← Адаб

Адаб · id 21559

بدائع البدائه

ابن ظافر الأزدي

Полный текст (232 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في الذخيرة ورويته بالإسناد المتقدم في أن المتوكل بن الأفطس كان له فرس أدهم أغر محجل، على كفله ست نقط بيض، قندب المتوكل الشعراء لوصفه، فصنع النحلى أبو الوليد فيه بديهاً: ركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله لبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريا نقط في كفله وغدير الصبح قد حيض به ... فبدا تحجيله من بلله كل مطلوبٍ وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله وصنع ابن اللبانة: لله طرف جال يا بن محمدٍ ... فجنت به حوباؤه التأميلا لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغى هناك لرجله تقبيلا وقال فيه عبد الله بن عبد البر الشنتريني من قطعة: وكأنما عمر على صهواته ... قمر تسير به الرياح الأربع وأخبرني بعض أصحابنا أن نشو الملك بن المنجم المقدم ذكره، دخل مجلس القاضي الأجل الفاضل - رحمه الله تعالى - فأنشده لنفسه في ممسحة القلم: ممسحة نهارها ... يجن ليل الظلم كأنها قد خلقت ... منديل كم القلم ثم أمره بالعمل فيها، فصنع بديهاً: وآلةٍ تضمر النهار فما ... تبديه إلا لوافد الظلم تودع فيها الأقلام فضلة ما ... تنفثه في مصالح الأمم وقد وقف القاضي الفاضل على هذه الحكاية في نسخة كان استنسخها من هذا الكتاب وهو يومئذ رسالة لا تتجاوز عشرة كراريس لطاف، فلم ينكرها. وأخبرني صاحبنا فخر القضاة أبو الفرج نصر الله بن القاضي عز القضاة أبي العز هبة الله بن بصاقة الكاتب المعظمى قال: ضرط بعض أصحابنا ونحن مجمتعون في بعض منازلات الفريج، وتبعه آخر؛ فصنع بعضنا في الأول، وصنع بعضنا فيهما جميعاً؛ فصنع بهاء الدين علي بن الساعاتي بديهاً في الأول:

стр. 142

يا من صبوت إلى محا ... سنه، وأصل الحب صبوه إن كنت خنتك في الهوى ... ما بين يوم نوى ونبوه فبليت منك بكل ما ... أخشاه من صد وجفوه أو شاع سرى في الأنا ... م كضرطة الشرف ابن عروه وصنع المولى الملك المعظم: الشرف ابن عروةٍ ... تحللت عروته أحمق من ضراطه ... تعلمت بغلته قال: ولما ضرط الآخر قلت: رأيت ابن عروة يتلو الظهير ... وقد ضرطا لاشتداد الجزع فقلت: أللخوف هذا الضراط؟ ... كأن فؤادكما ينتزع فقالا: إذا دهمت غارة ... فلا بد من ضرب بوق الفزع وصنع فيهما شمس الدين إسماعيل بن منكورس - وكان ربما عبث بالبيت أو البيتين: قد ضرط الفسلان يوم النوى ... عند اشتداد الضنك والضيق فقلت من عظم ضراطيهما: ... لابد للحرب من البوق قال علي بن ظافر واجتمعنا ليلةً في رمضان بالجامع، فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد وقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحاضرين على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي المنبوز بالنعجة، أن يصنع فيه - وإنما طلب بذلك تعجيزه، فصنع وأنشد: ونجمٍ من الفانوس يشرق ضوءه ... ولكنه دون الكواكب لا يسري ولم أر نجماً قط قبل طلوعه ... إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر فانتدبت له من بين الجماعة؛ وقلت: هذا تعجب لا يصح، لأني والحاضرين قد رأينا نجوماً لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعد، إذا غابت تنهي الصائمين عن الفطر؛ وهي نجوم الصباح. فأسرف الجماعة بعد ذلك في تقريعه، وأخذوا في تمزيق عرضه وتقطيعه؛ فصنع وأنشد: هذا لواء سحورٍ يستضاء به ... وعسكر الشهب في الظلماء جرار والصائمون جميعاً يهتدون به ... كأنه علم في رأسه نار

стр. 143

فلما أصبحنا سمع من كان غائباً من أصحابنا في ليلتنا ما جرى، فصنع الرشيد أبو عبد الله محمد بن متانو رحمه الله تعالى، وأنشدنيه: أحبب بفانوسٍ غدا صاعداً ... وضوءه دانٍ من العين يقضى بصوم وبفطر معا ... فقد حوى وصف الهلالين وصنع الفقيه أبو محمد القلعي: وكوكبٍ من ضرام الزند مطلعه ... تسري النجوم ولا يسري إذا رقبا يراقب الصبح خوفاً أن يفاجئه ... فإن بدا طالعاً في أفقه غربا كأنه عاشق وافى على شرفٍ ... يرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا ثم صنعت بعد حين: ألست ترى شخص المنار وعوده ... عليه لفانوس السحور لهيب كحامل منظوم الأنابيب أسمرٍ ... عليه سنان بالدماء خضيب ترى بين زهر الزهر منه شقيقةً ... لها العود غصن والمنار كثيب وتبدو كخد أحمرٍ والدجى لمى ... بدا فيه ثغر للنجوم شنيب كأن لزنجي الدجى من لهيبه ... ومن خفقه قلباً عراه وجيب تراه يراعي الصبح ليلاً، فإن دنا ... طلوع صباحٍ حان منه غروب فهل كان يرعاها لعشقٍ ففر إذ ... درى أن رومي الصباح قريب! وقلت في اختصار هذا المعنى: انظر إلى المنار وال ... فانوس فيسه يرفع كحاملٍ رمحاً، سنا ... نه خضيب يلمع وقلت أيضاً: ألست ترى حسن المنار وضوءه ... يرفع من جنح الدجنة أستارا تراه إذا جن الظلام مراقباً ... له مضرماً في قلب فانوسه نارا كصب بخودٍ من بني الزنج سامها ... وصالاً وقد أبدى لترغب دينارا وقلت فيه: وليلة صومٍ قد سهرت بجنحها ... على أنها من طولها تعدل الدهرا حكى الليل فيها سقف ساج مسمرا ... من الشهب قد أضحت مساميره تبرا وقام المنار المشرق اللون حاملاً ... لفانوسه، والليل قد أظهر الزهرا

стр. 144

كما قام رومي بكأس مدامة ... وحياً بها زنجية وشحت درا قال: ولما صنعت هذه القطع ندبت أصحابنا للعمل، فصنع شهاب الدين يعقوب: رأيت المنار وجنح الظلام ... من الجو يسدل أستاره وحلق في الجو فانوسه ... فذهب بالنور أقطاره فقلت المحلق قد شب في ... ظلام الدجى للقرى ناره وخلت الثريا يداً والنجو ... م ورقاً غدا البدر قسطاره وخلت المنار وفانوسه ... فتى قام يصرف ديناره وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه: حبذا في الصيام مئذنة الجا ... مع والليل مسبل أذياله خلتها والفانوس إذ رفعته ... صائداً واقفاً لصيد الغزاله وأنشدني ابن نفطويه: يا حبذا رؤية الفانوس في شرفٍ ... لمن أراد سحوراً وهو يتقد كأنما الليل والفانوس متقد ... في الجو أعور زنجي به رمد وأنشدني أيضاً لنفسه: نصبوا لواء للسحور وأوقدوا ... في رأسه ناراً لمن يترصد فكأنما سبابة قد قمعت ... ذهباً وقامت في الدجى تتشهد وأنشدني الفقيه أبو يحيى الستولي - رحمه الله تعالى - لنفسه: وليلةٍ ملئت أسدافها لعساً ... واستوضحت غرر من ثغرها شنبا ولاح كوكب فانوس السحور على ... إنسان مقلتها النجلاء واشتهبا حتى كأن دجاها وهو ملتهب ... زنجية حملت في كفها ذهبا وصنع الأديب أبو العز مظفر الأعمى، وكتب بها عنه إلى، وقد كان سمع جميع المقاطيع فأخذ معانيها وقال: أرى علماً للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمح زنجي سنان مذهب ومن عجبٍ أن الثريا سماؤها ... مع الليل تلهى كل من يترقب فطوراً تحييه بباقة نرجسٍ ... وطوراً يحييها بكأس تلهب

стр. 145

وما الليل إلا قانص لغزالةٍ ... بفانوس نارٍ نحوها يتطلب ولم أر صياداً على لبعد قبله ... إذا قربت منه الغزالة يهرب وأنشدني الشريف أبو الفضل جعفر لنفسه: كأنما الفانوس في ... صاريه لما اتقدا لواء نصرٍ مذهب ... في رأس رمحٍ عقدا وكان الملك العزيز رحمه الله تعالى قد غني بين يديه دوبيت بالعجمية، معناه أنه جعل الليل برد داراً للحبيب ليحجب الشمس؛ فاستحسن المعنى وأرسل إلى وزيره الأجل نجم الدين أبي الفتح يوسف بن المجاور - رحمه الله تعالى - يأمره أن يصنع المعنى في شعر، وأن يأمر الشعراء بالعمل في ذلك، فصنع بديهاً وأرسله إليه: قال له الليل انصرف راشداً ... فإنه استخدمني برددار ثم صنعوا بعده، فمن مروٍ ومن باده. وأخبرني الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير قال: كنت عند الفاضل - رحمه الله تعالى - إذ دخل الوزير نجم الدين، فأخبره بما طلب السلطان وأنشده ما صنع، فقال الفاضل: هذا معنى كنت نظمته قديماً إلا أني استخدمت الليل بواباً، فقلت: بتنا على حالٍ تسوء العدا ... وربما لا يمكن الشرح بوابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح قال الأسعد: ولم أكن صنعت شيئاً، فصنعت بديهاً: قلت لليل عندما زارني البد ... ر وأوجست خيفةً للرواح أنت يا ليل برددار حبيبي ... فتأهب لدفع صدر الصباح قال: فاستحسن الوزير القسيم الثاني، فقلت: برددار المولى نعلم منه حسن الخلق، يقول: انصرف راشداً، وهذا البرددار فظ غليظ يدفع في الصدر. وأخبرني أبو الحسن بن النبيه قال: دخلت على الأجل نجم الدين الوزير - رحمه الله تعالى - فأمرني بالعمل فيما رسمه السلطان فاستمهلته، فأبى فصنعت وأنشدت: قلت لليل إذ حباني حبيباً ... وغناء يسبي النهى وعقارا أنا سلطان مجلس فاحجبوا الصب ... ح وكن أنت يا دجى برددارا وأنشدني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك لنفسه: أباحني الليل وصف طيفٍ ... عهدته منه لا يباح

