٧ - قولُه تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾؛ أي: فأيُّ شيءٍ يجعلُكَ أيها الإنسانُ بعدَ هذا البيانِ لا تصدِّقُ بيومِ الحساب (١)، وقد وَضَحَتْ دلائلُ
стр. 177
صِدْقِه؟، أو من يُكَذِّبُكَ يا محمد ﷺ بعدَ هذا البيانِ بيومِ الحساب (١)؟.
٨ - قولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؛ أي: أليسَ اللَّهُ العالمُ بعبادِه بأحكَم من فصَلَ بين عبادِه وقضى بينهم، فلا يظلِمُهُم، ولا يجورُ عليهم (٢)؟، والله أعلم.
سورةُ العَلَق
آياتُها الخمسُ الأولى أَوَّلُ ما نزلَ من القرآن على النبي ﷺ ، وكان ذلك في غارِ حِراء.
١ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾: يأمرُ ربُّنا ﵎ نبيَّهُ الأميَّ ﷺ أن يتلُوَ ما أنزلَه عليه، وهي هذه الآيات، فيقولُ له: اقرَأ مستعيناً ومستفتِحاً باسمِ ربِّك الذي خلقَ كلَّ شيء.
ثمَّ بيَّنَ أصلَ خَلْقِ الإنسانِ فقال: خَلَقَ الإنسانَ من الدَّم المتجمِّدِ العالِقِ بالرَّحِم، ثمَّ كرَّرَ الأمرَ بالقراءة اهتماماً بها، فقال: اقرأ وربُّكَ المتصِف بكمال الكرم، ومن كرَمِهِ أنْ علَّم الإنسانَ الكتابةَ بالقلم، فحفِظَ به علومَه، ومن كرَمِه أنه علَّم الإنسانَ علوماً كان يجهلها.
٦ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى *أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى *إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾؛ أي: ما هكذا ينبغي أن يكونَ الإنسان، أن يُنْعِمَ عليه ربه بتَسْوِيَةِ خلقِه وتعليمِه ما لا يعلم، ثم يَكْفُرُ ويطْغى (١).
إنَّ الإنسانَ الكافرَ لَيتجاوزُ الحدَّ، ويعصي ربَّه؛ لأجل أنه رأى في نفسه الغِنى بما أنعمَ الله عليه، فاستغنى عن ربِّه، ولمَّا كان منه ذلك، هدَّدَهُ اللَّهُ بأنَّ مَرَدَّه ومصيرَه إليه، فليس له عن ربِّه مَفَرٌّ ولا ملجأ.
٩ - ١٠ - قولُه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى *عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾: نزلت هذه
стр. 181
الآياتُ في أبي جهلٍ لما نَهى رسولَ الله ﷺ عن الصلاةِ في المسجد الحرام وحَلَفَ لَيَطَأنَّ رقبتَهُ، وهو يصلي (١)، فقال تعالى: أعلِمْتَ أيها المخاطَب عن خبرِ الذي يَنْهَى محمداً ﷺ عن الصلاة في المسجد الحرام، ألم يعلمْ بأن الله يراهُ، فيخاف سطوتَهُ وعقابَه؟.
١١ - ١٢ - قولُه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى *أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾؛ أي: أرأيتَ أيها المخاطَب إن كان محمداً على الاستقامةِ والسَّدَاد في أمر صلاتِه؟، أو كان آمراً باتقاء الله، والخوفِ منه؟، أيَصِحُّ أن يُنْهَى عن ذلك؟!.
والواقعُ أنَّ هذا الكافرَ ينهاه، وهذا تعجيبٌ من حاله، إذ كيف يُنهَى من كان بهذه الصفةِ من الهُدى والأمرِ بالتقوى؟!.
١٣ - ١٤ - قولُه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى *أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾؛ أي: أرأيتَ أيها المخاطَب إن كان هذا الناهي مكذِّباً بالله، ومُعْرِضاً عنه؟، أيعملُ هذه الأعمال، ولم يوقِن بأنَّ الله مطَّلِعٌ عليه، بصيرٌ به، يعلمُ جميعَ أحواله؟!.
