١ - قولُه تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ يقسِمُ ربُّنا بالدَّهر؛ أي: الزمانُ الذي تقعُ فيه حركاتُ بني آدم، على عاقبةِ تلك الأفعالِ وجزائِها (١).
٢ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ *إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: هذا جوابُ القَسَمِ، والمعنى: إنَّ الأصلَ في الناسِ أنهم في نقصٍ وهَلَكَة، ويخرجُ من هذه الصِّفةِ من اتصَفَ بصفاتٍ أربع: معرفةُ الحقِّ، وهو قولُه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والعملُ به، وهو قولُه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وتعليمُه لمن لا يُحسِن، وهو قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ (٢)، والصبرُ عليه، وهو قولُه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ من حبسِ
стр. 212
النفسِ على أداءِ الفرائضِ (١)، وعلى المصائبِ من قدره، وحَبْسِها عن المعاصي، فيوصي بعضُهم بعضاً برفقٍ ولينٍ بهذه الأمور، والله أعلم.
سورةُ الهُمَزَة
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ *الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ *يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾: يتوعَّدُ ربُّنا كلَّ من كان خُلُقُهُ أنه يغتابُ الناسَ ويطعنُ فيهم (١)، الذي من صفتِه أنه حريصٌ على جمعِ المالِ والإكثارِ من
стр. 216
عدِّهِ وحسابه؛ ولشدَّة وَلَعِه به، يظنُّ أنَّ مالَه سيُبقيه في هذه الدنيا.
٤ - ٩ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ *نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ *الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ *إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ *فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾؛ أي: ما ذلك كما يظنُّ هذا الهامِز اللاَّمِز، ليس ماله بمُخْلِدِه، ثم أخبرَ تعالى أنه سيعاقبُه على أعمالِه التي عَمِلَها، فَذَكَرَ أنَّه سيقذفُه ويُلقيه في الحُطَمَةِ التي تَحْطِمُهُ وتَدُقُّه وتكسره، ثم استفهمَ عنها على سبيل التهويل، فقال: وما أعلمكَ ما هذه التي تَحْطِمُ ما فيها؟.
ثُمَّ بيَّن أن هذه الحُطَمة هي النارُ التي تشتعِلُ وتلتهِبُ من شدَّة الإيقاد، هذه النارُ التي يبلغُ حَرُّها قلوبهم، وتحرقُ كل قلبٍ بحسب ذنبه، وهذه النارُ مُطْبِقَةٌ (١) على الكفَّار لا يستطيعونَ الخروجَ منها، وهم يعذَّبون فيها في أعمِدَةٍ طويلةٍ من النار (٢)، والله أعلم.
سورةُ الفِيل
تحكي هذهِ السورةُ قصةَ أَبْرَهَةَ الحبشيِّ الذي جاءَ لهدمِ الكعبةِ في العامِ الذي وُلِدَ فيه النبيُّ ﷺ ، وتذكُرُ ما حصلَ لهم من العِقاب.
١ - ٢ - قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ *أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾؛ أي: ألم تعلمْ بما صنعَهُ الله بأبرهةَ وقومِه الذين غزو مكةَ بجيشٍ فيه أفيال، وأرادوا أن يهدِموا الكعبة؟، لقد جعلَ اللَّهُ سعيَهُم وتدبيرَهم في صَرْفِ الناس عن الكعبةِ ومحاولة هَدْمِها عملاً ضائعاً لا فائدةَ فيه.
٣ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ *تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ *فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَاكُولٍ﴾؛ أي: وَأَلَمْ تعلمْ بما عاقَبهم به من بَعْثِ طيورٍ من السماءِ جاءت جماعاتٍ كثيرةً متفرِّقةً يتبعُ بعضُها بعضاً (١)،
стр. 220
تحمِلُ حصًى صغيرةً من طين (١)، تُلقيه على أصحابِ الفيل، فتقضي عليهم، حتى صاروا كبقايا الزرعِ المأكولِ الذي تَحَوَّلَ بعد الخُضْرَة والنَّضْرَة، إلى أن صارَ مُلْقًى على الأرضِ يُداسُ بالأقدام (٢)؟.
