← Тафсир

Тафсир · id 21561

تفسير جزء عم للشيخ مساعد الطيار

مساعد الطيار

Полный текст (266 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سورةُ الطَّارِق آياتها:١٧

стр. 107

سورة الطارق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)

стр. 108

سورةُ الطَّارِق ١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: يقسمُ ربُّنا بالسماء وما يأتي ويطرقُ فيها ليلاً، ثمَّ استفهمَ مشوِّقاً لهذا الطارقِ فقال: وما أعلمكَ ما الطارقُ، ثمَّ أجاب عنه بأنه النجوم المتَّقدةُ المضيئةُ في السماء. ٤ - قولُه تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: هذا جوابُ القَسَمِ، والمعنى: لا توجد نفسٌ من نفوسِ بني آدم إلاَّ عليها حافظٌ من الملائكة يحفظونَ عليهم أعمالهم، ثمَّ يُحَاسَبون عليها بعد البعث. ٥ - ٦ - قولُه تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾؛ أي: فلينظرِ الكافرُ الذي يُنكرُ البعثَ، فلينظر مادةَ خَلْقِه، وهي المَنِيُّ المنصبُّ، فالذي خلقه من هذه النطفةِ الحقيرةِ قادرٌ على إعادته. ٧ - قولُه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾؛ أي: يخرجُ هذا الماء المنصبُّ من موضع العمودِ الفِقْرِيِّ وأضلاعِ الصدرِ التي تضعُ المرأةُ القِلادةَ عليها (١).

стр. 109

٨ - ٩ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ *يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾؛ أي: إنَّ اللَّهَ يستطيعُ أن يَرُدَّ الإنسانَ بعد موته، فيُحْيِيه، وذلك كائنٌ يومَ تُختبرُ ضمائرُ الناسِ وما يخفونَه، فتظهرُ هذه المَخْفِيَّات أمامهم (١). ١٠ - قولُه تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾؛ أي: في هذا اليومِ ليس لهذا الإنسانِ الكافرِ من قوة في ذاته يدفعُ بها عن نفسِه، ولا أحدٌ من الخلق مُعينٌ له من عذاب الله.

стр. 110

١١ - ١٤ - قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ *وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ *إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ *وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾: يقسمُ ربُّنا بالسماء التي يرجِعُ منها المطر مرَّةً بعد مرة (١)، وبالأرضِ التي تتشقَّقُ فيخرُجُ منها النبات (٢)، أنَّ هذا القرآن الذي أنزلَهُ على عباده قولٌ جِدُّ، وهو فُرقانٌ يفرِّقُ اللَّهُ به بين الحقِّ والباطل (٣)، وليس لَعِباً ولا لَهْواً من القول. ١٥ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا *وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾؛ أي: إنَّ هؤلاء المكذِّبينَ بالبعثِ والقرآنِ يُدبِّرون الحِيَلَ ويمكرون، والله يكيدهم كما هم يكيدون، ولذا ينقلبُ عليهم كيدُهم خُسراناً وهلاكاً، فمن ذا الذي يستطيع حربَ الله والكيدَ له؟!. ١٧ - قولُه تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾؛ أي: اتركهُم، ولا تتعجَّل عليهم، واصبِر عليهم قليلاً قليلاً، فإنهم سيلاقونَ ما أوعدَهم الله جزاءً لكيدِهم، والله أعلم.

стр. 111

سورةُ الأعلَى آياتها:١٩

стр. 112

سورة الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)

стр. 113

سورةُ الأعلَى كان ﷺ يقرأُها في صلاةِ العيد، وفي صلاة الشَّفْعِ قبلَ الوتر، وفي صلاة الجمعة. ١ - قولُه تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؛ أي: نَزِّهْ ربَّكَ الذي علا على خلقِه في السماء (١)، نَزِّهْهُ ناطقاً باسمه ومتكلِّماً به عند ذكرِك إيَّاه، وتعظيمِكَ له، وصلاتِك له (٢).

