← Адаб

Адаб · id 21559

بدائع البدائه

ابن ظافر الأزدي

Полный текст (232 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بي رشأ أصداغه كالأوراق بل غصن من وشيه في أوراق بل قمر من شعره في أغساق فقلت: أجفانه مثل جسوم العشاق وقرطه مثل القلوب خفاق يرمقنا شرراً فينفى الأرماق فقال: في خده ماء الجمال رقراق عجبت منه شيم ذو إحراق يريك خيلاناً حيال الأحداق قال علي بن ظافر واجتمعنا بالجامع، فرأينا غلاماً مائس العطف، ذابل الطرف، قد عانق أفعوان شعره غصن قده، وطابق بين مبيض وجهه ومسوده، فقلت فيه: يارب ظبى عطر الأنفاس يسكن قلبي بدل الكناس وجنته تزهر كالنبراس وشعره في قده المياس مثل لواء لبني العباس فقال: لو شبهته بعلم الخطيب، لا سيما إذا ذكرت حلوله بالجامع، ثم صنع فقال: يا رب غصنٍ أهيفٍ رطيب أنبته الحسن على كثيب قام مقام الخاشع المنيب يفتك في الجامع بالقلوب وقده في شعره الغربيب يميس مثل علم الخطيب ثم قال: زد عليه فقلنا: وشادنٍ ساجي اللحاظ أحور فقال: أبيض يحكيه قوام الأسمر فقلت: وقده تحت أثيث الشعر فقال: من فوق ردفٍ كالكثيب الأعفر فقلت: كعلم الخطيب فوق المنبر قال علي بن ظافر ولما أعرس ابن الأمير إياس المصري الأسدي بابنة الأمير سيف الدين أيار كوخ مقدم الأسدية، احتفل الأمراء والأجناد، وبلغوا في الحشد غاية الاجتهاد، وأبرزوا من ضروب آلات الحرب ما يفوق الوصف، ويروق الطرف، وظهرت من مرد المماليك بدور سماء الغبار، وغصون من زغفهم في غدران ومن سيوفهم بين أنهار، يسبون النواظر، بالقدود النواضر، ويستملكون الخواطر، بالثغور العواطر، فكانت أوقات ذلك الزفاف مشهورة مشهودة، وأيامه في أيام الأعياد المعدومة النظير معدودة، فخرجت أنا والشهاب لننظر ذلك الاحتشاد، ونتأمل تلك الظباء الظاهرة بزي الآساد، فقال: نقبوا بالغبار وجه ذكاء ... ثم نابوا عن حسنها بالبهاء فقلت: وأرونا من سحر أعينهم منهم شموساً للنقع في ظلماء فقال: طاولوا بالنقا السماء اقتداراً ... وتبدوا من زغفهم في سماء فقلت: كل بدرٍ يسير تحت ثريا ... مغفرٍ خلف كوكب السمراء

стр. 107

فقال: مل سكنى البروج فاعتاض عنها ... بسروجٍ على متونٍ ظباء فقلت: ما تثنى في الدرع إلا أرانا ... غصناً مائساً بجدول ماء قال علي بن ظافر واتفق أن مضى السلطان الملك الأشرف أبقاه الله - في أوائل خدمتي له وأواخر سنة ثمان وستمائة إلى مدينة نصيبين، وضرب خيمته على تل بين بساتينها يعرف بتل أبي نواس، وهو تل مشرف في غاية العلو، مستدير الشكل أحسن استدارة، قد استقبل جرية نهر الهرماس، حتى إذا وصل النهر إليه، تفرق حواليه، وتلوى تلوى الحيات من جانبيه، والبساتين محيطة به قد ملأت أكثر مرمى البصر، وهو في نفسه قد تأزر بالأعشاب، واكتسى بغرائب الأزهار، التي أدناها شقائق النعمان، وباسم الأقحوان. وكنت أنا مقيماً بالبلد لتدبير أحوالها، وتزجية وجوه أموالها، وأنا أتكرر إليه. وإنما نقطع المسافة إلى الخيام في جنات ذات أنهار، وظلال تمنع الحرور وتأذن للنسيم والأنوار، فعن لي أن قلت في بعض خرجاتنا ونحن سائرون على ظهور دوابنا: اجلس بتل أبي نواس ... ما بين باطيةٍ وكاس وابتع سروراً باعه ... منك الزمان بلا مكاس في ظل غيثٍ ذي ارتجا ... زٍ بالرواعد وارتجاس واستدعيت من شهاب الدين المذكور المساعدة وهو يسايرني، فقال: تل تطلع مشرفاً ... بين المزارع والغراس بالنهر منتطق على ... زهرٍ كموشى اللباس من قاس ربوة جلقٍ ... بذاره أخطأ في القياس فقلت: أضربته بعصاك يا ... موسى فأصبح ذا نبجاس فالماء يفرى المحل سي ... ف منه مكفوف الدياس والقضب أمثال القنا ... والورد أمثال التراس فقال: والثم خدود الورد في ... هـ فتحتها أصداغ آس وابن اصطباحك إن أرد ... ت من الغبوق على أساس فقلت: واسمع غناءً كالغنى ... قد جاء من بعد الإياس شدواً إذا أدوى القلو ... ب أسىً فمنه لهن آس

стр. 108

فقال: لاتقتنع بالكاس واب ... غ الري من جام وكاس واكرع فما حق المدا ... مة أن تراك وأنت حاسي فقلت: خذها لها إن ساورت ... عقل الفتى أي افتراس واترك على الأعراب ما اخ ... تاروه من لبن العساس فقال: من كف ظبي لين ال ... أعطاف صلد القلب قاسي ظبي ولكن القلوب ... ب تكنه بدل الكناس فقلت: يحنى بلا سكرٍ ويك ... سر جفنه لا من نعاس يهوى ويذكر وهو سا ... ل للذي يهواه ناسي ثم شغلنا بالوصول، واستدعاني السلطان فدخلت إليه، فعمل الشهاب تمامها وأنا عنده، وكتبها على هذه الصورة وأنفذها إلى: سهل الخلائق رطبها ... صعب الشكيمة والمراس لا يستجيب ولا يطي ... ع ولا يجود ولا يواسي ما بين ندمانٍ ظرا ... فٍ حين تخبر كياس واشرب برأس التل لا ... تحفل بغمدانٍ براس واهنأ بدولة سيف ذي ... يزنٍ ودولة ذي نواس فلقد فضلتهما بمج ... دٍ شامخٍ وندى وباس ورواق ملكٍ ثابت ال ... أركان سامي الفخر راس فالعمر ما تم السرو ... ر به كقول أبي فراس لا زال يخدمك الزما ... ن ومن حواه من أناس واتفق يوماً وقد اجتمعنا بثغر الإسكندرية أيام حلول السلطان الملك العزيز به إلى جزيرة الثغر لزيارة قبر أخينا الأعز بن المؤيد ﵀ وقد كان توفي أغبط ما كان بالحياة، وأيأس ما كان من الوفاة، وغصن شبابه رطيب، والزمان بالثناء على فضله الخطير خطيب، فلما حللنا بفناء قبره، وأرسلنا سيل المدامع لذكره، قال الشهاب: أيا قبر الأعز سقيت غيثاً ... كجود يديه أو دمعي عليه وقلت: وحلت جانبيك مروج زهرٍ ... تحاكي طيب أوقاتي لديه فقال الشهاب: لفقد إخائه الصافي وداداً ... وددت الموت من شوق إليه ومن التمليط الواقع بين ثلاثة من الشعراء مما كان بقسيم لقسيم: روى المدائني قال: خطب أويس القرني ﵁ أم الشماخ ومزرد وجزء، بني ضرار، وحضر إليهم، فقال الشماخ: نبئتها ناكحةً أويسا فقال مزرد: يهدي إليها أعنزاً وتيسا فقال جزء: حمقا ترى ذاك بها أم كيسا فقال أويس: لعن الله من يكون رابعكم. وما أحسب أويساً ﵁ خطب امرأة قط، ولعله غيره، أو في الرواية وهم. ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني عن رجاله وتتصل روايته بالحرمازي؛ قال: نزل شبيب بن البرصاء المري وأرطأة بن زفر وعويف القوافي برجلٍ من أشجع، كثير المال يسمى علقمة، فأتاهم بشربة

стр. 109

لبن ممذوقة، ولم يذبح لهم؛ فلما رأوا ذلك منه قاموا إلى مطيهم ورواحلهم فركبوها، ثم قالوا تعالوا حتى نهجو هذا الكلب، فقال شبيب: أفي حدثان الدهر أم في قديمه ... تعلمت ألا تقري الضيف علقما فقال أرطاة: لبثنا طويلاً ثم جاء بمذقةٍ ... كماء السلا في جانب القعب أثلما فقال عويف: فلما رأينا أنه شر منزلٍ ... رمينا بهن الليل حتى تصرما وروي أيضاً أن عقيل بن علفة المري خرج هو وابناه جثامة وعلفة وابنته الجرباء حتى أتو بنتاً له ناكحاً في بني مروان بالشام آمت. ثم إنهم قفلوا بها حتى كانوا ببعض الطريق قال عقيل: قضت وطراً من دير سعدٍ وربما ... على عرضٍ ناطحنه بالجماجم إذا هبطت أرضاً يموت غرابها ... بها عطشاً أعطينهم بالخزائم ثم قال: أجز يا علفة، فقال: إذا علم غادرنه بتنوفةٍ ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم ثم قال: أجز يا جثامة، فقال: وأصبحن بالموماة يحملن فتيةً ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم ثم قال: أجيزي يا جرباء، فقالت: وأنا آمنة؟ قال: نعم، فقالت: كأن الكرى سقاهم صرخديةً ... عقاراً تمشت في المطا والقوائم فقال عقيل: شربتها ورب الكعبة! لولا الأمان لضربت بالسيف ما تحت قرطيك، أما وجدت من الكلام غير هذا! فقال جثامة: وهل أساءت؟ إنما أجازت، وليس غيري وغيرك! فرماه عقيل بسهم، فأصاب ساقه والرحل، ثم شد عليها، وقال: لولا يعيرني بنو مرة بعد اليوم ما ذقت الحياة. ثم خرج متوجهاً إلى أهله. ثم نحر عند جثامة جزوراً وتركه وقصد قومه، وقال: لئن أخبرت أهلك بشأن جثامة، أو قلت لهم إنه أصابه غير الطاعون أتيت عليك. فلما قدموا على أهل أبير وهم بنو القين ندم عقيل على ما فعله بجثامة، فقال لهم: هل لكم في جزورٍ انكسرت؟ قالوا نعم، قال: الزموا إثر هذه الرواحل حتى تجدوا الجزور. فخرج القوم حتى انتهوا إلى جثامة، فوجدوه وقد أنزفه الدم، فحملوه واقتسموا الجزور، وأنزلوه عليهم، وعالجوه حتى برأ، وألحقوه بقومه، فلما احتملوه وقرب الحي تغنى جثامة بقوله:

стр. 110

أيعذر لاهينا ويلحين في الصبا ... وما هن والفتيان الاشقائق فقال له القوم: إنما أفلت من الجراحة التي جرحك أبوك آنفاً، وقد عاودت ما يكرهه، فأمسك عن هذا ونحوه إذا لقيته، لا يلحقك منه شر وعر. فقال: إنها خطرة خطرت، والراكب إذا سار يترنم. وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة هذه الحكاية على غير هذه الصفة، وذكر لعقيل البيت الأول من بيتيه، وجعل بدل علفة أخاه عملس، وأنشد له البيت الأول أيضاً من بيتيه، ثم ذكر أنه أنحى على ابنته الجرباء يضربها بالسوط، فلما رأى ذلك بنوه وثبوا عليه، فشلوا فخذه بسهم، فقال: إن بني زملوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم شنشنة أعرفها من أخزم وذكر أبو الفرج هذا الرجز في حكاية أخرى تتصل بزيد ابن عياش التغلبي والربيع بن نمير قال: غدا عقيل بن علفة على أفراس له عند بيوته، فأطلقها، ثم رجع فوجد بنيه وأمهم مجتمعين، فشد بسيف، فحاد عنه، وتغنى بقوله: قفي يا بنة المري نسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتنا قبل نخبرك إن لم تنجزي الوعد أننا ... ذواخله لم يبق بينهما وصل فإن شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإن شئت لا يفنى التكارم والبذل فقال عقيل: يا بن اللخناء، متى منتك نفسك هذا! وشد عليه بالسيف - وكان عملس أخاه لأمه، فحال بينه وبينه - فشد على عملس بالسيف، فرماه علفة بسهم، فأصاب ركبته، فسقط عقيل، وجعل يتمعك في دمه، ويزمجر بالرجز المقدم. وبعده: من يلق أبطال الرجال يكلم ... ومن يكن ذا أودٍ يقوم قال المدائني: وأخزم فحل لرجل كان منجباً، فضرب في إبل رجل آخر، ولا يعلم صاحبه، فرأى بعد ذلك من نسله جملاً، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، فأرسلت مثلاً. قال علي بن ظافر: ذكر الحريري في تفسير بعض مقاماته، أن أخزم جد حاتم الطائي، وأن جده الأدنى سعدا ضربه له مثلا، لما رأى منه تخلقه بأخلاقه وآثاره، والشنشنة: الشبه. والصحيح ما ذكره أبو الفرج، وهذه الفعلة من علفة كانت سبب تفريق عقيل أولاده وطردهم عنه، وكانوا يقصدون أذاه بإنشاد الغزل بحضرة أخواتهم، لأنه كان مفرط الغيرة مبالغاً في الظنة، شديد الرقاعة،

стр. 111

وهم من شياطين العرب. وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق المعروف بالوراق بن يعقوب النديم في كتاب الفهرست قال صار جناد وإسحاق الجصاص إلى أبي عرار العجلي أحد رواة اللغة، فقال له جناد: اسمع شيئاً قلته، وأجزه، قال: قل، فقال جناد: فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى دير هندٍ كيف خطت مقابره فقال إسحاق: تري عجباً مما قضى الله فيهم ... رهائن حتفٍ أوجبته مقادره فقال أبو عرار: بيوت ترى أثقالها فوق أهلها ... ومجمع زورٍ لا يكلم زائره وذكر محمد بن سنان مما رواه أبو الفرج، أن مطيع ابن إياس وحماد عجرد ويحيى بن زياد خرجوا في سفر، فلما نزلوا ببعض القرى عرفوا، فأنزلوا منزلاً، وأتوا بطعام وشراب، وبينما هم يشربون في صحن الدار، إذ أشرفت بنت دهقان من سطحٍ لها بوجهٍ مشرق رائق، فقال مطيع لحماد: ما عندك يا حماد؟، فقال حماد: خذ فيما شئت، فقال مطيع: ألا يا بأبي النا ... ظر من بينهم نحوي فقال حماد: ألا يا ليت فوق الحقو منها لاصقاً حقوي فقال مطيع: وأن البضع يا حما ... د منها شوبك المروي فقال يحيى بن زياد: ويا سقياً لسطح أش ... رقت من بينهم حذوي وروى محمد بن خلف المرزباني عن بعض شعراء الكوفة، قال: قال لي محمد بن كناسة: قد اشتهت دنانير - يعني جاريته المشهورة جمالاً وأدباً - أن تنظر إلى الحيرة، فهل لك أن تساعدنا؟ - وكان الزمان ربيعاً - فقلت: نعم، فقال: تقدمنا لنلحق بك، فقصدت الخورنق وجلست في بعض المواضع المعشبة، وإذا به قد أقبل على بغلة ومعه دنانير على حمار فأخذ غلامه دابتيهما، فنزلا، وجلسنا وقد ستر بعض وجهها مني، فقلت أداعبها - وكان محمد يأنس بي، ويسكن إلي -: إنما تسترين وجهك عن شيخ، فقالت: طماح عين، قال: فضحكنا، ثم أخذنا ننظر إلى رياض الحيرة وبقاعها، ونتذكر ما مضى لها من الزمان، ونستحسن حمرة الشقائق على ائتلاف تلك الأنوار والألوان وطيب روائح النوار، فأخذ محمد عوداً وكتب على الأرض: الآن حين تزين القطر ... أنجاده ووهاده العفر ثم قال لدنانير: أجيزيه فقالت:

стр. 112

بسط الربيع بها الرياض كما ... بسطت ثياب في الثرى خضر فقلت: أحسنت والله، فقال: أجز، فكتبت تحتهما: برية في البحر نابتة ... يجبى إليها البر والبحر فكتبت: وسرى الفرات على مياسرها ... وجرى على أيمانها النهر وبدا الخورنق في مطالعها ... فرداً يلوح كأنه الفجر كانت منازل للملوك ولم ... يعمل بها لمملك قبر وقد ذكر أبو الفرج هذه الحكاية، ورواها عن عبيد الله بن الحسين، وعزا جميع أبياتها لابن كناسة. قال الأصمعي ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد إلا مرة واحدة، دخلت عليه أنا وأبو حفص الشطرنجي، فقال: استبقا إلى بيت، فمن أصاب غرضي، فله عشرة آلاف درهم، قال: فأشفقت ومنعتني هيبته، وبدر الشطرنجي بجراءة العميان، فقال: كلما دارت الزجاجة زادت ... هـ اشتياقاً وحرقةً فبكاك فاستحسنه وأجازه، فزالت عني الهيبة، فقلت: لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك فقال: لله درك! لك عشرون ألفاً، ثم أطرق ورفع رأسه، وقال: أنا - والله - أشعر منكما، وأنشد: فتمنيت أن يغشيني الل ... هـ نعاساً لعل عيني تراك! وقد أنبأني التقي أبو محمد عبد الخالق المسكي عن أبي طاهر السلفي، قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن السراج وابن يعلان الكبير قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، عن أبي يعقوب النجيرمي قال: حدثنا الأزدي عن ابن دريد عن أبي حاتم، عن الأصمعي، قال: دخلت على الرشيد، وعنده أبو حفص الأعمى المعروف بالشطرنجي، فقال: استبقا إلى آخره، فوقع في نفسي أنه يريد جارية الناطفي، فهبته وبدرني أبو حفص، فقال: مجلس ينسب السرور إليه ... لمحب ريحانه ذكراك فقال: قد قاربت، ولك العشرة، وتهيبته، فقال:

стр. 113

كلما دارت الزجاجة ... وذكر باقي الحكاية بنحو ما في الأولى. وحدث رزين العروضي قال: أصبحت مخموراً فتفكرت فيمن آنس به، فذكرت عنان، فاستأذنت عليها، فإذا عندها أعرابي. فقالت: يا عم، قد أتاني الله بك على فاقة، إن هذا الأعرابي قصدني، فقال: قد بلغني أنك شاعرة، فقولي حتى أجيز، وقد أرتج علي، فقلت: لقد قل العزاء وعيل صبري ... عشية عيسهم للبين زمت فقال الأعرابي: نظرت إلى أوائلهن صبحاً ... وقد رفعت لها حدج فحنت فقالت عنان: كتمت هواهم في الصدر مني ... ولكن الدموع علي نمت فقال الأعرابي: أنت أشعرنا، ولولا أنك حرمة لقبلتك. قال وروى محمد بن عيسى بن عبد الرحمن قال: خرج إبراهيم بن عباس الصولي ودعبل بن علي الخزاعي وأخوه رزين، في نظراء من أهل الأدب رجالة إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، وذلك في زمن خمول إبراهيم، فلقوا جماعةً من أهل السواد من حمال الشوك، فأعطوهم شيئاً وركبوا حميرهم، فأنشأ إبراهيم يقول: أعيضت من حمول الشو ... ك أحمالاً من الحرف نشاوى لا من الصهبا ... ء بل من شدة الضعف فقال رزين: فلو كنتم على ذاك ... تميلون إلى قصف تساوت حالكم فيه ... ولم تبقوا على خسف فقال دعبل: وإذ فات الذي فات ... فكونوا من أولى الظرف ومروا نقصف اليوم ... فإني بائع خفي فانصرفوا عنه، وباع خفه، وأنفق ثمنه عليهم. وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال الذي جمعه للمعز بن تميم صاحب القاهرة، قال: أخبرني سيبويه قال: اجتمع محمد بن مقبل ومحمد بن مجمع وأبو نصر الأشعثي في بستان لابن مقبل، وفي البستان نرجس تميس به الريح، فقال ابن مقبل: شموس وأقمار من الزهر طلع ... لذي اللهو في أكنافها متمتع فقال محمد بن مجمع:

стр. 114

تجاذب أعلاها الرياح فتنثني ... فيلم بعض بعضها ثم يرجع فقال الأشعثي: كأن عليها من مجاحة ظلها ... لآلئ إلا أنها هي ألمع ويحدرها عنها الصبا فكأنها ... دموع براها البين والبين يفجع وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد قال: اجتمع عند أبي الحسن علي بن يحيى بن المنجم أحمد بن أبي طاهر وأبو هفان عبد الله بن أحمد العبدي وأبو يوسف يعقوب بن يزيد، على نبيذ فقال أبو هفان بديهاً يمدح علياً: وقائلٍ إذ رأى عزمي على الطلب ... أتهت أم نلت ما ترجو من الأدب إن ابن يحيى علياً قد تكفل بي ... وصان عرضي كصون الدين والحسب فابتدر التمار فقال: تذكى لزواره نار منورة ... على يفاعٍ ولا تذكى على صبب من فارس الخيل في أبيات مملكةٍ ... وفي الأكارم من جرثومة النسب فقال أحمد بن أبي طاهر: له خلائق لم تطبع على طبعٍ ... ونائل وصلت أسبابه سببي كالغيث يعطيك بعد الري نائله ... وليس يعطيك ما يعطيك عن طلب ومنه قال اجتمع عند أحمد بن أبي طاهر أبو الضياء القيني وأبو سليمان النابلسي الضرير في أيام أبي الصقر على نبيذ فقال أحمد بن أبي طاهر: كأنما التف بريحانه ... ثوب من النرجس مشقوق فقال القيني: أو روضة خضراء نوارها ... بالمزن مصبوح ومغبوق فقال النابلسي: له نسيم بيننا ساطع ... كأنه بالمسك مفتوق كأنه يا بن أبي طاهرٍ ... من طيب أخلاقك مخلوق وذكر أبو حفص عمر بن علي المطوعي في كتاب درك الغرر ودرج الدرر في محاسن نظم الأمير أبي الفضل الميكالي، قال: سمعت الأمير أبا الفضل يقول: سمعت أبا القاسم الكرخي يقول: كنت ليلة عند الصاحب بن عباد، ومعنا

стр. 115

أبو العباس الضبي، وقد وقف على رءوسنا غلام كأنه فلقة قمر، فقال الصاحب مرتجلاً: أين ذاك الظبي أينه فقال أبو العباس الضبي: شادن في زي قينة فقال الصاحب: بلسان الدمع تشكو ... أبداً عيناي عينيه فقال أبو القاسم: لي دين في هواه ... ليته أنجز دينه فزاد الأمير أبو الفضل عند إنشاد أبي القاسم فقال: لا قضى الله ببينٍ ... أبداً بيني وبينه وأخبرت أن الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة السلمي وأبا محمد عبد الله بن محمد بن سعد الخفاجي الحلبي اجتمعنا عند الأمير سديد الملك أبي الحسين علي بن المقلد بن نصر بن منقذ الكناني، فتفاوضوا في فنون الأدب، فقال ابن أبي حصينة: قمر إن غاب عن بصري فقال الخفاجي: ففؤادي حد مطلعه فقال ابن أبي حصينة: لست أنسى أدمعي ولهاً فقال الخفاجي: خلطت في فيض أدمعه فقال سديد الملك: قلت زرني قال مبتسماً ... طمع في غير موضعه قال علي بن ظافر أخبرني من أثق به بما معناه، قال: خرج الوزير أبو بكر بن عمار والوزير أبو الوليد بن زيدون، ومعهما الوزير ابن خلدون من إشبيلية إلى منظرةٍ لبني عباد بموضع يقال له الغيث، تحف به مروج مشرقة الأنوار، منتسمة النجود والأغوار، مبتسمة عن ثغور النوار، في زمن ربيع سقت السحب الأرض فيه بوسميها ووليها، وجلتها في زاهر ملبسها وباهر حليها وأرداف الربا قد تأزرت بالأزر الخضر من نباتها، وأجياد الجداول قد نظم النور قلائده حول لباتها ومجامر الزهر تعطر أردية النسيم عند هباتها، وهناك من البهار ما يزري بمداهن النضار ومن النرجس الريان ما يهزأ بنواعس الأجفان، وقد نووا الانفراد باللهو والطرب، والتنزه في روضتي النبات والأدب، وبعثوا صاحباً لهم يسمى خليفة هو قوام لذتهم، ونظام مسرتهم ليأتيهم بشراب يذهبون الهم بذهبه في لجين زجاجه، ويرمونه منه بما يقضي بتحريكه للهرب عن القلوب وإزعاجه، وجلسوا لانتظاره، وترقب عوده على آثاره. فلما بصروا به مقبلاً من الفج بادروا إلى لقائه، وسارعوا إلى نحوه وتلقائه. واتفق أن فارساً من الجند ركض فرسه فصدمه، ووطئ عليه فهشم أعظمه وأجرى دمه، وكسر قمعل الشراب الذي كان معه، وفرق من شملهم ما كان الدهر قد جمعه، ومضى على غلوائه راكضاً،

стр. 116

حتى خفى عن العين خائضاً، وحين وصل الوزراء إليه، تأسفوا عليه، وأقاضوا في ذكر الزمن وعدوانه، والخطب وألوانه، ودخوله بطوام المضرات على توام المسرات، وتكديره الأوقات المنعمات، بالآفات المؤلمات، فقال ابن زيدون: أنلهو والحتوف بنا مطيفة ... ونأمن والمنون لنا مخيفة وقال ابن خلدون: وفي يومٍ وما أدراك يوم ... مضى قمعا لنا ومضى خليفه وقال ابن عمار: هما فخارتا راحٍ وروحٍ ... تكسرتا فشقفات وجيفه وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله المقدم ذكره قال: أخبرني الشيخ تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، قال: أخبرني بن الدهان القرطبي، قال: مضيت أنا وأبو الفضل البغدادي وابن صلاح إلى دار أمين الدولة أبي الحسن هبة الله بن صاعد، ابن التلميذ، فأساء لنا حاجبه قنبر، وأفرط في منعنا من الدخول إليه، فقال أبو الفضل: قد بلينا في دار أس ... عد خلقٍ بمدبر فقلت: بقصيرٍ مطولٍ ... مستطيلٍ مقصر فقال ابن الصلاح: كم تقولون قنبر! ... قطعوا رأس قنبر ثم أذن لنا، فدخلنا نضحك، فسألنا عن سبب ضحكنا فأخبرناه بالسبب، فقال: أنشدوني الأبيات جملة أميز لكم قول كل واحد منكم، فأنشدناه الأول، فقال: هذا لأبي الفضل لأنه شاعركم، ثم أنشدناه الثاني، فقال: هذا لك لأن فيه شيئاً من ألفاظ المهندسين، وأنت رجل مهندس، ثم قال: والثالث لابن الصلاح لأنه مخضرم. قال علي بن ظافر مضيت أنا وشهاب الدين المقدم ذكره والقاضي الأعز بن المؤيد ﵀ في جماعة من أصحابنا إلى الدير المعروف بالقصير، إيثاراً لنظر تلك الآثار، فلما تنزهنا في حسن منظره، وقضينا الوطر من نظره، تعاطينا القول فيه جريا على عادة الخلعاء والبلغاء، وظرفاء الأدباء ومجان الشعراء، الذين نبذوا الوقار بالعراء، فقطعوا طريق الأعمار، بطروق الأغمار، وضيعوا العين والعقار في تحصيل العين والعقار، فقال الشهاب:

стр. 117

سقى الله يومي بدار القصير ... قصير العزالى طويل الذيول محل إذا لاح لي لم أقف ... بصحبي على حوملٍ فالدخول فقلت: فكم فيه من قمرٍ في دجىً ... على غصنٍ في كثيب مهيل بلحظٍ صحيحٍ وطرف سقيمٍ ... وروحٍ خفيفٍ وردف ثقيل فقال الأعز: قطعت به العيش مع فتيةٍ ... صباح الوجوه كرام الأصول بكل كريم قصير المرا ... ء حاز المعالي بباعٍ طويل فقال الشهاب: إذا فمه سل سيف المدام ... فكم من سليبٍ وكم من قتيل فقال الأعز: وكم من خليعٍ كريم الفعال ... يجدد بالجود غيظ البخيل فقلت: نوافيه ذا ذهب جامدٍ ... فيفنيه في ذائب للشمول ثم صنع الشهاب فيه على غير هذا الروي والوزن، فقال: على عمر القصير قصرت عمري ... وصنت خلاعتي وأزلت وقري فقال الأعز: ولم أسمع لعمري قول زيدٍ ... إذا ما لامني أو قول عمرو فقلت: ظفرنا فيه من شفةٍ وكأسٍ ... بمشروبين من ريقٍ وخمر فقال الشهاب: ودافعنا يقين الدين فيه ... بمظنونين من خمرٍ وخصر فقال الأعز: كسوت به كئوس البيض حمراً ... من القمص اشتريناها بصفر فقلت: وظلت بمارق للهو أتلو ... بهز البيض فيه عناق سمر قال علي بن ظافر وجلسنا يوماً في روضٍ قد ماست قدوده، واخضرت بروده، وخجل ورده من عيون نرجسه فاحمرت خدوده، والروض يهدي إلى الآفاق طيب عرفه، والنسيم يركض في ميادين الأزهار بطرفه، فقلت: بعث النسيم إلى الرياض رسولا ... يوحي إليه بكرةً وأصيلا فقال الأعز: يدعو إلى شرب المدام فليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا فقال الشهاب: ياويلتا ذهب الشباب فليتني ... لم أتخذ فيه العفاف خليلا ومما روي في مثل هذا إلا أنه روي عن قوم مجاهيل فأخرنا ذكره، حتى انتهى الترتيب، ولم نر إخلاء الكتاب من ذكره؛ لأنه يجري مجرى الملح، ما روي أن ثلاثة من الكتاب خرجوا إلى متنزه، فبينما هم يأكلون طعاما كان معهم، إذا بمتطفل

стр. 118

جلس إليهم، وابتدأ في تلقف ما في الطبق مما بين أيديهم، فقالوا له: هل عرفت منا أحداً؟ قال نعم، هذا - وأشار إلى الطعام - فتعاطوا صفتهم، فقال أحدهم: لم أر مثل جذبه ومطه فقال الآخر: والأكل من دجاجه وبطه فقال الثالث: كأن جالينوس تحت إبطه فقال: أما نحن فوصفنا من شدة أكله ما عايناه، فما معنى كون جالينوس من تحت إبطه؟ فقال: يلقمه جوارش الكمون لئلا يتخم. ومن التمليط الواقع بين أربعة شعراء: ما روى الأصبهاني بسندٍ يتصل بإسحاق الموصلي عن رجاله أن عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزوميين وأبا ربيعة المصطلقي ورجلاً من بني مخزوم - وهو ابن أخت الحارث - خرجوا يشيعون بعض خلفاء بني أمية، فلما انصرفوا نزلوا بسرف، فلاح لهم برق، فقال الحارث: كلنا شعراء، فهلموا نصف البرق، فقال أبو ربيعة: أرقت لبرق في دجى الليل لامعٍ ... جرى من سناه ذو الربا فمتالع فقال الحارث: أرقت له ليل التمام ودونه ... مهامه موماة وأرض بلاقع فقال ابن أخته: يضيء عضاه الشوك حتى كأنه ... مصابيح أو فجر من الصبح ساطع فقال عمر بن أبي ربيعة: أيا رب لا آلو المودة جاهداً ... لأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع ثم قال: مالي وللبرق والشوك! وأنبأني الفقيه التقي عبد الخالق المسكي عن السلفي قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن يعلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرني أبو يعقوب يوسف بن يعقوب النجيرمي قال: ذكر أبو بكر الصولي أنه وجد بخط ابن خرداذبة، أن أبا نواس ومسلم بن الوليد الصريع والحسين بن الضحاك الخليع والعباس بن الأحنف خرجوا إلى متنزه، ومعهم يحيى بن معاذ، فأدركتهم صلاة المغرب، فقدموا ابن معاذ للصلاة، فنسي الحمد، وأرتج عليه في " قل هو الله أحد " فقطعوا الصلاة، ثم تعاطوا القول فيه، فقال أبو نواس: أكثر يحيى غلطا ... في قل هو الله أحد فقال مسلم بن الوليد:

стр. 119

قام طويلاً ساهياً ... حتى إذا أعيا سجد فقال العباس بن الأحنف: يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد فقال الحسين بن الضحاك الخليع: كأنما لسانه ... شد بحبلٍ من مسد قال ابن رشيق في كتاب العمدة: وأخبرني بهذه الحكاية بعض أصحابنا، فقلت: وما على أحدٍ لو قال: ونسي الحمد فما ... مرت له على خلد وسمع هذه الحكاية أيضاً العباس بن الحطيئة، فقال: ورام شيئا غير ذا ... يقرؤه فما وجد وذكر أبو الفرج قال: أولم محمد بن خالدفدعا أبان بن عبد الحميد اللاحقي وسهل بن عبد الحميد وعبيد الله بن عمرو العتبي والحكم ابن قنبر، وأخر عنهم الغداء، ثم جاء فوقف وقال: ما لكم أعزكم الله! ألكم حاجة؟ يمازحهم، فقال أبان: حاجتنا فاعجل علينا بها ... من الحشاوي كل طردين وقال الحكم: ومن خبيصٍ قد حكى عاشقاً ... صفرته زينت بتلوين فقال العقبى: وأتبعوا ذاك بأبيةٍ ... فإنكم أصحاب أبين فقال سهل: دعنا من الشعر وأوصافه ... واعجل علينا بالأخاوين فأمر بإحضار الغداء وخلع عليهم ووصلهم. ومن ذلك ما أنبأنا به العماد أبو محمد الأصبهاني قال: حدثني صديقي النجيب محمد بن مسعود القسام بأصفهان، قال: حضرت مجلس مؤيد الدين أبي علي محمد بن اسبهسلار رئيس جرباذقان، وعنده شمس الدين احمد بن شداد الغزنوي ومجد الدين إسماعيل بن أحمد اليماني، فأحضر بين يديه ورد أحمر، فابتدر الغزنوي فقال: الورد فاح كأنه ... خلق الأمير أبي علي فقلت: أوصيته بين الأنا ... م وذكره في المحفل فقال اليماني: فاحمر من خجلٍ ومن ... فضحته دعوى يخجل فقال مؤيد الدين: في عمره كعدوه ... في عزفه مثل الولي فنظم به ورد الثنا ... وانثر عليه من عل

стр. 120

وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي قال: كنا بالعسكر المنصور الكاملي - أعزه الله - على العباسة، وعندي في خيمتي القاضي السعيد أبو القاسم بن سناء الملك ﵀ والمهذب ابن الخيمي، وأقبل بعض الشعراء من أصحابنا على أكديش، وتحته على السرج خرج مشقوق، فتعاطينا العمل فيه، فقال ابن سناء الملك - رحمه اله -: بط خراج خرجه ... عن قربوس سرجه فقال المهذب ابن الخيمي: لا ترجه لصالحٍ ... يأتى ولكن أرجه فقلت: فإنما آفته ... من بطنه وفرجه وأقول: قد بقى عليهم من تمام المعنى والقوافي أن يقول أحدهم: فهو كذا في دخله ... يفكر لا في خرجه ومن التمليط الواقع بين خمسة ما ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة بالإسناد المتقدم أن الأستاذ الرئيس أبا الفضل بن العميد جلس يوماً وعنده أبو محمد بن هندو وأبو الحسين بن فارس صاحب مجمل اللغة، وأبو عبد الله الطبري، وأبو الحسن البديهي، فجاءه بعض الخدم بأترجة فقال لهم: تعالوا نتجاذب أذيال وصفها، فقالوا: إن رأى سيدنا أن يبدأنا نفعل، فقال: وأترجةٍ فيها طبائع أربع فقال أبو هندو: وفيها فنون اللهو والشرب أجمع فقال ابن فارس: يشبهها الرائي سبيكة عسجدٍ فقال البديهي: على أنها من فأرة المسك أضوع فقال الطبري: وما أصفر منها اللون للعشق والهوى ... ولكن أراها للمحبين تجمع وعلى ذكر هذه الحكاية ذكر القزويني في كتاب الروضة قال أبو الفرج - وذكر هذه الحكاية وما قال فيها الرئيس أبو الفضل وعمه أبو محمد بن هندو وعيرهم: كان الوزراء والصدور في ذلك الزمان من ذكرنا وشرحنا ووصفنا، وصرنا الآن إلى الزمان الخرف الهم، للذي لا فضل في أهله ولا إفضال، وأنموذجة ذلك أي حضرت ضيافة وزير الري أبي العلاء اللنكي، منصرفي من العراق، وقد احتشد لي ليريني فضل عظمته في الوزارة بعد ما رأيت حاله الأولى، وحضر معي الوزير أبو العلاء بن حسوك، فلما صرنا إلى مجلس الأنس، ودارت الكئوس، وأخذت منه الخمر، وقد كان انتهى إليه حكاية الرئيس أبي الفضل بن العميد مع عمي، فدعا بدواة

стр. 121

ودرج، وكتب حتى عرق جبينه، ولطخ الدرج بكثرة ما سود، ثم تبادل أترجة وقلبها، يعلمنا أنه عمل فيها شيئاً، ثم قال: كأنها لون فتىً عاشقٍ ... من برده قد لبس المخملا فالتفت إلى أبو العلاء بن حسوك وقال لي سراً: لابد من إجازة هذا البيت بما يشاكل سخنة عين الوزراء، ولو عزلني عن عملي وقطع ضياعي، ثم أقبل عليه كأنه يصل كلامه فقال: أو لون حاجي من خرسان ومن ... إسهاله قد ركب المحملا فتوهم الوزير أنه جد، فأخذ يحرك رأسه مستحسناً لهذه الإجازة، ومتعجباً من سرعة البديهة، وملكني وأبا العلاء الضحك حتى تهتكنا، ونبه على سخريتنا منه، فظهرت منه حركات العربدة، فانصرفنا إشفاقاً من حال مكروهةٍ تجرى علينا. الباب الرابع في بدائع بدائه الاجتماع على العمل في مقصود واحد من شاعرين فصاعداً وقد يكون اجتماعهما لشيئين: أحدهما، أن يكون ذلك لأمر ملك أو وزير، واقتراح رئيس أو كبير، وسؤال صديق أو رفيق. والثاني أن يقصد تبين فضلهما إن كانا متوافقين، أو يقصد أحدهما تعجيز صاحبه إن كانا متنازعين أو متدافعين. أو يقصد أحدهما تعجيز صاحبه إن كانا متنازعين أو متدافعين. ويقع ما يصدر عنهما أيضاً على وجهين: أحدهما أن يكونا فيما نظما متباعدي الغرضين مختلفي المقصدين، وهو الأكثر. والثاني أن يتفقا على معنىً واحدٍ وهو الأقل، ربما اشتركا في كثير من الألفاظ واتفقا في القافية، وهذا إنما يكون عند اشتراكهما في جودة طبع وصفاء ذهن، وحدة خاطر، وقوة فكر واتقاد قريحة. وبالجملة أن يكونا واردين على شريعة واحدة. وها أنا اذكر ما مر بي من الأخبار على هذين الوجهين في فصلين، وأبدأ بما وقع الاتفاق فيه فأقول: لفصل الأول فيما وقع الاتفاق فيه قال علي بن ظافر أكثر ما يقع هذا الاتفاق الغريب والتوارد العجيب، إذا ضيق المقترح على الشاعرين بأن يعين الوزن والقافية. ذكر أبو عبد الله بن شرف القيرواني في كتاب أبكار الأفكار، قال: استدعاني المعز بن باديس يوماً واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي - وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه - فقال: أحب أن تصنعا بين يدي قطعتين في صفة الموز على قافية الغين،

стр. 122

فصنعنا حالا من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر، فكان الذي صنعته: يا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضع لأن إلى أن لا مجس له ... فالفم ملآن به فارغ سيان قلنا مأكل طيب ... فيه وإلا مشرب سائغ والذي صنعه ابن رشيق: موز سريع أكله ... من قبل مضغ الماضغ مأكلة لآكلٍ ... ومشرب لسائغ فالفم من لينٍ به ... ملآن مثل فارغ يخال وهو بالغ ... للحلق غير بالغ فأمرنا للوقت أن نصنع على حرف الذال، فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل، فكان ما عملته: هل لك في موز إذا ... ذقناه قلنا حبذا فيه شراب وغذا ... يريك كالماء القذى لو مات من تلذذا ... به لقيل ذا بذا وما عمله ابن رشيق: لله موز لذيذ ... يعيذه المستعيذ فواكه وشراب ... به يداوي الوقيذ ترى القذى العين فيه ... كما يريها النبيذ قال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحداً، ولقد قال من حضر ذلك اليوم: ما ندري مم نتعجب، أمن سرعة البديهة أم من غرابة القافية، أم من حسن الاتفاق! قال أبو عبد الله بن شرف واستخلانا المعز يوماً وقال: أريد أن تصنعا شعراً تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء، فإني أستحسنته، وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعي أنه قديم لأحتج به على من عابه، وأسر به من عيب عليه؛ فانفرد كل منا، وصنع في الوقت؛ فكان الذي قلت: وبلقيسيةٍ زينت بشعرٍ ... يسيرٍ مثلما يهب الشحيح

стр. 123

رقيق في خدلجةٍ رداحٍ ... خفيف مثل جسم فيه روح حكى زغب الخدود كل خد ... به زغب فمعشوق مليح فإن يك صرح بلقيسٍ زجاجاً ... فمن حدق العيون لها صروح وكان الذي قال ابن رشيق: يعيبون بلقيسية أن رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا وقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا فنتقد المعز على ابن رشيق قوله: يعيبون، وقال: قد أجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه. وهذا نقد ما كنت فطنت له. وروى ابن بسام في كتاب الذخيرة وهو روايتي عنه بالإسناد المتقدم قال: حكى أبو صفوان العتكي قال: كان أو إسحاق الحصري يختلف إلى بعض المشيخة من القيروان، وكان ذلك الشيخ كلفاً بالمعذرين، وهو القائل فيهم: ومعذرين كأن نبت عذارهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا قرنوا البنفسج الشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا قال وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان وكان به كلفاً فبينا هو يوماً والحصري جالس عنده وقد أخذ في الحديث إذا أقبل الغلام: في صورةٍ كملت تخال بأنها ... بدر السماء لستةٍ وثمان يعشى العيون ضياؤها فكأنها ... شمس الضحى تعشى بها العينان فقال له الشيخ: يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن هام، في هذا الغلام، وصبا لهذا القد والقوام؟ فقال الحصري: الهيمان به والله غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف؛ لا سيما وقد شاب كافور خده هذا المسك الفتيت، وهجم على صبحه هذا الليل البهيم، والله ما خلت بياضه في سواده إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر؛ فقال: صفه يا حصري، فقال: من ملك رق القول حتى ذلت له صعابه، وانقاد له جموحه وسطع له شهابه، أقعد مني بوصفه؛ فقال: صفه فإني معمل فكري في ذلك. ثم أطرق كل منهما لحظة؛ فكان الذي صنعه الحصري: أورد قلبي الردى ... لام عذارٍ بدا أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى فقال الشيخ: أتراك اطلعت على ضميري، أم خضت بين جوانحي! فقال له: ولم ذلك

стр. 124

أيها الشيخ؟ قال: لأني قلت: حرك قلبي فطار ... صولج لام العذار أسود كالليل في ... أبيض مثل النهار وأنبأني العماد أبي حامد قال: حكى أن شرف الدين أبا المنذر بن الوزير عون الدين بن هبيرة نظر إلى القمر في بعض الليالي وهو يدخل تحت السحاب تارة، وينكشف أخرى، فقال للحاضرين: ليقل كل منكم في وصفه شيئاً، فقال الأديب مقبل: كأنما البدر حين يبدو ... لنا ويستحجب السحابا خريدة من بني هلالٍ ... لاثت على وجهها نقابا وقال شرف الدين: إذا تطلع بدر التم من فرجٍ ... دون السحاب وحالت دونه سحب تخاله في رثيثٍ من ملاءته ... خرقاء تسفر أحياناً وتنتقب وقال عمه الأكرم أبو العباس عبد الواحد بن محمد بن هبيرة: وكأن هذا البدر حين تظلمه ... سحب فيخفى تارة ويئوب حسناء تبدو من خلال سجوفها ... طوراً فتنظر نحونا وتغيب وقال ابن ظافر أخبرني أبو عبد الله بن المنجم بما معناه: صعدت إلى سطوح الجامع بمصر آخر شهر رمضان مع جماعة، فصادفت الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس وعلي بن مفرج بن المنجم وابن مؤمن وشجاعاً المغربي، فانضفت إليهم، فلما غابت الشمس وفاتت، ودفنت في المغرب حين ماتت، وتطرز حداد الظلام بعلم هلاله، وتجلى زنجي الليل بخلخاله، اقترح الجماعة علي ابن قلاقس وابن المنجم أن يصنعا في صفة الحال، فأطرق كل منهما مفكراً، وميز ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متخيراً، فلم يكن إلا كرجعة طرف، أو وثبة طرف حتى أنشدا، فكان ما صنعه ابن المنجم: وعشاء كأنما الأفق فيه ... لازورد مرصع بنضار قلت لما دنت لمغربها الشم ... س ولاح الهلال للنظار أقرض الشرق صنوه الغرب دينا ... راً فأعطاه الرهن نصف سوار وكان الذي صنعه أبو الفتوح بن قلاقس:

стр. 125

لا تظن الظلام قد أخذ الشم ... س وأعطى النهار هذا الهلالا إنما الشرق أقرض الغرب دينا ... راً فأعطاه رهنه خلخالا وقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعز لتنصيفه السوار؛ وعل كل حال فقد أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا. قال ابن ظافر وقد لي مثل ذلك مع القاضي الأعز ابن أبي الحسن علي بن المؤيد ﵀ وذلك أنا مررنا في عيشة على بستان مجاور للنيل، فرأيناه فيه بئراً عليها دولابان يتجاذبان، قد دارت عليهما أفلاكهما بنجوم القواديس، ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس، وهما يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان ماءً أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون، والسواقي قد أذالت من سلاسل قبضها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد استتر من الظل في لمى، وحيات المجاري حائرة تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى، والنهر قد صقل صيقل النسيم درعه، وزعفران العشى قد ألقى في ذيل الجو ردعه، فاستحوذ علينا ذلك الموضع استحواذا، وملأ أبصارنا حسناً وقلوبنا التذاذ، وملنا إلى الدولابين شاكين أزمرا حين سجعت قيان الطير بألحانها، وشدت على عيدانها، أم ذكر أيام نعمى وطابا، وكانا أغصانا رطابا، فنفينا عنهما لذة الهجوع، ورجعا النوح وأفاضا الدموع طلباً للرجوع، وجلسنا نتذاكر ما في تركيب الدواليب من الأعاجيب، وتناشدنا ما وصفت به من الأشعار الغالية الأسعار، فأفضى بنا الحديث الذي هو شجون، إلى ذكر الأعمى التطيلي، وقوله في أسد نحاس يقذف الماء: أسد ولو أني أنا ... قشه الحساب لقلت صخره فكأنه أسد السما ... ء يمج من فيه المجره فقال لي ﵀ يتولد من هذا معنى في الدولاب يأخذ بمجامع المسامع، ويطرب الرائي والسامع، فتأملته فملئت إطرباً، وأوسعت إغرابا، وأخذ كل منا ينظم ما جاش به غمر بحره، وأنبأه به شيطان فكره، فلم يكن إلا كنقر العصفور، الخائف من الناطور، حتى كمل ما أردناه من غير أن يقف أحد منا

стр. 126

على صنعه الآخر، فكان الذي قال: حبذا ساعة المجرة والدو ... لاب يهدي النفوس مسره أدهم لا يزال يعدو ولكن ... ليس يعدو مكانه قدر ذره ذو عيون من القواديس تبدى ... كل عين من فائض الماء عبره فلك دائر يرينا نجوماً ... كل نجمٍ منها يرينا المجره وكان الذي قلت: ودولابٍ يئن أنين ثكلى ... ولا فقداً شكاه ولا مضره ترى الأزهار في ضحكٍ إذا ما ... بكى بدموع عينٍ منه ثره حكى فلكاً تدور به نجوم ... تؤثر في سرائرنا المسره يظل النجم يغرب بعد نجمٍ ... ويطلع بعد ما تجري المجره فعجبنا من اتفاقنا، وقضى العجب منا سائر رفاقنا. قال ابن ظافررحمه الله ومن هذا الاتفاق أيضاً ما أخبرني به ابن المؤيد ﵀ بمعناه، قال: اجتمعت مع جماعة من أدباء أهل الإسكندرية في بستان لبعض أهلها، فحللنا روضاً تثنت قامات أشجاره، وتغنت قينات أطياره، وبين أيدينا بركة ماء كجو سماء، أو مرقعة مراء، فنثر عليها بعض الحاضرين ياسميناً زان سماءها بزواهر منيرة، وأهدى إلى لجتها جواهر نثيرة، فتعاطينا القول في تشبيهه، وأطرق كل منا لتحريك خاطره وتنبيهه، ثم أظهرنا ما حررنا، ونشرنا ما حبرنا، فأنشد العباس بن طريف الخراط الإسكندري: نثروا الياسمين لما جنوه ... عبثاً فاستقر فوق الماء فحسبنا زهر الكواكب تحكي ... زهر الأرض في أديم السماء وأنشد الأديب أبو الحسن علي بن سيف الدين الحصري: نثروا الياسمين لما جنوه ... فوق ماءٍ أحبب به من ماء! فحكى زهره لنا إذ تبدى ... زهر الشهب في أديم السماء قال: وكان الذي صنعته: نثروا الياسمين في لجة الما ... ء فخلنا النجوم وسط السماء فكأن السماء في باطن الأر ... ض أو الدر طف فوق الماء قال: وسمع أبو عبد الله بن الزين النحوي القصة، ولم يكن حاضراً معنا فقال:

стр. 127

نثر الغلام الياسمين ببركةٍ ... مملوءةٍ من مائها المتدفق فكأنما نثر النجوم بأسرها ... في يوم صحوٍ في سماء أزرق قال علي بن ظافر: وسألني الأعز - رحمه الله تعالى - أن أصنع في مثله، فصنعت: زهر الياسمين ينثر في الما ... ء أم الزهر في أديم السماء أم هما مبسم شنيب شتيت ... في رضاب الخريدة الحسناء ظل يحكي عقود در على صد ... ر فتاةٍ في حلة زرقاء وإذا خلته حباباً حسبت السماء طيباً كالقهوة الصهباء وهذا آخر ما وقع لي مما فيه توارد للمعاني وتوافق المباني. ومما يشبه هذا الباب أن يتفق الشعراء على نظم معنى مخصوص: أنبأنا العماد أبو حامد الأصبهاني إجازة قال: صنع الشريف أبو المحاسن بن الشريف ضياء الدين فضل الله بن علي بن عبد الله الحسني الراوندي القاشاني في تعريب شعر أعجمي: إني لأحسد فيه المشط والنشفه ... لذاك فاضت دموع العين مختلفة هذا يعلق في صدغيه أنمله ... وذا يقبل رجليه بألف شفه قال: وتسامع الناس بهذا المعنى، فاجتمع على العمل فيه جماعة منهم شمس الدين شاد الغزنوني، وكان حينئذ بأصبهان، فقال: أني أغار على مشطٍ يعالجه ... ونشفةٍ حظيت من قربه زمنا هذا يغازل صدغيه وأحرمه ... وذا يقبل رجليه ولست أنا! وقال أيضاً: المشط والنشفة المحمود شأنهما ... كلاهما في الهوى بالسعد ملحوظ فتلك باللثم من رجليه فائزة ... وذاك بالمسك من صدغيه محظوظ وقال فخر الدين القسام: أغار منه على مشطٍ ومنشفةٍ ... حتى أغص بدمعٍ فيه منسجم فذا يمد يديه نحو طرته ... وذي يقبل فوها صفحة القدم قال العماد: وعملت وأنا في سن الصبا، وشعري حينئذ لا أرضاه: مشط ومنشفة فيه حسدتهما ... دمعي لذا بهما فياض عارضة فتلك حاظية من مس إخصمه ... وذاك مستغرق في مسك عارضه

стр. 128

وأخبرني بعض أصحابنا الممصرين أن بعض جلساء الصالح بن رزيك أنشد بمجلسه بيتاً من الأوزان التي يسميها المصريون الزركالش، وسميها العراقيون كان وكان: النار بين ضلوعى ... ونا غريق في دموعي كنى فتيله قنديل ... أموت غريق وحريق وكان عنده القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب، والقاضي المهذب بن الزبير فتقدم إليهما بنظم معناه، فصنعا بديهاً؛ فكان مما صنعه الجليس: هل عاذر إن رمت خلع عذاري ... في شم سالفةٍ ولثم عذار متألف الأضداد فيه ولم تزل ... في سالف الأيام ذات نفار وله من الزفرات لفح صواعق ... وله من العبرات لج بحار كذبالة القنديل قدر هلكها ... ما بين ماء في الزجاج ونار وكان ما صنعه ابن الزبير: كأني وقد سالت سيول مدامعي ... فأذكت حريقاً في الحشا والترائب ذبالة قنديلٍ تعوم بمائها ... وتشعل فيها النار من كل جانب وصنع الصالح: وإذا تشب النار بين أضالعي ... قابلتها من عبرتي بسيول فأنا الحريق بل الغريق أموت في ... هذا وذا كذبالة القنديل قال علي بن ظافر أخبرني الأمير الأجل عضد الدين مرهف ابن أسامة بن منقذ، قال: كان لي مملوك اسمه ياقوت، فقصدت أنا وابن عمي عبد الرحمن بن محمد نظم المعنى المشهور من أن النار لا تعدو على الياقوت، فكان الذي قلته: أسكنته قلبي وأصبح حبه ... من دون أقوات البرية قوتي قالوا: وكيف يقيم من أحببته ... في نار قلبٍ بالجوي منعوت فأجبتهم لا تعجبوا لمقامه ... فالنار ليس تضر بالياقوت وكان الذي قاله ابن عمي: يا عجباً للذي كلفت به ... تدنيه مني إن غاب أفكاري يسكن قلباً من الجحيم ويزدا ... د ضراماً بدمعي الجاري لا تعجبوا منه حين يسكنه ... فما يبالي الياقوت بالنار

стр. 129

الفصل الثاني فيما لم يقع فيه توارد فمن ذلك ما ذكره صاحب العقد والعهدة عليه قال: بينما الأمير محمد بن زبيدة يطوف في قصره إذ بصر بجارية له سكرى، وعليها كساء خز نسجت أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على ما ترى، ولكن في غدٍ إن شاء الله. فلما كان من الغد سار إليها، فقال لها: الميعاد! فقالت: يا أمير المؤمنين؛ أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار، فضحك ثم خرج إلى مجلسه، فقال: من بالباب من الشعراء؟ فقيل له: مصعب والرقاشي والحسن بن هانئ، فأمر بهم فأدخلوا؛ فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل منكم شعرا يكون آخره: كلام الليل يمحوه النهار؛ فمن أصاب ما في نفسي فله حكمه؛ فارتجل الرقاشي: متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار وقد تركتك صبا مستهاماً ... فتاة لا تزور ولا تزار إذا استنجزت منها الوعد قالت: ... كلام الليل يمحوه النهار وقال مصعب: أتعذلني وقلبي مستطار ... كئيب ما يقر له قرار! بحب مليحةٍ صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار ولما أن مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار فقلت لها عديني منك وعداً ... فقالت في غدٍ منك المزار فلما جئت مقتضياً أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار وقال أبو نواس: وليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار وهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمان صغار وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التكريه وانحل الإزار فقلت: الوعد سيدتي فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار فقال: أخزاك الله! أكنت معنا مطلعا علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عرفت ما في نفسك فعبرت عما في ضميرك. فأمر له بأربعة آلاف دينار، ولصاحبيه بمثليهما. ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن حمدون الصوري عن الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي ﵀، عن أبي غالب شجاع الذهلي، قال لنا أبو منصور بن أبي الضوء العلوي: كنت في قريةٍ يقال لها بشيناء، وبها أبو محمد النامي، وهناك ناعورتان للزرع، فقال فيها وأنا حاضر: أنا عورتي شطى بشيناء إنني ... نظير كما في الوجد والهيمان أنينكما يحكى أنيني وعبرتي ... كمائكما في شدة الجريان فلا زلتما في خفض عيش يمده ... أمان من التفريق والحدثان وعملت أنا في الحال: بشيني لها ناعورتان كلاهما ... تسح بدمعٍ دائم الهملان مخافة دهرٍ أن يصيب بعينه ... لإحداهما يوماً فيفترقان وذكر أبو علي بن رشيق في كتاب الأنموذج قال: كان لمحمد بن حبيب التنوخي معشوق لا يزال يزوره إذا غاب عن منزله، فإذا حضر لم يأته؛ وكثر ذلك منهما، فقال لي يوماً: تعال حتى نضع في ذلك، فصنعت: ما بالنا نجفى فلا نوصل ... إلا خلافاً مثلما تفعل تأتي إذا غبنا فإن لم نغب ... جعلت لا تأتي ولا تسأل كهاجرٍ أحبابه زائرٍ ... أطلالهم من بعد أن يرحلوا وصنع هو: يا تاركاً إن لم أغب زورتي ... وزائري دأباً إذا غبت وددت أن ودك لا ينثني ... يزور فقداني لم مت قال علي بن ظافر: وذكرت بهاتين القطعتين قول ابن خفاجة الأندلسي في مثل هذه الواقعة، وهو أحسن ما سمعت فيها: صح الهوى منك ولكنني ... أعجب من بينٍ لنا يقدر كأننا في فلك دائرٍ ... فأنت تخفى وأنا أظهر قال ابن رشيق وكان كثيراً ما ينتابني غلام وضيء الوجه، وخال تحت لحيته، فنظر إليه يوماً بعض أصحابي، ثم أطرق، فعلمت أنه يعمل فيه، فصنعت بيتين وسكت عنهما خوف الوقوع دونه، فلما رفع رأسه قال: اسمع، وأنشد: يقولون لي من تحت صفحة خده ... تنزل خال كان مسكنه الخد

стр. 130

فقلت: رأى ذاك الجمال فهابه ... فحط خضوعاً مثل ما خضع العبد فقلت: أحسنت، ولكن اسمع، وأنشدت: حبذا الخال كامناً منه بين الجيد والخد رقبةً وحذرا رام تقبيله اختلاساً ولكن ... خاف من سيف لحظه فتوارى فقال: فضحتني، قطع الله لسانك، واشتد ضجره. وذكر الباخرزي في كتاب الدمية أنه اجتمع هو وأبو عاصم الفضل بن محمد الفضيلي الهرري في مجلس الإمام عبد الله الأنصاري - قال: وكان غايةً في الكلام على المنبر، فتعاطينا القول، فقال الفضيلي: عيون الناس لا تلقى ... من الناس كعبد الله ولا ينكر هذا غير من مال عن المله فقال الباخرزي: مجلس الأستاذ عبد الله روض العارفينا ألحق الفخر بنا بعد احتكام العارفينا! قال علي بن ظافر وذكر الفتح بن خاقان، قال: ركب عبد الجليل بن وهبون المرسي وأبو الحسن الحكم بن محمد المعروف بغلام البكري زورقاً بنهر إشبيلية في ليلة أظلم من قلب الكافر، وأشد سواداً من طرف الظافر، ومعهما غلام وضيء قد أطلع وجهه البدر ليلة تمامه، على غصن بانٍ من قوامه، وبين أيديهم شمعتان قد أزرتا بنجوم السماء، ومزقتا رداء الظلماء، وموهتا بذهب نورهما لجين الماء، فقال عبد الجليل ارتجالاً: كأنما الشمعتان إذا سمتا ... خدا غلامٍ مجانس الغيد وفي حشا النهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى إلى كبدي فقال غلام البكري: أحبب بمنظر ليلةٍ ليلاء ... تجنى بها اللذات فوق الماء في زورقٍ يزهى بغرة أغيدٍ ... يختال مثل البانة الغناء قرنت يداه الشمعتين بوجهه ... كالبدر بين النسر والجوزاء والتاج فوق الماء ضوء منهما ... كالبرق يخفق في أديم سماء وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام قال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التطيلي المعروف بالأعيمي، وأبو بكر بن بقي الحمام، فتعاطيا العمل فيه،

стр. 131

فقال الأعيمي: يا حسن حمامنا وبهجته ... مرأى من السحر كله حسن ماء ونار حماهما كنف ... كالقلب فيه السرور والحزن ثم أعجبه المعنى فقال: ليس على لهونا مزيد ... ولا لحمامنا ضريب ماء وفيه لهيب نارٍ ... كالشمس في ديمةٍ تصوب وأبيضٍ تحته رخام ... كالثلج حين ابتدا يذوب وقال ابن بقي: حمامنا فيه فصل القيظ يحتدم ... وفي للبرد عسر غير ذي ضرر ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر وقال الأعيمي وقد نظر فيه إلى فتى صبيح: هل استمالك جسم ابن الأمين وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء كالغصن باشر حر النار من كثبٍ ... فظل يقطر من أعطافه الماء قال علي بن ظافر وذكر لي أن جماعةً من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها، ويقرءوا ما سطر الدهر من العبر فيها، فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز، وأنشد: بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على ما رأت عيناك من هرمي مصر أنافا بأكنان السماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك على النسر وقد وافيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر وصنع أبو منصور ظافر بن الحداد: تأمل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب كعمارتين على رحيلٍ ... بمحبوبين بينهما رقيب وفيض البحر عندهما دموع ... وصوت الريح بينهما نحيب وظاهر سجن يوسف مثل صبٍ ... تخلف، فهو محزون كئيب وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي قال: اجتمع مهذب الدين أبو الحسين بن منير والشيخ أبو عبد الله محمد بن

стр. 132

صغير القيسراني، الشاعران بحلب، فمر عليهما صبي سراج يسمى يوسف، مشهور بالحسن، فسئلا القول فيه فصنعا، فكان ما صنع ابن منير: يا سمي المرمي في ظلمة الج ... ب لمن ساقه القضاء إليها والذي قطع النساء له الأي ... دي ومكن حبله من يديها لك وجه مياسم الحسن فيه ... سكة تطبع البدور عليها وكان مما صنع القيسراني: لاتخدعن فما الحسام المرهف ... إلا الذي يحويه جفن أوطف وإذا رأيت اللحظ يعمل في الحشى ... عمل الأسنة فالقوام مثقف ويح المحب أما يخالس نظرةً ... إلا هفا بالقلب ظبي أهيف بالله يا نفحات أنفاس الصبا ... ما بال غصن البان لا يتعطف! يا مسكري وجداً بخمر جفونه ... قل لي: أتلك لواحظ أم قرقف! بادر جمالك بالجميل فربما ... ذوت المحاسن، أو أبل المدنف واسبق عذارك باعتذارك قبل أن ... يأتي بعزل هواك منه ملطف إن جاز أن يرث الملاحة باسمه ... أحد فإنك يوسف يا يوسف قال علي بن ظافر وروي أن الأعز أبا الفتوح بن قلاقس، ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم، اجتمعا في منار الجامع ليلة فطر، ظهر بها الهلال للعيون، وبرز في صفحة بحر النيل كالنون، ومعهما جماعة من غواة الأدب، الذين ينسلون من كل حدب، فحين رأوا الشمس فوق النيل غاربة، وإلى مستقرها جارية ذاهبة، قد شمرت للمغيب الذيل، واصفرت خوفاً من هجوم الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق، اقترحوا عليهما وصف تلك الحال، فصنع ابن قلاقس: انظر إلى لشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفق غابت وأبقت شعاعاً منه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء في الغرق وللهلال فهل وافى لينقذها ... في إثرها زورق قد صيغ من ورق وصنع نشو الملك: يا رب ساميةٍ في الجو قمت بها ... أمد طرفي في أرضٍ من الأفق حيث العشية في التمثيل معركة ... إذا رآها جبان مات للفرق

стр. 133

والشمس هاربة للغرب دارعة ... بالنيل مصفرة من هجمة الغسق وللهلال انعطاف كالسنان بدا ... من سورة الطعن ملقىً في دم الشفق وهذا - لعمري - من البديع لذي لا يلحظ سواه، ولا يحفظ إلا إياه. قال علي بن ظافر والحكاية المشهورة عن ابن قلاقس، والوجيه أبي الحسن علي بن الذروي، أنهما طلعا منارة الإسكندرية، والوجيه يومئذ في عنفوان شبابه وصباه، وهبوب شماله في الجمال وصباه. وابن قلاقس مغرىً به، دائب في تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه، ولم تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة، فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة، فقال بديهاً: وسامية الأرجاء تهدى أخا السرى ... ضياءً إذا ما حندس الليل أظلما لبست بها برداً من الأنس ضافياً ... فكان بتذكار الأحبة معلما وقد ظلتني من ذراها بقيةٍ ... ألاحظ فيها من صحابي أنجما فخيلت أن البحر تحتي غمامة ... وأني قد حيمت في كبد السما فحين رأى الأعز ما أتى به، اشتد سروره وفرحه، وقال يصفها ويمدحه: ومنزلٍ جاوز الجوزاء مرتقباً ... كأنما فيه للنسرين أوكار راسي القرار وسامي الفرع، في يده ... للنون والنور أخبار وآثار أطلقت فيه عنان الفكر فاطردت ... خيل لها في بديع الشعر مضمار ولم يدع حسناً فيه أبو حسنٍ ... إلا تحكم فيه كيف يختار حلى المنارة لما حل ذروتها ... بجوهر الشعر بحر منه زخار وما زال يذكى بها نار الذكاء إلى ... أن أصبحت علماً في رأسه نار وأخبرني الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي وابن شيث من أصحابنا قالا: مضى الوجيه علي بن الذروي، والنجيب هبة الله بن وزير في جماعة إلى الحمام المعروف بأبي فروة، فجرى بينهما تنازع أدى إلى تناكر فضيلة الأدب، ثم تراضيا بأن يحكم بينهما الشريف العروف بأنكدودة، فحكم بأن يصنعا قطعتين في صفة الحمام على البديهة، ثم يقع التفضيل بينهما بقدر التفاوت بين القطعتين، فصنع ابن الذروي بديهاً إن عيش الحمام عيش هنئ ... غير أن المقام فيه قليل

стр. 134

جنة تكره الإقامة فيها ... وجحيم يطيب فيه الدخول فكأن الغريق فيه كليم ... وكأن الحريق فيه خليل وصنع ابن وزير - بعد بطء: لله يوم بحامٍ نعمت به ... والماء من حوضها ما بيننا جار كأنه فوق شفاف الرخام بها ... ماء يسيل على أثواب قصار فانتقد عليه الجماعة تشبيهه الماء بالماء، واستبردوا ما أتى به، فقال ابن الذروي: وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... أوكاد يحرقه من فرط إذ كاء أقام يجهد أياماً رويته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء وأخبرني الفقيه شجاع الغزلي ﵀ قال: جلست يوماً بالوراقين على دكان الأديب أبي الفضل جعفر بن مفضل القرشي المنبوز بشلعلع، وثالثنا ذخيرة الملك المشهور خبره، المشكور أثره، وهو شيخ كان يغني ويلفق كلاماً من جنس كلام الحمقى والمعتوهين تلفيقاً موزوناً على أنه شعر؛ إلا أنه بلغ به عند الصالح وذويه ما لم يبلغه الأخطل عند عبد الملك وبنيه، وقد اجتمع الناس عليه، ووقفوا صفوفاً بين يديه، وهو يطرفهم بشعره، ويملأ آذانهم بنعره. قال: فمر بنا ابن وزير، فلما رأى الجمع جلس إلينا، ثم أخذ يقول أنصافاً من الشعر، وأبياتاً متفرقة في مدح ذخيرة الملك تارة والطنز به أخرى، يتباهى بها على العوام، ويملأ بها قلوب أولئك الطغام، ففهم الأديب أبو الفضل مقصده، وأراد أن يفضحه، ويظهر عيبه ويوضحه، فقال له: ما هذا الفتور، والشعر المقذور؟ والعجب منك أن تتباهى بالشعر ونحن حضور! وجر هذا الكلام خصاماً كان آخره أن استقر الأمر على أن يصنع كل منا قطعة في مدح ذخيرة الملك على روي يختاره أول خارج من الجامع، فكان حرف الذال، فابتدر جعفر وقال: من كان في درك الغرام ولم يكن ... لحشاه من أسر الهوى إنقاذ فذخيرة الملك الأجل بشعره ... ترقى القلوب من الهوى وتعاذ وإذا بدا مترنماً فله على ... كل القلوب بشدوه استحواذ قال: وصنعت: ذخيرة الملك أنت شاعرنا ... فكل شعرٍ عداك منبوذ وكل لفظٍ فمنك مسترق ... وكل معنى فعنك مأخوذ

стр. 135

قال: وأبى ابن وزير أن ينشد ما عمله، بل كتبه في رقعة وقال: إنما أنشده بحضرة أبي الحسن بن بري ﵀ فأتيناه جميعاً، فأنشدته أنا وجعفر ما صنعنا، فأثنى خيراً، ثم ناوله ابن وزير الرقعة فإذا أولها يقول: هذا الفتى ذخي ... رة الملك نعيذه فلما قرأه الشيخ جمع وجهه، ثم قرأ الثاني، فإذا هو: إذا تغنى منشداً ... قلوبنا منفوذه فزاد في تجمعه، ثم قرأ الثالث، فإذا هو: من كل هم بيننا ... يبدو لنا شذوذه فرمى الرقعة من يده، فكأنما ألقمه حجراً. ثم ادعى أننا غيرنا سبكه، وكتب بذلك محضراً منظوماً كتب عليه الشعراء شهاداتهم بقطع من الشعر، أنشدني كثيراً منها، ثم توفى قبل أن أكتبها عنه. وأخبرني بهاء الدين أسعد بن يحيى بن منصور بن عبد العزيز ابن وهبان السلمى المعروف بابن السنجاري بحماة، وكتبه لي بخطه قال: اجتمع عندي جماعة منهم جمال الدين بن رواحة وعلم الدين الشاباني الشاعر المعروف بقاع، وضياء الدين سعيد بن حياة المقري، وضياء الدين الحوراني، وهو في ذلك الوقت مشهور بعشق البهاء على بن محمد الخرساني المعروف بابن الساعاتي؛ فبينما نحن مجتمعون إذ دخل علينا ابن الساعاتي، وهو في عنفوان شبابه، ونهاية حسنه، وسنه حينئذ أربع عشرة سنة، فداعبناه، فجرد سيفا، وجعل يريد ضرب عنق الضياء الحوراني مداعباً له، وذلك بعد أن عصب عينيه بطرف عمامته، فكشف الضياء عن وجهه، وقال: أنتم كلكم تدعون أنكم فضلاء الوقت، فقولوا في هذا شيئاً، فعمل كل منا قطعة، وخبأها في بيقاره، فقال الضياء - وكانت فيه دعابة: أراكم قد عملتم عمل القطاط، فأنشدونا ما علمتم، فقلنا على سبيل الهزء: لا يتقدم أحد على علم الدين، فجعل الشاباني يصف شعره ويقول: قد علمت بيتين ما يقدر أحد أن يعمل مثلهما، وزاد في الدعوى، ثم أنشد: قمر عندنا به ... نهر جيرون كوثر لو تراءى لسنجرٍ ... قبل الأرض سنجر فجرى بينه وبيت الحوراني من المشاغبة ما ضاق به الوقت، وقال له: ويحك! أين هذا مما نحن فيه! وأي مناسبةٍ بينه وبين المعنى الذي اقترح عليك! وكان

стр. 136

جمال الدين بن رواحة فاضلاً لطيفاً، فقال لي: بالله عليك إلا أنشدت قبلي، فقد رأيتك عملت أكثر مني، وكنت إلى جانبه فأنشدت ما قلت، وهو: ختام عذلك قد اسرفت في عذلي ... قلبي من الوجد ملآن وأنت خلي أعاذك الله من وجدي ومن كلفي ... ومن غرامي ومن خوفي ومن وجلي لو كان يا سعد لطوفان ما ذرفت ... عيناي ما استعصم المغرور بالجبل بمهجتي راشق لي قوس حاجبه ... كأنما الطرف رامٍ من بني ثعل يميل عطفاه من سكر الصبا مرحاً ... كما تمايل عطف الشارب الثمل ما لاحت الشمس في رأد الضحى وبدا ... للشمس إلا رماها الطفل بالطفل يا حامل الصارم الهندي منتصراً ... ضع السلاح قد استغنيت بالكحل ما يفعل الظبي بالسيف الصقيل وما ... ضرب الصوارم مع ضربٍ من المقل! قد كنت في الناس سنياً فما برحت ... بي شيعة الحسن حتى صرت عبد علي وأخبرني الأديب راجح بن إسماعيل الحلي قال: خرجنا مع مهذب الدين أبي الحسن علي بن نظيف أيام كتابته للملك المعز إسحاق بن عبد الملك الناصر - رحمه الله تعالى - إلى الأهرام للتنزه، ومعه الأديب بهاء الدين ابن الساعاتي، والجمال؟ ابن تاج البغدادي والمهذب ابن الخيمي والأوحد المعروف بالواسطي، فاتفق أن كبت به بغلته، ثم وثبت ورفعت يديها، فتعاطينا القول في ذلك، فبدر بهاء الدين ابن الساعاتي، فقال: قيل مادت من تحت ذا السيد الأر ... ض ولم تأتنا بمثال هو طود النهى ومن أعجب الأشياء أرض تميد تحت الجبال وقال ابن التاج: جلست بغلة الأمين ترينا ... صدق حس كأنه إلهام أظهرت ميزة على النوع إذ أصبح في الحسن ذا علا لا يرام نحن في خدمة قيام لديه ... ثم بغلاتنا لديه قيام وقال الواسطي: لم تكب بغلتك الخضراء من خورٍ ... يا من هو اليوم للإسلام مسعده

стр. 137

لكنما الأرض مادت تحتها طرباً ... إذ شرفت بك يامن طاب محتده وقال ابن الخيمي: أقسمت بغلة الرئيس المفدى ... حين حطت لعجزها عنه صدرا إنما رفعت يديها قنوتاً ... بعد أن قبلت ثرى الأرض عشرا إذ غدت من حجاه حاملةً طو ... داً ومن جود كفه العذب بحراً قال: وقلت أنا: وحسام ملكٍ يستضاء برأيه ... ويفل حد النائبات بحده لم تكب بغلته لخون قوائمٍ ... تطأ الصفا فترض صفحة صلده لكنها حملت مشرع سودد ... بذ الأكارم في إمامة مجده سجدت وقد ظلت صفوف وفوده ... من خلفه يتلون آية حمده قال علي بن ظافر: وقد رأيت هذه القطعة التي نسبها الحلي لنفسه في ديوان الساعاتي، وكان الحلي مع جودته كثير الإغارة عليه. وأخبرني الأديب أبو القاسم بن نفطويه قال أنشدني بعض أصحابنا بيتاً وسألني أن أضمنه، وهو: فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي فصنعت بديهاً: ولما أن تلاقينا بكينا ... بكاء القرب من بعد التنائي وسمت دوام طيب الوصل منه ... فأعرض عند ذاك عن اقتضائي وواعدني إذا ما الشمس غابت ... وولت لا سبيل إلى اللقاء فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي قال: ثم مر بي القاضي أبو الحسن على بن النبيه فأنشدته البيت وسألته أن يضمنه فقال بديهاً: عسى العيس التي ظعنت بسلمى ... تعود بها وننعم باللقاء توالت بالعشي ولا عجيب ... مغيب الشمس في وقت العشاء فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي ثم جاء الأديب أبو العز الأعيمي، فسألته تضمنيه، فقال بديهاً: بدت شمس النهار فخيلت لي ... بأنك قد رفعت إلى السماء فصرت أذوب وهي تزول عني ... إلى أن صرت في حد الفناء

стр. 138

فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي قال: ثم مر بي الفقيه أبو محمد القلعي فسألته تضمينه، فقال بديهاً: إذا هزم الظلام سنا الضياء ... قضى ترحال وصلك بانقضائي فليت الشمس لو بقيت قليلاً ... ففيها كلما بقيت شفائي واجتمع يوماً شهاب الدين يعقوب والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي على أن يصنعا هجاء في صبي مستحسن يسمى يونس فصنع الشريف بديهاً: يونس يا متلفي بهجرٍ ... قد لج فيه بلا انتهاء إن بلع الحوت لابن متى ... ثمت ألقاه بالعراء فرب حوتٍ بلعت أضحى ... مكتسياً منك بالخراء وصنع الشهاب، وعرض بالحلي: أدار نون الصدغ في خده ... حتى غدا يونس ذا النون وأنبت الحلي من فوقه ... لما علاه أصل يقطين ثم صنع فيه هذا البيت، وهو: إن بلعت يونس حوت فكم ... بلعت يا يونس من حوت وكنت في صدر العمر وابتداء قول الشعر صنعت قطعةً في صدر نارنج عليه طلع مفروط وهي انظر إلى النارنج والطلع الذي ... جاء الغلام بطلعه متمايلا فكأنما النارنج قد صاغوه من ... ذهبٍ قناديلاً وذاك سلاسلا ثم زدت عليه، فقلت: أتانا بصدر واسعٍ لو بدا لمن ... تعبد أحيا صورة المتعبد حكى طلعه فيه سلاسل فضةٍ ... ونارنجه يحكى قناديل عسجد ثم اختصرته، فقلت: أيا حسن صدرٍ فيه مفروط طلعةٍ ... يقارن نارنجاً به متلالي لقد أحسن الشخص الذي جمعتها ... يداه وأهدى فيه كل جمال قناديل تبرٍ في سلاسل فضةٍ ... وإلا عقيق في سموط لآلي واتفق إنشاد القطع في بعض الليالي بالجامع لجماعة من أصحابنا فيهم ابن

стр. 139

الذروي فقال: يتولد من هذا معنى في صدر فيه نارنجتان وطلع مفروط، ويشبه ذلك بنهدين في صدر عليهما أسماط در. فاستحسنت المعنى وأطرق كل منا لنظمه، ثم أنشدت: وصدر به نارنجتان تبدتا ... ومفروط طلع بالملاحة حالي فخلت بذاك الصدر نهدى خريدةٍ ... وقد وشحت زهواً سموط لآلي ثم أنشد هو: أرسلت لي نارنجتين على صد ... رٍ وحفتهما بطلعٍ نضيد ثم قالت تسل عني فهذا ... مثل صدري والدر فوق نهودي ثم ذكر معنى آخر فأطرقنا لنظمه، فقلت كالمرتجل: ألست ترى النارنجتين وقد بدا ... يحفهما طلع نضيد منظم كخدي غلامٍ قد تأمل حسنه ... جماعة عشاقٍ له فتبسموا فلم يصنع فيه شيئاً، ثم اقترح معنى غيره، فنظمت فيه: وطلعٍ بدا المفروط فيه مقارناً ... لنارنجتين يجتلى الحسن منهما كدمع جرى من جفن ظبيٍ منعم ... فأضحى على الخدين منه منظما وصنع هو هذا البيت: وطلعٍ على نارنجتين كأنه ... دموع محب فوق خدي حبيبه وفي هذه الليلة أمطرت السماء مطراً خفيفاً صقل رخام الصحن حتى لمع وجهه وتعارضت أشعة القناديل عليه فتعاطينا وصفه فصنعت: انظر إلى حسن القناديل التي ... لاحت كشهب في متون سماء والصحن قد أبدى شهاب شعاعه ... إذ صار مصقولا بمر الماء فكأنما هي أسطر من عسجدٍ ... كتبت بظهر صحيفةٍ بيضاء ثم صنع ابن الذروي: أيا حسن جامع مصرٍ وقد ... تروى من الوابل المغدق وضوء القناديل من فوقه ... كأسطر تبرٍ على مهرق قال علي بن ظافر حضرنا يوماً عند الصاحب صفي الدين بمعسكر المنصور على بلبيس عند بروز السلطان لسفرته الثانية حين حوصرت دمشق الحصار الثاني في خيمته بمجلس حفل، لم يعدم فيه أحد من مشايخ الدولة ووجوهها وهم

стр. 140

إذ ذاك متوفرون، لم ينقص لهم عدد، ولا فقد منهم أحد، فأنشدني ابن أبي حفصة قصيدة عاتبته في بعض أبياتها، وارتقى الأمر إلى أن قال أسعد بن الخطير - رحمه الله تعالى: إن هاهنا جماعة كلهم يقول الشعر، فلو اقترح عليهم أن يصنعوا شيئاً في بعض ما يقع تعيين الصاحب عليه، لبان الجرئ الجنان من العاجز الجبان؛ ومن جملة من معنا في المجلس ممن يقول الشعر ابن سناء الملك والأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث، فاقترح الصاحب أن نعمل في منجنيق الشمعة - وكان الهواء عاصفاً - فقلت: أرى شمعةً ضمها المنجنيق ... فجاءتك بالمنظر الأعجب يجول عليها احمرار الغشاء ... كما جال برق على كوكب وتبعنى ابن شيث فقال: وشمعةٍ في المنجني ... ق وهي فيه تشرق كأنها من تحته ... شمس علاها شفق ولم يفتح على أحد بكلمة، وانتقدوا عليه تشبيهها بالشمس، وقالوا: النجم أليق. ثم قال الصاحب: فيها معنى آخر، لو نظم لكان مليحاً، وهو أن يشبه بالروح في الجسد، لأن إنارة الجسد وإضاءته بالروح التي في باطنه. فارتجلت وقلت: وشمعةٍ في المنجني ... ق تلتظى وتتقد تنير فيه مثلما ... ينير بالروح الجسد فاستحسن الجماعة ذلك على حسب الوقت، ثم بعد افتراق المجلس صنعت في الشمعة والمنجنيق، وباكرت الصاحب به فأنشدته: ومجلس أنسٍ ضم شمل جماعةٍ ... تعاطوا من الآداب خير رحيقٍ لدى شمعةٍ في منجنيقٍ غشاؤه ... كما أخجل التقبيل خد عشيقٍ ترى نارها من خلفه كبهاره ... تراءت لنا من خلف ثوب شقيقٍ كما جليت خود بتاجٍ ودونها ... معصفر سترٍ للعيون رقيق ويحكى عموداً من لجين مقمعاً ... بتبرٍ بدا في وسط بيت عقيق قال علي بن ظافر ومما يشبه هذا الباب وليس به، ما ذكره ابن بسام

стр. 141

في الذخيرة ورويته بالإسناد المتقدم في أن المتوكل بن الأفطس كان له فرس أدهم أغر محجل، على كفله ست نقط بيض، قندب المتوكل الشعراء لوصفه، فصنع النحلى أبو الوليد فيه بديهاً: ركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله لبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريا نقط في كفله وغدير الصبح قد حيض به ... فبدا تحجيله من بلله كل مطلوبٍ وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله وصنع ابن اللبانة: لله طرف جال يا بن محمدٍ ... فجنت به حوباؤه التأميلا لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغى هناك لرجله تقبيلا وقال فيه عبد الله بن عبد البر الشنتريني من قطعة: وكأنما عمر على صهواته ... قمر تسير به الرياح الأربع وأخبرني بعض أصحابنا أن نشو الملك بن المنجم المقدم ذكره، دخل مجلس القاضي الأجل الفاضل - رحمه الله تعالى - فأنشده لنفسه في ممسحة القلم: ممسحة نهارها ... يجن ليل الظلم كأنها قد خلقت ... منديل كم القلم ثم أمره بالعمل فيها، فصنع بديهاً: وآلةٍ تضمر النهار فما ... تبديه إلا لوافد الظلم تودع فيها الأقلام فضلة ما ... تنفثه في مصالح الأمم وقد وقف القاضي الفاضل على هذه الحكاية في نسخة كان استنسخها من هذا الكتاب وهو يومئذ رسالة لا تتجاوز عشرة كراريس لطاف، فلم ينكرها. وأخبرني صاحبنا فخر القضاة أبو الفرج نصر الله بن القاضي عز القضاة أبي العز هبة الله بن بصاقة الكاتب المعظمى قال: ضرط بعض أصحابنا ونحن مجمتعون في بعض منازلات الفريج، وتبعه آخر؛ فصنع بعضنا في الأول، وصنع بعضنا فيهما جميعاً؛ فصنع بهاء الدين علي بن الساعاتي بديهاً في الأول:

стр. 142

يا من صبوت إلى محا ... سنه، وأصل الحب صبوه إن كنت خنتك في الهوى ... ما بين يوم نوى ونبوه فبليت منك بكل ما ... أخشاه من صد وجفوه أو شاع سرى في الأنا ... م كضرطة الشرف ابن عروه وصنع المولى الملك المعظم: الشرف ابن عروةٍ ... تحللت عروته أحمق من ضراطه ... تعلمت بغلته قال: ولما ضرط الآخر قلت: رأيت ابن عروة يتلو الظهير ... وقد ضرطا لاشتداد الجزع فقلت: أللخوف هذا الضراط؟ ... كأن فؤادكما ينتزع فقالا: إذا دهمت غارة ... فلا بد من ضرب بوق الفزع وصنع فيهما شمس الدين إسماعيل بن منكورس - وكان ربما عبث بالبيت أو البيتين: قد ضرط الفسلان يوم النوى ... عند اشتداد الضنك والضيق فقلت من عظم ضراطيهما: ... لابد للحرب من البوق قال علي بن ظافر واجتمعنا ليلةً في رمضان بالجامع، فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد وقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحاضرين على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي المنبوز بالنعجة، أن يصنع فيه - وإنما طلب بذلك تعجيزه، فصنع وأنشد: ونجمٍ من الفانوس يشرق ضوءه ... ولكنه دون الكواكب لا يسري ولم أر نجماً قط قبل طلوعه ... إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر فانتدبت له من بين الجماعة؛ وقلت: هذا تعجب لا يصح، لأني والحاضرين قد رأينا نجوماً لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعد، إذا غابت تنهي الصائمين عن الفطر؛ وهي نجوم الصباح. فأسرف الجماعة بعد ذلك في تقريعه، وأخذوا في تمزيق عرضه وتقطيعه؛ فصنع وأنشد: هذا لواء سحورٍ يستضاء به ... وعسكر الشهب في الظلماء جرار والصائمون جميعاً يهتدون به ... كأنه علم في رأسه نار

стр. 143

فلما أصبحنا سمع من كان غائباً من أصحابنا في ليلتنا ما جرى، فصنع الرشيد أبو عبد الله محمد بن متانو رحمه الله تعالى، وأنشدنيه: أحبب بفانوسٍ غدا صاعداً ... وضوءه دانٍ من العين يقضى بصوم وبفطر معا ... فقد حوى وصف الهلالين وصنع الفقيه أبو محمد القلعي: وكوكبٍ من ضرام الزند مطلعه ... تسري النجوم ولا يسري إذا رقبا يراقب الصبح خوفاً أن يفاجئه ... فإن بدا طالعاً في أفقه غربا كأنه عاشق وافى على شرفٍ ... يرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا ثم صنعت بعد حين: ألست ترى شخص المنار وعوده ... عليه لفانوس السحور لهيب كحامل منظوم الأنابيب أسمرٍ ... عليه سنان بالدماء خضيب ترى بين زهر الزهر منه شقيقةً ... لها العود غصن والمنار كثيب وتبدو كخد أحمرٍ والدجى لمى ... بدا فيه ثغر للنجوم شنيب كأن لزنجي الدجى من لهيبه ... ومن خفقه قلباً عراه وجيب تراه يراعي الصبح ليلاً، فإن دنا ... طلوع صباحٍ حان منه غروب فهل كان يرعاها لعشقٍ ففر إذ ... درى أن رومي الصباح قريب! وقلت في اختصار هذا المعنى: انظر إلى المنار وال ... فانوس فيسه يرفع كحاملٍ رمحاً، سنا ... نه خضيب يلمع وقلت أيضاً: ألست ترى حسن المنار وضوءه ... يرفع من جنح الدجنة أستارا تراه إذا جن الظلام مراقباً ... له مضرماً في قلب فانوسه نارا كصب بخودٍ من بني الزنج سامها ... وصالاً وقد أبدى لترغب دينارا وقلت فيه: وليلة صومٍ قد سهرت بجنحها ... على أنها من طولها تعدل الدهرا حكى الليل فيها سقف ساج مسمرا ... من الشهب قد أضحت مساميره تبرا وقام المنار المشرق اللون حاملاً ... لفانوسه، والليل قد أظهر الزهرا

стр. 144

كما قام رومي بكأس مدامة ... وحياً بها زنجية وشحت درا قال: ولما صنعت هذه القطع ندبت أصحابنا للعمل، فصنع شهاب الدين يعقوب: رأيت المنار وجنح الظلام ... من الجو يسدل أستاره وحلق في الجو فانوسه ... فذهب بالنور أقطاره فقلت المحلق قد شب في ... ظلام الدجى للقرى ناره وخلت الثريا يداً والنجو ... م ورقاً غدا البدر قسطاره وخلت المنار وفانوسه ... فتى قام يصرف ديناره وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه: حبذا في الصيام مئذنة الجا ... مع والليل مسبل أذياله خلتها والفانوس إذ رفعته ... صائداً واقفاً لصيد الغزاله وأنشدني ابن نفطويه: يا حبذا رؤية الفانوس في شرفٍ ... لمن أراد سحوراً وهو يتقد كأنما الليل والفانوس متقد ... في الجو أعور زنجي به رمد وأنشدني أيضاً لنفسه: نصبوا لواء للسحور وأوقدوا ... في رأسه ناراً لمن يترصد فكأنما سبابة قد قمعت ... ذهباً وقامت في الدجى تتشهد وأنشدني الفقيه أبو يحيى الستولي - رحمه الله تعالى - لنفسه: وليلةٍ ملئت أسدافها لعساً ... واستوضحت غرر من ثغرها شنبا ولاح كوكب فانوس السحور على ... إنسان مقلتها النجلاء واشتهبا حتى كأن دجاها وهو ملتهب ... زنجية حملت في كفها ذهبا وصنع الأديب أبو العز مظفر الأعمى، وكتب بها عنه إلى، وقد كان سمع جميع المقاطيع فأخذ معانيها وقال: أرى علماً للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمح زنجي سنان مذهب ومن عجبٍ أن الثريا سماؤها ... مع الليل تلهى كل من يترقب فطوراً تحييه بباقة نرجسٍ ... وطوراً يحييها بكأس تلهب

стр. 145

وما الليل إلا قانص لغزالةٍ ... بفانوس نارٍ نحوها يتطلب ولم أر صياداً على لبعد قبله ... إذا قربت منه الغزالة يهرب وأنشدني الشريف أبو الفضل جعفر لنفسه: كأنما الفانوس في ... صاريه لما اتقدا لواء نصرٍ مذهب ... في رأس رمحٍ عقدا وكان الملك العزيز رحمه الله تعالى قد غني بين يديه دوبيت بالعجمية، معناه أنه جعل الليل برد داراً للحبيب ليحجب الشمس؛ فاستحسن المعنى وأرسل إلى وزيره الأجل نجم الدين أبي الفتح يوسف بن المجاور - رحمه الله تعالى - يأمره أن يصنع المعنى في شعر، وأن يأمر الشعراء بالعمل في ذلك، فصنع بديهاً وأرسله إليه: قال له الليل انصرف راشداً ... فإنه استخدمني برددار ثم صنعوا بعده، فمن مروٍ ومن باده. وأخبرني الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير قال: كنت عند الفاضل - رحمه الله تعالى - إذ دخل الوزير نجم الدين، فأخبره بما طلب السلطان وأنشده ما صنع، فقال الفاضل: هذا معنى كنت نظمته قديماً إلا أني استخدمت الليل بواباً، فقلت: بتنا على حالٍ تسوء العدا ... وربما لا يمكن الشرح بوابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح قال الأسعد: ولم أكن صنعت شيئاً، فصنعت بديهاً: قلت لليل عندما زارني البد ... ر وأوجست خيفةً للرواح أنت يا ليل برددار حبيبي ... فتأهب لدفع صدر الصباح قال: فاستحسن الوزير القسيم الثاني، فقلت: برددار المولى نعلم منه حسن الخلق، يقول: انصرف راشداً، وهذا البرددار فظ غليظ يدفع في الصدر. وأخبرني أبو الحسن بن النبيه قال: دخلت على الأجل نجم الدين الوزير - رحمه الله تعالى - فأمرني بالعمل فيما رسمه السلطان فاستمهلته، فأبى فصنعت وأنشدت: قلت لليل إذ حباني حبيباً ... وغناء يسبي النهى وعقارا أنا سلطان مجلس فاحجبوا الصب ... ح وكن أنت يا دجى برددارا وأنشدني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك لنفسه: أباحني الليل وصف طيفٍ ... عهدته منه لا يباح
следующие страницы →