الإسلام إساغة تليق بقيادة الأمة الإسلامية والاضطلاع بزعامتها، ولم تنق رؤوسهم ولا نفوسهم من بقايا التربية القديمة، ولم يكن عندهم من روح الجهاد في سبيل الإسلام ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية والدنيوية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية- وهذا الحكم عام يشمل خلفاء بني أمية وبني العباس، حاشا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (م ١٠١هـ) .
تحريفات الحياة الإسلامية:
فظهر من ذلك ثلمات في ردم الإسلام لم تسد إلى الآن، ووقعت تحريفات في الحياة الإسلامية.
فصل الدين عن السياسة:
وقع فصل بين الدين والسياسة عملياً، فإن هؤلاء لم يكونوا من العلم والدين بمكان يستغنون به عن غيرهم من العلماء وأهل الدين فاستبدوا بالحكم والسياسة، واستعانوا- إذا أرادوا واقتضت المصالح- بالفقهاء ورجال الدين كمشيرين متخصصين، واستخدموهم في مصالحهم واستغنوا عنهم إذا شاؤوا، وعصروهم متى شاءوا، فتحررت السياسة من رقابة الدين، وأصبحت قيصرية أو كسروية مستبدة، وملكاً عضوضاً، وأصبحت السياسة كجمل
هائج حبله على غاربه، وأصبح رجال الدين والعلم بين معرضة للخلافة وخارج عليها، وحائد منعزل اشتغل بخاصة نفسه وأغمض العين عما يقع ويجري حوله، يائساً من الإصلاح، ومنتقد يتلهف ويتنفس الصعداء مما يرى ولا يملك من الأمر شيئاً، ومتعاون مع الحكومة لمصلحة دينية أو شخصية، ولكلٍّ ما نوى، وحينئذ انفصل الدين والسياسة، وعادا كما كانا قبل عهد الخلافة الراشدة أصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي، وأصبحت السياسة مطلقة اليد حرة التصرف نافذة الكلمة صاحبة الأمر والنهي، ومن ثمَّ أصبح رجال العلم والدين طبقة متميزة، ورجال الدنيا طبقة متميزة، والشقة بينهما شاسعة، وفي بعض الأحيان بينهما عداء وتنافس.
النزعات الجاهلية في رجال الحكومة:
ولم يكن رجال الحكومة حتى الخلفاء أمثلة كاملة في الدين والأخلاق، بل كان في كثير منهم عروق للجاهلية ونزعاتها، فسرت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة والاجتماع، وأصبحوا أسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم وميولهم، وزالت
стр. 107
رقابة الدين والأخلاق وارتفعت الحسبة وفقدت حركة الأمر المعروف والنهي عن المنكر سلطانها، لأنها لا تستند إلى قوة ولا تحميها حكومة، وإنما يقوم بها متطوعون لا قوة لديهم ولا عقاب، والدواعي إلى خلافها متوافرة قوية، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها، وأخلد الناس إلى الترف والنعيم وإلى الملاهي والملاعب، وانغمسوا في الملذات والشهوات واستهتروا استهتاراً، ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تُريك ما كان هنالك من رغبة جامحة إلى اللهو، وتهافت على الملاهي والملذات، ونهمة للجياة الدنيا وأسبابها، وبهذه السيرة، وبهذه الأخلاق المنحطة، ومع هذا الانهماك في الملاهي لا تستطيع أمة أتؤدي رسالة الإسلام، وأن تقوم في الدنيا مقام خلفاء الأنبياء، وتذكر بالله والآخرة وتحض على التقوى والدين، وأن تكون أسوة للناس في أخلاقها، بل لا تستطيع أن تتمتع بالحياة والحرية زمناً طويلاً: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ .
سوء تمثيلهم للإسلام:
وكان هؤلاء في كل ما يأتون ويذرون ممثلين لأنفسهم وسياستهم فقط، لا يمثلون الإسلام، ولا سياسته الشرعية، لا قانونه الحربي، ولا نظامه المدني، ولا تعاليمه الأخلاقية إلا في النادر ففقدت رسالة الإسلام تأثيرها وقوتها في قلوب غير المسلمين وضعفت ثقتهم به. وفي لفظ مؤرخ أوربي- بدأ الإسلام بالانحطاط، لأن البشرية بدأت تشك في صدق القائمين بتمثيل الديانة الجديدة.
قلة الاحتفال بالعلوم العملية المفيدة:
إن العلماء المفكرين منهم لم يعتنوا بالعلوم الطبيعية التجريبية والعلوم العملية المثمرة المفيدة اعتناءهم بعلوم ما بعد الطبيعة والفلسفة الإلهية التي تلقوها من اليونان وما هي إلا وثنيتهم القومية التي ترجموها في لغتهم الفلسفية، وأضفوا عليها لباساً من الفن، وما هي إلا ظنون وتخمينات وطلاسم لفظية لا حقيقة لها ولا معنى، وقد أغنى الله المسلمين عنها وكفاهم هذا البحث والتنقيب، وعملية تجزئة وتحليل في مسائل ذات الله وصفاته وما يتعلق بها أشبه بالتحليل الكيمياوي بما أنزل إليهم بينات من الهدى والفرقان وجعلهم على نور من ربهم، ولكن المسلمين لم يشكروا هذه النعمة العظيمة، وظلوا قروناً طويلة يجاهدون من هذه العلوم والمباحث في غير جهاد، ويضيعون ذكاءهم في مباحث فلسفية وكلامية لا تجدي نفعاً ولا تأتي بنتيجة، وليس
стр. 108
لها دعوة في الدنيا والآخرة، وتشاغلوا بها عن علوم واختبارات تسخر لهم قوى الطبيعة ويسخرونها لمصلحة الإسلام، ويبسطون بها سيطرة الإسلام المادية والروحية على العالم كله.
وكذلك اشتغلوا بمباحث الروح وفلسفة الإشراق ومسائل وحدة الوجود، وبذلوا فيها قسطاً كبيراً من أوقاتهم وجهودهم وذكائهم.
أما ما وصل إليه المسلون في العلوم الطبيعية والتجريبية، فإنه وإن كان أرقى من العصور السابقة وأكثر ثروة في العلم والاختبار، إلا أنه لا يتناسب مع فتوحهم الواسعة في دوائر
علمية أخرى، ولا يتلاءم مع المدة الطويلة التي تمتعوا بها في التاريخ، ولم يظهر فيها من النوابغ والعبقريين مثل ما ظهر في موضوعات أخرى.
وإن ما خلفوه من كتب في الطبيعيات والكونيات والتجارب العلمية، وإن ما كانت مما استفادت به أوربا في نهضتنا وأقرت بقيمتها، إلا أنها تتضاءل جداً أمام هذه المكتبة الهائلة الزاخرة التي أنتجتها أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر فقط، فمهما افتخرنا بآثار علماء الأندلس وحكماء الشرق، فإنها لا تعد شيئاً بجانب الإنتاج الغربي الضخم في العلم والحكمة والتجربة والاختبار، لا في الكمية ولا في الكيفية، ولا في الإبداع ولا في الابتكار، ولا في التدقيق العلمي ولا في الإتقان الفني، وإذا أرادت أن تعرف مقدار عناية الشرق الإسلامي بالناحية الروحية ونسبتها إلى الناحية العلمية والتجريبية فقارن بين كتاب الفتوحات المكية للشيخ ابن عربي مثلاً وبين أكبر كتاب في الطبيعيات والحكمة، تر فرقاً هائلاً في ضخامة المادة والعناية بالموضوع والجهاد في سبيله، وبذلك تعرف ذوق الشرق الغالب عليه.
الضلالات والبدع:
وكاد يحجب توحيد الإسلام النقي حُجُبٌ من الشرك والجهل والضلالة، وطرأت على النظام الديني بدع شغلت مكاناً واسعاً من حياة المسلمين وشغلتهم عن الدين الصحيح، وعن الدنيا وميزة المسلمين بين أمم الأرض وفضلهم إنما هو من هذا الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، وميزة هذا الدين وإعجازه في صحته وحفظه، لأنه يمتاز بأنه وحي الله وشريعته ووضعه المعجز وشرعه الحكيم ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فإذا عملت فيه عقول الناس ودخلت فيه أعمال الناس وأهواؤهم لم يكن له على الأديان التي حرفها أهلها، والنظم التي نسجتها أيدي
стр. 109
الناس إلا بمقدار ما فيه من الوحي المحفوظ والعلم المعصوم، ولم يكن ضامناً لسعادة الدنيا والآخرة، ولم يكن حقيقاً بأن تخضع له العقول وينجذب إليه الناس.
إنكار الدين على المسلمين وإهابته بهم:
ولا يغربن عن البال أن الدين لم يزل طول هذه المدة حياً محفوظاً من التحريف والتبديل، مهيباً بالمسلمين ناعياً عليهم انحرافهم عن طريقه، ولم يزل مناره عالياً وضوءه مشرقاً ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ولم يزل الكتاب والسنة يبعثان في نفوس القراء ثورة على الشرك والبدع، وعلى الجهالة والضلالة وثورة على أخلاق الجاهلية وعوائدها، وثورة على ترف المترفين واستبداد الملوك، ولم يزل ينهض بتأثيرهما في كل دور من أدوار التاريخ الإسلامي، وفي كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي رجال يقومون في هذه الأمة على طريق الأنبياء، يجددون لها أمر دينها، وينفخون فيها روح الجهاد، ويفتحون لها باب الاجتهاد، ويسعون لإقامة حكومة إسلامية على منهاج الخلافة الراشدة، فمنهم من استشهد في هذه السبيل، ومنهم من استطاع أن يمثل دوراً قصيراً يذكر بالخلافة الراشدة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ وهم مصداق الحديث الشريف: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله)) فتاريخ الجهاد والتجديد في الإسلام متصل لا تقطعه فترة، ومشاعل الإصلاح متسلسلة بعضها من بعض لم تطفئها العواصف (١) .
حسن بلاء العالم الإسلامي في القرن السادس:
في القرن السادس الهجري منَّ الله على العالم الإسلامي- الذي بدت عليه أمارات الضعف والشيخوخة بعد السلاجقة وتوزعه ملوك وأمراء في الأنحاء- بقادة
стр. 110
كبار حفظ الله بهم شرف الإسلام وعزته، وأعاد بهم الحياة إلى العالم الإسلامي المنهار، بدأت الغزوات الصليبية- التي كانت تهدف أولاً إلى الاستيلاء على الأماكن المقدسة عند المسيحيين- تتحدى الإسلام والمسلمين كلهم، وتهدد الجزيرة العربية ومهد الإسلام والدول المجاورة للشام، واستولى الصليبيون الأوربيون فعلاً على القدس وعلى عامة مدن الشام وقلاعه، وطمعوا في
مدينة الرسول ﷺ ، وكانوا أكبر خطر على الإسلام والمسلمين بعد فتنة الردة، هنالك قيض الله للإسلام عماد الدين أتابك زنكي (م ٥٤١هـ) الذي قارع الصليبيين وهزمهم في معارك كثيرة وفتح الرُّها، وقام بعده ولده العظيم الملك العادل نور الدين محمود زنكي (م ٥٦٩هـ) وصمم على إجلاء الصليبيين من الشام واسترداد القدس للمسلمين، ومات رحمة الله عليه قبل أن يكمل مهمته وخلفه في ذلك أحد رجاله ومرشحيه الملك الناصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر، وهو الرجل الذي هيأه الله لهذه المهمة العظيمة وجمع فيه من خصال الحزم والعزم والإخلاص والتجرد للغاية والحرص على الجهاد والتفاني في سبيله وعلو الهمة في نصر الإسلام وقتال أهل الكفر والبغي، وحسن القيادة وقوة التنظيم والصلاح والديانة والفتوة الفائقة والإنسانية السامية ومكارم الأخلاق ما لا يجتمع إلا في أفذاذ الرجال في العالم، فكان بذلك معجزة من معجزات الإسلام ودليلاً على أن الإسلام لم ينته دوره ولم يفقد الحيوية والإنتاج، وقد توحد العالم الإسلامي من بين نهر الفرات وبين النيل للمرة الأولى بعد مدة طويلة ليقاتل أوربا التي تدفقت جيوشها واندفع ملوكها وأمراؤها وقوادها الكبار ليهاجموا العالم الإسلامي، وقد اجتمع تحت لواء صلاح الدين للجهاد أجناس كثيرة من المسلمين لم تجتمع قبل، والتهبت شعلة الجهاد والغيرة الإسلامية بعد مدة طويلة، واستخدم صلاح الدين للجهاد كل ما وصل إليه العالم الإسلامي من العلم والاختراع وصناعة الحرب يومئذ، هو كل ما أوتي من الذكاء والصبر والتفكير وهزم الصليبيين في حطين عام (٥٨٣هـ) هزيمة منكرة وكسر شوكتهم وفتح القدس في العام نفسه واستولى على فلسطين لها وانحصر الصليبيون في " صور" فقط، ألقت أوربا أفلاذ أكبادها، وجاءت بحدها وحديدها واجتمعت جيوشها الكثيفة تحت قيادة القائد الكبير رتشارد Richard ملك انكلترا وكانت الحرب بين الصليبيين والمسلمين سجالاً حتى وقعت الهدنة سنة ٥٨٨هـ (٢ سبتمبر ١١٩٢ المسيحي) وجلا معظم الغزاة الصليبيين عن فلسطين ورجع رتشارد إلى
стр. 111
ملكه، وبعد ذلك بسنة استأثر الله بصلاح الدين.