стр. 146

وحجب العالمين عني ... فلا غدو ولا رواح يا ليل أمسيت بردداري ... إياك أن يهجم الصباح وأنشدني شهاب الدين يعقوب ابن أخت نجم الدين - رحمه الله تعالى - لنفسه: قلت إذ زار من أحب وجنح ال ... ليل روض أبدى النجوم نهارا ملك الحب زاره ملك الحس ... ن فزادا على الحسود اقتدارا فافرشوا الورد أطلساً حين يمشي ... واجعلوا عسجد الكؤوس نثارا واصرفوا حاجب الهلال فقد نم ... بسرى إلى العيون سرارا واحجبوا قيصر الصباح وقولوا ... لنجاشي الظلام كن برددارا وأنشدني القاضي الأسعد عبد الرحيم بن شيث ناظر القدس الشريف لنفسه: زار وقد آنس للقلب نار ... وليس إلا وجهه إذ أنار طيف وقل ضيف كما أنني ... أبحته قلبي قرى أو قرار لم أنسه خاض إلى الدجى ... وجاب من شوق إلى القفار فانشق قلب الصبح غيظاً به ... وغار نجم الأفق منه فغار وذات قد كالقضيب انثنى ... وأين منها الغصن لولا الثمار بديعة كم لي بها غرة ... وكم لها في مهجتي من غرار ورب ليل طاب لي وصلها ... به فلولا وصلها قلت طار رأيتها ليلاً وصبحاً فما ... عرفت بالليل ولا بالنهار بتنا ضجيعي عفةٍ ما درت ... منا يد ما يحتويه إزار يسكرني لثمى لأصداغها ... فهي عناقيد ولثمى اعتصار يحجب عنا الصبح ستر الدجى ... كأنما الليل لنا برددار وبعدها فليطل الليل ما ... شاء على رغم الليالي القصار وبرز أمر الملك العزيز رحمه الله تعالى إلى وزيره الأجل نجم الدين - رحمه الله تعالى - أن يصنع غزلا في جارية صنعت على خدها بالمسك صورة حية وعقرب، فصنع أبقاه الله بديها: فديتها من غادةٍ ... مخلوقة من طرب سألتها في قبلةٍ ... في خدها المذهب فجاوبت معجبه ... بكفها المخضب: وابأبى! وابأبىً ... من عظم هذا المطلب

стр. 147

وليس هذا ممكناً ... على ممر الحقب روضة خدي حرست ... بحيةٍ وعقرب من رام أن يلثمها ... فلير قها بالذهب وليشرب الدرياق من ... رضاب ثغري الشنب وصنع أيضاً: جعل العذول يقول لي لما بدت ... كالشمس في بعدٍ وفى إحراق لا نطمعن بوصلها وبلثمها ... هذي مذيبة انفس العشاق تفاح خديها حمته بعقربٍ ... وبحيةٍ خوفاً من الأحداق فحذار ثم حذار يا عشاقها ... فلديغها ما إن له من راق قلت اتئد هذي وتلك تولدا ... في ماء خد مائرٍ رقراق والله لا خوف على بلثمها ... ما دام خمر رضابها درياقي ثم أمر الناس بالعمل فأكثروا، وصنع ابن مماتي قطعا كثيرة، تزيد على العشرين، من أحسنها قوله: نقشت حيةً على ... ورد خد مزخرف فبدت آية الكلي ... م على وجه يوسف وقال أيضاً: في خدها عقرب وحيه ... وأنت يا نفس بعد حيه قد جال ماء الشباب فيه ... وأرسل الصدغ فيه فيه وقال ابن سناء الملك أدام الله نعمته: صفا العيش في ملك العزيز بن يوسفٍ ... فلم يبق فيه للشوائب باق فلا عقرب إلا بخد مليحةٍ ... ولا جور غلا في ولاية ساق وقال أيضاً: ظهرت معجزات ملك العزيز ... فهي في وقته ذوات بروز حية تحت عقربٍ فوق خد ... أحمرٍ كاللجين والإبريز فهما مثل قبضةٍ بحسامٍ ... ركبوها في صارمٍ مهزوز وأخبرني بهاء الدين حسن الخرساني المعروف بابن الساعاتي قال: أمرني السلطاني أن أصنع فيما رسم من ذلك بديها على وزن قطعة كانت تغنى

стр. 148

في ذلك الوقت، فصنعت: أمعنفى فيمن هويت جهالةً ... انظر بعين العدل فيمن تعذل أرأيت درياقاً كبرد رضابها ... بعث الصدى وهو الرحيق السلسل وكحيةٍ وكعقرب في خدها ... أبداً تسئ فعالها وتقبل تحيا إذا ما باشرت فم عاشقٍ ... وإذا تقابل من بعيد تقتل قال: ثم صنعت: وخريدةٍ بيضاء ليلة هجرها ... من شعرها، وجبينها من وصلها رقمت مواشطها على وجناتها ... صوراً تعبدني الغرام لأجلها أو ماعجبت لحيةٍ في جنةٍ ... دوني تفوز بمائها وبظلها فحذار منها ما استطعت فقبلها ... مكرت بآدم أختها في مثلها قال: ثم صنعت أيضاً: يا ضرة القمرين في شرفيهما ... من أي شيء منك لم أتعجب أقبلت مثل الشمس في غسق الدجى ... وحملت صبحاً ضاحكاً عن كوكب من حيث لا ماء الشباب مكدر ... كلا ولا برق السلاف بخلب كتبت بخديك المواشط فتنةً ... عمت عموم هواك من لم يكتب وكأنما رقم الجمال بكفه ... وجه الضحى بحريرةٍ من غيهب جاء الكليم بآيةٍ من حية ... وأراك جئت بحيةٍ وبعقرب وصنع شهاب الدين ابن أخت الوزير النجم من قصيدة، وأنشدنيها لنفسه: خود جلا غرتها شعرها ... بدر بهى في ظلامٍ يهيم يطيب ذكر الشعر من لفظها ... كأنما ذاك النسيب النسيم قد رقمت وجنها أرقما ... بالمسك في مذهب ثوب طميم ما ذاق من قابله غفوة ... واعجباً من ساهرٍ بالرقيم! مرسلةٍ بالحسن قد أظهرت ... في نار إبراهيم آي الكليم وصنع القاضي أبو العباس أحمد بن القطرسي، وأنشدنيه: وغادةٍ زينت بأفعى ... مسكٍ على خدها المصون فقلت يغنيك سحر لحظٍ ... أنفذ سهماً من المنون قالت رأيت القلوب ليست ... تطيق ما فيه من فتون

стр. 149

فصاغها الحسن فوق خدي ... تلقف السحر من جفوني وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه: وغادةٍ قالت وفي خدها ... حية مسكٍ سلبتني المنام حمرة خدي إذا قارنت ... سواد أصداغي هام الهوام أما ترى الحية تسعى إلى النا ... ر إذا ما أضرمت في الظلام! وأنشدني أيضاً لنفسه: في ورد خديك بدت عقرب ... وحية تلسع جانيها يقول من بات سليماً بها ... يا ويح من أصبح حاويها وصنع المخلص أبو العباس أحمد، ابن بنت الفقيه أبي الطاهر بن عوف، وأنشدنيه: حمت ورد خديها بأفعى وعقربٍ ... فردت يدي جانيه عن جلناره أليس محياها المزخرف جنةً ... فلا غرو أن حفت لنا بالمكاره وقال أيضاً - رحمه الله تعالى -: سألتها تصفح عن هفوةٍ ... من عاشق أقسم ألا يعود فصورت ملغزةً حية ... وعقرباً من فوق ورد الخدود فكان تصحيف الذي ألغزت ... خيفةً أن يفهم عنها الحسود غفرت ما أسلف فلتهنه ... جنة وصلي بعد نار الصدود وأنشدني الرضى بن أبي حفصة الأحدب لنفسه: قالوا ترى عقرباً قد قابلت أفعى ... في خد ظبية أنسٍ قط ما ترعى فقلت لما بدا سحر الجفون لها ... جاءت له حية في خدها تسعى وتلك عقرب خديها فلا برحت ... لا أنها العقرب المؤذي بها طبعا فانظر إلى حيةٍ مع عقربٍ ظهرت ... بروض وجنها لم يقتلا شرعا وزادتا حسنها نفعاً فواعجباً ... من أهل ضر لها قد أظهروا النفعا لو يكن ريقها الترياق ما سلمت ... وكان لأئمها لا يأمن اللسعا فقل لمن سامني ترك الغرام بها ... لم أسلها والذي قد أخرج المرعى قال علي بن ظافر: وصنعت: قضيب قدك هذا الرطب من هصره ... وخمر ريقك هذا العذب من عصره!

стр. 150

وأطلس الخد من بالمسك صور في ... محمره حبةً بالمسك مقتدره يا حسنه أفعواناً لا يعض وإن ... أضحى على عضه لعاشقين شره فلا تظننه رقشاء لاسعةً ... تنساب من وجهها في روضةٍ نضره بل نفث ألحاظها بالسحر خيل ثعبانا على خدها يلهى الذي نظره يا ليت شعري مع أني الكليم هوىً ... لم أظهرت آيتي ألحاظها السحرة! قال: وقلت أيضاً: وغادةٍ رقمت في خدها صوراً ... لتسلب الناس ألبابا وأذهانا هل عقرب الصدغ خافت فيك أعيننا ... فاستنجدت عقرباً أخرى وثعبانا! أم العقارب والحيات قد ألفت ... من وجنتيها بحكم الطبع بستانا الباب الخامس في بقية بدائع البدائه وفيه فصلان أحدهما ما كان من البدائه باقتراح مقترح كما تقدم في أول الباب الراب وثانيهما ما ليس باقتراح مقترح الفصل الأول فيما كان باقتراح مقترح فمن ذلك ما روى أن جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة؛ وهو مرثد بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وهو آخر ملوك جفنة بالشام قال لحسان: حب هذا المدامة، قد استحوذ على فبغضها إلى، فصنع حسان ارتجالا: ولولا ثلاث هن في الكأس لم يكن ... لها ثمن من شاربٍ حين يشرب لما نزق مثل الجنون ومصرع ... دنى وأن العقل ينأى ويذهب فقال: حرمتني لذتها، فحببها إلي، فارتجل وقال: ولولا ثلاث هن في الكأس أصبحت ... من أكسد شي يستفاد ويجلب أمانيها والكأس يظهر طيبها ... على حزنها، والهم ينأى ويذهب فأمر له جبلة بجائزة وحلةٍ من حلله. ومن ذلك ما روى أن الفرزدق دخل على عبد الملك في بعض وفاداته عليه، فامتدحه فحباه وأكرمه وأحسن جائزته، فلما خرج من عنده ركب راحلته، وأنشد: ما حملت ناقة من معشرٍ رجلا ... مثلي إذا الريح ألقتني على الكور فأنهى ذلك إلى عبد الملك، فأرسل وراءه من رده، فلما دخل عليه قال: إيه يا فرزدق! أنت الذي تقول: ما حملت ناقة ... البيت.؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: لتخرجن منها

