وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: يقولُ اللَّهُ: ألم نجعلْ لهذا الإنسانِ عَيْنَيْنِ يبصرُ بهِما، ولساناً وشفتين ينطقُ بهِما ويعبِّرُ عمَّا يريد، وأرشدناه وبيَّنا له طريقَ الخيرِ والشرِّ؟، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] (١).
١١ - ١٢ - قولُه تعالى: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾؛ أي: أفلا دخلَ في هذا الطريقِ الصَّعب؟، وما أعلمكَ عن هذا الطريق؟، إنه القيام بهذه الأعمالِ الصالحةِ المذكورة بَعْد هذه الآية، وهذه الجملةُ متصلة بقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، والمعنى: هَدَيْناه إلى الطريقين، فلم يسلُكْ طريق الخير بالدخولِ في هذه الأعمالِ الصالحةِ الشَّاقَّةِ على النَّفْسِ من فَكِّ الرَّقَبَةِ، وما بعدَها.
١٣ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٢) ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *يَتِيمًا ذَا
стр. 142
مَقْرَبَةٍ *أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هذا بيانٌ للعَقَبةِ التي تُقْتَحَمُ، وهي هذه الأعمالُ الصالحةُ الشَّاقَّةُ على النَّفْسِ (١)، وهي: عِتْقُ المسلمِ من الرِّقِّ، وتقديمُ الطعامِ للقريبِ الذي فَقَدَ أباهُ وهو دون سِنِّ البلوغ، وللمحتاجِ الذي لَصِقَ بالأرض من شِدَّةِ الفاقَةِ (٢)، تقديمه في اليوم شديدِ المجاعة (٣) لهؤلاء المحتاجين.
стр. 143
١٧ - ١٨ - قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ *أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾؛ أي: ثُمَّ كان هذا المقتحِمُ قبلَ أن يقتحِمَ العَقَبة من المؤمنين الذين آمنوا بالله، وأوصى بعضُهم بعضاً بالصَّبرِ على الطاعات وأقدارِ الله، والصبرِ عن المعاصي، وأوصى بعضُهم بعضاً بالتراحُمِ فيما بينَهُم (١)، فمَنْ تحقَّقت فيه هذه الأوصافُ فهم أصحاب اليمين: أهل الجنة.
١٩ - ٢٠ - قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ *عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾؛ أي: والذين كفروا بأدِلَّتِنا من الكُتب والرُّسُلِ هم أصحابُ الشُّؤمِ وأهلُ الشِّمال، وهم أهلُ النارِ التي هي مُطْبِقَةٌ عليهم يومَ القيامة (٢).
٦ - قولُه تعالى: ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾: ويقسِمُ ربُّنا بالأرضِ وبمَنْ بسَطَها، أو ببسْطِها (١).
٧ - قولُه تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾: ويقسِمُ ربُّنا بنفسِ الإنسانِ التي خلَقَها، وبمَنْ خلقَها سوِيَّةً، معتدِلَةً غير متفاوِتَة، أو بتَسْوِيَتِها.
٨ - قولُه تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾؛ أي: خلقَ النفسَ مستوِيةً، فألقى فيها عِلْماً من غيرِ تعليمٍ، ألقى فيها ما ينبغي لها أن تأتي من خيرٍ وتَدَعَ من شرٍّ (٢).
стр. 149
٩ - ١٠ - قولُه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: هذا جوابُ الأقسامِ الماضية (١)، والمعنى: قد نالَ الظَفَرَ والفوزَ من طَهَّرَ نفسَهُ من المعاصي، وأصلَحَها بالأعمالِ الصالحة (٢)، وقد خَسِرَ وفاتَه الفوزُ من دسَّ نفسَهُ فأخفاها وأخمَلَها بفعلِ المعاصي، وتركِ الطاعات (٣).
١١ - قولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾: هذا مثالٌ لقومٍ خابوا بتَدْسِيَتِهم أنفسَهِم، وهم ثمود قوم صالح ﵇، الذين بانَ لهم الحقُّ وظهرَ كظهورِ الشمسِ المُقْسَمِ بها في أول السورة، والمعنى: كذَّبت ثمودُ نبيَّها صالحاً ﵇ بسببِ تجاوُزِها الحدَّ فيما أحلَّ الله، وارتكابِها ما حرَّمَ الله (٤).
стр. 150
١٢ - قولُه تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾؛ أي: الوقتُ الذي ظهرَ فيه شِدَّةُ طُغيان ثمود هو وقتُ انتدابِ أشقى ثمود لقتلِ الناقة، وأشقاها هو قُدار بن سالف (١).
١٣ - قولُه تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾؛ أي: فقال لهم نبيَّهم صالح ﵇: احْذَروا ناقةَ الله، احْذَروا سُقيا الناقة الذي اتفقتُ معكم على أنه يكونَ لها يومٌ تشربُ فيه من الماء، ولكم شِرْبُ يومٍ آخَر، احذروا أن تعتَدوا عليهما (٢).
١٤ - ١٥ - قولُه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا *وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾؛ أي: فكذبت ثمود صالحاً ﵇ في أمر الناقةَ، ولم يصدِّقوه، ولم يأخذوا بتحذيرِه، فقتَلَ أشقاها الناقةَ، ورضُوا بذلك فكانوا مشارِكينَ له في القَتْلِ (٣)، فأَطبقَ اللَّهُ عليهم عذابَهُ،
стр. 151
وهو الصَّيْحَةُ والرَّجْفَةُ التي أُهْلِكُوا بها، وذلك بسببِ ما فعلوهُ من تكذيبِ صالحٍ ﵇ وعَقْرِ الناقةِ، فَجَعَلَ هذه الدَّمْدَمَة نازلةً عليهم على السواء، فلم يفلِت منهم أحد (١). ولا يخافُ اللَّهُ عاقبةَ تعذيبِه لهؤلاء من أن يسألَه أحدٌ عن فعلِه، فهو الفعَّالُ لما يُريد، لا يُسأل عمَّا يَفْعَلْ، وهم يُسألون (٢)، والله أعلم.
مالِه في سبيلِ الله، وتجنَّبَ محارِمَ الله فلم يُواقِعْها (١)، وصدَّقَ بموعودِ الله من الخَلَفِ على المنفق مالَه في سبيلِ الله (٢)، وبالجنةِ التي هي الموعودُ الأكبرُ للمنفِق، فإنَّ الله يُيَسِّرُ له العمل بما يرضاهُ الله، ليصِلَ به إلى الجنة.
٨ - ١١ - قولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ
стр. 156
لِلْعُسْرَى *وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾: هذا الصِّنْفُ الثاني من أهلِ السَّعْيِ، وهم من لم يُنْفِقْ مالَه في سبيلِ الله، بل قَبَضَهُ وبَخِلَ به، واستغنى بنفسِه ومالِه عن ربِّه وعبادتِه (١)، ولم يُصدِّق بموعود الله من الخلف مِنَ الله، ولا بالجنَّةِ (٢)، فهذا يسهِّلُ الله له عملَ الشرِّ والوقوعَ فيه، جزاءً له على استغنائه عن ربِّه، وعدمِ إنفاقِ مالِه في الخيرِ، وتكذيبِه بالحُسْنَى (٣)، فمن كانَ من هذا الصِّنْفِ، فإنَّ مالَهُ الذي بَخِلَ به، ولم ينفِقْهُ في سبيلِ الله، لن يفيدَهُ إذا سَقَطَ وهوَى في جهنم (٤).
١٢ - ١٣ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى *وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾؛ أي:
стр. 157
إنَّ على الله البيان: بيانَ الحقِّ من الباطل، والطاعةِ من المعصية (١)، وإنَّ الحياةَ الدنيا والحياةَ الآخِرةَ وما فيهِما مِلْكٌ لِلَّه، يُعطي من يشاء ويَحْرِمُ من يشاء، ومِنْ ذلك أنه وفَّقَ من أحبَّ لطاعته، وخَذَلَ من أبغضَ بمعصيتِه (٢).
١٤ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى *لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى *الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾؛ أي: فَحَذَّرْتُكُم أيها الناسُ النارَ التي تتوهَّجُ وتَلْتَهِبُ من شِدَّةِ إيقادِها، تلكَ النارُ التي لا يدخلُها ويُشْوَى فيها إلاَّ الذي شَقِيَ في حياته فكذَّب بما جاءَ عن ربِّه، وأعرضَ عنه فلم يؤمِن به.
١٧ - ٢١ - قولُه تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى *الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى *وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى *إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى *وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؛ أي: وسيُبْعَدُ عن هذه النارِ الذي بلغَ الكمالَ في التقوى، الذي من صفتِه أنه يُعطي مالَهُ في الدنيا للمُحتاجين، وينفِقُهُ في سبيل الله، لأجلِ أن يتطهَّرَ بإعطائه هذا المالَ مِنَ الذنوبِ، وما أعطى هؤلاء المحتاجينَ لأنَّ بينَهُ وبينهُم منفعةً أعطاهُ إياهم من أجلِها، ولكنْ أعطاهُ إياهم لأجلِ أن يرضَى عنه ربه العالي على خَلْقِه، ولسوفَ يرضى هذا المُعطي بما سيُخْلِفُه الله عليه في الآخرة من الثواب (٣).