ويحسن بنا أن ننقل هنا ما علق المؤرخ الانكليزي Stanley Lave people على هذه الهدنة في كتابه عن صلاح الدين، وبه نستطيع أن نعرف قوة العالم الإسلامي ووحدته تحت قيادة صلاح الدين:
((انتهت الحرب المقدسة التي استمرت خمسة أعوام، لقد كان المسلمون قبل انتصارهم في معركة حطين في يوليه سنة ١١٨٧م ولا يملكون قيراطاً من الأرض غربي نهر الأردن، أما في سبتمبر سنة ١١٩٢م لما وقع الصلح في الرملة فقد ملكوا البلاد كلها إلا سلسلة ضيقة تمتد من صور إلى يافا كان المسيحيون لا يزالون يملكونها، ولم تكن هذه الهدنة مما يخجل لها صلاح الدين ويتأسف، لقد بقي معظم ما فتحه الصليبيون في حوزة الإفرنج، ولكن كانت النتيجة تافهة جداً بالنسبة إلى خسائر الأموال والنفوس. فقد زحفت أوربا كلها إلى الأرض المقدسة لما استفزها البابا للغزو الصليبي، وبذل القيصر فريدرك وملوك انكلترا وفرنسا وصقلية وليوبولد النمساوي والدوق البرجندي والكونت الفلاندري مئات من النبلاء والمشاهير وأمراء الشعوب المسيحية وملك حكومة القدس المسيحية وملوك الحكومات النصرانية في فلسطين وفرسان طبقة الداوية وطبقة الإسبتار وأبطالها، لقد بذل هؤلاء كلهم كل ما في وسعهم للاستيلاء على القدس ولتزدهر الحكومة المسيحية التي كانت مركزها القدس، والتي أشرفت على الانقراض. ولكن ماذا كان مصير هذه الجهود كلها؟ مات القيصر فريدرك في هذه المدة، ورجع ملوك انكلترا وفرنسا إلى بلادهم ودفن كثير من زملائهم الأمراء والنبلاء في أرض إيليا وبقي القدس في حوزة صلاح الدين، كما كان، ولم يكن من حظ المسيحيين إلا إمارة عكة الصغيرة على الساحل.
لقد وقف العالم المسيحي وقفة رجل واحد إزاء المسلمين، ولكنه لم يستطع أن يزحزح صلاح الدين عن مكانه، كان جيش صلاح الدين قد أعياه الجهاد الطويل والمتاعب العظيمة، وقد ظل أعواماً طوالاً مرابطاً مناضلاً مكافحاً عدواً قوياً جداً لكن لم يسمع من جندي واحد أنين أو شكاة. أنهم لم يتأخروا يوماً في الحضور ولم يضنوا قط بالنفائس والنفوس كلما دعاهم صلاح الدين للجهاد وكلما استفزهم للقتال، وربما شكا أحد الأمراء التابعين له في بعض أودية دجلة البعيدة من هذه النجدة التي لا تكاد تنتهي ولكن قدموا بعوثهم وحضروا لجيوشهم
لنصرة
стр. 112
السلطان كلما طلبوا. وقد قاتل الجيش الموصلي بكل بطولة وحماسة في حرب أرسوف الأخيرة وكان السلطان واثقاً بأنه سيأتيه المدد من جيوش مصر والعراق وكذلك من جيش الشام الشمالي والمركزي. وكان التركمان والعرب والمصريون مسلمين وخدمة أوفياء للسلطان وحضروا كالعبيد كلما طلبهم السلطان وقد مزج السلطان هذه العناصر المختلفة مزجاً غريباً وألف بينهم رغم ما فيها من اختلاف في الجنس والقومية وما بين أفرادها من خلافات داخلية ومنافسات قبلية فكانوا كالجسد الواحد. وقد عانى السلطان بعض الصعوبة في توحيد هذه الأجناس، وقد ظهرت في بعض المناسبات بوادر الخلاف فقد تمرد الجيش في يافا مرة، ولكن رغم ذلك كله بقيت هذه الأمم المختلفة الأجناس إلى خريف سنة ١١٩٢ م خاضعة لأمر السلطان وظلت تجاهد في سبيل الله من سنة ١١٨٧ م العام الذي طلبها فيه صلاح الدين للجهاد، وفي خلال هذه المدة الطويلة لم يسجل التاريخ حادثة عصت فيها مقاطعة أو ثارت فيها دولة تابعة أو رئيس من الرؤساء، وكانت الآمال الكبيرة التي عقدت بنصيحتهم ومثابرتهم تعي الراسخين في الوفاء والجن الأقوياء، إنما علمنا قريباً من أقربائه في العراق ثار عليه، ولكن السلطان منَّ عليه بالعفو، وهدأ الرجل، وبذلك يعلم ما كان للسلطان من نفوذ غريب في دولته ورعيته، وانتهت الحرب التي استمرت خمسة أعوام وانتهت محنها ومتاعبها والسلطان هو الملك الوحيد من جبال الكرد إلى صحراء النوبة، وكان ملك بلاد الكرد ملك آرمينيا وسلطان قونية وقيصر قسطنطينية وراء هذه الحدود يحرصون على صداقة صلاح الدين ومساعدته، وما قبل صلاح الدين أن يكون عليه منة لأحد من هؤلاء، ولم يحضروا قط لنجدته إنما حضروا لتهنئته.
وكان صلاح الدين بطل هذه المعركة ومركز هذه الدائرة، وكان أخوه العادل هو الشخصية الثانية التي ظهرت على مسرح القتال، ولا نعرف أحداً من القواد والأمراء استولى عليه، وكان عنده مجلس حربي يستشيره في أمور الحرب، وقد وقع نادراً أن غلب رأي هذا المجلس الخاطئ على رأي السلطان الصحيح، كما كان أمام صور وعكة، ولكن لم يكن أحد من أعضاء هذا المجلس مستأثراً به دون غيره، لقد كان الإخوة والأبناء، وأبناء الإخوان، والزملاء القدماء، والولاة الجدد، والعقلاء، والقضاة الأذكياء، والمعتمدون الأوفياء،
والمتعصبون، والوعاظ، والعلماء كلهم متفقين على الجهاد، وقاتلوا تحت لوائه جنباً بجنب، وخدموه بكل ما
стр. 113
عندهم من قوة وكفاية ونصيحة، وكان كل يعلم أن صلاح الدين سيد الجميع وأميرهم، وكان قلب واحد وإرادة واحدة تسيطر عليهم في أزمات مختلفة وساعات عصيبة وحروب طاحنة، هو قلب صلاح الدين القوي وإرادته الحديدية)) اهـ.
فقر القيادة في العالم الإسلامي بعد صلاح الدين:
مات صلاح الدين بعدما قضى مهمته إلى حد بعيد، وانجلى الخطر القريب العاجل الذي كان يهدد كيان الإسلام ومركزه، وتراجع سيل الصليبيين وقد تعلموا دروساً مفيدة ودرسوا جوانب الضعف والقوة في كلتا الجبهتين، رجعوا ليستعدوا للصليبية الجديدة في القرن التاسع عشر المسيحي، وعاد المسلمون إلى سيرتهم الأولى من انقسام وتنافس، وتطاحن وغفلة، ولم يرزق العالم الإسلامي بعد ذلك قائداً مخلصاً للإسلام، مؤثراً لمصلحته على هواه، متجرداً للجهاد، محبباً تجتمع حوله القلوب مثل صلاح الدين الذي استطاع بحول الله وقوته وبمواهبه العظيمة أن يدحر أوربا كلها، ويحفظ للإسلام ملكه وشرفه، وعم لانحطاط في العالم الإسلامي واستفحل مع الأيام.
نتائج القرون المنحلة:
وظلت خلية الإسلام تعمل في أدوار الانحطاط أيضاً، ويظهر من الملوك والفاتحين أفراد هم أنموذج الصحابة والسلف الصالح في سيرتهم وأخلاقهم، في دينهم وتقواهم، وينهض في العالم الإسلامي رجال يتجمل التاريخ بذكرهم.
وكان المسلمون- رغم انحرافهم عن سيرتهم الأولى وطريقهم المثالي- أقرب إلى طريق الأنبياء وأطوع لله من الأمم الجاهلية المعاصرة لهم، وكان وجودهم ودولتهم أكبر عائق للجاهلية في انتشارها وازدهارها، وكانوا رغم نقائصهم أكبر قوة في العالم تهابها الدول، وتحسب لها كل حساب.
انهيار صرح القوة الإسلامية:
ولم تزل تضعف هذه القوة وتهن بدون أن يشعر بذلك الأجانب حتى إذا خضِّدت شوكة المسلمين في القرن السابع لما مزق التتار حكومة خوارزمشاه - المملكة الإسلامية الأخيرة- وسقطت بغداد في أيديهم زال ذلك الشبح المخيف
стр. 114
وسقط المجدار (١) ، فعاثت الطيور والوحش في الحقل، وتجاسر الناس على المسلمين وبلادهم.
ورث التتار والمغول تراث المسلمين وخلفوهم في الحكومة، وناهيك به بؤساً وشقاء للإنسانية وخراباً للعالم أن يتولى قيادة العالم أمة جاهلة وحشية ليس عندها دين ولا علم ولا ثقافة ولا حضارة.
стр. 115
الفصل الثالث
دور القيادة العثمانية
العثمانيون على مسرح التاريخ:
في ذلك الحين ظهر الترك العثمانيون على مسرح التاريخ، وفتح محمد الثاني بن مراد، وهو ابن أربع وعشرين سنة القسطنطينية العظمى عاصمة الدول البيزنطية المنيعة سنة ٧٥٣هـ (١٤٥٣ م) فتجدد رجاء الإسلام وانبعث الأمل في نفوس المسلمين، وكان الترك وعلى رأسهم آل عثمان موضعاً للثقة في قيادة الأمم الإسلامية وفي استرداد قوة المسلمين ومكانتهم في العالم، وكان فتحهم للقسطنطينية التي استعصت على المسلمين ثمانية قرون (١) دليلاً على كفاءتهم وقوتهم، وبلوغهم درجة الاجتهاد في صناعة الحرب، وحسن قيادتهم العسكرية وتفوقهم على الأمم المعاصرة في آلات الحرب واستخدامهم لمهمتهم قوة العلم والعمل. وكل ذلك ما لا غنى للأمة عنه.
