِهِ! قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصاً، فَطَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «ما يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلا رُسُلُهُ» ثُمَّ التَفَتَ، فإذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ. فقالَ: «يا عائشة! مَتَى دَخَلَ هَذَا الكَلْبُ؟» فَقُلْتُ: واللهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ، فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءهُ جِبْرِيلُ ﵇، فقال رسُولُ اللهِ ﷺ : «وَعَدْتَنِي، فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأتِني» فقالَ: «مَنَعَنِي الكَلْبُ الَّذِي كانَ في بَيْتِكَ، إنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» . رواه مسلم.
قال الحافظ: وحديث أبي هريرة في السنن، وصححه الترمذي، وابن حبان أتم سياقًا ولفظه،: أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أنْ أكون دخلت، إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه ثماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي على الباب يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فيقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله ﷺ .
[١٦٨٧] وعن أبي الهَيَّاجِ حَيَّانَ بِن حُصَيْنٍ، قال: قال لي عَليُّ بن أبي طالب ﵁: ألا أبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أن لا تَدَعَ صُورَةً إلا طَمَسْتَهَا، وَلا قَبْراً مُشْرفاً إلا سَوَّيْتَهُ. رواه مسلم.
стр. 947
في هذا الحديث: وجوب طمس الصور، وهدم القبور المشرفة.
وقال البخاري: باب نقض الصور. وذكر حديث عائشة، أنَّ النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب، إلا نقضه. وحديث أبي هريرة: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة» . الحديث.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه استنبط نقض الصور التي تشترك مع الصليب في المعنى، وهو عبادتهم من دون الله، فيكون المراد بالصور في الترجمة خصوصًا ما يكون من ذوات الأرواح.
قال ابن بطال: في هذا الحديث دلالة على أنه ﷺ كان ينقض الصورة، سواءً كانت ممّا له ظل، أم لا، وسواء كانت مما توطأ أم لا، سواء في الثياب، وفي الحيطان، وفي الفرش، والأوراق وغيرها. انتهى ملخصًا.
٣٠٦- باب تحريم اتخاذ الكلب إلا
لصيد أو ماشية أو زرع
[١٦٨٨] عن ابن عمر ﵄، قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إلا كَلْبَ صَيْدٍ أوْ مَاشِيَةٍ فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ» . متفق عليه.
وفي رواية: «قِيرَاطٌ» .
[١٦٨٩] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أمْسَكَ كَلْباً، فَإنَّهُ ينْقُصُ كُلَّ يَومٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إلا كَلْبَ حَرْثٍ أوْ مَاشِيَةٍ» . متفق عليه.
стр. 948
وفي رواية لمسلم: «مَنْ اقْتَنَى كَلْباً لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أرْضٍ، فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ» .
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية، وكذلك الزرع، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها، لجلب المنافع ودفع المضار قياسًا، فتتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة، لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة لِلْبَيْتِ الذي هو فيه.
٣٠٧- باب كراهية تعليق الجرس في البعير
وغيره من الدواب
وكراهية استصحاب الكلب
والجرس في السفر
[١٦٩٠] عن أبي هريرة ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «لا تَصْحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أوْ جَرَسٌ» . رواه مسلم.
[١٦٩١] وعنه: أنَّ النبي ﷺ قال: «الجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ» . رواه مسلم.
قال البخاري: باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل. وذكر حديث أبي بشير الأنصاري ﵁، أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرْسِل رسولك: «لا تبقينَّ في رقبة بعير قلادة، من وتَر أو قلادة إلا قطعت» .
قال الحافظ: قوله: باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل، أي: من الكراهة. وقيّده بالإبل لورود الخبر فيها بخصوصها.
стр. 949
والذي يظهر: أنَّ البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، فقد أخرجه الدارقطني بلفظ: «لا تبقين قلادة من وتر ولا جرس في عنق بعير إلا قطع» . ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك.
وقد روى أبو داود والنَّسائي من حديث أبي وهب رفعه: «اربطوا الخيل وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار» . فدل على أن الاختصاص للإبل، فلعل التقييد بها في الترجمة للغالب.
وروى مسلم عن أبي هريرة رفعه: «الجرس مزمار الشيطان» . وهو دال على أنَ الكراهة فيه لصوته؛ لأن فيها شبهًا بصوت الناقوس وشكله.
قال النووي وغيره: الجمهور على أنَّ النهي للكراهة، وأنها كراهة تنزيه، وقيل: للتحريم. وقيل: يمنع منه قبل الحاجة، ويجوز إذا وقعت الحاجة. وعن مالك: تختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين، هذا كله في تعليق التمائم وغيرها، مما ليس فيه قرآن ونحوه.
فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به، والتعوذ بأسمائه، وذكره. وكذلك لا نهي عما يُعَلَّق لأجل الزينة ما لم يبلغ الخيلاء، أو السرف، واختلفوا في تعلق الجرس أيضًا.
ثالثها: يجوز بقدر الحاجة. انتهى ملخصًا.
٣٠٨- باب كراهة ركوب الجَلالة
وهي البعير أو الناقة التي تأكل العَذِرَة
فإنْ أكلت علفاً طاهراً فطاب لَحمُهَا، زالت الكراهة
[١٦٩٢] عن ابن عمر ﵄، قال: نهَى رسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الجَلالَةِ في الإبِلِ أنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
стр. 950
وفي رواية: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة وألبانها.
الجلالة: هي التي تأكل العذرة والنجاسات. وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه، وقال: «حتى تعلف أربعين ليلة» . ولأبي داود: «أنْ يركب عليها، وأن يشرب ألبانها» .
والحديث: دليل على تحريم الجلالة سواء كانت من الإبل أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج. وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثة أيام، ولم يرَ مالك بأسًا بأكلها من غير حبس. وحمل الجمهور النهي على التنزيه.
قال في (الإفصاح) : واختلفوا في أكل لحم الجلالة، وشرب لبنها، وأكل بيضها. فقال مالك وأبو حنيفة والشافعية: يباح ذلك وإنْ لم تحبس، مع استحبابهم حبسها، وكراهيتهم لأكلها دون حبسها.
وقال أحمد: يحرم، إلا أنْ يحبس الطير ثلاثة أيام. رواية واحدة عنه.
واختلفت الرواية عنه في الإبل، والبقر، والغنم. فروي عنه ثلاثة أيام، كالطير وهو الأظهر، والثانية: أربعون يومًا. انتهى.
قال في (الاختيارات) : وما يأكل الجيف فيه روايتان. الجلالة، وعامة أجوبة أحمد ليس فيها تحريم.
٣٠٩- باب النهي عن البصاق في المسجد
والأمر بإزالته منه إذا وجد فيه
والأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار
[١٦٩٣] عن أنس ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «البُصاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» . متفق عليه.
