وهو عند الكوفيين جمعٌ مكسَّر واحده ذو التاء، وقولهم فاسد من حيث
стр. 492
اللفظ والمعنى: وأما للفظ فلتصغير مثل هذا الاسم على لفظه، فلو كان جمعاً وليس على صيغة جمع القلة لكان يجب رده إلى واحده، وأيضاً لغلبة التذكير على المجرد من التاء فيها، نحو: تمر طيب، ونخل منقعر (١) ، ولا يجوز رِجَالٌ فاضل، وأما المعنى فلوقوع المجرد من التاء منه على الواحد والمثنى أيضاً، إذ يجوز لك أن تقول: أكلت عنباً أو تفاحاً، مع أنك لم تأكل إلا واحدة أو اثنتين، بلى قد يجئ شئ منه لا يطلق إلا على الجمع، وذلك من حيث الاستعمال لا من حيث الوضع، كالْكَلِم والاكم (٢) ، وهو قليل.
стр. 493
فنقول: مثل هذا الاسم إذا قصدت إلى جمع قلته جمعته بالألف والتاء، وإذا قصدت الكثرة جردته من التاء، فيكون المجرد بمعنى الجمع الكثير، نحو نَمْلَة ونمل، ونَمَلاَت.
ثم هذه الأسماء في الثلاثي: إما فَعْل كتَمْر وطَلْح وَنَخْل وَنَمْل وَبَهْم (١) ، وقد يكسر ذوالتاء منه على فِعَال، نحو بَهْمَة وبِهَام وطَلْحَة وطِلاّح، تشبيهاً بقَصْعَة وقِصَاع، وقد قال بعضهم: صَخْرَة وصُخُور، تشبيهاً بمأتة ومُؤُون وبَدْرَةٍ وبُدُور (٢) ، وكذا الأجوف منه قد يجمع على فِعَال كخِيَام (٣) ورِيَاض (٤) ، وكذا الناقص، نحو صِعَاء في جمع صَعْوَة (٥) ، وليس التكسير فيه ولا في غيره من هذا الباب بمطرد.
وإما فِعْلَة بكسر الفاء، وحكمه حكم فَعْلَة بفتحها: في أن المجرد للكثرة والألف والتاء للقلة، وقد يكسر ذوالتاء منه على فِعَلٍ كَسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، تشبيهاً بكِسْرة وكِسَر، وتقول في الأجوف: تينٌ وتِينَة وتِينَات.
وإما فُعْلَةَ كدُخْنَة (٦) ودُرَّة وبُرَّة، وقد يجئ في ذي تائه فُعَل كدُرَر وثُوَم، تشبيهاً بغرف.
стр. 494
وإما فَعَلة كبَقَرَة وشَجَرَة وقد يكسر ذو التاء منه على فِعَال، كإكَام وثِمَار وحِدَاث (١) ، تشبيهاً بالرَّحَبَة والرِّحَاب (٢) وعلى أفْعُل كآكُم، وعلى أفْعَال كآجَامٍ (٣) وأشجَار، والتكسير في ناقصه قليل نادر، كحَصَاة وقذاة (٤) ، قد جاء في أَضاة (٥) ، إضَاء، قال سيبويه: قد جاء ذو التاء فَعْلَة بسكون العين والمجرد بفتحها، نحو حَلْقَة (٦) وفَلْكَة (٧) ، والجنس حَلَق وفَلَكَ، قال: خففوا الواحد بتسكين العين لما ألحقوه الزيادة: أي التاء، كما غيروا نحو نَمَرِيّ
стр. 495
لما لحقه ياء النسب، إذ التاء تناسب الياء كما ذكرنا في أول باب النسب، وحكي عن أبي عمرو في ذي التاء حَلَقَة بفتح العين فليس إذن بشاذ، ومن العرب من يقول حَلْقَة بسكون العين وحِلَق بكسر الفاء في المجرد وهو جمع تكسير، فيكون كبَدْرَة وبدَر، وتقول في الأجوف: هامة وهامات (١) وهام وراحة وراحات وراح، وإنما جعلنا المكسر في جميع هذا الباب لذي التاء لا للمجرد عنها، لأن المجرد في معنى الجمع الكثير، فالأولى أن لا يجمع.
وإما فَعِلَة كنَبِقَة وكَلِمَة، وإما فِعلة كعِنبة وحِدَأة، وإما فَعُلَة كسَمُرَة، وهو أقل من باب كَلِمَة وعِنَبَة، وإما فُعُلة بضمتين كهُدُبَة (٢) وبُسُرة (٣) ، وهو أيضاً قليل، وإما فُعَلة كعُشَرة (٤) ورُطَبة، ومن الناقص مُهَاة، وهو ماء الفحل في رحم الناقة ومُهاً، والقياس في قلة جيمع هذه الأوزان كما ذكرنا أولاً أن تكون بالألف والتاء، وكثرته بحذف التاء وفي غير الثلاثي نحو نَعَام ونَعَامة، وسَفَرْجَل وسَفَرْجَلَة، وقد يكون اسم مفرد في آخره ألف تأنيث مقصورة أو ممدودة يقع على الجمع نحو حلفاء (٥)
стр. 496