تفوق محمد الفاتح في فن الحرب:
وقد كان محمد الفاتح- كما يقول درابر- يعرف العلوم الرياضية ويحسن تطبيقها على الفن الحربي، وكان قد أعد لهذا الفتح عدته، واستفاد كل ما في عصره من معدات حربية
قال البارون " كارادفور " (Barron Carra de vaux) في كتابه " مفكرو الإسلام " في الجزء الأول منه عند ترجمة محمد الفاتح:
((إن هذا الفتح لم يُقيَّض لمحمد الفاتح اتفاقاً، ولا تيسير لمجرد ضعف دولة بيزنطية، بل كان هذا السلطان يدبر التدابير اللازمة له من قبل، ويستخدم له كل ما
стр. 116
كان في عصره من قوة العلم، فقد كانت المدافع حينئذ حديثة العهد بالإيجاد، فأعمل في تركيب أضخم المدافع التي يمكن تركيبها يومئذ وانتدب مهندساً مجرياً ركب مدفعاً كان وزن الكرة التي يرمي
بها ٣٠٠ كيلو جرام، وكان مدى مرماه أكثر من ميل، وقيل: إنه كان يلزم لهذا المدفع ٧٠٠ رجل ليتمكنوا من سحبه، وكان يلزم له نحو ساعتين من الزمن لحشوه، ولما زحف محمد الفاتح لفتح القسطنطينية كان تحت قيادته ثلاثمائة ألف مقاتل، ومعه مدفعية هائلة، وكان أسطوله المحاصر للبلدة من البحر (١٢٠) سفينة حربية، وهو الذي- من قريحته- تصور سحب جانب من الأسطول من البر إلى الخليج وأزلق على الأخشاب المطلية بالشحم (٧٠) سفينة أنزلها في البحر من جهة قاسم باشا (١)) .
مزايا الشعب التركي:
وقد تفرد الشعب التركي المسلم تحت قيادة آل عثمان بمزايا اختص بها من بين الشعوب الإسلامية يومئذ واستحق بها زعامة المسلمين:
أولاً- أنه كان شعباً ناهضاً متحمساً طموحاً فيه روح الجهاد، وكان سليماً- بحكم نشأته وقرب عهده بالفطرة والبساطة في الحياة- من الأدواء الخلقية والاجتماعية التي أصابت الأمم الإسلامية في الشرق في مقتلها.
ثانياً- أنه كان متوفراً لديه القوة الحربية التي يقدر بها على بسط سيطرة الإسلام المادية والروحية، ويرد بها غاشية الأمم المناوئة وعاديتها، ويتبوأ بها قيادة العالم، فقد بادر العثمانيون في صدر دولتهم لاستعمال المعدات الحربية وخصوصاً النارية منها واهتموا بالمدافع وأخذوا بالحديث الأحدث من آلات الحرب، عُنوا بفن الحرب وتنظيم الجيوش وتعبئتها حتى صاروا في صناعة الحرب أئمة بغير نزاع، والمثل الكامل والقدوة لأوربا.
стр. 117
وكانوا يحكمون في ثلاث قارات: أوربا، وآسيا، وإفريقية، ملكوا الشرق الإسلامي من فارس حتى مراكش، ودوخوا آسيا الصغرى وتوغلوا في أوربا، حتى بلغوا أسوار " فيينا " وكانوا سادة البحر المتوسط من غير نزاع...... قد جعلوه بحيرة عثمانية لا أثر للأجنبي حوله وقد كتب معتمد القيصر بطرس الأكبر لدى الباب العالي أن السلطان يعتبر البحر الأسود كداره الخاصة فلا يباح دخوله لأجنبي، وأنشأوا أسطولاً عظيماً لا قبل لأوربا به حتى
اجتمعت لسحقه كل من عمارات البابا والبندقية وإسبانيا والبرتغال ومالطة عام ٩٤٥هـ -١٥٤٧م - ولكن لم تغن عنهم كثرتهم شيئاً.
وقد جمعت الإمبراطورية العثمانية في عهد سليمان القانوني الكبير بين السيادتين البرية والبحرية وبين السلطتين السياسية والروحية.
بلغت حدود الدولة العثمانية على ملك سليمان الطونة والصاوة (النهرية) في الشمال ونبع النيل والمحيط الهندي في الجنوب وسلسلة جبال القفقاس في الشرق وجبال أطلس في الغرب وهي مساحة تزيد على ٤٠٠ ألف ميل مربع.
وكان الأسطول العثماني مؤلفاً مما يزيد على ٢٠٠٠ مركب حربي، وكان القسم الشرقي من بحر سفيد وبحر الأدرياتيك ومرمرة وأزاق والأسود والأحمر وفارس في حوزته وتحت سيطرته.
ودخل كل مدينة شهيرة في العالم القديم ما عدا رومة في ضمن حدود الدولة العثمانية (١) ، وكانت أوربا كلها ترتعد منهم فرقاً، ويدخل ملوكها الكبار في ذمة ملوكهم، ويمسك أهل الديار عن قرع أجراس كنائسهم احتراماً للترك إذا نزلوا بها وأمر البابا أن يحتفل بعيد، وأن تقام صلوات الشكر مدة ثلاثة أيام لما أتاه نعي محمد الفاتح.
стр. 118
ثالثاً- كانوا في أحسن مركز للقيادة العالمية. كانوا في شبه جزيرة البلقان بحيث يشرفون منها على آسيا وأوربا، وكانت عاصمتهم واقعة بين البحرين الأسود والأبيض، وواصلة بين البرين آسيا وأوربا، فكانت خير عاصمة لأكبر دولة تحكم على آسيا وأوربا وأفريقية، حتى قال نابليون: ((لو كانت هناك دولة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها)) .
وكانت أوربا لها الخطر الكبير والشأن العظيم في المستقبل القريب، تزخر فيها القوى الحيوية وتجيش فيها صدورها عوامل الر قي، فكان في استطاعة الترك- لو وفق الله- أن يتقدموا في ميدان العلم والعقل ويسبقوا أمم أوربا النصرانية ويصبحوا أئمة العالم يقودونه إلى الحق والهدى قبل أن تملك أوربا زمام العالم وتقوده إلى النار والدمار.
انحطاط الأتراك في الأخلاق وجمودهم في العلم وصناعة الحرب:
ولكن من سوء حظ المسلمين- فضلاً عن سوء حظ الأتراك- أخذ الترك في الانحطاط والتدلي ودب إليهم داء الأمم من قبلهم: الحسد والبغضاء واستبداد الملوك وجورهم وسوء تربيتهم وفساد أخلاقهم وخيانة الأمراء وغشهم للأمة وإخلاد الشعب إلى الدعة والراحة، إلى غير ذلك من أخلاق الأمم المنحطة مما هو مبين في كتب التاريخ التركي، وليس هذا موضع تفصيله، وكان شر ما أصيبوا به الجمود في العلم والجمود في صناعة الحرب وتنظيم الجيوش، وقد نسوا قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ الخ. وقول النبي ﷺ : ((الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها)) ، وكان خليقاً بهم- لحرج مركزهم السياسي والجغرافي، وقد أحاطت بهم الدول الأوربية إحاطة السور بالمعصم - أن يجعلوا وصية القائد الإسلامي الكبير عمرو بن العاص ﵁ للمسلمين في مصر نصب أعينهم: ((واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم وتشوف قلوبهم إليكم وإلى داركم)) ولكن الترك وقفوا وتقدم الزمان، وتخلفوا وسبقت الأمم الأوربية.
стр. 119
الجمود العلمي في تركيا:
وقد وصفت الكاتبة خالدة أديب هانم هذا الجمود العلمي في تركيا وصفاً يحسن بنا أن ننقله هنا قالت:
((ما دامت فلسفة المتكلمين تهيمن على الدنيا ظل علماء الإسلام في تركيا يقومون بواجبهم ويحسنون القيام به، وكانت المدرسة السليمانية ومدرسة الفاتح مركزين للعلوم والفنون السائدة في ذلك الزمان، لكن لما نشط الغرب من عقال الفلسفة الإلهية والمباحث الدينية الكلامية ووضع أساس العلم الحديث والحكمة الجديدة فأحدث انقلاباً في العالم لم تعد جماعة العلماء تقدر على الاضطلاع بأعباء التعليم والقيام بواجبات المعلمين. كان يعتقد هؤلاء أن العلم لا يزال حيث كان في القرن الثالث عشر المسيحي لم يتجاوز ذلك المقام ولم
يتقدم، ولم تزل هذه الفكرة الخاطئة سائدة على نظامهم التعليمي إلى القرن التاسع عشر المسيحي)) .
((إن فكرة علماء تركيا والبلاد الإسلامية الأخرى هذه ليست من الدين في شيء، إن الفلسفة الإلهية أو علم الكلام الذي كان عند المسلمين أو النصارى، إنما كان مبنياً على فلسفة الإغريق، وكان الغلبة فيه لأفكار أرسطاطاليس الذي كان فيلسوفاً وثنياً، ويجدر بي في هذا المقام أن أقارن بإجمال بين عقلية العلماء المسيحيين والمسلمين)) .
((لم يتعرض القرآن الكريم بالتفصيل لمسألة خلق العالم الطبيعي، والقسط الأوفى في تعليمه والأهمية الكبرى للحياة الخلقية والاجتماعية، ومقصوده الأكبر فصل ما بين الحسن والقبيح والخير والشر، إنه جاء بشريعة للعالم، وكلما ذكر مسألة من مسائل ما بعد الطبيعة أو المعارف الروحية قلما نرى فيها تعقداً أو إشكالاً، إن أساس تعليمه التوحيد، فكان الإسلام ديناً سمحاً بسيطاً، وهو أفسح صدراً للنظريات الجديدة عن العالم الطبعي من الأديان الأخرى بكثير، ولكن هذا التسامح وهذه البساطة التي كانت تساعد في التحقيق العلمي الجديد لم تطل مدتها في حياة المسلمين. قيد العلماء والمتكلمون في القرن التاسع الهجري الإلهيات- فضلاً عن الفقه- بسلاسل وقيود، وأوصدوا باب التحقيق والاجتهاد، في ذلك الوقت تغلغلت أفكار أرسطاطاليس في الفلسفة الإسلامية)) .
((بالعكس من ذلك الدين المسيحي- الذي هو أولى بأن يسمى دين الراهب
стр. 120
بولس- فإن (سفر بدء التكوين) يحتوي على تفصيل للعالم الطبيعي، وإذ آمن النصارى بأنه كلام الله كان الواجب عليهم أن يقرروا صدقه، ولما كانت المشاهدة لا تؤيدهم في هذا التأويل لجأوا إلى الاستدلال وتمسكوا بأهداب أرسطاطاليس، لأن منطقه يعمل عمل السحر)) .
((ولما بدأ الغرب في دراسة الطبيعة بواسطة المشاهدة والاختبار والتحليل والتجزئة سقط في أيدي رجال الكنيسة، ولما وصل العلماء بطرق عملية إلى اكتشافات مهمة خاف علماء النصرانية على سيادة الكنيسة أن تنقرض، فحدث صراع عنيف بين الدين والعلم، وذهب كبار علماء الطبيعة الذين كانوا عاكفين على دراستهم وتحقيقهم ضحية علمهم)) .
((واضطرت الكنيسة النصرانية بعد المعارك الدموية بين الدين والعلم أن تواجه الواقع، فأدخلت علوم الطبيعة في برنامج مدارسها وكلياتها، وأصبحت جامعاتها التي لم تكن تختلف بالأمس عن مدارس المسلمين، مركزاً للعلوم الطبيعية والعلوم لحديثة، ولم تهجر مع هذا فلسفتها، وكان نتيجة ذلك أن ظل للكنيسة سلطان على فريق من الطبقة المثقفة، وكان للقسس الكاثوليك والبروتستانت مشاركة في العلوم الحديثة، وكانوا يقدرون على أن يباحثوا الناشئة في كل موضوع)) .
((وكان العلماء في تركيا العثمانية على الضد من ذلك، فلم يعنوا باكتساب العلوم الحديثة، بل منعوا الأفكار الجديدة أن تدخل في منطقتهم، وإذ كانوا متصرفين بزمام تعليم الأمة الإسلامية ولم يسمحوا لشيء طريف بأن يقرب منهم، فإن الجمود قد تغلب على نظامهم التعليمي، وكانت مشاغلهم السياسية قد طغت في دور الانحطاط، وكانت تسمح لهم بأن يتحملوا متاعب المشاهدة والاختبار، فلم يكن لهم إلا أن يلحوا على فلسفة أرسطاطاليس، ويبنوا علمهم على لاستدلال، فلم تزل المدارس الإسلامية في القرن التاسع عشر المسيحي، كما كانت في القرن الثالث عشر المسيحي (١)) .