стр. 951
والمرادُ بِدَفْنِهَا إذَا كَانَ المَسْجِدُ تُرَاباً أوْ رَمْلاً ونَحْوَهُ فَيُوَارِيهَا تَحْتَ تُرَابِهِ. قالَ أبُو المحاسِنِ الرُّويَانِي مِنْ أصحابِنا في كِتَابِهِ (البحر) وقِيلَ: المُرَادُ بِدَفْنِهَا إخْراجُهَا مِنَ المَسْجِدِ، أمَّا إِذَا كَانَ المَسْجِدُ مُبَلَّطاً أَوْ مُجَصَّصاً، فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِمَدَاسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثيرٌ مِنَ الجُهَّالِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ، بَلْ زِيَادَةٌ فِي الخَطِيئَةِ وَتَكْثِيرٌ لِلقَذَرِ في المَسْجِدِ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أنْ يَمْسَحَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ غَيرِهِ أَوْ يَغْسِلَهُ.
الحديث: دليل على أنَّ البصاق في المسجد خطيئة، فينبغي لمن بدره ذلك أنْ يبصق في ثوبه أو خارج المسجد، وإن كان في الصلاة بصق في ثوبه.
[١٦٩٤] وعن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَى في جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطاً، أَوْ بُزَاقاً، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ. متفق عَلَيْهِ.
وفي حديث أنس: أن النبي ﷺ رأى نخامةً في القبلة، فحكها بيده، ورؤي منه كراهة، وقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن في قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه» . ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه، ورد بعضه على بعض. قال: «أو يفعل هكذا» .
[١٦٩٥] وعن أنس ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ هذِهِ المَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيءٍ مِنْ هَذَا البَوْلِ وَلا القَذَرِ، إنَّمَا هي لِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَقِراءةِ القُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ . رواه مسلم.
في هذا الحديث: وجوب تنزيه المسجد عن النجاسات والأقذار، ويؤخذ منه تنزيه المسجد ندبًا عن البصاق، والنخامة، وأوساخ البدن الطاهرة.
стр. 952
٣١٠- باب كراهة الخصومة في المسجد
ورفع الصوت فِيهِ ونشد الضالة والبيع والشراء
والإجارة ونحوها من المعاملات
[١٦٩٦] وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّه سمعَ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً في المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ عَلَيْكَ، فإنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا» . رواه مسلم.
الحديث: دليل على تحريم السؤال عن الضالة في المسجد، والأمر بالإنكار على فاعل ذلك، وتعليمه بقوله: «لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» .
[١٦٩٧] وعنه: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لا أرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فَقُولُوا: لا رَدَّهَا الله عَلَيْكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الحديث: دليل على تحريم البيع والشراء في المسجد.
وفيه: الأمر بالإنكار على من فعل ذلك بقوله: «لا أربح الله تجارتك» .
وقال البخاري: باب ذكر البيع والشراء على المنير في المسجد. وذكر قصة بريرة.
قال الحافظ: مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب من قوله: «ما بال أقوام يشترطون» . فإن فيه إشارة إلى القصة المذكورة. وقد اشتملت على بيع وشراء، وعتق وولاء، والفرق بين جريان ذكر الشيء والإخبار عن حكمه، أن ذلك حق وخير، وبيّن مباشرة العقد، فإن ذلك يفضي إلى اللفظ المنهي عنه. انتهى ملخصًا.
стр. 953
[١٦٩٨] وعن بُريَدَةَ ﵁ أنَّ رَجُلاً نَشَدَ في المَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الجَمَلِ الأَحْمَرِ؟ فَقَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا وَجَدْتَ؛ إنَّمَا بُنِيَتِ المََسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» . رواه مسلم.
أي: إنما بنيت المساجد للصلاة، والذكر، ونشر العلم.
[١٦٩٩] وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّهِ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَن الشِّراءِ والبَيْعِ في المَسْجِدِ، وَأنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ؛ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الحديث: دليل على كراهة الشعر في المسجد، وهو محمول على القبيح منه، وما يشغل أهل المسجد.
وقال البخاري: باب الشعر في المسجد. وذكر حديث حسان يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت النبي ﷺ يقول: يَا حسان، أجب عن رسول الله ﷺ : «اللَّهم أيده بروح القدس» ؟ . قال أبو هريرة: نعم.
قال الحافظ: قوله باب الشعر في المسجد، أي: ما حكمه.
والجمع بينه وبين أحاديث النهي أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك. انتهى ملخصًا.
[١٧٠٠] وعن السائبِ بن يزيد الصحابي ﵁ قَالَ: كُنْتُ في المَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رضي الله
стр. 954
عنه - فَقَالَ: اذْهَبْ فَأتِنِي بِهذَينِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مِنْ أيْنَ أَنْتُمَا؟ فَقَالا: مِنْ أهْلِ الطَّائِفِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أهْلِ البَلَدِ، لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أصْوَاتَكُمَا في مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ ! . رواه البخاري.
فيه: كراهة رفع الصوت في مسجد المدينة، ومثله المسجد الحرام، والأقصى، ويلحق بها سائر المساجد.
وقال البخاري: باب رفع الصوت في المساجد. وذكر الحديث.
وحديث كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دَيْنًا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى: «يا كعب بن مالك، يا كعب» . قال: لبيك يا رسول الله! فأشار بيده أنْ ضع الشطر من دَيْنِك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : «قم فاقضه» .
قال الحافظ: قوله باب رفع الصوت في المسجد. أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك، فقد كرهه مالك مطلقًا، سواء كان في العلم أم في غيره، وفرَّق غيره بين ما يتعلق بغرض ديني، أو نفع دنيوي، وبين مالك فائدة فيه، وساق البخاري حديث عمر الدال على المنع، وحديث كعب الدال على عدمه إشارة منه إلى أنَّ المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تلجئ الضرورة إليه.
٣١١- باب نهي من أكل ثوماً أَوْ بصلاً
أَوْ كراثاً أَوْ غيرها مِمَّا لَهُ رائحة كريهة
عن دخول المسجد قبل زوال رائحته إِلا لضرورة
[١٧٠١] عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ أكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ - يعني: الثُّومَ - فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» . متفق عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ لمسلم: «مساجدنا» .
стр. 955
[١٧٠٢] وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبَنَّا، وَلا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا» . متفق عَلَيْهِ.
[١٧٠٣] وعن جابر ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ أكَلَ ثُوماً أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزلنا، أو فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا» . متفق عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ لمسلم: «مَنْ أكَلَ البَصَلَ، والثُّومَ، والكُرَّاثَ، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» .
قال البخاري: باب ما جاء في الثوم النيء، والبصل، والكراث، وقول النبي ﷺ : «من أكل الثوم أو البصل من الجوع أو غيره فلا يقربن ... مسجدنا» . وذكر الأحاديث.