سورةُ قُريش
١ - ٢ - قولُه تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ *إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾؛ أي: لِتَعْبُدَ قريشٌ ربَّ هذا البيتِ الذي أطعَمهم من جوعٍ وآمنَهم من خوفٍ، لأجلِ نعمتِه عليهِم بإيلافِهم رحلةَ الشتاءِ إلى اليَمن، والصيفِ إلى الشام (١)؛ أي: ما ألِفُوه واعتادوه من اجتماعِهم (٢) في رحلتهِم للشام واليَمَنِ من أجلِ التِّجارة، وقُدِّم ذكرُ الإيلافِ للاهتمام به (٣).
стр. 224
٣ - ٤ - قولُه تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ *الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوفٍ﴾؛ أي: ليعبُدوا ربَّ المسجدِ الحرام الذي سدَّ جوعَهم بالإطعام، وأمَّنهم من الخوف، فلا يعتدي عليهم أحدٌ، ولا يقع عليهم من المرضِ ما يذهبُ بهم، ولا غيرِها من المخُوفات (١)، والمعنى إن
стр. 225
لم يعبُدوه على نِعَمِه، فليعبُدوه على هذه النِّعمة، التي هي إيلافهم، وذكرَ البيتَ لأنهم إنما أمِنوا بسبب جِوارهم له. والله أعلم.
سورةُ الماعون
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ *فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ *وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾؛ أي: أرأيتَ الذي لا يُصدِّق بالجزاءِ من الثواب والعِقاب (١)؟، الذي من صفتِه أنه يدفعُ ويظلمُ الطِّفْلَ الذي ماتَ أبوه وهو دونَ سنِّ البلوغ، فلا يُعطيه حَقَّهُ (٢)، ولا يحثُّ نفسَه ولا غيرَه على إطعامِ المحتاجِ الذي قد بلغ من المَسْكَنَةِ مَبْلَغاً عظيماً (٣).
٤ - ٧ - قولُه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ *وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: يتوعَّدُ ربُّنا المصلِّينَ الذين يَلهونَ عن الصلاة فيؤخِّرونها عن وقتِها، أو يتركونها أحياناً فلا
стр. 229
يصلُّونها (١)، أولئكَ المصلِّين الذين يقومونَ بأعمالِهم ليراهم الناس، وهمُ المنافقون (٢)، الذين لا يعطونَ الناس ولا يُعينونَهم بشيء: لا بزكاةٍ ولا بغيرِها من المنافعِ التي يُنْتَفَعُ بها؛ كالقِدْرِ، والفأسِ، والدَّلْوِ، وغيرِها (٣).
سورةُ الكَوْثَر
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾.
يخبرُ ربُّنا ﵎ نبيَّه ﷺ عن هِبَتِه له ذلك النهر العظيمِ في الجنَّة، الذي اسمُه الكَوْثَر، وهو جزءٌ من الخيرِ الكثيرِ الذي أعطاه إيَّاه (١).
стр. 234
ثم أمرَهُ الله بأن يؤدِّي شُكْرَ هذهِ النعمة بأن تكونَ الصلاةُ والذبحُ له سبحانَه، لا كما يفعلُ المشركونَ الذين يذبحونَ للأصنام (١). ثم أخبرَهُ أنَّ
стр. 235
مُبْغِضَهُ هو المنقطِعُ عن كلِّ خير، بخلافِكَ أنتَ فيما أعطاكَ اللَّهُ من الخير (١).
سورةُ الكافِرون
حُكِيَ في سببِ نزولها أنَّ قريشاً طلبت من الرسولِ ﷺ أن يعبُدَ أصنامَهم سَنة، وهم يعبدونَ إلهَهُ سَنة، فأنزلَ الله هذه السورةَ براءةً من الكافرين وعبادتِهم.
وكان ﷺ يقرأُ هذه السورة في الركعة الثانية من الشفع، وفي الركعة الأولى من سُنَّة الطواف وسُنَّة الفجر، ووردَ عنه ﷺ أنها تعدِلُ رُبعَ القرآن.
١ - ٦ - قولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ *وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
يأمرُ اللَّهُ نبيَّه محمداً ﷺ أنْ يوجِّهَ الخِطاب لكلِّ الكافرين، ما داموا على الكُفر (١)، ويُخبرَهم أنَّه لا يعبدُ معبوداتِهم لا في حَاضِرِهِ ولا في مُسْتَقْبَلِهِ، وهو قوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ﴾، ولا في مَاضِيه (٢)، وهو قوله: ﴿وَلاَ أَنَا
стр. 239
عَابِدٌ﴾، كما أنهم هُم لا يعبدونَ إلهه أبداً ما داموا على الكفر، وهو قوله عنهم في الموضِعَين: ﴿وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (١).