стр. 121
الانحطاط الفكري والعلمي العام:
ولم يكن الجمود العلمي والكلال الفكري مقتصرين على تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب، بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصاباً بالجدب العلمي، وشبه شلل فكري، قد أخذه الإعياء والفتور، واستولى عليه النعاس. ولعل القرن التاسع- إذا لم نقل القرن الثامن- آخر قرون النشاط والتوليد والابتكار في الدين والعلم، والأدب والشعر والحكمة، والقرن العاشر أول قرون الخمود والتقليد والمحاكاة، وترى هذا الخمود عاماً شاملاً للعلوم الدينية والفنون الأدبية والمعاني الشعرية والإنشاء والتاريخ ومناهج التعليم، فلا تجد في كتب التراجم التي ألفت للعصور الأخيرة من تطلق عليه لقب العبقري، أو النابغة أو المحقق
على الأقل، أو من جاء في فن من الفنون بشيء طريف مبتكر، أو زاد في العلم زيادة حسنة إذا استثنينا بعض الأفراد في أطراف العالم الإسلامي، كالشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي (م١٠٢٤هـ) صاحب الرسالة الخالدة في الشريعة والمعارف الإلهية، والشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي (م١١٧٦هـ) صاحب حجة الله البالغة وإزالة الخفاء والفوز الكبير ورسالة الإنصاف، وابنه الشيخ رفيع الدين (م١٢٣٣هـ) صاحب تكميل الأذهان وأسرار المحبة، والشيخ إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله الدهلوي (م١٢٤٦هـ) صاحب منصب الإمامة والعبقات والصراط المستقيم (١) .
ولا نقرأ في شعر هذه العصور الأخيرة على كثرة ما نظم وقيل فيها شعراً مطبوعاً يعلق بالذهن أو إنشاء مترسلاً ينشرح له الصدر، ترى أدباً فاتراً بارداً قد أفسده التأنق في الحلية اللفظية والمبالغة والتهويل في الألفاظ والمعاني وكثرة التملق في المدح والغزل بالمذكر في الشعر، والتكلف حتى في الرسائل الإخوانية والأغراض الطبيعية والسجع البارد حتى في كتب التاريخ والتراجم.
стр. 122
كذلك حلقات التعليم قد رحلت عنها كتب المتقدمين وحلت محلها كتب المتأخرين المتكلفين وغصت بالحواشي والتقريرات والتلخيصات والمتون التي ضن فيها مؤلفوها على القرطاس، وتعمدوا التعقيد والغموض، وكأنهم ألفوها في صناعة الاختزال، وكل ذلك ينبئ عن الانحطاط الفكري والعلمي الذي حل بالعالم الإسلامي وتغلغل في أحشائه.
معاصرو العثمانيين في الشرق:
وعاصرت الدولة العثمانية دولتان قويتان في الشرق، إحداهما الدولة المغولية التي أسسها بابر التيموري (سنة ٩٣٣هـ ١٥٤٦م) وكان معاصراً للسلطان سليم الأول وتوالى على عرشها ملوك من أعظم المسلمين شوكة وأبهة وقوة حربية واتساع مملكة، وكان أعظمهم أورنك زيب، وكان آخر الملوك التيموريين الأقوياء وأوسعهم مملكة وأعظمهم فتوحاً وأمتنهم ديانة وأعرفهم بالكتاب والسنة، وقد عاش أكثر من تسعين سنة وحكم
خمسين وتوفي (سنة ١١١٨هـ) أي في فجر القرن الثامن عشر المسيحي، وهو عصر مهم جداً في تاريخ أوربا ولكنه لم يكن هو ولا سلفه على شيء من الاتصال بما كان يجري في أوربا وما تتمخض به من حودث جسام، وما يفور في صدره من عوامل الرقي والنهضة، وكانوا ينظرون إلى من يغشاهم من تجار أوربا وأطبائها أو سفراء دولها- على قلة ورودهم من هذه البلاد النائية- نظر الاستخفاف والاحتقار.
وكانت تصاقب دولتهم في أفغانستان الدولة الصفوية، وكانت راقية متحضرة ولكنها شغلت بنزعتها الشيعية وبالهجوم على الدولة العثمانية مرة والدفاع عن نفسها مرة أخرى.
وانحصر هاتان الدولتان في قطرهما وكانت بمعزل عما يقع في الشرق الأدنى فضلاً عن الغرب، وفي البلاد الإسلامية فضلاً عن البلاد الأجنبية، أما التحالف والتكتل فلم يكن يخطر من أحد منهم على بال، وذلك مما طبعت عليه الدول الشرقية والحكومات الشخصية ووصى بها الآباء والأبناء، وكذلك دراسة أحوال أوربا العلمية والحربية واقتباس العلوم والصنائع من الخارج فلم يكن يدور بخلد إنسان في ذلك العصر.
стр. 123
نهضة أوربا الجاهلية وسيرها الحثيث في علوم الطبيعة والصناعات:
وكان القرن السادس عشر والسابع عشر المسيحي من أهم أدوار التاريخ الإنساني الذي له ما بعده، قد استيقظت فيه أوربا من هجعتها الطويلة، وهبت من مرقدها مجنونة تتدارك زمان الغفلة والجهل وتعدو إلى غايتها عدواً، بل تطير إليها بكل جناح، تسخر قوى الطبيعة وتفضح أسرار الكون، وتكشف عن بحار وقارات كانت مجهولة وتفتح فتوحاً جديدة في كل علم وفن وفي كل ناحية من نواحي الحياة ونبغ في هذه المدة القصيرة رجال ومبتكرون في كل علم وعبقرية أمثال كوبرنيكس (Copernicus) وبرونو (Brunoe) وغليليو (Galilio) وكبلر (kepler) ونيوتن (Newton) ، وغيرهم الذين نسخوا النظام القديم وأسسوا نظاماً حديثاً واكتشفواعوالم في العلم، ومن الرحالين المكتشفين أمثال كلمبس (Columbus) وفاسكودي غاما (Vasco Dagama) ومجلن (Maglin) . كان تاريخ الأمم في هذا الدور في صياغة وسبك، وكانت نجوم الأمم
والشعوب بعضها في أفول وبعضها في طلوع، يصير الآفل منها طالعاً والطالع آفلاً، وكانت ساعة في ذلك الزمان تساوي يوماً بل أياماً، ويوم يساوي عاماً بل أعواماً، فمن ضيع ساعة فقد ضيع زمناً.
تخلف المسلمين في مرافق الحياة:
ولكن المسلمين لم يضيعوا ساعات وأياماً بل ضيعوا أحقاباً وأجيالاً انتهزت فيها الشعوب الأوربية كل دقيقة وثانية، وسارت سيراً حثيثاً في كل ميدان من مادين الحياة وقطعت في أعوام مسافة قرون.
ومما ينبئ عن مقدار خمول تركيا في ميدان العلوم والصناعات أن صناعة السفن لم تدخل في تركيا إلا في القرن السادس عشر المسيحي، ولم تدخل المطابع في العاصمة والمحاجر الصحية في هذه الدولة إلا في القرن الثامن عشر، وكذلك مدارس الفنون الحربية على النسق الأوربي. وفي آخر هذا القرن كانت تركيا بمعزل عن الصناعات والاكتشافات، حتى لما شاهدوا بالوناً يحلق فوق العاصمة ظنوه من أعمال السحر والكيمياء. قد سبقتها دول أوربا الصغيرة في الأخذ بأسباب المدنية والرفاه العام، وحتى سبقتها مصر في اتخاذ السكك الحديدية واستعمال القطارات بأربعة أعوام وفي استعمال طوابع البريد ببضعة أشهر.
стр. 124
تخلفهم في صناعة الحرب:
ولم يكن انحطاط المسلمين في العلوم النظرية والحكمية والمدنية فحسب، بل كان هذا الانحطاط عاماً شاملاً، حتى تخلفوا عن أوربا في صناعة الحرب التي كان التركي في الزمن الأخير ابن بجدتها وأبا عذرتها، قد أقرّ بفضلهم وتبريزهم فيها العالم، ولكن سبقتهم أوربا باختراعها وقوة إبداعها وحسن تنظيمها حتى هزمت جيوشها الجيوش العثمانية هزيمة منكرة (سنة ١٧٧٤م) وظهر سبقها في ميدان القتال أيضاً فانتبهت الدولة العثمانية بعض الانتباه، وانتدبت الماهرين الأوربيين لتنظيم الجيش وتربية العساكر، وعُني السلطان سليم الثالث في فجر القرن التاسع عشر بالإصلاح، وكان عصامياً قد نشأ وتعلم خارج البلاط- خلافاً
لسابقيه- وأنشأ مدارس جديدة وكان يُعلم بنفسه في مدرسة الهندسة، وألف جيشاً على الطراز الحديث، وأدخل تعديلات وتحسينات في النظام السياسي، وقد بلغ الشعب حداً كبيراً من الجمود والمحافظة على القديم في كل شيء حتى ثار عليه الجيش القديم واغتاله، وخلفه محمود الثاني الذي حكم من سنة ١٨٠٧ م إلى سنة ١٨٣٩ م، ومن بعده عبد المجيد الأول (١٨٣٩م- ١٨٥١ م) فخلفا سليماً الثالث في مهمته وتقدمت تركيا بعض التقدم.
قارن هذا الشوط الذي قطعته تركيا الإسلامية في ميدان الرقي والتقدم، بالأشواط التي قطعتها أوربا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر تجد الفرق هائلاً، فلم يكن جريمها في الميدان إلا مسابقة بين سلحفاة وأرنب، إلا أن الأرنب ساهر دائب في عمله، والسلحفاة قد يغلبها النوم وتغفي إغفاءه.
стр. 125
الباب الرابع
العصر الأوربي
الفصل الأول
أوربا المادية
طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها:
قبل أن ننظر ماذا أثّر تحول القيادة من الأمم الإسلامية إلى الأمم الأوربية في عقلية العالم وأخلاق الشعوب والأمم والمدنية والاجتماع واتجاهات الإنسانية وميولها، وماذا جنى منه النوع الإنساني، وهل كان ربحه أكثر من خسارته ورزئه أو بالعكس؟ .. يجب علينا أن نعرف طبيعة الحضارة الغربية ووضعها وروحها وفلسفة حياة هذه الأمم وكيف نشأت؟
ليست الحضارة الغربية في القرن العشرين المسيحي وليدة هذه القرون المتأخرة التي تلت القرون المظلمة في أوربا أو حديثة كما يتوهم كثير من الناس، بل يرجع تاريخها إلى آلاف من السنين، فهي سليلة الحضارة اليونانية الحضارة الرومية قد خلفتهما في تراثهما السياسي والعقلي والمدني، وورثت عنهما كل ما خلفتا من ممتلكات ونظام سياسي وفلسفة اجتماعية، وتراث عقلي وعلمي، وانطبعت فيها ميولهما ونزعاتهما وخصائصهما. بل انحدرت إليها في الدم، فقد كانت الحضارة اليونانية أول مظهر رائع - حفظه لنا التاريخ - للعقلية الأوربية. وأول حضارة - سجلها التاريخ - قامت على أساس الفلسفة الأوربية تجلت فيها النفسية الأوربية، وعلى أنقاضها قام صرح الحضارة الرومية تحمل روحاً واحدة هي الروح الأوربية، وظلت الشعوب الأوربية طيلة قرون محتفظة بخصائصها وطبيعتها، وارثة لفلسفتها وعلومها وآدابها وأفكارها، حتى برزت بها في القرن التاسع عشر في ثوب برّاق يوهمك - بطلاوته وزهو ألوانه - أنه جديد النسج ولكن لحمته وسداه من نسج اليونان والرومان.