قال الحافظ: وتقييده بالنيء حملٌ منه للأحاديث المطلقة في الثوم على غير النضيج منه.
قال الخطابي: توهم بعضهم أنَّ أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله، إذا حُرِم فضل الجماعة.
قال الحافظ: ولا تعارض بين امتناعه ﷺ من أكل الثوم وغيره مطبوخًا، وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخًا، فقد علل ذلك بقوله: «إني لست كأحد منكم» .
[١٧٠٤] وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه خَطَبَ يومَ الجمْعَةِ فَقَالَ في خطبته: ثُمَّ إنَّكُمْ أيُّهَا النَّاسُ تَأكُلُونَ شَجَرتَيْنِ
стр. 956
مَا أرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَيْن: البَصَلَ، وَالثُّومَ. لَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ إِذَا وَجدَ ريحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ في المَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى البَقِيعِ، فَمَنْ أكَلَهُمَا، فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخاً. رواه مسلم.
في هذا الحديث: كراهية أكل البصل والثوم نيئًا، وجواز أكلهما مطبوختين.
٣١٢- باب كراهة الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب
لأنَّه يجلب النوم فيفوت استماع الخطبة
ويخاف انتقاض الوضوء
[١٧٠٥] عن مُعاذِ بن أنس الجُهَنِيِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الحِبْوَةِ يَومَ الجُمعَةِ وَالإمَامُ يَخْطُبُ. رواه أَبُو داود والترمذي، وقالا: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قال في (النهاية) : الاحتباء: أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما فيه مع ظهره، ويشده عليه. وقد يكون الاحتباء باليد عوض الثوب. انتهى.
٣١٣- باب نهي من دخل عَلَيْهِ عشر ذي الحجة
وأراد أنْ يضحي عن أخذ شيء من
شعره أَوْ أظفاره حَتَّى يُضحّي
[١٧٠٦] عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قالت: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ... «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ، فَلا يَأخُذَنَّ من شَعْرِهِ وَلا مِنْ أظْفَارِهِ شَيْئاً حَتَّى يُضَحِّيَ» . رواه مسلم.
قال الشارح: «فلا يأخذن» ندبًا، وصرفه عن الجواب قول عائشة: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها هو بيده، فلا يحرم عليه شيء أحله الله تعالى له
стр. 957
حتى ينحر الهدي. ومحل الكراهة عند عدم الحاجة. انتهى ملخصًا.
وقال البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء. وذكر حديث مسروق أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إنَّ رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أنْ تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس؟ قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس.
قال الحافظ: واستدل الداودي به على أنَّ الحديث المرفوع: «إذا دخل عشر ذي الحجة فمن أراد أنْ يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره» . يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا.
قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك لأن عائشة أنكرت أنْ يصير محرمًا بمجرد بعثه الهدي، ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة، من اجتناب إزالة الشعر والظفر.
ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة.
قال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اجتناب ما يشترطه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر لغير المحرم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.
٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي
والكعبة والملائكة والسماء والآباء
والحياة والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهياً
[١٧٠٧] عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً،
стр. 958
فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.
وفي رواية في الصحيح: «فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلا بِاللهِ، أَوْ لِيَسْكُتْ» .
قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.
وعن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حدثيًا، فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» . فالتفتُّ فإذا رسول الله ﷺ يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم» . رواه ابن أبي شيبة.
قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.
[١٧٠٨] وعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ» . رواه مسلم.
«الطَّواغِي» : جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وهِيَ الأصنَامُ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ» أيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ. وَرُوِيَ في غير مسلم: ... «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمعُ طَاغُوت، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.
قال الحافظ: من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المخلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة، والعلماء والصلحاء، والملوك، والآباء والكعبة.
أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد. أو يستحق التحقير والإَذلال كالشياطين، والأصنام، وسائر من عُبِد من دون الله.
стр. 959
[١٧٠٩] وعن بُريدَةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
قال الخطابي: سَبَبُهُ أنَّ اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى، أو بصفاته، وليست منها الأمانة، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء الله وصفاته.
وقال ابن رسلان: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالحج والصوم ونحوهما.
[١٧١٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ، فَإنْ كَانَ كَاذِباً، فَهُوَ كمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقاً، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلَامِ سَالِماً» . رواه أَبُو داود.
في هذا الحديث: وعيد شديد وتهديد أكيد لمن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا أو صادقًَا.
[١٧١١] وعن ابن عمر ﵄: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يقُولُ: لا وَالكَعْبَةِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَحْلِفْ بَغَيْرِ اللهِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فقد كَفَرَ أَوْ أشْرَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وفَسَّرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قولَهُ: «كفَرَ أَوْ أشْرَكَ» عَلَى التَّغْلِيظِ، كما روي أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «الرِّياءُ شِرْكٌ» .
стр. 960
الرياء والحلف بغير الله من الشرك الأصغر الذي لا يخرج عن الإسلام.
وفي الحديث: الزجر عن الحلف بغير الله ، لا نبي ولا غيره، وما ورد في القرآن من القسم بغير الله فذلك يختص بالله .
قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق. وأما قوله ﷺ : «أفلح وأبيه إنْ صدق» . فهذا اللفظ كان يجري على ألسنة العرب من غير أنْ يقصدوا به القسم. وقيل: يقع في كلامهم للتأكيد لا للتعظيم.
قال الماوردي: لا يجوز لأحد أنْ يُحَلِّف أحدًا بغير الله لا بطلاق، ولا عتاق، ولا نذر، وإذا حَلَّف الحاكم أحدًا بشيء من ذلك وجب عزله لجهله.
٣١٥- باب تغليظ اليمين الكاذبة عمداً
[١٧١٢] عن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيرِ حَقِّهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ الله : ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران (٧٧) ] . متفق عَلَيْهِ.
فيه: وعيد شديد، وتهديد أكيد لمن حلف كاذبًا عامدًا.
قال ابن بطال: إنَّ الله خص العهد بالتقدمة على سائر الأَيمان فدل على تأكيد الحلف به.
[١٧١٣] وعن أَبي أُمَامَة إياس بن ثعلبة الحارثي ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ
стр. 961
اللهُ لَهُ النَّارَ. وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: «وإنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أرَاكٍ» . رواه مسلم
فيه: وعيد شديد لمن أخذ حق غيره، ولو قليلاً بيمين كاذبة.
[١٧١٤] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاصِ ﵄، عن النبي ﷺ قَالَ: «الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ» . رواه البخاري.
وفي روايةٍ لَهُ: أنَّ أعْرابِياً جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: يا رسولَ اللهِ مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الإشْرَاكُ بِاللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذا؟ قَالَ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ» قلتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ!» يعني بِيَمِينٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ.