ثمَّ ختمَ الآيات بتأكيد المُفاصَلةِ والبراءةِ من مِلَّتِهم وشَرْعِهم، فقال: لكم ما تعتقدونَه من المِلَّةِ الكافِرةِ، وليَ ما أعتقِدُه من توحيدِ الله سبحانه، فلا يمكنُ أن نلتقي أبداً (٢)، والله أعلم.
سورةُ النَّصر
١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
أي: إذا جاءكَ يا محمد نصرُ اللَّهِ لكَ على قومِكَ من قريش، وجاءَك فتحُ مكة (١)، ورأيتَ قبائلَ العربِ تدخلُ في الإسلام جماعاتٍ تِلْوَ جماعات، فاعلَم أنه قد دَنا أجلُكَ (٢)، فأكثِر من طلبِ المغفرةِ من ربِّك، ومن ذِكْرِهِ بأوصافِ الكمالِ التي تدلُّ على حمدِكَ إياه، إنه سبحانَه يرجع لعبده المطيعِ بالتوبة، فيتوبُ عليه. وكان ﷺ كثيرَ الاستغفارِ والحمدِ بعد نزولِ هذه السورة (٣)، والله أعلم.
سورةُ المَسَد
أخرج البخاري عن ابن عباس: أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصَعِدَ الجبلَ فنادى: «يا صباحاه». فاجتمعت قريش، فقال: «أرأيتم إن حدَّثتكم أنَّ العدوَ مُصَبِّحَكم أو ممسيكم، أكنتم مصدِّقِيَّ»؟ قالوا: نعم. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبًّا لك، فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها.
١ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ *سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ *وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾.
هذا دعاء بالهلاك والخسران على عمِّ الرسول ﷺ المَكْنِيِّ بأبي لهب، وقد حصل له هذا، ذلك جزاءَ قولِه للنبي ﷺ : «تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا (١)؟».
ثمَّ أخبر اللَّهُ أنَّ مالَ أبي لهب وولدَه لا ينفعونه ولا يَرُدُّون عنه عذابَ الله (٢)، وأنه سيدخل ناراً تتوقَّد تشويه بحرِّها، وأنه ستدخل معه
стр. 246
زوجُه أمُّ جميلٍ التي كانت تؤذي رسولَ الله ﷺ بحمل الحطبِ الذي فيه الشوكُ فتلقيه في طريقه (١)، وقد جعل الله في عُنقها حبلاً مجدولاً ومفتولاً من ليف أو غيره، يكون عليها كالقلادة التي توضع على العنق (٢)، جزاء ما كانت تصنع في الدنيا برسول الله ﷺ ، والله أعلم.
سورة الإخلاص
ذُكِرَ أنَّ الكفَّارَ قالوا: يا محمد انسِبْ لنا ربَّكَ، فنزلَت هذه السُّورة (١).
ومِنْ فَضْلِ هذه السُّورةِ: أنها تعدِلُ ثُلُثَ القرآن، وأنها تُقرأُ في صلاة الوتر، وسُنَّة الفجر، وسنَّة الطَّواف، وفي أذكارِ الصبَاح والمساء، وأذكارِ دُبُرِ الصَّلَوات.
١ - قولُه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ أي: قُلْ يا محمد: ربي هو اللَّهُ الذي له العِبادة، لا تنبغي إلاَّ له، ولا تصلُحُ لغيرِه، المتَّصِفُ بالأَحَدِيَّة دون سِواه، لا مثيلَ له، ولا نِدَّ، ولا صاحبةَ ولا ولد (٢).
٢ - قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الصَمَدُ﴾؛ أي: الله الموصوف بالأَحَدِيَّة، هو السيِّدُ الذي قد انتهى في سُؤدَدِه، والغني الذي قد كَمُلَ في غِناه، فلا يَحْتَاجُ ما يحتاجُهُ خلقُه من الصَّاحِبةِ والولدِ، ولا من المأكلِ والمَشْرَبِ، ولا