وَطَرْفَاء (١) وبُهْمَى (٢) ، فإذا قصدت الوحدة وصفته بالواحد نحو طَرْفَاء واحدة، وحَلْفَاء واحدة، وبُهْمَى واحدة، ولم يلحق التاء للوحدة إذ لا يجتمع علامتا تأنيث، وحُكي بُهْمَاة، وهو عند سيبويه شاذ، لأن الألف فيه عنده للتأنيث، والألف عند الأخفش للإلحاق ببرقَع، فَبُهْمًى عنده منون منصرف، وبُهْمَاة ليس بشاذ عنده، وقد ذكر أهل اللغة للطرفاء والحلفاء والقصباء واحدة على غير هذا اللفظ، فقالوا: طَرَفَة وقَصَبة بتحريك العين، واختلفوا في الْحَلْفَاء فقال الأصمعي: حَلِفَة بكسر العين، وقال أبو زيد: بفتحها كطَرَفة، وقد كسر حلفاء كصحراء على حَلاَفِي وحَلاَفَى، وإنما قالوا في أرْطًى وَعَلْقًى: أرطأة وعلقاة (٣) لأن الفهما للإلحاق لا للتأنيث، ومن العرب من لا ينون علقى ويجعل الألف للتأنيث، فيقول: عَلْقى واحدة كقصباء واحدة والأغلب في الاسم الذي يكون التنصيص على الواحد فيه بالتاء أن يكون
في المخلوقات دون المصنوعات، قالوا: لأن المخلوقات كثيراً ما يخلقها الله سجية، يعني جملة، كالتمر والتفاح، فيوضع للجنس اسم، ثم إن احتيج إلى تمييز الفرد أدخل فيه التاء، وأما المصنوعات ففردها يتقدم على مجموعها، ففي اللفظ أيضاً يُقدم فردها على جمعها، وفيه نظر، لأن المجرد من التاء من الأسماء المذكورة ليس موضوعاً للجمع كما توهموا، حتى يستقيم تعليلهم، بل هو لمجرد الماهية، سواء كان مع القلة أو مع الكثرة
стр. 497
وقد جاء شئ يسير منها في المصنوعات، كسفينة وسَفِين ولَبِنَة ولَبن وقَلَنْسُوَة وَقَلَنْس وبُرَة (١) وبُرَىً وليس أسماء الأجناس التى واحدها بالتاء فياسا، إلا في المصادر، نحو ضَرْبَة وضَرْب، ونصْرَة ونصر، لما مر والمشهور في كَمْأَةٍ (٢) وَفِقَعَة (٣) وجَبْأَة (٤) أن ذا التاء للجمع والمجرد عنها
стр. 498
للمفرد، وقد قيل عكس ذلك، كما مر في شرح الكافية قال " ونحو ركب وحاق وَجَامِلٍ وسَرَاةٍ وَفُرْهَةٍ وَغَزِيٍّ وَتُؤَامٍ لَيْسَ بِجَمْع " أقول: الذي مضى في الفصل المتقدم كان اسم الجنس، والذي يذكره هي هذا الفصل اسم الجمع،
والفرق بينهما من حيث المعنى أن المجرد من التاء من القسم الأول يقع على
стр. 499
الواحد والمثنى والمجموع، لأنه في الأصل موضوع للماهية، سواء كانت مشخصاتها
قليلة أو كثيرة، فالقلة والكثيرة فيه غير داخلتين في نظر الواضع، بل إنما وضعه صالحاً لهما، بخلاف اسم الجمع، فإنه اسم مفرد موضوع لمعنى الجمع فقط، ولا فرق بينه وبين الجمع إلا من حيث اللفظ، وذلك لأن لفظ هذا مفرد بخلاف لفظ الجمع، والدليل على إفراده جواز تذكير ضميره، قال: ٦٦ - * مَعَ الصُّبْحِ رَكْبٌ مِنْ أُحَاظَةَ مُجْفِلُ (١) * وأيضاً تصغيره على لفظه كقوله: ٦٧ - * أخْشَى رُكَيْباً أوْ رُجَيْلاً عاديا (٢) *
стр. 500
وقال الاخفش: كل ما يفيد معنى الجمع على وزن فَعْل وواحده اسم فَاعِل كصَحْب وشَرْب في صاحب وشارب فهو جمع تكسير واحدُهُ ذلك الفاعل، فعلى هذا القول تصغّر لفظ الواحد ثم جمع السلامة كما في رجال ودُورٍ، فتقول في تصغير رَكْب وسَفْر: رُوَيْكبون وسُوَيْفِرُون، كما يقال: رجيلون ودُوَيْرَات، في تصغير رجال ودور، وقول الشاعر: * أخْشَى رُكَيْباً أوْ رُجَيْلاً عَادِيَا * رَدٌّ عليه.
واعلم أن فَعْلاً في فاعل ليس بقياس، فلا يقال جَلْس وكَتْب في جالس وكاتب، وقال الخليل - ونعم ما قال -: إن الكمأة اسم للجمع، فهو بالنسبة إلى كمء كركب إلى راكب، فعلى هذا لا يقع كمأة على القليل والكثير كتَمْر، بل هو مثل رجال في المعنى، ومثله فِقَعَة وَفَقْع وجَبْأَة وجبء (١) ومقتضى مذهب الأخفش - وإن لم يصرح به - أن يكون مثل صُحْبَةٍ في صاحب وظُؤَار في ظئر (٢) وجامل في جمل (٣)
стр. 501
وسَرَاة في سَرِيّ (١) وفُرْهة في فاره وغَزِيٍّ في غاز وتُؤَام في تَوْأم (٢) وغيب وخدَم وأهَب في خادم وغائب وإهاب، وبَعَد في بعيد، ومَشْيُوخاء ومَعْيُورَاء ومَاتُوناء في شَيْخ وعَيْر وأتانٍ، ومَعيز وكلِيب في مَعْز وكَلب، ومَشْيَخَة في شيخ، وعَمَد في عَمُود، كل ذلك جمع سكسر؟ ؟، إذ هي مثل ركب وسفر ونحوهما، لأن للجميع من تركيبه لفظاً يقع على مفرده.