стр. 126
إذاً يحسن بنا أن نتعرف بالحضارة اليونانية والرومية أولاً وأن نعرف طبائعهما وروحهما، حتى نكون على بصيرة في انتقاد الحضارة الغربية والحكم عليها في القرن العشرين
خصائص الحضارة الإغريقية:
اليونان أمة موهوبة، من أنجب أمم العالم وأذكاها وأكثرها استعداداً للعلم والأدب، ومن أخصبها أذهاناً وعقولاً، وقد مثلت في العالم دوراً خالداً بفلسفتها وأدبها ووفرة من نبغ فيها من العلماء والحكماء والعبقريين تزهو بآثارهم مكتبات العالم.
والذي يعنينا الآن هو أن نعرف طبيعة الحضارة التي أنشأوها، فإذا نظرنا فيها نظرة تحليل وانتقاد وصرفنا النظر عما تشترك فيه مع الحضارات من مظاهر وظواهر وبحثنا عن طبيعتها وخصائصها وجدنا من المزايا التي تمتاز بها عن المدنيات الأخرى - خصوصاً المدنيات الشرقية - ما يلي:
(١) الإيمان بالمحسوس وقلة التقدير لما لا يقع تحت الحس.
(٢) قلة الدين والخشوع.
(٣) شدة الاعتداد بالحياة والاهتمام الزائد بمنافعها ولذائذها.
(٤) النزعة الوطنية.
ويمكن أن نحصر هذه المظاهر المتشتتة في كلمة مفردة هي ((المادية)) فكانت الحضارة اليونانية شعارها ((المادية)) وهي التي ينم بها كل ما يتصل باليونان من ثقافة وعلم وفلسفة وشعر ودين، فلم يستطيعوا أن يتصوروا صفات الله وقدرته إلا في شكل آلهة نحتوا لها تماثيل وبنوا لها معابد وهياكل، فللرزق إله وللرحمة إله، وللقهر إله، ثم نسبوا إليها كل ما يختص بالجسم المادية ونسجوا حولها من أساطير وخرافات، وصوروا المعاني المجردة وتصوروها في أجسام وأشكال؛ فللحب إله وللجمال إله، وليس نظام العقول العشرة والأفلاك التسعة في فلسفة أرسطاطاليس إلا رشحه من رشحات هذه المادية التي تتخلى عنها الطبيعة اليونانية.
وقد سلم العلماء الأوربيون بغلبة المادية في الحضارة اليونانية، ونوهوا بها في كتبهم وبحوثهم العلمية، وقد ألقى العالم الألماني الدكتور ((هاس)) (Haas) ثلاث
стр. 127
محاضرات في جنيف عنوانها ((ما هي المدينة الأوربية؟)) وهو من العلماء الذين يرون أن المدنية الغربية لم تتأثر بالشرق، وأنها مدينة مفردة ممتازة، ونلخص هنا كلامه فيما نحن بصدده:
((المدنية اليونانية هي مركز المدينة الغربية الحاضرة، وكان المهم عند رجالها نشوء قوى الإنسان نشوءاً مناسباً وكان المثل الكامل عندهم الجسم الجميل المتناسب، وليس هذا إلا اعتداداً بالمحسوسات اعتداداً كبيراً، وكان أكبر عنايتهم بالرياضة البدنية والألعاب الرياضية والرقص وغيره، وكان التثقيف الذهني الذي يحتوي على الشعر والغناء والتمثيل والفلسفة وعلوم الطبيعة لا يتجاوز حداً خاصاً حتى لا يكون ارتقاء الذهن على حساب الجسم، وكان الدين خلواً من الروحانية المعنوية؛ لم يكن فيه علم الدين ولا طبقة رجال الدين. أما اللون الروحي الذي في تقاليد ((أزفس)) وغيرها فإنما هو مستعار من الشرق ولا يصح أن ينسب إلى المدينة اليونانية)) .
ولاحظ كثير من العلماء الأوربيين رقة الدين في اليونان وقلة الخشوع والجد في أعمالهم وكثرة اللهو والطرب في حياتهم. يقول ليكي في كتابه ((تاريخ أخلاق أوربا)) : ((إن الحركة اليونانية كانت عقلية وذهنية محضة، وكانت الحركة المصرية بالعكس من الأولى، روحية باطنية. وينقل ((أبوليس)) المؤلف الرومي قوله: ((إن المصريين كانوا يعظمون آلهتهم بالتضرع والبكاء، وكان اليونانيون يعظمون آلهتهم بالرقص والغناء)) ويعلق عليه بقوله: ((لا ريب أن التاريخ اليوناني يصدق ذلك ويؤيده، فلا نعلم ديناً من الأديان يزاحم دين اليونان وتقاليده في كثرة الأفراح والأعياد والألعاب وفي قلبه الخشية والخشوع، فلم يكن اليونان يعظمون الله تعالى إلى كما يعظمون شيوخهم وعظماءهم، وكانوا يكتفون في تعظيمه وتمجيده برسوم عادية وتقاليد جارية)) .
وكان لليونان فلسفة إلهية وعقائد يستغرب معها الخشوع لله وعبادته والتضرع له والالتجاء إليه والاطراح على عتبته، فإن من ينفي الصفات عن الله تعالى ويعطله وينفي عنه الاختيار والأفعال والخلق والأمر في هذا الكون، ويربط هذا العالم بما يسمونه ((العقل الفعال وحركات الأفلاك)) فإنه بطبيعة هذه العقيدة لا يقصد الله في حياته العملية إلا تقليداً، ولا يرجوه ولا يهابه ولا يحبه ولا يخر لعظمته، ولا يستغيث به في شدته ولا يسبح بحمده ويعيش كأنه إله ولا رب؛ فإذا سمعنا أن اليونان لم يكونوا خاشعين لله وكانت عبادتهم وأعمالهم الدينية
стр. 128
أجساداً بغير أرواح، وأنهم كانوا يعظمون الله كما كانوا يعظمون شيوخهم وكبارهم
لم نستغربه البتة، وإنما نتعجب إذا سمعنا عكس ذلك، وقد أثرت شدة الاعتداد بالحياة الدنيا والمبالغة في قيمتها، وكذلك الولوع بالتماثيل والصور والغناء والموسيقى التي يسميها اليونان الفنون الجميلة ولهج الأدباء والمؤلفين بالحرية الشخصية التي لا تعرف قيداً ولا تقف عند حد تأثيراً سيئاً في أخلاق اليونان ومجتمعها، فانتشرت الفوضى في الأخلاق وحدثت ثورة على كل نظام، وأصبح شعار الرجل الجمهوري (وهو كناية عن الحر والمتنور) الجري وراء الشهوات العاجلة، وانتهاب المسرات، والتهام الحياة التهام الجائع النهم. يصف سقراط - كما ينقل عنه أفلاطون في كتابه ((المملكة)) - الرجل الجمهوري فكأنما يصف ناقد من نقاد هذا القرن فتى القرن العشرين في إحدى عواصم المدينة الغربية:
((إذا قيل له: إن بعض المسرات من الرغبات التي هي طيبة وتستحق الاحترام وبعضها من الشهوات التي هي قبيحة، وإن الأولى ينبغي أن يعمل بمقتضاها وتحترم والأخرى مما ينبغي أن يمنع عنها ويقام عليها الحجر، لم يقبل هذا الرجل هذا القانون الصحيح ولا يسمح بسماعه؛ فإذا عرضت عليه هذه الحقائق أنغض إليك رأسه مستهزئاً وأكد أن جميع الشهوات سواء وتستحق الاحترام بغير فرق بينها، وهكذا يعيش ويقضي أيامه مرضياً شهواته التي تعتريه أحياناً، ذات يوم تراه سكران ثملا مصغياً إلى الغناء، وفي يوم آخر تراه صائماً يجتزئ بالماء، وتارة يدخل في التربية والتمرين، وأخرى تراه كسلان عاطلاً يهمل كل شيء، ومرة تراه يعيش عيش فيلسوف، وأحياناً يدخل في السياسة وينهض ويخطب بمقتضى الوقت، ربما يمدح بعض رجال الحرب والجندية ويميل إليهم أو يشرع في التجارة لأنه يغبط التاجر الرابح، ليس لحياته نظام ولا ضبط ولكنه يعد هذه الحياة هنيئة ناعمة سارة ويواصلها إلى النهاية)) .
أما الوطنية فهي من لوازم الطبيعة الأوربية، وهي أظهر وأقوى في أوربا منها في آسيا، وقد أغرى بذلك الطبيعة الجغرافية وأوحته، لأن المناطق الطبيعية في آسيا واسعة جداً وتشمل على مناخات وعلى أجيال وأنواع كثيرة للبشر، وهي غنية مخصبة في وسائل المعيشة؛ فالمملكة في القارة الآسيوية تجنح بحكم الطبيعة إلى السعة والعموم، وظهرت في أرضها وازدهرت أوسع ممالك عرفها التاريخ، أما في
стр. 129
أوربا فالتنازع على البقاء فيها شديد، والكفاح للحياة دائم مستمر، لتزاحم العمران وضيق المناطق وقلة وسائل المعيشة، وقد حصرت الجبال
والأنهار الأجناس الأوربية، في نطاق طبعي دائم، وبالأخص الجزء الأوسط الغربي والجزء الجنوبي من أوربا، لا يسمح لممالك واسعة عظيمة، وقد شاءت طبيعة هذه القارة أن تكون منشأ لممالك ضيقة صغيرة، لذلك كان التصور السياسي في أوربا في القديم لا يكاد يجاوز ممالك بلدية لا تزيد منطقتها على أميال مستقلة استقلالاً تاماً، وأكبر مظهر لهذا التصور أرض يونان حيث وجدت من فجر التاريخ عشرات من مدن صغيرة مستقلة.
فلا عجب إذا كان اليونان يدينون بالوطنية وينتحلونها، وقد سلم ((ليكي)) أن الفكرة الوطنية هي الفكرة السائدة في اليونان، وكانت الفكرة العالمية التي قد نطق بها بعض حكمائهم كسقراط وانكساغورس شاذة لم تنل أنصاراً وانتصاراً في يونان، فكان نظام أرسطاطاليس الأخلاقي مبنياً على التمييز بين اليوناني وغير اليوناني، وكان حب الوطن يتقدم فضائل الأخلاق التي أجمع عليها حكماء اليونان، وأن أرسطاطاليس لم يكتف بحب وطنه والولاء له فحسب؛ بل قال: إن اليونانيين ينبغي لهم أن يعاملوا الأجانب بما يعاملون به البهائم؛ وقد راجت هذه الفكرة الوطنية الضيقة في الأوساط اليونانية وتغلغلت في الأحشاء، حتى لما قال فيلسوف إنه لا يخص مواطنيه بمواساته بل سيكون بره عاماً لجميع اليونانيين استشرفه الناس عجباً ونظروا إليه شزراً.
خصائص الحضارة الرومية:
خلف اليونان الروم وفاقوهم في القوة والتنظيم للمملكة واتساع الدولة وصفات الجندية، ولكن لم يلحقوا بهم بعد في العلم والفلسفة والآداب والشعر والتهذيب واللباقة والمدنية التي كان للإغريق فيها فضل وتقدم على جميع الأمم المعاصرة وعلى الروم أيضاً الذين كانوا لا يزالون في دورهم العسكري، فخضعوا لهم علمياً وتطفلوا على مائدتهم واقتبسوا من علومهم وفلسفتهم وأفكارهم.
يقول ليكي:
((إن اليونان كانت لهم ثروة علمية ضخمة أنتجوها وزادوا فيها على مر القرون والعصور، وكانت رومة لا تزال في طورها الجندي لا تملك أثراً من الآثار
стр. 130
الأدبية، بل كانت
لغتها قاصرة في التعبير عن الأفكار والمعاني العالية، فغُلب الروم بتخلفهم وقصورهم في العلم، وانقلبوا صاغرين للمدنية اليونانية التي غُلب أهلها في السياسة، ولم يزالوا مأخوذين بسحرهم في كل قسم من أقسام العلم، فكان المؤرخون الأقدمون في الروم يؤلفون كتبهم باليونانية، واستمرت اليونانية لغة التأليف والعلم بعد ما بدأ شعراء الروم ينظمون الشعر في اللاتينية)) .