стр. 114

٢ - قولُه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾؛ أي: سبِّحْهُ لأنه خَلَقَ الخلقَ، وجعلَ كلَّ مخلوقٍ مناسباً لما خَلَقَهُ له، فهو يقومُ بالأعمال التي تناسِبه. ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ أي: والذي قدَّر لكلِّ مخلوقٍ مقاديرَه، وهداهُ لإتيانِ هذه الأقدار؛ كتقديرِ الإنسانِ للشِّقْوَة والسعادة، والبهائم للمراتع، وغيرِها من أنواع التقدير (١). ٤ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾؛ أي: والذي أخرج المرعى نباتاً أخضرَ، فصيَّرَه بعد ذلك هشيماً يابساً متغيِّراً مائلاً إلى السَّوادِ من شدَّة اليُبْسِ (٢). ٦ - ٧ - قولُه تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى *إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾: هذا وعدٌ من الله لنبيِّه ﷺ بأن يجعلَهُ قارئاً للقرآن حافظاً له، فلا يقعُ منه نسيانٌ له (٣)، إلاَّ ما نسخَ اللَّهُ تِلاوتَه، ثمَّ أخبرَهُ قائلاً: إنَّ الله يعلمُ

стр. 115

ما يقعُ منكَ من عملٍ أظْهَرْتَه، وعملٍ كَتَمْتَه فلم تُظْهِرْهُ، فهو يعلمُ جميعَ أحوالِكَ سرِّها وعلانيتِها. ٨ - قولُه تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾: وهذا وعدٌ آخرُ لنبيه ﷺ بأن يُسهِّل له عملَ الخيرِ الموصلَ للجنة. ٩ - قولُه تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: هذا بيانٌ لمَهَمَّةِ الرسول ﷺ ، وهي تذكيرُ الناس كافَّة، فمن آمنَ كانت هذه الذِّكرى نافعةً له، وهو المَعْنِيُّ بقوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾، وإنْ لم يَتَذَكَّرْ كانت حجةً عليه، وهو المَعْنِيُّ بقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ (١).

стр. 116

١٠ - قولُه تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾: هذا بيانٌ للفريقين اللَّذَينِ يسمعانِ الذِّكرى، فالفريقُ الأول هو الذي حَصَلَتْ آثارُ التذكيرِ في قلبه، فوقعَ منه التذكُّرُ، وهو الذي يخافُ اللَّهَ على علمٍ وتعظيمٍ ومحبةٍ له. ١١ - ١٣ - قولُه تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى *الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى *ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا﴾: وهذا الفريقُ الثاني الذي يسمعُ الذِّكرى، ولكنه يتباعدُ عنها، فلا يقعُ في قلبه تذكُّر، فهو شديدُ الشِّقْوَة، فلا يسعَدُ بسبب تلك الشِّقوة التي حصَلَت له بسببِ كُفره بالله. وهذا الأشقى سيدخلُ النارَ الكبرى التي هي شديدةُ العذابِ والألمِ، فتشويه بحرِّها، ثمَّ هو لا يموتُ فيستريحُ من عذابها، ولا يحيى حياةً كريمةً لا إهانةَ فيها، ومعنى ذلك أنه لا يزولُ عنه الإحساس، بل هو باقٍ فيه، فيذوقُ به العذابَ، والعياذُ بالله. ١٤ - ١٥ - قولُه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾؛ أي: حَصَلَ الظفرُ والفوزُ والنجاح لمن جعلَ نفسَه زاكيةً بتركِ السيِّئات، وحلاَّها بالعملِ الصالح، وذكَرَ ربَّه بقلبِه ولسانه، فأقامَ الصلاةَ لله (١).

стр. 117

١٦ - ١٧ - قولُه تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾؛ أي: ولكنَّكم أيها الأشْقَوْنَ تختارونَ زينةَ الحياةِ الدنيا على نعيمِ الآخرة الذي هو أدومُ وأعلى من نعيم الدنيا كمًّا وكيفاً ومكاناً وزماناً وهيئةً. ١٨ - ١٩ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾؛ أي: إنَّ هذه الموعِظة التي في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ وما بعدها (١) موجودةٌ في ما أنزله الله من الكُتب على نبيَّيْهِ إبراهيمَ وموسى، والله أعلم.

стр. 118

سورةُ الغَاشية آياتها:٢٦

стр. 119

سورة الغاشية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)

стр. 120

سورةُ الغَاشية وردَ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقرأُها في صلاةِ العيدِ والجُمعة. ١ - قولُه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾: يقولُ اللَّهُ تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ : هل أتاكَ خبرُ يومِ القيامة التي تغشَى الناسَ بأهوالها وتُغطِّيهم (١)؟.

