ذلك الدين المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل والخالص والزائف - هزيمة منكرة، وسقط رجال الدين سقوطاً لم ينهضوا بعده، وشر من ذلك كله وأشأم أن أوربا أصبحت لا دينية.
ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس وذكره بعض شراح التوراة والإنجيل ومفسريها من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية، وصبغوها صبغة دينية وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها ونبذ كل ما يعارضها، وألفوا في ذلك كتباً وتآليف، وسموا هذه الجغرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان الجغرافية المسيحية (Christian Topography) وعضوا عليها بالنواجذ وكفروا كل من لم يدن بها.
اضطهاد الكنيسة للعلم:
وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوربا، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني فزيفوا هذه النظريات الجغرافية التي اشتملت عليها هذه الكتب وانتقدوها في صرامة وصراحة، واعتذروا عن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب، وأعلنوا اكتشافاتهم العلمية واختباراتهم، فقامت قيامة الكنيسة، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوربا وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي، وأنشأوا محاكم التفتيش التي تعاقب - كما يقول البابا - أولئك الملحدين والزنادقة الذين هم منتشرون في المدن وفي البيوت والأسراب والغابات والمغارات والحقول، فجدت واجتهدت وسهرت على عملها، واجتهدت أن لا تدع في العالم النصراني عرقاً نابضاً ضد الكنيسة، وانبثت عيونها في طول البلاد وعرضها، وأحصت على الناس الأنفاس، وناقشت عليهم الخواطر حتى يقول عالم نصراني: ((لا يمكن لرجل أن يكون مسيحياً ويموت حتف أنفه)) ، ويقدر أن من عاقبت هذه المحاكم يبلغ عددهم ثلثمائة ألف، أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً أحياء كان منهم العالم الطبيعي المعروف برونو، نقمت منه الكنيسة آراء من أشدها قوله بتعدد العوالم، وحكمت عليه بالقتل، واقترحت بأن لا تراق قطرة من دمه، وكان ذلك يعني أن يحرق حياً، وكذلك كان.
وهكذا عواقب العالم الطبيعي الشهير غاليليو (Galilio) بالقتل لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس.
стр. 142
ثورة رجال التجديد:
هنالك ثار المجددون المتنورون وعيل صبرهم، وأصبحوا حرباً لرجال الدين وممثلي الكنيسة والمحافظين على القديم، ومقتوا كل ما يتصل بهم ويعزى إليهم من عقيدة وثقافة وعلم وأخلاق وآداب، وعادوا الدين المسيحي أولاً والدين المطلق ثانياً، واستحالت الحروب بين زعماء العلم والعقلية، وزعماء الدين المسيحي، - وبلفظ أصح الديانة والبوليسية - حرباً بين العلم والدين مطلقاً، وقرر الثائرون أن العلم والدين ضرتان لا تتصالحان، وأن العقل والنظام الديني ضدان لا يجتمعان، فمن استقبل أحدهما استدبر الآخر، ومن آمن بالأول كفر بالثاني، وإذا ذكروا الدين، ذكروا تلك الدماء الزكية التي أريقت في سبيل العلم والتحقيق، وتلك النفوس البريئة التي ذهبت ضحية لقسوة القساوسة ووساوسهم، وتمثل لأعينهم وجوه كالحة عابسة، وجباه مقطبة، وعيون ترمي بالشرر، وصدور ضيقة حرجة، وعقول سخيفة بليدة، فاشمأزت قلوبهم وآلوا على أنفسهم كراهة هؤلاء وكل ما يمثلونه، وتواصوا به وجعلوه كلمة باقية في أعقابهم.
تقصير الثائرين وعدم تثبتهم:
ولم يكن عند هؤلاء الثائرين من الصبر والمثابرة على الدراسة والتفكير، ومن الوداعة والهدوء، ومن العقل والاجتهاد ما يميزون به بين الدين ورجاله المحتكرين لزعامته، ويفرقون بين ما يرجع إلى الدين عن عهدة ومسئولية، وما يرجع إلى رجال الكنيسة من جمود وجهل واستبداد وسوء تمثيل، فلا ينبذوا الدين نبذ النواة، ولكن الحفيظه وشنآن رجال الدين والاستعجال لم يسمح بالنظر في أمر الدين والتريث في شأنه كغالب الثوار في أكثر الإعصار والأمصار.
ولم يكن عندهم من صدق الطلب والنصيحة لأنفسهم وأمتهم وسعة الصدر ما يحملهم على النظر في الدين الإسلامي الذي كان يدين به أمم معاصرة لهم، الدين الذي يخلصهم من هذه الأزمة و ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ . ولكن حمية الجاهلية والسدود
التي أقامتها الحرب الصليبية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي ودعاية الكهنة ورجال الكنيسة ضد الإسلام وصاحب رسالته ﵊، وعدم تجشم التعب
стр. 143
والمطالعة، وقلة الحرص على النجاة الأخروية والاهتمام بما بعد الموت، زد إلى ذلك تفريط المسلمين في التبشير الإسلامي، ونشر الإسلام في أوربا، كل ذلك منعهم من الرجوع إلى الدين الإسلامي والأخذ به في ساعة كانوا يحتاجون إليه حاجة السليم إلى راق والمسموم إلى ترياق.
اتجاه الغرب إلى المادية:
وعلى كل فقد وقع المحذور وانصرف اتجاه الغرب إلى المادية بكل معانيها، وبكل ما تتضمنه هذه الكلمة من عقيدة ووجهة نظر ونفسية وعقلية وأخلاق واجتماع وعلم وأدب وسياسة وحكم، وكان ذلك تدريجياً، وكان أولاً ببطء وعلى مهل، ولكن بقوة وعزيمة، فقام علماء الفلسفة والعلوم الطبيعية ينظرون في الكون نظراً مؤسساً على أنه على أنه لا خالق ولا مدبر ولا آمر، وليس هناك قوة وراء الطبيعة والمادة تتصرف في هذا العالم وتحكم عليه وتدبر شئونه، وصاروا يفسرون هذا العالم الطبيعي، ويعللون ظواهره وآثاره بطريق ميكانيكي بحت، وسموا هذا نظراً علمياً مجرداً وسموا كل بحث وفكر يعتقد بوجود إله ويؤمن به طريقاً تقليدياً لا يقوم عندهم على أساس العلم والحكمة، واستهزأوا به واتخذوه سخرياً، ثم انتهى بهم طريقهم الذي اختاروه وبحثهم ونظرهم إلى أنهم جحدوا كل شيء وراء الحركة والمادة، وأبوا الإيمان بكل ما لا يأتي تحت الحس والاختبار، ولا يدخل تحت الوزن والعد والمساحة، فأصبح - بحكم الطبيعة وبطريق اللزوم الإيمان بالله وبما وراء الطبيعة، من قبيل المفروضات التي لا يؤيدها العقل ولا يشهد بها العلم.
إنهم لم يجحدوا بالله إلى زمن طويل، ولم يكاشفوا الدين العداء، ولم يجحدوا به كلهم، ولكن منهج التفكير الذي اختاروه، والموقف الذي اتخذوه في البحث والنظر لم يكن ليتفق والدين الذي يقوم على الإيمان بالغيب وأساسه الوحي والنبوة ودعوته ولهجه بالحياة الأخروية، ولا شيء من ذلك يدخل تحت الحس والاختبار ويصدقه الوزن والعد والمساحة، فلم يزالوا يزدادون كل يوم شكاً في العقائد الدينية.
افتضاح المادية في الدور الأخير:
ولكن رجال النهضة الأوربية ظلوا قروناً يجمعون بين النظر المادي الجاحد والحياة المادية، والطقوس الدينية المسيحية، بالتقليد أو بتأثير المحيط الذي لا يزال في
стр. 144
العالم النصراني، أو بمصالح خلقية واجتماعية كانت تقتضي البقاء ولو بالاسم على نظام ديني يؤلف بين أفراد الأمة ويحفظها من الفوضى، حتى افتضحوا في الأخير وصعب الجمع بينهما بسرعة سير الحضارة المادية، وتخلف الدين والتقاليد وعجزها عن مسايرتها وما في الجمع بينهما من متاعب وضياع للوقت وتكلف هم في غني عنه، فطرحوا الحشمة ورموا برقع النفاق.
جنود المادية ودعاتها:
ونهض الكتاب والمؤلفون والأدباء والمعلمون والاجتماعيون والسياسيون في كل ناحية من نواحي أوربا ينفخون صور المادية، وينفثون بأقلامهم سمومها في عقل الجمهور وقلبه، ويفسرون الأخلاق تفسيراً مادياً، تارة ينشرون الفلسفة النفعية، وطوراً فلسفة اللذة الأبيقورية.
والسياسيون أمثال ميكيافيلي الفلورنسي (١٤٦٩ - ١٥٢٧ م) دعوا من قبل إلى فصل الدين عن السياسة، وتقسيم الأخلاق إلى شخصية واجتماعية، وقرروا أن الدين - إذا كان لابد منه - قضية شخصية لا ينبغي أن تتدخل في أمور السياسة والدولة، وأن الدولة عندهم أعز وأهم من كل شيء، وأن النصرانية إنما موضوعها الحياة الأخروية، وأن المتدينين والصالحين لا يفيد وجودهم الدولة، وإن كان يفيد الكنيسة، لأنهم يتقيدون بأحكام الدين، ولأنهم لا يستطيعون أن يحيدوا عن أحكام الدين ومبادئ الأخلاق إذا اقتضت المصلحة غير ذلك، وأن الملوك والأمراء يجب عليهم أن يتخلقوا بأخلاق الثعالب، ولا يحتشموا من نقض العهود والكذب والخيانة والغش والنفاق إذا كان في ذلك أدنى مصلحة للدولة إلى غير ذلك، ونجحت هذه الدعوة وساعدتها عوامل كثيرة من الوطنية والقومية التي خلفت الديانة القديمة.
وأحدث الأدباء والمؤلفون وأصحاب البراعة والقريحة والذكاء، خصوصاً في ثورة فرنسا وبعدها، الثورة على الأخلاق القديمة، والنظم الاجتماعية، وزينوا للناس الإثم، ونشروا
دعوة الإباحة، وإطلاق الطبائع من كل قيد، والفرد من كل مسئولية، ودعوا إلى التهام الحياة البهيمية، وإرضاء الشهوات، وانتهاب المسرات، واستعجال الطيبات، وغلوا وأسرفوا في تقدير قيمة هذه الحياة وجحدوا كل شيء سوى اللذة العاجلة والنفع المادة الظاهر المحسوس
стр. 145
نسخة صادقة من الحضارة اليونانية:
فأصبحت الحياة في أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين نسخة صادقة من الحياة في يونان وروما الوثنيتين الجاهليتين، وعادت الطبيعة الأوربية (التي كانت النصرانية الشرقية قد قهرتها) جذعة.
ولا غرابة في ذلك، فالأوربيون اليوم إنما ينحدرون من أولئك اليونان والرومان، والسلائل الأوربية الأخرى ترى ديناً خلواً من الروحانية، كما لاحظ الدكتور ((هاس)) في ذكر الحضارة اليونانية.
وترى رقة الدين وقلة الخشوع والجد في أعماله. وكثرة اللهو والطرب في الحياة، كما ذكر ((ليكي)) عن الديانة اليونانية، وهو نتيجة الوضع الديني الذي وصلت إليه أوربا، فإنه لا يتفق والخشوع لله والجد في عبادته، ونتيجة تلك النظريات والغايات التي وصل إليها علماء الطبيعة والحكمة في أوربا وأعلنوها تلقاها الجمهور بالقبول وحلت محل الدين.
وترى كذلك تهافتاً على ملذات الحياة تهافت الظمآن على الماء والفراش على النار، والحرص على اقتطاف جني الحياة وثمارها باليدين، كما وصف به سقراط الرجل الجمهوري اليوناني في عصره.
وكذلك ترى شكاً في الدين واضطراباً في العقيدة واستخفافاً بالنظام الديني وطقوسه وتقاليده، كما رأيت في روما بعد التنور.
ديانة أوربا اليوم المادية لا النصرانية:
فمما لاشك فيه أن دين أوربا اليوم الذي يملك عليها القلب والمشاعر ويحكم على الروح هو المادية لا النصرانية، كما يعلم ذلك كل من عرف النفسية الأوربية واتصل بالأوربيين عن
كثب لا عن كتب، بل وعن كتب أيضاً - ولم ينخدع بالمظاهر الدينية التي تزيد في أبهة الدولة والتي يجد فيها الشعب ترويحاً للنفس وتنوعاً، ولم ينخدع بزيارتهم للكنائس وحضورهم في تقاليدها.
وقد بين ذلك في وضوح وصراحة الأستاذ الألماني المهتدي محمد أسد السابق ذكره في كتابه: ((الإسلام على مفترق الطرق)) قال:
стр. 146
((لا شك أنه لا يزال في الغرب أفراد يعيشون ويفكرون على أسلوب ديني ويبذلون جهدهم في تطبيق عقائدهم بروح حضارتهم، ولكنهم شواذ، إن الرجل العادي في أوربا، ديمقراطياً كان أو فاشياً، رأسمالياً كان أو اشتراكياً، عاملاً باليد أو رجلاً فكرياً، إنما يعرف ديناً واحداً، وهو عبادة الرقي المادي والاعتقاد بأنه لا غاية في الحياة غير أن يجعلها الإنسان أسهل، وبالتعبير الدارج ((حرة مطلقة)) من قيود الطبيعة، أما كنائس هذا ((الدين)) فهي المصانع الضخمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية ودور الرقص ومراكز توليد الكهرباء، وأما كهنتها فهم رؤساء الصيارف والمهندسون والممثلات وكواكب السينما وأقطاب التجارة والصناعة والطيارون والمبرزون الذين يضربون رقماً قياسياً، ونتيجة هذه النهامة للقوة، والشره للذة، النتيجة اللازمة ظهور طوائف متنافسة مدججة بالسلاح، والاستعدادات الحربية، مستعدة لإبادة بعضها بعضاً إذا تصادمت أهواؤها ومصالحها، أما في جانب الحضارة فنتيجتها ظهور طراز للإنسان يعتقد الفضيلة في الفائدة العملية، والمثل الكامل عنده والفارق بين الخير والشر هو النجاح المادي لا غير (١)) .
((إن الحضارة الغربية لا تجحد الله في شدة وصراحة، ولكن ليس في نظامها الفكري موضع لله في الحقيقة ولا تعرف له فائدة ولا تشعر بحاجة إليه (٢)) .
ربما يقلل من قيمة هذه الشهادات على مركز الدين في الحياة الأوربية ومدى تأثيره كون صاحبها قد انتقل من النصرانية إلى الإسلام ومن أوربا إلى الشرق الإسلامي، فها هنا شهادة
أصرح منها وأدل على اضمحلال الدين الرسمي في أكبر مراكزه، واستنكاف أهله من الانتساب إليه لأحد كبار المعلمين في ((لندن)) وكتاب الإنكليزية البارزين.
стр. 147
قال الأستاذ جود (Joad) رئيس قسم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن في كتابه: (Guide to Modern Wickedness) :
((سألت عشرين طالباً وتلميذة كلهم في أوائل العقد الثاني من أعمارهم: كم منهم مسيحي بأي معنى من معاني الكلمة، فلم يجب بـ ((نعم)) إلا ثلاثة فقط، وقال سبعة منهم: إنهم لم يفكروا في هذه المسألة أبداً. أما العشرة الباقية فقد صرحوا أنهم معادون للمسيحية، أنا أرى أن هذه النسبة بين من يؤمن بالمسيحية ويدين بها وبين من لا يؤمن في هذه البلاد ليست شاذة ولا غربية، نعم إذا وجه هذا السؤال إلى مثل هذه الجماعة قبل خمسين سنة أو عشرين، كانت الأجوبة مختلفة. بناء على ذلك الذين يتفقون في الرأي مع (Canon Barry) ويزعمون أن نهضة مسيحية كبيرة يمكن أن تنقذ العالم سيكونون قليلاً جداً، فإني لا أرى لرأيه هذا مؤيداً ومبرراً إلا أن يكون ذلك رغبته وهواه، فإن الأهواء كثيراً ما تخلق الأفكار، ولكنها لا تولد الشهادات والوثائق، وإن الأحوال والآثار في هذه البلاد لتدل على أن الكنيسة النصرانية ستموت في القرن الآتي، وإليك ما يؤيد هذا الرأي نقلاً من صحيفة يومية:
اخترع رجل في السابعة والسبعين من عمره طريقة تحول بها نسخ الكتاب المقدس العتيقة إلى حشو البنادق والحرير الصناعي واللدائن وأوراق النقد الثمينة، وإن آلته قد نصبت في (Cardiff Factory) وفي ثمانية مصانع أخرى وتصنع بنسخ التوراة القديمة أسلحة حربية وقد استثمر المخترع بالآلة ثروة عظيمة بعد ما عاش في ضنك من العيش.
ويختم الأستاذ مقالته هذه بجملة من التوراة - ولا أجمل منها - لمخاطبة القسوس ورجال الدين أمثال (كينين بيري) وغيره ((فليسمع من له أذنان (١)) .
стр. 148
ويقول هذا المؤلف في كتابه الثاني (Philosophy for our Times) .
((لم يزل سائداً على عقلية انكلترا منذ قرون شرهُ المال والتملك، وكانت رغبة نيل الثروة أقوى عامل في حياة البلاد وأكبر باعث على العمل، لأن الثروة وسيلة للتملك، وضخامته ووفرته مقياس لكفاءة الإنسان، ولم يزل الناس يتلقون من طرق السياسة والأدب والتمثيل والسينما والإذاعة اللاسلكية، وفي بعض الأحيان من منابر الكنائس في ظل عام وشهر - التحريضات على جمع المال واقتنائه والإقناع بأن الأمة المتمدنة هي التي ارتقت فيها عاطفة الشره والتملك.
إن هذه العبادة للمال تناقض عقائدنا الدينية، لأن الدين يمدح الفقر ويذم الغنى، ويقول: إن الفقير أقدر على الصلاح من الغني، ومع أن الحكمة والنعيم الديني متفقان على أن الفقر أوفق لعبادة الله ودخول الجنة، ولكن الناس لم يرغبوا إلى تصديق الدين في ذلك والعمل بأحكامه، ولم يزالوا يؤثرون الثروة الحاضرة على نعيم الجنة الموعود، لعلهم يظنون أنهم إذا تابوا في آخر عهدهم بالدنيا فإنهم يحرزون حسنى الآخرة، كما ظفروا بحسنى الدنيا بأموالهم المودعة في المصارف.
وقد أعرب عن فكرتهم هذه (Sammuel Butler) في كتابه بقوله: ((إن بعض المؤلفين يقولون: إنا لا نستطيع أن نجمع بين عبادة الله وعبادة المال، وأنا أسلم أن الأمر ليس بميسور، ولكن متى تكون المهمات في الدنيا ميسورة سهلة؟
فمهما اختلفنا في المبادئ فإن الحقيقة الراهنة أن كلنا راسخ في تقليد بتلر واتباعه، فنحن مشغوفون بحب المال، وعقيدتنا أن الثروة هي المقياس الصحيح لعظمة الفرد والحكومة، وكانت سبباً لظهور مبدأين لهما الأهمية التاريخية الكبرى.
أحدهما: مبدأ عدم التدخل الاقتصادي الذي كان سائداً على القرن التاسع عشر، ويدعي أصحاب هذا المبدأ أن الإنسان يبني عمله على أعظم نفع يجلبه، وأن ليس الباعث على الأعمال الالتذاذ بالعواطف القلبية بل الالتذاذ بالثروة.
والمبدأ الثاني الذي يسود القرن العشرين: هو مبدأ التنظيم الاقتصادي المنسوب إلى ماركس، ويقوم هذا المبدأ على أن نظام الإنسان الاقتصادي إنما يتأسس على حوائج الإنسان المالية، وهذا النظام هو الذي يخلق الأدب والأخلاق والدين والمنطق ونظام الحكومة، ولم
يكن هذان المبدآن لينالا القبول الذي نالاه لولا شغف الناس في بلادنا بالمال والاهتمام الزائد به)) .
стр. 149
ويقول في مكان آخر من هذا الكتاب:
((إن نظرية الحياة التي تسود على هذا العصر وتحكم عليه: هي النظر في كل مسألة وشأن من ناحية المعدة والجيب (stomach and pocket view of life) .
وقد أجاد الصحفي الأمريكي المشهور (Jhon Gunther) تمثيل هذه النفسية في كتابه في ((داخل أوربا)) (Inside Europe) بقوله:
((إن الإنجليز إنما يعبدون بنك إنجلترا (Bank of England) ستة أيام في الأسبوع ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة)) .
مظاهر الطبيعة في أوربا:
إن هؤلاء الذين لا يؤمنون بحياة أخرى ولا يعتقدون وراء اللذة والتمتع بالحياة والعلو في الأرض غاية عليا، ولا يذكرون الله إلا نادراً، ولا يرجون له وقاراً، كيف يرجى منهم أن يتضرعوا إلى الله إذا مسهم الضر، ويخبتوا إليه وينيبوا إذا دهمهم الخطر كما ذكر الله عن المشركين الذين كانوا يؤمنون بالله: ﴿َإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ** ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ولكن هؤلاء - بإمعانهم في المادية والتمسك بالأسباب الظاهرة والتعلل بها واستغنائهم عن الله - قد وصلوا من القسوة والغفلة إلى حيث صدق عليهم قول الله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وقوله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ فلا تكاد تشعر في خطب الزعماء والوزراء في أوربا برقة قلب وانكساره
وإخبات إلى الله في أدهى ساعات الحرب وأمرِّها، ولا تشاهد شيئاً من ذلك في أخلاق الشعب وأعماله وأفراحه، ويعد ذلك مفكرو الغرب وأدباؤه من باب التجلد وقوة القلب وإباء الضيم، وقد افتخر أحد زعماء الإنجليز وكبار رجال السياسة في البرلمان الإنجليزي بأن رجال الشعب الإنجليزي لم يستسلموا للحوادث والنوازل، واستشهد على ذلك بأن المشتغلين بالرقص واللهو في سنغافورة لم يتحولوا عن مكانهم ولم يؤخروا أدوار الرقص والغناء، وطيارات اليابان تمطر المدينة شآبيب القنابل. ويحكي هندي عن سهرة شهدها قال: ((بينما نحن في الرقص إذ سمعنا الإنذار بالغارة الجوية فساد الهدوء في المكان، ثم قال أحد أصحاب المجلس:
стр. 150
ماذا ترون؟ هل يستمر الرقص أم يؤخر؟ فأجابت فتاة: بل نستمر راقصين، وهكذا كان، ودوَّت الحارة فضلاً عن النادي الذي كنا فيه بالأغاني (١)) ، ويقول: ((من العادات اليومية أنه يعلن في السينما: تبدأ الغارة الجوية ولكن يستمر هذا الفصل ومن أراد أن يذهب إلى المخبأ فطريقه أسفل إلى اليسار، ولكن الناس يستمرون جلوساً ولا أحد يبرح من مكانه ويبدأ الفصل (٢)) ويقول كاتب إنجليزي تعليقاً على صورة نشرت في (Statesman) الصحيفة الإنجليزية اليومية الكبرى في الهند في ٢٤ من يناير ١٩٤٢ م: ((من الغريب أن أجمل التمثيليات إنما ظهرت أيام الحروب الكبرى في التاريخ، كذلك الشأن في بريطانيا اليوم فالناظر يرى الملاهي والسينما والتمثيليات والصور ما لم يرى أجمل وأبدع منها قبل الحرب، والمتفرج يجد في ملاهي لندن كل ما يسليه ويرضي ذوقه)) وفي عدد آخر من هذه الجريدة الصادر في ١٥ من ديسمبر ١٩٤٣ م ((إن صناعة الأفلام في ((لندن)) و ((لشبونة)) و ((موسكو)) إلى تقدم وفي ازدهار)) . ولا تجد مثالاً لهذا التجلد والعكوف على اللذة واللهو في أشد ساعات الحرج وفي آخر ساعات العمر إلا في يونان وروما في العهد القديم.
وقد روى مراسل روتر كيف استقبل المستر تشرشل رئيس الوزارة البريطانية العام المقبل وودع العام الراحل وذلك في يوم عصيب من أيام الحرب يلجأ فيه الإنسان إلى الله ويفيق السكران ويخشع القاسي، وإليك نص البرقية:
((واشنطن، اليوم الأول من يناير (عام ١٩٤٢ م) البارحة لما كان العام الجديد يلتقي بالعام المنصرم وكان المستر تشرشل رئيس الوزارة مسافراً من كندا إلى الولايات المتحدة في قطار رسمي خرج رئيس الوزراء مستصحباً سير شارليس بورتل بغتة ودخل مطعم القطار والسيجار في فمه وكأس شمبانية في يده، وتعجب ممثلو الصحف الذين كانوا سائرين معه تناول المستر تشرشل الكأس مبتسماً وقال: ((باسم عام ١٩٤١ م ذلك العام القائد إلى الاجتهاد والتعب والفتح)) في ذلك الوقت لفظ العام الراحل نفسه الأخير وتنفس العام الجديد وأعلنت الساعة بوفوده وهنأ الصحفيون ورؤساء القطار المستر تشرشل، وأخذ رئيس الوزراء يد سير شارليس
стр. 151
بورتل بيد، وأخذ يد كاربورل هارنر بيده الأخرى وأخذ كل بيد الآخر وبدأوا يغنون في رقصة وانطلق المستر تشرشل إلى الباب وقال ليهنكم جميعاً ورزقنا الله الفتح، وجعلت الجماعة تغني في حدة وتصفيق، وخط رئيس الوزراء حرف v وانصرف إلى عربته سعيداً مسروراً)) .
قارن هذه الطبيعة المادية بالنفسية الدينية وتعاليم الدين وعمل المتدينين وسيرتهم في الحروب والأخطار ففي القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ وكان النبي ﷺ إذا حزبهُ أمر فزع إلى الصلاة، وفي سيرة ابن هشام في وقعة بدر الكبرى قال ابن إسحاق: ثم عدَّل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه فيه أبو بكر الصديق ﵁ ليس معه غيره، ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد.
والمادية لأسباب حتمية طبيعية وتاريخية وعلمية قد أصبحت شعار الحضارة الغربية والحياة الغربية منذ عهد عريق في التاريخ، ولم تزدها النشأة الجديدة والنهضة العلمية والسياسية في أوربا إلا حدة وقوة، وقد لاحظ هذا الامتياز كثير من علماء الغرب والشرق، فمن علماء
الشرق الأستاذ الألمعي الرحالة ذو النظر الثاقب عبد الرحمن الكواكبي في مستهل هذا القرن فقد قال في كتاب ((طبائع الاستبداد)) :
((الغربي مادي الحياة، قويُّ النفس شديد المعاملة، حريص على الاستئثار حريص على الانتقام، كأنه لم يبق عنده شيء من المبادئ العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها له مسيحية الشرق، فالجرماني مثلاً جاف الطبع يرى أن العضو الضعيف الحياة من البشر يستحق الموت، ويرى كل الفضيلة في القوة وكل القوة في المال، فهو يحب العلم ولكن لأجل المال ويحب المجد ولكن لأجل المال، واللاتيني منه مطبوع على العجب والطيش، يرى العقل في الانطلاق، والحياة في خلع الحياة، والشرف في الزينة واللباس، والعز في التغلب على الناس)) .
وهذا تصوير صادق للطبيعة الأوربية وتحليل صحيح للنفسية الغربية، ولا نظن المرحوم الكواكبي قد تحامى الكلام على غير الجنسين الألماني واللاتيني إلا تفادياً من الوقوع في العنت، فجعل الألماني واللاتيني مثلاً لسائر الأوربيين.
стр. 152
الغايات المادية للحركات الروحية العلمية:
وترى هذا الروح المادي في جميع نظم أوربا السياسية والاجتماعية والخلقية التي ابتكرتها أو جددتها شعوبها لهذا العهد، حتى إن الحركة الروحية التي شغلت الناس كثيراً في أوربا في الزمن الأخير إنما روحها المادية، فقد أصبحت صناعة وفناً كسائر الصناعات والفنون في أوربا، غايتها مشاهدة عجائب إقليم الروح والاطلاع على أسرارها والتحدث إلى أرواح الموتى وترويح النفس والتلهي، وليست من تزكية النفس وتصفية القلب والخشوع لله والعمل الصالح والاستعداد للموت والصبر على مكاره الحياة وهضم النفس في شيء، خلافاً للحركة الروحية والتصوف في الشرق الإسلامي.
كذلك الأعمال التي يضحي فيها الناس بنفوسهم وأرواحهم في الغرب إنما ترجع في الغالب إلى غايات مادية كحسن الأحدوثة وانتشار الصيت وخلود الذكر في التاريخ والتبريز على الناس وأن يتمجد به شعبه ويفتخر ويتشرف به وطنه ويغتبط، خلافاً للأعمال التي يبتغي بها وجه الله، فالمسلم يخاف أن يشوب عمله شيء من الرياء والسمعة فيحبطه ويسمع قول
الله تعالى: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴿١٠٤﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ، وقوله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ وقد سئل رسول الله ﷺ عن الرجل الذي يقاتل شجاعة ويقاتل رياء: أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) . وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: ((اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله كله لوجهك خالصاً ولا تجعل لغيرك فيه شيئاً)) واجتهاد الصالحين من هذه الأمة في إخفاء عبادتهم وصدقاتهم معروف في كتب التاريخ والسير.
التصوف المادي الغربي ووحدة الوجود الاقتصادي:
وقد بلغ النظر المادي والفكر المادي في أوربا درجة الاستغراق فيه والفناء ونسيان ما سوى القيم المادية، ولنضرب بذلك مثلاً بكارل ماركس ١٨١٨ - ١٨٨٣ م مؤسس الفلسفة الشيوعية.
стр. 153
يرى كارل ماركس أن النظام الاقتصادي هو روح الاجتماع وأن الدين والحضارة وفلسفة الحياة والفنون الجميلة كلها عكس لهذا النظام الاقتصادي، هو يقول: إن في كل عصر وفي كل دور من أدوار التاريخ طريقة خاصة للإنتاج الصناعي وعلى وفقها تتعين العلاقات الاجتماعية، ولكن بغد قليل لا تبقى هذه العلاقات الاجتماعية متوافقة متناسبة مع طرق الإنتاج ويجتهد بعض الناس لتشكيل هذه العلاقة تشكيلاً جديداً، وهذه هي التي تعرف في التاريخ بالانقلابات والثورات. والمؤرخ يجهل ماهيتها ولكن لا غرابة في ذلك، فإن الذين يشتركون في هذه الثورات قد لا يشعرون أنفسهم بالغاية التي يقاتلون لأجلها، ولكن يمكن لنا أن نحل هذه الألغاز ونعلم أن الارتقاء السياسي والتعديلات والتحسينات في النظم السياسية وما يطرأ عليها من التغيير والتطور ليست إلا صوراً جديدة للعلائق الاجتماعية تظهر لتجعل هذه العلائق متناسبة متوافقة بطرق الإنتاج الجديدة من جديد، ولما كان الاختلاف بين طرق
الإنتاج الصناعي والعلائق الاجتماعية التي تقوم عليها مستمراً فيكون الجهد لتطبيقها مستمراً أيضاً، وإذا تجاوز الاختلاف واشتد ظهر في شكل ثورة، ولكن لا ينبغي لنا - إذا لم يكن الاختلافات واضحة - أن ننفي وجودها وننكرها، والاختلاف بين مناهج الإنتاج الصناعي والوشائج الاجتماعية يظهر في حرب الطبقات، لأن جميع طبقات الاجتماع إنما هي أجزاء النظام الاقتصادي، ويستنتج من ذلك كارل ماركس أن التاريخ البشري غير العهد الذي كانت الحياة البشرية في طفولتها ليس إلا قصة حرب الطبقات الاجتماعية المختلفة.
وهكذا جحد الرجل جميع نواحي البشرية غير الناحية الاقتصادية ولم يعر غيرها شيئاً من العناية، ولم يقم للدين والأخلاق والروح والقلب وحتى العقل وزناً وقيمة، ولم يعترف أن أحداً منها كان عاملاً من عوامل التاريخ، وأن جميع الحروب والثورات في التاريخ لم يكن إلا ثاراً لبطن من بطن، وجهاداً في سبيل تنظيم جديد للنظام الاقتصادي وطرق الإنتاج الصناعي، وحتى الحروب الدينية لم تكن عنده إلا حرب الطبقات الاقتصادية استأثرت إحداها بموارد الثروة ووسائلها وطرق الإنتاج، واجتهدت الأخرى في أن تنافسها وتتناول قسطها أو أن تنظمها من جديد فوقعت الحرب، ويجب أن تكون كذلك في رأيه ((بدر)) و ((أُحد)) و ((الأحزاب)) و ((القادسية)) و ((اليرموك)) ، ووقائع ومعارك حفظها التاريخ.
стр. 154
فهذا هو - كما ترى - التصوف المادي الغربي، وهذه هي فلسفة وحدة الوجود وحدة الاقتصاد، ولما كان الشرقيون إنما يغلبهم الروح الديني والتأله نفى المتألهون منهم والمغلوبون وجود كل شيء سوى الله، وهتفوا في سكرهم وغلبة الحال عليهم: لا موجود إلا الله، ولما كان المفكرون الأوربيون إنما تغلبهم المادية نفوا وجود كل شيء سوى الناحية الاقتصادية وهتفوا: لا موجود إلا البطن والمعدة. إن صوفية الشرق كانوا يرون الإنسان ظلاً ربانياً، أما الماديون في الغرب فلا يرونه إلا وجوداً بهيمياً حيوانياً.
نظرية دارون وتأثيرها في الأفكار والحضارة:
وساعدهم في وجهة نظرهم هذه في جميع مسائل الإنسان وزاد الطين بلة، النظرية التي ظهرت في القرن التاسع عشر عن ارتقاء الإنسان، وكونه حيواناً مترقياً عما دونه من
الحيوانات، لم يزل يجتاز بمرحلة بعد مرحلة في رحلته النوعية التي استغرقت ألوفاً من السنين ولم يزل ينتقل من طور حيوان إلى طور آخر، من أميبا (Amoeba) إلى قرد ومن قرد إلى إنسان حتى بلغ كماله النوعي، وزعيم هذه النظرية وبطلها دارون الذي ظهر كتابه أصل الأنواع (Origin of species) سنة ١٨٥٩ م فكان حديث النوادي والمجامع والمدارس وشغل الناس الشاغل، وكانت هذه النظرية اتجاهاً جديداً لم يسبق في المسائل البشرية وما يتعلق بها، تقلب تيار الفكر وتصرف نظر الإنسان في الاستعلام والاستهداء في مسائله وفي تاريخه من الإنسان إلى الحيوان، وتجعله يعتقد أن هذا الكون سائر بغير عناية إلهية، وبغير أن تتداخل فيه قوة غير طبيعة، وأن لا علة في الكون سوى السنن الطبيعية، وأن الموجودات ترتقي من مراتب الحياة الأولى إلى مراتبها العليا بعمل فطري تدريجي عار من العقل والحكمة، وأن الإنسان وسائر أنواع الحيوان ليس من صنع صانع حكيم بل هو نتيجة نواميس طبيعية انتهى بها التنازع للبقاء وناموس بقاء الأصلح والانتخاب الطبعي الذي هو سائر في الكون إلى إنسان ناطق ذي شعور.
إن مناقضة هذه النظرية للدين والعقل في المبادئ والغايات والنتائج الفكرية والخلقية وآثارها العملية واضحة، بل كان هذا ديناً جديداً يهدم الدين القديم من الأساس ويحل محله، فلا غرابة إذاً اضطرب لها رجال الدين وحسبوا لها كل حساب، وخافوا على مصير الدين في أوروبا.
стр. 155
يقول الأستاذ جود في كتابه:
((يصعب علينا الآن أن ندرك تلك الدهشة والاستغراب الذي فاجأ أجددنا عندما ظهر كتاب أصل الأنواع لدارون، وعندما جاءت النتائج أن دارون اثبت - أو يظن أنه أثبت - أن عمل ارتقاء الحياة على هذا الكوكب (الأرض) لم يزل مستمراً متوصلاً من ظهور الأميبا (Amoeba) وفرخ البحر (Jelly Fish) في أشكاله الأولى إلى أشكاله النهائية العليا وهي أرقى أشكال الحياة وأعلاها، فلم يزل عمل الارتقاء من الأميبا إلى طورنا متواصلاً غير منقطع)) .
((بالعكس من ذلك أن الذين عاشوا في عصر فكتوريا إنما أرشدوا أن الإنسان خلق مستقل، وهو في الحقيقة نوع من ملك منحط، أما إذا كان دارون مصيباً فالإنسان لم يكن إلا قرداً راقياً، فعز على أهل عصر فكتوريا أن يكون الإنسان قرداً راقياً بدل أن يكون ملكاً منحطاً، وما طابت لهم هذه النظرية واجتهدوا أن يخلصوا الإنسان من هذه السبة التي لحقتهم من هذه العقيدة في الإنسان واقترحوا لذلك اقتراحات (١)) .
إقبال الجمهور على نظرية الارتقاء:
ولكن الجمهور والدهماء من الناس تلقوا هذه النظرية بالقبول - رغم ما فيها من ضعف ونقص من الوجهة العلمية - فهموها أو لم يفهموها - وكأن الأذهان كانت متهيئة لمثل هذه النظرية، وكأن الناس وجدوا فيها منافساً للدين ورجاله، وصعب على رجال الدين أن يعارضوا هذا التيار الجارف من أفكار الناس وأذواقهم والسيل العرم من المنشورات والمحاضرات، فوضعت الكنيسة أوزارها في هذه الحرب حتى إذا مات دارون سنة ١٨٨٣ م منحته الكنيسة الإنجليزية أكبر شرف تمنحه لإنسان، وذلك بأنها أذنت بدفنه في ويست منسترايبي محل دفن الرجال الدينيين.
стр. 156
وكان تأثير هذه النظرية بعيداً عميقاً في الأفكار والحضارة والأدب والسياسة تراه وتلمسه في أخلاق الناس، وفي نزعات الرجوع إلى الفطرة وإلى العهد الذي كان الإنسان يعيش فيه على الفطرة عارياً حراً، وفي تعيين المثل الكامل للإنسان وفي جميع الأعمال والأخلاق التي لا تصدر إلا على تسليم أن الإنسان إنما هو حيوان راق، وفي فساد الحياة المنزلية الذي يعبر عنه المستر شبرد أحد علماء الإنجليز بقوله: ((لقد ظهر في إنجلترا جيل من الناس يجهل الحياة المنزلية جهلاً باتاً، ولا يعرف غير حياة القطعان والبهائم)) .
من جنايات المادية:
وكان من نتائج هذه المادية الجارفة، والتربية اللادينية التي ليس فيها نصيب للأخلاق ومخافة الله ، والإيمان بالآخرة أن أصحاب المراكز الكبيرة، ورجال السياسة
والمسئولية يرتكبون في بعض الأحيان جنايات لا يتنزل إليها أكبر الآثمين. وذلك لمصلحة سياسية وهمية لبلادهم وأمتهم أو لجاه شخصي أو ربح مالي، فمن أغرب ما روي في تاريخ البشر من القسوة والظلم، أن الإنجليز قد أوقعوا في بنغال (الهند) مجاعة مزورة غير طبيعية، لأنهم منعوا استعمال القوارب التي يحصد الناس عليها مزارع الأرز - وهو غذاء بنغال - واحتكروا الحبوب في مقدار عظيم للجند، ولم يمكنوا الناس منها حتى فسدت وضاعت، ومات مئات الألوف من الناس جوعاً، والحبوب وفيرة في البلاد، والمواصلات ميسورة، والقطر غادية رائحة، والهند بلاد مخصبة تستطيع أن تغذي بلاداً أخرى. وذلك كله لما توقعوه من إقبال الناس على التجنيد , وليرهنوا على فشل الحكم الذاتي في إدارة البلاد.
وقد تغافل لورد ماونت بيتن حاكم الهند العام سنة ١٩٤٧ عما يدبر من الفتك بالمسلمين في دلهي وبنجاب الشرقية , فقد اتصلت به أنباء المؤامرات والخطط التي كانت تبيت ضد العنصر الإسلامي في هذه المنطقة , وأنذره الخبراء بوقوع اضطراب طائفي هائل , فنام على كل ذلك انتقاماً من أن المسلمين لم ينتخبوه حاكماً عاماً لباكستان كما فعل أهل الهند، ولتكون هذه الاضطرابات الطائفية , والحروب الأهلية حجة على عدم أهلية أهل البلاد للاستقلال , وكونهم عيالاً على الإنجليز في الأمن والنظام، فكان نتيجة ذلك , تلك المجزرة البشرية الهائلة التي عقمت القرون أن تلد مثلها.
стр. 157
ومن ذلك أن ((ريدكلف)) الذي اختاره الفريقان الهنديان حكماً في مسألة بعض مدن بنجاب هل تنضم إلى هندوستان، أو إلى باكستان حكم حكماً جائراً، فكان نتيجة ذلك جلاء المسلمين من فيرزوبور، وكورداسبور، ومتاعب عظيمة، وخسائر كبيرة في النفوس والأموال.
أما تأييد ترومان للصهيونية، ودولة إسرائيل في فلسطين، ومعارضته للقضية العربية التي لا غبار عليها، لأجل أن يكسب ود اليهود ويتمتع بنفوذهم السياسي والمالي والصحافي، وليكسب انتخابه، وتعاميه عن براهين الدولة العربية الساطعة، وسكوت أمريكا على فظائع فرنسا في الجزائر، ووقوفها بجوار هذه الدولة الجائرة في قضية الجزائر العربية الإسلامية،
وتعاونها على الإثم والعدوان، فقضية تنبئ عن ضعف أخلاق العظماء في أوربا وأمريكا، ودوران الحياة السياسية على الفوائد لا المبادئ.
стр. 158
الفصل الثاني
الجنسية والوطنية في أوربا
انكسار الكنيسة اللاتينية سبب قوة العصبية والقومية والوطنية:
قدمنا أن الوطنية والقومية والاعتداد الشديد بالشعب والموقع الجغرافي من خصائص الطبع الأوربي الذي سرى في العنصر الأوربي مسرى الروح، وجرى منه مجرى الدم وأصبح طبيعة ثانية له، ولكن النصرانية قهرت هذه الطبيعة، لأنها - على علاتها، وبرغم ما طرأ عليها من التحريف والتبدل - لا يزال عليها مسحة من تعليم المسيح، وفيها أثارة من علمه، والدين السماوي مهما تحرف وتغير لا يعرف الفرق المصطنعة بين الإنسان والإنسان، ولا يفرق بين الأجناس والألوان والأوطان، فجمعت النصرانية الأمم الأوربية تحت لواء الدين وجعلت من العالم النصراني عشيرة واحدةِ، وأخضعت الشعوب الكثيرة للكنيسة اللاتينية فغلبت العصبية القومية والنعرة الوطنية، وشغلت الأمم عنها لمدة طويلة، ولكن لما قام لوثر سنة ١٤٨٣ - ١٥٢٦ م بحركته الدينية الإصلاحية الشهيرة ضد الكنيسة اللاتينية، ورأى من مصلحة مهمته أن يستعين بالألمان جنسه ونجح في عمله نجاحاً لا يستهان بقدره، وانهزمت الكنيسة اللاتينية في عاقبة الأمر فانفرط عقدها، استقلت الأمم، وأصبحت لا تربطها رابطة، ولم تزل كل يوم تزداد استقلالاً في شؤونها وتشتتاً. حتى إذا اضمحلت النصرانية نفسها في أوربا قويت العصبية القومية والوطنية، وكان الدين والقومية ككفتي ميزان كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى، ومعلوم أن كفة الدين لم تزل تحف كل يوم، ولم تزل كفة منافسته راجحة، وقد أشار إلى هذه الحقيقة التاريخية الفاضل الإنجليزي المعروف لورد لوثين Lord Lothian السفير البريطاني السابق في أمريكا في خطبته التي ألقاها في حفلة جامعة عليكرة في يناير سنة ١٩٣٨ م.
((لما قضت حركة لوثر التي تدعى حركة إصلاح الدين على وحدة أوربا الثقافية والدينية، انقسمت هذه القارة في إمارات شعبية مختلفة، أصبحت منازعاتها ومنافساتها خطراً خالداً على أمن العالم)) .
وكان نتيجة الانحطاط الديني، وانخفاض مبادئ الدين والأخلاق، رجحان كفة الوطنية والجنسية؛ يقول ((لورد لوثين)) في نفس هذه الخطبة:
стр. 159
((إن الدين الذي هو المرشد اللازم للإنسان والوسيلة الوحيدة لحصول الغاية الخلقية، والشرف المعنوي للحياة البشرية، كان نتيجة الانحطاط في سلطانه أن فتن العالم الغربي بمذاهب سياسية تقوم على أساس اختلاف الأجناس والطبقات وآمن - بتأثير العلوم الطبيعية- أن الرقي المادي هو الغاية العليا، والوطر الأكبر، ولا يزال يزيد هذا الأمر في مشاكل الحياة وأثقالها وتكاليفها، وكان من نتائج ذلك أيضاً أنه صعب على أوربا أن توفق بين روحها وحياتها توفيقاً ينقذها من القومية، داهية هذا العصر الكبرى (١)) .
طوائف العصبية الجنسية في أوربا:
كان نتيجة انحلال النظام الديني وانتعاش النعرة القومية أولاً، أن أصبحت أوربا معسكراً واحداً ضد الشرق كله، وخطت خطّاً فاصلا بين الغرب والشرق أو بين أوربا وبين سواها من القارات والأقاليم، والجنس الآري وبين ما عداه من أجناس البشر، يعد أن كل ما دون هذا الخط له الفضل على كل ما وراءه من نسل وشعب وثقافة وحضارة وعلم وأدب، وأن الأول خلق ليسود ويحكم، والثاني ليخضع ويدين، والأول ليبقى ويزدهر، والثاني ليموت ويضمحل، وهذا بعينه ما امتاز به اليونان والروم في عهدهم، فقد كانوا لا يعدون مهذبين إلا أنفسهم فقط، وكانوا يسمون كل شيء غريباً، خصوصاً كل ما كان واقعاً في شرق المحيط الأطلانتيكي - بربرياً.
وكان نتيجة هذه النفسية الجنسية والعصبية ضد كل ما جاء من الخارج ويعزى إلى أجنبي، أن صار بعض الشعوب الأوروبية ينظر إلى الدين المسيحي وإلى المسيح كطارئ ونزيل يريدون أن ينفوه من بلادهم ويتبرأوا منه، يمثل ذلك ما قال أحد المعلمين في ألمانية وهو البروفسور أترني:
((لأي شيء يدرس أولادنا تاريخ أمة أجنبية، ولماذا يقص عليهم قصص إبراهيم وإسحق؟ ينبغي أن يكون إلهنا أيضاً ألمانياًَ)) .
стр. 160
ونشأت في ألمانيا طائفة تتبرأ من سيدنا المسيح ﵇ لكونه من بني إسرائيل، والذين لا يزالون يدينون له بالحب والتعظيم يجتهدون أن يثبتوا أنه كان من سلالة آرية، وظهرت في ألمانية نزعة إلى إحياء الآلهة القومية القديمة التي كان يعبدها الشعب الألماني في عهده القديم.
وليست روسيا العالمية بأقل حماسة للعصبية الجنسية والوطنية من منافسها القديم ألمانيا.
فيعتقد الناس في روسيا أن أغلب الاختراعات الكبرى في العصر الحديث إنما يرجع الفضل فيها إلى الروس.
فليس ((لافوازييه)) هو واضح القانون الخاص بتركيب الأجسام، بل هو مدين بما ينسب إليه للعالم الروسي ((ميشيل لوموتوسوف)) وليس ((لأديسون)) فضل في استخدام الكهرباء في الإضاءة فقد سبقه ((لووجين)) الروسي بست سنوات إلى غير ذلك، ونشرت جريدة برافدا: أن العلماء الروسيين توصلوا إلى اختراع التلغراف قبل ((مورس)) وإلى تسيير القاطرة البخارية قبل ((ستفنسن)) ، إلى غير ذلك من تحديات للتاريخ ليس الباعث عليها إلا العصبية الجنسية وتقديس ((روسيا)) .
عدوى الجنسية في الأقطار الإسلامية:
ومما يدعو إلى الأسف والاضطراب، أن هذه العدوى الجنسية قد سرت إلى بعض الأقطار الإسلامية التي كان يجب وكان من المترقب أن تكون زعيمة لدعوة الإسلام العالمية، حاملة في عصرها لرسالة الأمن والسلام، وأن تكون جبهة قوية ضد الجنسية والوطنية، وذلك بانحلال الدين في هذه البلاد، وبتأثير الآداب الأوربية والحضارة الغربية، فترى في الترك النزعة الطورانية والدعوة إلى إحياء جاهليتها القديمة وآدابها وثقافتها، والنظرة إلى الدين الإسلامي الذي انتشر على أيدي العرب وشريعة الإسلام وثقافته ولغته نظرة شبه نظرة ألمانيا الجديدة إلى الأديان التي جاء بها الأنبياء من غير النسل الآري والآداب السامية وثقافتها،
فاعتقد بعض المفكرين في تركيا الفتاة أن الإسلام دين طارئ غريب لا يصلح للترك، وأن الأولى بهم أن يرجعوا إلى وثنيتهم الأولى قبل أن اعتنق آباؤهم الدين الإسلامي، تقول الكاتبة خالدة أديب هانم عن ((ضياء كوك ألب)) من كبار مؤسسي تركيا الجديدة أدباً وتهذيباً:
стр. 161
((كان ضياء كوك ألب يريد أن ينشئ تركيا جديدة تكون صلة بين الأتراك العثمانيين وبين أسلافهم الطورانيين، فقد كان يريد أن يقوم بإصلاح مدني بواسطة المعلومات التي جمعها عن التنظيمات السياسية والمدنية في عهد الأتراك قبل الإسلام، كان ضياء يعتقد ويؤمن بأن الإسلام الذي وضعه العرب لا يصلح لشأننا، ولابد لنا من إصلاح ديني يوافق طبائعنا إذا لم نرجع إلى عهدنا الجاهلي (١)) .
ومما لا شك فيه أن هذه النزعة قد وجدت في الترك وكذلك في الإيرانيين في الزمن الأخير:
قال المرحوم الأمير ((شكيب أرسلان)) وهو الخبير الثقة فيما يتعلق بالترك فضلاً عن العرب لطول مكثه في تركيا وكان عضواً في مجلس الأمة:
((وهناك فئة ثانية تدعى الفئة الطورانية تخالف الفئة الأولى، - أي الفئة التي تقول بالقومية العثمانية الإسلامية - في كل هذه النظريات، وأشهر دعاتها ضياء كوك ألب وأحمد أغائف، ويوسف أقشورا اللذان قدما من روسيا، وجلال ساهر، ويحي كمال، وحمدالله صبحي رئيس وجاق ((تورك بوردي)) ومحمد أمين بك الشاعر الملي، وكثير من الأدباء والمفكرين، وأكثر الطلبة والنشء الجديد. وهؤلاء يزعمون أن الترك هم من أقدم أمم البسيطة وأعرقها مجداً، وأسبقها إلى الحضارة، وأنهم هم والجنس المغولي واحد في الأصل، ويلزم أن يعودا واحداً، ويسمون ذلك بالجامعة الطورانية، ولم يقتصروا منها على الترك الذين في سيبريا وتركستان الصين وفارس والقوقاس والأناضول والروملي، بل مبدؤهم مد هذه الرابطة إلى المغول في الصين، وإلى المجر والفنلانديين في أوربا، وكل ما يقال إنه ينتمي إلى أصل طوراني، وهم يقولون بخلاف ما يقول الأولون، فهم ترك أولاً ومسلمون ثانياً، وشعارهم عدم التدين وإهمال الجامعة الإسلامية، إلا إذا كانت خادمة لنفوذ القومية الطورانية
، فتكون عندئذ واسطة لا غاية، وقد غلا كثير من هذه الفئة في الطورانية حتى قالوا: نحن أتراك فكعبتنا طوران، وهم يتغنون بمدائح جنكيز، ويعجبون بفتوحات المغول، ولا ينكرون شيئاً من أعمالهم، وينظمون الأناشيد للأحداث في وصف الوقائع الجنكيزية ليطبعوهم على الإعجاب بها ويرقوا
стр. 162
مستوى نفوسهم بزعمهم (١)) .. وقال أيضاً:
((وهذا ولما كان هذا العصر عصر القوميات كما لا يخفى اقتداء بالأمم الأوربية في الزمن الأخير كانت القومية الفارسية قد أخذت تشتد أكثر من ذي قبل، وذلك نظير ما حصل عند الترك، وصار كثير من ناشئة الفرس يبحثون عن دين فارس القديم، وذلك نظير ناشئة الترك الذين أخذوا يبحثون عن عبادات أجدادهم وعن الذئب الأبيض الذي كانوا يعبدون، حتى صوروه في بعض كتبهم الحديثة، وقال لهم المرحوم (موسى كاظم) شيخ الإسلام - وهو الذي أخبرني بذلك -: إن العرب كانت عندهم عبادات كهذه تقشعر منها الأبدان، ولكنهم اقتلعوها بالإسلام وافتخروا بأن الله لطف بهم وأنقذهم منها ورفعهم عن مستوى تلك السفالات. وأما أنتم فتريدون أن تتناسوا الاعتقاد بالبارئ تعالى وتتذكروا عبادة الذئب الأبيض، فيا للأسف)) .
((فكما حصل عند الترك حصل عند الفرس وصار ناشئتهم يبحثون عن أديانهم القديمة التي منها الكيومرتية (أي تعظيم النور) والتحرز من الظلمة. ومن هنا جاءتهم عبادة النار، ومنها فرقة (زرادشت) الذي كان يدعو إلى وحدانية الله، ويقول: إنه خالق النور والظلمة وإن الخير والشر إنما حصلا بامتزاجهما، وإنهما لو لم يمتزجا لما كان وجود للعالم، إلى غير ذلك من العقائد والأوابد والآثار التي كانت عند قدماء الفرس: كالثنوية، والزردشتية، والمانوية، ومنهم من يبحث عن المزدكية التي كانت تدعو إلى الإلحاد والإباحية (٢)) .
الديانة القومية الأوربية وأركانها:
والخطوة الثانية في هذا الطريق أن أصبحت الشعوب والدول في أوربا، الصغيرة منها والكبيرة، عوالم مستقلة لا ترى العالم خارج الخطوط التي خطتها الطبيعة من جبال وأنهار، أو خطتها بيدها من غاية سياسية واستعمار، ولا تعترف
стр. 163
بوجود الإنسان في غير منطقتها فلا تحترمه ولا تعرفه، واتخذت نفسها إلها تدين له بكل ما يدين به العباد المخلصون من عبادة وتقديس وأضاح هي دماء الآخرين ونفوسهم وأموالهم وبلادهم، وقتال في سبيله، وتفان في طاعته، ومحيا وممات لأجله، وهذا الدين القومي يشتمل على شيئين: إيجابي وسلبي، أما الإيجابي فهو الاعتقاد بأن الشعب أو الأمة فوق كل شيء، وأفضل من كل شيء، وأن الله - إذا كانت الأمة تعترف به وتعتقد أو ترى أن من المصلحة أن تستعمل هذه الكلمة - لم يخلق أفضل من هذه الأمة، ولا أنجب منها، ولا أذكى ولا أقوى ولا أحق بالحكم والسيادة والولاية على الأمم، والرعاية للعالم منها، وأنها أمينة ووكيله ووصيه في الأرض، ولم يخلق بلاداً أحب إليه من هذه البلاد، ولا تربة أذكى من تربتها، وهذا هو الدين القومي الذي لا يسمح لإنسان أن يعيش في بلاده حتى يؤمن به.
ولا تختلف شعوب أوربا الحاضرة ودولها في هذه الديانة القومية إلا في الصراحة والنفاق، وأن بعضها تقول وتفعل، وبعضها تفعل ولا تقول، فإن بذرة القومية والوطنية إذا ألقيت في أرض فإنها لا تلبث أن تنشأ وتمد عروقها في الأرض ثم تصير شجرة، فدوحة تظلل الأمة، ولا يمكن لشعب أن يؤمن بالقومية، ثم لا يعتدي ولا يتطاول أو لا يريد أن يعتدي ويتطاول ولا يمقت الآخرين، ولا يزدريهم، كما لا يمكن أن يسرف الإنسان في الخمر، ثم لا يسكر ولا يهذي كما قال الشاعر:
ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء
خصوصاً إذا كان العلم والأدب والشعر والفلسفة والتاريخ وحتى العلوم الطبيعية متعاونة على إنشاء العاطفة القومية والنعرة الشعبية والخيلاء الجنسية والفخر بالآباء والتعظيم بالماضي، ولا يكون رادع من خلق ولا وازع من دين، وتولى القيادة رجال لا يعرفون غير القومية والمجد القومي غاية مرمى، ومن مقومات هذه الحياة القومية التي لا تقوم بغيرها، الكراهة
والخوف، وذلك هو الجزء السلبي في دين القومية، فإن الحماسة القومية لا تظهر ولا تبقى حتى يكون للشعب ما يكرهه ويخافه، فلا يزال القائدون يثيرون الكامن من عواطفه، ويذكرون الخامد من حميته ويضربون على الوتر الحساس وهو الكراهة والخوف، فلولاهما لانقشعت سحابة القومية وتراجع سيلها.
стр. 164
وقد حلل ذلك الأستاذ ((جود)) تحليلاً فلسفياً نفسياً فقال:
((إن العواطف التي هي مشتركة والتي يمكن إثارتها بسهولة هي عواطف المقت والخوف التي تحرك جماعات كبيرة من الدهماء، بدل الرحمة والجود والكرم والحب، فالذين يريدون أن يحكموا على الشعب لغاية ما، لا ينجحون حتى يلتمسوا له ما يكرهه ويوجدوا له من يخافه، وإذا أردتُ أن أوحد الشعوب ينبغي أن أخترع لهم عدواً على كوكب آخر - على القمر مثلاً - تخافه هذه الشعوب، فلم يعد من دواعي العجب أن الحكومات القومية في هذا العصر في معاملتها لجيرانها إنما تقاد بعواطف المقت والخوف، فعلى تلك العواطف يعيش من يحكمونها، وعلى تلك العواطف يقوى الاتحاد القومي (١)) .
الحل الإسلامي لمعضلة الحرب والمناقشات الشعوبية:
إن هذا الحل الذي قدمه الأستاذ ((جود)) لمشكلة الأمم ومعضلة الحروب والمنافسات الشعوبية حل عادل وتوجيه معقول، فلا تنصرف عداوة الشعوب والأمم بعضها لبعض حتى يكون لها عدو من غيرها تشترك في عداوته وكرهه والمخافة منه. وتتعاون في الحرب معه، ولكن هذا لا يحتاج إلى اختراع وإبداع، ولا يلزم أن يوجد لها عدو على كوكب آخر كالقمر والمريخ، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد؟ فالدين ينبه إلى أن هذا العدو للنوع الإنساني ولذرية آدم يوجد على الأرض نفسها، وحق على كل إنسان أن يعاديه ويحترس منه ويتعاون مع بني نوعه في معاداته ومحاربته يقول القرآن: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ .
وقد قسم الإسلام العالم البشري إلى قسمين فقط، أولياء الله وأولياء الشيطان، وأنصار الحق وأنصار الباطل، ولم يشرع حرباً ولا جهاداً إلا ضد أنصار الباطل وأولياء
стр. 165
الشيطان أينما كانوا ومن كانوا، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ . وهذه الحروب التي لم يشهد التاريخ أيمن منها وأقل إراقة للدماء وذهاباً بالنفس، ولا أعود منها على الإنسانية بالصالح العام والخير المشترك والسعادة جمعاء فلا يربو عدد المقتولين من الفريقين (المسلم والكافر) في جميع الغزوات والسرايا والمناوشات التي ابتدأت من السنة الثانية للهجرة، ودامت إلى السنة التاسعة على ألف وثمانية عشر نفساً ١٠١٨ المسلمون منهم ٢٥٩ والكفار ٧٥٩ (١) أما المصابون في حرب ١٩١٤ - ١٩١٨ الكونية فيبلغ عددهم على الأصح واحداً وعشرين مليون نسمة (٢) ٠٠٠,٠٠٠, ٢١ عدد المقتولين منهم سبعة ملايين ٠٠٠ ,٠٠, ٧ وقدر المستر مكستن (Maxton) عضو البرلمان الإنجليزي أن المصابين في الحرب الثانية الكبرى ١٩٣٩.... لا يقل عددهم عن خمسين مليون ٠٠٠ ,٠٠٠, ٥٠ وقد كلف قتل رجل واحد في الحرب الأولى عشرة آلاف جنيه، أما مجموع نفقاتها فيبلغ ٠٠٠,٠٠٠,٠٠٠,٣٧ جنيه أما نفقات الحرب الثانية لساعة واحدة فمليون من الجنيهات ٠٠٠,٠٠٠,١ (٣) .
ثم كانت الحروب الدينية الإسلامية حاقنة للدماء عاصمة للنفوس والأموال وفاتحة عهد السعادة والغبطة في العالم، أما حرب التنافس والحمية الجاهلية التي تدعى الحرب الكبرى فقد كانت مقدمة حروب متسلسلة؛ وإليك ما قال المستر لويد جورج بطل الحرب الكبرى ورئيس الوزارة الإنجليزية حينئذ:
стр. 166
((لو رجع سيدنا المسيح إلى العالم لما عاش إلا قليلاً، إنه سيرى الإنسان لا يزال بعد ألفي سنة مشغوفاً بالشر والإفساد والقتل والفتك بيني نوعه، والنهب والإغارة، بل إن أكبر حرب في التاريخ قد استغرقت دم جسم الإنسانية وأهلكت الحرث والنسل حتى أصابت الناس مجاعة، وماذا يرى السيد المسيح يا ترى؟ هل يرى الناس يتصافحون كالإخوان والأصدقاء؟ لا. بل يراهم يتهيأون لحرب أشد هولاً من الأولى وأعظم فتكاً وتعذيباً؛ يراهم يتسابقون في اختراع الآلات الجهنمية ويبتدعون وسائل التعذيب (١)) .
وليس اشتغال هذه الشعوب بالعداوة والحروب فيما بينها، وما هذه القومية والوطنية الخ إلا لانصراف هذه الشعوب عن عداوة عدوها الحقيقي ونسيانها له، فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكل، وكما قال الشاعر الجاهلي:
وأحياناً على بكر أخينا *** إذا ما لم نجد إلا أخانا
فإذا عرفت عدوها وعرفت ضرره على نفسها، وعرفت خطره وقوته كان ذلك مشغلة لها عن كل حرب وعداوة وشح ومنافسة وأحقاد وهمية وتراث مصطنعة. وقد قالت العرب قديماً: ((عند الحفيظة تذهب الأحقاد)) وهكذا جعل محمد ﷺ من قبائل العرب المتعادية التي كانت سيوفهم تقطر من دمائهم كالأوس والخزرج في المدينة، وبني عدنان وبني قحطان في الجزيرة، والأجناس المتباينة في العالم، أمة واحدة ومعسكراً واحداً إزاء الكفر والجاهلية، إذ جعل لها في خارجها ما تكرهه وتعاديه، وهو الباطل والطاغوت ووكلاؤه وأنصاره، وشغلها بحربه وقرأ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ فنسيت أحقادها وتراثها ولم تتذكرها إلا لما انصرفت عن عدوها وتشاغلت عن قتاله ومعاداته فكانت حروب داخلية وفتن يعرفها الجميع.
стр. 167
دعاية القوميين وإضرارهم بالشعوب الصغيرة:
ولا يزال القوميون في داخل البلاد وخارجها يزينون للشعوب الصغيرة القومية ويطرون أدبها ولسانها وثقافتها وتهذيبها، ويمجدون لها تاريخها حتى تصبح نشوانة بالعواطف القومية والخيلاء والكبرياء، وتدل بنفسها وتظن أنها مانعتها حصونها وما أعدت للحرب، وتنقطع عن العالم وتتحرش أحياناً بالدول الكبيرة غروراً بنفسها، أو تهجم عليها الدول فلا تلبث إلا عشية أو ضحاها، وتذهب ضحية لقوميتها وانحصارها في دائرة ضيقة، ولا يغني أولئك المسئولون عنها شيئاً ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ كذلك وقع لبولندة وبلجيكا وهولاندة ويونان ودنمارك، وهكذا وقع لإيران والعراق في الحرب الثانية.
مطامح الدول الكبيرة:
أما الدولة الكبيرة فترى من واجب قوميتها أن تبسط سيطرتها على أكبر رقعة من الأرض وترفرف أعلامها على مساحات واسعة وإن كانت قفاراً أو صحارى وتكون لها مستعمرات وممتلكات في قارات مختلفة، وأن كان ذلك يكلفها جيوشاً وأموالاً بغير فائدة جدية تعود عليها ويصعب عليها حراستها والقيام بشئونها، كل ذلك مما توجبه عليها شريعة القومية، وليس لها غاية أخلاقية وتمرة أدبية غير ما تسميه ((المجد القومي والشرف القومي)) .
وقد شرح الأستاذ ((جود)) المجد القومي بقوله:
((إن المجد القومي إنما يعني أن يكون الشعب يملك قوة يسلط بها رغبته وهواه على آخرين إذا مست الحاجة، ويكفي لشناعة ما يسمونه (المثل الكامل للشعب) وهو المجد القومي إنه يناقض الصفات الخلقية والفضيلة إذا كانت بلاد لا تقول إلا صدقاً، وتفي بوعودها وتعامل الضعفاء معاملة إنسانية فمستوى شرفها عند الأمم منحط فالشرف - كما قال المستر بلدون -: عبارة عن قوة تنال الأمة بها المجد والفخار وتستلفت إليها الأنظار وتشغل الأفكار، ومعلوم أن هذه القوة التي تنال الأمة بها هذه الدرجة من الشرف إنما تتوقف على قنابل نارية متفجرة ومشعلة للنيرات، وعلى وفاء الشبان وولائهم للوطن، الذين يحبون
إلقاء تلك القنابل على المدن. فالشرف الذي يمدح لأجله شعب يناقض تلك الصفات والأخلاق التي يمدح بها الفرد، فأرى أن الشعب يجب أن يعد همجياً وغير مهذب بالمقدار الذي يملكه من
стр. 168
الشرف، إذا ليس من الشرف أن ينال الإنسان أو الشعب الشرف بالخديعة والمكر والظلم (١)) .
((إن الكبر - أكثر من الطمع - هو الذي يحمل الطبقة الحاكمة في بريطانيا على اتباع خطط لا تتفق مع ما يتظاهرون به من حب الصلح والوئام، دع رجلاً يقترح على ولاة الأمر في بريطانيا أن يهجروا قيراطاً من رمل من ممتلكاتها التي لا تغرب فيها الشمس ومن أشدها قحولة وجدباً، تر المحافظين الأبطال في إنجلترا يقيمون العالم ويقعدونه سخطاً وحنقاً، وترى الصحافة الإنجليزية المعتدلة تتميز غيظاً، إذاً تعلم أن هؤلاء المحافظين ليسوا طماعين فقط بل هم مستكبرون معاندون (٢)) .
منافسة الشعوب في المستعمرات والأسواق:
وقد سبقت إلى هذا الاستعمار والامتلاك أمم وتخلفت أخرى، ثم نهضت الأخيرة تنافسها وتطالب بأسهامها وتبحث لها عن مستعمرات وأسواق لبضائعها وشرفات تغزو عليها على المجد والفخار، وتعد بفضلها من الإمبراطوريات الكبار، وقامت الأولى تدفعها وتحول بينها وبين ما تشتهي، وتزعم أنها إنما تغضب للأمم الصغيرة ونصرة المظلوم. ولكن كثيراً من الناس، من أنفسها ومن الأجانب، يشكون في إخلاص هذه الأمم وفي صفاء طويتها وحسن نيتها.
يقول الأستاذ ((جود)) : ((الانجليزي - جاهلاً أو متجاهلاً للمسائل التي أدت إلى قسمة ضيزى للعمران، ضارباً صحفاً عن سخط الشعوب مثل اليابانيين - يعتقد أن الإنجليز أمة سلمية ويرمي اليابانيين بحب القتال والضراوة بالحروب. والإنجليز لا شك أمة سلمية، ولكن مسالمتهم مسالة لص قد اعتزل حرفته القديمة، وقد أحرز شرفاً وجاهاً بفضل غنائمه
السابقة، وهو يبغض الذين يدخلون جديداً في حرفته القديمة، عنده فضول أموال وغنائم لا يستهلكها، ولكنه يلقب الذي يريدون أن يساهموا في ذلك بهواة الحرب (٣)) .
стр. 169
وكثيراً ما تنشب الحرب بين هذه الأمم السابقة إلى السيادة والتملك وبين الأمم المتطلعة لها الطامحة إليها، ولكن هذه الحرب لا يصح قياسها على حرب تشهر لردع الظالم والانتصار للمظلوم وإقامة القسط عملاً بقول الله : ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات) ، ولكن هذه الحرب حرب شح ومنافسة، وحرب غيرة وحسد، ما كانت جمعية الأمم (الفقيدة) التي كانت هذه الحروب تشهر تحت إشرافها، ولا خليفتها الأمم المتحدة)) إلا كما قال الأمير شكيب أرسلان: ((مثل العروض بحراً بلا ماء، ما وجدت إلا لتلبس الاعتداء حلة قانونية، وتسوغ الفتوحات بتغيير الأسماء، لا يطيعها سوى ضعيف عاجز، ولا تستطيع أن تحكم على قوي متجاوز)) أو في لفظ فقيد الإسلام الدكتور محمد إقبال: ((جمعية لصوص ونباشين تألفت لتقسيم الأكفان)) .
قال الأستاذ (جود) الإنجليزي:
((إن حرباً تشهر تحت إشراف عصبة الأمم ليست للعدل بين الأمم يقوم بها شرطة العالم للأخذ على يد الظالم وعقاب المعتدي، ليست هذه الحرب إلا كفاحاً بين الطوائف المتنافسة في القوة. الواحدة منها حريصة على المحافظة على القسط الأكبر من ثروة العالم ومواردها، والأخرى متهالكة على تحصيلها، إن مثل هذه الحروب لا تختلف عن حروب نشبت بين الطوائف المتنافسة في الماضي، ولا عن حروب النمسا وبروسيا (١) ، وعن حروب السنوات
السبع (٢) وعن حروب نابليون؛ وعن حرب ١٩١٤ - ١٩١٨. لا تختلف هذه الحرب عن هذه الحروب كلها إلا في الاسم.
стр. 170
أما التذرع بأن هذه الحروب إنما نصبت للدفاع عن الديمقراطية وعن عصبة الأمم، وضد الفاشية والاعتداء فلا يغير من الموقف شيئاً (١)) .
الفرق بين حكم الجباية، وحكم الهداية:
روي أن عمر بن عبد العزيز خليفة المسلمين قال لعامله مرة: ((ويحك إن محمداً صلى ... الله عليه وسلم بُعِث هادياً ولم يُبْعَثْ جابياً)) وهذه الجملة تعرب عن روح الحكومة الدينية التي تتأسس على منهاج النبوة، وتسير على آثار الأنبياء وخطتها وسياستها، فتكون عنايتها واهتمامها بالدين وبإصلاح أخلاق المحكومين وبما يعود عليهم بالنفع والضرر في الآخرة أكثر من اهتمامها بالجباية والخراج وأنواع المحاصيل والإيراد، وتنظر في جميع مسائل السياسة والمالية من الوجهة الدينية وتقدم المبادئ الدينية والخلقية على المنافع والمصالح المادية، فتمنع الخمر وتحرم الزنا وأنواع الخلاعة والفجور والعقود المالية الفاسدة النافعة للأفراد المضرة بالمجتمع، فتحظر الربا والقمار وإن كان ذلك يرجع على الحكومة بالخسارة المادية الفادحة، وتشرع مشاريع إصلاحية وتراقب الأخلاق وتعنى بتهذيب النفوس، وإن كان ذلك يكفلها أموالاً طائلة وميزانية ضخمة، ونتيجة هذا النوع من الحكومات إذا قامت في بلاد مَّا بَّينها القران وتنبأ بها للمهاجرين الأولين: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
أما الحكومات التي تقوم للجباية لا للهداية، وللانتفاع لا للنفع، فطبيعي أن تكون عنايتها مصروفة إلى أنواع الخراج والمحاصيل والغلات، وكثيراً ما يكون ذلك على حساب الأخلاق والفضائل والنظام المنزلي، فتبيح أنواعاً كثيرة من الخلاعة والفجور بقيود تنظمها ولا تمنعها، فتسمح بالبغاء الرسمي، وقد ترابي نفسها وتبيح القمار، وكثيراً من الجنايات
والجرائم الخلقية بتغيير الأسماء وتحديد بعض الأشياء تأميناً لمصالحها، ولا تبيح الخمر فقط بل تبيعها وتتولى تجارتها وتنظيمها وتحاكم
стр. 171
وتعاقب من يمنعها ويجاهد ضدها، وقد تجبر أهل بعض البلاد على اشتراء المخدرات التي تصدرها، كما فعل بعض الحكومات الأوربية في آسيا مع أهل الصين، فطبيعي كذلك أن تصاب هذه الشعوب المحكومة في أخلاقها وترزأ في روحها وقلبها، بل إن أهل البلاد ينحط مستوى أخلاقهم لمجرد المخالطة بهذه الشعوب الحاكمة ومجاورتها، ويلحقهم عدوى الأمراض الخلقية الفاشية في الأقطار الأوربية التي ولدتها الحضارة المادية هنالك، وذلك ما أقروا به. أنفسهم وشكوا منه.
فالحكومات الأوربية تحمل معها مفاسد الحضارة الغربية وشرورها، وكيف يرجى من هذه الحكومات أن تزدهر الفضيلة والأخلاق ويرقى مستوى أخلاق الشعب في ظلها ودولتها، ولم يكن ذلك في بلادها وأوطانها، وليس ذلك من رسالتها ومهمتها، ولا مما تدين به وتعتقده ((وكل إناء بالذي فيه ينضح)) ولم تزل طريق الملوك والفاتحين غير طريق الأنبياء والهداة والمصلحين، وإن الحقيقة التي ذكرها القرآن على لسان ملكة سبأ حقيقة راهنة لا تختلف في الأزمنة والأمكنة:
﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ .
стр. 172
الفصل الثالث
أوربا إلى الانتحار
عصر الاكتشاف والاختراع:
إذا عرفت عصور التاريخ بما يميزها عن غيرها، وأضيفت إليه، أمكننا أن نسمي هذا العصر عصر الاكتشاف والاختراع، وعصر اللاسلكي والكهرباء؛ وفضل الأوربيين وتقدمهم في هذا الباب وعبقرية رجال الاكتشاف والاختراع وإبداعهم من القضايا التي لا تقبل المكابرة.
ولكن مهما بالغ المبالغون في إطراء الصناعات والمخترعات الحديثة في أوربا، وبرغم إعجابنا بها والثناء على مكتشفيها ومخترعيها، ينبغي ألا ننسى أن هذه الصناعات والمخترعات ليست غايات في نفسها مقصودة بالذات، بل هي وسائط ووسائل لغاية أخرى نحكم عليها بالخير والشر، والنفع والضر، بمقياس هذه الغاية وكونها خيراً أو شراً، ونحكم عليها بالنجاح والخيبة بالقياس إلى مطابقتها للغاية التي وضعت لها، والنظر في النتائج التي حصلت منها، والدور الذي لعبته في حياة الناس ومجتمعهم وأخلاقهم وسياستهم.
الغاية من الصناعات والمخترعات، وموقف الإسلام منها:
أما الغاية فعلى ما أرى هي التغلب على العقبات والصعوبات في سير الحياة التي سببها الجهل والضعف، والانتفاع بقوى الطبيعة المودعة في هذا الكون وخيراتها وخزائنها المبثوثة فيها، واستخدامها لمقاصد صحيحة من غير علو في الأرض ولا فساد.
كان الإنسان يسافر في الزمن القديم ماشياً، ثم ألهم أن يسخر لذلك الحيوان، فاتخذ العجلات واتخذ الجياد العتاق، ثم لم يزل يتدرج في السرعة والاختراع حتى وصل من المركبة إلى القطار، ومنه إلى السيارة، ومنها إلى الطيارة، وكذلك من السفينة الشراعية إلى البواخر، فلا بأس، بل يا حبذا إذا كان ذلك كله تابعاً لمقاصد صحيحة يسافر الإنسان بها من مكان
إلى مكان لغرض صحيح جدي مثمر، ويحمل عليها أثقاله إلى بلد لم يكن بالغه إلا بشق النفس؛ ويوفر الوقت والقوة
стр. 173
وينتفع بها في الخير. وقس على ذلك سائر القوى الطبيعية والمخترعات الحديثة التي ينتفع بها الإنسان انتفاعاً مشروعاً ويستخدمها لمقاصد رشيدة نافعة.
إن موقف الإسلام في ذلك بيِّن واضح، فقد أخبر أن الإنسان خليفة الله في الأرض قد سخر الله العالم لأغراضه الصحيحة بتصرف منه وغير تصرف فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ، وقال: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ﴿٣٢﴾ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴿٣٣﴾ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم) ، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء) ليلاحظ القارئ الإطلاق في قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ، وقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ، وقال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿٦﴾ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿٧﴾ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل) . قد منَّ الله في هذه الآية على الإنسان بتمكينه لبلوغ غايته من غير شق النفس، واستدل به على رأفته به، ورحمته له، وقال: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿١٢﴾ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (الزخرف) . وما أجدر الإنسان أن يقول إذا استوى على سيارة أو طيارة: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ، فهو أبعد من أن يكون مقرناً لقطع من صفيح وحديد لا حياة فيها ولا حركة، يسخرها له تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ولا ينس أنه راجع إلى الله ومحاسب على ما أوتي من قوة وسعة، فإن أساء استعمال هذه القدرة والتمكين عوقب على ذلك.
وكذلك لا ينس أنه عبد خاضع لله منقاد لحكمه لا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا يطغ، فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى.
وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ
стр. 174
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد) . فالحديد فيه منافع للناس ومن أكبر منافعه أنه يستخدم لنصر الله ورسله، ولذلك قدم عليه ذكر إرسال الرسل، وإنزال الكتب.
فالمسلم ينتفع بكل ما خلق الله وأودع في الكون من قوة في سبيل الجهاد في سبيل الله، وفي نشر دينه، وإظهاره على الدين كله وإعلاء كلمته، وفيما أباح الله له ورغبة فيه من تجارة مشروعة وكسب حلال، وسفر بر، ومنافع مباحة.
إنما طائركم معكم:
إن المصنوعات الجمادية لا ذنب عليها، فإنها خاضعة لإرادة الإنسان وعقليته وأخلاقه، فهي في ذات نفسها ليست خيراً ولا شراً، ولكن الإنسان هو الذي يجعلها باستعماله لها خيراً أو شراً، وكثيراً ما تكون خيراً في نفسها، فيحولها الإنسان شراً بسوء استعماله وخبث سريرته، وفساد تربيته، فليس الشأن في هذه الآلات والمخترعات، إنما الشأن فيمن يستغلها وفي الغرض الذي يستعملها له. وحقيق أن يقال - لمن أصبح يتطير في أوربا من هذه الآلات، ومن الطيارات التي تقذف القنابل، وتدمر المنازل، وتنسف القرى والمدن، والغواصات التي تغرق بواخر الركاب المسالمين والتجار الآمنين، واللاسلكية التي تذيع الكذب والزور، وتنشر الخلاعة والمجون ويشكو منها، ويوجه إليها الملام -: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ فإن العلوم الطبيعية تسخر للإنسان القوة المادية، وليس من شأنها أن تعلمه أيضاً كيف يستعملها، وفيم يضعها، كالكبريت يعطيك ناراً؛ ولك أن تحرق بها بيتاً على سكانه، أو تطبخ طعاماً أو تستدفئ بالنار، والذي يعلم كيف يستعمل الإنسان القوة وفيما يضعها هو الدين، فالدين يرشد الإنسان كيف ينتفع بقوته انتفاعاً حقيقياً، وكيف يشكر نعمة الله، ويحظر على الإنسان أن يكون بقوته التي خوله الله إياها معيناً على الظلم والجريمة والإثم والعدوان، كما
قال موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ (القصص) : وقال سليمان: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .
стр. 175
التخليط بين الوسائط والغايات:
أما الأوربيون فقد حرموا أنفسهم الدين، فلم يبق لهم رادع من خلق أو وازع من دين، أو مرشد من علم إلهي يرشدهم إلى الجادة، ونسوا غاية خلقهم ومبدأهم ومصيرهم وقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ فاعتقدوا بطبيعة هذه العقيدة أن ليس للإنسان وراء اللذة والراحة والانتفاع المادي والعلو في الأرض وبسط السيطرة عليها - كمملكة لا سيد لها ولا وارث - والتغلب على أهلها والاستئثار بخبراتها وخزائنها، مقصد ولا غاية، فاستعملوا هذه القوة والعلم في حصول اللذات والتغلب على الناس وقهر المنافسين، وتنافسوا في اختراع الآلات التي ينالون بها وطرهم ويعجزون بها غيرهم، ولم يزل بهم ذلك حتى اختلطت عليهم الوسائط بالغايات، فاعتقدوا الوسائط غايات، وافتتنوا بالمخترعات والمكتشفات كغاية في نفسها لا لغيرها، وعكفوا عليها وتشاغلوا بها كتشاغل الصبيان باللعب والدُّمى، واعتقدوا أن الراحة هي الحضارة ثم تقدموا وصاروا يعتقدون أن السرعة هي الحضارة.
يقول الأستاذ جود:
((يقول دزرائيلي Disraeli إن المجتمع في عصره يعتقد أن الحضارة هي الراحة، أما نحن فنعتقد أن الحضارة عبارة عن السرعة، فالسرعة هي إله الشباب العصري، وإنه يضحي على نُصبه بالهدوء والراحة والسلام والعطف على الآخرين من غير رحمة (١)) .
عدم تعادل القوة والأخلاق في أوربا:
إن الأوربيين قد فقدوا تعادل القوة والأخلاق والتوازن بين العلم - بظاهر من الحياة الدنيا - والدين منذ قرون، فلم تزل القوة والعلم في أوربا بعد النهضة الجديدة
стр. 176
ينموان على حساب الدين والأخلاق، ولم يزل الأولان في ارتفاع وارتقاء، والآخران في انخفاض وانحطاط، حتى بعدت النسبة بينهما، ونشأ جيل كأنه ميزان لصقت إحدى كفتيه بالأرض وهي كفة القوة والعلم، وخفت الثانية - وهي كفة الأخلاق والدين - حتى ارتفعت جداً، وبينما يتراءى هذا الجيل للناظر في خوارقه الصناعية وعجائبه الكونية وتسخيره للمادة والقوى الطبيعية لمصالحه وأغراضه كأنه فوق البشر إذا هو لا يتميز في أخلاقه وأعماله، في شرهة وطمعه، في طيشه ونزقه، وفي قسوته وظلمه عن البهائم والسباع، وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة، إذا هو لا يدري كيف يعيش! وبينما هو قد بلغ الغايات ووراء الغايات في الكماليات وفضول الحياة، إذا هو لا يدري كيف يعيش! وبينما هو قد بلغ الغايات ووراء الغايات في الكماليات وفضول الحياة، إذا هو لم يعرف المبادئ الأولية والبديهيات للحياة الإنسانية والمدنية والأخلاق، فتراه يصعد إلى السماء ويريد أن يناطح الجوزاء، وهو لم يتقن شئون الأرض ولم يصلح ما تحت قدميه، وقد خولته العلوم الطبيعية قوة قاهرة وهو لا يحسن استعمالها، كفل صغير أو سفيه أو مجنون يملك أزمَّة الأمور ويؤتى مفاتيح الخزائن، فهو لا يزيد على أن يعبث بالجواهر الغالية والنفائس المخزونة ويعيث في دماء الناس ونفوسهم.
قوة الآلهة، وعقل الأطفال:
يقول الأستاذ ((جود)) الإنجليزي: ((إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلهة، ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش (١)) .
ويقول في موضع آخر:
إن هذا التفاوت بين فتوحنا العلمية المدهشة، وطفولتنا الاجتماعية المخجلة، نواجهه على كل منعطف ومنعرج نستطيع أن نتحدث من وراء القارات والبحار ونرسل الصور
بالبرق ونركب اللاسلكية في منازلنا، ونستمع في سيلان إلى دقات (Big Ben) - الساعة العظمى - تضرب في لندن، ونركب فوق الأرض
стр. 177
والبحر وتحتهما، والأطفال يتحدثون على الأسلاك البرقية، والآلات الكاتبة صامتة، وتملأ الأسنان من غير إيجاع، والزروع تنمى بالكهرباء، والشوارع تفرش بالمطاط، وأشعة روتنجن (x-rays) نوافذ نطل منها على داخل أبداننا، والصور المتحركة تتكلم وتغني، ويكشف عن المجرمين والمغتالين باللاسلكية، والغواصات تذهب إلى القطب الشمالي والطيارات تطير إلى القطب الجنوبي ومع ذلك كله لا نقدر في وسط مدننا الكبرى أن نخصص رحبة يلعب فيها أطفال الفقراء في راحة وسلام، ونتيجة ذلك أنا نقتل منهم ألفين (٢٠٠٠) ونجرح منهم تسعين ألفاً (٩٠٠٠٠) سنوياً، قال لي فيلسوف هندي في انتقاده اللاذع لإطرائي لعجائب حضارتنا: وكان بعض سواق السيارات قد نجح في قطع ثلثمائة أو أربعمائة ميل في ساعة على رمال (pendine) ، وطارت طائرة من موسكو إلى نيويورك في فترة قليلة من الزمن قال الفيلسوف: نعم! إنكم تقدرون أن تطيروا في الهواء كالطيور وتسبحوا في الماء كالسمك، ولكنكم إلى الآن لا تعرفون كيف تمشون على الأرض (١)) .
ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم:
وقد أصبحت هذه المخترعات والمكتشفات الجديدة - مما كانت تعود على النوع الإنساني بخير كبير لو كان مستعملها يعرف الخير ويقدر أن يتجه إليه - أصبحت وضررها أكبر من نفعها، وكان كما قال القرآن عن السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ . اسمع شاهداً من أهلها ينتقد هذه المخترعات ويبوح بالحقيقة وهو ((جود)) السابق الذكر:
((وقد استطعنا أن نسافر بسرعة زائدة من مكان إلى مكان، ولكن الأمكنة التي نسافر إليها قلما نصلح للسفر، وقد زويت الأرض للرحالين وتدانت الأمم ووطئ بعضها عتبة بعض، ولكن كان نتيجة ذلك أن توترت العلاقات بينها وأصبحت أسوأ مما كانت، أما المرافق التي استطعنا بها أن نتعارف بجيراننا فقد عادت فحشرت
стр. 178
العالم في الحرب، اخترعنا آلة الإذاعة
وتحدثنا بها إلى الشعوب المجاورة والأمم الشقيقة، ولكن كان عاقبتها أن كل شعب يستنفد موارد الهواء لإيذاء الشعب المجاور ومعاكسته، إذ يجتهد أن يقنعه بفضل نظامه السياسي على نظامه (١)) .
((انظر إلى الطيارة التي تحلق في السماء يخيل إليك أن صانعيها كانوا في علمهم ولباقتهم وصناعتهم فوق البشر، والذي طاروا عليها أولاً لاشك أنهم كانوا في علو همتهم وعزمهم وجرأتهم أبطالاً مغاوير، ولكن انظر الآن إلى المقاصد التي استعملت لها الطيارة وتستعمل لها في المستقبل، إنما هي قذف القنابل وتمزيق جثث الإنسان وخنق الأحياء وإحراق الأجساد وإلقاء الغارات السامة، وتقطيع المستضعفين الذي لا عاصم لهم من هذا الشر إرْباً إرباً، وهذه إما مقاصد الحمقى أو الشياطين (٢)) .
((وما عسى أن يقول المؤرخ غداً كيف كنا نستعمل معدن الذهب؟ سيذكر أنا توصلنا إلى أن نخبر عن الذهب باللاسلكي، وسيستعرض الصور التي تمثل اللياقة والمهارة التي كان أصحاب المصارف يزنون بها الذهب ويعدونه، وكيف تحدينا قانون الجاذبية في نقله من عاصمة إلى عاصمة، وسيسجل أن أشباه الوحوش الذين كانوا ماهرين وجرآء في فتوحهم الصناعية كانوا عاجزين عن التعاون الدولي الذي كان يقتضيه ضبط الذهب والتقسيم الصحيح، وكانوا لا يعنون إلا بأن يدفنوا المعادن بالسرعة الممكنة، وكانوا يستخرجون الذهب والمعادن من بطون الأرض في جنوب إفريقية، ويدفنونها في مصارف لندن ونيويورك وباريس (٣)) .
ويتناول هذه البحث - التفاوت بين العلم والصناعة وبين الأخلاق الإنسانية، وإخفاق الحضارة الحديثة في أداء رسالتها - مفكر آخر يجمع بين العلم بالفلسفة والعلوم الطبيعية في تحليل أدق وأسلوب أعمق وهو الدكتور (Alexis Carrel) في كتابه - الإنسان، ذلك المجهول - (Man the Unknown.) :
стр. 179
((يظهر أن الحضارة العصرية لا تستطيع أن تنتج رجالاً يملكون الابتكار والذكاء والجرأة. وفي كل قطر تقريباً يرى الإنسان في الطبقة التي تباشر إدارة الأمور وتملك زمام البلاد انحطاطاً في الاستعداد الفكري والخلقي.
إننا نلاحظ أن الحضارة العصرية لم تحقق الآمال الكبيرة التي عقدتها بها الإنسانية وإنما أخفقت في تنشئة الرجال الذين يملكون الذكاء والإقدام الذي يسير بالحضارة على الشارع الخطر الذي تتعثر عليه، إن الأفراد والإنسانية لم تتقدم بتلك السرعة التي تقدمت بها المؤسسات التي نبعث من عقولها، إنها هي نقائص القادة السياسيين الفكرية والخلقية وجهلهم الذي يعرض أمم العصر للخطر (١)) .
((إن الوسط الذي أنشأه العلوم الطبيعية وعلم الصناعات للإنسان لا يناسب الإنسان لأنه مرتحل لم يقم على تصميم وتفكير سابق، ولم يراع فيه الانسجام مع شخصية الإنسان، إن هذا الوسط الذي هو وليد ذكائنا واختراعاتنا لا يطابق قاماتنا ولا أشكالنا، نحن غير مسرورين، نحن في انحطاط الأخلاق وفي العقول، أن الأمم التي ازدهرت فيها الحضارة الصناعية وبلغت أوجها هي أضعف مما كانت، وهي تسير سيراً حثيثاً إلى الهمجية ولكنها لا تدرك ذلك، إنه لا حارس لها من المحيط الثائر الذي أقامته العلوم الطبيعية حول هذه الأمم. الحق يقال إن حضارتنا - كالحضارات التي تقدمتها - قد فرضت شروطاً للبقاء ستجعل - لأسباب لا تزال مجهولة - الحياة محالاً، إن علمنا بالحياة وكيف يجب أن يعيش الإنسان متأخر جداً عن علمنا بالماديات، وهذا التأخر هو الذي جنى علينا (٢)) .
((لا يجنى نفع من الزيادة في عدد المخترعات الآلية، لا فائدة في أن نعلق أهمية كبرى على اكتشافات علوم الطبيعية والفلكيات وعلم الكيمياء، أي خير في الزيادة في الراحة والشرف، والجمال والمنظر وكماليات حضارتنا إذا منع ضعفنا من الانتفاع بذلك وتوجيهه إلى صالحنا. إنه لا خير في أحكام طريق للحياة يقصى فيه
стр. 180
العنصر الخلقي وتبعد منه أشرف
عناصر الأمم العظيمة، إن الأليق بنا أن نعنى بأنفسنا أكثر من أن نعنى بصناعة بواخر أسرع وسيارات أربح، وراديوات أرخص، وتلسكوبات لفحص هيكل سديم على بعد سحيق (١))
((ما هو مدى التقدم الحقيقي الذي نحققه حينما تنقلنا إحدى الطائرات إلى أوربا أو إلى الصين في ساعات قلائل؟ هل من الضروري أن نزيد الإنتاج بلا توقف حتى يستطيع الإنسان أن يستهلك كميات أكثر فأكثر من أشياء لا جدوى منها؟ أليس هناك أي ظل من الشك في أن علوم الميكانيكا والطبيعة والكيمياء عاجزة عن إعطائنا الذكاء والنظام الأخلاقي والصحة والتوازن العصبي والأمن والسلام (٢)) .
أوربا في الانتحار:
والحاصل أن الغربيين لما فقدوا الرغبة في الخير والصلاح، وضيعوا الأصول والمبادئ الصحيحة، وزاغت قلوبهم وانحرفت، وفسدت أذواقهم لم تزدهم العلوم والمخترعات إلا ضرراً، كما أن الأغذية الصالحة تستحيل في جسم الممعود والموبوء مرضاً وفساداً، بل لم تزدهم هذه الآلات والمخترعات إلا قوة وسرعة في الإهلاك واستعانة على الانتحار؛ وقد أحسن المستر ايدن Eden رئيس وزراء بريطانيا السابق وصف ذلك في بعض خطبه سنة ١٩٣٨ م:
((إن أهل الأرض كادوا يرجعون في أخريات هذا القرن إلى عهد الهمجية والوحشية، ويعيشون عيشة سكان الكهوف والمغارات، ومن الغريب المضحك أن البلاد والدول تنفق ملايين من الجنيهات على وقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها، ولكنها لا تنفق على ضبطها، وإني أتعجب في بعض الأحيان وأقوال: كيف لو زار العالم الجديد زائر من كوكب آخر وهبط إلينا فما عسى أن يشاهده؟ سيجدنا نعد العدة لإهلاك بعضنا، ونتبادل الأنباء عنها ويخبر بعضنا كيف نستعمل هذه الآلات الجهنمية)) .