ولم يكن هذا الخضوع خاصاً في عالم التأليف والأدب فحسب، بل غلبت المدنية الإغريقية المدنية الرومية في الأخلاق والسجايا والعشرة والاجتماع وفي العواطف والنزعات، وفي كل ناحية من نواحي الحياة العامة، وأصبح الروم يقلدون الإغريق ويتنبلون بذلك ويتظرفون.
وهكذا انتقلت الفلسفة اليونانية والثقافة اليونانية، بل النفسية اليونانية إلى الروم، وجرت منهم مجرى الروح والدم، ولم يكن الروم - بطبيعتهم الأوروبية - يختلفون عن اليونان في الخصائص الفطرية كثيراً، بل هناك شبه عظيم بين الأمتين، إيمان بالمحسوس وغلو في تقدير الحياة وشك في دين، وضعف في يقين، واضطراب في العقيدة، واستخفاف بالنظام الديني وطقوسه، واعتزاز بالقومية وتعصب لها، وحب مفرط للوطن. زد إلى ذلك كله اعتداداً بالقوة واحتراماً زائداً لها يبلغ العبادة والتقديس.
يظهر من التاريخ أنه لم يكن للرومان إيمان راسخ في دينهم، وإني أعذرهم في ذلك، فإن النظام الديني الوثني الخرافي الذي كان سائداً في رومية يقتضي بطبيعته الشك والاضطراب وضعف الإيمان، فكلما تقدموا في العلم وتنورت أفكارهم، ازدادوا استخفافاً به، وقد قضوا من أول يوم أن الآلهة لا يدخل لهم في السياسة وأمور الدنيا.
يقول (سيسرو Cicero) :
لما كان الممثلون ينشدون في دور التمثيل أبياتاً معناها أن الآلهة لا دخل لها في أمور الدنيا يصغي إليها الناس ويسمعونها بكل رغبة.
ويقول الراهب (أغستين Auguostine) :
((إن الروم الوثنيين كانوا يعبدون آلهتهم في المعابد ويهزأون بهم في دور
стр. 131
التمثيل)) وقد فقد الدين الرومي سلطانه الروحي على معتنقيه، وبردت العاطفة الدينية في قلوب الناس حتى
تجرأ الناس على الآلهة وأهانوها في بعض الأحيان، فإن التاريخ يحدثنا أنه لما غرق أسطول للأمبراطور أغسطس Augustus استشاط غضباً، وحطم تمثال نيبتون Neptone إله البحر، ولما مات جرمينيكس Germanicus رجم الناس أنصاب الآلهة (التي كانوا يذبحون عليها) (١) .
فلم يكن للدين تأثير في أخلاق الأمة وسياستها ومجتمعها، ولم يكن يملك عليهم شعورهم وميولهم ويراقب عليهم أخلاقهم ونزعاتهم، ولم يكن ديناً عميقاً يحكم على الروح وينبعث من أعماق القلب، بل كان تقليداً من التقاليد، كانت السياسة تقتضي البقاء عليه ولو بالاسم والرسم. يقول ليكي:
((إن الدين الرومي كان أساسه على الأثرة، ولم يكن يرمي إلا إلى رفاهة الأفراد وسلامتهم من المصائب والمتاعب؛ والشاهد على ذلك أنه ظهر في رومية مئات من الأبطال والعظماء، ولكن لم ينهض فيها زاهد في الدنيا عزوف عن ملذات الحياة، ولا تسمع مثالاً في تاريخ الروم للتضحية والإيثار إلا وتجده لا تأثير فيه للدين ولكن مبنياً على الوطنية (٢)) .
والظاهرة التي يمتاز بها الروم من بين أمم الأرض المعاصرة بل بعدها، والتي أصبحت لها ديناً تدين به وشعاراً تعرف به هي روح الاستعمار والنظر المادي البحت إلى الحياة. وذلك ما ورثته أوربا المعاصرة عن سلفها الروميين وخلفتهم فيه.
وقد أجاد وصفه العالم الألماني المسلم الأستاذ محمد أسد في كتابه النفيس الإسلام على مفترق الطرق)) ، قال:
((إن الفكرة التي كانت تسيطر على الإمبراطورية الرومانية هي احتكار القوة لها واستغلال الأمم الأخرى لمصلحة الوطن الرومي فقط، لم يكن رجالها والقائمون
стр. 132
عليها يتحاشون من أي ظلم وقسوة في سبيل حصول خفض العيش لطبقة ممتازة. أما ما اشتهر من عدل الروم فلم يكن إلا للروم فقط، إن هذه السيرة لا يمكن أن تقوم إلا على إدراك مادي محض للحياة والحضارة، وإن كانت ماديتهم قد هذبت بذوق عقلي ولكنها بعيدة عن جميع
القيم الروحية، إن الروم لم يدينوا بالدين جدياً أبداً، كانت آلهتهم التقليدية محاكاة شاحبة لأساطير الإغريق وخرافاتهم، وقد آمنوا بهذه الأرواح محافظة على الرابطة الاجتماعية التي كانت تربطهم وتوحدهم، فلم يكونوا يسمحون لهذه الآلهة بالتدخل في حياتهم العملية، كان لها أن يأذنوا أن تتكهن بالغيب - إذا سئلت عن ذلك - على لسان الكهان ولكن لم يحلوا لها أبداً أن تفترض شرائع أخلاقية على الناس (١))
الانحطاط الخلقي في الجمهورية الرومية:
وفي نهاية دور الجمهورية سال بالروم سيل الانحطاط الخلقي والبهيمية، وفاض بحر الترف في العيش والبذخ فيضاناً عظيماً - غاص الروم فيه إلى القاع وسالت فيه النظم الأخلاقية التي كانت الروم معروفين بها كالغناء، وتزعزع البناء الاجتماعي حتى كاد ينهدم، وقد صوره ((درابر)) الأمريكي بقلمه البليغ:
((لما بلغت الدولة الرومية في القوة الحربية والنفوذ السياسي أوجها، ووصلت في الحضارة إلى أقصى الدرجات هبطت في فساد الأخلاق وفي الانحطاط في الدين والتهذيب إلى أسفل الدركات. بطر الرومان معيشتهم وأخلدوا إلى الأرض واستهتروا استهتاراً، وكان مبدؤهم. أن الحياة إنما هي فرصة للتمتع، ينتقل فيها الإنسان من نعيم إلى ترف ومن لهو إلى لذة، ولم يكن زهدهم وصومهم في بعض الأحيان إلا ليبعث على شهوة الطعام، ولم يكن اعتدالهم إلا ليطول به عمر اللذة، كانت موائدهم تزهو بأواني الذهب والفضة مرصعة بالجواهر، ويحف بهم خدام في ملابس جميلة خلابة وغادات رومية حسان وغوان عاريات كاسيات غير
стр. 133
متعففات تدل دلالاً، ويزيد في نعيمهم حمامات باذخة وميادين للهو واسعة ومصارع يتصارع فيها الأبطال مع الأبطال أو مع السباع، ولا يزالون يصارعون حتى يخر الواحد منهم صريعاً يتشحط في دمه، وقد أدرك هؤلاء الفاتحون الذين دوخوا العالم أنه إن كان هنالك شيء يستحق العبادة فهو القوة، لأنه بها يقدر الإنسان أن ينال الثروة التي يجمعها أصحابها بعرق الجبين وكد اليمين، وإذا غلب الإنسان في ساحة القتال بقوة ساعده فحينئذ
يمكن له أن يصادر الأموال والأملاك ويعين إيرادات الإقطاع، وإن رأس الدولة الرومية هو رمز لهذه القوة القاهرة فكان نظام رومة المدني يشف عن أبهة الملك، ولكنه كان طلاء خداعاً كالذي نراه في حضارة اليونان في عهد انحطاطها (١)) .
تنصر الروم:
وها هنا حادثة عظيمة يجب أن يسجلها المؤرخ وينوه بها، وهي اعتلاء عرش رومة الوثنية، وكان ذلك بجلوس قسطنطين الذي اعتنق النصرانية على سرير الأباطرة سنة ٣٠٥م فانتصرت فيه النصرانية على الوثنية ونالت فجأة ما لم تكن تحلم به من ملك عريض ودولة مترامية الأطراف وكلمة لا تعلوها كلمة. ولما كان قسطنطين إنما توصل إلى الملك على جسر من أشلاء النصارى وأنهار من دمائهم التي أريقت في الذب عنه والنصر له، عرف لهم الجميل وبذل لهم وجهه، ووطأ لهم أكنافه وقلدهم مفاتيح ملكه.
خسارة النصرانية في دولتها:
ولكن انتصر النصارى في ساحة القتال وانهزموا في معترك الأديان، ربحوا ملكاً عظيماً وخسروا ديناً جليلاً، لأن الوثنية الرومية مسخت دين المسيح ومسخه أهله، وكان أكثر مسخاً له وتحريفاً هو قسطنطين الكبير حامي ذمار النصرانية ورافع لوائها.
стр. 134
يقول ((درابر)) :
((دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة ومناصب عالية في الدولة الرومية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحتفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يوماً من الأيام، وكذلك كان قسطنطين فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً في آخر عمره (٣٣٧ م) .
أن الجماعة النصرانية وأن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولَّت فسطنطين الملك ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها، وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت
مبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء - هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية، إذ قضى الإسلام على منافسه (الوثنية) قضاء باتاً، ونشر عقائده خالصة بغير غش.
وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبداً للدنيا والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً رأى لمصلحته الشخصية والمصلحة الحزبين المتنافسين- النصراني والوثني- أن يوحدهما ويؤلف بينهما، حتى إن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طمست ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها)) .
الرهبانية العاتية:
فلم تستطع هذه النصرانية الملقحة بالوثنية المشوهة التي فقدت روحها وجمالها أن تغير من سيرة الروم المنحطة وأن تبعث فيهم حياة جديدة، حياة دينية نقية طاهرة وأن تفتح عهداً زاهراً في تاريخ الروم، بل إنها ابتدعت رهبانية لعلها كانت شراً على الإنسانية والمدنية من بهيمية رومة الوثنية، وقد جن جنون هذه الرهبانية في العالم النصراني وتخطى حدود القياس، وإنا نلتقط أمثلة من كتاب تاريخ أخلاق أوربا وهو قليل من كثير جداً:
((زاد عدد الرهبان زيادة عظيمة، وعظم شأنهم واستفحل أمرهم واسترعوا الأنظار وشغلوا الناس، ولا يمكن الآن إحصاؤهم بالدقة، ولكن مما يلقي الضوء على كثرتهم وانتشار الحركة الرهبانية ما روى المؤرخون أنه كان يجتمع أيام عيد الفصح
стр. 135
خمسون ألفاً من الرهبان، وفي القرن الرابع المسيحي كان راهب واحد يشرف على خمسة آلاف راهب، وكان الراهب ((سرابين)) يرأس عشرة آلاف، وقد بلغ عدهم في نهاية القرن الرابع عدد أهل مصر)) .
عجائب الرهبان:
ظل تعذيب الجسم مثلاً كاملاً في الدين والأخلاق إلى قرنين، وروى المؤرخون من ذلك عجائب، فحدثوا عن الراهب ماكاريوس (Makarius) أنه نام ستة أشهر في مستنقع
ليقرص جسمه العاري ذباب سام، وكان يحمل دائماً نحو قنطار من حديد، وكان صاحبه الراهب يوسيبيس (Eusebius) يحمل نحو قنطارين من حديد، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح، وقد عبد الرهب يوحنا (St. Jhon) ثلاث سنين قائماً على رجل واحدة ولم ينم ولم يقعد طول هذه المدة، فإذا تعب جداً أسند ظهره إلى صخرة، وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائماً، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام. وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير من الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ويتأثمون عن غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة وأوغلهم في النجاسات والدنس، يقول الراهب اتهينس: إن الراهب أنتوني لم يقترف إثم غسل الرجلين طول عمره، وكان الراهب أبراهام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة؛ وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمن متلهفاً: واأسفاه! لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حراماً فإذا بنا الآن ندخل الحمامات، وكان الرهبان يتجولون في البلاد ويختطفون الأطفال ويهربونهم إلى الصحراء والأديار وينتزعون الصبيان من حجور أمهاتهم ويربونهم تربية رهبانية والحكومة لا تملك من الأمر شيئاً، والجمهور والدهماء يؤيدونهم ويحبذون الذين يهجرون آباءهم وأمهاتهم ويختارون الرهبانية ويهتفون باسمهم، وعرف كبار الرهبان ومشاهير التاريخ النصراني بالمهارة في التهريب، حتى روي أن الأمهات كن يسترن أولادهن في البيوت إذا رأين الراهب أمبروز (Ambrose) وأصبح الآباء والأولياء لا يملكون من أولادهم شيئاً وانتقل نفوذهم وولايتهم إلى الرهبان والقسوس (١) .