стр. 151

يا بن اللخناء أو لآتين عليك! فقال مرتجلا: إلا قريشاً فإن الله فضلها ... مع النبوة بالإسلام والخير ترى وجوه بني مروان مشرقةً ... يوم الندى كشرفات الدنانير فقال عبد الملك: أولى لك! ورضي عنه. ومن ذلك ما روى أن أبا الخطاب عمر بن عامر السعدي المعروف بابن الأشد موسى الهادي يا خير من عقلت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر فقال له الهادي: إلا من؟ فقال واصلا كلامه: إلا النبي رسول الله إن له ... فخراً وأنت بذاك الفخر تفتخر فظن الهادي والحاضرون أن البيت مستدرك، ونظر في صحيفته فلم يجده. فأضعف صلته. وروى أن علي بن جبلة الأعمى العكوك لقي طاهر بن الحسين وهو في حراقة له فقال له طاهر: إنك قد قلت في أبي دلف: إنما الدتيا أبو دلفٍ ... بين مبداه ومحتضره فإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره فاصنع لي مثلهما ولك بكل بيت ألف، فصنع بديهاً: عجبت لحراقة ابن الحسي ... ن كيف تعوم ولا تغرق وبحران، من تحتها واحد ... ومن فوقها آخر مطبق وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها كيف لا تورق! فأمر له بثلاثة آلاف درهم، فأخذها وانصرف. وذر الصولي في كتاب الوزراء قال: حدثنا عيسى بن حماد، قال: شرب الحسن بن وهب عند عبد الله بن طاهر، فعرضت سحابة فأبرقت ثم أمطرت، فقال بعض من حضر المجلس: قل في هذا شيئاً، فقال: هطلتنا السماء هطلاً دراكا ... عارض المر زمان فيه السماكا قلت للبرق إذ توقد فيها: ... يا زناد السماء من أوراكا أحبيباً نأيته فجفاً كا ... فهوذا العارض الذي أبكاكا أم تشبهت بالأمير أبي العباس في جوده، فلست هناكا؟ وذكر ابن المثنى قال: قلت لخالد الكاتب: أخبرني عن قولك:

стр. 152

هذا حبيبك مطروق على كمده ... حرى مدامعه تجري على جسده له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به، ويد أخرى على كبده يا من رأى كلفاً مستبعداً دنفاً ... كانت منيته في عينه ويده ألا قلت كما قال أبو نواس: سماه مولاه لاستملاحه سمجاً ... فاختال عجباً بهذا الاسم وابتهجا ظبي كأن الثريا دون مفرقه ... والمشتري وضياء الشمس والسرجا محكم الطرف يدني سيف ناظره ... إذا انتضاه لفتك قال لا حرجا لا فرج الله عني إن مددت يدي ... إليه أسأله من حبه فرجاً فصنع بديهاً: قل لظبيٍ كله حسن ... ارث لي من فعلك السمج عينه سفاكة المهج ... من دمي في أحرج الحرج أسهرتني وهي راقدة ... باحورار الطرف والدعج لا أتاح الله لي فرجاً ... يوم أدعو منك بالفرج وروى أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن المعتصم في حياة أبيه بحضرة يعقوب بن الصباح الكندي فيلسوف العرب قصيدته التي أولها ما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي رسوم الأربع الأدراس وانتهى إلى قوله: إقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس قال له الكندي: ما زدت أن شبهت الأمير بصعاليك العرب، ومن هؤلاء الذين ذكرت؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيراً ثم أنشد: لا تعجبوا ضربي له من دونه ... مثلا شروداً في الندى والبأس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس فجن الحاضرون استحساناً مما أتى به، وأجزل أحمد صلته. ولما خرج قال ابن الصباح: إن هذا الفتى قصير العمر؛ لأنه ينحت من قلبه؛ فكان كذلك. وروى حماد بن أحمد الكندي قال: كان على بن الجهم يقع في مروان بن أبي الجنوب ويثلبه، حسداً له على قبوله ومنزلته عند المتوكل. فقال له المتوكل يوماً: أيكما أشعر يا علي؟ وأراد أن يغري بينهما. فقال علي: أنا أشعر منه. فقال: ما تقول يا مروان؟

стр. 153

كل أحد أشعر مني، وإذا أصيب عرضي في أمير المؤمنين لا أبالي. فقال المتوكل: هذا عدول عن الجواب، قد زعم أنه أشعر منك؛ فإن كان صادقاً قد مناه عليك، وإلا فبرهن عن نفسك. فقال مروان: يا علي، أنت أشعر مني؟ قال: أو تشك في ذلك؟ قال: لشد ما شككت! قال: فالناس يعملون صدقي، قال: فأمير المؤمنين بيننا، قال: إنه يميل إليك. فقال المتوكل: هذا من عيك يا علي. ثم التفت إلى حمدون بن عيسى، وقال له: اقض بينهما. قال: مالي ولما ضغي الأسد! فقال المتوكل: قد أبحت كلاً منكما هجاء صاحبه، فليبين عن نفسه: فقال علي: إنه قد كظني النبيذ فما أقدر على قول الشعر حتى أفيق. فقال مروان: لكنني أقدر يا أمير المؤمنين، قال: قل وعجل، قال: إن ابن جهمٍ في المغيب يعيبني ... ويقول لي حسناً إذا لاقاني ويكون حين أغيب عنه شاعراً ... ويضل عنه الشعر حين يراني وإذا خلونا ناك شعري شعره ... ونزا على شيطانه شيطاني عظمت حواياه وأربى بطنه ... فكأنما في بطنه ولدان إن ابن جهم ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما هاجاني فضحك المتوكل والندامى، وانخزل ابن الجهم، فقال المتوكل: بحياتي زد ما حضرك، فقال: بنت جهمٍ يا عليه ... صرت بعدي قرشيه قلت ما ليس بحق ... اسكتي يا حلقيه اسكتي يابنت جهم ... اسكتي يا نبطيه فجعل المتوكل يضحك ويضرب الأرض برجليه، فقال ابن الجهم: لعمري إن هذا الشعر يشبه قائله. فقال مروان: صدقت إنه لهزل ولكنني أجد بك، ثم قال: لعمرك ما جهم بن بدر بشاعر ... وهذا علي نجله يدعي الشعرا ولكن أبي قد كان جاراً لأمه ... فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا ففضحه في ذلك المجلس. ولم يحر جواباً، إلا أنه قال بعد ذلك بيتين يعنيه بهما، وهما:

стр. 154

بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين يبيحك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون قال علي بن ظافر ولما قدم مؤيد الدولة بن ركن الدولة أتى أبي علي الحسن بن بويه الديلمي إلى بغداد في حياة والده وعمه معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه ليعقد على ابنته زبيدة قدم معه الصاحب القاسم ابن عباد، وهو يومئذ في حداثة سنه وريعان عمره، وفي هذه السنة كتب كتاب الروزنامجه إلى الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد، وفي فصل منه ما معناه: أنه حضر عند الأستاذ أبي محمد المهلبي في ليلة طلعت نجوم سعدها، وأنجزت بها سجف المسرة صادق وعدها، وألحت الكؤوس خاطف برقها، وأسمعت المثاني حثيث رعدها، فجعلوا يتنقلون في شجون، المجون ويعقدون نكاح ابن الغدير على ابنة الزرجون، فاقترح عليه المهلبي أن يصنع شعراً في صفة هذا الحال، فقال بديهاً: تركت لساقي الريح يا بنة عرعرا ... وزرت لصافي الراح حانة عكبرا وقلت لعلج يعبد الراح: زفها ... مشعشعةً قد شاهدت عهد قيصرا فأوسعني آساً وورداً ونرجساً ... وأسمعني ناياً وطبلاً ومزهرا هنالك أعطيت البطالة حقها ... وألفيت هتك الستر كنزاً ومفخرا كأنى الصبا جريا إلى حومة الصبا ... أناغي صبياً من جليد مزنرا فعانقته والراح قد أغبقت بنا ... وكررت تقبيلاً وقد أقبل الكرى وصد عن العينين النعاس وصدني ... إلى أن تصدى الصبح يلمع مسفرا وهبت شمال نظمت شمل بعثتي ... فطارت بها عني الشمل تطيرا وكان الذي لولا الحيا لأذعته ... ولا عيش يصفو للفتى إن تسترا وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوان قال: حدثني أبو طاهر عبد العزيز بن حامد الواسطي الملقب سيدوك، قال: كنت بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب، فرمى إلي بنارنجة نصفها أخضر، ونصفها أصفر، وقال: قل في هذه شيئاً، فارتجلت: وطيبة النشر مسكية ... مرصعة بالسجايا الطياب فأصفر في لون شمس المسا ... وأخضر في لون قوس السحاب فلون كوجنة مرعوبةٍ ... ولون كإثر نصول الخضاب

стр. 155

فهذا كمصة خد الحبيب ... وذاك كما عل صرف الشراب قال وكنت أنا وأبو الفرج الببغاء نشاهد بركة ملئت وجعل فوقها ورد وبهار وشقائق حتى غطى أكثر الماء، وحضر أبو علي الهائم، فسأل أبا الفرج أن يعمل في ذلك شيئاً، فعمل بحضرتنا، وأنشد: خجل الورد من جوار البهار ... فمشى باحمراره في اصفرار وحكى الماء فيهما أحمر اليا ... قوت حسناً مرصعاً بنضار جمعا بالكمال في بركةً تمت ... ع حسناً نواظر الحضار أضرم الماء بالشقيق بها النا ... ر وعهدي بالماء ضد النار فوجدنا أخلاق سيدنا الزه ... ر ذكاء يربي على الأزهار ظلت منه ومن نداماه للأن ... س نديم الشموس والأقمار قال وكنت بحضرة عضد الدولة في مجلس أنس في عشية من العشايا فغنى له من وراء ستارة الخاصة صوت هو: نحن قوم من قريش ... ما هممنا بفرار وبعد أبيات ركيكة، فقال: أتعرفون لمن هذه؟ فقال أبو عبد الله بن المنجم: بلغني أن الشعر للمطيع بالله واللحن له، فقال لي اصنع أبياتاً على وزنها وقافيتها ليكون هذا اللحن المليح في شعر جيد، فتباعدت عن المجلس، واستدعيت دواة ودرجاً وعملت: أيهذا القمر الطا ... لع من دار القماري رائحاً من خيلاء الحس ... ن في أبهى إزار والذي يجني ولا يتبع ذنباً باعتذار أوضح العذر عذارا ... ك على خلع العذار أنا من هجرك في بع ... دٍ على قرب مزار فاستحسنها جداً، وأنشد: نحن قوم نحفظ العه ... د على بعد المزار ونمير السحب سحبا ... من أكف كالبحار أبداً ننحر للضي ... ف بدوراً من نضار

стр. 156

وبلغني عن بعض أهل المجلس أنه أمر الستارة بنقل اللحن إلى هذا الشعر، فنقل وغنى به، وبعد هذا أتممت أنا أبيات القصيدة وامتدحته بها. قال على بن ظافر وبالإسناد المتقدم ذكر صاحب اليتيمة ما معناه، أن أبا الحسن السلامي الشاعر دخل على الأمير عز الدولة أبي ثعلب فضل الله بن ناصر الدولة بن عبد الله حمدان وبين يديه درع كأنما جمعت من عيون الدبي أو غدير غضنت وجهه الصبا، فقال له: صفها، فارتجل: يا رب سابغةٍ حبتني نعمةً ... كافأتها بالسوء غير مفند أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وغدوت أبذلها لكل مهند فاستحسن بديهته، وأحسن جائزته. وذكر ما معناه أن السلامي سافر في صباه إلى الموصل، وبه جماعة من الشعراء، فلما أنشدهم شعره اتهموه واستصغروا سنه واستعظموه، فقال لهم أبو عثمان الخالدي: أنا أكفيكم أمره، ثم صنع دعوة وجمعهم بها، فلما اجتمعوا أخذوا في سبر صناعته، والبحث عن قدر بضاعته، فاتفق أن أمطرت السماء مطراً أشبه الثغور في لونها وبردها، وجانس بمنثوره منظوم عقدها،، فبادر الخالدي فألقى عليه نارنجاً كأنه كرات ذهب، أو شعل لهب. ثم قال: يا أصحابنا، صفوا هذا، فارتجل السلامي: لله در الخالد ... ي الأوحد الندب الخطير أهدي لماء المزن عن ... د جموده نار السعير حتى إذا صدر العتا ... ب إليه عن حنق الصدور بعثت إليه بعذره ... عن خاطري أيدي السرور لا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثغور فاعترفوا بفضله، وعرفوا عند ذلك مقدار علمه وعقله وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي قال: أخبرني الإمام الحافظ السلفي الأصبهاني - رحمه الله تعالى - قال: أخبرني الرئيس أبو سعد محمد بن عقيل بن عبد الواحد الدسكري في سنة ست وتسعين وأربعمائة، قال: حدثني القاضي التنوخي قال: أصعد أبو الفرج الببغاء هو وجماعة من الشعراء الكبار يمتدحونه، فأخرج يوماً خازنه قدحاً من ياقوت أزرق، فملأه ماء وتركه يتشعشع، فقال له أبو الفرج: يا مولانا، ما رأيت أحسن من

стр. 157

هذا! فقال: قل فيه شيئاً وهو لك، فقال أبو الفرج في الحال: كم منةٍ للظلام في عنقي ... بجمع شملٍ وضم معتنق وكم صباحٍ للراح أسلمني ... من فلقٍ ساطعٍ إلى فلق فعاطنيها بكراً مشعشعةً ... كأنها في صفائها خلقي في أزرق كالهواء يخرقه اللح ... ظ وإن كان غير منخرق كأن أجزاءه مركبة ... حسناً ولطفاً من زرقة الحدق ما زلت منه منادماً لعبا ... مذ أسكرتها المدام لم تفق تختال قبل المزاج في أزرق ال ... فجر وبعد المزاج في شفق أدهشها سكرنا فإن يكن الصم ... ت حديثاً فذاك عن فرق تغرق في أبحر المدام فيس ... تنقذها شر بنا من الغرق ونحن باللهو بين مصطبحٍ ... يمرح أمناً وبين مغتبق فلو ترى راحتي وصبغتها ... في لونها في معصفرٍ شرقٍ لخلت أن الهوا لاطفني ... بالشمس في قطعةٍ من الأفق فاستحسنها سيف الدولة وأعطاه إياه. وذكر أن السرى الرفاء الموصلي دخل على أبي الحسن باروخ بن عبد الله صاحب ناصر الدولة بن حمدان، وبين يديه ستارة تستر من يجلس برسم الغناء، فأمره أن يصنع ما يكتب عليها، فصنع بديهاً: تبين لي سبق الأمير إلى العلا ... وما زال سباقاً إلى الفضل منعما فصيرني بين القيان إذا شدت ... وبين نداماه حجاباً مكرما لأظهر من حسن الغناء محللا ... وأستر من حسن الوجوه محرما وذكر العميد الباخرزي في كتاب دمية القصر، أن أبا الحسن أحمد بن علي البستي أمره بهاء الدولة أن يعمل ما يكتب على تكة إبريسم، فقال ارتجالاً: لم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والخصور وإذا انسجمت فإنني ... بين الترائب والنحور ولقد نشأت صغيرة ... بأكف ربات الخدور ومن ذلك ما روى ابن بسام في كتاب الذخيرة ورويته بالإسناد المتقدم

стр. 158

ورواه لي أيضاً جماعة من الأندلسيين متفرقاً، أن أبا الفضل صاعداً اللغوى دخل على المنصور بن أبي عامر المعافري كفيل المؤيد بن الحكم بن الناصر الأموي والمتغلب على دولته، فأهدى إلى المنصور وردة منطبقة في غير أوانها، فقال لصاعد: قل فيها شيئاً، فارتجل: أتتك أبا عامر وردة ... يذكرك المسك أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها فأفرط المنصور في استحسانها، فحسده ابن العريف أحد الندماء، وقال: إنهما ليسا له، وقد أنشدنيها بعض البغداديين بمصر لنفسه، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه. فقال المنصور: أرنيه، فخرج ابن العريف وركب، وجعل يحث حتى أتى مجلس ابن بدر - وكان أحسن أهل وقته بديهة - فوصف له ماجرى، فقال هذه الأبيات ودس فيها بيتي صاعد: عشوت إلى قصر عباسة ... وقد جدل النوم حراسها فقالت: أسارٍ على هجعةٍ ... فقلت: نعم، فرمت كاسها ومدت يديها إلى وردةٍ ... يحاكي لك المسك أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها فوليت عنها على عفةٍ ... وما خنت ناسي ولا ناسها فطار ابن العريف بها وعلقها على ظهر كتاب بخط مشرقي، وتحيل حتى غير المداد، ودخل بها على المنصور، فلما رآها اشتد غيظه على صاعد، وقال للحاضرين: غداً أمتحنه، فإن فضحه الامتحان لم يقم في مكان لي فيه سلطان. فلما أصبح طلب فحضر، وأحضر جميع القدماء، فدخل به وبهم إلى مجلس حفل، قد أعد فيه طبقاً عظيما فيه سقائف مصنوعة من جميع النوار، عليها لعب من ياسمين في شكل الجواري، وتحتها بركة ماء قد ألقي فيها لؤلؤ مثل الحصباء، وفيها حية تسبح، فقال لصاعد: بلغنا أنك تكذب في شعرك، وقد وقفنا على حقيقة ذلك، وهذا يوم إما أن تسعد فيه عندنا وإما أن تشقى، وهذا طبق ما أظنه حضر بين يدي ملك قبلي، فصفه حالا، فقال صاعد يديها:

стр. 159

أبا عامر هل غير جدواك واكف ... وهل غير من عاداك في الأرض خائف! يسوق إليك الدهر كل غريبةٍ ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف وشائع نورٍ صاغها هامر الحيا ... عليها فمنها عبقر ورفارف ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف وأعجب منها أنهن نواظر ... إلى بركة ضمت إليها الظرائف حصاها اللآلي سابح في عبابها ... من الرقش مسموم اللعابين راجف ترى ما تشاء العين في جنباتها ... من الوحش حتى بينهن السلاحف فاستغربت له يومئذ تلك البديهة في مثل ذلك الموضع، وكتبها المنصور بخطه، وكان إلى ناحية من تلك السقائف سقيفة، فيها جارية من النوار تجدف بمجاديف من ذهب لم يرها صاعد؛ فقال له المنصور: إلا أنك لم تصف هذه الجارية، فارتجل: وأعجب منها غادة في سفينةٍ ... مكللة تصبو إليها المهاتف إذا راعها موج من الماء تتقي ... بسكانها ما أنذرته الرواجف متى كانت الحسناء ربان مركبٍ ... تصرف في الكفين منها المجاذف! ولم تر عيني في البلاد حديقةً ... زهتها أزاهير الربا والزخارف ولا غرو أن شاقت معاليك روضة ... تقلبها في الراحتين الوصائف فأنت امرؤ لو رمت نقل متالعٍ ... ورضوى ذرتها من سطاك العواصف إذا رمت قولاً أو طلبت بديهة ... فكلني لها إني لمجدك واصف فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين دينارا، وألحقه في ديوان الندماء. وروى أنه خرج معه يوماً إلى الزهراء فمد المنصور يده إلى شيء من الريحان المعروف بالترنجان، فرمى به، وأشار إليه أن يقول فيه، فارتجل: لم أدر قبل ترنجانٍ عبثت به ... أن الزمرد أغصان وأوراق من طيبه سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتى من الأزهار سراق! كأنما الحاجب المنصور علمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق

стр. 160

من ليس يقعده عن سؤددٍ قدم ... ولا تقوم له في سوءة ساق وروى أيضاً قال: دخل صاعد اللغوي على بعض أصحابه في مجلس شراب، فملأ الساقي قدحاً من إبريق، فتكونت قطرة من الراح في فم الإبريق ووقفت ولم تبرح، فاقترح عليه الحاضرون وصف ذلك، فقال بديهاً: وقهوةٍ من فم الإبريق صافيةٍ ... كدمع مفجوعةٍ بالإلف معبار كأن إبريقنا والراح في فمه ... طير تزقق ياقوتاً بمنقار وقد أخذه من قول الشريف أبي البركات علي بن الحسن العلوي: كأن ريح الروض لما أتت ... فتت علينا مسك عطار كأنما إبريقنا طائر ... يحمل ياقوتاً بمنقار وذكر ابن بسام أيضاً أن أبا عامر بن شهيد حضر ليلةً عند الحاجب بن أبي عامر المظفر بن المنصور بن أبي عامر بقرطبة، فقامت تسقيهم وصيفة صغيرة ظريفة الخلق، ولم تزل تسهر في خدمتهم إلى أن هم جند الليل بالانهزام، وأخذ في تقويض خيام الظلام، وكانت تسمى أسيماء، فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلها على صغر سنها، فسأله المظفر وصفها، فصنع ارتجالا: أفدي أسيماء من نديمٍ ... ملازم للكئوس راتب قد عجبوا في السهاد منها ... وهي لعمري من العجائب كيف تجافى الرقاد عنها ... فقلت لاترقد الكواكب وذكر ابن بسام أيضاً أنه كان يوماً مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان، فجئ بباكورة باقلاء، فقال ابن ذكوان: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال ابن شهيد: أنا لهما، وارتجل: إن لآليك أحدثت صلفاً ... فاتخذت من زمردٍ صدفا تسكن ضراتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضةً أنفا هامت بلحف الجبال فاتخذت ... من سندسٍ في جنانها لحفا شبهتها بالثغور في لطفٍ ... حسبك هذا من زمر من لطفا حاز ابن ذكوان في مكارمه ... حدود كعبٍ وما به وصفا قدم در الرياض منتخباً ... منه لأفراس مدحه علفا أكل ظريفٍ وطعم ذي أدبٍ ... والفول يهواه كل من ظرفا

стр. 161

رخص فيه شيخ له حسب ... فكان حسبي من المنى وكفى قال ابن بسام وحكى أن جماعة من أصحاب ابن شهيد قالوا له: يا أبا عامر إنك لآت بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتى منك، هاز لعطفك عند النادر يتاح لك، ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا. وكان الذي طلبوه منه زبدة التعنيت، لأن المعنى إذا كان جلفاً ثقيلاً على النفس، قبيح الصورة عند الحس، كملت الفكرة عنه وإن كانت ماضية، وأساءت القريحة في وصفه وإن كانت محسنة، وكان في المجلس باب مخلوع معترض على الأرض، ولبد أحمر مبسوط قد صففت نعالهم عند حاشيته، فقال مسرعاً: وفتيةٍ كالنجوم حسنا ... وكلهم شاعر نبيل متقد الجانبين ماضٍ ... كأنه الصارم الصقيل راموا انصرافي عن المعالي ... والحد من دونها كليل فالشد في أمرها فسيح ... كل كثير له قليل في مجلسٍ زانه التصابي ... وطاردت وصفه العقول كأنما بابه أسير ... تعرض من دونه النصول يراد منه المقال قسراً ... وهو على ذاك لايقول ينظر من لبده لدينا ... بحر دمٍ تحتنا يسيل كأن أخفافنا عليه ... مراكب مالها دليل ضلت فلم تدر أين تجري ... فهي على شطه تقيل فعجب القوم من أمره، ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطوافين وبين يديه زنبيل ملآن حرشفا، فجعل يده في لجام بغلته وقال: لا أتركك حتى تصف الحرشف فقد وصفه صاعد فلم يحسن، فقال له ابن شهيد: ويحك! أعلى مثل هذه الحال؟ قال: نعم فثنى رجله ثم قال: هل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذاً تباع في زنبيل كأنها أنياب بنت الغول ... لو نسخت في است أمري ثقيل لقفزته نحو أرض النيل ... ليست ترى طي حشا منديل نقل السخيف المائق الجهول ... وأكل قوم نازحي العقول أقسمت لاأطعمها أكيلي ... ولا طعمها على شمول

стр. 162

وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني السرقسطي عن الحميدي قال: ذكر أبو عامر بن سلمة أن إسحاق بن إسماعيل المنادي حضر مجلساً من أهل الأدب، فدخل عليهم فتى يكنى أبا الوليد، وبيده تفاحة غضة، فتنافسوا فيها، وجعل كل يستهديها. فقال: لا يستحقها بالأصالة إلا من وصفها فأحسن وصفها، فقال المنادي: هاتها فأنا زعيم بما أردته فيها، فأعطاه إياها فقال: مجال العين في ورد الخدود ... يذكر طيب جنات الخلود وأطيب ما تمنى النفس إلف ... يجدد وصله بعد الصدود وآرجةٍ من التفاح تزهو ... بطيب النشر والحسن الفريد فقلت لها: فضحت المسك طيباً ... فقالت لي: بطيب أبي الوليد وروى ابن بسامٍ في كتاب الذخيرة ورويناه بالإسناد المتقدم قال: حدث أبو عبد الله الصفار لصقلي قال: كنت ساكناً بصقلية وأشعار ابن رشيق ترد على، فكنت أتمنى لقاءه حتى قدم الروم علينا، فخرجت فاراً بمهجتي، تاركا لكل ما ملكت يدي، وقلت: أجتمع بأبي علي، فبرقة شمائله، وطيب مشاهدته، سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن. فجئت القيروان، ولم أقدم شيئاً على الدخول إلى منزله، فاستأذنت ودخلت، فقام إلى وهو ثاني اثنين، فأخذ بيدي، وجعل يسألني، فأخبرته بأمري فارتمض. وبعد أن تمكن أنسى بمجالسته، قال لي يوماً: يا أبا عبد الله، إن هاهنا بالقيروان غلاماً قد سلب كبدي، واستولى هواه على خلدي منذ عشرة أعوام، فانهض بنا إليه، فإن أنت ساعدتني عليه، قدمت عندي يداً لا يعدلها إلا رضاه. فقلت: سمعاً وطاعة، وسرت معه، حتى جئنا صاغة الجوهريين، فإذا غلام كأنه بدر تمام، صافي الأديم، عطر النسيم، كأنما يبسم عن در، ويسفر عن بدر، قد ركب كافور عارضيه، على بياض يحرحه الوهم بخاطره، ويدميه الطرف بناظره، فأنشدته قول الصنوبري: إنه من علامة العشاق ... اصفرار الوجوه عند التلاقي وانقطاع يكون من غير عي ... وولوع بالصمت والإطراق فقال لي: والله ما واجهته قط قبل يومي هذا إلا غشي على، ولكني أنست بك،

стр. 163

وشغلت بعذوبة لفظك، مع أني لم أرو طرفي عن وجهه المقمر، ولا متعته بفده المثمر، لتنكيسه رأسه عند طلوعي إليه، فقلت: ولم ينكس رأسه؟ فوالله ما رأيت أشبه بالبدر منه خداً، وبالغصن قداً، ولا بالدر ثغرا، ولا بالمسك شعرا! فقال: يا أبا عبد الله، ما أصبرك بمحاسن الغلمان؛ لاسيما من فضضت كف الجمال صفحته، وذهبت وجنته، وخفت على تفاح خده العيون، فوكلت بها الجفون. يا أبا عبد الله، ينكس رأسه لأني علقته وحده هلالي، وطرفه غزالي، وفرعه ظلامي، ولحظه بابلي، وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره ساجي، وصدره عاجي؛ فكأن طرفي يشوب كافوره بالعقيق، فيحرج لذلك صدر العشيق؛ حتى بدا عداره فأبدي من يميمه نقشا على فضى أديمة، فتوهم لذلك الطاهر الأعراق، الطيب الأخلاق، أن ذلك مما يضعف قوى محبته، ويمحو رسوم مودته، فقلت له: بحقي عليك يا أبا علي، ألا قلت في هذا المعنى شيئا! فأطرق قليلاً ثم أنشد: وأسمر اللون عسجدي ... يكاد يستمطر الجهاما ضاق بحمل العذار ذرعاً ... كالمهر لا يعرف اللجاما ونكس الرأس إذ رآني ... كآبة واكتسى احتشاما وظن أن العذار مما ... يزيح عن قلبي الغراما وما دري أنه نبات ... أنبت في جسمي السقاما وهل ترى عارضيه إلا ... حمائلا حملت حساما! وهذا كما قال ابن المعتز: ومستحسنٍ وصلي جعلت وصاله ... شعاري، فما أنفك دأباً أوصله كأن بعينيه إذا ما أدارها ... حساماً صقيلاً والعذار حمائله قال علي بن ظافر وذكر أن أبا علي حسن بن رشيق دخل على المعز بن بادبس يوماً، وفي يده أترجة كأنها واسطة ذهب، أو جذوة لهب، فأشار إلى وصفها، فارتجل: أترجة سبطة الأطراف ناعمة ... تلقى النفوس بحظ غير منحوس كأنما بسطت كفاً لخالقها ... تدعو بطول بقاءٍ لابن باديس وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج أن كتاب الخراج بالقيروان اجتمعوا في الديوان يوماً، فوقعت بينهم جرادة، فوضعها بعضهم في يده، وقال: من يصفها؟

стр. 164

فقال عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي قد علمتم أني امرء مرو، ولست بصاحب بديهة، فبدرهم يعلى بن إبراهيم الأريس، وهو أصغرهم سناً إذ ذاك، فقال: وخيفانةٍ صفراء مسودة القرا ... أتتك بلون أسودٍ تحت أصفر وأجنحةٍ حمر كأمثال ردنةٍ ... تقاصر عن أطراف بردٍ محبر وروى أن الشيخ أبا الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي دخل على بعض الرؤساء، وبين يديه طبق قد ملئ ورداً أحمر وأبيض فاستدعى منه وصفه، فقال بديهاً: كأنما الورد الذي نشره ... يعبق من طيب معانيكا دماء أعدائك مسفوكة ... قد قارنت بيض أياديكا وذكر صاحب الدمية الباخرزي أن الشريف محمد ابن علي بن الحسين الهمداني قال: دخلت على عمي الرئيس أبي الحسن وقد دخل عليه غلام فحياه بنرجسة، فقال لي: قل فيه شيئاً صفه به، فقلت: ومكحلٍ بالسحر أحور شادنٍ ... حيا بنرجسةٍ أوان بكور فكأنه وكأنها في كفه ... بدر يريك التبر في الكافور وتركبت فوق الزبرجد حلقة ... تحكي فتور اللحظ من مخمور قال علي بن ظافر وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة أن أبا الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي البغدادي، حضر مجلس المعز بن باديس يوماً، وبالمجلس ساقٍ وسيم، قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندمان فعل عينيه، فأمر المعز بوصفه، فقال بديهاً: ومعذرٍ نقش الجمال بمسكة ... خدا له بدم القلوب مضرجا لما تيقن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا قال علي بن ظافر ذكر ابن خاقان في كتاب قلائد العقيان ما معناه قال: حضر الاستاذ. أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي عند المأمون ابن ذي النون ببعض متنزهاته، في يوم طاب نسيمه، وسرت بالسعود نجومه، والروض قد أجاد وشيه راقمة، والماء قد جرت بين الأعشاب أرقامه؛ وثم بركة مملوءة، كأنها مرآة مجلوة، قد اتخذت سباع الطير بشاطها غاباً، ومجت بها من سائغ الماء لعابا، لا تزال تقذف الماء ولا تفتر، وتنظم لآلئ الحباب بعدما تنثر،

стр. 165

فأمره بوصف ذلك الموضع الذي تحب، إليه ركاب القلوب وتوضع، فقال بديهاً: يا منظراً إن نظرت بهجته ... ذكرني حسن جنة الخلد تراب مسكٍ وجو عنبرةٍ ... وغيم بد وطل ما ورد والماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلي فواغر الأسد كأنما جائل الحباب به ... يلعب في جانبيه بالنرد تراه يزهو إذ يحل به المأمون زهو الفتاة بالعقد تخاله إن بدا به قمراً ... تماً بدا في مطالع السعد كأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمةٍ ومن مجد كأنما جادها وأمطرها ... بوابلٍ من يمينه رغد وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن مروان بن أبي الحجاج بن علي القضاعي، قال: اقترحت على أبي محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن حمديس الصقلي الأزدي، وقد وقف ليود عنى، وكنت عازماً على سفر أن يصنع لي أبياتاً غزلية في الوداع فصنع في الحال، وقال: ولما رأت طير الفراق نواعباً ... وقد هم بالتوديع كل مودع شكت ما شكا المخزون من غربة النوى ... وأبكت لها عيني غزالٍ مروع ولم أر في خد يزرر قبلها ... من الغيد شمساً في غمامة برقع وقد سفرت عن برقع عبر الأسى ... لعيني بها عن وجد قلب مفجع وأقبل در البحر من فوق نحرها ... يصافحه من خدها در مدمعي فيارب إن البين أخنت صروفه ... علي ومالي من معينٍ فكن معي على قرب عذالي وبعد أحبتي ... وأمواه أجفاني ونيران أضلعي قال علي بن ظافر وبالإسناد المتقدم روى ابن بسام في كتاب الذخيرة ما معناه، قال: دخل الوزير أبو العلاء زهر بن الوزير أبي مروان عبد الملك بن زهر، على الأمير عبد الملك بن رزين في مجلس أنس وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه، ويبدي من حبابه ولفظه، وقد بدا عذاره في صفحة خده، وكمل حسنة باجتماع الضد مع ضده، فكأنه بسحر لحظه أبدي ليلا في شمس، وجعل يومه في الحسن أحسن من أمس، فسأله ابن رزين أن يصنع فيه، فقال بديهاً:

стр. 166

تضاعف وجدى إذ تبدى عذاره ... ونم فخان القلب مني اصطباره وقد كان ظني أن سيمحق ليله ... بدائع حسن هام فيها نهاره فأظهر ضد ضده إذ وشت به ... بعنبره في صفحة الخد ناره وزاد بجفنيه ذبولاً بنرجسٍ ... زها فيه لما أمه جلناره واستزاده، فقال بديهاً: محيت آية النهار فأضحى ... بدر تم وكان شمس نهار كان يغشى العيون نوراً إلى أن ... شغل الله خده بالعذار ثم استزاده فقال: عذار ألم فأبدى لنا ... بدائع كنا لها في عما ولو لم يجن النهار الظلا ... م لم يستبن كوكب في السما ثم استزاده فقال: تمت محاسن وجهه وتكاملت ... لما استدار به عذار مونق وكذلك البدر استنار جماله ... في أن تكنفة غمام أزرق وأنبأني العماد أبو حامد قال: ذكر لي صفوة الدين النابلسي أن الأمير أبا الحسن علي بن منقذ كان راكباً في جماعة منهم ابن حيوس، فنزلوا بروضة غناء فيها شقائق وأقحوان، فاستحسنوها وقالوا: ننظم فيها شعراً، وقالوا للأمير: ابدأ أنت، فقال في الحال: كأن الشقائق والأقحوان ... خدود تقبلهن الثغور فهاتيك يخجلهن الحياء ... وهاتيك يضحكهن السرور قال العماد وذكر لي أن معز الدولة قال علي بن ظافر يعنى تمثال بن صالح الكلابي صاحب حلب - جلس على نهر قويق زمن المد وقد خيم به، فذكر ابن النوت الشاعر وهو الرضى عبد الواحد بن الفرج بن النوت المعري، وذكر سرعة بديهته واقتداره على الارتجال، فأرسل إليه على البر فحضر، فقال بديهاً: رأيت قويقاً إذ تجاوز حده ... له زجل في جريه وضجيج وكان ثمال جالساً بشفيره ... فشبهته بحراً لديه خليج فقال معز الدولة: قد زعم الحلبيون أن هذا ليس بشعرك - وكان فيهم ابن سنان الخفاجي - فإن قلت بديهة أعطيتك جوائزهم، ثم نظر إلى غرابين على

стр. 167

نشز، فقال: صفهما، فقال: يا غرابين أنتما سبب البي ... ن فكيف اجتمعتما بمكان! إنما قد وقفتما في خلو ... في فراق الأحباب تشتوران فاحذرا أن تفرقا بين إلفي ... ن فما تدريان ما يلقيان قال علي بن ظافر وكان أبو سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان ظاهر التغفل، على جودة نظمه ورطوبة طبعه، وكان كثيراً ما يسلك سكة الخفافين على بغلته، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها، فعبر السكة يوماً مع أصحابه راجلاً، فلما رأى الجلود الملقاة نفر ونكص على عقبه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ! فقال: البغلة نفرت بي. فعجبوا من تغفله، كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي أنه راكب، وأن حركته الاختيارية منه هي حركة البغلة الاضطرارية له، فكان تغفله ربما أوقعه في مهمةٍ عند من لا يعرفه. واقترح عليه بعض الأمراء أن يضع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذيب، وأول الثاني جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديهاً: كتابي نجيع لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسر هناك وذيب جوارح أهليه حروف وربما ... تولته من نقط الطعان أنابيب قال علي بن ظافر وذكر لي بعض أصحابنا ما معناه، أن القاضي الموفق محمود بن قادوس، دخل على الأمير فرج الظهير، فعرض عليه دبوس صيني الحديد، عديم النظير والنديد لا تحصن منه خوذة ولا نثرة، ولا تقال لضربته عثرة، تجفل لصولته آساد الحرب إجفال الأنعام، وتتضاءل لهيبته البيض حتى تعود أوهى من بيض النعام، فأمره بوصفه، فقال على لسانه: ما ضر من كنت في الهيجاء عدته ... ألا يعوج على بيض ولا أسل إذ لا تحصن مني البيض لابسها ... ولا الدروع ولا مستأخر الأجل قال علي بن ظافر ودخل أبو خالد بن صغير القيسراني على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفاً، وجر النسيم عليها ما رق من أذياله

стр. 168

وصفا، فهو تارةً يرشف رضابها، ويجعد ثيابها، وتارة يسبكها مبرداً ويحكيها مسرداً، فأمر بوصفها فقال: أو ما ترى طرب الغدير إلى النسيم إذا تحرك بل لو رأيت الماء يلعب في جوانبه لسرك وإذا الصبا هبت عليه أتاك في ثوبٍ مفرك وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي الكاتب قال: أخبرني القاضي كمال الدين أبو فخر عبد القاهر ابن المهنأ التنوخي المعري المعروف بخصى البغل قال: كنت بحماة، فأتيت حانوت رجل يعرف بالحكيم أبو الخير، فصادفت عنده رجلا يعرف بالسديد، فطلبت منه يرنية ورد مربى، فقال: لن تراها حتى تقول في شعرا، فقلت: أما المدح فلا، وأما الهجاء فنعم، فقال: هات، فقلت: أبو الخير أبي الخير ... فلا خير ولا مير ضئيل ناحل الجسم ... ولكن كله أير فقال: اصنع في السديد - وكان كبير الأنف، فقلت: كما أن سديد الدين أنف بس لا غير تراه بين عينيه ... كناقوسٍ على دير فقال: وفيك أيضاً، فقلت: فخذها من خصى البغل ... كمثل البرق في السير قال علي بن ظافر ودخل الأعز أبو الفتوح بن قلاقس على بلال بن رافع بن بلال الفزاري، فعرض عليه سيفاً قد نظم الفرند في صفحته جوهره ناره وجمد نهره، وألبسه من جلد الأفاعي رداء، وجسمه ردىً أو داء، لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر، ولا يسلم من حده من ثبت ولا ينجو لطوله من فر، وهو يبكي للنفاق ويضحك، ويرعد للغيظ ويفتك، فأمره بصفة شأنه، فقال بديهاً على لسانه: أروق كما أروع فإن تصفني ... فإني رائق الصفحات رائع تدافع بي خطوب الدهر حتى ... نقلت إلى بلال عن مدافع

стр. 169

وقال أيضاً: رب يومٍ له من النقع سحب ... ماله غير سائل الدم ودق قد جلته يمنى بلالٍ بحدي ... وكأني في راحة الشمس برق وقال فيه: أنا في الكريهة كالشهاب الساطع ... من صفحةٍ تبدو وحد قاطع فكأنما استمليت تلك وهذه ... من وصف كف بلالٍ بن مدافع وقال أيضاً: انظر لمطرد المياه بصفحتي ... ولنار خدي كم لها من وصال قد عاد شدي في المضايق شيمتي ... كبلالٍ بن مدافع بن بلال وسأله صاحب له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلاً ولوناً وشق ليلاً من الشعر جوناً فقال ومتيمٍ بالآبنوس وجسمه ... عاج ومن أدهانه شرفاته كتمت دياجي الشعر منه بدرها ... فوشت به للعين عيوقاته وقال فيه: وأبيض ليل الآبنوس إذا سرى ... تمزق عن صبح من العاج باهر وإن غاص في بحر لشعور رأيته ... تبشرنا أطرافه بالجواهر وقال فيه: ومشرقٍ يشبه لون الضحى ... حسناً ويسرى في الدجى الفاحم وكلما قلب في لمةٍ ... أضحكها عن ثغرٍ باسم قال وجلس بمصر في دار الأنماط يوما مع جماعة فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك، كشمس تحت سحاب الثقاب، وغصن في أوراق الشباب، فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت ظبي مذعور، أفرقه القانص فهرب، وتتثنى تثنى غصن ممطور، عانقه النسيم فاضطرب، فسالوه وصفها، فقال: هذا يصلح أن يعكس فيه قول ابن القطان الأزدي القيرواني: أعرضن لما أن عرضن فإن يكن ... حذراً فأين تلفت الغزلان ثم صنع فقال:

стр. 170

لها ناظر في ذرى ناضرٍ ... كما ركب السن فوق القناة لوت حين ولت لنا جيدها ... فأي حياةٍ بدت من وفاة كما ذعر الظبي من قانصٍ ... فمر وكرر في الالتفات ثم صنع بديهاً: ولطيفة الألفاظ لكن قلبها ... لم أشك منه لوعةً إلا عتا كملت محاسنها فود البدر أن ... يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا قد قلت لما أعرضت وتعرضت: ... يا مؤيساً يا مطعماً قل لي متى! قالت أنا الظبي الفريد وإنما ... ولي وأوحش نبوة فتلفتا قال علي بن ظافر وحضر يوماً عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصرٍ رسا بناؤه وسما، وكاد يمزق بمزاحمته أثواب السما، وقد ارتدى جلابب السحائب ولاث عمائم الغمائم، وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته، وأشرق على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما ائتمنت عليه من ودائع أمطارها، والرمل بفنائه قد نثر تبره في زبرجد كرومه، والجو قد بعث إليه لطيمةً نسيمة، والنخل قد أظهرت جواهرها، ونثرت غدائرها، والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد غيظاً من عبث الرياح به. فسئل وصف ذلك الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه، فجاشت لذلك لجج بحره، فألقت إليه جواهرها لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال: قصر بمدرجة النسيم تحدثت ... فيه الرياض بسرها المستور خفض الخورنق والسدير سموه ... وثنى قصور الروم ذات قصور لاث الغمام عمامة مسكيةً ... وأقام في أرضٍ من الكافور غنى الربيع به محاسن وجهه ... فافتر عن نورٍ يروق ونور فالروض يسحب حلةً من سندس ... تزهو بلؤلؤ طله المنثور والنحل كالغيد الحسان تقرطت ... بسبائك المنظوم والمنثور والرمل في حبك النسيم كأنما ... أبدى غصون سوالف المهجور والبحر يرعد متنه فكأنه ... درع يشن بمعطفي مقرور وكأننا والقصر يجمع شملنا ... في الأفق بين كواكب وبدور