هذا، وإنما يعرف هذا النوع بأن لا يقع ذوالتاء منه على الواحد، ولا يكون من أبنية الجمع المذكورة، ولا يفيد إلا معنى الجمع، واستدل سيبويه على أنها ليست بجمع بتذكيرها في الأغلب، نحو رَكْب مشرع، وبمجئ التصغير على لفظها، وأما ما لا يجئ من تركيبه لفظ يقع على المفرد كالغَنَم والإبل والخيل والنفر والرهط والقوم، فلا خلاف في أنها اسم جمع، وليست بجمع، وفي الأصل في القائم كالركب في الراكب، إذ الرجال قَوَّامُون على النساء، وأكثر هذا النوع: أي الذي لم يأت له من لفظه واحد، مؤنث قال: " وَنَحْوُ أرَاهِطَ وأَبَاطِيلَ وأَحَادِيثَ وَأَعارِيضَ وأَقَاطِيعَ وَأَهَال ولَيَالٍ وحَمِيرٍ وَأَمْكُنٍ عَلَى غَيْرِ الْوَاحِدِ مِنْهَا " أقول: " أعلم أن هذه جموع لفظاً ومعنى، ولها آحاد من لفظها، إلا أنها
стр. 502
جاءت على خلاف القياس الذي ينبغي أن يجئ عليه الجموع فأراهط جمع رَهْط، وكان ينبغي أن يكون جمع أرْهُطٍ، قيل: وجاء أرهط، قال: ٨٦ - * وفَاضِح مُفْتَضِحٍ في أرْهُطِهْ (١) فهو إذن قياس وأباطيل: جمع باطل، والقياس (٢) بواطل، وأحاديث: جمع حديث (٣) ،
стр. 503
وأعاريض: جمع عروض (١) ، وأقاطيع: جمع قطيع، وأهَالٍ: جمع أهل، وقياسه أن يكون جمع أهْلاَة، وكذا قياس لَيَال أن يكون جمع لَيْلاة، ومثله في التصغير لُيَيْلِيَة، قيل: وقد جاء في الشعر: * فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا وَكُلِّ لَيْلاَهْ (٢) * وهو غريب وكذا قياس الارضي (٣) أن يكون جمع أرضَاة، وأما حمير فهو عند سيبويه من صيغ الجموع، لكن كان القياس أن يكون جمع فَعْل ككَلِيب ومَعِيز وضَئِين، وقال غير سيبويه: إنه ليس من أبنية الجموع، فهو اسم جمع كرَكْب وفُرْهة (٤) .
وعند سيبويه أيضاً فُعَال من أبنية الجموع، خلافاً لغيره، لكن قياسه عنده أن يكون جمع فِعْل كظُؤَار (٥) في ظئر، وفَعِل كرُخَال في رخل (٦) ، قال
стр. 504
" وتؤام في توأم شاذ " وعند غيره هو اسم الجمع.
وأمْكُن وأزْمُن في جمع مكان وزمان شاذان، كما تقدم، وكذا مَحَاسن ومَشَابه جمع حُسْن وشَبَه، وكذا أكارع (١) في كُرَاع، وكذا دَوَانيق وخَوَاتيم (٢) وزواريق في دَانَق وخَاتَم وزَوْرَق (٣) ، والقياس ترك الياء، فالشذوذ في هذا إشباع الكسر، وقريب من هذا الباب ما يجمع بالألف والتاء من المذكرات التي لم تجمع جمع التكسير، كجِمَال (٤) سِبَحْلاَت وربَحْلاَت (٥) وحَمَّامَات وسُرَادِقَات، ولما قالوا فَرَاسن (٦) وجَوَاليق (٧) لم يقولوا فرسنات
стр. 505
ولا جُوَالِقَات، وقد جاء في بعض الأسماء المذكوة ذلك مع الكسير، نحو بوانات في بُِوان، وهو عمود (١) الخيمة.
مع قولهم بون، وإنا جمع بالألف والتاء في مثله مع أنه ليس قياسه لاضطرارهم إليه، لعدم مجئ التكسير، وامتناع الجمع بالواو والنون لعدم شرطه.
وقريبٌ من ذلك نحو الأرضين والْعِزين والثُّبِين (٢) ، ونحو ذلك من المؤنثات المجموعة بالواو والنون وقد يجئ جمع لا واحد له أصلاً، لا قياسي ولا غير قياسي، كَعَبَادِيد
وعَبَابيد (٣) ، وقد مضى القول في أكثر ذلك مبسوطاً في شرح الكافية في باب الجمع، فليرجع إليه.
" قَالَ وَقَدْ يُ جْمَعُ الْجَمْعُ نَحْوُ أكاليب وَأَنَاعِيمَ وجَمَائِلَ وَجِمَالاَتٍ وَكلاَبَاتٍ وَبُيُوتَاتٍ وَحُمُرَاتٍ وَجُزُرَاتٍ " أقول: اعلم أن جمع الجمع ليس بقياس مطرد، كما قال سيبويه وغيره، سواء كسَّرته أو صححته، كأكالب وبُيُوتات، بل يقال فيما قالوا ولا يُتَجَاوَز، فلو قلت أفْلُسَات وأدْلِيَات في أفلس وأدل لم يجز، وكذلك أسماء الأجناس كالتمر والشعير لا تجمع قياساً، وكذا المصدر لأنه أيضاً اسم جنس، فلا يقال الشُّتُوم والنُّصُور في الشتم والنصر، بل يقتصر على ما سمع كالأشغال والحلوم والعقول، وكذا لا يقال الابار في جمع الْبُرّ، بل يقتصر في جميع ذلك على المسموع، إلا أن يضطر شاعر فيجمع الجمع، قال:
أيضاً فِعَالاً على فَعَائِل كجمال وجمائل وشَمَائل، وصححوه ككِلاَبات ورجالات وجِمَالات، وقالوا في فُعُول نحو بُيُوتات، وفي فُعُل نحو جَزُرَات (١) وحُمُرَات