стр. 136
تأثير الرهبانية في أخلاق الأوربيين:
كان نتيجة هذه الرهبانية أن خلال الفتوة والمروءة التي كانت تعد فضائل، عادت فاستحالت عيوباً ورذائل، وزهد الناس في البشاشة وخفة الروح والصراحة والسماحة
والشجاعة والجرأة وهجروها، وكان من أهم نتائجها أن تزلزلت دعائم الحياة المنزلية، وعم الكنود والقسوة على الأقارب، فكان الرهبان الذين تفيض قلوبهم حناناً ورحمة، وعيونهم من الدمع، تقسو قلوبهم وتجمد عيونهم على الآباء والأمهات والأولاد، فيخلفون الأمهات ثكالى والأزواج أيامي والأولاد يتامى، عالة يتكففون الناس، ويتوجهون قاصدين الصحراء. همهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم في الآخرة لا يبالون ماتوا أو عاشوا، وحكى ((ليكي)) من ذلك حكايات تدمع العين وتحزن القلب (١) .
وكانوا يفرون من ظل النساء ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق والتحدث إليهن ولو كن أمهات وأزواجاً أو شقيقات تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية. وروى ((ليكي)) من هذه المضحكات المبكيات شيئاً كثيراً.
عجز الرهبانية عن تعديل المادية الجامحة:
ولا يتوهم أحد أن هذه الرهبانية الغالية قد عدلت من شره المادية الرومية، وكبحت من جماحها وغلوائها في البهيمية والشهوات، فإن هذا لم يكن ولا يكون في الغالب وتأباه الفطرة الإنسانية ويكذبه التاريخ؛ فإن الذي يوجد الاعتدال ويخفض من المادية الجامحة ويجعل منها حياة معتدلة هو النظام الروحي الديني الخلقي الحكيم الذي يوافق الفطرة الإنسانية الصحيحة، والذي لا يتصدى لأن يزيل الفطرة الإنسانية، بل يوجهها توجيهاً نافعاً، فإنها لا تزول ولكن تميل من شر إلى
стр. 137
خير؛ وهكذا فعل الإسلام، وهكذا فعل سيدنا محمد ﷺ ، فقد صرف شجاعة العرب من المنافسات القبلية والتقاتل وأخذ الثأر والأحقاد القديمة إلى الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله، وصرف تبذيرهم وسماحتهم إلى الإنفاق في سبيل الله، وشغلهم عن الجاهلية بالدين الإسلامي، وأبدل الشيء بالشيء، وأعطى النفس حقها من النشاط والترويح، فإن النفوس كما قال عالم من علماء المسلمين لا تترك شيئاً إلا بشيء،
وإن النفوس قد خُلقت لتعمل لا لتترك (١) ، وإن الأنبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة وتكريرها لا بتبديلها وتغييرها (٢) .
قدِم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر (٣) ، وعن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا. وفي رواية أنه قال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد (٤) .
أما النصرانية الرومية فقد حاولت عبثاً تغيير الفطرة وإزالتها وجاءت بنظام لا تطيقه الفطرة الإنسانية ولا تسيغه. وحملت النفوس ما لا طاقة لها به فرغبت فيه كرد فعل ضد المادية الطاغية واحتملته كارهة، ثم تخلصت منه وثارت عليه ولم تقدر النصرانية - بإسرافها في الرهبانية والزهد ومكابرتها للفطرة والواقع أن تصلح ما فسد من أخلاق الناس وعوائدهم، وتمسك بضبع المدينة الساقطة إلى الهاوية وتمنعها من التردي. فكانت حركة الفجور والإباحة وحركة الغلو في الزهد
стр. 138
والرهبانية تسيران في البلاد النصرانية جنباً إلى جنب، بل الأصح أن الرهبانية كانت معتزلة في الصحارى والخلوات لا سلطان لها على الحياة. وحركة الخلاعة والإباحة كانت زاخرة طامة في المدن والحواضر.
بين الرهبانية العاتية، والمادية الجامحة:
يصور ((ليكي)) ما كان عليه العالم النصراني في ذلك العصر من التأرجح بين الرهبانية والفجور فيقول:
((إن التبذل والإسفاف قد بلغا غايتهما في أخلاق الناس واجتماعهم، وكانت الدعارة والفجور والإخلاد إلى الترف والتساقط على الشهوات والتملق في مجالس الملوك وأندية الأغنياء والأمراء والمسابقة في زخارف اللباس والحلي والزينة في حدتها وشدتها، كانت الدنيا في الحين تتأرجح بين الرهبانية القصوى والفجور الأقصى، وإن المدن التي ظهر فيها أكثر الزهاد كانت أسبق المدن في الخلاعة والفجور، وقد اجتمع في هذا العصر الفجور والوهم اللذان هما عدوان لشرف الإنسان وكرامته، وقد ضعف رأي الجمهور حتى أصبح الناس لا يحلفون بسوء الأحدوثة والفضيحة بين الناس، وكأن الضمير الإنساني ربما يخاف الدين ووعيده، ولكنه أمن واطمأن، لاعتقاده أن الأدعية وغيرها تكفر عن جميع أعمال الإنسان، لقد نفقت سوق المكر والخديعة والكذب حتى فاق هذا العصر في ذلك عصر القياصرة، ولكن قل الظلم والاعتداء والقسوة والخلاعة، مع انحطاط في حرية الفكر والحماسة القومية (١)) .
الفساد في المراكز الدينية:
ولم تكن الرهبانية والنظام الديني السلبي إلا مصادمة للفطرة، فبقيت مقهورة بعوامل الديانة الجديدة وسلطانها الروحي وساعدتها عوامل أخرى، ثم قهرت الطبيعة وتسرب الضعف والانحراف في المراكز الدينية حتى صارت تزاحم المراكز
стр. 139
الدنيوية وربما تسبقها في فساد الأخلاق والدعارة والفجور، لذلك وقفت الحكومة المآدب الدينية التي كانت ترمي إلى عقد الألفة والأخوة بين المسيحيين وأعياد الشهداء والأولياء وذكرياتهم التي وجدت فيها الخلاعة والفجور حمى ومرتعاً، واتهم القسوس بكبائر ومنكرات.
ويقول الراهب ((جروم)) (Jarum) :
((إن عيش القسوس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين، وقد انحطت أخلاق البابوات انحطاطاً عظيماً واستحوذ عليهم الجشع وحب المال وعدوا طورهم، حتى كانوا يبيعون المناصب والوظائف كالسلع، وقد تباع بالمزاد العلني، ويؤجرون أرض الجنة
بالوثائق والصكوك وتذاكر الغفران. ويأذنون بنقض القانون، ويمنحون شهادات النجاة وإجازات والمحرمات والمحظورات كأوراق النقد وطوابع البريد، ويرتشون ويرابون، وقد بذروا المال تبذيراً حتى اضطر البابا انوسنت الثامن أن يرهن تاج البابوية. ويذكر عن البابا ليو العاشر أنه أنفق ما ترك البابا السابق من ثروة وأموال، وأنفق نصيبه ودخله، وأخذ إيراد خليفته المترقب سلفاً وأنفقه، ويروى أن مجموع دخل مملكة فرنسا لم يكن يكفي البابوات لنفقاتهم وإرضاء شهواتهم (١)) .
تنافس البابوية والإمبراطورية:
وبدأ النزاع والمنافسة بين البابوية والإمبراطورية في القرن الحادي عشر، فاشتدت بعنف وحمي وطيسها، وانتصرت فيها البابوية أولاً حتى إن هنري الرابع ممثل الإمبراطورية اضطر سنة ١٠٧٧م أن يتقدم بخضوع نحو البلاط البابوي في قلعة كانوسا ولم يسمح له البابا بالدخول إلا بعد أن شفع له الرجال، فسمح له بالمثول بين يديه. فدخل الإمبراطور صاغراً حافياً لابساً الصوف وتاب على يديه فغفر له البابا زلته. وكانت الحرب بين البابوية والإمبراطورية بعد ذلك سجالاً حتى ضعفت البابوية، وبقي الناس هذه المدة الطويلة يتنازعهم عاملان ديني ودنيوي وبقوا يرزحون تحت نيرين إمبراطوري وبابوي.
стр. 140
وكان البابوات يتمتعون في هذه العصور الوسطى بنفوذ واسع وسلطان عظيم لم يكن للملوك والأباطرة، وكان يمكن لهم أن يتقدموا بأوربا تقدماً صحيحاًَ في العلم والمدنية تحت ظل الدين، لأن نوابهم وممثليهم كانوا يتجولون في البلدان الأوربية وينزلون من أهلها في جناب مَربع وظل ظليل، ويتفاهمون معهم بلغة واحدة ويتدخلون في أمور سياسية مهمة، ووجدوا في كل بقعة أنصاراً لهم من ذوي الرأي والسياسة يتكلمون بلغة واحدة ويساعدونهم في مهمات الدولة.
شقاء أوربا برجال الدين:
ولكن رجال الدين من سوء حظ النصرانية ومن سوء حظ الأمم التي دانت بها أساؤوا استعمال هذا السلطان الهائل فاستغلوه لأنفسهم ونفوذهم وجاههم، وبقيت أوربا تتسكع في دياجير الجهل والخرافة والانحطاط، وأصيبت المدنية بحكمهم ورهبانيتهم في صميمها، فلم يتضاعف عدد سكان القارة الأوربية في ألف سنة، ولم يتضاعف عدد سكان إنكلترة في خمسمائة سنة. ولا شك أن من أسبابها حياة العزوبة التي كان القسوس والرهبان يزينونها للناس ويرغبون فيها، ولم يشأ الكهان والأساقفة أن يساهم الأطباء في مرافقهم وغلاتهم فانتشرت الأوبئة والأمراض في طول القارة وعرضها، وتعرف من رحلة أنبيس سلوئيس الذي اشتهر بعد بلقب (Pus the Second) التي قام بها في الجزائر البريطانية حوالي سنة ١٤٣٠ م ما كانت عليه هذه الجزائر من بؤس وانحطاط في المدنية وفقر مدقع.
جناية رجال الدين على الكتب الدينية:
ولكن من أعظم أخطاء رجال الدين في أوربا ومن أكبر جناياتهم على أنفسهم وعلى الدين الذي كانوا يمثلونه أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة معلومات بشرية ومسلمات عصرية عن التاريخ والجغرافية والعلوم الطبيعية ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر، وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر، ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني، وإذا كان ذلك في عصر من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض؛ فإن العلم الإنساني متدرج مترق، فمن بنى عليه دينه فقد بنى قصرًا على كثيب مهيل من الرمل. ولعلهم فعلوا ذلك بنية حسنة ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين، فإن ذلك، كان سبباً للكفاح المشئوم بين الدين والعقل والعلم الذي انهزم فيه
стр. 141
ذلك الدين المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل والخالص والزائف - هزيمة منكرة، وسقط رجال الدين سقوطاً لم ينهضوا بعده، وشر من ذلك كله وأشأم أن أوربا أصبحت لا دينية.
ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس وذكره بعض شراح التوراة والإنجيل ومفسريها من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية، وصبغوها صبغة دينية وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها ونبذ كل ما يعارضها، وألفوا في ذلك كتباً وتآليف، وسموا هذه الجغرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان الجغرافية المسيحية (Christian Topography) وعضوا عليها بالنواجذ وكفروا كل من لم يدن بها.