١٥ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ *نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾؛ أي: ليس الأمرُ كما قالَ وفعلَ هذا الناهي، فإنه لا يقدِرُ على إنفاذِ ما أراد، ثُمَّ يقسِمُ ربُّنا على أن هذا العبدَ الناهيَ إن لم يترك أعمالَه هذه وينتهي عنها ليأخُذنَّه مجذوباً من مقدِّمة رأسِه، وهذه الناصية ـ والمراد بها صاحبها ـ يصدُرُ عنها الخطأ والذنب، والكذِب في القول.
١٧ - ١٨ - قولُه تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ *سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾: لمَّا نهى أبو جهلٍ النبيَّ ﷺ ، انتَهَرهُ رسولُ الله ﷺ ، فقال أبو جهل: «علامَ يتهدَّدُني
стр. 182
محمد، وأنا أكثرُ أهلِ الوادي نادياً» (١)، فقال الله: فَلْيَدْعُ أبو جهلٍ أهلَ مجلسِه الذين ينتصرُ بهم، فإنه إن فعل، فإننا سندعو لهم ملائكةَ العذاب، الذين يدفعونَهم إلى العذاب دفعاً شديداً.
١٩ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾؛ أي: ليس الأمرُ كما يظنُّ أبو جهلٍ فيما قاله من اعتزازِه بكثرةِ ناصِريه، فلا تسمعْ له ولا تخفْ منه في نهيِه إياكَ عن الصلاة، بل اسجُدْ لله، وتقرَّبْ إليه بكثرةِ الصلاةِ له (٢)، والله أعلم.
سورةُ القَدر
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾: يخبرُ ربُّنا أنه أنزلَ القرآنَ جُمْلَةً واحدةً من اللوح المحفوظِ إلى السماءِ الدنيا (١) في ليلةٍ عظيمةٍ مبارَكةٍ من ليالي شهرِ رمضان، وهي ليلةُ القَدْرِ التي تُقَدَّرُ فيها مقاديرُ السَّنة القادمة (٢).
ثُمَّ استفهَمَ على طريق التفخيمِ والتعظيمِ لهذه الليلة، فقال: وما أشعركَ وأعلمكَ ما ليلةُ القدرِ هذه؟، ثمَّ أخبرَ عن فضلِها وعِظَمها بأنها تعدِلُ عملَ ألفِ شهرٍ لمن قامَها إيماناً واحتساباً (٣).
٤ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
стр. 186
*سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: هذا من بيانِ فضلِ تلكَ الليلة، وهو أنَّ أهلَ السماءِ من الملائكة، ومعهُم الروحُ، وهو جبريلُ على المشهورِ، ينزِلُ منهم من أذِنَ اللَّهُ له بالنزولِ إلى الأرض في هذه الليلة، ومعهُم ما أمرَ اللَّهُ به من قضائِه في هذه السَّنة: من رزقٍ، وأجلٍ، وولادةٍ، وغيرِها، وهذه الليلةُ هي خيرٌ كلها، فهي سالمةٌ من الشَّرِّ كلِّه من أوَّلها إلى طلوعِ الصُّبح (١)، والله أعلم.
سورةُ البِّينة
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ *رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً *فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾: يقولُ الله تعالى: لم يكن هذان الصِّنْفانِ من الذين كَفروا، وهُم أهلُ الكتابِ من اليهودِ والنصارى، ومشرِكو العرب منفصلينَ عن كُفرِهم وتاركيه (١) حتى تأتيَهُم العلامةُ الواضحةُ من الله، وهي إرسالُ الرسولِ الخاتَمِ ﷺ الذي يقرأُ عن ظهرِ قلبٍ ما في الصُّحُفِ المطهَّرة من المكتوبِ المستقيمِ فيها الذي لا خطأَ فيه، وهو القرآن.
وهذا حكايةٌ لحالِهم في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا ينتظرونَ بَعْثَ نَبِيِّ آخِر الزمان، ولكنهم لما بُعِثَ افترقوا فيه، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾.
٤ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾؛ أي: لم يتفرَّق أهلُ الكتابِ (٢) في أمرِ النبي ﷺ إلاَّ بعدَ أن جاءَهم
стр. 190
وبُعِثَ إليهم، وهُم قد عرَفوه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، فكفروا به جُحوداً، وآمنَ به بعضُهم، وقد كانوا قبلَ أن يُبعثَ غيرَ متفرِّقينَ فيه، فهم يعرفونَ صِفتَه.
٥ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾؛ أي: وما أمَرَ الله اليهودَ والنصارى في القرآنِ إلاَّ بما هو في كُتبهم: من عبادةِ الله وحدَهُ والمَيلِ عن الشِّرك، وإقامةِ الصلاة، وإخراجِ زكاةِ أموالهم، وذلك المأمورُ به هو الدينُ المستقيمُ الذي لا اعوِجاجَ فيه، وذلك مما يدلُّ على صِدقِ هذا الرسولِ المرسَلِ إليهم.
٦ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾؛ أي: إنَّ هذين الفريقين من الذين كفروا فجَحَدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ سيدخلونَ نارَ جهنَّمَ ويمكثونَ فيها أبدَ الآباد، لا يخرُجونَ منها، ولا يموتونَ فيها، ثُمَّ وصفَهُم بأنهم شَرُّ مَنْ بَرَأَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ.
٧ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ *جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾؛ لما ذكرَ الصِّنْفَ الأولَ من الذين تفرَّقوا في البيِّنة، وهم الذين لم يؤمنوا، أعقبَهُم بذكرِ الصِّنْفِ الثاني، وهم الذين آمنوا بالبيِّنة وعملوا الأعمال الصالحات التي تقرِّبهم إلى الله، وهؤلاء هُم خيرُ من بَرَأَهُ الله وخلَقَهُ، وسيكون ثوابهم منه تلك البساتين التي هي محلُّ إقامةٍ لا تَحَوُّلَ عنها، وهي التي تسمَّى جنَّاتِ عدن، التي تجري أنهارها على سطح أرضِها بدون أخاديد تحدُّها، وهؤلاء هُم الذين ﵃ بما أطاعوه في الدنيا، ورضوا عنه بما أعطاهُم من النعيم الذي لا يحصَلُ إلاَّ لمن خافَ ربَّه في الدنيا وأحبَّه وعظَّمه، والله أعلم.
سورةُ الزَلْزَلة
١ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا *وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا *وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا *يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: يقولُ اللَّهُ تعالى: إذا حُرِّكتِ الأرضُ حَرَكَةً شديدة، واضْطَرَبت لقيامِ الساعةِ، وأَخْرَجَت الأرضُ ما في بطنِها من الموتى (١)، فصاروا فوقَها، وقال الناسُ: ما للأرضِ؟ لماذا اضطَربت وارتجَّت؟.
في هذا اليومِ تتكلمُ الأرضُ وتُخبِرُ (٢) عن الذي عُمِلَ عليها من خيرٍ وشرٍّ (٣)؛ لأن الله أعلَمَها وأمرَها بهذا التحديث.
٦ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ *فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؛ أي: يومَ تحصَلُ هذه الزلزلةُ وما بعدَها من الأهوال، يرجِعُ الناس من موقفِ الحساب متفرِّقين، لينظروا إلى أعمالِهم وما جازاهم الله به،
стр. 194
فالمحسِنُ يرى ما أعدَّه الله له من النعيم، والمسيءُ يرى ما أعدَّه الله له من العذاب، ولذا قال مرغِّباً ومُرَهِّباً: فمن يعملْ في الدنيا أيَّ عملِ خيرٍ، ولو كان في الصِّغَرِ وزنَ ذرَّةٍ، فإنه سَيَلْقَى حُسْنَ جزائه، وكذا من عملَ في الدنيا أي عمل شرٍّ، ولو كان في الصِّغَرِ وزن ذرَّةٍ، فإنه سيلقى سُوءَ عِقابه، والله أعلم (١).
تجري، فَتُغِيرُ وتدخلُ أرضَ العَدُوِّ في أول النهار (١)، فتُصْعِدُ الغبارَ من شدة الجري (٢)، فتصيرُ هذه الخيلُ في وسطِ جمعِ العدو (٣).