سُمِّيت اليمين الكاذبة غموسًا، لأنها تغمس الحالف في الإثم ثم تغمسه في النار.
٣١٦- باب ندب من حلف عَلَى يَمينٍ فرأى غيرها
خيراً مِنْهَا أنْ يفعل ذَلِكَ المحلوف عَلَيْهِ
ثُمَّ يُكَفِّر عن يمينه
[١٧١٥] عن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» . متفق عَلَيْهِ.
[١٧١٦] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينٍ، فَرَأى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ
стр. 962
يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . رواه مسلم.
[١٧١٧] وعن أَبي موسى ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنِّي واللهِ إنْ شاءَ اللهُ لا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيراً مِنْهَا إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . متفق عَلَيْهِ.
قال عياض: اتفقوا على أنَّ الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث.
وقال المازري: للكفارة ثلاث حالات:
أحدها: قبل الحلف، فلا تجزئ اتفاقًا.
ثانيها: بعد الحلف والحنث، فتجزئ اتفاقًا.
ثالثها: بعد الحلف وقبل الحنث، ففيه الخلاف. انتهى. والجمهور على جوازها قبل الحنث.
[١٧١٨] وعن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ في يَمِينِهِ في أهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ أنْ يُعْطِي كَفَّارَتَهُ الَّتي فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ» . متفق عَلَيْهِ.
قَوْلهُ: «يَلَجّ» بفتح اللام وتشديد الجيم أيْ: يَتَمَادَى فِيهَا، وَلا يُكَفِّرُ، وَقَولُهُ: «آثَمُ» هُوَ بالثاء المثلثة، أيْ: أَكْثَرُ إثْماً.
قال الحافظ: يلِج بكسر اللام، ويجوز فتحها من اللَّجاج، وهو أن يتمادى في الأمر، ولو تبين له خطؤه.
قال النووي: معنى الحديث: أنَّ من حلف يمينًا تتعلق بأهله بحيث
стр. 963
يتضرَّرون بعدم حنثه فيه، فينبغي أنْ يحنث، فيفعل ذلك الشيء، ويكفر عن يمينه، فإنْ قال: لا أحنث، بل أتورع عن ارتكاب الحنث خشية الإثم فهو مخطئ بهذا القول، بل استمراره على عدم الحنث وإقامة الضرر لأهله، أكثر إثمًا من الحنث.
وقال البيضاوي: المراد أنَّ الرجل إذا حلف على شيء يتعلق بأهله، وأصرّ عليه، كان أدخل في الوزر وأفضى إلى الإِثم من الحنث؛ لأنه جعل الله عرضة ليمينه.
قال الحافظ: وفي الحديث: أنَّ الحنث في اليمين أفضل من التمادي، إذا كان في الحنث مصلحة، ويختلف بإختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على فعل الواجب، أو تركِ حرام فيمينه طاعة، والتمادي واجب، والحنث معصية، وعكسه بالعكس.
ويستنبط من معنى الحديث: أنَّ ذكر الأهل خرج مخرج الغالب، وإلا فالحكم يتناول غير الأهل إذا وجدت العلة. والله أعلم. انتهى ملخصًا.
٣١٧- باب العفو عن لغو اليمين
وأنَّه لا كفارة فِيهِ، وَهُوَ مَا يجري عَلَى اللسان بغير
قصد اليمين كقوله عَلَى العادة: لا والله، وبلى والله، ونحو ذَلِكَ
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة (٨٩) ] .
يعني: فمن لم يجد إحدى الخصال الثلاث المخير فيها، فليصم ثلاثة أيام متتابعة.
[١٧١٩] وعن عائشة ﵂ قالت: أُنْزِلَتْ هذِهِ الآية: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ﴾ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللهِ، وَبَلَى واللهِ. رواه البخاري.
قال البخاري: باب: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة (٢٢٥) ] . وذكر الحديث.
стр. 964
وعن أبي قلابة: لا والله. وبلى والله. لغة من لغات العرب، لا يراد بها اليمين، وهي من صِلاة الكلام.
وعن عائشة: لغو اليمين، القوم يتدارؤون، يقول أحدهم: لا والله، وبلى والله. وكلا والله. ولا يقصد الحلف.
٣١٨- باب كراهة الحلف في البيع وإنْ كان صادقاً
[١٧٢٠] عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سَمِعتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ... «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» . متفق عليه.
قوله «للكسب» : أي للنماء والزيادة المقصودة منها، وفي رواية: ... «للبركة» .
[١٧٢١] وعن أبي قتادة ﵁: أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ، فَإنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: النهي عن الحلف في البيع، وإن كان صادقًا.
٣١٩- باب كراهة أنْ يسأل الإنسان بوجه الله -
غير الجنة، وكراهة منع من سأل بالله تعالى وتشفع به
[١٧٢٢] عن جابر ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ الا الجَنَّةُ» . رواه أبو داود.
[١٧٢٣] وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ، فَأعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ، فأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ، فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما
стр. 965
تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَد كَافَأْتُمُوهُ» . حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي بأسانيد الصحيحين.
فيه: كراهة السؤال بوجه الله ، واستحباب إعطاء من سأل بالله تعالى.
قال الشارح: قوله: «لا يسأل» ، بالجزم، على النهي التنزيهي، وبالرفع، خبر بمعنى النهي. قال الحليمي: هذا النهي يدل على أنَّ السؤال بالله يختلف، فإن كان السائل ظنّ أنَّ المسؤول إذا سأله بالله تعالى اهتز لإِعطائه، واغتنمه جاز له سؤاله بالله تعالى، وإنْ كان ممن يتلوى ويتضجر، ولا يأمن أنْ يرد فحرام عليه أنْ يسأله، وأما المسؤول فينبغي إذا سئل بوجه الله أنَّ لا يمنع ولا يرد السائل، وأن يعطيه بطيب نفس وانشراح صدر لوجه الله تعالى. انتهى ملخصًا.
٣٢٠- باب تحريم قول شاهان شاه للسلطان
وغيره لأن معناه ملك الملوك
ولا يوصف بذلك غير الله
[١٧٢٤] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «إنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ» . متفق عليه.
قال سُفيانُ بن عُيَيْنَةَ: «مَلِكُ الأَمْلَاكِ» مِثْلُ: شَاهِنشَاهِ.
قال البخاري: باب أبغض الأسماء إلى الله. وذكر الحديث.
قال الحافظ: كذا ترجم بلفظ: «أبغض» . وقد ورد بلفظ: «أخبث» . وبلفظ: «أغيظ» . وبلفظ: «أكره» .
قوله: «أخنى» من الخنا، وهو الفحش في القول، ووقع في رواية: (أخنع) من الخنوع، وهو الذل.
стр. 966
وأخرج مسلم عن أحمد بن حنبل قال: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع فقال: أوضع.
