Полный текст (1 695 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
قُلْت هُوَ كَالْخُسُوفِ لِمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي قُبَيْلَ الزَّكَاةِ: فِي الْخُسُوفِ وَالظُّلْمَةِ، فِي النَّهَارِ وَاشْتِدَادِ الرِّيحِ وَالْمَطَرِ وَالثَّلْجِ وَالْأَفْزَاعِ وَعُمُومِ الْمَرَضِ يُصَلِّي وُحْدَانًا (انْتَهَى) .
٣١ - وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ الْمَرَضِ فَتُسَنُّ لَهُ رَكْعَتَانِ فُرَادَى، وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ أَنَّهُ يَتَضَرَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا فِي الظُّلْمَةِ الْهَائِلَةِ بِالنَّهَارِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَانْتِشَارِ الْكَوَاكِبِ وَالضَّوْءِ الْهَائِلِ بِاللَّيْلِ وَالثَّلْجِ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ وَعُمُومِ الْأَمْرَاضِ وَالْخَوْفِ الْغَالِبِ مِنْ الْعَدُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْزَاعِ وَالْأَهْوَالِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الْمُخَوِّفَةِ (انْتَهَى) . فَإِنْ قُلْت: هَلْ يُشْرَعُ الِاجْتِمَاعُ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ بِالْقَاهِرَةِ بِالْجَبَلِ؟ ٣٢ - قُلْت: هُوَ كَخُسُوفِ الْقَمَرِ، وَقَدْ قَالَ فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ: وَالصَّلَاةُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ تُؤَدَّى فُرَادَى وَكَذَلِكَ فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَالْفَزَعِ، لَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلُّوا فُرَادَى وَيَدْعُونَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: قُلْت هُوَ كَالْخُسُوفِ إلَخْ أَقُولُ: هَذَا قِيَاسٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرَائِطِهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ وُجُودِ الشَّرَائِطِ، فَبَابُ الْقِيَاسِ مَسْدُودٌ فِي زَمَانِنَا إنَّمَا لِلْعُلَمَاءِ النَّقْلُ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ عَلَى أَنَّهُ نَفْسُهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ بَعْدَ أَرْبَعِمِائَةٍ مُنْقَطِعٌ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِيسَ مَسْأَلَةً عَلَى مَسْأَلَةٍ.
(٣١) قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ الْمَرَضِ إلَخْ قُلْت: الطَّاعُونُ لَيْسَ مَرَضًا؛ لِأَنَّهُ وَخْزُ الْجِنِّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ.
(٣٢) قَوْلُهُ: قُلْت هُوَ كَخُسُوفِ الْقَمَرِ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فَلَا تَغْفُلْ.
стр. 1507
وَيَتَضَرَّعُونَ إلَى أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ (انْتَهَى) . فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فُرَادَى، وَفِي الْمُجْتَبَى فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ: وَقِيلَ الْجَمَاعَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً (انْتَهَى) . وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ وَكَذَا فِي غَيْرِ الْخُسُوفِ مِنْ الْأَفْزَاعِ؛ كَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ.
٣٤ - وَالظُّلْمَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ وَالْأَفْزَاعِ الْغَالِبَةِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ خُسُوفِ الْقَمَرِ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْزَعَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ كُلِّ حَادِثَةٍ. فَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ . ٣٥ - إذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ صَلَّى» (انْتَهَى) . وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْعَيْنِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ وَالظُّلْمَةُ الْهَائِلَةُ بِالنَّهَارِ وَالثَّلْجُ وَالْأَمْطَارُ الدَّائِمَةُ وَالصَّوَاعِقُ وَالزَّلَازِلُ وَانْتِشَارُ الْكَوَاكِبِ وَالضَّوْءُ الْهَائِلِ بِاللَّيْلِ وَعُمُومُ الْأَمْرَاضِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّوَازِلِ وَالْأَهْوَالِ وَالْأَفْزَاعِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَيَدْعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ إلَخْ كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَالصَّوَابُ يَدْعُوا وَيَتَضَرَّعُوا بِإِسْقَاطِ النُّونِ.
(٣٤) قَوْلُهُ: وَالظُّلْمَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ الْعَدُوِّ إلَخْ كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّهُ فِي الْغَدِ بِالْمُعْجَمَةِ وَأَدَاةِ الظَّرْفِ.
(٣٥) قَوْلُهُ: إذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ إلَخْ فِي الْقَامُوسِ حَزَبَهُ الْأَمْرُ نَابَهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ أَوْ ضَغَطَهُ وَالِاسْمُ الْحُزَابَةُ بِالضَّمِّ.
стр. 1508
إذَا وَقَعْنَ صَلَّوْا وُحْدَانًا وَسَأَلُوا وَتَضَرَّعُوا، وَكَذَا فِي الْخَوْفِ الْغَالِبِ مِنْ الْعَدُوِّ (انْتَهَى) . فَقَدْ صَرَّحُوا بِالِاجْتِمَاعِ.
٣٧ - وَالدُّعَاءِ بِعُمُومِ الْأَمْرَاضِ، وَقَدْ صَرَّحَ شَارِحُو الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى الطَّاعُونِ كَابْنِ حَجَرٍ بِأَنَّ الْوَبَاءَ اسْمٌ لِكُلِّ مَرَضٍ عَامٍّ وَأَنَّ كُلَّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ، وَلَيْسَ كُلُّ وَبَاءٍ طَاعُونًا (انْتَهَى) .
٣٨ - فَتَصْرِيحُ أَصْحَابِنَا بِالْمَرَضِ الْعَامِّ بِمَنْزِلَةِ تَصْرِيحِهِمْ بِالْوَبَاءِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَشْمَلُ الطَّاعُونَ.
٣٩ - وَبِهِ عُلِمَ جَوَازُ الِاجْتِمَاعِ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ، لَكِنْ يُصَلُّونَ فُرَادَى رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي رَكْعَتَيْ رَفْعِ الطَّاعُونِ.
٤٠ - وَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ بِدْعَةٌ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إذَا وَقَعْنَ صَلَّوْا وُحْدَانًا إلَخْ أَقُولُ: الصَّوَابُ إذَا وَقَعَتْ. كَمَا فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مِمَّا لَا يَعْقِلُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْوَاحِدِ مِنْ الْإِنَاثِ.
(٣٧) قَوْلُهُ: وَالدُّعَاءُ بِعُمُومِ الْأَمْرَاضِ إلَخْ لَيْسَتْ الْبَاءُ صِلَةَ الدُّعَاءِ بَلْ الْبَاءُ هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ.
(٣٨) قَوْلُهُ: فَتَصْرِيحُ أَصْحَابِنَا بِالْمَرَضِ الْعَامِّ بِمَنْزِلَةِ تَصْرِيحِهِمْ بِالْوَبَاءِ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ أَنَّ الطَّاعُونَ غَيْرُ الْوَبَاءِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْوَبَاءِ لِكَوْنِهِ يَكْثُرُ فِي الْوَبَاءِ كَمَا فِي الْهَدْيِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَبَاءَ هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ، وَالطَّاعُونُ لَيْسَ مَرَضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ بَلْ هُوَ مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ.
(٣٩) قَوْلُهُ: وَبِهِ عُلِمَ جَوَازُ الِاجْتِمَاعِ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ.
(٤٠) قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ بِدْعَةٌ إلَخْ أَقُولُ: مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْبِدْعَةِ صَادِقٌ عَلَيْهِ.
стр. 1509
شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: سَبَبَهُ وَحُكْمَ مَنْ مَاتَ بِهِ وَمَنْ أَقَامَ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدٍ هُوَ فِيهَا وَمَنْ دَخَلَهَا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ أَصْحَابَنَا ﵏ لَمْ يُهْمِلُوا الْكَلَامَ عَلَى الطَّاعُونِ
وَقَدْ أَوْسَعَ الْكَلَامَ فِيهِ الْإِمَامُ الشِّبْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَاضِي الْقُضَاةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " بِبَذْلِ الْمَاعُونِ فِي فَوَائِدِ فَصْلِ الطَّاعُونِ " وَقَدْ طَالَعْته فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الطَّاعُونَ إذَا ظَهَرَ فِي بَلَدٍ أَنَّهُ مَخُوفٌ إلَى أَنْ يَزُولَ عَنْهَا؛ فَتُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَالْمَرِيضِ.
٤١ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَتَانِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْهُمَا عِنْدَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ وَلَكِنَّ قَوَاعِدَهُمْ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَمَا هُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَكَذَا قَالَ لِي جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ (انْتَهَى) . قُلْت إنَّمَا كَانَتْ قَوَاعِدُنَا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي بَابِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ: لَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ وَهُوَ مَحْصُورٌ أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ لَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ. فَلَا مِيرَاثَ لِزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ، ٤٢ - بِخِلَافِ مَنْ بَارَزَ رَجُلًا أَوْ قَدِمَ لِيُقْتَلَ بِقَوَدٍ أَوْ رَجْمٍ فَإِنَّهُ فِي
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَتَانِ وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَهُمْ إلَخْ أَقُولُ: الَّذِي فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْهُمَا.
(٤٢) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَنْ بَارَزَ رَجُلًا إلَخْ قِيلَ فِي كَوْنِ الْغَالِبِ الْهَلَاكَ فِيمَنْ
стр. 1510
حُكْمِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ الْهَلَاكُ (انْتَهَى) . وَغَايَةُ الْأَمْرِ فِي الطَّاعُونِ أَنْ يَكُونَ مَنْ نَزَلَ بِبَلَدِهِمْ كَالْوَاقِفِينَ فِي صَفِّ الْقِتَالِ؛ فَلِذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا لِابْنِ حَجَرٍ: إنَّ قَوَاعِدَنَا تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَالصَّحِيحِ، يَعْنِي قَبْلَ نُزُولِهِ بِوَاحِدٍ، أَمَّا إذَا طُعِنَ وَاحِدٌ فَهُوَ مَرِيضٌ حَقِيقَةً وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُطْعَنْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ الطَّاعُونُ.
وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تُسْتَنْبَطُ مِنْ أَحَدِ الْأَوْجُهِ فِي النَّهْيِ عَنْ الدُّخُولِ إلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ، وَهُوَ مَنْعُ التَّعَرُّضِ إلَى الْبَلَاءِ
وَمِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدَّوَاءِ:
٤٣ - التَّحَرُّزُ فِي أَيَّامِ الْوَبَاءِ مِنْ أُمُورٍ أَوْصَى بِهَا حُذَّاقُ الْأَطِبَّاءِ.
٤٤ - مِثْلُ إخْرَاجِ الرُّطُوبَاتِ الْفَصِيلَةِ وَتَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَتَرْكِ الرِّيَاضَةِ وَالْمُكْثِ فِي الْحَمَّامِ وَمُلَازَمَةِ السُّكُونِ وَالدَّعَةِ وَأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ اسْتِنْشَاقِ الْهَوَاءِ الَّذِي هُوَ عَفِنٌ. وَصَرَّحَ الرَّئِيسُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا بِأَنَّ.
٤٥ - أَوَّلَ شَيْءٍ يُبْدَأُ بِهِ فِي عِلَاجِ الطَّاعُونِ الشُّرَطُ إنْ أَمْكَنَ، فَيُسِيلُ مَا فِيهِ وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يَجْمُدَ فَتَزْدَادَ سُمِّيَّتُهُ؛ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى
ــ
[غمز عيون البصائر]
بَارَزَ رَجُلًا وَاحِدًا نَظَرٌ خُصُوصًا إذَا كَانَ هَذَا الْمُبَارِزُ أَقْوَى وَأَشْجَعَ مِنْ قَرِينِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ إلَى جَمَاعَةٍ.
(٤٣) قَوْلُهُ: التَّحَرُّزُ إلَخْ نَائِبُ فَاعِلِ تُسْتَنْبَطُ.
(٤٤) قَوْلُهُ: مِثْلُ إخْرَاجِ الرُّطُوبَاتِ الْفَصِيلَةِ إلَخْ أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِمَا أَوْصَى الْأَطِبَّاءُ بِالتَّحَرُّزِ مِنْهُ بَلْ مِمَّا أَمَرُوا بِهِ.
(٤٥) قَوْلُهُ: أَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ فِي عِلَاجِ الطَّاعُونِ الشَّرْطُ إلَخْ أَقُولُ: قَالَ
стр. 1511
مَصِّهِ بِالْمِحْجَمَةِ فَلْيَفْعَلْ بِلُطْفٍ، وَقَالَ أَيْضًا: يُعَالَجُ الطَّاعُونُ بِمَا يَقْبِضُ وَيُبَرِّدُ وَبِإِسْفَنْجَةٍ مَغْمُوسَةٍ فِي خَلٍّ أَوْ مَاءٍ أَوْ دُهْنِ وَرْدٍ أَوْ دُهْنِ تُفَّاحٍ أَوْ دُهْنٍ آسٍ، وَيُعَالَجُ بِالِاسْتِفْرَاغِ بِالْقَصْدِ بِمَا يَحْتَمِلُهُ الْوَقْتُ، أَوْ يُؤْجَرُ مَا يُخْرِجُ الْخَلْطَ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى الْقَلْبِ بِالْحِفْظِ وَالتَّقْوِيَةِ بِالْمُبَرِّدَاتِ وَالْمُعَطِّرَاتِ، وَيَجْعَلُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ أَدْوِيَةِ أَصْحَابِ الْخَفَقَانِ الْجَائِرِ. قُلْت: وَقَدْ أَغْفَلَ الْأَطِبَّاءُ فِي عَصْرِنَا وَمَا قَبْلَهُ هَذَا التَّدْبِيرَ، فَوَقَعَ التَّفْرِيطُ الشَّدِيدُ مِنْ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِصَاحِبِ الطَّاعُونِ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ حَتَّى شَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ وَذَاعَ بِحَيْثُ صَارَ عَامَّتُهُمْ تَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ رَئِيسِهِمْ يُخَالِفُ مَا اعْتَمَدُوهُ وَالْعَقْلُ يُوَاقِفُهُ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّعْنَ يُثِيرُ الدَّمَ الْكَائِنَ فَيَهِيجُ فِي الْبَدَنِ فَيَصِلُ إلَى مَكَان مِنْهُ ثُمَّ يَصِلُ أَثَرُ ضَرَرِهِ إلَى الْقَلْبِ فَيَقْتُلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ سِينَا لَمَّا ذَكَرَ الْعِلَاجَ بِالشَّرْطِ وَالْقَصْدِ إنَّهُ وَاجِبٌ. انْتَهَى كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ﵀
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: إذَا تَزَلْزَلَتْ الْأَرْضُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ؛ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِرَارُ إلَى الصَّحْرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْهَدْيِ: هَذِهِ الْقُرُوحُ وَالْأَوْرَامُ وَالْجِرَاحَاتُ هِيَ آثَارُ الطَّاعُونِ وَلَيْسَتْ نَفْسَهُ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تُدْرِكْ مِنْهُ الْأَطِبَّاءُ إلَّا الْأَثَرَ الظَّاهِرَ جَعَلُوهُ نَفْسَ الطَّاعُونِ وَالطَّاعُونُ يُعَبِّرُ عَنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا هَذَا الْأَثَرُ الظَّاهِرُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ، وَالثَّانِي الْمَوْتُ الْحَادِثُ عَنْهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» ، الثَّالِثُ السَّبَبُ الْفَاعِلُ لِهَذَا الدَّاءِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ. وَوَرَدَ فِيهِ أَنَّهُ وَخْزُ الْجِنِّ. وَجَاءَ أَنَّهُ دَعْوَى نَبِيٍّ (انْتَهَى) . فَلْيُرَاجَعْ فَثَمَّ فَوَائِدُ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ فَوَائِدُ وَالشُّرَطُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ كَمَا فِي تُحْفَةِ الرَّاغِبِينَ
стр. 1512
﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَفِيهِ قِيلَ: الْفِرَارُ مِمَّا لَا يُطَاقُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ (انْتَهَى) .
٤٦ - وَهُوَ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ إذَا نَزَلَ بِبَلْدَةٍ. وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِخِلَافِهِ. رَوَى الْعَلَائِيُّ فِي فَتَاوَاهُ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِهَدَفٍ مَائِلٍ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ ﵊ فِرَارِي إلَى قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا» انْتَهَى.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَهُوَ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ إلَخْ أَقُولُ: فِي الْإِفَادَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ.
стр. 1513
فَائِدَةٌ:
١ - نَقَلَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ ﵀ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ إذَا هُدِمَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إعَادَتُهَا، كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي حُسْنِ الْمُحَاضَرَةِ فِي أَخْبَارِ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ، عِنْدَ ذِكْرِ الْأُمَرَاءِ. قُلْت: يُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا إذَا قُفِلَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا تُفْتَحُ، كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَصْرِنَا بِالْقَاهِرَةِ فِي كَنِيسَةِ.
٢ - تِجَارَةِ زُوَيْلَةَ.
٣ - قَفَلَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسَ قَاضِي الْقُضَاةِ ﵀ فَلَمْ تُفْتَحْ إلَى الْآنَ، حَتَّى وَرَدَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ بِفَتْحِهَا فَلَمْ يَتَجَاسَرْ حَاكِمٌ عَلَى فَتْحِهَا. وَلَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ الْإِجْمَاعِ قَوْلَ أَصْحَابِنَا ﵏: وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هَدَمَهُ الْإِمَامُ لَا فِيمَا انْهَدَمَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
فَائِدَةٌ: الْفِسْقُ لَا يَمْنَعُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِمْرَةِ وَالسَّلْطَنَةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْوِلَايَةِ فِي مَالِ الْوَلَدِ وَالتَّوْلِيَةِ عَلَى
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الْكَنِيسَةَ إذَا هُدِمَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إعَادَتُهَا]
(١) قَوْلُهُ: نَقَلَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ ﵀ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ إلَخْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْقَوَاعِدِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا رَأَى شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَلِلثَّانِي تَغْيِيرُهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ إلَخْ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَذْهَبِيِّ أَوْ يُقَالَ إنَّ إعَادَةَ الْكَنَائِسِ لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ.
(٢) قَوْلُهُ: تِجَارَةِ زُوَيْلَةَ: بِفَتْحِ الزَّايِ كَمَا فِي الْخِطَطِ.
(٣) قَوْلُهُ: قَفَلَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسَ إلَخْ حِينَ اجْتَمَعَ عَلَى قَفْلِهَا كُلُّ عُلَمَاءِ مِصْرَ فِي عَصْرِهِ، وَعَلَى صِحَّةِ مَا حُكِمَ بِهِ حَتَّى كَتَبَ غَالِبُهُمْ فِي ذَلِكَ رَسَائِلَ وَبَالَغُوا فِي وُجُوبِ مَنْعِهِمْ عَنْ الِاجْتِمَاعِ بِهَا.
стр. 1514
الْأَوْقَافِ، وَلَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ كَمَا كَتَبْنَاهُ فِي الشَّرْحِ، وَإِذَا فَسَقَ لَا يَنْعَزِلُ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ.
٤ - يَجِبُ عَزْلُهُ أَوْ يَحْسُنُ عَزْلُهُ.
٥ - إلَّا الْأَبَ السَّفِيهَ؛ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي مَالِ وَلَدِهِ، كَمَا فِي وَصَايَا الْخَانِيَّةِ. وَقِسْت عَلَيْهِ النَّظَرَ، فَلَا نَظَرَ لَهُ فِي الْوَقْفِ وَإِنْ كَانَ ابْنَ الْوَاقِفِ الْمَشْرُوطُ لَهُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لِنَفْسِهِ لَا يَنْفُذُ، فَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ؟ وَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَى مَالِهِ وَلِذَا لَا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي مَحِلِّهِ، فَكَيْفَ يُؤْتَمَنُ عَلَى مَالِ الْوَقْفِ؟ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الصَّالِحُ لِلنَّظَرِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ الْوِلَايَةَ لِلْوَقْفِ، وَلَيْسَ فِيهِ فِسْقٌ يُعْرَفُ، ثُمَّ قَالَ: وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ مِمَّا يُخْرَجُ بِهِ النَّاظِرُ مَا إذَا ظَهَرَ بِهِ فِسْقٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ (انْتَهَى) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ (يُخْرَجُ) مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَيُخْرِجُهُ الْقَاضِي لَا أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِهِ.
٦ - لِمَا عُرِفَ فِي الْقَاضِي.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ السَّفَهَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْفِسْقَ، لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ حَجْرِ السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ الْمُضَيِّعِ لِمَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الشَّرِّ، بِأَنْ جَمَعَ أَهْلَ الشَّرَابِ وَالْفَسَقَةَ فِي دَارِهِ وَيُطْعِمُهُمْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الْفِسْقُ لَا يَمْنَعُ الْأَهْلِيَّةَ]
(٤) قَوْلُهُ: يَجِبُ عَزْلُهُ أَوْ يَحْسُنُ عَزْلُهُ إلَخْ أَقُولُ: لَا مُقَابَلَةَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْحُسْنِ كُلِّيَّةً حَتَّى يَحْسُنَ الْعَطْفُ بِأَوْ.
(٥) قَوْلُهُ: إلَّا الْأَبَ السَّفِيهَ إلَخْ أَقُولُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِ السَّابِقِ فِي الْفِسْقِ لَا فِي السَّفَهِ، وَالسَّفَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْفِسْقَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
(٦) قَوْلُهُ: لِمَا عُرِفَ فِي الْقَاضِي إلَخْ أَيْ مِنْ أَنَّهُ إذَا فَسَقَ لَا يَنْعَزِلُ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ.
стр. 1515
وَيَسْقِيهِمْ وَيُسْرِفُ فِي النَّفَقَةِ وَيَفْتَحُ بَابَ الْجَائِزَةِ وَالْعَطَاءِ عَلَيْهِمْ، أَوْ فِي الْخَيْرِ، بِأَنْ يَصْرِفَ مَالَهُ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَيَحْجُرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي صِيَانَةً لِمَالِهِ (انْتَهَى) . وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ السَّفِيهَ
٧ - مَنْ عَادَتُهُ التَّبْذِيرُ وَالْإِسْرَافُ فِي النَّفَقَةِ.
٨ - وَأَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا لَا لِغَرَضٍ أَوْ لِغَرَضٍ لَا يَعُدُّهُ الْعُقَلَاءُ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَةِ غَرَضًا مِثْلُ: دَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمُغَنِّي وَاللَّعَّابِ وَشِرَاءِ الْحَمَامِ الطَّيَّارَةِ بِثَمَنٍ غَالٍ وَالْغَبْنِ فِي التِّجَارَاتِ مِنْ غَيْرِ مَحْمَدَةٍ. وَأَصْلُ الْمُسَامَحَاتِ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ مَشْرُوعٌ، وَالْإِسْرَافُ حَرَامٌ كَالْإِسْرَافِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (انْتَهَى) . وَالْغَفْلَةُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا. وَالْغَافِلُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ وَلَا يَقْصِدُهُ لَكِنَّهُ لَا يَهْتَدِي إلَى التَّصَرُّفَاتِ الرَّابِحَةِ؛ فَيُغْبَنُ فِي الْبِيَاعَاتِ لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ.
ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا.
وَلَمْ أَرَ حُكْمَ شَهَادَةِ السَّفِيهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُضَيِّعًا لِمَا لَهُ فِي الشَّرِّ، فَهُوَ فَاسِقٌ لَا. تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْخَيْرِ فَتُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ مُغَفَّلًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. لَكِنْ هَلْ الْمُرَادُ بِالْمُغَفَّلِ فِي الشَّهَادَةِ الْمُغَفَّلُ فِي الْحَجْرِ؟ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَمَنْ اشْتَدَّتْ غَفْلَتُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
(٧) قَوْلُهُ: مَنْ عَادَتُهُ التَّبْذِيرُ وَالْإِسْرَافُ إلَخْ. أَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّبْذِيرَ تَجَاوُزٌ فِي مَوْضِعِ الْحَقِّ فَهُوَ جَهْلٌ بِمَوَاقِعِ الْحُقُوقِ، وَالْإِسْرَافُ تَجَاوُزٌ فِي الْكَمِّيَّةِ فَهُوَ جَهْلٌ بِمَقَادِيرِ الْحُقُوقِ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ.
(٨) قَوْلُهُ: وَأَنْ يَتَصَرَّفَ. عَطْفٌ عَلَى التَّبْذِيرِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ السَّفِيهُ مَنْ عَادَتُهُ أَنْ يُبَذِّرَ وَأَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا لَا لِغَرَضٍ.
стр. 1516
انْتَهَى) . وَفِي الْمُغْرِبِ: رَجُلٌ مُغَفَّلٌ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ التَّغْفِيلِ وَهُوَ الَّذِي لَا فِطْنَةَ لَهُ (انْتَهَى) . وَفِي الْمِصْبَاحِ: الْغَفْلَةُ غَيْبَةُ الشَّيْءِ عَنْ بَالِ الْإِنْسَانِ وَعَدَمُ تَذَكُّرِهِ لَهُ (انْتَهَى) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُغَفَّلَ فِي الْحَجْرِ غَيْرُهُ فِي الشَّهَادَةِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ فِي الْحَجْرِ مَنْ لَا يَهْتَدِي إلَى التَّصَرُّفِ الرَّابِحِ وَفِي الشَّهَادَةِ مَنْ لَا يَتَذَكَّرُ مَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى ضَبْطِ الْمَشْهُودِ بِهِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1517
فَائِدَةٌ:
١ - لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ مَوْضُوعٍ عَلَى دُكَّانٍ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّ لَهُ حُكْمَ الْإِمَامِ وَهُوَ يُكْرَهُ انْفِرَادُهُ عَلَى الدُّكَّانِ؛ لِأَنَّهُ.
٢ - مُعَلَّلٌ بِالتَّشْبِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ؛ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، بِهِ أَفْتَيْت.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الْأَبِيُّ مِنْ الْقَضَاءِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، ٣ - الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْقَضَاءِ وَفِقْهِ الْقَضَاءِ، فَرْقُ مَا بَيْنَ الْأَخَصِّ وَالْأَعَمِّ.
فَفِقْهُ الْقَضَاءِ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ، وَعِلْمُ الْقَضَاءِ الْفِقْهُ بِالْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ مَعَ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ تَنْزِيلِهَا عَلَى النَّوَازِلِ الْوَاقِعَةِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرَّفِيقِ، أَنَّ أَمِيرَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ مَوْضُوعٍ عَلَى دُكَّانٍ]
قَوْلُهُ: الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ مَوْضُوعٍ عَلَى دُكَّانٍ إلَخْ أَقُولُ: بِحَيْثُ يُحَاذِي خَزَائِنَ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ الدُّكَّانُ عَالِيًا بِحَيْثُ لَا يُحَاذِي جُزْءًا مِنْ الْمَيِّتِ فَالصَّلَاةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ مُحَاذَاةَ جُزْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ رُكْنٌ، كَمَا فِي التُّحْفَةِ.
(٢) قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالتَّشْبِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ إلَخْ قِيلَ عَلَيْهِ: لَمْ يَقْتَصِرْ الْمَشَايِخُ عَلَى التَّشْبِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ بَلْ عَلَّلُوهُ بِعِلَّتَيْنِ هَذِهِ وَاخْتِلَافُ الْمَكَانِ وَهُوَ هُنَا مَوْجُودٌ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْقَدِيمِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: اخْتِلَافُ الْمَكَانِ مُفْسِدٌ لِلِاقْتِدَاءِ لَا مُوجِبٌ لِلْكَرَاهَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ لِلْكَرَاهَةِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ. فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
[فَائِدَةٌ الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْقَضَاءِ وَفِقْهِ الْقَضَاءِ]
(٣) قَوْلُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْقَضَاءِ وَفِقْهِ الْقَضَاءِ فَرْقُ مَا إلَخْ الْفَرْقُ مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ فَرْقُ مَا إلَخْ خَبَرُهُ بِإِضَافَةِ فَرْقُ إلَى مَا. وَالْفَرْقُ الَّذِي بَيْنَ الْأَخَصِّ وَالْأَعَمِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْأَخَصِّ وُجُودُ الْأَعَمِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْأَعَمِّ وُجُودُ الْأَخَصِّ، وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَعَمِّ نَفْيُ الْأَخَصِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ.
стр. 1518
إفْرِيقِيَّةَ اسْتَفْتَى أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ فِي دُخُولِهِ الْحَمَّامَ مَعَ جَوَارِيهِ دُونَ سَاتِرٍ لَهُ وَلَهُنَّ. فَأَفْتَاهُ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُنَّ مِلْكُهُ. وَأَجَابَ أَبُو مُحْرِزٍ بِمَنْعِ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ: إنْ جَازَ لِلْمَلِكِ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ وَجَازَ لَهُنَّ النَّظَرُ إلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُنَّ نَظَرُ بَعْضِهِنَّ إلَى بَعْضٍ. فَأَهْمَلَ أَسَدٌ إعْمَالَ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْجُزْئِيَّةِ فَلَمْ يَعْتَبِرْهَا لَهُنَّ فِيمَا بَيْنَهُنَّ وَاعْتَبَرَهَا أَبُو مُحْرِزٍ ﵀، وَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْفُتْيَا وَفِقْهِ الْفُتْيَا؛ فَفِقْهُ الْفُتْيَا هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ، وَعِلْمُهَا هُوَ الْعِلْمُ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ مَعَ تَرْتِيبِهَا عَلَى النَّوَازِلِ. وَلَمَّا وَلِيَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الصَّالِحُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُعَيْبٍ ﵀ قَضَاءَ الْقَيْرَوَانِ وَمَحَلُّ تَحْصِيلِهِ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ شَهِيرَةٌ. فَلَمَّا جَلَسَ الْخُصُومُ إلَيْهِ وَفَصَلَ بَيْنَهُمْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ مَقْبُوضًا. فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: مَا شَأْنُك؟ فَقَالَ لَهَا: عَسُرَ عَلَيَّ عِلْمُ الْقَضَاءِ. فَقَالَتْ لَهُ: رَأَيْت الْفُتْيَا عَلَيْك سَهْلَةً، اجْعَلْ الْخَصْمَيْنِ كَمُسْتَفْتِيَيْنِ سَأَلَاك. قَالَ فَاعْتَبَرْت ذَلِكَ فَسَهُلَ عَلَيَّ (انْتَهَى) .
ــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1519
فَائِدَةٌ) : ذَكَرَ الْآمِدِيُّ ١ - أَنَّ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ:
الِاجْتِهَادُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِأَمْرِ الْحُرُوبِ وَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ، وَأَنْ تَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ لَا تَهُولُهُ إقَامَةُ الْحُدُودِ وَضَرْبُ الرِّقَابِ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ، وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَرِعًا، بَالِغًا ذَكَرًا حُرًّا، نَافِذَ الْحُكْمِ، مُطَاعًا، قَادِرًا عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ. وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَكَوْنُهُ: قُرَشِيًّا وَهَاشِمِيًّا وَمَعْصُومًا وَأَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ مِنْ كِتَابِ الْإِمَامَةِ.
فَائِدَةٌ: كُلُّ إنْسَانٍ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُعْلَمْ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَبِهِ؛ لِأَنَّ إرَادَتَهُ غَيْبٌ عَنَّا، إلَّا الْفُقَهَاءَ فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا إرَادَتَهُ تَعَالَى بِهِمْ بِخَبَرِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ؛ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ) كَذَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ لِلْعِرَاقِيِّ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ]
قَوْلُهُ: إنَّ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ إلَخْ أَقُولُ: فِي دَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ نَظَرٌ. فَقَدْ ذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي كِتَابِهِ تُحْفَةُ التُّرْكِ فِيمَا يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ فِي الْمَلِكِ قَالَ الْإِمَامُ وَأَصْحَابُهُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَةِ السُّلْطَانِ أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا وَلَا مُجْتَهِدًا وَلَا عَدْلًا، بَلْ يَجِبُ التَّقْلِيدُ مِنْ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ وَالْجَائِرِ، وَأَصْلُهُ قِصَّةُ مُعَاوِيَةَ ﵁ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ تَقَلَّدُوا مِنْ مُعَاوِيَةَ الْأَعْمَالَ بَعْدَمَا أَظْهَرَ الْخِلَافَ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ فِي نَوْبَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطَ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي التُّرْكِ وَلَا فِي الْعَجَمِ فَلَا تَصِحُّ سَلْطَنَةُ التُّرْكِ عِنْدَهُمْ وَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُمْ لِلْقَضَاءِ مِنْ التُّرْكِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ. وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى وَفِيهِ مِنْ الْأَذَى لِلسُّلْطَانِ وَصَرْفِ الرَّعِيَّةِ عَنْهُ وَمُبَايَعَةِ الْجُنْدِ لَهُ مَا لَا يَخْفَى. وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ مَذْهَبَنَا أَوْفَقُ لِلتُّرْكِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ (انْتَهَى) . وَفِي سِيَاسَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لِسَعِيدِ بْنِ عُمَرَ الْأَقْصُرَانِيِّ
стр. 1520
فَائِدَةٌ: إذَا وَلَّى السُّلْطَانُ مُدَرِّسًا لَيْسَ بِأَهْلٍ لَمْ تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ فِعْلَهُ مُقَيَّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي تَوْلِيَةِ غَيْرِ الْأَهْلِ خُصُوصًا أَنَّا نَعْلَمُ مِنْ سُلْطَانِ زَمَانِنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُوَلَّى الْمُدَرِّسُ عَلَى اعْتِقَادِ الْأَهْلِيَّةِ فَكَأَنَّهَا كَالْمَشْرُوطَةِ. وَقَدْ قَالُوا فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: لَوْ وَلَّى السُّلْطَانُ قَاضِيًا عَدْلًا فَفَسَقَ انْعَزَلَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا
ــ
[غمز عيون البصائر]
الشُّرُوطُ الَّتِي تَقْتَضِي الصَّلَاحِيَّةَ لِلْإِمَامَةِ نَوْعَانِ: فَنَوْعٌ يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ وَنَوْعٌ يُشْتَرَط لِلِاسْتِحْبَابِ وَالْفَضِيلَةِ. فَشُرِطَ لِلْجَوَازِ مَا يُشْتَرَطُ لِلشَّهَادَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ وَالشَّجَاعَةِ وَالشَّهَامَةِ ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهِ مُتَنَوِّعٌ إلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَسَبِهِ. فَنَبْدَأُ بِالْكَلَامِ فِي النَّسَبِ فَنَقُولُ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى ذَلِكَ فَرَوَى الْإِمَامُ أَنَّهُ قَالَ: الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالشَّافِعِيُّ: وَقَالَ الرَّوَافِضُ: يَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَعَيَّنُوا عَلِيًّا وَأَوْلَادَهُ وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ عُمَرَ الْغَطَفَانِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ قُرَيْشِيًّا أَوْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَلَا مَزِيَّةَ وَلَا فَضِيلَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ بَاطِلٌ إذْ لَا شُبْهَةَ فِي فَضْلِ الْقُرَيْشِيِّ وَمَزِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: نَقَلَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوَاهُ عَنْ ضِرَارِ بْنِ عُمَرَ الْغَطَفَانِيِّ مَا هُوَ أَبْدَعُ وَأَعْجَبُ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ قُرَشِيٌّ وَحَبَشِيٌّ كِلَاهُمَا قَائِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَالْوَاجِبُ تَقْدِيمُ الْحَبَشِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخَلْعِهِ إذَا عَادَ مِنْ طَرِيقِهِ (انْتَهَى) . وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا وَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْقُرَشِيِّ وَإِنْ عُقِدَ الْعَقْدُ لِغَيْرِ الْقُرَشِيِّ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى قُرَيْشٍ حَيْثُ قَالَ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَطِيعُوا وَلَوْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مَا حَكَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ فِيكُمْ» فَحَمَلَ الْإِمَامُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى الْوُجُوبِ وَمَا رَوَى الْمُخَالِفُ عَلَى مَا إذَا أَنْفَذَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، يَجِبُ عَلَى الْعَسْكَرِ أَنْ يُطِيعُوهُ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. هَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي نَسَبِهِ، أَمَّا الْكَلَامُ فِي صِفَاتِهِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ مَا يُشْتَرَطُ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَنَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُضَمُّ إلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ كَوْنُهُ عَدْلًا حَتَّى لَوْ كَانَ
стр. 1521
اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ صَارَتْ كَأَنَّهَا مَشْرُوطَةٌ وَقْتَ التَّوْلِيَةِ.
قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ؛ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَكَذَلِكَ يُقَالُ إنَّ السُّلْطَانَ اعْتَمَدَ أَهْلِيَّتَهُ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ خُصُوصًا إنْ كَانَ الْمُقَرَّرُ عَنْ مُدَرِّسٍ أَهْلٍ فَإِنَّ الْأَهْلَ لَمْ يَنْعَزِلْ وَصَرَّحَ الْبَزَّازِيُّ فِي الصُّلْحِ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا أَعْطَى غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فَقَدْ ظَلَمَ مَرَّتَيْنِ؛ بِمَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ وَإِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ رِسَالَةَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ إلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ: إنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ يَدِ أَحَدٍ إلَّا بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ. وَعَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: إنَّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يَرْتَكِبُ نَوْعًا مِنْ الْفِسْقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُ لَوْ اغْتَابَ الْإِمَامُ يُفَسَّقُ وَإِذَا فُسِّقَ بَطَلَتْ إمَامَتُهُ عِنْدَهُ فَلَا تَصِحُّ قَضَايَاهُ وَلَا تَوْلِيَتُهُ وَلَا قِسْمَتُهُ وَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ وَلَا يَصِحُّ فِي الْأَقْطَارِ إنَابَتُهُ وَلَوْ أَقَامَ حَدًّا لَمْ يَكُنْ إلَيْهِ إقَامَتُهُ. وَعَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفِسْقِ لَا يَخْلُو أَحَدٌ سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا، وَلَوْ خُلِّيَ عَنْ التَّكَلُّمِ لَا يَخْلُو عَنْ الِاسْتِمَاعِ وَلَوْ خُلِّيَ عَنْهُمَا لَا يَخْلُو عَنْ غَيْرِهِمَا فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِ أَمْرِ الْعَالَمِ وَالْوُقُوعِ فِي الْحَرَجِ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] كَيْفَ وَقَدْ خَرَجَ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ تَوْقِيعُ هَذِهِ الْوِلَايَةِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَيَلِيكُمْ بَعْدِي وُلَاةٌ فَيَلِيكُمْ الْبَارُّ بِبِرِّهِ وَالْفَاجِرُ بِفُجُورِهِ فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فِي كُلِّ مَا وَافَقَ الْحَقَّ فَإِنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» .
فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّ الْأُمَّةَ ضِعَافٌ لَا يَقْدِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزَجِرَ عَنْ كُلِّ فِسْقٍ فِي الْعَالَمِ فَأَخْبَرَ بِمَا أَخْبَرَ وَأَمَرَنَا بِأَنْ نَسْمَعَ وَنُطِيعَ أَوَامِرَهُ لِلْوُجُوبِ هَذَا إذَا كَانَ مَسْتُورًا مُتَحَاشِيًا، أَمَّا إذَا كَانَ مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا شَرَائِطُ الِاسْتِحْبَابِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ: يَنْبَغِي مِنْ طَرِيقِ الدِّينِ أَنْ يَعْقِدَ هَذَا الْعَقْدَ الْعَالِمُ التَّقِيُّ الْوَارِعُ الْأَرْيَحِيُّ الْبَصِيرُ بِالْأُمُورِ الْعَالِمُ بِمَصَالِحِ الْجُمْهُورِ الْمُجَرِّبُ لِأُمُورِ الْحَرْبِ الْخَبِيرُ بِالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، فَيَدْعُو إلَى الْمَكَارِمِ وَيَزْجُرُ النَّاسَ عَنْ الْفَوَاحِشِ وَالْقَبَائِحِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ
стр. 1522
أَمْرَ السُّلْطَانِ إنَّمَا يَنْفُذُ إذَا وَافَقَ الشَّرْعَ. وَإِلَّا فَلَا يَنْفُذُ. وَفِي مُفِيدِ النِّعَمِ وَمُبِيدِ النِّقَمِ: الْمُدَرِّسُ إذَا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لِلتَّدْرِيسِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ تَنَاوُلُ الْمَعْلُومِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْفُقَهَاءُ الْمُنَزِّلُونَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ مَدْرَسَتَهُمْ شَاغِرَةٌ مِنْ مُدَرِّسٍ (انْتَهَى) . وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي الْمُدَرِّسِ، أَمَّا إذَا عُلِمَ شَرْطُهُ وَلَمْ يَكُنْ الْمُقَرَّرُ مُتَّصِفًا بِهِ.
٢ - لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّدْرِيسِ لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ شَرْطِهِ. وَالْأَهْلِيَّةُ لِلتَّدْرِيسِ لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا بِمَعْرِفَةِ مَنْطُوقِ الْكَلَامِ وَمَفْهُومِهِ وَبِمَعْرِفَةِ الْمَفَاهِيمِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ سَابِقَةُ اشْتِغَالٍ عَلَى الْمَشَايِخِ ﵏ بِحَيْثُ صَارَ يَعْرِفُ الِاصْطِلَاحَاتِ وَيَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الْمَسَائِلِ مِنْ الْكُتُبِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ وَيُجِيبَ إذَا سُئِلَ، وَيَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى سَابِقَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ مَشُوبٌ بِالْمِلْكِ وَالسِّيَاسَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ إلَى جَانِبِ التَّقْوَى، وَبِذَلِكَ نَطَقَ الْكِتَابُ الْمَجِيدُ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْحُدُودِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ، فَلَا يَقُومُ بِالْوَفَاءِ بِهَا إلَّا مَنْ عَظُمَ قَدْرُهُ وَوَرَعُهُ وَتَقْوَاهُ وَكَرُمَ خُلُقُهُ فَطَابَتْ أَرُومَتُهُ وَشَرُفَتْ جُرْثُومَتُهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَاتَّسَمَ بِهَذِهِ السِّمَاتِ فَتَمِيلَ إلَيْهِ الْقُلُوبُ وَتَخْضَعُ لَهُ الرِّقَابُ فَتَحْصُلُ الْمَصَالِحُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ فَيُلَمُّ الشَّعَثُ وَيُشَدُّ الْفَتْقُ وَيُكْبَتُ الْحَاسِدُ وَيُقْمَعُ الْمُعَانِدُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[فَائِدَةٌ وَلَّى السُّلْطَانُ مُدَرِّسًا لَيْسَ بِأَهْلٍ]
(٢) قَوْلُهُ: لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّدْرِيسِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ شَرَطَ مُدَرِّسًا حَنَفِيًّا فَوَلَّى السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي مُدَرِّسًا شَافِعِيًّا لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّدْرِيسِ لِمُخَالَفَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ.
стр. 1523
اشْتِغَالٍ فِي النَّحْوِ وَالصَّرْفِ بِحَيْثُ صَارَ يَعْرِفُ الْفَاعِلَ مِنْ الْمَفْعُولِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا قَرَأَ لَا يَلْحَنُ وَإِذَا لَحَنَ قَارِئٌ بِحَضْرَتِهِ رَدَّ عَلَيْهِ
فَائِدَةٌ: ١ - ثَلَاثَةٌ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ:
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ ثَلَاثَةٌ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ]
قَوْلُهُ: ثَلَاثَةٌ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ. فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِأَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا، يَعْنِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدَيْهِ. وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] . وَرَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ بِهِ» . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى جُوَيْرٌ عَنْ الضَّحَّاكِ: إنْ ذَهَبَ حَقُّهُ لَمْ يُؤْجَرْ وَإِنْ دَعَا عَلَيْهِ لَمْ يُجَبْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَهُ (انْتَهَى) .
وَفِي الْعَدَدِ الْمَعْدُودَاتِ فِي الْمُحَاضَرَاتِ لِأَبِي يَحْيَى زَكَرِيَّا الْمَرَاغِيِّ، قَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: خَمْسَةٌ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ، فَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَزَادَ: رَجُلًا جَلَسَ فِي بَيْتِهِ فَاغِرًا فَاهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ اُرْزُقْنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ : أَلَمْ آمُرْك بِالطَّلَبِ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] . وَرَجُلًا كَانَ لَهُ مَالٌ فَأَتْلَفَهُ إسْرَافًا وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَبِّ اُخْلُفْ عَلَيَّ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ آمُرْك بِالِاقْتِصَادِ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . وَرَجُلًا أَقَامَ بَيْنَ قَوْمٍ يُؤْذُونَهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اكْفِنِي شَرَّهُمْ، فَيَقُولُ أَلَمْ آمُرْك بِالْهِجْرَةِ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]
стр. 1524
رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَا يُطَلِّقُهَا، وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالًا سَفِيهًا.
٣ - وَرَجُلٌ دَايَنَ رَجُلًا وَلَمْ يُشْهِدْ. كَذَا فِي حَجْرِ الْمُحِيطِ.
فَائِدَةٌ:
٤ - كُلُّ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا الْعِلْمَ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَسْأَلُ عَنْهُ.
٥ - لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ نَبِيِّهِ أَنْ يَطْلُبَ الزِّيَادَةَ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فَكَيْفَ يَسْأَلُهُ عَنْهُ؟ ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَا يُطَلِّقُهَا إلَخْ وَيَقُولُ: يَا رَبِّ خَلِّصْنِي مِنْهَا. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا بِيَدِك أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] . (٣) قَوْلُهُ: وَرَجُلٌ دَايَنَ رَجُلًا وَلَمْ يُشْهِدْ إلَخْ يَعْنِي وَطَالَبَهُ فَأَنْكَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَنْصِفْنِي مِنْهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ آمُرْك بِالْإِشْهَادِ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
(٤) قَوْلُهُ: كُلُّ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا الْعِلْمَ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُفِيدُ السُّؤَالَ عَنْهُ وَلَفْظُهُ «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ اكْتَسَبَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا صَنَعَ فِيهِ» .
(٥) قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ نَبِيِّهِ إلَخْ أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ إلَخْ أَقُولُ فِيهِ: إنَّ هَذَا الدَّلِيلَ غَيْرُ مُنْتِجٍ لِلْمُدَّعِي إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ طَلَبِ الزِّيَادَةِ مِنْهُ عَدَمُ السُّؤَالِ عَنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ هَذَا لَوْ صَحَّ كَانَ تَعْلِيلًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
стр. 1525
فَائِدَةٌ: سُئِلْت عَنْ مَدْرَسَةٍ بِهَا صُفَّةٌ لَا يُصَلِّي فِيهَا أَحَدٌ وَلَا يُدَرَّسُ وَالْقَاضِي جَالِسٌ فِيهَا لِلْحُكْمِ. فَهَلْ لَهُ وَضْعُ الْخِزَانَةِ فِيهَا لِحِفْظِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ لِنَفْعِ الْعَالَمِ أَوْ لَا؟ فَأَجَبْت بِالْجَوَازِ
١ - آخِذًا مِنْ قَوْلِهِمْ؛ لَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَالْمَسْجِدُ وَاسِعٌ فَلَهُمْ أَنْ يُوَسِّعُوا الطَّرِيقَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ وَضَعَ أَثَاثَ بَيْتِهِ وَمَتَاعَهُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْخَوْفِ فِي الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ جَازَ.
٢ - وَلَوْ كَانَ الْحُبُوبَ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْجَامِعِ أَوْلَى، وَقَالُوا: لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ فِنَاءَهُ لِلتُّجَّارِ لِيَتَّجِرُوا فِيهِ
لِمَصْلَحَةِ
الْمَسْجِدِ، وَلَهُ وَضْعُ السَّرِيرِ بِالْإِجَارَةِ فِي فِنَائِهِ.
٣ - وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ الْفِنَاءِ، وَحِفْظُ السِّجِلَّاتِ مِنْ النَّفْعِ الْعَامِّ. فَهُمْ جَوَّزُوا جَعْلَ بَعْضِ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ، وَجَوَّزُوا اشْتِغَالَهُ بِالْحُبُوبِ وَالْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ مَدْرَسَةٌ بِهَا صُفَّةٌ لَا يُصَلِّي فِيهَا أَحَدٌ وَلَا يُدَرَّسُ وَالْقَاضِي جَالِسٌ فِيهَا لِلْحُكْمِ]
قَوْلُهُ: آخِذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ. . إلَخْ يَعْنِي: وَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ وَضْعُ خِزَانَةٍ بِطَرِيقِ أَوْلَى هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَفِي الْأَخْذِ تَأَمُّلٌ.
(٢) قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْحُبُوبَ إلَخْ. أَيْ وَلَوْ كَانَ الْأَثَاثُ الْحُبُوبَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُبُوبَ مِنْ الْأَثَاثِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَجَوَّزُوا اشْتِغَالَهُ بِالْحُبُوبِ وَالْأَثَاثِ أَنَّ الْحُبُوبَ غَيْرُ الْأَثَاثِ وَأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْحُبُوبِ أَثَاثٌ، لَكِنَّ فِي الْقَامُوسِ الْأَثَاثُ مَتَاعُ الْبَيْتِ بِلَا وَاحِدٍ وَالْمَالُ أَجْمَعُ وَالْوَاحِدَةُ أَثَاثَةٌ.
(٣) قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ الْفِنَاءِ إلَخْ أَقُولُ: فِي كَوْنِ الصِّفَةِ مِنْ الْفِنَاءِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِنَاءَ الشَّيْخِ مَا عُدَّ لِمَصَالِحِهِ وَكَانَ خَارِجًا عَنْهُ وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
стр. 1526
الْخَاصِّ، وَجَوَّزُوا وَضْعَ النَّعْلِ عَلَى رَفِّهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْجَامِعِ أَوْلَى مِنْ الْقَضَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَضَعُ قِمْطَرَةً عَنْ يَمِينِهِ إذَا جَلَسَ فِيهِ لِلْقَضَاءِ. وَهُوَ مَا فِيهِ السِّجِلَّاتُ وَالْمَحَاضِرُ وَالْوَثَائِقُ؛ فَجَوَّزُوا اشْتِغَالَ بَعْضِهِ بِهَا فَإِذَا كَثُرَتْ وَتَعَذَّرَ حَمْلُهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بَيْتِ الْقَاضِي إلَى الْجَامِعِ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى حِفْظِهَا بِهِ.
فَائِدَةٌ: ٤ - مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ رِوَايَةً وَالرَّاجِحِ دِرَايَةً؛ فَيَكُونُ الْفَتْوَى عَلَيْهِ كَذَا فِي قَضَاءِ الْبَزَّازِيَّةِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْأَشْبَهُ]
قَوْلُهُ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ رِوَايَةً وَالرَّاجِحِ دِرَايَةً فَيَكُونُ الْفَتْوَى عَلَيْهِ كَذَا فِي قَضَاءِ الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ أَقُولُ: الَّذِي فِي الْبَزَّازِيَّةِ: أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ خَوَارِزْمَ وَفِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ، أَمَّا الْعَلَاقَاتُ الْمُعَلِّمَةُ عَلَى الْفَتْوَى فَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَبِهِ يُفْتَى وَبِهِ يُعْتَمَدُ وَبِهِ نَأْخُذُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْأُمَّةِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا وَفَتْوَى مَشَايِخِنَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ. ثُمَّ قَالَ: إنَّ لَفْظَةَ الْأَصَحِّ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا صَحِيحًا، وَلَفْظَةُ الصَّحِيحِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ (انْتَهَى) .
وَفِي جَرْيِ الْأَنْهُرِ عَلَى مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ لِلْبَاقَانِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ (وَلَمْ آلُ جَهْدًا فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأَقْوَى) قَالَ: وَالصَّحِيحُ مُقَابِلُ الْفَاسِدِ وَالْأَصَحُّ مُقَابِلُ الصَّحِيحِ فَإِذَا تَعَارَضَ إمَامَانِ مُعْتَبَرَانِ فِي التَّصْحِيحِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: الصَّحِيحُ وَقَالَ الْآخَرُ الْأَصَحُّ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَائِلَ الْأَصَحِّ يُوَافِقُ قَائِلَ الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَقَائِلُ الصَّحِيحِ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْآخَرُ فَاسِدٌ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: وَكَذَلِكَ الظَّاهِرُ وَالْأَظْهَرُ ثُمَّ إنَّ الْأَظْهَرَ يُرَادُ بِمَعْنَى أَصَحَّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْوَكَالَةِ مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ وَذَكَرَ فِي الدَّعْوَى مِنْ شَرْحِهِ أَنَّ لَفْظَ أَوْجَهَ وَأَحْسَنَ تَصْحِيحٌ (انْتَهَى) . وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كِتَابِ الْحِيطَاتِ وَمَا ذُكِرَ إلَّا فِي حَدِّ الْقَدِيمِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ (انْتَهَى) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّحِيحِ بَقِيَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّصْحِيحِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ كَمَا فِي غَالِبِ الْكُتُبِ. وَفِي
стр. 1527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْمُغْرِبِ وَقَوْلُهُمْ هَذَا أَحْوَطُ أَيْ أَدْخَلُ فِي الِاحْتِيَاطِ (انْتَهَى) . وَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ كَمَا فِي النَّهْرِ هَذَا وَبَعْضُ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ أَقْوَى مِنْ الْبَعْضِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ: إنَّهَا تَصِحُّ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ وَفِيهِ فِي الصَّحِيحِ. وَقَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ: يَجُوزُ إذَا دَخَلَ فِي الصَّحِيحِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَالَ: فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ لَكِنَّ تَأَيُّدَ التَّقْيِيدِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ الْعَمَلُ عَلَيْهِ (انْتَهَى) . وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْفَرْقُ بَيْنَ وَبِهِ يُفْتَى وَبَيْنَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَنَّ الْأَوَّلَ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفَتْوَى لَا تَكُونُ إلَّا بِذَلِكَ. وَالثَّانِي يُفِيدُ الْأُضْحِيَّةَ (انْتَهَى) .
وَفِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ إذَا تَعَارَضَ تَصْحِيحٌ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْفَتَاوَى فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ (انْتَهَى) . وَكَذَا يُقَدَّمُ مَا فِي الشُّرُوحِ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى. كَذَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْكَنْزِ مِنْ بَحْثِ الْجِنْسِ بَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ تَعَارَضَ تَصْحِيحُ مَا فِي الشُّرُوحِ مَعَ مَا فِي الْمُتُونِ مِنْ غَيْرِ تَصْحِيحٍ
стр. 1528
فَائِدَةٌ ١ - إذَا بَطَلَ الشَّيْءُ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إذَا بَطَلَ الْمُتَضَمِّنُ (بِالْكَسْرِ) بَطَلَ الْمُتَضَمَّنُ (بِالْفَتْحِ) قَالُوا لَوْ أَبْرَأَهُ ٢ - أَوْ أَقَرَّ لَهُ ضَمِنَ عَقْدَ فَاسِدٍ فَسَدَ الْإِبْرَاءِ، كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَالُوا: التَّعَاطِي ضَمِنَ عَقْدَ فَاسِدٍ أَوْ بَاطِلٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ،
٣ - كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالُوا: لَوْ قَالَ بِعْتُكَ دَمِي بِأَلْفٍ فَقَتَلَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْإِذْنِ بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِبُطْلَانِهِ فَبَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ
. وَقَالُوا، كَمَا فِي الْخِزَانَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إذَا بَطَلَ الشَّيْءُ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ إلَخْ. أَقُولُ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا فِي الْمُجْتَبَى: لَوْ اشْتَرَى الْمُسْلِمُ خَمْرًا مِنْ ذِمِّيٍّ فَشَرِبَهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ لِأَنَّ فِعْلَهُ بِتَسْلِيطِ الْبَائِعِ (انْتَهَى) . فَإِنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِ بَاطِلٌ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ تَسْلِيطِ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا.
(٢) قَوْلُهُ: أَوْ أَقَرَّ لَهُ ضَمِنَ عَقْدَ فَاسِدٍ إلَخْ. فِي الْقُنْيَةِ نَقْلًا عَنْ مُخْتَصَرِ الْكَافِي: وَالْإِقْرَارُ مِنْ الْمُدَّعِي الَّذِي فِي يَدَيْهِ الشَّيْءُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدَّعْوَى إذَا بَطَلَ الصُّلْحُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَالْإِقْرَارُ مِنْ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ عِنْدَ الصُّلْحِ يُوجِبُ رَدَّهُ عَلَيْهِ إذَا بَطَلَ الصُّلْحُ، يَعْنِي بِهِ إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعِي فِي ضِمْنِ الصُّلْحِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذَا الشَّيْءِ ثُمَّ لَمَّا بَطَلَ الصُّلْحُ يَبْطُلُ إقْرَارُهُ الَّذِي كَانَ فِي ضِمْنِهِ وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ عِنْدَ الصُّلْحِ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءِ لِلْمُدَّعِي ثُمَّ بَطَلَ الصُّلْحُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ إلَى الْمُدَّعِي. وَاخْتَارَ أُسْتَاذُنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صُلْبِ عَقْدِ الصُّلْحِ لَكِنَّهُ بِنَاءً عَلَى الصُّلْحِ الْفَاسِدِ لَا يَمْنَعُ الدَّعْوَى بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا. وَذُكِرَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ إبْرَاءَهُ بَعْدَ الصُّلْحِ عَنْ جَمِيعِ دَعْوَاهُ وَخُصُومَاتِهِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ الصُّلْحِ.
(٣) قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ. عِبَارَتُهَا إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ وَسَائِدِي وَسَائِدَ
стр. 1529
٤ - لَوْ آجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ نَاظِرًا لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الْعَمَارَةِ فَأَنْفَقَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ وَكَانَ مُتَطَوِّعًا. فَقُلْتُ: لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَمَّا لَمْ تَصِحَّ لَمْ يَصِحَّ مَا فِي ضِمْنِهَا، وَقَالُوا: لَوْ جَدَّدَ النِّكَاحَ لِمَنْكُوحَتِهِ بِمَهْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ. فَقُلْتُ لِأَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ لَمْ يَصِحَّ فَلَمْ يَلْزَمْ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْمَهْرِ،
٥ - وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي الْقُنْيَةِ مَسْأَلَتَيْنِ يَلْزَمُ فِيهِمَا لَوْ جَدَّدَهُ لِلزِّيَادَةِ لَا لِلِاحْتِيَاطِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا أَبْرِئِينِي فَإِنِّي أُمْهِرُكِ مَهْرًا جَدِيدًا؛ فَأَبْرَأَتْهُ فَجَدَّدَ لَهَا، فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ: اشْتَرَى جَامِعًا مَعَ أَوْقَافِهِ وَوَقْفِهِ وَضَمَّهُ إلَى وَقْفٍ آخَرَ وَشَرَطَ لَهُ شُرُوطًا. فَأَفْتَيْتُ بِبُطْلَانِ شُرُوطِهِ لِبُطْلَانِ الْمُتَضَمَّنِ، وَهُوَ شِرَاءُ الْجَامِعِ وَوَقْفِهِ فَبَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَوُجُوهُ الطَّنَافِسِ وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوجَةٍ بَعْدُ، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا حَتَّى لَوْ لَمْ تَصِرْ سَلَمًا لَمْ يَجُزْ، فَلَوْ نَسَخَ الْوَسَائِدِيُّ الْوَسَائِدَ وَوُجُوهَ الطَّنَافِسِ وَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي لَا يَصِيرُ هَذَا بَيْعًا بِالتَّعَاطِي. وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ بَعْدَ بَيْعٍ فَاسِدٍ أَوْ بَاطِلٍ
(انْتَهَى)
(٤) قَوْلُهُ: لَوْ آجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ نَاظِرًا إلَخْ. أَقُولُ: فِي الْإِسْعَافِ لَوْ آجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ كُلُّ الْأَجْرِ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ مُحْتَاجًا إلَى الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَرِيكٌ فِيهِ جَازَ لَهُ إيجَارُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِرْسَالِ فِي مَحِلِّ التَّقْيِيدِ وَهُوَ فِي مَقَامِ التَّصْنِيفِ وَالْفَتْوَى غَيْرُ سَدِيدٍ.
(٥) قَوْلُهُ: وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي الْقُنْيَةِ مَسْأَلَتَيْنِ إلَخْ. أَقُولُ: نَصُّ عِبَارَةِ الْقُنْيَةِ جُدِّدَ لَلْحَالِّ نِكَاحًا بِمَهْرٍ يَلْزَمُ إنْ جَدَّدَهُ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ لَا لِلِاحْتِيَاطِ
(عك) . وَلَوْ قَالَ أَبْرِئِينِي فَإِنِّي أُمْهِرُ لَك مَهْرًا جَدِيدًا فَجَدَّدَ لَهَا مَهْرًا مَعَ الْحِلِّ، فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَبْرَأُ مِنْ الْمَهْرِ الْأَوَّلِ وَيَجِبُ الْجَدِيدُ
(فك) تَزَوَّجَهَا بِمَهْرٍ جَدِيدٍ مَعَ قِيَامِ الْحِلِّ فَفِي وُجُوبِهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ
стр. 1530
وَقَالُوا: لَوْ اشْتَرَى يَمِينَهُ بِمَالٍ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ (انْتَهَى) . قُلْتُ: لِأَنَّ الشِّرَاءَ لِمَا بَطَلَ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ إسْقَاطِ الْيَمِينِ، ثُمَّ قُلْتُ:
٧ - يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ: لَوْ بَاعَ وَظِيفَتَهُ فِي الْوَقْفِ لَمْ يَصِحَّ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا تَخْرِيجًا عَلَى هَذِهِ، وَخَرَجَ عَنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْبُيُوعِ: لَوْ بَاعَهُ الثِّمَارَ وَآجَرَهُ الْأَشْجَارَ طَابَ لَهُ تَرْكُهَا مَعَ بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ؛ فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ: أَنْ لَا يَطِيبَ لِثُبُوتِ الْإِذْنِ فِي ضِمْنِ الْإِجَارَةِ وَمِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمُكَاتَبِ: لَوْ أَبْرَأَهُ الْمَوْلَى عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَلَمْ يَقْبَلْ عَتَقَ وَبَقِيَ الْبَدَلُ، مَعَ أَنَّ الْإِبْرَاءَ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِتْقِ، وَقَدْ بَطَلَ الْمُتَضَمَّنُ بِالرِّدِّ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْعِتْقِ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الشُّفْعَةِ: لَوْ صُولِحَ الشَّفِيعُ بِمَالٍ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ كَانَ إسْقَاطًا لِلشُّفْعَةِ، مَعَ أَنَّ الْمُتَضَمِّنِ لِلْإِسْقَاطِ صَالَحَهُ وَقَدْ بَطَلَ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا فِي ضِمْنِهِ
وَقَالُوا: لَوْ بَاعَ شُفْعَتَهُ بِمَالِ لَمْ يَصِحَّ وَسَقَطَتْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَقَالُوا لَوْ اشْتَرَى يَمِينَهُ بِمَالٍ إلَخْ. لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ إلَخْ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَقَالُوا: لَوْ افْتَدَى الْمُنْكِرُ يَمِينَهُ أَوْ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ صَحَّ وَلَمْ يَحْلِفْ بَعْدَهُ تَأَمَّلْ مَا بَيْنَهُمَا أَقُولُ: قَدْ تَأَمَّلْتُ بَيْنَهُمَا فَلَمْ أَجِدْ بَيْنَهُمَا مُعَارَضَةً فَإِنَّ الِافْتِدَاءَ وَالصُّلْحَ لَيْسَا مُعَاوَضَةً بِخِلَافِ شِرَاءِ الْيَمِينِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ، وَالْيَمِينُ لَيْسَ بِمَالٍ لَا يَجُوزُ.
(٧) قَوْلُهُ: يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ لَوْ بَاعَ وَظِيفَتَهُ فِي الْوَقْفِ لَمْ يَصِحَّ إلَخْ. أَقُولُ: لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمُجَرَّدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَنِّ الْفَوَائِدِ مِنْ الْبُيُوعِ وَفِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي فَنِّ الْقَوَاعِدِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ النُّزُولُ عَنْ الْوَظَائِفِ وَالِاعْتِيَاضُ عَنْهَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ الْخَاصِّ مَعَ أَنَّهَا حَقٌّ مُجَرَّدٌ
стр. 1531
٨ - فَقَدْ بَطَلَ الْمُتَضَمِّنُ وَلَمْ يَبْطُلْ الْمُتَضَمَّنُ، وَقَالُوا: لَوْ قَالَ الْعِنِّينُ لِامْرَأَتِهِ أَوْ الْمُخَيِّرُ لِلْمُخَيَّرَةِ: اخْتَارِي تَرْكَ الْفَسْخِ بِأَلْفٍ، فَاخْتَارَتْ لَمْ يَلْزَمْ الْمَالُ وَسَقَطَ خِيَارُهَا. فَقَدْ بَطَلَ الْتِزَامُ الْمَالِ لَا مَا فِي ضِمْنِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَقَدْ بَطَلَ الْمُتَضَمِّنُ وَلَمْ يَبْطُلْ الْمُتَضَمَّنُ إلَخْ. أَقُولُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: فِي الْإِجَارَةِ فِي مَسَائِلِ الشُّيُوعِ: الْمُسْتَأْجِرُ إجَارَةً فَاسِدَةً لَوْ آجَرَ مِنْ غَيْرِهِ إجَارَةٍ صَحِيحَةً يَجُوزُ فِي الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا ذُكِرَ فِي الْإِجَارَاتِ: دَفَعَ إلَيْهِ دَارًا لِيَسْكُنَّهَا وَيَرُمَّهَا وَلَا أَجْرَ لَهُ وَآجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ غَيْرِهِ وَانْهَدَمَ الدَّارُ مِنْ سُكْنَى الثَّانِي ضَمِنَ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْعَقْدَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ إعَارَةً لَا إجَارَةً لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَرَمَّةَ عَلَى سَبِيلِ الْمَشُورَةِ لَا الشَّرَفِ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، فَقُلْتُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ خَرَجَتْ عَنْ قَوْلِهِمْ: الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ الْمُلَخَّصِ عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ. أَقُولُ: فَيَجْرِي عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا بَطَلَ الشَّيْءُ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1532
فَائِدَةٌ: الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ
١ - وَقَالُوا الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ بِمَنْزِلَةِ الشُّفْعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَجِبُ الْمَالُ وَتَسْقُطُ.
فَائِدَةٌ: يَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْلُهُمْ: الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ،
٢ - وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةُ الدَّفْعِ الصَّحِيحِ لِلدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ صَحِيحٌ، عَلَى الْمُخْتَارِ وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ. ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ فِي الدَّعْوَى،
٣ - وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الشَّرْحِ فَائِدَةَ صِحَّتِهِ بَعْدَ فَسَادِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ
فَائِدَةٌ:
٤ - إذَا اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ ٥ - قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ لِاحْتِيَاجِهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِغِنَاهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ]
(١) قَوْلُهُ: وَقَالُوا الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ إلَخْ يَعْنِي لَوْ جَعَلَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ مَالًا لِلْمَكْفُولِ لَهُ لِيُسْقِطَ عَنْهُ كَفَالَةَ النَّفْسِ فَأَسْقَطَهَا تَسْقُطُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ.
(٢) قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةُ الدَّفْعِ إلَخْ قِيلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَاءِ هَذَا لِأَنَّ الدَّفْعَ هَادِمٌ لَهُ لَا مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
(٣) قَوْلُهُ: وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الشَّرْحِ فَائِدَةَ صِحَّتِهِ. حَيْثُ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ مَا فَائِدَةُ دَفْعِ الدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ مَعَ أَنَّ الْقَاضِي لَا يَسْمَعُهَا؟ قُلْتُ تَفَقُّهًا وَلَمْ أَرَ فَائِدَتَهُ لَوْ ادَّعَاهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ كَانَ الدَّفْعُ الْأَوَّلُ كَافِيًا ثُمَّ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الدَّفْعَ بَعْدَ الْحُكْمِ صَحِيحٌ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى لِلْمُدَّعِي قَبْلَ الدَّفْعِ ثُمَّ دَفَعَ بِالْإِيدَاعِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ إلَّا أَنْ يَخُصَّ مِنْ الْكُلِّ
[فَائِدَةٌ إذَا اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ]
(٤) قَوْلُهُ: إذَا اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ يَعْنِي الْمَعْهُودَيْنِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهُمَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ.
(٥) قَوْلُهُ: قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ. أَقُولُ قَالَ الْعَلَّامَةُ الثَّانِي سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي
стр. 1533
٦ - بِإِذْنِهِ إلَّا فِيمَا إذَا أَحْرَمَ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ وَجَبَ إرْسَالُهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَا التَّرْجِيحِ وَلِذَا يُرْسِلُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. تَمَّ الْفَنُّ الثَّالِثُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَيَلِيه الْفَنُّ الرَّابِعُ وَهَذَا آخِرُ مَا رَأَيْنَاهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
التَّلْوِيحِ الْمُرَادُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِأَحَدٍ فَنُسِبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِعَظْمِ خَطَرِهِ وَشُمُولِ نَفْعِهِ وَإِلَّا فَبِاعْتِبَارِ التَّخْلِيقِ فَالْكُلُّ سَوَاءٌ فِي الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧٠] وَبِاعْتِبَارِ التَّضَرُّرِ وَالِانْتِفَاعِ فَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الْكُلِّ وَمَعْنَى حَقِّ الْعَبْدِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ كَحُرْمَةِ مَالِ الْغَيْرِ (انْتَهَى) . قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى الصَّدْرِ الشَّهِيدِ آخِرُ كِتَابِ الْحَجِّ إذَا اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ وَجَدَ صَيْدًا أَوْ مَالَ إنْسَانٍ يَذْبَحُ الصَّيْدَ وَلَا يَأْخُذُ مَالَ الْمُسْلِمِ وَفِي حُكْمِهِ الذِّمِّيُّ وَلَا يَأْخُذُ مَالَ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحُرْمَةِ لِأَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَمَالُ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَكَانَ التَّرْجِيحُ لَحَقِّ الْعَبْدِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَإِنْ وَجَدَ لَحْمَ إنْسَانٍ وَصَيْدًا يَذْبَحُ الصَّيْدَ وَلَا يَأْكُلُ لَحْمَ إنْسَانٍ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحُرْمَةِ لِأَنَّ لَحْمَ الْإِنْسَانِ حَرَامٌ حَقًّا لِلشَّرْعِ وَحَقًّا لِلْعَبْدِ وَالصَّيْدُ حَرَامٌ حَقًّا لِلشَّرْعِ لَا غَيْرَ فَكَانَ أَوْلَى.
(٦) قَوْلُهُ: بِإِذْنِهِ. الْإِذْنُ الْإِعْلَامُ وَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ وَالْمَعْنَى قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِإِعْلَامِهِ بِذَلِكَ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ لِغِنَاهُ وَالْمَعْنَى قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِاتِّصَافِهِ بَالِغنَا بِإِعْلَامِهِ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] الْآيَةَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج: ٦٤]
стр. 1534
الْفَنُّ الرَّابِعُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَهُوَ فَنُّ الْأَلْغَازِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ كَمُلَتْ مَحَاسِنُهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا (وَبَعْدُ) فَهَذَا هُوَ الْفَنُّ الرَّابِعُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ؛ وَهُوَ فَنُّ الْأَلْغَازِ،
١ - جَمْعُ لُغْزٍ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: أَلْغَزَ فِي كَلَامِهِ إذَا عَمَّى مُرَادَهُ، وَالِاسْمُ اللُّغْزُ وَالْجَمْعُ الْأَلْغَازُ مِثْلُ رُطَبٍ وَأَرْطَابٍ، وَأَصْلٌ اللُّغْزِ جُحْرُ الْيَرْبُوعِ بَيْنَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْفَنُّ الرَّابِعُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَهُوَ فَنُّ الْأَلْغَازِ]
قَوْلُهُ: جَمْعُ لُغْزٍ. بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عِبَارَةُ الصِّحَاحِ الَّتِي نَقَلَهَا وَقِيلَ جَمْعُ لَغْزٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ مَيْلُكَ بِالشَّيْءِ عَنْ وَجْهِهِ وَقِيلَ الطَّرِيقُ الْمُنْحَرِفَةُ سُمِّيَ بِهِ لِانْحِرَافِهِ عَنْ نَمَطِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ وَيُسَمَّى اللُّغْزُ أُحْجِيَّةً أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحِجَا هُوَ الْعَقْلُ وَهَذَا النَّوْعُ يُقَوِّي الْعَقْلَ عِنْدَ التَّمَرُّنِ وَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَ هَذَا النَّوْعِ أَلْغَازً أَوْ أَهْلُ الْفَرَائِضِ يُسَمُّونَهُ مُعَامَاةً وَالنُّحَاةُ مُعَمَّى وَاللُّغَوِيُّونَ الْأَحَاجِي كَذَا بِخَطِّ الشَّمْسِ الْغَزِّيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ يُسَمَّى أَيْضًا بِالْمُغَالَطَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ بِالِاشْتِرَاكِ الْوَضْعِيِّ وَالْآخَرُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى وَنَقِيضِهِ. وَاللُّغْزَةُ وَالْأُحْجِيَّةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَعْنًى يُسْتَخْرَجُ بِالْحَدَثِ وَالْحَزْرِ لَا بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَا يُفْهَمُ مِنْ عَرْضِهِ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ فِي الْفَرَسِ:
وَصَاحِبٌ لَا أَمَلُّ الدَّهْرَ صُحْبَتَهُ ... يَشْقَى لِنَفْعِي وَيَسْعَى سَعْيَ مُجْتَهِدٍ
стр. 1535
٢ - الْقَاصِعَاءِ وَالنَّافِقَاءِ يَحْفِرُ مُسْتَقِيمًا إلَى أَسْفَلَ ثُمَّ يَعْدِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ عُرُوضًا يَعْتَرِضُهَا فَيُخْفِي مَكَانَهُ بِتِلْكَ الْأَلْغَازِ (انْتَهَى) وَقَدْ طَالَعْت قَدِيمًا حِيرَةَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُمْدَةِ فَرَأَيْتهمَا اشْتَمَلَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت قَرِيبًا الذَّخَائِرَ الْأَشْرَفِيَّةَ فِي الْأَلْغَازِ لِلسَّادَةِ الْحَنَفِيَّةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ عَبْدِ الْبَرِّ بْنِ الشِّحْنَةِ تَارِكًا لِمَا فُرِّعَ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ أَوْ كَانَ ظَاهِرًا.
ــ
[غمز عيون البصائر]
مَا إنْ رَأَيْتُ لَهُ شَخْصًا فَمُذْ وَقَعَتْ ... عَيْنِي عَلَيْهِ افْتَرَقْنَا فُرْقَةَ الْأَبَدِ
لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْفَرَسُ لَا مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُحْدَثُ وَيُحَزَّرُ وَالْخَوَاطِرُ تَخْتَلِفُ فِي الْإِسْرَاعِ وَالْإِبْطَاءِ عِنْدَ عُثُورِهَا عَلَيْهِ.
(٢) قَوْلُهُ: الْقَاصِعَاءُ وَالنَّافِقَاءُ. أَقُولُ النَّافِقَاءُ إحْدَى حُجْرَتَيْهِ الَّتِي يَكْتُمُهَا وَيُظْهِرُ غَيْرَهَا فَإِذَا أَتَى مِنْ قِبَلِ الْقَاصِعَاءِ وَهَى الْحَجَرُ الَّذِي يَدْخُلُهُ فَضَرَبَ النَّافِقَاءَ بِرَأْسِهِ فَانْتَفَقَ أَيْ خَرَجَ. هَذَا وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صِحَاحِهِمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﵇ فَأُوتِيَ بِجِمَارٍ فَقَالَ: أَلَا إنَّ مِنْ الشَّجَرَةِ شَجَرَةٌ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ أَخْبِرُونِي مَا هِيَ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ» وَلَفْظِ أَبِي عَوَانَةَ «فَظَنَنْتُ أَنَّهَا النَّخْلَةُ مِنْ أَجْلِ الْجِمَارِ الَّذِي أُوتِيَ بِهِ فَأَرَدْت أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَرَأَيْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَتَكَلَّمَا فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ النَّخْلَةُ» (انْتَهَى) . أَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: هَذَا يَصْلُحُ حُجَّةً وَدَلِيلًا لِمَنْ صَنَّفُوا فِي الْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي وَالْمُعَمَّيَاتِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى عَمَلٌ مِنْ طِبٍّ لِمَنْ أَحَبَّ أَنَّ النَّخْلَةَ لَا تُسَمَّى شَجَرًا وَأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا " إنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ " عَلَى سَبِيل الِاسْتِعَارَةِ لِإِرَادَةِ الْإِلْغَازِ (انْتَهَى) . أَقُولُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْصِدُ الْإِلْغَازَ فِي كَلَامِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا.
стр. 1536
كِتَابُ الطَّهَارَةِ ١ - مَا أَفْضَلُ الْمِيَاهِ؟ فَقُلْ ٢ - مَا نَبَعَ مِنْ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَيُّ حَوْضٍ صَغِيرٍ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ؟ ٣ - فَقُلْ حَوْضُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ الْغَرْفُ مِنْهُ مُتَدَارِكًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
(١) قَوْلُهُ: مَا أَفْضَلُ الْمِيَاهِ. أَقُولُ مِثْلُ هَذَا لَا يُعَدُّ لُغْزًا وَإِلَّا كَانَ كُلَّمَا كَانَ مَجْهُولُ الْأَفْضَلِيَّةِ يَحْتَاجُ فِي عِلْمِ ذَلِكَ إلَى مُرَاجَعَةِ الْحُفَّاظِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالنَّظَرِ وَالتَّنْقِيبِ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْفُضَلَاءِ يُعَدُّ لُغْزًا وَلَا قَائِلَ بِهِ.
(٢) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَا نَبَعَ. أَقُولُ عَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ نَظْمًا وَقَدْ أَجَادَ: وَأَفْضَلُ الْمِيَاهِ مَا قَدْ نَبَعَ بَيْنَ أَصَابِعَ النَّبِيِّ الْمُتَّبَعِ فَمَاءُ زَمْزَمَ فَمَاءُ الْكَوْثَرِ فَنِيلُ مِصْرَ ثُمَّ بَاقِي الْأَنْهُرِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيِّ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ إنَّ أَفْضَلَ الْمِيَاهِ مَاءُ زَمْزَمَ بِاعْتِبَارِ غَسْلِ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ بِهِ حِينَ شُقَّ وَأُخْرِجَتْ مِنْهُ عَلَقَةٌ سَوْدَاءُ إذْ لَوْ عُلِمَ مَاءٌ أَفْضَلَ مِنْهُ لَغُسِلَ بِهِ؛ أَقُولُ نَعَمْ هُوَ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ حِينَ شُقَّ الصَّدْرُ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْمَاءِ الَّذِي نَبَعَ مِنْ أَصَابِعِهِ أَفْضَلَ الْمِيَاهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ مِنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي كَيْفِيَّةِ هَذَا النَّبْعِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَيَنْبُعُ مِنْ ذَاتِهِ، الثَّانِي كَثَّرَ اللَّهُ الْمَاءَ فِي ذَاتِهِ فَصَارَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَيْهِ فَهُوَ أَشْرَفُ مِيَاهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَكَذَا عَلَى الثَّانِي.
(٣) قَوْلُهُ: فَقُلْ حَوْضُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ الْغَرْفُ مِنْهُ مُتَدَارِكًا. أَقُولُ هَذَا لَا يَكْفِي فِي الْجَوَابِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ دَاخِلًا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ
стр. 1537
٤ - أَيُّ حَيَوَانٍ إذَا خَرَجَ مِنْ الْبِئْرِ حَيًّا نُزِحَ الْجَمِيعُ وَإِنْ مَاتَ لَا؟ فَقُلْ
٥ - الْفَارَةُ، إنْ كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ فَيُنْزَحُ كُلُّهُ.
٦ - وَإِلَّا لَا.
٧ - أَيُّ بِئْرٍ نُزِحَ دَلْوٌ وَاحِدٌ مِنْهَا؟ فَقُلْ بِئْرٌ صُبَّ فِيهَا الدَّلْوُ الْأَخِيرِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ حَوْضَ الْحَمَّامِ كَالْمَاءِ الْجَارِي وَعَنْ الْإِمَامِ نَعَمْ إذَا كَانَ الْغَرْفُ مُتَدَارَكًا وَالْمَاءُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْ الْأُنْبُوبِ يُسَاوِي الْخَارِجَ أَمْ لَا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَلَى يَدِ الْمُغْتَرِفِ نَجَاسَةٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا يَتَنَجَّسُ وَكَذَلِكَ الْبِئْرُ أَيْضًا (انْتَهَى) . قَالَ فِي الذَّخَائِرِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ يُعْتَنَى بِهَا (انْتَهَى) . أَقُولُ وَحَقِيقَةُ التَّدَارُكِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنْ لَا يَسْكُنُ وَجْهُ الْمَاءِ
(٤) قَوْلُهُ: أَيُّ حَيَوَانٍ إذَا خَرَجَ مِنْ الْبِئْرِ حَيًّا إلَخْ. يَعْنِي إذَا وَقَعَ فَأُخْرِجَ حَيًّا وَلَيْسَ بِهِ جِرَاحَةٌ وَلَا عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صُورَةُ الْأَلْغَازِ وَإِلَّا فَلَا يَتِمُّ وَلِذَلِكَ صَوَّرَهُ فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرنَا
. (٥) قَوْلُهُ الْفَارَةُ؛ إنْ كَانَتْ هَارِبَةً. يَعْنِي لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ تَرْمِي بِبَوْلِهَا خَوْفًا وَقَدْ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَقِيلَ بِخِلَافِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (انْتَهَى) .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا بَالَتْ قَبْلَ الْوُقُوعِ (انْتَهَى) . وَقَدْ يُقَالُ إنَّ نُزُولَ الْبَوْلِ مِنْهَا إذَا كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ بَلْ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَطَهَارَةُ الْبِئْرِ مُتَيَقَّنَةٌ وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فَلَوْ قَالَ إذَا كَانَتْ مَجْرُوحَةً لَكَانَ أَوْلَى بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ.
(٦) قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا. أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَارِبَةً وَمَاتَتْ فِيهَا وَأُلْقِيَتْ مَيِّتَةً لَا يُنْزَحُ الْجَمِيعُ بَلْ يَجِبُ نَزْحٌ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ
(٧) قَوْلُهُ: أَيُّ بِئْرٍ يَجِبُ نَزْحُ دَلْوٍ وَاحِدٍ مِنْهَا. أَيُّ بِئْرٍ تَنَجَّسَتْ فَوَجَبَ نَزْحُ دَلْوٍ مِنْهَا أَقُولُ وَيَطَّرِدُ السُّؤَالُ فِي دَلْوَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ بِحَسَبِ الدَّلْوِ الْمَصْبُوبِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ.
стр. 1538
٨ - مِنْ بِئْرٍ تَنَجَّسَتْ بِمَوْتِ نَحْوِ فَارَةٍ
٩ - قَوْلُهُ أَيُّ مَاءٍ كَثِيرٍ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَإِنْ نَقَصَ جَازَ فَقُلْ هُوَ مَاءُ حَوْضٍ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ
إنْ مَاءٌ طَهُورٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ شُرْبُهُ.