٦ - ٨ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ *وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾: هذا جوابُ القَسَمِ، والمعنى: إنَّ الإنسانَ لكفورٌ لنعمةِ ربِّه، لا يشكرُها، ويمنعُها غيره، فلا يعطيه (٤)، وإن الإنسان
стр. 200
يشهد على نفسه بكفرانه نعمة الله عليه (١)، وإنَّ هذا الإنسانَ الكنود محبٌّ للمالِ حُبًّا شديداً، فهو يبخَلُ به، وذلك من كفرانِه نعمةَ ربِّه.
٩ - ١١ - قولُه تعالى: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ *وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ *إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾؛ أي: أفلا يدري هذا الإنسان الكَنودِ عن عقابه إذا أُثيرَ ما في القبور، فأُخرِجَ منها الموتى، وجُمعَ وأُبرِز ما في صدورِ الناس من خيرٍ وشرٍّ؟، فإن عَلِمَ ذلك، فليعلَم أنَّ ربَّه الذي سادَه وصرَّفَ أمرَه بربوبيَّتِه له عالمٌ ببواطِن أعمالهم، وما أسرُّوه في صدورِهم وما أعلَنوه، لا يخفَى عليه شيءٌ، وهو مُجازيهم عليها، والله أعلم.
سورةُ القَارِعة
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ *مَا الْقَارِعَةُ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾؛ أي: الساعةُ التي تَقْرَعُ قلوبَ الناسِ بهَوْلِها (١)، ثُمَّ هوَّلَ أمرَها مستفهِماً عنها بقوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ هذه القارعة؟، ثم زادَ في تهويلِ أمرِها، فقال: وما أعلمَكَ ما هذه القارعة؟.
٤ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ *وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾؛ أي: القارعةُ تحصَلُ يومَ يكونُ الناسُ في انتشارِهم وتفرُّقهم، وذَهابِهم ومجيئِهم كأنهم تلك الحشراتُ الطائرةُ المتفرِّقة على وجه الأرض. وتحصلُ يوم تكون الجبالُ الرواسي، إذا دُكَّت، كالصُّوفِ الذي مُزِّق فتفرَّقت أجزاؤه (٢).
٦ - ٧ - قولُه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ *فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾: هذا تفصيلٌ لما يكونُ عليه الناسُ الذين انتشروا كالفَرَاشِ المبثوث، وهم فريقان: الأول: من إذا وُزِنت أعماله رَجَحَت في الميزان، فهم في حياةٍ هنيئة، قد حلَّ بهم الرضى مما حصلَ لهم من الجزاء في الجنة.
٨ - ١١ - قولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ *فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه *نَارٌ حَامِيَةٌ﴾: هذا الفريقُ الثاني، وهم من إذا وُزِنَت
стр. 204
أعمالُهم، لم ترجَحْ في الميزان، فمرجِعُه إلى الهاوية التي يهوي بها على رأسِه، وهي النارُ التي قد اشتدَّ إيقادُها فَحَمِيَت (١).
١ - قولُه تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ يقسِمُ ربُّنا بالدَّهر؛ أي: الزمانُ الذي تقعُ فيه حركاتُ بني آدم، على عاقبةِ تلك الأفعالِ وجزائِها (١).
٢ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ *إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: هذا جوابُ القَسَمِ، والمعنى: إنَّ الأصلَ في الناسِ أنهم في نقصٍ وهَلَكَة، ويخرجُ من هذه الصِّفةِ من اتصَفَ بصفاتٍ أربع: معرفةُ الحقِّ، وهو قولُه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والعملُ به، وهو قولُه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وتعليمُه لمن لا يُحسِن، وهو قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ (٢)، والصبرُ عليه، وهو قولُه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ من حبسِ
стр. 212
النفسِ على أداءِ الفرائضِ (١)، وعلى المصائبِ من قدره، وحَبْسِها عن المعاصي، فيوصي بعضُهم بعضاً برفقٍ ولينٍ بهذه الأمور، والله أعلم.
سورةُ الهُمَزَة
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ *الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ *يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾: يتوعَّدُ ربُّنا كلَّ من كان خُلُقُهُ أنه يغتابُ الناسَ ويطعنُ فيهم (١)، الذي من صفتِه أنه حريصٌ على جمعِ المالِ والإكثارِ من