قال عياض: معناه أنه أشد الأسماء صغارًا.
وعند الطبراني: «اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك» ، واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم، لورود الوعيد الشديد، ويلتحق به ما في معناه، مثل: خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء. وهل يلتحق به من تسمَّى قاضي القضاة، أو حاكم الحكام؟
اختلف العلماء في ذلك.
ومن النوادر: أن القاضي عز الدين ابن جماعة رأى أباه في المنام، فسأله عن حاله؟ . فقال: ما كان عليَّ أضرّ من هذا الاسم، فأمر الموقعين أنْ لا يكتبوا له في السجلات قاضي القضاة، بل قاضي المسلمين.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: يلتحق بملك الأملاك، قاضي القضاة وإن كان اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سَلِمَ أهل المغرب من ذلك، فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة.
قال: وفي الحديث مشروعية الأدب في كل شيء؛ لأن الزجر عن ملك الأملاك، والوعيد عليه يقتضي المنع منه مطلقًا، سواء أراد من تسمّى بذلك أنه ملك على ملوك الأرض، أم على بعضها، سواء كان محقًا في ذلك أم مبطلاًً، مع أنه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك وكان فيه صادقًا، ومن قصده وكان فيه كاذبًا. انتهى ملخصًا.
стр. 967
٣٢١- باب النهي عن مخاطبة الفاسق
والمبتدع ونحوهما بِسَيِّد ونحوه
[١٧٢٥] عن بُريَدَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : «لا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإنَّهُ إنْ يَكُ سَيِّداً فَقَدْ أسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ » . رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
قال الشارح: الفاسق: من أصرَّ على معصية صغيرة، أو أتى كبيرة. والمبتدع: الخارج عن اعتقاد الحق الذي جاء به الكتاب والسنَّة إلى ما يزينه الشيطان، ومحل النهي ما لم يخشَ ضررًا على نفسه، أو أهله، أو ماله. انتهى ملخصًا.
٣٢٢- باب كراهة سب الحمّى
[١٧٢٦] عن جابر ﵁ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ دخلَ على أُمِّ السَّائِبِ، أو أُمِّ المُسَيّبِ فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ - أو يَا أُمَّ المُسَيَّبِ - تُزَفْزِفِينَ؟» قَالَتْ: الحُمَّى لا بَارَكَ اللهُ فِيهَا! فَقَالَ: «لا تَسُبِّي الحُمَّى فَإنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الكِيْرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» . رواه مسلم.
«تُزَفْزِفِينَ» أيْ تَتَحَرَّكِينَ حَرَكَةً سَريعَةً، وَمَعْنَاهُ: تَرْتَعِدِين. وَهُوَ بِضَمِّ التاء وبالزاي المكررة والفاء المكررة، وَرُوِيَ أيضاً بالراء المكررة والقافينِ.
فيه: النهي عن سبّ الحُمَّى لما فيه من التبرّم والتضجر من قدر الله تعالى، مع ما فيها من تكفير السيئات، وإثبات الحسنات.
стр. 968
وقال البخاري: باب الحُمَّى من فيح جهنم. وذكر حديث ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «الحُمَّى من فيح جهنم، فاطفؤها بالماء» .
قال الحافظ: والحُمَّى أنواع: قال الخطابي: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث بأنْ قال: اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسام ويحقن البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف.
قال الخطابي: وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحُمَّى بالماء، وإنما قصد النبي ﷺ على وجه ينفع، فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحُمَّى، ما صنعته أسماء بنت الصديق، فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئًا من الماء بين يديْه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها.
وقال المازري: ولا شك، إنَّ علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل، والأطباء مجمعون على أنَّ المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السنّ، والزمان، والعادة، والغذاء المتقدم، والتأثير المألوف، وقوة الطباع. قال: ويحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض، في بعض الأماكن دون بعض، لبعض الأشخاص دون بعض.
قال الحافظ: يحتمل أنْ يكون مخصوصًا بأهل الحجاز وما والاهم إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالاً؛ لأن الحُمَّى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان غرضية: وهي الحادثة عن ورم، أو حركة، أو إصابة حرارة لشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك.
стр. 969
ومرضية: وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخف جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم؛ لأنها تقع غالبًا في يوم، ونهايتها إلى ثلاث.
وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهي حمى دقٍّ، وهي أخطرها.
وإن كان تعلقها بالأخلاط، سُمِّيت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة. وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإِفراد والتركيب، فيجوز أنْ يكون المراد النوع الأول، فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب المبرد بالثلج وبغيره، ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر.
وقد نزَّل ابن القيم حديث ثوبان مرفوعًا: «إذا أصاب أحدكم الحُمَّى، وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته وليقل: باسم الله، اللَّهمَّ اشف عبدك، وصَدِّقْ رسولك. بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمْس، وإلا فسبْع، وإلا فتسعٌ فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله» .
قال الترمذي: غريب.
قال ابن القيم: هذه الصفة تنفع في فصل الصيف في البلاد الحارة في الحُمَّى العرضية، أو الغب الخالصة التي لا ورم معها، ولا شيء من الأعراض الرديئة، والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القوى في ذلك الوقت، لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء.
قال: والأيام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحرارة الأمراض الحادة غالبًا، ولاسيما في البلاد الحارة. والله أعلم. انتهى ملخصًا.
٣٢٣- باب النهي عن سب الريح
وبيان ما يقال عند هبوبها
[١٧٢٧] عن أبي المنذِرِ أُبي بن كعب ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ
стр. 970
إنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: النهي عن سبّ الريح؛ لأنها مسخرة فيما خلقت له، واستحباب هذا الدعاء عند هبوبها.
[١٧٢٨] وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ... «الرِّيحُ مِنْ رَوحِ اللهِ، تَأتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأتِي بِالعَذَابِ، فَإذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا باللهِ مِنْ شَرِّهَا» . رواه أبو داود بإسناد حسن.
قوله ﷺ : «مِنْ رَوْحِ اللهِ» هو بفتح الراء: أي رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ.
فيه: النهي عن سبّ الريح لأنها مأمورة بما تجيء به من رحمة لمن أراد الله رحمته، أو عذابٍ لمن أراد الله عذابه.
[١٧٢٩] وعن عائشة ﵂ قالت: كان النَّبِيُّ ﷺ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» . رواه مسلم.
قال البخاري: باب قول النبي ﷺ : «نُصِرتُ بالصَّبَا» . وذكر حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عادٌ بالدَّبُور» .
فائدة: الرياح أربع:
الصبا: وهي حارة يابسة.
والدَّبُور: وهي باردة رطبة.
стр. 971
والجنوب: وهي حارة رطبة.
والشمال: وهي باردة يابسة، وهي ريح الجنة، وأي ريح هبَّت بين جهتين فهي النكباء.
قال الحافظ: الصبا يقال لها: القبول؛ لأنها تقابل باب الكعبة، إذ مهبّها من مشرق الشمس. وضدها الدبور وهي التي أهلكت بها قوم عاد.
ومن لطيف المناسبة كون القبول نصرت أهل القبول، وكون الدبور أهلكت أهل الإِدبار. ولما علم الله رأفة نبيه ﷺ بقومه رجاء أنْ يسلموا سلّط عليهم الصبا، فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين لمّا أصابهم بسببها من الشدَّة، ومع ذلك فلم تهلك منهم أحدًا، ولم تستأصلهم. انتهى ملخصًا.
٣٢٤- باب كراهة سب الديك
[١٧٣٠] عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ ﵁ قال: قال رسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإنَّهُ يُوِقِظُ لِلصَّلَاةِ» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قال الشارح: أي: لا يحمل أحدكم إيقاظ الديك له بصوته، على سبّه، إذ فوّت عليه لذيذ منامه؛ لأن ما يدعو إليه من الإِيقاظ للصلاة خير مما فاته من لذة النوم.
٣٢٥- باب النهي عن قول [الإنسان] : مُطِرنا بنَوء كذا
[١٧٣١] عن زيد بن خالد ﵁ قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَّةِ في إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا
стр. 972
انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فقالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ؟» قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قال: «قالَ: أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوَاكِبِ، وأَما مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا، فَذلكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» . متفق عليه.
وَالسَّماءُ هُنَا: المَطَرُ.
قوله: «فذلك كافر بي» ، أي: كفرًا حقيقيًّا إنِ اعتقد أنَّ النجم موجد للمطر حقيقة، وإلا فكافر للنعمة إنْ لم يعتقد ذلك؛ لأنه أسند ما لله لغيره.
٣٢٦- باب تحريم قوله لمسلم: يا كافر
[١٧٣٢] عن ابن عمر ﵄، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ... «إذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، فَإنْ كانَ كَمَا قَالَ وَإلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» . متفق عليه.
[١٧٣٣] وعن أبي ذرٍّ ﵁: أنَّه سَمِعَ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ دَعَا رَجُلاً بالكُفْرِ، أو قالَ: عَدُوَّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذلكَ إلا حَارَ عَلَيْهِ» . متفق عليه.
«حَارَ» : رَجَعَ.
قال ابن دقيق العيد: هذا وعيد عظيم لمن كفَّر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنَّة، وأهل الحديث، لما اختلفوا في العقائد فغلظوا على مخالفيهم. وحكموا بكفرهم، والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها، فإنه حينئذ يكون مكذبًا للشرع. انتهى.
стр. 973
٣٢٧- باب النهي عن الفحش وبذاء اللسان
[١٧٣٤] عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الفَاحِشِ، وَلا البَذِيِّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الطعَّان: العياب للناس، واللَّعَّان: كثير اللَّعن، والفحش: القول السِّيء.
والبذاء: السفه والفحش في النطق وإن كان صادقًا، وعطفه على الفاحش من عطف العام على الخاص.
[١٧٣٥] وعن أنسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ إلا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إلا زَانَهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: استحباب الحياء وذم الفحش؛ لأن صاحب الحياء يدع ما يلام على فعله، والفاحش لا ينظر لذلك.
٣٢٨- باب كراهة التقعير في الكلام
والتشدُّق فيه وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللُّغة
ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم
[١٧٣٦] عن ابن مسعود ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثاً. رواه مسلم.
«المُتَنَطِّعُونَ» : المُبَالِغُونَ فِي الأمُورِ.
قال الخطابي: المتنطعون: هم المتعمقون في الشيء المتكلف البحث
стр. 974
عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلون فيما لا يعنيهم، الخائضون فيما لا تبلغه عقولهم.
[١٧٣٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ يُبْغِضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ» . رواه أبو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قال في (النهاية) : أي الذي يتشدَّق بلسانه في الكلام ويلفه، كما تَلُفُّ البقرة الكلأ بلسانها لفًا.
[١٧٣٨] وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَومَ القِيَامَةِ، أحَاسِنكُمْ أَخْلَاقَاً، وإنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ، وأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَومَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) . وقد سبق شرحه في بَابِ حُسْنِ الخُلُقِ.
الثرثار: كثير الكلام. والمتشدق: المتكلم بملأ فمه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه. والمتفيهق: المتكبر.
٣٢٩- باب كراهة قوله: خَبُثَتْ نَفْسي
[١٧٣٩] عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسي، وَلكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسي» متفق عليه.
стр. 975
قالَ العُلَمَاءُ: مَعْنَى «خَبُثَتْ» : غَثَتْ، وَهُوَ مَعْنَى: «لَقِسَتْ» وَلَكِنْ كَرِهَ لَفْظَ الخُبْثِ.
قال الخطابي: فعلَّمهم الأدب في النطق، وأرشدهم إلى استعمال اللفظ الحسن، وهجران القبيح منه.
وقال البخاري: باب لا يقل خَبُثَتْ نفسي. وذكر الحديث.
قال الحافظ: قال الخطابي: تبعًا لأبي عبيد: لقست، وخبثت بمعنى واحد، وإنما كره ﷺ من ذلك اسم الخبث، فاختار اللفظة السالمة من ذلك، وكان من سنته تبديل الاسم القبيح بالحسن.
وقال غيره: معنى لقست، غشت وهو يرجع أيضًا إلى معنى خبثت.
وقال ابن بطال: هو على معنى الأدب، وليس على سبيل الإيجاب.
وقال ابن أبي حمزة: النهي عن ذلك، للندب، والأمر بقوله: لقست، للندب أيضًا.
قال: ويؤخذ من الحديث: استحباب مجانبة الألفاظ القبيحة والأسماء، والعدول إلى ما لا قبيح فيه، والخبث واللقس وإنْ كان المعنى المراد يتأدى بكل منهما، لكن لفظ الخبث قبيح، ويجمع أمورًا زائدة على المراد بخلاف اللقس، فإنه يختص بامتلاء المعدة. انتهى ملخصًا.
٣٣٠- باب كراهة تسمية العنب كرماً
[١٧٤٠] عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، فَإنَّ الكَرْمَ المُسْلِمُ» . متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
стр. 976
وفي رواية: «فَإنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤمِنِ» . وفي رواية للبخاري ومسلم: «يَقُولُونَ الكَرْمُ، إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ» .
[١٧٤١] وعن وائلِ بنِ حُجرٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تَقُولُوا: الكَرْمُ، وَلكِنْ قُولُوا: العِنَبُ، والحَبَلَةُ» . رواه مسلم.
«الحَبَلَةُ» بفتح الحاء والباء، ويقال أيضاً بإسكان الباء.