اضطهاد الكنيسة للعلم:
وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوربا، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني فزيفوا هذه النظريات الجغرافية التي اشتملت عليها هذه الكتب وانتقدوها في صرامة وصراحة، واعتذروا عن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب، وأعلنوا اكتشافاتهم العلمية واختباراتهم، فقامت قيامة الكنيسة، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوربا وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي، وأنشأوا محاكم التفتيش التي تعاقب - كما يقول البابا - أولئك الملحدين والزنادقة الذين هم منتشرون في المدن وفي البيوت والأسراب والغابات والمغارات والحقول، فجدت واجتهدت وسهرت على عملها، واجتهدت أن لا تدع في العالم النصراني عرقاً نابضاً ضد الكنيسة، وانبثت عيونها في طول البلاد وعرضها، وأحصت على الناس الأنفاس، وناقشت عليهم الخواطر حتى يقول عالم نصراني: ((لا يمكن لرجل أن يكون مسيحياً ويموت حتف أنفه)) ، ويقدر أن من عاقبت هذه المحاكم يبلغ عددهم ثلثمائة ألف، أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً أحياء كان منهم العالم الطبيعي المعروف برونو، نقمت منه الكنيسة آراء من أشدها قوله بتعدد العوالم، وحكمت عليه بالقتل، واقترحت بأن لا تراق قطرة من دمه، وكان ذلك يعني أن يحرق حياً، وكذلك كان.
وهكذا عواقب العالم الطبيعي الشهير غاليليو (Galilio) بالقتل لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس.
стр. 142
ثورة رجال التجديد:
هنالك ثار المجددون المتنورون وعيل صبرهم، وأصبحوا حرباً لرجال الدين وممثلي الكنيسة والمحافظين على القديم، ومقتوا كل ما يتصل بهم ويعزى إليهم من عقيدة وثقافة وعلم وأخلاق وآداب، وعادوا الدين المسيحي أولاً والدين المطلق ثانياً، واستحالت الحروب بين زعماء العلم والعقلية، وزعماء الدين المسيحي، - وبلفظ أصح الديانة والبوليسية - حرباً بين العلم والدين مطلقاً، وقرر الثائرون أن العلم والدين ضرتان لا تتصالحان، وأن العقل والنظام الديني ضدان لا يجتمعان، فمن استقبل أحدهما استدبر الآخر، ومن آمن بالأول كفر بالثاني، وإذا ذكروا الدين، ذكروا تلك الدماء الزكية التي أريقت في سبيل العلم والتحقيق، وتلك النفوس البريئة التي ذهبت ضحية لقسوة القساوسة ووساوسهم، وتمثل لأعينهم وجوه كالحة عابسة، وجباه مقطبة، وعيون ترمي بالشرر، وصدور ضيقة حرجة، وعقول سخيفة بليدة، فاشمأزت قلوبهم وآلوا على أنفسهم كراهة هؤلاء وكل ما يمثلونه، وتواصوا به وجعلوه كلمة باقية في أعقابهم.
تقصير الثائرين وعدم تثبتهم:
ولم يكن عند هؤلاء الثائرين من الصبر والمثابرة على الدراسة والتفكير، ومن الوداعة والهدوء، ومن العقل والاجتهاد ما يميزون به بين الدين ورجاله المحتكرين لزعامته، ويفرقون بين ما يرجع إلى الدين عن عهدة ومسئولية، وما يرجع إلى رجال الكنيسة من جمود وجهل واستبداد وسوء تمثيل، فلا ينبذوا الدين نبذ النواة، ولكن الحفيظه وشنآن رجال الدين والاستعجال لم يسمح بالنظر في أمر الدين والتريث في شأنه كغالب الثوار في أكثر الإعصار والأمصار.
ولم يكن عندهم من صدق الطلب والنصيحة لأنفسهم وأمتهم وسعة الصدر ما يحملهم على النظر في الدين الإسلامي الذي كان يدين به أمم معاصرة لهم، الدين الذي يخلصهم من هذه الأزمة و ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ . ولكن حمية الجاهلية والسدود
التي أقامتها الحرب الصليبية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي ودعاية الكهنة ورجال الكنيسة ضد الإسلام وصاحب رسالته ﵊، وعدم تجشم التعب
стр. 143
والمطالعة، وقلة الحرص على النجاة الأخروية والاهتمام بما بعد الموت، زد إلى ذلك تفريط المسلمين في التبشير الإسلامي، ونشر الإسلام في أوربا، كل ذلك منعهم من الرجوع إلى الدين الإسلامي والأخذ به في ساعة كانوا يحتاجون إليه حاجة السليم إلى راق والمسموم إلى ترياق.
اتجاه الغرب إلى المادية:
وعلى كل فقد وقع المحذور وانصرف اتجاه الغرب إلى المادية بكل معانيها، وبكل ما تتضمنه هذه الكلمة من عقيدة ووجهة نظر ونفسية وعقلية وأخلاق واجتماع وعلم وأدب وسياسة وحكم، وكان ذلك تدريجياً، وكان أولاً ببطء وعلى مهل، ولكن بقوة وعزيمة، فقام علماء الفلسفة والعلوم الطبيعية ينظرون في الكون نظراً مؤسساً على أنه على أنه لا خالق ولا مدبر ولا آمر، وليس هناك قوة وراء الطبيعة والمادة تتصرف في هذا العالم وتحكم عليه وتدبر شئونه، وصاروا يفسرون هذا العالم الطبيعي، ويعللون ظواهره وآثاره بطريق ميكانيكي بحت، وسموا هذا نظراً علمياً مجرداً وسموا كل بحث وفكر يعتقد بوجود إله ويؤمن به طريقاً تقليدياً لا يقوم عندهم على أساس العلم والحكمة، واستهزأوا به واتخذوه سخرياً، ثم انتهى بهم طريقهم الذي اختاروه وبحثهم ونظرهم إلى أنهم جحدوا كل شيء وراء الحركة والمادة، وأبوا الإيمان بكل ما لا يأتي تحت الحس والاختبار، ولا يدخل تحت الوزن والعد والمساحة، فأصبح - بحكم الطبيعة وبطريق اللزوم الإيمان بالله وبما وراء الطبيعة، من قبيل المفروضات التي لا يؤيدها العقل ولا يشهد بها العلم.
إنهم لم يجحدوا بالله إلى زمن طويل، ولم يكاشفوا الدين العداء، ولم يجحدوا به كلهم، ولكن منهج التفكير الذي اختاروه، والموقف الذي اتخذوه في البحث والنظر لم يكن ليتفق والدين الذي يقوم على الإيمان بالغيب وأساسه الوحي والنبوة ودعوته ولهجه بالحياة الأخروية، ولا شيء من ذلك يدخل تحت الحس والاختبار ويصدقه الوزن والعد والمساحة، فلم يزالوا يزدادون كل يوم شكاً في العقائد الدينية.
افتضاح المادية في الدور الأخير:
ولكن رجال النهضة الأوربية ظلوا قروناً يجمعون بين النظر المادي الجاحد والحياة المادية، والطقوس الدينية المسيحية، بالتقليد أو بتأثير المحيط الذي لا يزال في
стр. 144
العالم النصراني، أو بمصالح خلقية واجتماعية كانت تقتضي البقاء ولو بالاسم على نظام ديني يؤلف بين أفراد الأمة ويحفظها من الفوضى، حتى افتضحوا في الأخير وصعب الجمع بينهما بسرعة سير الحضارة المادية، وتخلف الدين والتقاليد وعجزها عن مسايرتها وما في الجمع بينهما من متاعب وضياع للوقت وتكلف هم في غني عنه، فطرحوا الحشمة ورموا برقع النفاق.
جنود المادية ودعاتها:
ونهض الكتاب والمؤلفون والأدباء والمعلمون والاجتماعيون والسياسيون في كل ناحية من نواحي أوربا ينفخون صور المادية، وينفثون بأقلامهم سمومها في عقل الجمهور وقلبه، ويفسرون الأخلاق تفسيراً مادياً، تارة ينشرون الفلسفة النفعية، وطوراً فلسفة اللذة الأبيقورية.
والسياسيون أمثال ميكيافيلي الفلورنسي (١٤٦٩ - ١٥٢٧ م) دعوا من قبل إلى فصل الدين عن السياسة، وتقسيم الأخلاق إلى شخصية واجتماعية، وقرروا أن الدين - إذا كان لابد منه - قضية شخصية لا ينبغي أن تتدخل في أمور السياسة والدولة، وأن الدولة عندهم أعز وأهم من كل شيء، وأن النصرانية إنما موضوعها الحياة الأخروية، وأن المتدينين والصالحين لا يفيد وجودهم الدولة، وإن كان يفيد الكنيسة، لأنهم يتقيدون بأحكام الدين، ولأنهم لا يستطيعون أن يحيدوا عن أحكام الدين ومبادئ الأخلاق إذا اقتضت المصلحة غير ذلك، وأن الملوك والأمراء يجب عليهم أن يتخلقوا بأخلاق الثعالب، ولا يحتشموا من نقض العهود والكذب والخيانة والغش والنفاق إذا كان في ذلك أدنى مصلحة للدولة إلى غير ذلك، ونجحت هذه الدعوة وساعدتها عوامل كثيرة من الوطنية والقومية التي خلفت الديانة القديمة.
وأحدث الأدباء والمؤلفون وأصحاب البراعة والقريحة والذكاء، خصوصاً في ثورة فرنسا وبعدها، الثورة على الأخلاق القديمة، والنظم الاجتماعية، وزينوا للناس الإثم، ونشروا
دعوة الإباحة، وإطلاق الطبائع من كل قيد، والفرد من كل مسئولية، ودعوا إلى التهام الحياة البهيمية، وإرضاء الشهوات، وانتهاب المسرات، واستعجال الطيبات، وغلوا وأسرفوا في تقدير قيمة هذه الحياة وجحدوا كل شيء سوى اللذة العاجلة والنفع المادة الظاهر المحسوس
стр. 145
نسخة صادقة من الحضارة اليونانية:
فأصبحت الحياة في أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين نسخة صادقة من الحياة في يونان وروما الوثنيتين الجاهليتين، وعادت الطبيعة الأوربية (التي كانت النصرانية الشرقية قد قهرتها) جذعة.
ولا غرابة في ذلك، فالأوربيون اليوم إنما ينحدرون من أولئك اليونان والرومان، والسلائل الأوربية الأخرى ترى ديناً خلواً من الروحانية، كما لاحظ الدكتور ((هاس)) في ذكر الحضارة اليونانية.
وترى رقة الدين وقلة الخشوع والجد في أعماله. وكثرة اللهو والطرب في الحياة، كما ذكر ((ليكي)) عن الديانة اليونانية، وهو نتيجة الوضع الديني الذي وصلت إليه أوربا، فإنه لا يتفق والخشوع لله والجد في عبادته، ونتيجة تلك النظريات والغايات التي وصل إليها علماء الطبيعة والحكمة في أوربا وأعلنوها تلقاها الجمهور بالقبول وحلت محل الدين.
وترى كذلك تهافتاً على ملذات الحياة تهافت الظمآن على الماء والفراش على النار، والحرص على اقتطاف جني الحياة وثمارها باليدين، كما وصف به سقراط الرجل الجمهوري اليوناني في عصره.
وكذلك ترى شكاً في الدين واضطراباً في العقيدة واستخفافاً بالنظام الديني وطقوسه وتقاليده، كما رأيت في روما بعد التنور.
ديانة أوربا اليوم المادية لا النصرانية:
فمما لاشك فيه أن دين أوربا اليوم الذي يملك عليها القلب والمشاعر ويحكم على الروح هو المادية لا النصرانية، كما يعلم ذلك كل من عرف النفسية الأوربية واتصل بالأوربيين عن
كثب لا عن كتب، بل وعن كتب أيضاً - ولم ينخدع بالمظاهر الدينية التي تزيد في أبهة الدولة والتي يجد فيها الشعب ترويحاً للنفس وتنوعاً، ولم ينخدع بزيارتهم للكنائس وحضورهم في تقاليدها.
وقد بين ذلك في وضوح وصراحة الأستاذ الألماني المهتدي محمد أسد السابق ذكره في كتابه: ((الإسلام على مفترق الطرق)) قال: