Полный текст (1 695 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
فِيهِ. وَمِنْهَا: الْمَقْبُوضُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَمِنْهَا: الْعَبْدُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ. وَمِنْهَا: الْعَبْدُ إذَا جَنَى فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ غَيْرَ عَالَمٍ بِهَا وَقُلْنَا يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهِ، هَلْ الْمُعْتَبَرُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ أَوْ قِيمَتُهُ يَوْمَ إعْتَاقِهِ
٥٧ - وَمِنْهَا: الرَّهْنُ إذَا هَلَكَ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتُهُ وَمِنْ الدَّيْنِ.
٥٨ - فَالْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْهَلَاكِ. لِقَوْلِهِمْ: إنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ فِيهِ حَتَّى كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ فِي حَيَاتِهِ؛ وَكَفَنُهُ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ، كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
وَمِنْهَا: لَوْ أَخَذَ مِنْ الْأُرْزِ وَالْعَدَسِ وَمَا أَشْبَهَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الرَّهْنُ إذَا هَلَكَ إلَخْ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ لَيْسَ مَنْقُولًا فَإِنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ قَوْلَهُمْ أَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ وَالْأَمَانَاتُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا إذَا هَلَكَتْ مَضْمُونَةً يَوْمَ الْهَلَاكِ مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ: لَوْلَا مَا يُخَالِفُهُ مِنْ الْمَنْقُولِ فَقَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ يُخَالِفُ ضَمَانَ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ اسْتِهْلَاكِهِ يَضْمَنُهَا الْمُرْتَهِنُ إيَّاهُ يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَحُكْمُ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَإِلَى الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ سَقَطَ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ. وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ: وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ وَلَمْ أَدْرِ لِمَاذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا لِمَا قَالَهُ؟
(٥٨) قَوْلُهُ: فَالْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْهَلَاكِ. أَقُولُ: نَصَّ فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهُ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْقَبْضِ. نُقِلَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَذُكِرَ أَنَّ مَا هُنَا مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَنْقُولِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَأَنْتَ إذَا أَمْعَنْت النَّظَرَ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ قَطَعْت بِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْهَلَاكِ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ وَفِي صُورَةِ الِاسْتِهْلَاكِ يَوْمَ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ وَقَعَ عَلَى عَيْنٍ مُودَعَةٍ حَقِيقَةً فَتَأَمَّلْ
стр. 1402
ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا مَثَلًا لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ ثُمَّ اخْتَصَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ؛ هَلْ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْأَخْذِ أَوْ يَوْمَ الْخُصُومَةِ؟ قَالَ فِي الْيَتِيمَةِ: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْأَخْذِ. قِيلَ لَهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا بَلْ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَ مَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ. قَالَ: يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ سَوْمٌ حِينَ ذَكَرَ الثَّمَنَ (انْتَهَى)
وَمِنْهَا: ضَمَانُ عِتْقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَانَ مُوسِرًا وَاخْتَارَ السَّاكِتُ تَضْمِينَهُ؛ فَالْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ كَمَا اُعْتُبِرَ حَالُهُ مِنْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ
وَمِنْهَا: قِيمَةُ وَلَدِ الْمَغْرُورِ الْحُرِّ، فَفِي الْخُلَاصَةِ: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ حُكِيَ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ يَوْمَ الْقَضَاءِ. وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ يَوْمِ الْخُصُومَةِ. وَمَنْ اعْتَبَرَ يَوْمَ الْقَضَاءِ فَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَتَرَاخَى عَنْهَا. وَلِهَذَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَوَّلًا اعْتِبَارَ يَوْمِ الْخُصُومَةِ، وَثَانِيًا اعْتِبَارَ يَوْمِ الْقَضَاءِ. وَلَمْ أَرَ مَنْ اعْتَبَرَ يَوْمَ وَضْعِهِ
وَمِنْهَا: ضَمَانُ جَنِينِ الْأَمَةِ. قَالُوا: لَوْ كَانَ ذَكَرًا وَجَبَ عَلَى الضَّارِبِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ أُنْثَى، كَذَا فِي الْكَنْزِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ. وَهُمَا فِي الْقَدْرِ سَوَاءٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ يَوْمِ الْوَضْعِ
وَمِنْهَا: قِيمَةٌ الصَّيْدِ الْمُتْلَفِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ؛ فَفِي الْكَنْزِ فِي الثَّانِي بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ فِي مَقْتَلِهِ أَوْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ الزَّمَانَ وَالظَّاهِرُ فِيهِمَا يَوْمُ قَتْلِهِ كَمَا فِي الْمُتْلِفِ
وَمِنْهَا: قِيمَةُ اللُّقَطَةِ إذَا تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ انْتَفَعَ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَجِدْ مَالِكَهَا
فَالْمُعْتَبَرُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1403
قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّصَدُّقِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا
وَمِنْهَا: قِيمَةُ جَارِيَةِ الِابْنِ إذَا أَحْبَلَهَا الْأَبُ وَادَّعَاهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِقِيمَتِهَا قُبَيْلَ الْعُلُوقِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ شَرْطًا لِلِاسْتِيلَادِ عِنْدَنَا لَا حُكْمًا
وَمِنْهَا: قِيمَةُ الصَّدَاقِ إذَا انْتَصَفَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَكَانَ هَالِكًا، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ يَوْمُ الْقَضَاءِ بِهِ أَوْ التَّرَاضِي لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الزَّوْجِ النِّصْفَ إلَّا بِأَحَدِهِمَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَهَذِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فَاغْتَنِمْهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1404
[الْكَلَامُ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ]
ِ ١ - تَجِبُ فِي مَوَاضِعَ؛ أَحَدُهَا الْإِجَارَةُ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا الْفَاسِدَةُ، وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لَهُ الْمُؤَاجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إنْ فَرَّغْتَهَا الْيَوْمَ وَإِلَّا فَعَلَيْك كُلُّ شَهْرٍ كَذَا، وَقِيلَ: يَجِبُ الْمُسَمَّى. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ مُشْتَرِي الْعَيْنِ لِلْأَجِيرِ اعْمَلْ كَمَا كُنْت وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْأَجْرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ. وَمِنْهَا: لَوْ عَمِلَ لَهُ شَيْئًا وَلَمْ يَسْتَأْجِرْهُ وَكَانَ الصَّانِعُ مَعْرُوفًا بِتِلْكَ الصَّنْعَةِ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَبِهِ يُفْتَى.
وَمِنْهَا: فِي غَصْبِ الْمَنَافِعِ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مَالَ يَتِيمٍ أَوْ وَقْفًا أَوْ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ.
وَلَيْسَ مِنْهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: تَجِبُ فِي مَوَاضِعَ. أَقُولُ يُزَادُ عَلَيْهَا مَوَاضِعُ مِنْهَا مَا فِي التَّنْوِيرِ: لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضَ وَقْفٍ وَغَرَسَ فِيهَا ثُمَّ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاؤُهَا بِأَجْرِ الْمِثْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ وَلَوْ أَبَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْقَلْعَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا فِي التَّنْوِيرِ أَيْضًا: مُتَوَلِّي أَرْضَ الْوَقْفِ أَجَّرَهَا بِغَيْرِ أَجْرِ الْمِثْلِ يَلْزَمُ مُسْتَأْجِرَهَا تَمَامُ أَجْرِ الْمِثْلِ.
وَمِنْهَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُتُونِ: رَفَعَ ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا بِدِرْهَمٍ فَخَاطَهُ قَبَاءً؛ خُيِّرَ الدَّافِعُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَوْ أَخَذَ الْقَبَاءَ بِأَجْرِ مِثْلِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْمُسَمَّى، وَمِنْهَا دَفَعَ غُلَامَهُ إلَى حَائِكٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِيَتَعَلَّمَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى أَخْذِ أَجْرٍ فَبَعْدَ تَعَلُّمِهِ طَلَبَ الْأُسْتَاذُ مِنْ الْمَوْلَى وَالْمَوْلَى مِنْهُ يُنْظَرُ إلَى عُرْفِ الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَشْهَدُ لِلْأُسْتَاذِ يُحْكَمُ بِأَجْرِ مِثْلِ تَعْلِيمِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ يَشْهَدُ لِلْمَوْلَى فَبِأَجْرِ مِثْلِ الْغُلَامِ عَلَى الْأُسْتَاذِ، وَكَذَا لَوْ دَفَعَ ابْنَهُ إلَى حَائِكٍ كَمَا فِي الدُّرَرِ نَقْلًا عَنْ قَاضِي خَانْ.
وَمِنْهَا مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: بَاعَ أَرْضًا بِدُونِ الزَّرْعِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ وَاسْتَشْكَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ قَطْعُهُ وَتَسْلِيمُ الْأَرْضِ فَارِغَةً. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِرِضَى الْمُشْتَرِي
стр. 1405
لِمَا إذَا خَالَفَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمُؤَجِّرَ إلَى شَرْطٍ بِأَنْ حَمَلَ أَكْثَرَ مِنْ الْمَشْرُوطِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ أَجْرُ مَا زَادَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَالْأَجْرَ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَمِنْهَا: إذَا فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ كَانَ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ. وَمِنْهَا: إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ، فَإِنَّهُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَهُ. وَمِنْهَا: إذَا فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْفَوَائِدِ.
وَمِنْهَا: عَامِلُ الزَّكَاةِ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي أَعْوَانَهُ. وَفَائِدَتُهُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ أَجْرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْ؛ بِأَنْ حَمَلَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ أَمْوَالَهُمْ إلَى الْإِمَامِ، فَلَا أَجْرَ لَهُ.
وَمِنْهَا: النَّاظِرُ عَلَى الْوَقْفِ، إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْوَاقِفُ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَقْفُ طَاحُونَةً يَسْتَغِلَّهَا الْمُوقِفُ عَلَيْهِمْ؛ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. وَهَذَا إذَا عَيَّنَ الْقَاضِي لَهُ أَجْرًا. فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ وَسَعَى فِيهِ سَنَةً فَلَا شَيْءَ لَهُ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْقَاضِي، وَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ أَجْرُ النَّظَرِ وَالْعِمَالَةِ لَوْ عَمِلَ مَعَ الْعَمَلَةِ (انْتَهَى) . وَمِنْهَا: الْوَصِيُّ إذَا نَصَّبَهُ الْقَاضِي وَعَيَّنَ لَهُ أَجْرًا بِقَدْرِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ جَازَ.
٢ - وَأَمَّا وَصِيُّ الْمَيِّتِ فَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ. وَمِنْهَا: الْقَسَّامُ لَوْ لَمْ يُسْتَأْجَرْ بِمُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْلِ. وَمِنْهَا:
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا وَصِيُّ الْمَيِّتِ فَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
قِيلَ: ذُكِرَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ فَيَكُونُ هَذَا الصَّحِيحُ خِلَافَ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ نَقْلَ الْقُنْيَةِ لَا يُعَارِضُ نَقْلَ قَاضِي خَانْ.
стр. 1406
يَسْتَحِقُّ الْقَاضِي عَلَى كِتَابَةِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ فِي الزَّرْعِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ مَعْنَاهُ بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا وَإِلَّا فَلَا أَجْرٌ لَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
الثَّانِي: إذَا وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ وَكَانَ هُنَاكَ مُسَمًّى فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَيَنْقُصُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا وَجَبَ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
الثَّالِثُ: يَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.
الرَّابِعُ: إذَا وَجَبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَكَانَ مُتَفَاوِتًا مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَقْصِي وَمِنْهُمْ مِنْ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَجْرِ يَجِبُ الْوَسَطُ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ اثْنَيْ عَشَرَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ عَشَرَةٌ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ أَحَدَ عَشَرَ، وَجَبَ أَحَدَ عَشَرَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: يَسْتَحِقُّ الْقَاضِي عَلَى كِتَابَةِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ. أَقُولُ فِي حَاوِي الزَّاهِدِيِّ: وَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي أَوْ الْمُفْتِي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلَى حُكْمِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَسَعُ فِيهِ مُطَالَعَةُ كُتُبِ الْفِقْهِ إلَى أَنْ يَجِدَ مَسْأَلَتَهُ وَيَكْتُبَ كِتَابًا لَهُ يَجْعَلَهُ فِي دِيوَانِهِ وَكِتَابُهُ يَجْعَلُهُ فِي يَدِهِ وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا الْخُصُومَةَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَجْرَ الْمِثْلِ لِفَسَادِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُسَمَّى، وَلَكِنْ يَحْتَرِزُ أَهْلُ الْوَرَعِ عَنْهُ، وَلَوْ أَخَذَ أَجْرَ الْمِثْلِ لِلْقِسْمَةِ وَكِتَابَةِ الصَّكِّ فَقَطْ يَحِلُّ بِلَا حِيلَةٍ إنْ لَمْ يُرْزَقْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجِبَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ قَبْلُ بَلْ الْوَاجِبُ بَيَانُ الْحُكْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ وَبَيَانُ الْحَقِّ لِمَنْ لَهُ فَقَطْ وَعَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْحُكْمِ كَالْقِسْمَةِ وَكِتَابَةِ الصَّكِّ (انْتَهَى) .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَسْأَلَةٌ سُئِلْت عَنْهَا لَوْ سُئِلَ الْمُفْتِي عَمَّا لَا يُمْكِنُهُ أَوْ عَمَّا يَعْسُرُ عَلَيْهِ جَوَابُهُ بِاللِّسَانِ وَلَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ كَمَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ الَّتِي تَدِقُّ كُسُورُهَا جِدًّا وَلَا تَثْبُتُ فِي حِفْظِ السَّائِلِ هَلْ يُفْرَضُ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ مَعَ تَيَسُّرِهَا أَمْ لَا؟ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالْحُكْمِ لَكِنَّ النَّظَرَ الْفِقْهِيَّ يَقْتَضِي وُجُوبَ مُطْلَقِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَهُ يَقْتَضِي وُجُوبَهَا عَلَيْهِ حَيْثُ تَعْسُرُ أَوْ تَعَذَّرَ بِاللِّسَانِ وَيَكُونُ الْجَوَابُ بِالْكِتَابَةِ نَائِبًا عَنْ الْجَوَابِ بِاللِّسَانِ لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ
стр. 1407
بِخِلَافِ التَّقْوِيمِ؛ لَوْ اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ فِي مُسْتَهْلَكٍ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ قِيمَتُهُ أَقَلُّ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ، ذَكَرَهُ الْأَقْطَعُ فِي بَابِ السَّرِقَةِ.
الْخَامِسُ: أَجْرُ الْمِثْلِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ يَطِيبُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ حَرَامًا.
وَالْكُلُّ مِنْ الْقُنْيَةِ. وَقَدَّمْنَا حُكْمَ زِيَادَةِ أَجْرِ الْمِثْلِ فِي الْفَوَائِدِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوَابِ اللِّسَانِيِّ فَيَكْتُبُ الْمُفْتِي مَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَعَسَّرُ النُّطْقُ بِلَا كِتَابَةٍ حَيْثُ تَيَسَّرَتْ لَهُ آلَةُ الْكِتَابِ لِأَجْلِ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ فَيَقْرَأُ عَلَى السَّائِلِ فَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الرُّقْعَةِ لَهُ وَلَا أَنَّهُ يُفَهِّمُهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيُحَفِّظُهُ مَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ التَّكْلِيفِ وَلَا يُؤَاخَذُ الْمُفْتِي بِسُوءِ حِفْظِ السَّائِلِ وَقِلَّةِ فَهْمِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى الْمُفْتِي الْجَوَابَ بِأَيِّ طَرِيقٍ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ.
وَكُلُّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ فَهُوَ فَرْضٌ وَحَيْثُ كَانَ فِي وُسْعِ الْمُفْتِي الْجَوَابُ بِالْكِتَابَةِ لَا بِاللِّسَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِهَا حَيْثُ تَيَسَّرَتْ آلَتُهَا بِلَا مَشَقَّةٍ عَلَيْهِ بِأَنْ أَحْضَرَهَا لَهُ السَّائِلُ وَلَا يَلْزَمُ الْمُفْتِيَ بَدَلُهَا مِنْ عِنْدِهِ لَهُ، وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ وُجُوبُ تَحْصِيلِهَا عَلَى الْمُفْتِي كَمَاءِ الْوُضُوءِ لِيَحْصُلَ بِهِ مَا هُوَ الْمَفْرُوضُ عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَلْدَةِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ؛ وَالْإِفْتَاءُ طَاعَةٌ وَالطَّاعَةُ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ فَمَا يُرَاعِي فِي غَيْرِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ يُرَاعِي فِيهِ فَرْضًا وَوُجُوبًا وَاسْتِحْبَابًا وَنَدْبًا فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ
[تَنْبِيهَاتٌ]
(٤) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ التَّقْدِيمِ مَتَى اخْتَلَفَ تَقْوِيمُ الْمُقَوِّمِينَ فِي مُسْتَهْلَكٍ إلَخْ. قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا: سَأَلَنِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ لِمَ آخُذُ بِالْأَكْثَرِ هُنَا؟ قُلْت: لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْأَقَلِّ نَافِيَةٌ، فَقَالَ: فَفِي الْأُجْرَةِ لِمَا آخُذُ بِالْأَقَلِّ قُلْت؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ضَمَانِ الْمَنَافِعِ فَتَأَمَّلْ
стр. 1408
الْكَلَامُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ:
١ - الْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِهِ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَبَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مَا هُوَ وَبِمَنْ يُعْتَبَرُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ هُنَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا؛ ٢ - فَيَجِبُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ أَوْ تَسْمِيَةِ مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحُرِّ وَالْقُرْآنِ وَخِدْمَةِ زَوْجٍ حُرٍّ وَنِكَاحٍ آخَرَ وَهُوَ نِكَاحُ الشِّغَارِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْكَلَامُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ]
قَوْلُهُ: الْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِهِ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ.
وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ وَالْجَامِعِ لِلتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا الصَّدَاقَ كَامِلًا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِهِ فِي تَزْوِيجِ بِنْتِ وَاشِقٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَبِرْوَعُ كَجَرْوَلَ وَلَا يُكْسَرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَهْلُ الْحَدِيثِ يَرَوْنَهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَيَفْتَحُونَ الْبَاءَ وَيَقُولُونَ:
إنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِعْوَلٌ إلَّا خِرْوَعٌ لِهَذَا الثَّبْتِ الْمَعْرُوفِ وَعِتْوَدٌ اسْمُ وَادٍ (انْتَهَى) . وَهُوَ تَابِعٌ لِلْجَوْهَرِيِّ وَقَدْ اُسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَيُفْتَحُ أَوَّلُهُ وَذَرْوَدُ وَعَتْوَرُ.
(٢) قَوْلُهُ: فَيَجِبُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ. أَقُولُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَحْرِ: " إنَّ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ بِتَمَامِهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَشْتَرِطَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا شَيْئًا " لِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْمُحِيطِ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ هَذَا الْعَبْدَ يُقْسَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ وَعَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ بَذَلَتْ الْبُضْعَ وَالْعَبْدَ بِإِزَاءِ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَالْبَدَلُ يَنْقَسِمُ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمُبْدَلِ فَمَا أَصَابَ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَالْبَيْعُ فِيهِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهَا بَاعَتْهُ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ وَالْبَاقِي يَصِيرُ مَهْرًا (انْتَهَى) . وَيُخَالِفُهُ مَا نَقَلَاهُ أَيْضًا: لَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: أَتَزَوَّجُك عَلَى أَنْ تُعْطِينِي عَبْدَك هَذَا فَقَبِلَتْ جَازَ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا شَيْءَ
стр. 1409
وَمَجْهُولُ الْجِنْسِ.
٤ - وَالتَّسْمِيَةُ الَّتِي عَلَى خَطَرٍ وَفَوَاتِ مَا شَرَطَهُ لَهَا مِنْ الْمَنَافِعِ بِشَرْطِ الدُّخُولِ فِي الْكُلِّ أَوْ الْمَوْتِ. وَأَمَّا إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَهُ؛ فَالْمُتْعَةُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
لَهُ مِنْ الْعَبْدِ فَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ. وَقَدْ يُقَالُ: أَنَّ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ يُجْعَلْ الْعَبْدُ مَبِيعًا بَلْ هِبَةً فَلَا يَنْقَسِمُ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِعْطَاءَ وَالْعَطِيَّةَ وَالْهِبَةَ وَفِي الْأَوَّلِ جَعَلَ الْعَبْدَ مَبِيعًا فَانْقَسَمَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ الدُّعَاءَ لَا الْإِعْطَاءَ (انْتَهَى) .
(٣) قَوْلُهُ: وَمَجْهُولُ الْجِنْسِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ثَوْبٍ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ أَجْنَاسٌ شَتَّى كَالْحَيَوَانِ وَالدَّابَّةِ فَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ بِالْإِرَادَةِ فَصَارَتْ الْجَهَالَةُ فَاحِشَةً وَقَدْ فُسِّرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ الْجِنْسُ بِالنَّوْعِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْمَقُولُ عَلَى كَثِيرِينَ مُتَّفِقِينَ بِالْأَحْكَامِ كَرَجُلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّوْبَ تَحْتَهُ الْكَتَّانُ وَالْقُطْنُ وَالْحَرِيرُ وَالْأَحْكَامُ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ الثَّوْبَ الْحَرِيرَ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَغَيْرُهُ يَحِلُّ فَهُوَ جِنْسٌ عِنْدَهُمْ وَكَذَا الْحَيَوَانُ تَحْتَهُ الْفَرَسُ وَالْحِمَارُ وَغَيْرُهُمَا فَتَكُونُ هَذِهِ الْجَهَالَةُ أَفْحَشُ مِنْ جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَمَهْرُ الْمِثْلِ أَوْلَى وَهُوَ الضَّابِطُ هُنَا سَوَاءٌ كَانَ مَجْهُولَ الْجِنْسِ أَوْ النَّوْعِ كَذَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ يَجُوزُ إطْلَاقُ الْجِنْسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْأَمْرِ الْعَامِّ سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ نَوْعًا وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْخَاصِّ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ نَظَرًا إلَى فُحْشِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْأَحْكَامِ كَمَا يُطْلَقُ النَّوْعُ عَلَيْهِمَا نَظَرًا إلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِنْسَانِيَّةِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُشَرِّعِينَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْتَفِتُوا إلَى مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ كَمَا فِي النُّطَفِ.
(٤) قَوْلُهُ: وَالتَّسْمِيَةُ الَّتِي عَلَى خَطَرٍ وَفَوَاتُ مَا شَرَطَ لَهَا مِنْ الْمَنَافِعِ. كَمَا لَوْ نَكَحَهَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَهَا فَإِنْ وَفَّى وَأَقَامَ فَلَهَا الْأَلْفُ وَإِلَّا فَمَهْرُ الْمِثْلِ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالضَّابِطُ فِي الْأُولَى أَنْ يُسَمِّيَ لَهَا قَدْرَ أَوْ مَهْرَ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْهُ يَشْتَرِطُ لَهَا مَنْفَعَةً أَوْ لِأَبِيهَا أَوْ لِذِي رَحِمِ مَحْرَمٍ مِنْهَا فَإِنْ وَفَّى بِمَا شَرَطَ فَلَهَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ صَلُحَ مَهْرًا وَقَدْ تَمَّ رِضَاهَا بِهِ وَإِلَّا فَمَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى لَهَا مَا فِيهِ نَفْعٌ فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَنْعَدِمُ رِضَاهَا بِالْمُسَمَّى فَيُكَمِّلُ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ إنْ زَادَ عَلَى الْأَلْفِ وَإِنْ سَاوَى الْأَلْفَ أَوْ كَانَ أَنْقَصَ مِنْهُ لَهَا الْأَلْفَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ رَضِيَ بِذَلِكَ.
وَالضَّابِطُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ
стр. 1410
وَلَا يُنْتَصَفُ، وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
٦ - وَفِي الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ الْمِلْكُ سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ؛ كَمَا فِي أَمَةِ ابْنِهِ.
٧ - إذَا أَحَبْلَهَا فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ
بَيَانُ مَا يَتَعَدَّدُ فِيهِ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ وَمَا لَا يَتَعَدَّدُ: أَمَّا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ؛ فَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُنْقَسِمًا عَلَى عَدَدِ الْوَطْآتِ تَقْدِيرًا فَلَا يَتَعَدَّدُ فِيهِ.
٨ - كَمَا لَا يَتَعَدَّدُ بِوَطْءِ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ إذَا لَمْ تَحْبَلْ وَكَذَا بِوَطْءِ السَّيِّدِ مُكَاتَبَتَهُ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
يُسَمِّيَ لَهَا مَهْرًا عَلَى تَقْدِيرٍ وَمَهْرًا آخَرَ عَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ أَقَامَ بِهَا كَانَ لَهَا الْأَلْفُ لِعَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا تَمَّ رِضَاهَا بِذَلِكَ وَإِنْ أَخْرَجَهَا كَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لَكِنْ لَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ وَلَا يُنْتَقَصُ عَنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ لِعَيْنِ مَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
(٥) قَوْلُهُ: وَلَا يُنْتَصَفُ. أَيْ: مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ يَخْتَصُّ بِالْمَفْرُوضِ فِي الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةَ.
(٦) قَوْلُهُ: وَفِي الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ إنْ لَمْ يُقَدِّرْ الْمِلْكَ سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ. أَيْ يَجِبُ بِالْوَطْءِ إنْ لَمْ يُقَدِّرْ الْمِلْكَ سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ فَإِنْ قَدَّرَ فَلَا مَهْرَ.
(٧) قَوْلُهُ: إذَا أَحْبَلَهَا.
أَقُولُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَاَلَّذِي لَا يُوجِبُهُ كُلُّ مَوْضِعٍ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ مِمَّا ذَكَرْنَا يَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ لِمَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ الِابْنِ وَعَلِقَتْ مِنْهُ وَادَّعَى نَسَبَهُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي النِّكَاحِ (انْتَهَى) . وَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ وَقَدْ اكْتَفَى هُنَا. أَقُولُ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْعُلُوقُ وَدَعْوَةُ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ شَرْطًا لِلِاسْتِيلَادِ فَيَتَقَدَّمُهُ فَصَارَ وَاطِئًا مِلْكَ نَفْسِهِ
(٨) قَوْلُهُ: كَمَا لَا يَتَعَدَّدُ بِوَطْءِ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ إذَا لَمْ تَحْبَلْ.
كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ إذَا حَبِلَتْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
стр. 1411
وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
١٠ - وَيَتَعَدَّدُ بِوَطْءِ الِابْنِ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ الزَّوْجِ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ، وَأَفْتَى وَالِدُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ بِالتَّعَدُّدِ فِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِنَا عَلَى الْكَنْزِ
تَنْبِيهٌ:
١١ - يَجِبُ مَهْرَانِ فِيمَا إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُخَالِطٌ لَهَا، مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْأَوَّلِ، وَالْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ.
١٢ - وَمَهْرَانِ وَنِصْفٌ فِيمَا لَوْ قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي النِّكَاحِ أَيْ وَلَا يَتَعَدَّدُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي النِّكَاحِ إنَّمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْوَطْءِ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالْجِمَاعِ فِيهِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ وَلَا يَتَكَرَّرُ الْمَهْرُ إلَّا بِتَكَرُّرٍ بِالْوَطْءِ وَالْأَصْلُ أَنَّ بِالْوَطْءِ مَتَى حَصَلَ عَقِيبَ شُبْهَةِ الْمِلْكِ مِرَارًا لَمْ يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ بِالْوَطْءِ الثَّانِي صَادَفَ مِلْكَهُ كَالْوَطْءِ الْفَاسِدِ وَكَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ أَوْ جَارِيَةَ مُكَاتَبِهِ أَوْ وَطِيءَ مَنْكُوحَتَهُ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا.
(١٠) قَوْلُهُ: وَيَتَعَدَّدُ بِوَطْءِ الِابْنِ جَارِيَةَ أَبِيهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَمَتَى حَصَلَ الْوَطْءُ عَقِيبَ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ مِرَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ بِكُلِّ وَطْءٍ مَهْرٌ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَطْءٍ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ كَوَطْءِ الِابْنِ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ جَارِيَةَ أُمِّهِ أَوْ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ وَقَدْ ادَّعَى الشُّبْهَةَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ مَهْرٌ وَمِنْهُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ مِرَارًا فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ نِصْفُ مَهْرٍ، وَلَوْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ فِي نِصْفِهِ نِصْفُ مَهْرٍ وَاحِدٍ وَعَلَيْهِ فِي نِصْفِ شَرِيكِهِ لِكُلِّ وَطْءٍ نِصْفُ مَهْرٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُكَاتَبَةِ
[تَنْبِيهٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُخَالِطٌ لَهَا]
(١١) قَوْلُهُ: يَجِبُ مَهْرَانِ فِيمَا إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ إلَخْ. وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ الْفِعْلِ كَانَ حَرَامًا. إلَّا أَنَّ الْفِعْلَ فِي حَقِّ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ إذَا تَعَدَّدَ كَفِعْلِ وَاحِدٍ فَإِذَا صَارَ حَلَالًا فِي آخِرِهِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِأَوَّلِهِ فَصَارَ آخِرُ الْفِعْلِ شُبْهَةً فِي أَوَّلِهِ وَالْفِعْلُ الْحَرَامُ لَا يَخْلُو عَنْ غَرَامَةٍ أَوْ عُقُوبَةٍ فَإِذَا انْتَفَى الْعُقُوبَةُ بَقِيَتْ الْغَرَامَةُ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى تَأَكَّدَ بِالْخَلْوَةِ فَبِإِتْمَامِ الْمَهْرِ أَوْلَى.
(١٢) قَوْلُهُ: وَمَهْرَانِ وَنِصْفٌ. أَقُولُ مَهْرٌ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِذَا دَخَلَ بِهَا
стр. 1412
فَتَزَوَّجَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَوْ زَادَ بَائِنٌ وَدَخَلَ بِهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
١٣ - فَعَلَيْهِ خَمْسَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ.
١٤ - وَبَيَانُهُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَهَذَا دُخُولٌ عَلَى شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِالتَّزَوُّجِ فَتَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ آخَرُ، وَهَذَا طَلَاقٌ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا إذَا تَزَوَّجَ الْمُعْتَدَّةَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا بَعْدَ الدُّخُولِ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالدُّخُولِ عَنْ شُبْهَةٍ وَالطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ وَيُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ الثَّانِي فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ مَهْرَانِ وَنِصْفٌ وَلَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَلَا يُعْتَبَرُ النِّكَاحُ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ الثَّالِثُ.
(١٣) قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ خَمْسَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ. يَعْنِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ نِصْفُ مَهْرٍ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ وَمَهْرٌ بِالنِّكَاحِ الثَّانِي وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا عَنْ شُبْهَةٍ وَمَهْرٌ بِالنِّكَاحِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الثَّالِثَ صَادَفَهَا وَهِيَ مُبَانَةٌ فَاعْتُبِرَ النِّكَاحُ وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ دُخُولٌ عَنْ شُبْهَةٍ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ خَمْسَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ بِالْأَنْكِحَةِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَثَلَاثَةُ مُهُورٍ بِالْوَطْءِ ثَلَاثًا عَلَى شُبْهَةِ هَذَا.
(١٤) قَوْلُهُ: وَبَيَانُهُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. أَنَّ الْمُهُورَ تَتَكَرَّرُ بِالْعَقْدِ تَارَةً وَبِالْوَطْءِ أُخْرَى وَتَارَةً تَتَكَرَّرُ بِهِمَا
стр. 1413
الْقَوْلُ فِي الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ
١ - التَّعْلِيقُ: رَبْطُ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِحُصُولِ مَضْمُونِ أُخْرَى. وَفُسِّرَ الشَّرْطُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ تَعْلِيقُ حُصُولِ مَضْمُونٍ جُمْلَةً بِحُصُولِ مَضْمُونٍ جُمْلَةً (انْتَهَى) . وَشَرْطُ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ؛ كَوْنُ الشَّرْطِ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ فَالتَّعْلِيقُ بِكَائِنٍ تَنْجِيزٌ وَبِالْمُسْتَحِيلِ بَاطِلٌ، وَوُجُودُ رَابِطٍ حَيْثُ كَانَ الْجَزَاءُ مُؤَخَّرًا وَإِلَّا يُتَنَجَّزُ، وَعَدَمُ فَاصِلٍ أَجْنَبِيٍّ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ.
وَرُكْنُهُ: أَدَاةُ شَرْطٍ وَفِعْلُهُ وَجَزَاءُ صَالِحٍ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَدَاةِ لَا يَتَعَلَّقُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَنْجِيزِهِ لَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ. الْفَتْوَى عَلَى بُطْلَانِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ.
وَمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ: تَعْلِيقُ التَّمْلِيكَاتِ وَالتَّقْيِيدَاتِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ؛ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْإِقْرَارِ وَالْإِبْرَاءِ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ وَالرَّجْعَةِ وَالتَّحْكِيمِ وَالْكِتَابَةِ وَالْكَفَالَةِ بِغَيْرِ الْمُلَائِمِ وَالْوَقْفِ فِي رِوَايَةٍ وَالْهِبَةِ بِغَيْرِ الْمُتَعَارَفِ، وَمَا جَازَ تَعْلِيقُهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَوْلُ فِي الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ]
قَوْلُهُ: التَّعْلِيقُ رَبْطُ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ إلَخْ. أَقُولُ: فَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ بِفَرْقٍ غَيْرِ هَذَا فَقَالَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ أَنَّ التَّعْلِيقَ دَاخِلٌ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِأَدَاتِهِ كَ (أَنْ وَإِذَا) وَالشَّرْطُ مَا جُزِمَ فِيهِ بِالْأَصْلِ أَيْ أَصْلِ الْفِعْلِ وَشُرِطَ فِيهِ أَمْرٌ آخَرُ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ فِي الْفَرْقِ: إنَّ التَّعْلِيقَ تَرْتِيبُ أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَى أَمْرٍ يُوجَدُ بِأَنْ أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا وَالشَّرْطُ الْتِزَامُ أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ فِي أَمْرٍ وُجِدَ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ
стр. 1414
بِالشَّرْطِ لَمْ يَبْطُلْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ؛ كَطَلَاقٍ وَعِتَاقٍ وَحَوَالَةٍ وَكَفَالَةٍ. وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَالْإِقَالَةُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَتَعْلِيقُ الْبَيْعِ بِكَلِمَةِ (إنْ) بَاطِلٌ إلَّا إذَا قَالَ: بِعْت إنْ رَضِيَ أَبِي. وَوَقْتُهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَبِكَلِمَةِ (عَلَى) صَحِيحٌ، إنْ كَانَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ أَوْ مُلَائِمًا لَهُ أَوْ جَرَى الْعُرْفُ بِهِ أَوْ وَرَدَّ الشَّرْعُ بِهِ أَوْ كَانَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدِهِمَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مُدَايَنَاتِ الْفَوَائِدِ مَا خَرَجَ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ، وَفِي الْبُيُوعِ ثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ فِيهَا، ٢ - وَجُمْلَةُ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ: الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ.
٣ - وَالْإِجَارَةُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَجُمْلَةُ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ إلَخْ. أَقُولُ فِيهِ: إنَّ الْبَيْعَ الْمَقْرُونَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ. قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَيَفْسُدُ يَعْنِي الْبَيْعُ بِشَرْطٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدٍ (انْتَهَى) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَاسِدَ غَيْرُ الْبَاطِلِ عِنْدَنَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا ذُكِرَ بِحَرْفِ الشَّرْطِ كَمَا إذَا قَالَ بِعْت إنْ كُنْت تُعْطِينِي كَذَا أَمَّا إذَا قَالَ بِعْت عَلَى أَنْ تُعْطِينِي كَذَا فَفَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ كَمَا فِي الْمُنْتَقَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْقَبُولِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ مَا أُوجِبَ الْآخَرُ هَلْ يَصِحُّ؟ ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْتَ ثَمَنَ هَذَا فَقَدْ بِعْتُ مِنْك صَحَّ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا إنْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَيْهِ وَقِيلَ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
(٣) قَوْلُهُ: وَالْإِجَارَةُ. بِالرَّاءِ وَكَذَا الْإِجَازَةُ بِالزَّايِ كَمَا فِي الْكَنْزِ قَالَ شَارِحُهُ الْعَيْنِيُّ:؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَعْنَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ إجَازَةِ الْبَيْعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي صَاحِبَ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّ إجَازَةَ كُلِّ شَيْءٍ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا حَتَّى النِّكَاحَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْبَزَّازِيَّةِ. وَتَعْلِيقُ الْإِجَازَةِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ كَقَوْلِهِ إنْ
стр. 1415
وَالرَّجْعَةُ.
٥ - وَالصُّلْحُ عَنْ مَالٍ وَالْإِبْرَاءُ وَالْحَجْرُ.
٦ - وَعَزْلُ الْوَكِيلِ فِي رِوَايَةٍ وَإِيجَابُ الِاعْتِكَافِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْإِقْرَارِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
زَادَ فُلَانٌ فِي الثَّمَنِ فَقَدْ أَجَزْت وَلَوْ زَوَّجَ بِنْتَه بَالِغَةً بِلَا رِضَاهَا فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَقَالَتْ: أَجَزْتُ إنْ رَضِيَتْ أُمِّي بَطَلَتْ الْإِجَازَةُ إذْ التَّعْلِيقُ يُبْطِلُ الْإِجَازَةَ اعْتِبَارًا بِابْتِدَاءِ الْعَقْدِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: يُخَالِفُهُ مَا فِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ قَالَ: بَاعَنِي فُلَانٌ عَبْدَك بِكَذَا فَقَالَ: إنْ كَانَ كَذَا فَقَدْ أَجَزْته أَوْ فَهُوَ جَائِزٌ جَازَ إنْ كَانَ بِكَذَا أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ: وَلَوْ أَجَازَ بِثَمَنٍ آخَرَ بَطَلَ. وَعَنْ ابْنِ سَلَّامٍ لَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَاضٍ، وَقِيلَ: إذَا كَانَ مِمَّا يُتَغَابَنُ فِيهِ.
(٤) قَوْلُهُ: وَالرَّجْعَةُ كَذَا فِي غَيْرِ كِتَابٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ خَطَأٌ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالتَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ وَلَا إضَافَتُهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِهِ، وَأَصْلُ النِّكَاحِ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ وَافَقَهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ كِتَابِ الرَّجْعَةِ أَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَاللَّعِبِ وَالْخَطَأِ كَالنِّكَاحِ (انْتَهَى) .
فَلَوْ كَانَتْ تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَمْ تَصِحَّ مَعَ الْهَزْلِ؛ لِأَنَّ مَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ وَمَا لَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ تُبْطِلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ.
(٥) قَوْلُهُ: وَالصُّلْحُ عَنْ مَالٍ وَالْإِبْرَاءُ. أَيْ عَنْ الدَّيْنِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ أَمَّا بِالشَّرْطِ الْمُتَعَارَفِ فَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَقَيَّدْنَا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْكَفَالَةِ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ الْمُلَائِمِ وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ.
(٦) قَوْلُهُ: وَعَزْلُ الْوَكِيلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ كَلَامٍ: إنَّ عَزْلَ الْوَكِيلِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَهُوَ مَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَلَكِنْ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي
стр. 1416
وَالْوَقْفُ، فِي رِوَايَةٍ. وَمَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ: الطَّلَاقُ وَالْخُلْعُ وَالرَّهْنُ وَالْقَرْضُ ٨ - وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْوِصَايَةُ وَالْوَصِيَّةُ.
٩ - وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِمَارَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْإِقَالَةُ.
١٠ - وَالْغَصْبُ وَالْكِتَابَةُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الرَّجْعَةِ وَقَدْ ذُكِرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مِنْ قَسْمِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَةٍ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَتَعْلِيقُ عَزْلِ الْوَكِيلِ بِالشَّرْطِ يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ الصُّغْرَى وَلَا يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الَّذِي يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّمْلِيكِ وَالْعَزْلُ لَيْسَ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فَيَجِبُ إلْحَاقُهُ بِقِسْمِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لَكِنْ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَأَرْجُو مِنْ كَرَمِ الْفَتَّاحِ الظَّفَرَ بِالنَّقْلِ فِي الْمُرَاجَعَةِ (انْتَهَى) .
(٧) قَوْلُهُ: وَالْوَقْفُ فِي رِوَايَةٍ. كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزِّيُّ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ عَنْ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ بِالشَّرْطِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا.
أَقُولُ وَإِنَّمَا كَانَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهَا لِمَشْيِ أَصْحَابِ الْمُتُونِ عَلَيْهَا إذْ هُوَ تَصْحِيحٌ الْتِزَامِيٌّ.
(٨) قَوْلُهُ: وَالْهِبَةُ.
فِي الْعِمَادِيَّةِ: تَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِالْمُلَائِمِ يَصِحُّ كَوَهَبْتُكَ عَلَى أَنْ تُعَوِّضَنِي كَذَا فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا صَحَّتْ الْهِبَةُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخَلَلِ.
(٩) قَوْلُهُ: وَالشَّرِكَةُ. أَيْ لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ أَقُولُ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي الشَّرِكَةُ تَبْطُلُ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَلَا تَبْطُلُ بِالْبَعْضِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَطَ التَّفَاضُلَ فِي الْوَضِيعَةِ لَا تَبْطُلُ وَتَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ رِبْحِ عُشْرِهِ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا شَرْطًا فَاسِدًا (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مِنْ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
(١٠) قَوْلُهُ: وَالْغَصْبُ. أَيْ: لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ أَقُولُ يُنْظَرُ صُورَةُ عَدَمِ بُطْلَانِهِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
стр. 1417
وَأَمَانُ الْقِنِّ وَدَعْوَةُ الْوَلَدِ وَالصُّلْحُ عَنْ الْقِصَاصِ وَجِنَايَةُ غَصْبٍ وَعَهْدُ ذِمَّةٍ وَوَدِيعَةٌ وَعَارِيَّةٌ. إذَا ضَمِنَهَا رَجُلٌ وَشَرَطَ فِيهَا كَفَالَةً أَوْ حَوَالَةً.
١٢ - وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِعَيْبٍ.
١٣ - أَوْ بِخِيَارِ شَرْطٍ وَعَزْلِ قَاضٍ.
١٤ - وَالتَّحْكِيمُ.
١٥ - عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَتَمَامُهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْبَزَّازِيَّةِ
١٦ - فَائِدَةٌ: مَنْ مَلَكَ التَّنْجِيزَ مَلَكَ التَّعْلِيقَ .
١٧ - إلَّا الْوَكِيلَ بِالطَّلَاقِ، يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَلَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ، إلَّا إذَا عَلَّقَهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَانُ الْقِنِّ. أَقُولُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ تَعْلِيقُ الْأَمَانِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حِينَ أَمَّنَ خَيْبَرَ عَلَّقَ أَمَانَهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ شَيْئًا وَأَبْطَلَ أَمَانَ آلِ أَبِي الْجَعْدِ بِكِتْمَانِهِمْ الْحُلِيَّ» (انْتَهَى) وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْقِنَّ لَيْسَ قَيْدًا.
(١٢) قَوْلُهُ: وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِعَيْبٍ. أَيْ: بِشَرْطٍ فَاسِدٍ.
(١٣) قَوْلُهُ: أَوْ بِخِيَارِ شَرْطٍ. أَيْ وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِخِيَارِ شَرْطٍ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ.
(١٤) قَوْلُهُ: وَالتَّحْكِيمُ. أَيْ وَتَعْلِيقُ التَّحْكِيمِ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ.
(١٥) قَوْلُهُ: عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لِإِطْلَاقِ الْوِلَايَةِ عِنْدَهُ فَلَا يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْوِلَايَةِ وَالتَّمْلِيكَاتُ تَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ
[فَائِدَةٌ مَنْ مَلَكَ التَّنْجِيزَ مَلَكَ التَّعْلِيقَ]
(١٦) قَوْلُهُ: فَائِدَةٌ مَنْ مَلَكَ التَّنْجِيزَ إلَخْ. كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالصَّوَابُ فَائِدَتَانِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الثَّانِيَةُ.
(١٧) قَوْلُهُ: إلَّا الْوَكِيلَ بِالطَّلَاقِ يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَلَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ. يَعْنِي إذَا وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ يَمْلِكُ أَنْ يُنَجِّزَ طَلَاقَهَا وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَهَا أَمَّا إذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَهَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ: قَالَ لِامْرَأَةِ الْغَيْرِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ
стр. 1418
وَمَنْ لَا يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ لَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ.
١٩ - الثَّانِيَةُ: الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ عِتْقِي صَحَّ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ. وَتَمَامُهُ فِي الْجَامِعِ لِلصَّدْرِ سُلَيْمَانَ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ
الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ السَّفَرِ:
٢٠ - رُخْصَةُ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، وَأَمَّا التَّنَقُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ فَحُكْمُ خَارِجِ الْمِصْرِ لَا السَّفَرِ. وَمِنْهَا سُقُوطُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
فَأَجَازَ الزَّوْجُ ذَلِكَ فَدَخَلَتْ الدَّارَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ طَلُقَتْ وَإِنْ دَخَلَتْ قَبْلَ الْإِجَازَةِ لَمْ تَطْلُقْ فَإِنْ عَادَتْ بَعْدَ الْإِجَازَةِ فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْفُضُولِيِّ يَصِيرُ يَمِينًا عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَيُعْتَبَرُ الشَّرْطُ بَعْدَهُ لَا قَبْلَهُ.
قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ بِهِ التَّوْكِيلُ فَلَا تَصِحُّ بِهِ الْإِجَازَةُ وَقَدْ صَحَّتْ الْإِجَازَةُ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: يُسْتَثْنَى أَيْضًا الْوَصِيُّ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَلَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ كَمَا سَيَأْتِي فِيمَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوَصِيُّ وَالْوَارِثُ حَيْثُ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَصِيَّ وَالْوَارِثَ يَشْتَرِكَانِ فِي الْخِلَافَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فِي التَّصَرُّفِ وَالْوَارِثُ أَقْوَى لِمِلْكِ الْعَيْنِ فَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا إعْتَاقُهُ لَكِنْ يَمْلِكُ الْوَارِثُ إعْتَاقَهُ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا وَتَدْبِيرًا وَكِتَابَةً وَلَا يَمْلِكُ الْوَصِيُّ إلَّا التَّنْجِيزَ وَهِيَ فِي التَّلْخِيصِ.
(١٨) قَوْلُهُ: وَمَنْ لَا يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ لَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ. قِيلَ: إنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ عَلَى الْإِمَامِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي بُطْلَانِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ النِّكَاحِ.
(١٩) قَوْلُهُ: الثَّانِيَةُ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ إلَخْ. أَقُولُ مَوْقِعُ هَذِهِ الْفَائِدَةِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مَوْقِعُ التَّمْثِيلِ لَهَا وَحِينَئِذٍ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ كَالْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ لَوْ قَالَا إلَخْ
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ السَّفَرِ]
(٢٠) قَوْلُهُ: رُخْصَةُ الْقَصْرِ إلَخْ. أَقُولُ أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَفِيهِ أَنَّ صَلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ عَزِيمَةً لَا رُخْصَةً كَمَا حُقِّقَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
стр. 1419
وَأَمَّا صِحَّةُ الْجُمُعَةِ فَمِنْ أَحْكَامِ الْمِصْرِ. وَمِنْ أَحْكَامِ السَّفَرِ حُرْمَتُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ.
٢٢ - وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا شَرْطًا لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا إذَا امْتَنَعَ الْمَحْرَمُ إلَّا بِهَا. وَالْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ حُرْمَةِ خُرُوجِهَا إلَّا بِأَحَدِهِمَا هِجْرَتُهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
٢٣ - وَمِنْ أَحْكَامِهِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْهُ إلَّا بِرِضَاءِ أَبَوَيْهِ إلَّا فِي الْحَجِّ إذَا اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُ، وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الْمَدْيُونِ إلَّا بِإِذْنِ الدَّائِنِ، إلَّا إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا
٢٤ - وَ يَخْتَصُّ رُكُوبُ الْبَحْرِ بِأَحْكَامٍ: مِنْهَا سُقُوطُ الْحَجِّ إذَا غَلَبَهُ الْهَلَاكُ، وَتَحْرِيمُ السَّفَرِ فِيهِ وَضَمَانُ الْمُودِعِ لَوْ سَافَرَ بِهَا فِي الْبَحْرِ، وَكَذَا الْوَصِيُّ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ:
٢٥ - مِنْهَا فِيمَا إذَا غَزَا فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُ فَرَسٌ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمُ الْفَارِسِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا صِحَّةُ الْجُمُعَةِ إلَخْ. أَقُولُ لَا مَوْقِعَ لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ هَهُنَا.
(٢٢) قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا. أَيْ فَرْضًا.
(٢٣) قَوْلُهُ: وَمِنْ أَحْكَامِهِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْهُ. أَيْ مَنَعَ الشَّارِعُ الْوَلَدَ مِنْ السَّفَرِ أَيْ حُرْمَتُهُ عَلَيْهِ
[يَخْتَصُّ رُكُوبُ الْبَحْرِ بِأَحْكَامٍ]
(٢٤) قَوْلُهُ: وَيَخْتَصُّ رُكُوبُ الْبَحْرِ بِأَحْكَامٍ إلَخْ. أَقُولُ فِي اخْتِصَاصِ الْبَحْرِ بِمَا ذُكِرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
(٢٥) قَوْلُهُ: مِنْهَا فِيمَا إذَا غَزَا فِي الْبَحْرِ إلَخْ. فِي الْمُحِيطِ: الْفَارِسُ فِي السَّفِينَةِ يَسْتَحِقُّ سَهْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِتَالُ عَلَى الْفَرَسِ فِي السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِتَالَ عَلَى الْفَرَسِ فَقَدْ تَأَهَّبَ لِلْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ وَالْمُتَأَهِّبُ لِلشَّيْءِ كَالْمُبَاشِرِ لَهُ
стр. 1420
الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ
٢ - لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إلَّا مُحْرِمًا
٣ - وَتُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ]
قَوْلُهُ: فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ. أَقُولُ حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ وَالْجِعْرَانَةِ وَالطَّائِفِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ. وَفِي الْحَاوِي أَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةٌ وَمِنْ جُدَّةَ عَشَرَةٌ وَمِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا وَجُمِعَتْ مَا عَدَا الْأَخِيرِ فِي قَوْلِهِ:
وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طِيبَةَ ... ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهْ
وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ ... وَجُدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَهْ
وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهَا ... وَقَدْ كَلَّمْت فَاشْكُرْ لِرَبِّك إحْسَانَهُ
وَعَلَى الْحُدُودِ عَلَامَاتٌ نَصَبَهَا الْخَلِيلُ ﵊ وَكَانَ جِبْرِيلُ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَحْدِيدِهَا ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَهِيَ الْآنَ ظَاهِرَةٌ
(٢) قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إلَّا مُحْرِمًا. أَقُولُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَمِنْ دَاخِلِ الْمَوَاقِيتِ إلَّا إذَا قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَتَجَاوَزُ الْمِيقَاتَ أَحَدٌ إلَّا مُحْرِمًا» . وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْهُ الْمَكِّيُّ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُمْ مَكَّةَ لِحَاجَتِهِمْ وَفِي إيجَابِهِمْ الْإِحْرَامَ كُلَّ مَرَّةٍ خَرَجَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ؛ لِأَنَّهُ نَادِرُ الْوُقُوعِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَكِّيِّ. أَقُولُ يُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمَكِّيَّ وَمَنْ دَاخَلَ الْمِيقَاتَ لَوْ جَاوَزَ إلَى مِصْرَ مَثَلًا وَأَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا مُحْرِمًا لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَنُدْرَةِ الْوُقُوعِ
(٣) قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِهِ أَيْ بِالْحَرَمِ وَالْمُرَادُ بِهِ حَرَمُ مَكَّةَ إذْ الْمَدِينَةُ لَا حَرَمَ لَهَا وَإِنْ كَانَ تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِهَا وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ خَوْفُ سُقُوطِ حُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي نَظَرِهِ
стр. 1421
وَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ مَنْ فَعَلَ خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ بِهِ؛ وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِصَيْدِهِ وَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ
٥ - وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
فَيَصِيرُ فِي نَظَرِهِ الْقَاصِرِ كَسَائِرِ الْبُيُوتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ تَنْقُصُ الْهَيْبَةُ وَالْحُرْمَةُ الْأُولَى فِي نَظَرِهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ كَثِيرٍ وَلِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدُورُ عَلَى الْحَاجِّ بَعْدَ قَضَاءِ النُّسُكِ بِالدِّرَّةِ وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْيَمَنِ يَمَنَكُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ شَامَكُمْ وَيَا أَهْلَ الْعِرَاقِ عِرَاقَكُمْ فَإِنَّهُ أَبْقَى لِحُرْمَةِ بَيْتِ رَبِّكُمْ فِي قُلُوبِكُمْ.
وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحُجُّونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ وَيَعْتَمِرُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ وَلَا يُجَاوِرُونَ. ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَجَمْعٌ مِنْ الْمُحْتَاطِينَ فِي الدِّينِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِالْمُجَاوَرَةِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطَاتِ وَنَقَلَ الْفَارِسِيُّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ صَبَرَ عَلَى حَرِّ مَكَّةَ سَاعَةً تَبَاعَدَتْ النَّارُ عَنْهُ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ»
(٤) قَوْلُهُ: وَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ مَنْ فَعَلَ خَارِجَهُ إلَخْ. أَيْ: لَا يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ مُوجِبَ الْقَتْلِ وَلَا يُقْطَعُ مَنْ فَعَلَ مُوجِبَ الْقَطْعِ وَهُوَ السَّرِقَةُ خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ بِهِ وَهَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَتَحْقِيقُ مَرَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى فِعْلِ مُوجِبِ الْقَطْعِ فَقَدْ صَرَّحَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ مِنْ بَحْثِ الْعَامِّ بِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْأَطْرَفِ؛ لِأَنَّهُ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إذَا الْتَجَأَ إلَى الْحَرَمِ (انْتَهَى) . لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْمُقَطَّعَاتِ: وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي الْحَرَمِ فِي نَفْسٍ وَيُسْتَوْفَى فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي الْحَرَمِ خِلَافًا لَهُمَا (انْتَهَى) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ مَا ذُكِرَ دَاخِلَ الْحَرَمِ أَوْ خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ إلَيْهِ
(٥) قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ. وَهُوَ مَا كَانَ لَهُ سَاقٌ مِنْ النَّبَاتِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا وَشَجَرُ الْحَرَمِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَصْلِهِ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ أَغْصَانُهُ فِيهِ أَوْ فِي الْحِلِّ فَيَقْطَعُ هَذِهِ الْأَغْصَانَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُهُسْتَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَشِيشُ الْحَرَمِ كَذَلِكَ
стр. 1422
وَرَعْيُ حَشِيشِهِ.
٧ - إلَّا الْإِذْخِرَ
وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِهِ؛ وَتُضَاعَفُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
٨ - وَحَسَنَاتُهُ كَسَيِّئَاتِهِ ٩ - وَيُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْهَمِّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَرَعْيُ حَشِيشَتِهِ. أَيْ وَيَحْرُمُ إرْسَالُ الْبَهِيمَةِ عَلَى حَشِيشِ الْحَرَمِ لِلرَّعْيِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا بَأْسَ بِهِ لِضَرُورَةِ الزَّائِرِينَ.
كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ أَقُولُ لَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ لِمُقَابِلَتِهَا بِالْحُرْمَةِ لَا لِمَا تَرَكَهُ أَوْلَى كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي اسْتِعْمَالِهَا قَالَهُ الْفَاضِلُ مُلَّا عَلَيَّ الْقَارِئِ فِي شَرْحِهِ عَلَى النُّقَايَةِ.
(٧) قَوْلُهُ: إلَّا الْإِذْخِرَ. بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ مَا يَنْبُتُ فِي السَّهْلِ وَالْجَبَلِ وَلَهُ أَصْلٌ دَقِيقٌ وَقُصْبَانٌ دِقَاقٌ يَطِيبُ رِيحُهُ وَاَلَّذِي بِمَكَّةَ أَجْوَدُهُ يَسْقُفُونَ بِهِ الْبُيُوتَ بَيْنَ الْخَشَبَاتِ وَيَسُدُّونَ بِهِ فِي قُبُورِ الْخَلَلِ بَيْنَ اللَّبِنَاتِ كَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
(٨) قَوْلُهُ: وَحَسَنَاتُهُ. أَقُولُ كَانَ الْأَنْسَبُ جَعْلُ الْحَسَنَاتِ مُشَبَّهًا بِهَا لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فِي كُلِّ مَكَان وَلِمَا فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِهَا مِنْ تَنْفِيرِ الطِّبَاعِ عَنْ شُؤْمِ ارْتِكَابِهَا وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا كَانَتْ الْحَسَنَاتُ يُمَالُ إلَيْهَا طَبْعًا إذَا تُلِيَ عَلَى السَّمْعِ ذِكْرُهَا أَوَّلًا نَاسَبَ الْبُدَاءَةَ بِهَا ثُمَّ إذَا تُلِيَ الْخَبَرُ تُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ فَحَذَّرَ مِنْ ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَدَأَ بِغَيْرِ مَا لَيْسَ بِمَأْلُوفٍ.
(٩) قَوْلُهُ: وَيُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْهَمِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةِ " الْهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ وَعَدَمُ فِعْلِهَا " كُلُّ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ بَلَدٍ يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ فِيهِ بِالْهَمِّ بِالْفِعْلِ إلَّا مَكَّةَ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ اتِّخَاذَ السَّجْنِ بِمَكَّةَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِبَيْتِ عَذَابٍ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ رَحْمَةٍ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إلْحَادٌ»
стр. 1423
وَلَا يَسْكُنُ فِيهِ كَافِرٌ وَلَهُ.
١١ - الدُّخُولُ فِيهِ
١٢ - وَلَا تَمَتُّعَ وَلَا قِرَانَ لِمَكِّيٍّ وَتَخْتَصُّ الْهَدَايَا بِهِ
١٣ - وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ حِجَارَتِهِ وَتُرَابِهِ
١٤ - وَهُوَ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا فِي اللُّقَطَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَلَا يَسْكُنُ فِيهِ كَافِرٌ. أَيْ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ سُكْنَى حَرَمِ مَكَّةَ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا الدُّخُولُ فِيهِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْفَوَائِدِ لِلطَّرَسُوسِيِّ.
(١١) قَوْلُهُ: وَلَهُ الدُّخُولُ. أَقُولُ وَلَوْ حَرْبِيًّا كَمَا فِي شَرْحِ جَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ وَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ الْحَرَمَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ وَيُمْنَعُ عَنْهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُفْهَمُ مِنْ تَخْصِيصِ الْإِمَامِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الصَّاحِبَيْنِ يُخَالِفَانِ فِي ذَلِكَ
(١٢) قَوْلُهُ: وَلَا تَمَتُّعَ وَلَا قِرَانَ لِمَكِّيٍّ. أَقُولُ وَكَذَا مِنْ حَوْلِ مَكَّةَ وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ نَفْيُ الْحِلِّ لَا نَفْيُ الصِّحَّةِ وَلِذَا وَجَبَ دَمُ جَبْرٍ وَهُوَ فَرْعُ الصِّحَّةِ وَاشْتِرَاطُهُمْ عَدَمَ الْإِلْمَامِ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ لِلتَّمَتُّعِ الْمُنْتَهِضِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ وُجُوبُ دَمِ الشُّكْرِ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ
(١٣) قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ إخْرَاج حِجَارَتِهِ وَتُرَابِهِ. قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ، وَنَصُّهُ: وَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ حِجَارَةِ الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ إلَى الْحِلِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ (انْتَهَى) . أَقُول لَا مُخَالَفَةَ فَإِنَّ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ لَا بَأْسَ مُقْتَضٍ لِلْكَرَاهَةِ لَا مُنَافٍ لَهَا حَتَّى تَتِمَّ الْمُخَالَفَةُ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَتُرَابُ الْبَيْتِ الْمُكَرَّمِ الْيَسِيرِ يَجُوزُ إخْرَاجُهُ لِلتَّبَرُّكِ وَإِلَّا لَا؛ لِأَنَّهُ تَخْرِيبٌ (انْتَهَى) . وَقَالَ ابْنُ وَهْبَانَ وَالصَّوَابُ الْمَنْعُ عَنْهُ مُطْلَقًا لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ الْجُهَّالُ فَيُفْضِي إلَى الْخَرَابِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى؛ إذَنْ الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ كَثِيرٌ
(١٤) قَوْلُهُ: وَهُوَ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا فِي اللُّقَطَةِ.
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يُعَرِّفُهَا أَبَدًا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا لِقَوْلِهِ فِي وَصْفِ مَكَّةَ «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدِهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدِهَا» . أَيْ لِطَالِبِهَا وَهُوَ الْمَالِكُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵇ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا
стр. 1424
وَالدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ فِيهِ خَطَأٌ
١٦ - وَلَا حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا فَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ إلَّا اسْتِنَانَ الْغُسْلِ لِدُخُولِهَا؛ وَكَرَاهَةَ الْمُجَاوَرَةِ بِهَا؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
سَنَةً» بِلَا فَصْلٍ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا لِمُنْشِدِهَا أَيْ مُعَرِّفِهَا فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي الصِّحَاحِ أَنْشَدْت الضَّالَّةَ أَيْ عَرَّفْتهَا، وَيُقَالُ: أَنْشَدْتهَا أَيْ طَلَبْتهَا فَإِذَنْ لَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ حِلِّ الِالْتِقَاطِ إلَّا لِلتَّعْرِيفِ وَهَذَا حَالُ كُلِّ لُقَطَةٍ وَالتَّخْصِيصُ بِالْحَرَمِ لِبَيَانِ أَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَسْقُطُ فِيهِ لِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لِلْغُرَبَاءِ ظَاهِرًا فَنُؤَوِّلُ وَنَقُولُ إنَّ مَالِكَهَا ذَهَبَ ظَاهِرًا فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّعْرِيفِ فَأَزَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ إلَّا لِمُنْشِدِهَا أَيْ لِمُعَرِّفِهَا أَيْ لَا يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ إلَّا مَنْ يَعْرِفُهَا رَدًّا لِذَلِكَ الزَّعْمِ وَتَسْوِيَةً بَيْنَ لُقَطَةِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فِي إيجَابِ الْإِنْشَادِ وَالتَّعْرِيفِ كَذَا فِي الْمَنْبَعِ.
(١٥) قَوْلُهُ: وَالدِّيَةُ. عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي اللُّقْطَةِ أَيْ وَهُوَ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا فِي الدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً مِنْهُ
(١٦) قَوْلُهُ: وَلَا حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا.
أَقُولُ وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَرُمَتْ الْمَدِينَةُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا تُقْطَعُ أَغْصَانُهَا وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا» . كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يُقْبَلُ إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَاشْتَهَرَ نَقْلُهُ (انْتَهَى) وَفِيهِ تَأَمُّلٌ
стр. 1425
الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ
هِيَ كَثِيرٌ جِدًّا؛
١ - وَقَدْ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ الْفَتَاوَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ. فَمِنْهَا: تَحْرِيمُ دُخُولِهِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ.
٢ - وَإِدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ يُخَافُ مِنْهَا التَّلْوِيثُ.
٣ - وَمَنْعُ إدْخَالِ الْمَيِّتِ فِيهِ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَنْعَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ فِيهِ إلَّا لِعُذْرِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِخَوْفِ التَّلْوِيثِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ لَهَا.
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ]
قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا أَصْحَابُ الْفَتَاوَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. يَعْنِي أَكْثَرَهُمْ وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرَهَا قَاضِي خَانْ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَقْفِ وَصَاحِبُ مُنْيَةِ الْمُفْتِي فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَصَاحِبُ الْقُنْيَةِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ.
(٢) قَوْلُهُ: وَإِدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ إلَخْ عَطَفَ عَلَى دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ فَمِنْهَا تَحْرِيمُ دُخُولِهِ عَلَى الْجُنُبِ، وَلِذَا قَالُوا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَتَعَاهَدَ النَّعْلَ وَالْخُفَّ عَنْ النَّجَاسَةِ ثُمَّ يَدْخُلَ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ.
(٣) قَوْلُهُ: وَمَنْعُ إلَخْ. عَطْفٌ عَلَى تَحْرِيمُ فِي قَوْلِهِ مِنْهَا تَحْرِيمُ دُخُولِهِ، وَالْمُرَادُ الْمَنْعُ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَبْنِيًّا لِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمُصَلَّى الْعِيدِ مَسْجِدٌ وَالْمَدْرَسَةُ لَا (انْتَهَى) . أَقُولُ إنَّمَا يَتِمُّ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ إذَا بَنَى لَهَا إذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ كَوْنَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُبْنَ إلَّا لِأَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ كَمَا سَيَأْتِي أَمَّا إذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ خَوْفَ التَّلْوِيثِ فَلَا. وَقَوْلُهُ وَالْمَدْرَسَةُ لَا، لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ هَذَا إذَا مُنِعَ أَهْلُهَا مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَسْجِدٌ.
стр. 1426
وَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَعَلَى الثَّانِي هِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ.
٥ - وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلَمْ يُعَلِّلْهُ أَحَدٌ مِنَّا بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى طَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا. وَمِنْهَا: صِحَّةُ الِاعْتِكَافِ فِيهِ. وَمِنْهَا: حُرْمَةُ إدْخَالِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ.
٦ - وَمِنْهَا مَنْعُ إلْقَاءِ الْقَمْلَةِ بَعْدَ قَتْلِهَا فِيهِ. وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ الْبَوْلِ فِيهِ وَلَوْ فِي إنَاءٍ، وَأَمَّا الْقَصْدُ فِيهِ فِي إنَاءٍ فَلَمْ أَرَهُ.
٧ - وَيَنْبَغِي أَنْ لَا فَرْقَ. وَمِنْهَا مَنْعُ: أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ. قَالُوا فِي تُرَابِهِ؛ إنْ كَانَ مُجْتَمِعًا جَازَ الْأَخْذُ مِنْهُ وَمَسْحُ الرِّجْلِ عَلَيْهِ.
٨ - وَإِلَّا لَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ. قِيلَ عَلَيْهِ إنَّ التَّعْلِيلَ بِخَوْفِ التَّلْوِيثِ وَهُوَ أَمْرٌ وَهْمِيٌّ مُحْتَمَلٌ خِلَافُهُ إنَّمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِيَّةَ وَإِنَّمَا يُعَلَّلُ لِلتَّحْرِيمِ بِأَنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(٥) قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ الْأَوَّلُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ. أَقُولُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ بَلْ هُوَ مِنْ نَقَلَةِ الْمَذْهَبِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ حَكَى تَرْجِيحَهُ.
(٦) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَنْعُ إلْقَاءِ الْقَمْلَةِ بَعْدَ قَتْلِهَا فِيهِ. أَقُولُ الْمَنْعُ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيهِ لَا الْحُرْمَةِ وَلَا كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْقَمْلَةَ الْمَقْتُولَةَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ فَالْمَنْعُ مِنْ إلْقَائِهَا فِي الْمَسْجِدِ لِاسْتِقْذَارِهَا لَا لِنَجَاسَتِهَا لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَيْتَةَ الْقَمْلِ وَالْبُرْغُوثِ وَالْبَقِّ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَتَأَمَّلْ.
(٧) قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا فَرْقَ إلَخْ. أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا نَجَسٌ مُغَلَّظٌ.
(٨) قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا. أَقُولُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُنْبَسِطَ بِمَنْزِلَةِ أَرْضِ الْمَسْجِدِ فَيُكْرَهُ أَخْذُهُ يَعْنِي عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْمَالِ أَمَّا إذَا أَخَذَهُ لِلتَّبَرُّكِ فَجَائِزٌ كَمَا قَالُوا فِي تُرَابِ الْكَعْبَةِ هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ حَيْثُ كَانَتْ الْمَسَاجِدُ لَا تَنْبَسِطُ أَمَّا الْآنَ فَإِزَالَةُ التُّرَابِ وَرَفْعُهُ قُرْبَةٌ
стр. 1427
وَمِنْهَا حُرْمَةُ الْبُصَاقِ فِيهِ،
١٠ - وَإِلْقَاءُ النُّخَامَةِ فَوْقَ الْحَصِيرِ أَخَفُّ مِنْ وَضْعِهَا تَحْتَهُ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ دَفَنَهُ
١١ - وَتُكْرَهُ الْمَضْمَضَةُ وَالْوُضُوءُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ مَوْضِعٍ أُعِدَّ لِذَلِكَ لَا يُصَلِّي فِيهِ، ١٢ - أَوْ فِي إنَاءٍ
وَيُكْرَهُ مَسْحُ الرِّجْلِ مِنْ الطِّينِ عَلَى عَمُودِهِ وَالْبُزَاقُ عَلَى حِيطَانِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْهَا حُرْمَةُ الْبُصَاقِ. أَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْ الْحُرْمَةِ هُنَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ: وَيُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ طَبْعًا فَيَجِبُ تَنْزِيَةُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الْمُخَاطِ وَالْبَلْغَمِ.
(١٠) قَوْلُهُ: وَإِلْقَاءُ النُّخَامَةُ فَوْقَ الْحَصِيرِ أَخَفُّ إلَخْ. أَقُولُ: لِأَنَّ مَا تَحْتَ الْحَصِيرِ جُزْءٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْحَصِيرِ هَكَذَا ظَهَرَ لِي ثُمَّ رَأَيْت فِي الْخُلَاصَةِ عِلَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَوَارِيَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ حَقِيقَةً لَكِنْ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَتَحْتَ الْبَوَارِي مَسْجِدٌ حَقِيقَةً.
(١١) قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الْمَضْمَضَةُ وَالْوُضُوءُ فِيهِ. أَقُولُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ فِي الْمَسْجِدِ كَرِهَهُ الْإِمَامُ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَوْضِعٌ مُعَدٌّ لِذَلِكَ وَلَمْ يَكْرَهْهُ مُحَمَّدٌ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ تَوَضَّأَ الْمُعْتَكِفُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي وُضُوئِهِ إزَالَةُ قَذَرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ فِي إنَاءٍ.
(١٢) قَوْلُهُ: أَوْ فِي إنَاءٍ أَيْ: إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَضُّؤُ فِي إنَاءٍ فَلَا يُكْرَهُ أَقُولُ هَذَا الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ فِي الْخَانِيَّةِ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ بَلْ فِي الْمُعْتَكِفِ فَقَطْ بِشَرْطِ عَدَمِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ أَيْضًا، قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَإِنْ غَسَلَ الْمُعْتَكِفُ رَأْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا بَأْسَ إذَا لَمْ يُلَوِّثْ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ يُمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ تَنْظِيفَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ وَلَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (انْتَهَى) . بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي إنَاءٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ اُتُّخِذَ لِذَلِكَ لَا يُصَلَّى فِيهِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِكَافِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَوْ مَوْضِعٌ اُتُّخِذَ لِذَلِكَ لَا يُصَلِّي فِيهِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِكَافِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَوْ تَرَكَ
стр. 1428
وَلَا يُحْفَرُ فِيهِ بِئْرُ مَاءٍ.
١٤ - وَتُتْرَكُ الْقَدِيمَةُ.
وَيُكْرَهُ غَرْسُ الْأَشْجَارِ فِيهِ إلَّا لِمَنْفَعَةٍ لِيَقِلَّ النَّزُّ.
١٥ - وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ طَرِيقٍ فِيهِ لِلْمَرِّ إلَّا لِعُذْرٍ
١٦ - وَتُكْرَهُ الصِّنَاعَةُ فِيهِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ بِأَجْرٍ وَتَعْلِيمِ صِبْيَانٍ بِأَجْرٍ لَا بِغَيْرِهِ.
١٧ - إلَّا لِحِفْظِ الْمَسْجِدِ فِي رِوَايَةٍ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْمُصَنِّفُ حَرْفَ الْجَرِّ لَكَانَ أَنْسَبَ لِمَا سَبَقَ.
(١٣) قَوْلُهُ: وَلَا يُحْفَرُ فِيهِ بِئْرُ مَاءٍ. أَقُولُ: لِمَا فِيهِ مِنْ إذْهَابِ حُرْمَتِهِ، ثُمَّ الْحَافِرُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِحَفْرِهِ وَلَوْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ كَمَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ.
(١٤) قَوْلُهُ: وَتُتْرَكُ الْقَدِيمَةُ. أَقُولُ: كَبِئْرِ زَمْزَمَ.
(١٥) قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ طَرِيقٍ فِيهِ لِلْمُرُورِ. يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لَهُ بَابَانِ فَأَكْثَرُ فَيَدْخُلُ مِنْ هَذَا وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا وَعَدَمُ الْجَوَازِ صَادِقٌ بِالْحَرَامِ وَبِالْكَرَاهَةِ تَحْرِيمًا وَقَدْ صَرَّحَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي بِالْكَرَاهَةِ حَيْثُ قَالَ: لَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ وَيَتَّخِذُهُ طَرِيقًا فَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ لَمْ يُكْرَهْ (انْتَهَى) . وَفِي الْقُنْيَةِ مُعْتَادُ ذَلِكَ يَأْثَمُ وَيَفْسُقُ (انْتَهَى) .
(١٦) قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الصِّنَاعَةُ فِيهِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ بِأَجْرٍ إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَنَصُّ عِبَارَتِهِ: وَلَا يُكْرَهُ كِتَابَةُ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ فِي الْمَسْجِدِ بِأُجْرَةٍ (انْتَهَى) . أَقُولُ: الَّذِي فِي نُسْخَتِي مِنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي يُكْرَهُ كِتَابَةُ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ كَالْكَاتِبِ فِي الْمَسْجِدِ بِأُجْرَةٍ (انْتَهَى) . فَلَعَلَّ لَا زَائِدَةٌ فِي نُسْخَتِهِ مِنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَفِي الْفَتْحِ: مُعَلِّمُ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ كَالْكَاتِبِ إنْ بِأَجْرٍ لَا يَجُوزُ وَحِسْبَةٌ لَا بَأْسَ بِهِ (انْتَهَى) . وَفِي شَرْح الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَرْوِيِّ «جَنِّبُوا مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ» انْتَهَى وَهُوَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ سَوَاءٌ كَانَ بِأَجْرٍ أَوْ لَا.
(١٧) قَوْلُهُ: إلَّا لِحِفْظِ الْمَسْجِدِ أَيْ: إلَّا إذَا كَانَتْ الصِّنَاعَةُ فِيهِ لِأَجْلِ حِفْظِ الْمَسْجِدِ لَا لِلتَّكَسُّبِ فَإِنَّ الْأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا
стр. 1429
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ لِلْمُصِيبَةِ
١٩ - وَتُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِدَاخِلِهِ.
٢٠ - فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ كَفَتْهُ رَكْعَتَانِ كُلَّ يَوْمٍ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ لِلْمُصِيبَةِ. فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلْمُصِيبَةِ يُكْرَهُ وَفِي غَيْرِهِ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْأَحْسَنُ تَرْكُهُ.
(١٩) قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِدَاخِلِهِ. يَعْنِي قَبْلَ قُعُودِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا جَلَسَ قَبْلَ صَلَاتِهَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهَا لِتَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَحُرْمَتِهِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا فَقُمْت فَرَكَعْتهمَا.» وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي عَدَمَ سُقُوطِهَا بِالْجُلُوسِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ الصَّحِيحِ لَكِنَّهُ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ التَّحِيَّةِ أَنْ يَجْلِسَ ثُمَّ يَقُومَ وَيُصَلِّيَ أَوْ يُصَلِّيَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ قَالُوا يُصَلِّي كُلَّمَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَهُوَ الصَّحِيحُ (انْتَهَى) . وَقَوْلُهُمْ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ أَيْ: تَحِيَّةُ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ سُنَّةٌ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهَا الِاسْتِحْبَابَ لِاشْتِمَالِ السُّنَّةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَأَصْحَابُنَا يَكْرَهُونَهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ تَقْدِيمًا لِعُمُومِ الْحَاضِرِ عَلَى الْمُبِيحِ.
وَفِي الْكِفَايَةِ: إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الْمِنْبَرِ تُكْرَهُ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ فَإِنْ شَرَعَ فِيهَا قَطَعَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَوْ صَلَّى رَكْعَةً ضَمَّ أُخْرَى وَسَلَّمَ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: الْمُصَلِّي إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إذَا كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ فَرْضٌ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ سُنَّةٌ، وَالْإِتْيَانُ بِالْفَرْضِ أَوْلَى (انْتَهَى) . وَفِي الْقُنْيَةِ. وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَفِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هَذَا أَحْسَنُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ أَوْ الِاقْتِدَاءِ يَنُوبُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَهُ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ.
(٢٠) قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ كَفَتْهُ رَكْعَتَانِ كُلَّ يَوْمٍ. أَقُولُ عَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِالْحَرَجِ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَا سَلَفَ عَنْ الصَّحِيحَيْنِ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ سِيَّمَا وَمَزِيدُ
стр. 1430
وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ فِيهِ
٢٢ - وَجُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ، وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ وَفَوْقَهُ كَالتَّخَلِّي
وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ ٢٣ - لِمَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهَةٍ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَكَذَا كُلُّ مُؤْذٍ فِيهِ وَلَوْ بِلِسَانِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْقُرْبِ يَحْصُلُ بِمَا يُوجِبُ التَّقَرُّبَ اللَّهُمَّ لَا أَنْ يَخْتَصَّ عَدَمُ التَّكْرَارِ بِشَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: فَإِنْ قِيلَ هَلْ تُسَنُّ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ كُلَّمَا دَخَلَهُ أَمْ لَا؟ قِيلَ فِيهِ خِلَافٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِتَحِيَّةِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ يُحَيِّهِ كُلَّمَا لَقِيَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهَذَا إذَا كَانَ نَائِيًا، أَمَّا إذَا كَانَ جَارَ الْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّيهَا كَمَا لَا يَحْسُنُ لِأَهْلِ مَكَّةَ طَوَافُ الْقُدُومِ (انْتَهَى) . وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ مَسْجِدَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ دَخَلَ أَحَدَهُمَا وَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ دَخَلَ الْآخَرَ فَهَلْ يُطْلَبُ لَهُ تَحِيَّتُهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُطْلَبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ آخَرُ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ فِيهِ. كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَعِبَارَتُهُ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ.
(٢٢) قَوْلُهُ: وَجُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ. عَطْفٌ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ أَيْ: يُسْتَحَبُّ جُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ أَقُولُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ نَقْلًا عَنْ أَدَبِ الْقَاضِي: لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ لَا بَأْسَ بِفَصْلِ الْخُصُومَةِ وَإِنْ تَعَمَّدَ الذَّهَابَ إلَيْهِ فِي الْفَصْلِ يُكْرَهُ. لَنَا الْحَدِيثُ «بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» . وَالْحُكْمُ سَوَّى بَيْنَهُمَا وَفِي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ كَرِهَ أَصْحَابُنَا الْقَضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِي التَّفَارِيقِ عَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَرَوَى الْحَسَنُ الْأَفْضَلُ فِي الْجَامِعِ (انْتَهَى) .
(٢٣) قَوْلُهُ: لِمَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهَةٍ. الرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ كَمَا فِي مَنْظُومَةِ الْمُؤَنَّثَاتِ السَّمَاعِيَّةِ لِابْنِ الْحَاجِبِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الرِّيحُ الشَّيْءُ الطَّيِّبُ الرَّائِحَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ وَالرَّائِحَةُ النَّسِيمُ طَيِّبًا أَوْ نَتِنًا (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ هُنَا أَنْ يُقَالَ لِمَنْ أَكَلَ ذَا رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ وَذُو الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ كَالثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ قَالَ ﵊ ".
стр. 1431
وَمِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَكُلُّ عَقْدٍ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ، وَيَجُوزُ لَهُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ إنْ لَمْ يُحْضِرْ السِّلْعَةَ.
٢٥ - وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ
٢٦ - وَالْأَشْعَارِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
«مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا» . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ «أَوْ فُجْلًا لِيَعْتَزِلَنَّ مِنْ مَسْجِدِنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» . وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ أَوَّلِ أَكْلِ الْفُجْلِ لَمْ يَجِدْ لَهُ رِيحًا خَبِيثًا قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا بَخْرٌ وَمَنْ بِهِ صُنَانٌ مُسْتَحْكَمٌ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَأَوْلَى وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الثُّومِ يُؤْخَذُ بِيَدِهِ وَيُخْرَجُ إلَى الْبَقِيعِ وَلِلْغَيْرِ مَنْعُهُ مِنْ الْوُقُوفِ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ وَيُمْنَعُ الْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ مِنْ السِّقَايَاتِ الْمُسْبَلَةِ لِلشُّرْبِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَحُكْمُ مَنْ رَائِحَةُ ثِيَابِهِ كَرِيهَةٌ كَثِيَابِ الزَّيَّاتِينَ وَالدَّبَّاغِينَ وَنَحْوِهِمْ حُكْمُ أَكْلِ الثُّومِ، وَعَنْ مَالِكٍ ﵀ إنَّ الزَّيَّاتِينَ يَتَأَخَّرُونَ وَلَا يَتَقَدَّمُونَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ بَلْ يَقْعُدُونَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ كَذَا أَفَادَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَقَوَاعِدُ مَذْهَبِنَا لَا تَأْبَى شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ.
(٢٤) قَوْلُهُ: وَمِنْ الْبَيْعِ. عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَلِذَا أَعَادَ الْجَارُ.
(٢٥) قَوْلُهُ: وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ. إنْشَادُهَا: تَعْرِيفُهَا وَالِاسْتِرْشَادُ عَنْهَا ضِدٌّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُرَادُ هُنَا بِقَوْلِ مَنْ سَمِعَ بَيَّنَ لِهَذَا وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَكَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْجَارِ.
قَوْلُهُ: وَالْأَشْعَارُ أَيْ: وَإِنْشَادُ الْأَشْعَارِ عَلَى طَرِيقِ إيجَازِ الْحَذْفِ لَا الِانْسِحَابِ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ إذْ مَعْنَى إنْشَادِ الْأَشْعَارِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ الْمَنْعُ مِنْ إنْشَادِ الشَّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا فِيهِ شَيْءٌ مَذْمُومٌ كَهَجْوِ الْمُسْلِمِ وَصِفَةِ الْخَمْرِ وَذِكْرِ النِّسَاءِ وَالْمُرْدَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَدْحِ النُّبُوَّةِ وَالْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى حِكْمَةٍ أَوْ بَاعِثًا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالزُّهْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِهِ فِي الْمَسْجِدِ.
стр. 1432
وَالْأَكْلُ وَالنَّوْمُ لِغَيْرِ غَرِيبٍ وَمُعْتَكِفٍ
٢٨ - وَالْكَلَامُ الْمُبَاحُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ
٢٩ - وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ إلَّا لِلْمُتَفَقِّهَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْأَكْلُ وَالنَّوْمُ لِغَيْرِ غَرِيبٍ وَمُعْتَكِفٍ. فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي يُكْرَهُ النَّوْمُ وَالْأَكْلُ فِيهِ لِغَيْرِ مُعْتَكِفٍ وَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ فَيَدْخُلَ وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى مَا نَوَى أَوْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَفْعَلَ مَا شَاءَ
قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ الْمُبَاحُ أَيْ: يُمْنَعُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ. أَقُولُ مَحَلُّهُ أَنْ نَجْلِسَ لَهُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَمَّا أَنْ تَحْدُثَ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَلَا يُكْرَهُ (انْتَهَى) . قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ: الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَدِيثِ لَا يُبَاحُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ مَا بُنِيَتْ لِأُمُورِ الدُّنْيَا. وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْمُبَاحَ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا حَرَامٌ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يُتَكَلَّمُ فِي الْمَسَاجِدِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَسَاجِدِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا أَحْبَطَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ يُكْرَهُ الْقُعُودُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا لِلْعِبَادَةِ مَا دُونَ فِيهِ شَرْعًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ كَانُوا يُلَازِمُونَ الْمَسْجِدَ وَكَانُوا يَنَامُونَ فِيهِ وَيَتَحَدَّثُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ مَأْثَمٌ؟ وَفِي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا يَجُوزُ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَشْتَغِلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ خَلْفٍ جَاءَهُ غُلَامُهُ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَلَّمَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَا تَكَلَّمْتُ فِي الْمَسْجِدِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ.
قَوْلُهُ: وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ إلَخْ. أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنْ يُقْرَأَ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَيَمْنَعُ مِنْهُ وَالتَّقْدِيرُ وَيُمْنَعُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ صَادِقٌ بِالْمَنْعِ لِلتَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ لِلْكَرَاهَةِ وَقَدْ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْبَزَّازِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْجَهْرُ بِالذِّكْرِ حَرَامٌ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَمِعَ قَوْمًا اجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدٍ يُهَلِّلُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ﵊ جَهْرًا فَرَاحَ إلَيْهِمْ وَقَالَ مَا عَهِدْنَا ذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِ ﵊ وَمَا أَرَاكُمْ إلَّا مُبْتَدِعِينَ فَمَا زَالَ يَذْكُرُ
стр. 1433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
ذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت الْمَذْكُورُ فِي الْفَتَاوَى إنَّ الْجَهْرَ بِالذِّكْرِ لَوْ فِي الْمَسْجِدِ لَا يُمْنَعُ احْتِرَازًا عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] وَصَنِيعُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُخَالِفُ قَوْلَكُمْ. قُلْت الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمَسْجِدِ لَوْ نُسِبَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِاعْتِقَادِهِمْ الْعِبَادَةَ فِيهِ وَتَعْلِيمَ النَّاسِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَالْفِعْلُ الْجَائِزُ يَكُونُ غَيْرَ جَائِزٍ لِغَرَضٍ يَلْحَقُهُ فَكَذَا غَيْرُ الْجَائِزِ يَجُوزُ أَنْ يَجُوزَ لِغَرَضٍ كَمَا تَرَكَ ﷺ الْأَفْضَلَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ وَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِرَافِعِي أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّكْبِيرِ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ لَنْ تَدْعُوا أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا إنَّهُ مَعَكُمْ» الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّفْعِ مَصْلَحَةٌ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةٍ وَعَدَمُ رَفْعِ الصَّوْتِ نَحْوَ بِلَادِ الْعَدُوِّ خُدْعَةٌ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ الْجَرَسِ فِي الْمَغَازِي.
وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فَجَائِزٌ كَمَا فِي الْآذَانِ وَالْخُطْبَةِ وَالْحَجِّ، وَالِاخْتِلَافُ فِي عَدَدِ تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ سُنَّةً زَائِدَةً عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ فَيُتِمُّ صَلَاةً، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ سُنَّةَ الْأَرْبَعِ مِنْ الظُّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْلَى أَمْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ؟ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ تَكُونُ بِدْعَةً أَوْ حَرَامًا. وَفِي تَفْسِيرِ الثَّعَالِبِيِّ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أَيْ: بِالْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ مِنْ الِاعْتِدَاءِ فَيَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَفِي أَجْوِبَةِ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ الْخُوَارِزْمِيِّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ لَا تُجِيزُ وَلَا تَمْنَعُ ثُمَّ قَالَ: جَوَّزَهُ مُحِبُّ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ تَعَالَى كَثِيرًا (انْتَهَى) .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِبَيَانِ ذِكْرِ الذَّاكِرِ لِلْمَذْكُورِ وَالشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ مَا نَصُّهُ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى اسْتِحْبَابِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَمَاعَةً فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ إلَّا أَنْ يُشَوِّشَ جَهْرُهُمْ بِالذِّكْرِ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ شَبَّهَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ذِكْرَ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ وَذِكْرَ الْجَمَاعَةِ بِأَذَانِ الْمُنْفَرِدِ وَأَذَانِ الْجَمَاعَةِ قَالَ: فَكَمَا أَنَّ أَصْوَاتَ الْمُؤَذِّنِينَ جَمَاعَةً تَقْطَعُ جُرْمَ الْهَوَى أَكْثَرَ مِنْ صَوْتِ مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ كَذَلِكَ ذِكْرُ الْجَمَاعَةِ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي رَفْعِ الْحُجُبِ الْكَثِيفَةِ مِنْ ذِكْرِ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
стр. 1434
وَاخَرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ مِنْ الدُّبُرِ
٣١ - وَالْخُصُومَةُ
٣٢ - وَيُسَنُّ كَنْسُهُ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ
٣٣ - وَفُرُشُهُ وَإِيقَادُهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَإِخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ مِنْ الدُّبُرِ. أَيْ: يُكْرَهُ.
أَقُولُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الَّذِي يَفْسُو فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَرَهُ بَعْضُهُمْ بَأْسًا وَبَعْضُهُمْ لَا يَفْسُو بَلْ يَخْرُجُ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ انْتَهَى. وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ بَنُو آدَمَ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ.
(٣١) قَوْلُهُ: الْخُصُومَةُ أَيْ: وَيُمْنَعُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِيهِ.
(٣٢) قَوْلُهُ: وَيَسُنُّ كَنْسُهُ إلَخْ. وَكَذَا إزَالَةُ مَا فِيهِ مِنْ نُخَامَةٍ وَنَحْوِهَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ فِي الْمَحَالِّ وَنَظِّفُوهَا وَطَيِّبُوهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَعَنْ الْحَسَنِ «أَنَّ مُهُورَ الْحُورِ الْعِينِ إخْرَاجُ الْقُمَامَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَنْسُهَا وَعِمَارَتُهَا» وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ وَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ قَالَ يَا بَرْقَاءُ ائْتِنِي بِجَرِيدَةٍ فَأَتَاهُ بِهَا فَاحْتَجَرَ عُمَرُ بِثَوْبِهِ فَكَنَسَهُ
(٣٣) قَوْلُهُ: وَفُرُشُهُ وَإِيقَادُهُ.
أَيْ: وَقْتَ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الظُّلْمَةَ وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا يُفْعَلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبُلْدَانِ مِنْ إيقَادِ الْقَنَادِيلِ الْكَثِيرَةِ فِي لَيَالِي مَعْرُوفَةٍ فِي السُّنَّةِ كَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ خُصُوصًا بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مُضَاهَاةُ الْمَجُوسِ فِي الِاعْتِبَارِ بِالنَّارِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ مِنْ اجْتِمَاعِ الصِّبْيَانِ وَأَهْلِ الْبَطَالَةِ وَلَعْبِهِمْ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ وَامْتِهَانِهِمْ بِالْمَسَاجِدِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِهَا وَحُصُولِ أَوْسَاخٍ فِيهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَجِبُ صِيَانَةُ الْمَسَاجِدِ عَنْهَا وَمِنْ الْمَفَاسِدِ مَا يُجْعَلُ فِي الْجَوَامِعِ مِنْ إيقَادِ الْقَنَادِيلِ وَتَرْكِهَا إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ فِي كَنَائِسِهِمْ وَأَكْثَرُ مَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْعِيدِ وَهُوَ حَرَامٌ وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ وُقُودُ الشُّمُوعِ الْكَثِيرَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِمَقَامِ سَيِّدِي أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَاتِهِ وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ وُقُودُ الشُّمُوعِ الْكَثِيرَةِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ. وَفِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ: وَلِأَهْلِ الْمَسْجِدِ أَنْ
стр. 1435
وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعَكْسُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، وَمَنْ اعْتَادَ الْمُرُورَ فِيهِ يَأْثَمُ وَيَفْسُقُ، وَيُكْرَهُ تَخْصِيصُ مَكَان فِيهِ لِصَلَاتِهِ،
٣٥ - وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالْمُلَازَمَةِ فَلَا يُزْعِجُ غَيْرَهُ لَوْ سَبَقَهُ إلَيْهِ، وَلِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ جَعْلُ الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ مَسْجِدَيْنِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مُؤَذِّنٌ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يَفْرِشُوا الْمَسْجِدَ بِالْآجُرِّ وَالْحَصِيرِ وَيُعَلِّقُوا الْقَنَادِيلَ لَكِنْ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ لَا مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ إلَّا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاقِفُ شَيْئًا مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ لِذَلِكَ.
(٣٤) قَوْلُهُ: وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى عِنْدَ دُخُولِهِ إلَخْ. يَعْنِي كَمَا يَفْعَلُ دَاخِلُ الْحَرَمِ وَالْكَعْبَةِ وَسَائِرِ الْأَمَاكِنِ الشَّرِيفَةِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَلْيَخْلَعْ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى.
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَإِذَا خَلَعَ الْإِنْسَانُ نَعْلَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى لَمْ يُدْخِلْهَا الْمَسْجِدَ أَوَّلًا بَلْ يَدَعْهَا مَخْلُوعَةً عَلَى النَّعْلِ ثُمَّ يَخْلَعْ الْيُمْنَى وَيُدْخِلْهَا الْمَسْجِدَ ثُمَّ يُدْخِلْ الْيُسْرَى.
(٣٥) قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالْمُلَازَمَةِ إلَخْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ مُعَلِّلًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَعَزَاهُ إلَى النِّهَايَةِ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ جَهْلُ بَعْضِ مُدَرِّسِي زَمَانِنَا مِنْ مَنْعِهِمْ مَنْ يَدْرُسُ فِي مَسْجِدٍ تَقَرَّرَ فِي تَدْرِيسِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِمْ لِذَلِكَ زَاعِمِينَ الِاخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُطْلَقًا أَنْ يَمْنَعَ مُؤْمِنًا مِنْ عِبَادَةٍ يَأْتِي بِهَا فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَا بُنِيَ إلَّا لَهَا مِنْ صَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ وَذِكْرٍ شَرْعِيٍّ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ تَعَلُّمِهِ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَلَا يَتَعَيَّنُ مَكَانٌ مَخْصُوصٌ لِأَحَدٍ حَتَّى لَوْ كَانَ لِلْمُدَرِّسِ مَوْضِعٌ مِنْ الْمَسْجِدِ يُدَرِّسُ فِيهِ فَسَبَقَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إزْعَاجُهُ وَإِقَامَتُهُ مِنْهُ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الزَّاهِدِيُّ فِي الْقُنْيَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْعَصْرِ: لَهُ فِي الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ
стр. 1436
وَلَهُمْ جَعْلُ الْمَسْجِدَيْنِ وَاحِدًا
٣٧ - وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ أَدَوَاتِهِ لِمَسْجِدٍ آخَرَ
وَلَا يَشْغَلُ الْمَسْجِدَ بِالْمَتَاعِ ٣٨ - إلَّا لِلْخَوْفِ فِي الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ
خَاتِمَةٌ: أَعْظَمُ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ.
٣٩ - ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
٤٠ - ثُمَّ الْجَوَامِعُ ثُمَّ مَسَاجِدُ الْمَحَالِّ ثُمَّ مَسَاجِدُ الشَّوَارِعِ ثُمَّ مَسَاجِدُ الْبُيُوتِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَقَدْ شَغَلَهُ غَيْرُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَهُ أَنْ يُزْعِجَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا.
(٣٦) قَوْلُهُ: وَلَهُمْ جَعْلُ الْمَسْجِدَيْنِ وَاحِدًا.
فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي مَسْجِدٌ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ وَبِجَنْبِهِ أَرْضُ رَجُلٍ تُؤْخَذُ أَرْضُهُ بِالْقِيمَةِ كَرْهًا.
(٣٧) قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ أَدَوَاتِهِ لِمَسْجِدٍ آخَرَ.
أَقُولُ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ وَلَوْ اتَّخَذَ الْوَاقِفُ فَلْيَنْظُرْ صَرِيحَ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ.
(٣٨) قَوْلُهُ: إلَّا لِلْخَوْفِ فِي الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ. أَقُولُ: أَوْ الْحَرِيقِ الْعَامِّ كَمَا فِي دِيَارِ الرُّومِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْأَحْكَامِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ يَدَعُهُ
١ -
، وَبَقِيَ مِنْ الْأَحْكَامِ أَنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ مُنْتَعِلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي.
[خَاتِمَةٌ أَعْظَمُ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً]
(٣٩) قَوْلُهُ: ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ. أَقُولُ ذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ كَذَا قِيلَ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ فِنَاءَهُ فِي حُكْمِهِ فِي الْفَضِيلَةِ تَشْرِيفًا لَهُ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْفِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُجْعَلَ مِنْهُ.
(٤٠) قَوْلُهُ: ثُمَّ الْجَوَامِعُ. أَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ الْفَنِّ الثَّانِي أَنَّ مَسْجِدَ الْمَحَلَّةِ أَفْضَلُ مِنْ الْجَامِعِ وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ بَعْدَ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَسْجِدَ قُبَاءَ ثُمَّ الْأَقْدَمُ فَالْأَقْدَمُ ثُمَّ الْأَعْظَمُ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ الْعِمَادِ فِي كِتَابِهِ تَسْهِيلُ الْمَقَاصِدِ إنَّ
стр. 1437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَفْضَلَ مَسَاجِدِ الْأَرْضِ الْكَعْبَةُ ثُمَّ مَسْجِدُ أَيْلَةَ الْمُحِيطِ بِالْكَعْبَةِ ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ مَسْجِدُ الْأَقْصَى ثُمَّ مَسْجِدُ الطُّورِ أَمَّا تَفْضِيلُ الْكَعْبَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] وَأَمَّا تَفْضِيلُ مَسْجِدِ مَكَّةَ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ مَسَاجِدِ مَكَّةَ فَلِأَنَّهُ أَقْدَمُ مَسْجِدٍ فِيهِ وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَجَّاجِ: إنَّ لِلْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّ فِيهِ عِبَادَةٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ وَهِيَ الطَّوَافُ وَفِي الْمُقَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَفْضِيلُ الْحَرَمِ عَلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدُلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ جَمِيعُ الْحَرَمِ وَحَسَنَاتُ الْحَرَمِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ حَسَنَةٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَأَمَّا أَنَّ تَفْضِيلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّ أَرْضَ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ مِنْهُ «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ» أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ «عَنْ بَعْضِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ إحْدَانَا أَنْ تَأْتِيَهُ قَالَ إذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إحْدَاكُنَّ أَنْ تَأْتِيَهُ فَلْتَبْعَثْ لَهُ بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِيهِ فَإِنَّ مَنْ بَعَثَ لَهُ بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِيهِ كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ» وَسُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] فَقَالَ مَسْجِدُ الطُّورِ وَهَذَا الْبَلَدُ الْأَمِينُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أُقْسِمُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَذْكُرُ بِهِمَا.
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ]
فِي أَحْكَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. هِيَ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ وَعَنْ الْفَرَّاءِ وَالْوَاحِدِيِّ ضَمُّ الْمِيمِ وَفَتْحُهَا أَيْضًا وَالضَّمُّ أَعْلَى وَهِيَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ كَالْفُرْقَةِ مِنْ الِافْتِرَاقِ وَجُمِعَتْ عَلَى جُمَعٍ وَجُمُعَاتٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا أَوْ لِمَا جُمِعَ فِي يَوْمِهَا مِنْ الْخَبَرِ أَوْ؛ لِأَنَّ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ كَانَ يَجْمَعُ قَوْمَهُ فِيهِ فَيَأْمُرُهُمْ بِتَعْظِيمِ الْحَرَمِ أَوْ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الْخَلَائِقِ جُمِعَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ لِأَنَّ فِيهِ خُلِقَ آدَم ﵇ جُمِعَ فِيهِ أَقُولُ قَالَ الْفَاضِلُ الْبُرْجَنْدِيُّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ. اُخْتُصَّ بِأَحْكَامٍ أَيْ: الْيَوْمُ الْمُسَمَّى بِالْجُمُعَةِ وَفِيهِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا لِلْيَوْمِ.
стр. 1438
الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
١ - اُخْتُصَّ بِأَحْكَامٍ:
٢ - لُزُومِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
٣ - وَاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ لَهَا.
٤ - وَكَوْنِهَا ثَلَاثَةً سِوَى الْإِمَامِ.
٥ - وَالْخُطْبَةِ لَهَا. ٦ - وَكَوْنِهَا قَبْلَهَا شَرْطًا.
٧ - وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ لَهَا.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: اُخْتُصَّ بِأَحْكَامٍ أَيْ: الْيَوْمُ الْمُسَمَّى بِالْجُمُعَةِ وَفِيهِ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا لِلْيَوْمِ.
(٢) قَوْلُهُ: لُزُومِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ أَحْكَامٍ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِنْ مُجْمَلٍ وَكَذَا مَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
(٣) قَوْلُهُ: وَاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ لَهَا أَيْ: لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَفِيهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ كَمَا هِيَ شَرْطٌ لَهَا شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.
(٤) قَوْلُهُ: وَكَوْنِهَا. بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَيْ: وَاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْجَمَاعَةِ ثَلَاثَةً سِوَى الْإِمَامِ وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَهَا ثَلَاثَةً سِوَى الْإِمَامِ لَيْسَ شَرْطًا خَاصًّا بِالْجُمُعَةِ بَلْ كَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ.
(٥) قَوْلُهُ: وَالْخُطْبَةِ أَيْ: اشْتِرَاطِ الْخُطْبَةِ لَهَا بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فَإِنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لَهَا وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْخُطْبَةِ لَهَا لَكَانَ صَوَابًا وَقَدْ يُقَالُ الْمُخْتَصُّ بِهَا اشْتِرَاطُ الْمَجْمُوعِ لَا كُلِّ وَاحِدٍ.
(٦) قَوْلُهُ: وَكَوْنِهَا قَبْلَهَا شَرْطًا.
كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالصَّوَابُ شَرْطٌ بِالرَّفْعِ.
(٧) قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ أَيْ: سُورَةِ الْأَعْلَى وَالْغَاشِيَةِ وَلَكِنْ لَا يُوَاظِبُ عَلَيْهِمَا.
стр. 1439
وَتَحْرِيمِ السَّفَرِ قَبْلَهَا بِشَرْطِهِ
٩ - وَاسْتِنَانِ الْغُسْلِ لَهَا وَالطِّيبِ
١٠ - وَلُبْسِ الْأَحْسَنِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَتَحْرِيمُ السَّفَرِ قَبْلَهَا بِشَرْطِهِ. قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ: رَجُلٌ أَرَادَ السَّفَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا خَرَجَ مِنْ الْعُمْرَانِ قَبْلَ خُرُوجِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مُسَافِرٌ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَلَا يُكْرَهُ السَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ وَإِذَا مَا فَارَقَ عُمْرَانِ مِصْرِهِ فِي الْوَقْتِ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي اعْتِبَارِ آخِرِ الْوَقْتِ إشْكَالٌ إذْ اعْتِبَارُ الْوَقْتِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِأَدَائِهِ وَهُوَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ وَالْجُمُعَةُ لَا يَنْفَرِدُ بِأَدَائِهَا وَإِنَّمَا يُؤَدِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ وَقْتُ أَدَائِهِمْ إذْ لَوْ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ قَبْلَ أَدَاءِ النَّاسِ يَلْزَمُهُ شُهُودُ الْجُمُعَةِ وَفِي قَوْلِهِ بِشَرْطِهِ غُمُوضٌ فَتَأَمَّلْ.
(٩) قَوْلُهُ: وَاسْتِنَانِ الْغُسْلِ لَهَا. أَيْ لِلْجُمُعَةِ بِمَعْنَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ.
(١٠) قَوْلُهُ: وَلُبْسِ الْأَحْسَنِ أَيْ: مِنْ ثِيَابِهِ وَفِيهِ أَنَّ لُبْسَ الْأَحْسَنِ مِنْ ثِيَابِهِ لَيْسَ خَاصًّا بِالْجُمُعَةِ بَلْ كَذَلِكَ الْعِيدَانِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تَقْدِيمُ الْأَحْسَنِ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيْضَاءَ وَالدَّلِيلُ دَالٌ عَلَيْهِ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَلْبِسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ» وَهِيَ كَمَا فِي الْفَتْحِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَوْبَيْنِ مِنْ الْيَمَنِ فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَخُضْرٌ لَا أَنَّهَا حَمْرَاءُ بَحْتٌ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ الْبُرْدَةِ أَحَدَهُمَا بِدَلِيلِ نَهْيِهِ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَاظِرُ عَلَى الْمُبِيحِ لَوْ تَعَارَضَا فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَتَعَارَضَا بِالْحَمْلِ الْمَذْكُورِ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى صَرِيحِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ عُلَمَائِنَا حَتَّى قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلَخْ. وَالْحَالُ إنَّ الْبَدْرَ الْعَيْنِيَّ نَقَلَ فِي النِّيَابَةِ عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَتُسْتَحَبُّ الثِّيَابُ الْبِيضُ (انْتَهَى) . وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بَيْضَاءَ (انْتَهَى) . وَفِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْحُجَّةِ وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْخُضْرِ وَأَحَبُّ الثِّيَابِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْبِيضُ وَبِهِ وَرَدَ الْخَبَرُ (انْتَهَى) .
стр. 1440
أَوْ تَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ.
١٢ - وَلَكِنْ بَعْدَهَا أَفْضَلُ، وَالْبَخُورُ فِي الْمَسْجِدِ
١٣ - وَالتَّكْبِيرِ لَهَا، وَالِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ إلَى خُرُوجِ الْخَطِيبِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ. قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَلِلْمَزِيدِ إذَا وَقَّتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِقَلْمِ الْأَظْفَارِ إنْ رَأَى أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدَّ قَبْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَمَعَ هَذَا يُؤَخِّرُ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ ظُفْرُهُ طَوِيلًا كَانَ رِزْقُهُ ضَيِّقًا وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْحَدَّ وَوَقْتَهُ تَبَرُّكًا بِالْأَخْبَارِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ الْبَلَاءِ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَةً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ لِلْعَلَّامِيِّ وَفِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْحُجَّةِ وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَلْمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْحَجِّ فَكُرِهَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ قَضَاءَ النَّفْثِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ «مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ السُّوءِ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْقَابِلَةِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يُقَلِّمُ وَيَقُصُّ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَمَلًا بِالْأَخْبَارِ فَكَأَنَّهُ اعْتَمَرَ وَحَجَّ ثُمَّ حَلَقَ وَقَصَّ وَقَصَّرَ (انْتَهَى) . وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا نَقَلْنَاهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الْقَصِّ وَالْحَلْقِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَكَذَا إذَا وَقَّتَهَا بِيَوْمِهَا وَكَانَ قَبْلَهُ طَوِيلًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصُنْعِ الْمُصَنِّفِ.
(١٢) قَوْلُهُ: وَلَكِنْ بَعْدَهَا أَفْضَلُ. كَأَنَّهُ لِيَحْصُلَ الْبَرَكَةُ لَهَا وَيَشْهَدُ بِالْحُضُورِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ [النور: ٢٤] الْآيَةَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَطُلْ الظُّفْرُ فَيُمْنَعُ مِنْ التَّطْهِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الدُّونِ عَلَى قَوْلٍ.
(١٣) قَوْلُهُ: وَالتَّكْبِيرِ لَهَا. أَقُولُ: هُوَ سُرْعَةُ الِانْتِبَاهِ وَتَأَمَّلْ مَا فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ ثَمَّ الْإِبْرَادُ فِي الْجُمُعَةِ لِاسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ لَهَا عَلَى مَا قِيلَ وَلَكِنْ ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهَا كَالظُّهْرِ فِي الزَّمَانَيْنِ (انْتَهَى) . وَأَمَّا الِابْتِكَارُ فَهُوَ الْمُسَارَعَةُ إلَى الْمُصَلَّى وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ أَيْضًا كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَذَكَرَ مِفْتَاحُ السَّعَادَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا
следующие страницы →