وطُرُقَات، وفي فُعْل نحو عُوذَات (٢) ودُورَات جمع عائذ ودار، وإنما جمع الجمع بالألف والتاء لأن المكسر مؤنث، وقالوا في فعلان كَمَصارين وحَشَاشين جمع مُصْرَان جمع مَصِير وجمع حَشَّان جمع (٣) حُشّ، فهو كسلطان وسلاطين، ولا يقاس على شئ من ذلك قال: " التاء السَّاكِنَيْنِ يُغْتَفَرُ في الْوَقْفِ مُطْلقاً، وَفِي الْمُدْغَمِ قَبْلَهُ لِينٌ فِي كَلِمَةٍ نَحْوُ خُوَيْصَّة وَالضَّالِّينَ وَتُمُوَدَّ الثَّوْبُ، وفي نَحْوِ مِيْمْ وَقَافْ وَعَيْنْ مِمَّا بُنِيَ لِعَدَم التَّرْكِيبِ، وَقْفاً وَوَصْلاً، وَفِي نَحْوِ الْحَسَنُ عندك وآيمن الله بمينك، للالتباس، وفي نحو لا ها اللهِ وَإي الله جَائِزٌ، وَحَلْقَتَا الْبِطَانِ شَاذٌّ " أقول: اعلم أن الحرفين الساكنين إذا كان أولهما (حرفاً) صحيحاً لا يمكن التقاؤهما إلا مع إتيانك بكسره مُخْتَلَسة غير مُشْبَعَة على الاول منهما، فيحسب المستمعأن الساكنين التقيا، ويشاركه في هذا الوهم المتكلم أيضاً، فإذا تفطَّن كل منهما علم أن على الأول منهما كسرة خفيفة، نحو بَكْرَ بِشْرْ بُسْرْ، حركت عين الثلاثة بكسرة خفيفة، وإلا استحال أن تأتي بعدها بالراء الساكنة، وإنما تحس بذلك وتتفطنه بعد تثبتك وتأنُّقِكَ فيما تتكلم به، وإذا
стр. 508
خلَّيْتَ نفسك وسجيتها وجدت منها منها أنها لا تلتجئ في النطق بالساكن الثاني المستحيل مجيئه بعد الساكن الأول من بين الحركات إلا إلى الكسرة، وإن
حصل لها هذا المقصود بالضمة والفتحة أيضاً، وكذلك إذا فرضت أول كلمة تريد النطق بها ساكنا، وذلك مما لا يجئ في العربية في اتبداء الكلام إلا مع همزة الوصل، ويوجد في الفارسية كقولهم شْتَاب وسْطَام، وجدت من نفسك أنك تتوصل إلى النطق بذلك الساكن بهمزة مكسورة في غاية الخفاء، حتى كأنها من جملة حديث النفس، فلا يدركها السامع، ثم تجهز بالحرف الساكن في أول الكلمة، فيتحقق لك أن إزالة كلفة النطق بالساكن بالكسرة، سواء كان ذلك الساكن في أول الكلمة أو في آخرها أو في وسطها، من طبيعة النفس وسجيتها إذا خليتها وشأنها فظهر لك أنهم لأيِّ سبب كسروا همزة الوصل، ولِمَ اجتلبوها دون غيرها، ولِمَ كسروا أول الساكنين في نحو اضْرِبِ اضْرِبِ، و (لَمْ يَكُنِ الذين) وأما إذا كان أولهما حرف لين فإنه يمكن التقاؤهما لكن مع ثقل ما، وإنما أمكن ذلك مع حروف العلة لأن هذه الحروف هي الروابط بين حروف الكلمة بعضها ببعض، وذلك أنك تأخذ أبعاضها، أعني الحركات، فتنظم بها بن الحروف، ولولاها لم تَتَّسِق، فإذا كانت أبعاضها هي الروابط وكانت إحداها وهي ساكنة قبل ساكن آخر مددتها ومكنت صوتك منها حتى تصير ذات أجزاء، فتتوصل بجزئها الأخير إلى ربطها بالساكن الذي بعدها، ولذلك وجب المد التام في أول مثل هذين الساكنين، ويَقلُّ المد في حروف كان ما قبلها من الحركات من جنسها، نحو قَوْل وبِيعَ، وذلك لأن في نحو قولَ المضموم قافه تتهيأ بعد النطق بالقاف للواو، وذلك لأن الضمة بعض
стр. 509
الواو، فيسهل عليك المجئ بعد الضمة بالواو كاملة لأنه لم يخالطها إذن نوع آخر في المد كما خالطها في نحو قَوْل المفتوح قافه، فإنك إذن تهيأت فيه بعد القاف
للمد الألفي: أي الفتحة، ثم انتقلت في الحال إلى المد الواوي شائباً شيئاً من المد الأول بالمد الثاني، وميل كل واحد من المدين إلى جانب الآخر، فلا جرم لم تتمكن من إشباع المد الواوى تمام التمكن فإذا تقرر هذا فاعلم ن أول مثل هذين الساكنين إذا كان ألفاً فالأمر أخف لكثرة المد الذي في الألف، إذ هو مد فقط، فلذلك كان نحو مَادَّ وَسَادَّ أكثر من نحو تُمُودَّ الثوب، ثم بعد ذلك إذا كان أولهما واواً أو ياء ما قبلهما من الحركات من جنسهما، ولم يأت مثل ذلك في الياء في كلامهم نحو سِيْر، والدرجة الأخيرة أن يكون أول الساكنين واواً أو ياء قبلها فتحة لقلة المد الذي في مثل ذلك، ولم يأت مثل ذلك إلا في المصغر نحو خُوَيْصَّة، فلا تقول في الأفعل من الْيَلَل (١) والود: أيْلّ وأوْدّ، بحذف حركة اللام الأولى كما في أُصَيْمّ، بل تنقل حركة أول الساكنين عند قصد الإدغام إلى الواو والياء، نحو أيَلُّ وأوَدُّ (١) ، لقلة المد الذي فيهما، كما فعلت في نحو أشد وأمر، وإنما اختص ياء التصغير بعدم جواز نقل حركة ما بعده إليه عند قصد الإدغام لوضعهم له ساكناً ولزومه للسكون هذا، ومع المد الذي في حروف اللين يشترط في الساكن الثاني أحد الشرطين: أحدهما: أن يكون مدغماً بشرط أن يكون المدغم والمدغم فيه معاً من كلمة حرف المد، وذلك أنه إذا كان مدغماً في متحرك فهو في حكم المتحرك، وذلك لشدة التصاقه به فإن اللسان يرتفع بالمدغم فيه ارتفاعةً واحدة، فيصيران كأنهما حرف واحد متحرك، وإنما اشترطنا أن يكون المدغم من كلمة
стр. 510
حرف المد احترازاً من نحو خَافَا الله وخَافُوا الله وخَافِي الله فإنه يحذف حرف
المد للساكنين، وذلك لأن في التقائهما مطلقاً وإن حصل جميع الشرائط كلفةً ما، كما ذكرنا، فإذا كان أولهما في مكان يليق به الحذف وهو آخر الكلمة كان تخفيف الكلمة بحذفه أولى، وإنما حذف الأول دون الثاني لضعفه، واشترطنا كون المدغم فيه من كلمة حرف المد إذ لو لم يكن منها لكان الإدغام الذي هو شرط اغتفار اجتمع الساكنين بِمَعْرِض الزوال فلا يعتد به، فلهذا لا تقول في النون المخففة في المثنى (١) اضْرِبَانْ نُعمان، بإدغام نون اضربانْ في نون نُعمان، وجاز في " ها الله " في أحد الوجوه اجتماعُ الساكنين وإن لم يكن المدغم من كلمة حرف المد لما مر في شرح (٢) الكافية، الشرط الثاني
стр. 511
من الشرطين المعتبر واحد منهما في الساكن الثاني: أن يكون موقوفاً عليه بالسكون، أو مُجْرًى محرى الموقوف عليه، وذلك لأن الوقف لقصد
стр. 512
الاستراحة، ومشارفة الراحة تهون عليك أمر الثقل الذي كنت فيه (١) والوقف على ضربين: إما أن يكون في نظر الواضع، أولا فالأول في أسماء حروف الهجاء، وإنما كانت هذه الأسماء كذلك لأن الواضع وضعها لتُعَلَّم بها الصبيان أو من يجري مجراهم من الجهال صوَر مفردات حروف الهجاء، فسمى كل واحد منها باسم أوله ذلك الحرف، حتى يقول الصبي: ألِفْ مثلاً، ويقف هنيهة قدر ما يميزها عن غيرها، ثم يقول: بَا، وهكذا إلى الآخر، فلا ترى ساكنين ملتقيين في هذه الأسماء إلا وأولهما حرف لين، نحو جِيمْ
стр. 513
دَالْ نُونْ، وكذا الأصوات، نحو قُوسْ (١) ، وطِيخْ (٢) ، الوقف فيها وضعي، لأنها لم توضع لقصد التركيب كما مضى في بابها (٣)
стр. 514
والثاني أن لا يكون الوقف بنظر الواضع، بل يطرأ ذلك في حال الاستعمال
стр. 515
في غير أسماء حروف الهجاء والأصوات، نحو المؤمنُونْ، والمؤمناتْ، والفوْتُ، والميْتُ، وكذا الأسماء المعدودة نحو زَيْدْ ثَمُودْ سَعِيدْ عِمَادْ، وذلك أن الواضع
وضعها لينطق بها مركبة تركيب إعراب فيقف عليها المستعمل إما مع تركيبها مع عاملها نحو جاءني المؤمنونْ أولا مع تركيبها معه نحو ثمودْ وزيْدْ والأسماء التي وضعها الواضع لتستعمل مركبة في الكلام على ضربين: أحدهما ما علم الواضع أنه يلزمه سبب البناء في التركيب، أعني مشابهة المبني، والثاني ما علم نه لا يلزمه ذلك
стр. 516
ففي الأول جوز وضع بناء بعضُهُ على أقل مِنْ ثلاثة نحو من وماوذا، وفي الثاني لم يجوز ذلك: إذ الثلاثة أقل أبنية المعرب، وأما أسماء حروف الهجاء والأصوات فمما لم يقصد بوضعها وقوعها مركبة، فلهذا جوز أيضاً وضع بعضها على أقل من ثلاثة، نحو بَا تَا ثَا وصَهْ وسَأْ (١) ، إذ ليست في نظره مركبة، فلا تكون في نظره معربة، وأما إن كان أول الساكنين من غير حروف اللين، ولا يكون إذن سكون ثانيهما إلا للوقف في حال الاستعمال لا بنظر الواضع، فلابد من تحريك الأول منهما بكسرة مختلسة خفيفة كما ذكرنا، حتى يمكن النطق بالثاني ساكناً، نحو عمرو وَبَكْرْ وَبِشْرْ، وإنما جوَّز هذا الشبيهُ بالتقاء الساكنين لما قلنا إن الوقف لطلب استراحة، فيحتمل معه أدنى ثقل، ولما استحال اجتماعهما إلا مع تحريك الاول وإن كان بحركة خفيفة اختار بعض العرب نَقْلَ حركة الحرف الموقوف عليه إلى الساكن الأول على التحريك بالكسرة الخفيفة التي اقتضاها الطبع كما ذكرنا، لفائدتين: إحداهما: دفع الضرورة من غير اجتلاب حركة أجنبية، والثانية إبقاء دليل الإعراب لكن فيما اختاره ضعفاً من جهة دوران الإعراب على وسط الكلمة فلذلك اجتنبه أكثر العرب قوله " يغتفر في الوقف مطلقاً " أي: سواء كان أولهما حرف لين كالمؤمنون والمؤمنين والمؤمنات، أولا نحو بكر عمرو، وقد عرفت أن الثاني ليس فيه التقاء الساكنين حقيقة، إذ هو مستحيل فيما أولهما فيه حرف صحيح قوله " وفي المدغم قبله لين في كلمة " احتراز من نحو (قالوا اطيرنا) وخافى الله، وخافا الله
стр. 517
قوله " خويْصَّة " تصغير خاصة قوله " تمودّ الثوب " فعل ما لم يسم فاعله من " تمد دنا الثوب " أي: مده بعضنا من بعض قوله " نحو ميم قاف عين " يعني به التقاء ساكنين ثانيهما لعدم موجب الإعراب، سواء كانت الكلمة من أسماء حروف التهجي كقاف لام ميم، أو من غيرها، كمرْصَاد ثَمُودْ عَمِيدْ، وسواء كان الحرف الأول حرف لين كما ذكرنا، أولا كعَمْرو بكر، وقد ذكرنا أن هذا الأخير شبيه بالتقاء الساكنين وليس به في التحقيق، وإنما جاز التقاء الساكنين في مثل هذ لكون الكلمات مُجْرَاة مجرى الموقوف عليه كما يجئ وإن لم تكن موقوفاً عليها قوله " وصلا " كما تصل عين بصاد في هذه الفاتحة، فسكون أواخرها ليس لأنها كانت متحركة ثم قطعت حركتها لأجل الوقف، بل لكونها مبنية على السكون، وقال جار الله (١) : هي مُعَرَّبة، لكنها لم تعرب لعريها عن سبب
стр. 518
الإعراب، وهذا منه عجيب، كيف يكون الاسم معرباً بلا مقتضٍ للاعراب؟
стр. 519
وإنما قلنا إنها لم تكن متحركة بحركة لأن الحركة إما إعرابية وكيف تثبت الحركة الإعرابية من دون سبب الإعراب الذي هو التركيب مع العامل؟ وإما بنائية، ولا يجوز، لأن بناء ما لم يثبت فيه سبب الإعراب أقوى من بناء ما عرض فيه مانع من الإعراب، فينبغي أن يكون أقوى وجهي البناء على أصل البناء، وهو السكون، لأن أصل الإعراب الحركة، وأصل البناء السكون، ثم نقول: إن (مثل) هذه الكلمات سواء كانت من أسماء حروف الهجاء أو من أسماء العدد كواحد اثنان ثلاثة، أو من غيرهما كزيد عمرو بكر، وإن اتصل بعضها ببعض في اللفظ، إلا أن آخر كل واحد منها في حكم الموقوف عليه، وإنما وجب ذلك فيها لأن كل كلمة منها مقطوعة عما بعدها من حيث المعنى، وإن كانت في اللفظ متصلة به، والدليل على كون كل واحدة في حكم الموقوف عليه إثبات ألف الوصل في اثنان إذا عددت ألفاظ العدد، وقلبُ تاء أربعة وثلاثة هاء، نحو واحد اثنان ثلاثة أربعة، اتفاقاً منهم، وألف الوصل تسقط في الدرج ولا ينقلب التاء هاء إلا في الوقف، فهذه أسماء مبنية على السكون أجْرَيْتَ عليها
حكم الوقف، كما يوقف على كَمْ ومَنْ وسائر الكلم المبنية على السكون، فيجري في آخر كل واحدة منها حكم الوقف، لعدم تعلق شئ منها بما بعده، كما أنه لما لم يتعلق نحو قوله تعالى: (بِسمِ الله الرحمن الرحيم) بما بعده من أول السورة كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ الله أحد) وقفت على الرحيم، لكن لا تسكت على كل واحدة كما هو حق الوقف في آخر الكلام التام، لأن ذلك إنما هو للاستراحة بعد التعب، ولا تعب ههنا بالتلفظ بكل كلمة، فمن حيث تُجْرِي أواخرها مجرى
стр. 520
الموقوف عليه قلبت التاء في ثلاثة أربعة هاء، ومن حيث وصلتها بما بعدها ولم تقف عليها نقلت حركة همزة أربعة إلى الهاء، على ما حكى سيبويه، كما ينقل في نحو مَسْأَلة، وقَدْ أفلح، ومثله قول الشاعر: ٧٠ - أقْبَلْتُ مِنْ عِنْدِ زِيَادٍ كَالْخَرِفْ * تَخُطُّ رِجْلاَيَ بِخَطٍ مُخْتَلِفْ * تُكَتِّبَان فِي الطَّرِيقِ لامَ الِفْ (١) بنقل حركة همزة ألف إلى ميم، ونقل المبرد عن المازني منع نقل حركة الهمزة في ثلاثة أربعة إلى الهاء، وسيبويه أوثق من أن تُرَدَّ روايته (٢) عن العرب، ولا سيما إذا لم يمنعها القياس، وفرق سيبويه بين ما سكونه بنظر الواضع كأسماء حروف التهجي وبين ما سكونه يعرض ند قصد التعديد نحو واحد اثنان ثلاثة، وزيد عمرو بكر، فقال: ما أصله الإعراب جاز أن يُشَمَّ فيه الرفع، فيقال واحد اثنان، بإشمام الرفع (وإنما أشم الرفع) دون غيره لأنه أقوى الاعراب
стр. 521
وأسبقه، وأما ألف لام ميم فلا يُشَمُّ شئ منها حركة لكونها أعرقَ في السكون من الأول، إذ سكون مثلها بنظر الواضع، ومنع الأخفش من الإشمام، ولا وجه لمنعه مع وجه الاستحسان المذكور، وعلى ما قاله سيبويه لا بأس بإشمام الرفع في المضاف في نحو غلام زيد إذا لم تركبه مع عامله قوله " وفي نحو الْحَسَن عندك، وآيْمُنُ الله يمينك، للالتباس " يعني إذا دخلت همزة الاستفهام على ما أوله همزة وصل مفتوحة لم يجز حذف همزة الوصل، وإن وقعت في الدرج، لئلا يلتبس الاستخبار بالخبر، لأن حركتي الهمزتين متفقتان، إذ هما مفتوحتان، وللعرب في ذلك طريقان: أكثرهما قلب الثانية
ألفاً محضاً، والثاني تسهيل الثانية بين الهمزة والألف، والأول أولى، لأن حق الهمزة الثانية كان هو الحذف، لوقوعها في الدرج، والقلب أقرب إلى الحذف من التسهيل، فإذا قلبت الثانية ألفاً التقى ساكنان لا على حدهما، لأن الثاني ليس بمدغم في نحو الْحَسَن ولا موقوف عليه كما شرطنا، وفي قولك " آلله " وإن كان مدغماً إلا أن المدغم ليس من كلمة حرف المد، ولا المدغم فيه، وإنما لم يحذف الالف المنقلبة من الهمزة لئلا يلزمهم ما فروا منه من التباس الاستخبار بالخبر، وهَوَّن ذلك كون الألف أمكن في المد من أخويه قوله " وحلقتا البطان " يقال في المثل: التقت حلقتا البطان، (١) إذا
стр. 522
تفاقم الشر، وذلك لأنهما لا يلتقيان إلا عند غاية هزال البعير أو فرط شد البطان قال: " فإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ وَأوَّلُهُمَا مَدَّةٌ حُذِفَت، نَحْوُ خَفْ وَقُلْ وَبِعْ وَتَخْشَيْنَ وَاغْزُوا وَارْمِي واغزن وارمن ويخشى الْقَوم ويغزو الْجَيْشُ وَيَرْمِي الْغَرَضُ " أقول: كان حق قوله " وحَلْقَتَا البطان شاذ " أو يكون بعد قوله " وَيَرْمِي الغرض " لأن حق الألف الحذف كما في " يخشى القوم " ولم تحذف
قوله " فإن كان غير ذلك " أي: إن كان التقاء الساكنين غيرَ ذلك المذكور، وذلك على ضربين: إما أن يكون أولهما مدة أولا، ونعني بالمدة حرفَ لين ساكناً، حركةُ ما قبله من جنسه، فإن كان فلا يخلو من أن يكون حذفُ المدة يؤدّي إلى لبس، أولا، فإن أدى إليه حرك الثاني، إذ المد لا يحرك كما في مسلمون ومسلمان، فإن النون في الأصل (١) ساكن، فلو حذفت الألف والواو للساكنين لالتبسا بالمفرد المنصوب والمرفوع المنونين، وكذا في يسلمان
стр. 523
ويُسْلِمون وتُسلمين لو حذفت المدّات لالتبس الفعل بالمؤكد بالنون الخفيفة في بدء النظر، وإن لم يؤدّ الحذف إلى اللبس حُذِفَ المدُّ، سواء كان الساكن الثاني من كلمة الأول كما في خَفْ وقُلْ وبِعْ، أو كان كالجزء منها، وذلك بكونه ضميراً مرفوعاً متصلاً، نحو تَخْشَيْن وتَغْزُونَ وتَرْمِينَ، كان أصلها تَخْشَى
وتَغْزُو وتَرْمِي، (١) فلما اتصلت الضمائر الساكنة بها سقطت اللامات للساكنين، أو بكونه أول نوني التأكيد المدغم أحدهما في الآخر، نحو اغزن وارْمِنَّ، فإنه سقط فيهما الضميران لاتصال النون الساكنة بهما، أو كان الساكن الثاني أول كلمة منفصلة كما في يَخْشَى الْقَوم، ويغزو الجيش، ويرمي الغرضَ (٢) وإنما حذف الأول إذا كان مدة مع عدم اللبس، وحرك هو إذا كان غيرَهَا نحو اضرِب اضْرِب إلا مع مانع كما في لَمْ يَلْدَهُ (٣) على ما يجئ، ولم
стр. 524
يحذف الثاني ولم يحرك هو في جميع المواضع لأن الثاني من الساكنين هو الذي يمتنع
التلفظ به إذا كان الأول صحيحاً، والذي يستثقل فيه ذلك إذا كان الاول حرف لين، وسبب الامتناع أو الاستثقال هو سكون الأول فَيُزَال ذلك المانع: إما بحذف الأول إذا استثقل عليه الحركة، وذلك إذا كان مداً، أو بتحريكه إذا لم يكن كذلك، وأما أول الساكنين فإنك تبتدئ به قبل مجئ الثاني فلا يمتنع سكونه ولا يستثقل، وإنما استثقل تحريك المد الذي هو الواو والياء لأن المطلوب من المد التخفيف وذلك بأن سكن حرف اللين وجعل ما قبله من جنسه ليسهل النطق به، وتحريكه نقض لهذا الغرض، وأما الالف فلا يجئ فيه ذلك، لأن تحريكه مستحيل، إذ لا يبقى إذن ألفاً، وإنما حذف الواو من اغْزُنَّ والياء من ارْمِنَّ وإن كان نون التأكيد كجزء الكلمة الأولى فيكون لو خُلِّي مثل الضَّالين وتمودَّ الثوب لأنها كلمة أخرى على كل حال، وليست بلازمة، فتعطي من جهة اللزوم حكم بعض الكلمة فإن قيل: فلم عد في نحو اضربانّ كجزء الكلمة فلم يحذف الألف؟ قلت: الغرض الفرق بين الواحد والمثنى، كما مر في شرح الكافية فنقول: النون من حيث لا يستثقل يمكن أن يكون له حكم جزء الكلمة، ومن حيث هو على حرفين وليس بلازم للكلمة ليس كجزئها، فحيث كان لهم غرض في إعطائه حكم الجزء أعطوه ذلك، أعني في نحو اضْرِبَانّ، وحيث لم يكن لهم غرض لم يعطوه ذلك كما في اغْزُنَّ وارْمِنَّ، وفي تمثيل المصنف باغْزُوا وارْمِي - نظراً إلى أن أصلهما اغْزُوُوا وارْمِيِي فسكنت اللام استثقالاً ثم حذفت لالتقاء الساكنين - نظر، لأن الواو والياء فاعلان يتصلان بالفعل بعد الإعلال، كما ذكرنا أول الكتاب (١) في تعليل ضمة قُلْتُ وكسرةِ بِعْتُ، فالحق أن يقال: الواو
стр. 525
والياء في اغزوا وارمي إنما اتصلا باغْزُ وارم محذوفي اللام، لا أنهما ثابتا اللام اعلم أن الضمائر المرفوعة المتصلة بالمجزوم والموقوف (١) نحو اغْزُوَا ولم يَغْزُوَا واغْزُوا ولَمْ تَغْزُوا واغْزِي ولم تَغْزِي وارْمِيَا ولم تَرْمِيَا وارْمُوا ولم تَرْمُوا وارْمِي ولم تَرْمِي وارْضَيَا ولم تَرْضَيَا وارْضَوْا ولم تَرْضَوْا وارْضَيْ ولم تَرْضَيْ، إنما تلحق الفعل بعد حذف اللام للجزم أو الوقف، كمل لحقت في اضْرِبَا وقُولُوا ولم يَضْرِبَا ولم يقولوا بعد الجزم والوقف، ثم تعود اللامات لحقوقها، لأن الجزم والوقف معها ليسا على اللام، ثم تسقط اللامات مع الواو والياء لاجتماع الساكنين بعد حذف حركاتها، ولا تسقط مع الألف نحو اغْزُوَا وارْمِيَا وارْضَيَا ولم يغزوا ولم تَرْمِيَا ولم تَرْضَيَا، لعدم الساكنين، ولم يقلب اللام ألفاً في ارْضَيَا وَاخْشَيَا حملاً على ترضيان وتخشيان، على ما يجئ في باب الإعلال قال: " وَالْحَرَكَةُ فِي نَحْوِ خف الله واخْشَوُا الله واخْشَى الله وَاخْشَوُنَّ وَاخْشَيِن غَيْرُ مُعْتَدّ بِهَا، بِخِلاَفِ نحو خَافَا وخَافَنَّ " أقول: يعني أن حركة الواو في اخْشَوُا الله وحركة اللام في خَفِ الله عرضتا لأجل كلمة منفصلة، وهي الله، فلم يعتد بها، فلم ترجع الألف المحذوفة لأجل سكون الواو واللام، وكذلك حركة واو اخشون ويا اخْشَينَّ لأن النون المتصلة بالضمير كالكلمة المفصلة، على ما قرر المصنف في آخر الكافية فإن قيل: هب أن النون كالكلمة المنفصلة عن الفعل بسبب توسط الضمير بيهما، أليست كالمتصلة بالضمير اتصالها باللام في خَافَنَّ؟ فلما كان حركة اللام في خَافَنَّ كالأصلية بسبب ما اتصل به: أي النون، فلذا رجع الألف المحذوفة في خف، فكذا كان ينبغي أن يكون حركة الواو والياء في اخْشَوُنَّ واخْشَيِنَّ، فكان ينبغي أن ترجع اللام المحذوفة فيهما لسكون الواو والياء المتصلين بهما
стр. 526
قلنا: بين اتصال النون بلام الكلمة وبين اتصالها بالضمير فرق، وذلك لأن النون إذا اتصلت لفظاً بالضمير فهي غير متصلة به معنى، لأنها لتأكيد الفعل لا لتأكيد الضمير، وأيضاً فإن لام الكلمة عريق في الحركة فاعتدَّ بحركته العارضة، بخلاف واو الضمير ويائه، فانها عريقان في السكون فإن قلت: أليس النون في نحو اضْرِبَانَّ بعد الضمير؟ فهلا حذفت الألف كما في اضْرِبَا الرَّجل؟ قلت: خوفاً من التباس المثنى بالمفرد كما مر، وأما حركة اللام في خافا وخافوا وخافي وخَافَنَّ فإنها مع عروضها صارت كالأصلية، بسبب اتصال الضمير المرفوع المتصل الذي هو كجزء الفعل، واتصالُ نون التأكيد بنفس الفعل، وكذا في لِيَخَافَا ولْيَخَافُوا ولْيَخَافَنَّ، مع أن حركات اللام في الكلمات المذكورة وإن كانت عارضة بسبب إلحاق الضمائر والنون، لكنها ثابتة الأقدام لأجل خروج اللام عن كونه في تقدير السكون، كما كان في قُمِ الليل ولم يَقُمِ الليل، إذ الجزم والوقف مع نون التأكيد المتصلة بلام الكلمة زالا بالكلية لصيرورتها معها مبنية على الحركة على (١) الأصح، كما مر في شرح الكافية، ومع اتصال
стр. 527
الضمائر البارزة في نحو قولا ولم يقولا وقولوا ولم يقولوا وقولي ولم تقولي بلا نون تأكيد ينتقل الجزم والوقف عن اللام إلى النون التي بعد اللام، ففي الحالتين لم يبق اللام في تقدير السكون، فلا جرم رجعت العينات، ولزوال الجزم والوقف تثبت اللامات في اغْزُوَن وليَغْزُوَنَّ واغْزُوَا هذا، وإنما لم يحذف أول الساكنين، أعني الألف في رمى وغزا، عند اتصال ألف المثنى في غَزَوَا وَرَمَيَا وأَعْلَيَانِ وحُبْلَيَان، بل قلبت واواً أو ياء كما رأيت، وحرك، خوفاً من التباس المثنى بالمفرد، أعنى رمى وغزا وأَعْلَى زيدٍ وحُبْلَى عمرو وإنما لم ترد اللام المحذوفة في مثل رَمَتْ وَغَزَتْ وإن تحركت التاء في غَزَتَا وَرَمَتَا لأن حركتهما وإن كانت لأجل الألف التي هي كالجزء، لكن تاء التأنيث الفعلية عريقة السكون، بخلاف لام قُوَما، كما مر، وأيضاً حق التاء أن تكون بعد الفاعل، لأنها علامة تأنيثه لا علامة تأنيث الفعل، فهي مانعة للألف من الاتصال التام كما قُلْنا في اخْشَوُنَّ واخْشَيِنَّ، على أن بعضهم جوز رَدَّ الألف في مثله، مستشهداً بقوله ٧١ - لَهَا مَتْنَتَانِ خَظاتَا كَمَا * أكَبَّ عَلَى سَاعِدَيْهِ النمر (١)
стр. 528
" قال: فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَدَّةً حُرِّكَ، نَحْوُ اذْهَبِ اذْهَبْ ولم أيله وألم الله واخْشَوُا الله وَاخْشَيِ الله، وَمِنْ ثَمَّ قِيْلَ اخْشَوُنَّ وَاخْشَيِنَّ لأَنَّهُ كالْمُنْفَصِلِ " أقول: اعلم أن أول الساكنين إن لم يكن مدةً وجب تحريكه، إلا إذا أدَّى تحريكه إلى نقض الغرض كما في لم يَلْدَهُ وانْطَلْق، كما يجئ، وإنما وجب تحريك الأول من دون هذا المانع لأن سكونه كما ذكرنا هو المانع
стр. 529
من التلفظ بالساكن الثاني، فيزال ذلك المانع بتحريكه، إذ لا يؤدي التحريك إلى استثقال كما أدى إليه تحريك حرف المد على ما ذكرنا ويستثنى من هذا الباب نون التأكيد الخفيفة في نحو قوله: ٧٢ - لا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ * تَرْكَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ (١) فإنه يحذف كما ذكرنا في شرح الكافية فرقا بينها وبين التنوين (٢)
стр. 530
ويستثنى أيضاً نون لَدُن، وحذفه شاذ، ووجهه مع الشذوذ أنه كان في معرض السقوط من دون التقاء الساكنين، نحو: ٧٣ - مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إِلَى مَنْحُورِهِ * يَسْتَوْعِبُ الْبَوْعَيْنِ مِنْ جَرِيرِهِ (١) فيجوز حذفه إذا وقع موقعاً يحسن حذف حرف المد فيه، وذلك لأجل مشابهته للواو، ولا يقاس عليه نون لم يكن، وإن شاركه فيما قلنا: من مشابهة