стр. 171

وكذاك دهر بني خليف لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطرسي المعروف بابن السيوري الإسكندري النحوي بما هذا معناه قال: كنت مع الأعز ابن قلاقس في جماعة، فمر بنا أبو الفضائل بن فتوح المصري وه عائد من المكتب، ومه دواته، وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفاً وجمالاً، وراحة القلب قرباً ووصالا، كل عينٍ إلى وجهه محدقة، ولمشهد خديه بخلوق الخجل محملقة، فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه، فصنع بديهاً: علقته متعلقاً ... بالخط منعكفاً عليه حمل الدواة ولا دوا ... ء لعاشقٍ يرجى لديه فدماء حبات القلو ... ب تلوح صبغاً في يديه لم أدر ما أشكو إليه: ... أهجره أم مقلتيه؟ والحب يخرسني على ... أني ألكع سيبويه مالي إذا قابلته ... شغل سوى نظري إليه وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني بدمشق قال: اصطحبت أنا والوزير أبو عبدا لله محمد بن الشيخ الأجل أبي الحسن بن عبد ربه حفيد صاحب كتاب العقد في مركب إلى الإسكندرية، فلما قربنا منها هاج علينا البحر حتى أشرفنا على الغرق، فلاح لنا ونحن على هذا الحال منار إسكندرية، فسررنا برؤيته، وطمعنا في السلامة، فقال لي: لابد أن أعمل في المنارة شيئاً، فقلت له: أعلى مثل هذا الحال الذي نحن فيه! قال: نعم، فقلت: فاصنع، فأطرق ثم عمل: لله در منار الإسكندرية كم ... يسمو إليه على بعد من الحدق من شامخ لأنف في عرنينه شمم ... كأنه باهت في دارة الأفق يكسر الموج منه جانبي رجلٍ ... مشمر لذيل لا ينجو من الغرق لا يبرح الدهر من ورد على سفن ... ما بين مصطبحٍ منها ومغتبق للمنشآت الجواري عند رؤيته ... كموقع النوم من أجفان ذي أرق تهوى إليه وعنه الفلك طائرة ... بمثل أجنحة صيغت من الخرق كأنه وعليه الفلك حائمة ... برج الحمام، فمن آتٍ ومنطلق

стр. 172

وأخبرني القاضي الأسعد بن الخطير ﵀ قال: أمرني الملك العزيز رحمه الله تعالى أن أصنع له في فرس أشهب قطعةً أشبهه فيها بالقمر في لونه وسرعته وقال ﵀: ان الناس شبهوه باشهاب والقمر اسرع أسرع جرياً منه فصنعت في الحال: وأشهب يقطع عر ... ض الأرض في لمح البصر ما مثله في لونه ... وجريه إلا القمر وأخبرني القاضي الأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث قال: اجتمعا ليلة عند القاضي محيى الدين ولد قاضي القضاة صدر الدين بن درباس ﵀ فتذاكرنا البديهة، فاقترح على أن أصنع له في شمعة كانت بين أيدينا، فصنعت: وأنيسةٍ باتت تساهر مقلتي ... تبكي وتبدي فعل صب عاشق سرقت دموعي والتهاب جوانحي ... فغدا لها بالقط قطع السارق وأخبرني الشريف أبو الفضل جعفر الشاعر المنبوز بالقرطم قال: لقيت القاضي النفيس أبا العباس أحمد بن عبد الغني القطرسي، وأنا عائد من الحمام، ومعي سطل نحاس أحمر، فمر بنا بعض الشعراء، فسألتهما أن يصنعا شعراً في صفة السطل، فصنع النففيس بديهاً: أنا كافل للري إن بخل الحيا ... ومهدي الحميا من مراشفي اللعس إذا حملتني راحة فكأنني ... هلال منيرٍ حامل كرة الشمس قال علي بن ظافر دخلت مع جماعة من أصحابنا على صديق لنا نعوده، وبين يديه بركة قد راق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رص تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار، وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كرات من النضار. فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقلت بديهاً: أبدعت يابن هلال في فسقيةٍ ... جاءت محاسنها بما لم يعهد عجباً لأمواه الدساتير التي ... فاضت على نارنجها المتوقد فكأنهن صوالج من فضةٍ ... رفعت لضرب كرات خالص عسجد قال ومن أعجب ما دهيت به ورميت إلا أن الله بفضله نصر وأعطى الظفر وأعان خاطري الكليل حتى مضى مضاء السيف الصقيل أني كنت في خدمة مولانا الملك العادل خلد الله ملكه بالإسكندرية، سنة إحدى وستمائة، مع من ضمته

стр. 173

حاشية العسكر المنصور من الكتاب، ودخلت سنة اثنتين ونحن مقيمون بالخدمة، مرتضعون لأفاويق النعمة، فحضرت مع من حضر للهناء، من الفقهاء والعلماء والمشايخ والكبراء، وجماعة الديوان والأمراء، في يوم من أيام الجلوس للأحكام، والعرض لطوائف الأجناد بالتمام، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من العسكر، إلا حضر مهنئاً، ومثل شاكراً وداعياً. فلما غص المجلس بأهله، وشرق بجمع الناس وحفله، وخرج مولانا السلطان - خلد الله ملكه - إلى محله، واستقر في دسته، أخرج كتاباً ناوله إلى الصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بنعلي وزير دولته وكبير حملته، وهو مفضوض الختام، مفكوك الفدام، ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم - أبقاه الله - كتبها إليه يتشوقه ويستعطفه لزيارته ويرققه، ويستحث عود ركابه إلى الشام للمثاغرة بها وقمع عدوها، ويعرض بذكر مصر وشدة حرها ووقد جمرها، وذلك بعد أن كان وصل إلى خدمته بالثغور ثم رجع: أروى رماحك من دماء عداكا ... وانهب بخيلك من أطاع سواكا واركب خيولاً كالسعالي شزباً ... واضرب بسيفك من يشق عصاكا واجلب من الأبطال كل سميدعٍ ... يفري بعزمك كل من يشناكا واسترعف السمر اللدان وروها ... واسق المنية سيفك السفاكا وسر الغداة إلى العداة مبادراً ... بالضرب في هام العدو دراكا وانكح رماحك للثغور فإنها ... مشتاقة أن تبتني بعلاكا فالعز في نصب الخيام على العدا ... تردى الطغاة وتدفع الملاكا والنصر مقرون بهمتك التي ... قد أصبحت فوق السماك سماكا فإذا عزمت وجدت من هو طائع ... وإذا نهضت وجدت من يخشاكا والنصر في الأعداء يوم كريهة ... أحلى من الكأس الذي رواكا والعجز أن تمسي بمصر مخيماً ... وتحل من تلك العراص عراكا فأرح حشاشتك الكريمة من لظى ... مصرٍ لكي نحظى الغداة بذاكا فلقد غدا قلبي عليك بحرقةٍ ... شغفاً، ولا حر البلاد هناكا وانهض إلى راجي لقاك مسارعاً ... فمناى من كل الأمور لقاكا وابرد فؤاد المستهام بنظرةٍ ... وأعد عليه العيش من رؤياكا

стр. 174

واشف الغداة غليل صب هائمٍ ... أضحى مناه من الحياة مناكا فسعادتي بالعادل الملك الذي ... ملك الملوك وقارن الأفلاكا فبقيت لي يا مالكي في غبطةٍ ... وجعلت في كل الأمور فداكا فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها، وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد غاياتها، أخذوا في استحسان نظامها، وتناسق غريب التئامها والثناء على الخاطر الذي نظم محكم ابياتها وأطلع من مشرق فكره آياتها. فقال السلطان - خلد الله ملكه: نريد من يجيب عنها بأبيات على قافيتها. فالتفت مسرعاً إلى وأنا على يمينه وقال: يا مولانا مملوكك فلان وهو فارس هذا الميدان، والمعتاد للتخلص في مضايق هذا الشان. ثم قطع وصلا من درج كان بين يديه، وألقاه إلي، وعمد إلى دواته فأدارها بين يدي، فقال السلطان - خلد الله ملكه -: على مثل هذه الحال؟ قال: نعم، أنا جربته فوجدته متقد الخاطر حاضر الذهن، سريع إجابة الفكر. فقال السلطان: وعلى كل حال، قم إلى هاهنا لتنكف عنك أبصار الناظرين، وتنقطع غاغاء الحاضرين. وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو منفرد به. فقمت وقد فقدت رجلي انخزالا، وذهني اختلالا، لهيبة المجلس في صدري، وكثرة من حضره من المترقبين لي، المنتظرين حلول فاقرة الشماتة بي، فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلى خاطري، وانثال الشعر على ضمائري، فكنت أرى فكري كالبازي الصيود، لايرى كلمة إلا أنشب فيها منسره، ولا معنى إلا شك فيه ظفره، فقلت في أسرع وقت: وصلت من الملك المعظم تحفة ... ملأت بفاخر درها الأسلاكا أبيات شعرٍ كالنجوم جلالةً ... فلذا حكت أوراقها الأفلاكا عجباً وقد جاءت كمثل الروض إذ ... لم تذوها بالحر نار ذكاكا جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ... تجلو بغرة وجهك الأحلاكا كقميص يوسف إذ سفت يعقوب رباه، شفتني مثله رياكا قد أعجزت شعراء أهل زماننا ... حسناً فلم لا تعجز الأملاكا! ما كان هذا الفضل يمكن مثله ... أن يحتويه من الأنام سواكا لم لا أغيب عن الشآم وهل له ... من حاجةٍ عندي وأنت هناكا

стр. 175

أم كيف أخشى والبلاد جميعها ... محمية في جاه طعن قناكا يكفي الأعادي حر بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الولي نداكا مازرت مصر لغير ضبط ثغورها ... فلذا صبرت فديت عن رؤياكا أم البلاد علا عليها قدرها ... لا سيما مذ شرفت بخطاكا طابت وحق لها ولم لا وهي قد ... حوت المعلى في الفخار أخاكا أنا كالسحاب أزور أرضاً ساقياً ... حيناً وأمنح غيرها سقياكا مكثي جهاد للعدو لأنني ... أغذوه بالرأى السديد دراكا لولا الرباط وفضله لقصدت بال ... سير الحثيث إليك نيل رضاكا ولئن أتيت إلى الشآم فإنما ... يحتثني شوقي إلى لقياكا إني لأمنحك المحبة جاهداً ... وهواي فيما تشتهيه هواكا فافخر فقد أصبحت بي وببأسك ال ... حامي وكل مملكٍ يخشاكا لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ... أبداً، ومن عاداك كان فداكا وأعيش أنظر إبنك الباقي أباً ... وتعيش تخدم في السعود أباكا ثم عدت إلى مكاني، وقد بيضتها وحليت بزهرها ساحة القرطاس الأبيض وروضتها. فلما رآني السلطان - خلد الله ملكه - قد عدت قال: أعملت شيئاً؟ ظنا منه أن العمل في تلك اللمحة متعذر، وبلوغ الغرض فيها غير متصور، فقلت: نعم، فقال: أنشدنا. فصمت الناس وحدقت الأبصار، وأصاخت الأسماع، وظن الناس بي الظنون، وترقبوا مني ما يكون. فما هو إلا أن توالي إنشادي حتى صفقت الأيدي إعجاباً، وتغامزت الأعين استغراباً، وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل بأنه المعلى إذ ضربت قداحهم، وسردت أمداحهم. اغرورقت عيناه لذكره، وبان منه نخفى المحبة فأعلن بسره. وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه ولم يمكنه دفعه، فمد يده مستدعياً للورقة، فناولتها إلى يد الصاحب، فناولها له ثم نهض. وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي في التعريض له، أمور كان يقترحها علي فأنفذ فيها بين يديه، ويخف الأمر منها على، لدالتي عليه؛ منها أنني كنت معه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة بدمشق، فورد كتاب من الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وقد بعث صحبته

стр. 176

نسخة من ديوان شعره، فتشاغل بتسويد كتابه جوابه، فلما كتب بعضه التفت إلي وقال: اصنع أبياتاً أكتبها إليه في صدر الجواب، وأذكر فيها شعره، فقلت له: على مثل هذا الحال؟ قال: نعم. فقلت: بقدر ما أنجز بقية النسخة: أيا ملكاً قد أوسع الناس نائلاً ... وأغرقهم بذلاً وعمهم عدلا فديناك هب للناس فضلاً يزينهم ... فقد حزت دون الناس كلهم الفضلا ودونك فامنحهم من العلم والحجا ... كما منحتهم كفك الحود والبدلا إذا حزت أوفى الفضل عفواً فما الذي ... تركت لمن كان القريض له شغلا! وماذا عسى من ظل بالشعر قاصداً ... لبابك أن يأتي به قل أو جلا فلا زلت في عز يدوم ورفعة ... تحوز ثناءً يملأ الوعر والسهلا قال وكنت عند المولى الملك الأشراف أبقاه الله تعالى في سنة ثلاث وستمائة بالرها وقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي، أو إرادة الحديث معي. فلم أشعر في بعض الليالي - وأنا نائم في فراشي - إلا وهو قائم على رأسي، والسكر قد غلب عليه، والشموع تزهو بين يديه، وقد حفت به مماليكه كأنهم الأقمار الزواهر، في ملابس كرياض ذات أزاهر. فقمت مروعاً، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي، ومنعني من القيام عن الوساد، وأبدى من جميله ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد. ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد بإزعاجك التثقيل عليك ثم استدعى من بمجلسه من المغنين فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذا. وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه وزهوه، وركنا بيت سروره ولهوه، وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان كثيراً ما يداعبني في شأنهما، ويستدعي مني القول فيهما، والكلام في التفضيل بينهما، فصنعت في الوقت: يا مالكاً لم يحك سيرته ... ماضٍ ولا آتٍ من البشر اجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر فطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر، والنوم قد زاد أجفانه تفتيرا، ومعاطفه تكسيرا، فقلت بين يديه بديها في صفة المجلس:

стр. 177

سقى الرحمن عصراً قد مضى لي ... بأكناف الرها صوب الغمام وليلاً باتت الأنوار فيه ... تعاون في مدافعة الظلام فنور من شموعٍ أو ندامى ... ونور من سقاةٍ أو مدام يطوف بأنجم الكاسات فيه ... سقاة مثل أقمار التمام تريك به الكثوس جمود ماء ... فتحسب راحها ذوب الضرام يميل به غصوناً من قدودٍ ... غناء مثل أصوات الحمام فكم من موصلي فيه يشدو ... فينسى النفس عادية الحمام وكم من زلزلٍ للضرب فيه ... وكم للزمر فيه من زنام لدى موسى بن أيوب المرجي ... إذا ماضن غيث بانسجام ومن كمظفر الدين المليك ال ... أجل الأشرف الندب الهمام فما شمس تقاس إلى نجوم ... تحاكي قدره بين الكرام فدام مخلداً في الملك يبقى ... إذا ما ضن دهر بالدوام فلما أنشدتها قام، فوضع فرجية من خاص ملابسه كنت عليه على كتفي، ووضع شربوسة بيده على رأس مملوك صغير كان لي. قال: ومررت أيضاً عليه وقد أنفذني السلطان خلد الله تعالى ملكه في رسالة إلى الموصل في سنة سبع وستمائة فلما عدت أمسكني عنده نحو شهر بالرها، وجرت لي عنده بدائه كثيرة، من جملتها أنه غنى بين يديه بشعر أعجمي ليس على أوزان العروض، فأعجبه واقترح على أن أصنع له على وزنه ليغني له به ما يفهمه، وأرسل إلي بذلك، فعملت في الوقت بالمعنى الذي اقترحه: مالذة المعنى ... إلا مدامته ووصل من عليه ... قامت قيامته ظبي صريعه ... ما ترجى سلامته والٍ على غرامي ... دامت ولا يته في السلم لينه ... وفي الهيجا صرامته كالسيف مقلتاه ... كالرمح قامته كالبدر وجهه ... والأصداغ هالته كالغصن حين تز ... هو به غلالته كالليث حين تب ... دو عليه لامته وليس مثل قلبي تخشى سآمته إن الوفاء منه ... والصبر عادته وولائمي عليه ... بانت لآمته كالريح لم تؤثر ... عندي ملامته فقم أدر شراباً ... لذت مرارته قد جلت الدياجي ... عنا إنارته فما السرور عندي ... إلا إدارته

стр. 178

وأنفذته إليه وهو في مجلس أنه مع مملوك لي للوقت، فعاد مخلوعاً عليه خلعة خاصة الفصل الثاني فيما وقع من بدائع البدائه من غير اقتراح روى مرة أن بن محكان السعدي تميم قدم بين يدي مصعب بن الزبير أيام ولايته العراق لأخيه عبد الله بن الزبير - وأظن ذلك بعد وقعة الحرة، ودخول مصعب البصرة - فأمر رجلا من بني أسد بقتله، فقال مرة بن محكان بديهاً: بني أسدٍ إن تقتلوني تحاربوا ... تميماً إذا الحرب العوان اشمعلت ولست وإن كانت إلى حبيبةً ... بباكٍ على الدنيا إذا ما تولت وذكر الطبري أن الوليد بن عبد الملك - أو سليمان - مضى إلى الحج، فلما وصل إلى المدينة أتى له بجماعة من أسرى الروم ففرقهم على أشرافها ليقتلوهم، فأعطى عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أسيراً منهم ليقتله، فقام وحسر عن ساعديه، وطلب سيفاً فلم يجسر أحد أن يعطيه سيفاً، فناوله بعض الحرس سيفاً كليلا، فضرب به الأسير ضربةً أطارت رأسه وبعض كتفه، فعجب الناس وقالوا: ما قطعها إلا حسبه. ثم أعطى أسيراً لجرير، فقام إليه بعض بني عبس سيفاً صارماً فضرب به الأسير فأطار رأسه، ثم أعطى أسيراً للفرزدق. فدس اليه بعض بني عبس سيفاً كهاماً ضرب به الأسير نباً فضحكوا وخجل الفرزدق ثم قال: يا أمير المؤمنين، هبه لي ففعل. فأعتقه، ثم قال مرتجلا يعتذر، ويعير بني عبس: فإن يك خان أو قدر نبا ... لتأخير نفسٍ حينها غير شاهد فسيف بني عبسٍ وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد - عيرهم بنبو سيف ورقاء بن زهير بن جذيمة عن رأس خالد بن جعفر الكلابي قاتل أبيه زهير، وقد كان ضربه عدة ضربات، وهو ملقٍ نفسه على زهير، فلم يصنع شيئاً، وفي ذلك يقول جرير يهجو الفرزدق: بسيف أبي رغوان سيف مجاشعٍ ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم فأجابه الفرزدق بقوله:

стр. 179

ولا تقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم وروى أنه سكر يوماً فتكشف فمرت به امرأة فسخرت منه فأنشأ يقول: وأنت لو باكرت مشمولةً ... صهباء مثل الفرس الأشقر عدت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر وروى أبو الغراف قال: إن الحجاج قال لجرير والفرزدق، وهو في قصره بجزيز البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية؛ فلبس الفرزدق الديباج والخز، وقعد في قبة وشاور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: مالباس آبائنا إلا الحديد. فلبس درعاً، وتقلد سيفا، وتابط رمحاً، وركب فرساً لعباد بن الحصين الحبطى، وأقبل في أربعين فارساً، من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته، فقال جرير: لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاح كرجٍ وخلاخله أعدوا مع الخز الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنتم حلائله ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن، ووقف الفرزدق في المربد. وروى أن الحجاج لما أتى بالحكم بن المنذر الجارود قال: أنت الذي قال فيك الشاعر: ياحكم بن المنذر الجارود ... سرادق العز عليكً ممدود قال: نعم، قال: والله لأجعلن سرادقك السجن، فقال الحكم مرتجلا: متى ماأكن في السجن في حبس ماجدٍ ... فإني على ريب الزمان صبور فلو كنت النكث والغدر لم أجب ... دعاك؛ ولو منك الأمان غرور لقد كنت دهراً لا أخوف بالتي ... أخاف، ولايسطو على أمير فقال الحجاج: لله أبوك! إن زعارة العرب لبنية فيك؛ خلوا سبيله. وروى عن عبد الأعلى الشيباني أن حماد عجرد ومطيع ابن إياس اجتمعا في مجلس محمد بن خالد، وهو أمير الكوفة للسفاح، فتمازحا فقال حماد: يا مطيع يا مطيع ... أنت إنسان رقيع وعن الخير بطئ ... وإلى الشر سريع فقال مطيع: إن حماداً لئيم ... سفلة الأصل عديم

стр. 180

لا تراه الدهر إلا ... بهن العير يهيم فقال له حماد: ويحك! أترميني بدائك! والله لولا كراهتي لتمادى الشر ولجاج الهجاء، لقلت لك قولا يبقى، ولكن لا أفسد مودتك، ولا أكافئك إلا بالمدح، ثم قال: كل شيء لي فداء ... لمطيع بن إياسٍ رجل مستملح في ... كل لينٍ وشماس عدل روحي بين جنبي ... وعيني وراسي غدس الله له ... كبدي أوفي غراس ذاك إنسان له فضل على كل أناس وروى إسحاق الموصلي أن يحيى بن زياد الحارثي قال لمطيع بن إياس امض بنا إلى فلانة صديقتي، فإن بيني وبينها مغاضبة، لتصلح بيننا، ولكن - بئس المصلح أنت! فدخلا إليهما، وجعلا ملياً يتعاتبان ومطيع ساكت، حتى إذا أكثرا قال له يحيى: ما يسكتك أسكت الله نأمتك! فقال مطيع: أنت معتلة عليه وما زا ... ل مهيناً لنفسه في رضاك فأعجب يحيى ما سمع وهش، فقال مطيع: فدعيه وواصلي ابن إياسٍ ... جعلت روحه الغداة فداك فقام يحيى بوسادة في البيت، فما زال يصدع بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك يابن الزانية! ومطيع يغوث، والجارية تضحك منهما. وروى أن أبا دلامة تاب وعزم على الحج فلما صار بطبرتاباذ لقيه علج من الخمارين الذين كان يألفهم، اسمه أبو بشر، فدعاه إلى منزله وأضافه وأحضر له نبيذاً، فامتنع أبو دلامة منه وأخبره بتوبته، وما عزم عليه، فقال العلج: إنه مطبوخ، فشرب منه، فلم يلبث أن دبت فيه سورته، فرفع عقيرته وأنشد: سقاني أبو بشرٍ من الراح شربةً ... لها سورة ما ذقها لشراب وما طبخوها غير أن غلامهم ... مشى في نواحي كرمها بشهاب وروى انه كان منحرفاً عن علي بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس فاتفق أن خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي وأبو دلامة، فرمى المهدي ظبيا عن له فأنفذ مقاتله، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلباً من كلاب الصيد، فارتجل أبو دلامة:
следующие страницы →