стр. 121

٢ - قولُه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾؛ أي: يومُ الغاشيةِ تكونُ وجوهٌ حاضرةٌ له ذليلةً في النار (١)، وهي وجوهُ الكفَّار. ٣ - قولُه تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾؛ أي: هذه الوجوهُ الكافرةُ عاملةٌ في النار، تعملُ من الأعمال ما به مشقَّةٌ وتَعَب، ومن ذلك جَرُّ السلاسِلِ والأغلالِ وغيرها من أنواعِ العذابِ التي تعمَلُها في النارِ (٢).

стр. 122

٤ - قولُه تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾؛ أي: تَرِدُ هذه الوجوهُ ناراً قد اشتدَّ حَرُّها، فتشويها بحرِّها. ٥ - قولُه تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ أي: تَسْقي ملائكةُ العذابِ هذه الوجوهَ الكافرةَ من ماءِ عينٍ قد بلغت حرارتُها أشدَّ ما يكون من الحرارة (١). ٦ - قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾؛ أي: ليس لهذه الوجوهِ الكافرةِ في النار طعامٌ يأكلونه إلاَّ نباتاً من الشَّوك، وهو الشِّبْرِقُ اليابس (٢).

стр. 123

٧ - قولُه تعالى: ﴿لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾؛ أي: هذا الشِّبْرِقُ اليابسُ الذي يأكلونَه في النار لا يُسْمِنُ آكليه، ولا يسدُّ رَمَقَ جوعِهم. ٨ - قولُه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾؛ أي: ووجوهٌ في يوم الغاشيةِ قد ظهرَ عليها الحُسْنُ والبهاءُ الذي يكون من أثَرِ النعيم، وهذه وجوهُ المؤمنين. ٩ - قولُه تعالى: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾؛ أي: لعمَلِها الذي عملَته في الدنيا حامدةٌ غير ساخِطة، وذلك لما وجدتْ من الثوابِ عليه. ١٠ - ١١ - قولُه تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ *لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾؛ أي: هذه الوجوهُ المؤمنة في بساتين مرتفعة، لا تسمعُ في هذه الجنَّةِ العاليةِ كلمةَ باطل (١)؛ لأنَّ الجنة طيبةٌ، طيِّبٌ ما فيها، وهي دارُ سلامٍ وأمنٍ دائمٍ. ١٢ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ *فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ *وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ *وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ *وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾؛ أي: في هذه الجنةِ العالية من جنسِ عينِ الماءِ، تجري على أرضِها من غير أُخدودٍ، وفيها السُّرُرُ مرتفعةٌ وعاليةٌ يجلسون عليها ويضطَجِعون، لينظروا ما حولَهم من النعيم، وفيها

стр. 124

أواني الشُّرب مُعدَّةٌ عندهم إذا أرادوا أن يشرَبوا من العين أو غيرها، وفيها الوسائد التي قد رُصَّ بعضها بجوار بعضٍ (١)، وفيها البُسُطُ الكثيرةُ الوفيرةُ المنتشرةُ بين يدي المؤمن. ١٧ - قولُه تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾: لما ذكرَ أهلَ الشقاءِ في أول السورة ومآلهم، ذكر هنا سبب ذلك الشقاء، وهو إعراضُهم عن دلائل التوحيد، فقال: ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾؛ أي: هؤلاء المنكِرونَ لقدرة الله، أفلا ينظرُون نظرَ اعتبارٍ وتفكُّرٍ إلى الإبلِ التي هي مركوبهم الأول، ينظرون كيف خَلَقَها اللَّهُ بما فيها من العَظَمةِ والكِبرِ؟، وكيف ذَلَّلَها مع هذا العِظَمِ في خَلْقِها؟. ١٨ - ٢٠ - قولُه تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ *وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ *وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾؛ أي: وينظرون معتبرينَ إلى هذه السماء العظيمةِ التي تغطِّيهم كيف رفعها الله من غير عَمَدٍ يَرَوْنَها؟ وإلى هذه الجبالِ العظيمةِ التي يتَّخذونَها مأوىً لهم، كيف أقامها اللَّهُ شامخةً عالية؟ وإلى الأرضِ، كيف بَسَطَها الله لهم ومهَّدَها لسكَنِهم وتقلُّبِهِم فيها؟. ٢١ - قولُه تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾: هذا بيانٌ لمَهَمَّة الرسول ﷺ ، وهي التذكير، وأن عليه ألا ييأسَ مما يجده من إعراضِ هؤلاء المنكرين لقَدَرِ الله تعالى وتوحيدِه. ٢٢ - قولُه تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾؛ أي: لستَ مُسلَّطاً عليهم تحملهم على ما تريد، وتُكرِههم على الإيمان. ٢٣ - ٢٤ - قولُه تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ *فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ

стр. 125

الأَكْبَرَ﴾؛ أي: لكن من أعرضَ عن التذكُّر وتركَه، وكفرَ بالله فلم يؤمِن، فإن اللَّهَ يعذبه في جهنَّم، وهو العذابُ الأكبر الذي لا أكبرَ منه. ٢٥ - ٢٦ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾؛ أي: إنَّ رجوعَهم إلى الله، وإنَّ مجازاتهم على أعمالِهم على الله، فهو يجازيهم بها، والله أعلم.

стр. 126

سورةُ الفَجر آياتها:٣٠

стр. 127

سورة الفجر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)

стр. 128

سورةُ الفَجر ١ - قولُه تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾: يقسِمُ ربُّنا بالفجرِ الذي هو أوَّلُ النهَار (١). ٢ - قولُه تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: ويقسمُ ربُّنا بليالٍ عِدَّتها عشرٌ، وهي ليالي عشرٍ من ذي الحِجَّة (٢).

стр. 129

٣ - قولُه تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: ويقسمُ ربُّنا بما هو شَفْعٌ، وما هو وَتْرٌ؛ كالعاشر من ذي الحِجَّة: يوم النَّحر، والتاسعِ من ذي الحِجَّة: يوم عَرَفَة (١). ٤ - قولُه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾: ويقسمُ ربُّنا باللَّيلِ إذا ذهبَ وسَار (٢). ٥ - قولُه تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ﴾: يقولُ تعالى: هل فيما أقسمتُ به من هذه الأمورِ مَقْنَعٌ لصاحبِ عقل (٣)؟، والمعنى: إنَّ هذه

стр. 130

الأقسامَ فيها مُكْتَفَى لمن له عقلٌ يتدبَّرُ به ويتفكَّر، فيعقِلُ عن ربه أوامرَه ونواهيه. وجوابُ القَسَمِ محذوف، وتقديرُه لتُجازُنَّ بأعمالِكم. ٦ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ *إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ *الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ﴾: ألم تَنْظُرْ يا محمد ﷺ بعينِ قلبِكَ إلى ما فعلَ الله بقبيلةِ عادِ إرَم (١) ذاتِ البيوتِ التي يقومُ بناؤها على الأعمِدَة؛ كالخيام أو غيرها (٢)؟، وفي هذا إشارة إلى ارتفاع بنائِهِم وقوَّتِه، مما يدلُّ

стр. 131

على قوَّتِهم، ولذا قال: التي لم يُخلقْ في بلادِ الله التي حولَهم مثلهم في القوَّة والشدَّة؛ كما قال الله فيهم: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]. ٩ - قولُه تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾؛ أي: وكيف فعلَ بثمود قوم النبي صالح ﵇ الذين شقُّوا الجبال (١) التي في واديهم فنحَتوا منها البيوت؟؛ كما قال الله عنهم: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٨]. ١٠ - قولُه تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾؛ أي: وألم ترَ كيف فعلَ ربُّكَ بفِرعون مصرَ صاحبِ الأوتاد؟، وهي أخشابٌ أو حديدٌ يُثَبِّتُهَا في الأرض، كان يعذِّب بها الناس، أو هي الملاعبُ التي صُنِعَتْ له منها (٢).

стр. 132

١١ - ١٤ - قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ *فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ *فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ *إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾؛ أي: عادٌ وثمود وفرعون الذين تجاوزوا ما أباحَ الله، وكفروا به في البلاد التي كانوا يسكُنونها. فأكثروا في هذه البلادِ المعمورةِ المعاصيَ وركوبَ ما حرَّم الله. فأنزلَ الله عليهم عذابَهُ ونقمَتَه. والله يرقُبُ أعمالَ هؤلاء الكافرين الذين أنزلَ بهم عقوبته، وهو بالمِرْصادِ لكلِّ الكافرين فلا يفلت منهم أحدٌ. ١٥ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ *وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: لما ذكرَ الله أنه أوقعَ العذابَ بهذه الأممِ الكافرةِ التي كانت في مَنَعَةٍ وقوَّة، نبَّهَ على اعتقادٍ خاطئٍ عند الناس، وهو أن التوسِعَةَ على العبد في الرِّزق دليلٌ على تكريمِ اللَّهِ له، وأن التضييقَ عليه في الرزق دليلٌ على غضبِ الله عليه، وهذا المفهومُ مما يقعُ فيه الإنسانُ الكافر (١) الذي إذا امتحَنَه رَبُّه المنعِمُ عليه، فأنعمَ عليه بالمال، ووسَّعَ عليه، فَرِحَ وجعلَ هذا دليلاً على رضا الله

стр. 133

عنه، ومحبتِه له، وأما إذا ما امتحنه فضيَّق عليه في الإنعام، وجعله فقيراً، فإنه يجعلُ ذلك دليلاً على إذلالِ الله له، وعدم محبَّته له. ١٧ - ٢٠ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ *ولاَ تَحَآضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ *وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا *وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾؛ أي: ليس الأمرُ كما يعتقدُ هذا الكافرِ في دليل إكرامِ الله وإهانته (١)، ولكنَّكم لا تنفعونَ من ماتَ عنه أبوه وهو دون سِنِّ البلوغ، فتُنعِمون عليه بإعطائه مما أعطاكم الله، ولا يَحُثُّ بعضُكم بعضاً على إعطاء الطعام لمن أصابته الفاقة والمسْكَنة، وأنتم تأخذونَ ما يرِثُه مع ما ترِثونَه أخذاً بالباطل، فتأكُلونه جميعاً (٢)، وتحرِصونَ على جمع المال وتحبُّونَهُ حُبًّا كثيراً شديداً.

стр. 134

٢١ - ٢٣ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا *وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *وَجِيىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾: ليس الأمرُ كما تتعاملونَ به في هذه الأعمالِ المذكورة، ثم أخبرَ عن أسَفِهِم على هذه الأعمالِ القبيحةِ إذا دُكَّتِ الأرضُ دكًّا دكًّا وما بعدَها من الأهوال، فإنهم يتذكرونَ حين لا ينفعهم التذكُّر، فقال: ﴿إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾؛ أي: حُطِّمَتِ الأرضُ وضُرِبَ بعضُها ببعض، وجاء الربُّ سبحانَه مجيئاً يليقُ بجلاله وعَظَمَتِه، وملائكته في هذه الحال يقفونَ صفوفاً تعظيماً له، وجاءت ملائكةُ العذاب يومَ أنْ دُكَّتِ الأرضُ وجاء الربُّ، جاءوا بجهنَّمَ يجرُّونها لها سبعونَ ألفَ زِمام، لكلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يجرُّونها، فعند ذلك يتَّعِظُ الإنسان ويتنبَّه إلى ما كان عليه من الضلال، ولكن لا ينفعه هذا التذكُّر والاتِّعاظ؛ فكيف تنفعُه الذكرى وهي ليست في وقتها؟. ٢٤ - قولُه تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾؛ أي: لما عاين هذا الإنسان المفرط هذه الأمور، يقول متمنِّياً: يا ليتني قدَّمتُ عملاً صالحاً لحياتي الآخرةِ الباقيةِ التي لا موتَ بعدَها. ٢٥ - ٢٦ - قولُه تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ *وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾؛ أي: ففي هذا اليومِ لا أحدَ يُعذِّب في الدنيا كعذابِ الله للكافر، ولا أحدَ يُقَيِّد بالرباط في الدنيا كتقييدِ الله للكافر (١)، وهذا لشدَّة عذابِهم.

стр. 135

٢٧ - ٣٠ - قولُه تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾؛ أي: تُنادى هذه النفوسُ التي هدأَت وسَكَنَت إلى وَعْدِ الله لها (١): ارجعي إلى خالقِكِ (٢) راضيةً بما قَسَمَ اللَّهُ لك، مرضيًّا عنكِ من الله، فادخلي في عبادي الصالحين (٣)؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩]، وادخُلي في جنَّتي التي وعدتُّكِ بها في الآخرة، والله أعلم.