قال البخاري: بابُ قول النبي ﷺ : «إنما الكَرْمُ قلب المؤمن» ، وقد قال: «إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة» . كقوله: «إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب» . كقوله: «لا ملك إلا الله» . فوصفه بانتهاء الملك، ثم ذكر الملوك أيضًا فقال ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل (٣٤) ] . وذكر الحديث.
قال الحافظ: غَرضُ البخاري أنَّ الحصر ليس على ظاهره، وإنما المعنى: أن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن، ولم يرد أن غيره لا يسمى كرمًا، كما أن المراد بقوله: «إنما المفلس» . من ذكر، ولم يرد أن من يفلس في الدنيا لا يسمى مفلسًا.
وبقوله: «إنما الصرعة» . كذلك: وكذا قوله: «لا مَلِكَ إلا الله» . لم يرد أنه لا يجوز أنْ يسمى غيره ملكًا، وإنما أراد الملك الحقيقي، وإنْ سمّي غيره ملكًا، إلى أنْ قال: قال الخطابي: ما ملخصه:
أنَّ المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها، ولأن في تبقية هذا الاسم لها تقرير لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرمًا. وقال: «إنما الكرم قلب المؤمن» . لما فيه من نور الإيمان، وهدى الإسلام. انتهى ملخصًا.
стр. 977
٣٣١- باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل
إلا أن يحتاج إلى ذلك لغرض شرعي كنكاحها ونحوه
[١٧٤٢] عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُبَاشِرِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، فَتَصِفَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا» . متفق عليه.
قال القاضي عياض: هو الدليل لمالك في سد الذرائع، فإن الحكمة في النهي خشية أنْ يعجب الزوج بالوصف المذكور، فيفضي ذلك إلى تطليق الواصفة، أو إلى الافتنان بالموصوفة.
٣٣٢- باب كراهة قول الإنسان: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ
بل يجزم بالطلب
[١٧٤٣] عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللهِ ﷺ قال: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ، لِيَعْزِم المَسْأَلَةَ، فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ» . متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «وَلكِنْ لِيَعْزِمْ وَلْيُعَظمِ الرَّغْبَةَ فَإنَّ اللهَ تَعَالَى لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» .
[١٧٤٤] وعن أنس ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا دَعَا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِم المَسْأَلَةَ، وَلا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ، فَأَعْطِنِي، فَإنَّهُ لا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» . متفق عليه.
قال البخاري: باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له. وذكر الحديث.
قال ابن بطال: في الحديث: أنه ينبغي للداعي أنْ يجتهد في الدعاء،
стр. 978
ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريمًا. وقال ابن عيينة: لا يمنعنّ أحد الدعاء ما يعلم في نفسه، يعني: من التقصير. وقال الداودي: معنى قوله: «ليعزم المسألة» أن يجتهد ويَلحّ، ولا يقل: إن شئت، كالمستثني، ولكن دعاءَ البائسِ الفقير.
٣٣٣- باب كراهة قول: ما شاء اللهُ وشاء فلان
[١٧٤٥] عن حُذَيْفَةَ بنِ اليمانِ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ؛ وَلكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قال البخاري: باب لا يقول: ما شاء الله وشئت، وهل يقول: إنا بالله، ثم بك. وذكر حديث: أبرص، وأقرع، وأعمى.
قال الحافظ: هكذا بتّ الحكم في الصورة الأولى، وتوقّف في الصورة الثانية، وسببه أنها وإنْ كانت وقعت في حديث الباب الذي أورده مختصرًا، لكن إنما وقع ذلك من كلام الملك على سبيل الامتحان للمقول له، فتطرّق إليه الاحتمال.
وكأنه أشار بالصورة الأولى إلى ما أخرجه النَّسائي وصححه من طريق عبد الله بن يسار عن قتيلة، أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئتَ، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة. وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت، إلى أنْ قال: وحكى ابن التين، عن أبي جعفر الداودي، قال: ليس في الحديث الذي ذكره نهيٌ عن القول المذكور في الترجمة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة (٧٤) ] .
стр. 979
وقال الله تعلى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ... (٣٧) ] . وغير ذلك.
وتعقَّبه بأن الذي قال أبو جعفر ليس بظاهر؛ لأن قوله: ما شاء الله وشئت، تشريك في مشيئة الله تعالى. وأما الآية فإنما أخبر الله تعالى أنه أغناهم، وأن رسوله أغناهم، وهو من الله حقيقة؛ لأنه الذي قدِّر ذلك، ومن الرسول حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذا الإنعام: أنعم الله على زيد بالإسلام، وأنعم عليه النبي ﷺ بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في المشيئة، فإنها منصرفة لله تعالى في الحقيقة، وإذا نسبت لغيره فبطريق المجاز.
وقال المهلب: إنما أراد البخاري أنَّ قوله: ما شاء الله ثم شئت. جائز مستدلاً بقوله: إنا بالله ثم بك، وقد جاء هذا المعنى عن النبي ﷺ ، وإنما جاز بدخول: «ثم» لأن مشيئة الله سابقة على مشيئة خلقه، ولما لم يكن الحديث المذكور على شرطه، استنبط من الحديث الصحيح الذي على شرطه ما يوافقه. انتهى ملخصًا.
٣٣٤- باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة
والمُرادُ بِهِ الحَديثُ الذي يَكُونُ مُبَاحاً في غَيرِ هذا الوَقْتِ، وَفِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سواءٌ. فَأَمَّا الحَديثُ المُحَرَّمُ أو المَكرُوهُ في غير هذا الوقتِ، فَهُوَ في هذا الوقت أشَدُّ تَحريماً وَكَرَاهَةً. وأَمَّا الحَديثُ في الخَيرِ كَمُذَاكَرَةِ العِلْمِ وَحِكايَاتِ الصَّالِحِينَ، وَمَكَارِمِ الأخْلَاقِ، والحَديث مع الضَّيفِ، ومع طالبِ حَاجَةٍ، ونحو ذلك، فلا كَرَاهَة فيه، بل هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وكَذَا الحَديثُ لِعُذْرٍ وعَارِضٍ لا كَراهَةَ فِيه. وقد تظاهَرَتِ الأحَاديثُ الصَّحيحةُ على كُلِّ ما ذَكَرْتُهُ.
[١٧٤٦] عن أبي بَرْزَةَ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يكرهُ النَّومَ قَبْلَ العِشَاءِ والحَديثَ بَعْدَهَا. متفقٌ عليه.
стр. 980
فيه: دليل على كراهة الأمرين.
وروى الحافظ المقدسي من حديث عائشة مرفوعًا: «لا سَمَرَ إلا لثلاثة، مصلٍّ، أو مسافر، أو عروس» .
قال النووي: واتفقت العلماء على كراهة الحديث بعدها، إلا ما كان في خير.