سورةُ الضُّحى
ثبتَ في الصحيحينِ عن جُنْدُبِ بنِ عبد الله البجلي، قال: دَمِيَتْ أصبعُ رسولِ الله ﷺ ، فاشتكى، فلم يَقُمْ ليلتين أو ثلاثاً، فجاءت امرأةٌ ـ وهي أمُّ جميل بنت حرب، زوج أبي لهب ـ، فقالت: يا محمدُ، إني لأَرجو أن يكونَ شَيْطانك قد تركَك، لم أرَهُ قَرَبَك منذ ليلتين أو ثلاثٍ، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى *وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى *مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، وحُكِي غير هذا السبب، وكلُّها في تأخُّر نزولِ الوحي عنه ﷺ ، وادعاءِ المشركينَ أنَّ ربَّه قد تركَه وقَلاَه.
١ - ٢ - قولُه تعالى: ﴿وَالضُّحَى *وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾: يقسِمُ ربُّنا بأوَّلِ ساعاتِ النهار، وهو الضُّحى (١)، وبالليلِ إذا أقبلَ بظلامِه وسَكَن (٢).
стр. 161
٣ - قولُه تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾: هذا جوابُ القَسَمِ، والمعنى: ما تركَكَ ربُّكَ يا محمد ﷺ وما أبغضَك.
٤ - قولُه تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾: يقسِمُ ربُّنا لنبيِّه ﷺ أنَّ الدارَ الآخِرةَ بما أعدَّه الله له فيها خيرٌ له من الدنيا وما فيها، وهذه بشارةٌ للنبيِّ ﷺ فيها تأكيدُ عَدمِ تركِ الله وبغضِه له، فلا يحزنُ مما يقعُ له.
٥ - قولُه تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾: ويقسِمُ له مؤكِّداً بأنه سيعطيه ويُنْعِمُ عليه كلَّ ما يرجوه من خيرٍ له ولأمَّتِه حتى يرضى بهذا العطاء (١).
٦ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى *وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى *وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾: يَمْتَنُّ اللَّهُ على نبيِّه ﷺ معدِّداً عليه شيئاً من نِعَمِه،
стр. 162
وهي أنه كان يتيماً قد فَقَدَ أباهُ في الصِّغر، فجعلَ له مكاناً يرجِعُ إليه ويسكنُ فيه، وكان ذلك برعاية جَدِّهِ وعَمِّهِ له. وَوَجَدَكَ ضالًّا عن مَعْرِفَةِ الدِّين، فهداكَ إليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. ووجدَكَ فقيراً فأغناك.
٩ - ١١ - قولُه تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ *وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ *وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾: يقولُ تعالى لنبيِّه ﷺ : فإذا علِمْتَ نِعمتي عليكَ في هذا فاشكُرها بأن لا تغلِبَ من فَقَدَ أباه، وهو دون سنِّ البلوغ، ولا تُذِلَّه بأي نوع من أنواعِ الإذلال، فتظلِمَه بذلك. وأن لا تزجُرَ الذي يسألُ عن دينه، أو يسألُكَ النَفَقَةَ من الفقراء. وأن تُخبِرَ الناسَ على سبيل الشكر لله بما أنعمَ عليك من نِعَمِه؛ كنِعْمَةِ القرآن، أو النبوَّة، أو غيرها، والله أعلم.
سورةُ الشَّرح
١ - قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: يقولُ الله مُمْتَنًّا على نبيِّه ﷺ : لقد وسَّعْتُ لكَ صدرَكَ، فجعلتُه منبسِطاً راضياً، وجعلتُه محلًّا لوحيي، ومتحمِّلاً لأعباء حَمْلِهِ وتبليغِه للناس، ومتحمِّلاً أخلاقَهم، وغير ذلك مما يدلُّ على سَعَةِ الصَّدْرِ وعَدمِ ضِيقِه (١).
٢ - ٤ - قولُه تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ *وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: ويمتنُّ عليه بأنه قد حطَّ عنه الإثمَ (٢) الذي أتعَبَهُ وصارَ
стр. 166
ثقيلاً عليه كأنه يحمِلُه على ظهرِه. وأنه قد جعلَ له الثناءَ الحسنَ، فصارَ لا يُذكرُ إلاَّ بخيرٍ، ومِنْ أعظمِ ذلك أنه قُرِنَ ذِكْرُه بِذِكْرِ الله؛ كما في الشهادتين (١).
٥ - ٦ - قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ أي: فإذا علمتَ هذا (٢)، فاعلم أنَّه يعقبُ الشِّدَّةَ فرجٌ ومخرجٌ، ثمَّ أكَّد هذا
стр. 167
بتَكرارِ الجملة؛ للدلالةِ على أنَّ اليُسْرَ يَلْحَقُ العُسْرَ ويَغْلِبُه (١).
٧ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ *وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾؛ أي: لمَّا تقرَّرَ ما وهبَ اللَّهُ لك، فإنَّ عليكَ إذا فرغتَ من عملٍ أن تَنْصَبَ في عملٍ آخرَ من أعمالِ الخير (٢)، وهذا المعنى كالمعنى في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وأن تكونَ أيُّ رغبةٍ لك ـ وهي طلبُ حصولِ ما هو محبوبٌ ـ مطلوبةً من الله لا من غيرِه، والله أعلم.
سورةُ الِّتين
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ *وَطُورِ سِينِينَ *وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾: يُقسِمُ ربُّنا بشجرتَي التِّينِ والزيتونِ، وفيه إشارةٌ إلى مكانِ نباتِهما، وهو الشامُ مَوْطِنُ كثيرٍ من أنبياء بني إسرائيل (١)؛ كعيسى ابن مريم، ويقسِمُ
стр. 171
بجبلِ سَيْناءَ الذي كلَّمَ فيه موسى (١)، ومنه أرسلَه إلى فرعون. ويقسمُ بمكَّةَ
стр. 172
التي جعلَها آمِنَةً، وأمَّنَ مَنْ فيها (١).
٤ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ *ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: هذا جوابُ القَسَمِ (٢)، والمعنى: لقد خلقنا الإنسانَ في أعدَلِ خلقٍ وأحسنِ صُورةٍ (٣)، ولكنه إن لم يشكُرْ هذه النعمة، فأفسَدَ فِطْرَتَهُ، ودسَّ نفسَهُ، فإنَّ اللَّهَ سيردُّه إلى النار التي تغيِّر هذا التقويم الحسَن الذي خلَقه اللَّهُ عليه (٤).
стр. 173
٦ - قولُه تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: إلاَّ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ، الذينَ شكروا الله على هذا التقويمِ الحسنِ بعبادتِه، فإنهم لا يُرَدُّونَ إلى أسفلِ سافلين: النار (١)، بل لهم أجرٌ
٧ - قولُه تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾؛ أي: فأيُّ شيءٍ يجعلُكَ أيها الإنسانُ بعدَ هذا البيانِ لا تصدِّقُ بيومِ الحساب (١)، وقد وَضَحَتْ دلائلُ
стр. 177
صِدْقِه؟، أو من يُكَذِّبُكَ يا محمد ﷺ بعدَ هذا البيانِ بيومِ الحساب (١)؟.
٨ - قولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؛ أي: أليسَ اللَّهُ العالمُ بعبادِه بأحكَم من فصَلَ بين عبادِه وقضى بينهم، فلا يظلِمُهُم، ولا يجورُ عليهم (٢)؟، والله أعلم.
سورةُ العَلَق
آياتُها الخمسُ الأولى أَوَّلُ ما نزلَ من القرآن على النبي ﷺ ، وكان ذلك في غارِ حِراء.
١ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾: يأمرُ ربُّنا ﵎ نبيَّهُ الأميَّ ﷺ أن يتلُوَ ما أنزلَه عليه، وهي هذه الآيات، فيقولُ له: اقرَأ مستعيناً ومستفتِحاً باسمِ ربِّك الذي خلقَ كلَّ شيء.
ثمَّ بيَّنَ أصلَ خَلْقِ الإنسانِ فقال: خَلَقَ الإنسانَ من الدَّم المتجمِّدِ العالِقِ بالرَّحِم، ثمَّ كرَّرَ الأمرَ بالقراءة اهتماماً بها، فقال: اقرأ وربُّكَ المتصِف بكمال الكرم، ومن كرَمِهِ أنْ علَّم الإنسانَ الكتابةَ بالقلم، فحفِظَ به علومَه، ومن كرَمِه أنه علَّم الإنسانَ علوماً كان يجهلها.
٦ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى *أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى *إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾؛ أي: ما هكذا ينبغي أن يكونَ الإنسان، أن يُنْعِمَ عليه ربه بتَسْوِيَةِ خلقِه وتعليمِه ما لا يعلم، ثم يَكْفُرُ ويطْغى (١).
إنَّ الإنسانَ الكافرَ لَيتجاوزُ الحدَّ، ويعصي ربَّه؛ لأجل أنه رأى في نفسه الغِنى بما أنعمَ الله عليه، فاستغنى عن ربِّه، ولمَّا كان منه ذلك، هدَّدَهُ اللَّهُ بأنَّ مَرَدَّه ومصيرَه إليه، فليس له عن ربِّه مَفَرٌّ ولا ملجأ.
٩ - ١٠ - قولُه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى *عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾: نزلت هذه