стр. 136

سورةُ البَلَد آياتها:٢٠

стр. 137

سورة البلد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)

стр. 138

سورةُ البَلَد ١ - قولُه تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: يقسِمُ ربُّنا بمَكَّةَ (١). ٢ - قولُه تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾؛ أي: وأنتَ بمكَّةَ حلالٌ لكَ أن تصنعَ فيها ما تشاء مما هو حرامٌ في غير هذا الوقتِ الذي أُحِلَّ لك، فلا إثمَ عليكَ ولا حَرَجَ (٢).

стр. 139

٣ - قولُه تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾: ويقسِمُ ربُّنا بكلِّ والدٍ وولدِه (١). ٤ - قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: هذا جوابُ القَسَمِ، والمعنى: أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الإنسانَ وأخرجَهُ وهو يكابِدُ أحوالَ الدنيا ومشقَّاتِها ومصاعبِها، فهو يخرجُ من تَعَبٍ فيها إلى تَعَب، كما قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] على أحدِ التفسيرات فيها (٢).

стр. 140

٥ - قولُه تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾؛ أي: أيَظُنُّ هذا الإنسانُ الكافرُ المخلوقُ في كَبَدٍ أنه لا أحدَ يقهرَه ويغلِبَه؟! ٦ - قولُه تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا﴾؛ أي: يقولُ هذا الكافرُ المغتَرُّ بقوَّتِه: أنفقتُ مالاً متراكماً بعضه على بعض من كَثْرَتِه، وهو إنما أهلكَهُ في الباطل، فيفتخرُ بذلك. ٧ - قولُه تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾؛ أي: أيظنُ هذا الكافر أنَّ اللَّهَ لم يطَّلع عليه، وهو ينفقُ مالَهُ في الباطل؟! ٨ - ١٠ - قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلَ لَهُ عَيْنَيْنِ *وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ *

стр. 141

وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: يقولُ اللَّهُ: ألم نجعلْ لهذا الإنسانِ عَيْنَيْنِ يبصرُ بهِما، ولساناً وشفتين ينطقُ بهِما ويعبِّرُ عمَّا يريد، وأرشدناه وبيَّنا له طريقَ الخيرِ والشرِّ؟، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] (١). ١١ - ١٢ - قولُه تعالى: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾؛ أي: أفلا دخلَ في هذا الطريقِ الصَّعب؟، وما أعلمكَ عن هذا الطريق؟، إنه القيام بهذه الأعمالِ الصالحةِ المذكورة بَعْد هذه الآية، وهذه الجملةُ متصلة بقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، والمعنى: هَدَيْناه إلى الطريقين، فلم يسلُكْ طريق الخير بالدخولِ في هذه الأعمالِ الصالحةِ الشَّاقَّةِ على النَّفْسِ من فَكِّ الرَّقَبَةِ، وما بعدَها. ١٣ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٢) ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *يَتِيمًا ذَا

стр. 142

مَقْرَبَةٍ *أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هذا بيانٌ للعَقَبةِ التي تُقْتَحَمُ، وهي هذه الأعمالُ الصالحةُ الشَّاقَّةُ على النَّفْسِ (١)، وهي: عِتْقُ المسلمِ من الرِّقِّ، وتقديمُ الطعامِ للقريبِ الذي فَقَدَ أباهُ وهو دون سِنِّ البلوغ، وللمحتاجِ الذي لَصِقَ بالأرض من شِدَّةِ الفاقَةِ (٢)، تقديمه في اليوم شديدِ المجاعة (٣) لهؤلاء المحتاجين.

стр. 143

١٧ - ١٨ - قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ *أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾؛ أي: ثُمَّ كان هذا المقتحِمُ قبلَ أن يقتحِمَ العَقَبة من المؤمنين الذين آمنوا بالله، وأوصى بعضُهم بعضاً بالصَّبرِ على الطاعات وأقدارِ الله، والصبرِ عن المعاصي، وأوصى بعضُهم بعضاً بالتراحُمِ فيما بينَهُم (١)، فمَنْ تحقَّقت فيه هذه الأوصافُ فهم أصحاب اليمين: أهل الجنة. ١٩ - ٢٠ - قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ *عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾؛ أي: والذين كفروا بأدِلَّتِنا من الكُتب والرُّسُلِ هم أصحابُ الشُّؤمِ وأهلُ الشِّمال، وهم أهلُ النارِ التي هي مُطْبِقَةٌ عليهم يومَ القيامة (٢).

стр. 144

سورةُ الشَّمس آياتها:١٥

стр. 145

سورة الشمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)
следующие страницы →