[١٧٤٧] وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى العِشَاء في آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قال: «أرأيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فَإنَّ عَلَى رَأسِ مِئَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ علَى ظَهْرِ الأرْضِ اليَومَ أحَدٌ» . متفق عليه.
فيه: دليل على جواز الحديث بعد العشاء إذا كان في الخير.
وفيه: معجزة للنبي ﷺ ، فقد أجمع العلماء على أنَّ أبا الطفيل، عامر بن واثلة آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه: أنه مات سنة مئة وعشر، وذلك رأس مئة سنة من مقالته ﷺ .
[١٧٤٨] وعن أنس ﵁ أنَّهم انتظروا النبي ﷺ فَجَاءهُمْ قَريباً مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَصَلَّى بِهِمْ - يَعْنِي: العِشَاءَ - ثمَّ خَطَبنا فقالَ: «ألا إنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا، ثُمَّ رَقَدُوا، وَإنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ» . رواه البخاري.
فيه: جواز التكلم بالخير، بل ندبه بعد صلاة العشاء.
стр. 981
٣٣٥- باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها
إِذَا دعاها ولم يكن لَهَا عذر شرعي
[١٧٤٩] عن أَبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ» . متفق عَلَيْهِ.
وفي رواية: «حَتَّى تَرْجعَ» .
الفراش: كناية عن الجماع.
وفي رواية عند مسلم: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها» .
ولابن خزيمة من حديث جابر رفعه: «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة، العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصح، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى» .
٣٣٦- باب تحريم صوم المرأة تطوعاً
وزوجها حاضر إِلا بإذنه
[١٧٥٠] وعن أَبي هريرة ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإذْنِهِ، وَلا تَأذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإذْنِهِ» . متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: تحريم صوم المرأة تطوُّعًا، إلا بإذن الزوج.
стр. 982
وعند الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: «فإن فعلت لم يقبل منها» . وهذا في غير قضاء رمضان إذا تضايق الوقت.
وفي الحديث: أنَّ حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير.
٣٣٧- باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع
أَو السجود قبل الإمام
[١٧٥١] عن أَبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «أمَا يَخْشَى أحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ! أَوْ يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» . متفق عَلَيْهِ.
قوله: «أما» استفهام توبيخ.
وفيه: وعيد شديد لمن سابق الإمام.
وفيه: وجوب متابعة الإمام.
وفي الحديث: كمال شفقته ﷺ بأمته وبيانه لهم من الأحكام، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب.
قال الحافظ: ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعّد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، ومع الإثم، فالصحيح صحة الصلاة وإجزؤها.
٣٣٨- باب كراهة وضع اليد عَلَى الخاصرة في الصلاة
[١٧٥٣] عن أَبي هريرة ﵁ قال: نُهِيَ عن الخَصْرِ في الصَّلَاةِ. متفق عَلَيْهِ.
стр. 983
الخاصرة: هي الشاكلة. والحكمة في النهي عن الاختصار أنه فعْل اليهود، وقد نهينا عن التشبّه بهم. وقيل: لأنه ينافي الخشوع. وقيل لأنه فعل المتكبرين.
٣٣٩- باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام
ونفسه تتوق إِلَيْهِ أَوْ مَعَ مدافعة الأخبثين:
وهما البول والغائط
[١٧٥٣] عن عائشة ﵂، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «لا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ» . رواه مسلم.
وفي رواية: «إذا أقيمت الصلاة، وحضر العشاء، فابدؤوا بالعشاء» .
وفيه: دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، ولو فاتته الجماعة، ولا يجوز اتخاذ ذلك عادة.
قال ابن دقيق العيد: ومدافعة الأخبثين، إما أنْ تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدّى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه، وإن دخل واختل الركن أو الشرط فسدت الصلاة بذلك الإخلال، وإن لم يؤد إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة.
٣٤٠- باب النهي عن رفع البصر إِلَى السماء في الصلاة
[١٧٥٤] عن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا بَالُ أقْوامٍ يَرْفَعُونَ أبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ في صَلَاتِهِمْ» ! فَاشْتَدَّ قَولُهُ في ... ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخطفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» ! . رواه البخاري.
في هذا الحديث: دليل على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لأنه ينافي الخشوع.
قال القاضي عياض: واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء، فكرهه قوم، وجوزه الأكثرون.
стр. 984
٣٤١- باب كراهة الالتفات في الصلاة لغير عذر
[١٧٥٥] عن عائشة ﵂، قالت: سألت رسُولَ الله ﷺ عَنِ الالتفَاتِ في الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ» . رواه البخاري.
الاختلاس: الأَخْذُ بسرعة على غفلة.
والحديث يدل على كراهة الالتفات في الصلاة إذا كان التفاتًا لا يبلغ إلى استدبار القبلة بصدره، أو عنقه كله، وإلا كان مبطلاً للصلاة، وسبب كراهته نقصان الخشوع.
[١٧٥٦] وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إيَّاكَ والالتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإنَّ الالتفَاتَ في الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ، فَإنْ كَانَ لا بُدَّ، فَفِي التَّطَوُّعِ لا في الفَريضَةِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: دليل على أنَّ الاهتمام بالفرض والاعتناء به، فوق الاعتناء بالنفل.
قوله: «فإن الالتفات في الصلاة هلكة» ، أي: سبب الهلاك،
وذلك لأن من استخفّ بالمكروهات وواقعها، وقع في المحرمات، فأهلك نفسه بتعريضها للعقاب.
٣٤٢- باب النهي عن الصلاة إِلَى القبور
[١٧٥٧] عن أَبي مَرْثَدٍ كَنَّازِ بْنِ الحُصَيْنِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» . رواه مسلم.
стр. 985
في هذا الحديث: النهي عن الصلاة إلى القبور، والقعود عليها.
قال الشافعي: وأكره أنْ يُعَظَّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه.
قال صاحب (الاختيارات) شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا تصح الصلاة في المقبرة، ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سدٌ لذريعة الشرك.
وذكر طائفة من أصحابنا: أنَّ القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم بوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور وهو الصواب، إلى أنْ قال: والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة المصورة، والصلاة فيها، وكل مكان فيه تصاوير أشد كراهة. انتهى.
٣٤٣- باب تحريم المرور بَيْنَ يدي المصلِّي
[١٧٥٨] عن أَبي الجُهَيْمِ عبد اللهِ بن الحارِثِ بن الصِّمَّةِ الأنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ الراوي: لا أدْرِي قَالَ: أرْبَعينَ يَوماً، أَوْ أرْبَعِينَ شَهْراً، أَوْ أرْبَعِينَ سَنَةً. متفق عَلَيْهِ.
فيه: دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، ولا فرق بين مكة وغيره على الصحيح، واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا صلى أحدكم
следующие страницы →