١٠ - فَقُلْ مَاءٌ مَاتَ فِيهِ ضُفْدَعٌ بَحْرِيٌّ وَتَفَتَّتَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
(٨) قَوْلُهُ: مِنْ بِئْرٍ تَنَجَّسَتْ إلَخْ. أَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِ التَّنَجُّسِ بِمَوْتِ نَحْوِ فَارَةٍ عَلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ يُوهَمُ مَا لَيْسَ مُرَادًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ
(٩) قَوْلُهُ: أَيُّ مَاءٍ كَثِيرٍ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إلَخْ. أَقُولُ هَذِهِ الصُّورَةُ الْأَلْغَازِيَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْبَزَّازِيَّةِ
(١٠) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَاءٌ مَاتَتْ فِيهِ ضُفْدَعٌ بَحْرِيٌّ يَعْنِي لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ لِضَرَرٍ يَحْصُلُ مِنْهُ وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَائِيٌّ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ (انْتَهَى) . قُلْتُ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ وَجْهُ تَقْيِيدِ الضُّفْدَعِ بِالْبَحْرِيِّ وَإِنْ كَانَ الْبَرِّيُّ أَشَدَّ ضَرَرًا مِنْهُ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَكِيمُ ابْنُ زَهْرٍ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي كِتَابِهِ دُرَّةُ الْغَوَّاصِ فِي بَحْثِ الْخَوَاصِّ أَنَّ الضُّفْدَعَ الْبَرِّيَّ سم سَاعَةٍ تَذْيِيلٌ وَتَكْمِيلٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْأَلْغَازِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ
١ -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ مَاءٍ جَارٍ فِي مَجْرَى وَاحِدٍ لَمْ يُخَالِطْهُ نَجَسٌ يَكُونُ طَاهِرًا فِي وَقْتٍ نَجِسًا فِي آخَرَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَاءٌ عُمِلَ مَجْرَاهُ بِجِصٍّ وَنَوْرَةٍ خُلِطَ بِهِمَا رَمَادُ عُذْرَةٍ فَالْمَاءُ الْجَارِي عَلَى ذَلِكَ نَجِسٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا كَانَ جَرْيُهُ قَوِيًّا يَكُونُ طَاهِرًا كَذَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ أَقُولُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ وَحَمْلُ النَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ لَا يُسْتَنْكَرُ ذَكَّرْتُ بِمَا ذُكِرَ فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ مُفْتِي دِمَشْقَ الشَّامِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ فِي كِتَابِهِ هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ لِعَبَّادٍ حَيْثُ قَالَ: قَالَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى: مَاءُ الثَّلْجِ إذَا جَرَى عَلَى طَرِيقٍ فِيهِ سِرْقِينٌ أَوْ نَجَاسَةٌ إنْ تَغَيَّرَتْ النَّجَاسَةُ حَتَّى لَا يُرَى أَثَرُهَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ جَمِيعُ بَطْنِ النَّهْرِ نَجِسًا، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ يُرَى فَهُوَ نَجِسٌ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُسْتَأْنَسُ بِهَا لَمَّا عُلِمَتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي دِيَارِنَا مِنْ اعْتِيَادِهِمْ إجْرَاءَ الْمَاءِ بِسِرْقِينِ الدَّوَابِّ فَلْيُحْفَظْ فَإِنَّهَا أَقْرَبُ مَا ظَفِرْتُ بِهِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ التَّنْقِيبِ
стр. 1539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَهَمِّ الْمُهَمَّاتِ وَلَا سِيَّمَا إذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ وَغَيْرُهُ فِي فُرُوعِ الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَعْنِي قَوْلَهُمْ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَعْذُورَةِ وَعَدَمِ الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا لَاقَى الْمُتَنَجِّسُ إلَّا بِالِانْفِصَالِ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْحُكْمِ بِالطَّهَارَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَاءَ كُلَّمَا لَقِيَ النَّجَاسَةَ تَنَجَّسَ وَبِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَضُرُّهُ التَّغَيُّرُ بِالْمُكْثِ وَالطِّينِ وَالطُّحْلُبِ؛ وَكُلَّمَا تَعَسَّرَ صَوْنُهُ عَنْهُ وَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْلَى أَسْعَدُ أَفَنْدِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَاصِدًا إلَى الْحَجِّ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ شَاهَدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ فَأَنْكَرَ عَلَى أَهْلِهَا أَشَدَّ الْإِنْكَارِ حَتَّى أَرَادَ حَيَّاهُ اللَّهُ وَأَحْيَاهُ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِتَجْدِيدِ جَمِيعِ مَجَارِي الْمِيَاهِ وَلَقَدْ قَالَ لِي يَوْمًا هَلْ رَأَيْتَ فِي الْكُتُبِ مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي الْمَقَامِ؟ فَلَمْ يَحْضُرْنِي إلَّا مَا نَقَلْتُهُ عَنْ ابْنِ نُجَيْمٍ مِنْ الْكَلَامِ
١ -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ غَدِيرٍ مِسَاحَتُهُ مِائَةُ ذِرَاعٍ فِي مَاءٍ مُتَنَجِّسٍ وَهُوَ نَجِسٌ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ بِالنَّجَاسَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَدِيرٌ بَقِيَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا وَدَخَلَ فِيهِ مَاءٌ طَهُورٌ قَلِيلًا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا. وَنُقِلَ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْعِيَاضِيَّ يَقُولُ إنَّهُ إذَا بَلَغَ عِشْرِينَ يَصِيرُ طَاهِرًا وَجَوَابٌ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِ الْمَاءِ الَّذِي يَصِلُ مِنْهُ إلَى الْغَدِيرِ نَجَاسَةٌ وَالْمَاءُ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ قَلِيلٌ وَيَجْتَمِعُ فِي الْغَدِيرِ فَكُلُّهُ نَجِسٌ قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ فِي كِتَابِ الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ: وَقَدْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فِي مَاءِ بِرْكَةِ الْفِيلِ بِالْقَاهِرَةِ قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِهِ لِلْهِدَايَةِ: وَمَاءُ بِرْكَةِ الْفِيلِ بِالْقَاهِرَةِ طَاهِرٌ إنْ كَانَ مَمَرُّهُ طَاهِرًا أَوْ كَانَ أَكْثَرُ مَمَرِّهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَاءِ السَّطْحِ
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَغْتَسِلْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَصَلَّى بِوُضُوءٍ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضًا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَافِرٌ جَامَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَإِنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِالشَّرَائِعِ. وَفِي التَّجْنِيسِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّ صِفَةَ بَقَاءِ الْجَنَابَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَبَقَاءِ صِفَةِ الْحَدَثِ
١ -
(مَسْأَلَةٌ) . إنْ قِيلَ أَيُّ إنْسَانٍ أَنْزَلَ الْمَنِيَّ مَعَ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا صَبِيٌّ كَانَ مَا ذُكِرَ سَبَبُ بُلُوغِهِ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ لَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْغُسْلَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ وَقَدْ حَرَّرْتُ ذَلِكَ. مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِيهَا وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا فِي تَشْنِيفِ الْمُسْمِعِ بِمَا يُثْلِجُ الْفُؤَادَ.
стр. 1540
كِتَابُ الصَّلَاةِ أَيُّ تَكْبِيرٍ لَا يَكُونُ بِهِ شَارِعًا فِيهَا؟ فَقُلْ تَكْبِيرُ التَّعَجُّبِ دُونَ التَّعْظِيمِ. أَيُّ مُكَلَّفٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ وَالْوَتْرُ؟ فَقُلْ مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ
١ - إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِيهِ طَلَعَتْ
أَيُّ مُصَلٍّ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؟ فَقُلْ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. ٢ - فَقَرَأَ فِي ذَهَابِهِ
أَيُّ صَلَاةٍ؛ قِرَاءَةُ بَعْضِ السُّورَةِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ سُورَةٍ؟ فَقُلْ التَّرَاوِيحُ لِاسْتِحْبَابِ الْخَتْمِ فِي رَمَضَانَ؛ فَإِذَا قَرَأَ بَعْضَ سُورَةٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا
٣ - لِأَنَّ الْبَعْضَ إذَا كَانَ أَكْثَرَ آيَاتٍ كَانَ أَفْضَلَ
أَيُّ صَلَاةٍ أَفْسَدَتْ خَمْسًا وَأَيُّ صَلَاةٍ صَحَّحَتْ خَمْسًا؟ فَقُلْ رَجُلٌ تَرَكَ صَلَاةً وَصَلَّى بَعْدَهَا خَمْسًا ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ؛
ــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
قَوْلُهُ: إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِيهَا طَلَعَتْ. يَعْنِي قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْمُحَقِّقِينَ: الْمَعْرُوفُ الْمُمْكِنُ إذَا غَرَبَتْ الشَّفَقُ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْعِشَاءِ وَالْوَتْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ خِلَافَهُ كَمَا فِي ذَخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ
(٢) قَوْلُهُ: فَقَرَأَ فِي ذَهَابِهِ. أَقُولُ إنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ أَدَّى جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَلَوْ سَكَتَ لَمْ تَفْسُدْ ثُمَّ إنَّ التَّقْيِيدَ بِالذَّهَابِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِالْقِرَاءَةِ حَالَ مَجِيئِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ذَاهِبًا أَوْ جَائِيًا الْأَصَحُّ الْفَسَادُ
(٣) قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْبَعْضَ إذَا كَانَ أَكْثَرَ آيَاتٍ كَانَ أَفْضَلَ. أَقُولُ هَذَا وَإِنْ تَمَّ فِي
стр. 1541
٤ - فَإِنْ قَضَى الْفَائِتَةَ فَسَدَتْ الْخَمْسُ، وَإِنْ صَلَّى السَّادِسَةَ قَبْلَ قَضَائِهَا صَحَّتْ الْخَمْسُ
٥ - وَلِي فِيهِ كَلَامٌ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ
أَيُّ صَلَاةٍ فَسَدَتْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْقُرْآنِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ. رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظِ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي فَضْلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ بِسَنَدِهِ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السُّورَةَ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَكُتِبَ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ بِعَدَدِ مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ وَآمَنَ بِهِ» . وَبِسَنَدِهِ إلَى الرَّبِيعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﵇ «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالَ وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ قَالَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] »
(٤) قَوْلُهُ: فَإِنْ قَضَى الْفَائِتَةَ فَسَدَتْ الْخَمْسُ. يَعْنِي إذَا قَضَى الْفَائِتَةَ قَبْلَ السَّادِسَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْخَمْسِ وَإِنْ صَلَّاهَا بَعْدَ السَّادِسَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ وَالْكَثْرَةُ تَثْبُتُ بِالسَّادِسَةِ فَإِذَا ثَبَتَ أَسْنَدَ إلَى أَوَّلِهَا لِأَنَّ الْكَثْرَةَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَجْمُوعِ فَثَبَتَ سُقُوطُ التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ حُكْمُهَا مُضَافًا إلَى أَوَّلِ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُقَابِلًا لِعِلَّتِهِ كَمَا فِي تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ وَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَأَدَاءِ الظُّهْرِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَلَهُمَا أَنَّ الْخَمْسَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ فَلَا تَنْقَلِبُ جَائِزَةً ثُمَّ مَا قَالَا وَمَا قَالَهُ اسْتِحْسَانٌ.
(٥) قَوْلُهُ: وَلِي فِيهِ كَلَامٌ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ. أَقُولُ نَصُّ عِبَارَتِهِ فِي الشَّرْحِ بَعْدَ كَلَامٍ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّ أَنْقِلَابَ الْكُلِّ جَائِزًا مَوْقُوفٌ عَلَى أَدَاءِ سِتِّ صَلَوَاتٍ. وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ: ثُمَّ الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ حَتَّى لَوْ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَخَرَجَ وَقْتَ الْخَامِسِ وَصَارَتْ الصَّلَوَاتُ سِتًّا بِالْفَائِتَةِ الْمَتْرُوكَةِ أَوَّلًا وَعَلَى مَا صَوَّرَهُ يَقْتَضِي أَنْ تَصِيرَ الصَّلَوَاتُ سَبْعًا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بَحْثًا ثُمَّ أَطْلَعَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ مَنْقُولًا فِي الْمُجْتَبَى وَعِبَارَتُهُ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ مَوْقُوفٌ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنْ كَثُرَتْ وَصَارَتْ الْفَوَاسِدُ مَعَ الْفَائِتَةِ سِتًّا ظَهَرَ صِحَّتُهَا وَإِلَّا فَلَا (انْتَهَى) . وَلَقَدْ أَحْسَنَ ﵀ وَأَجَادَ هُنَا كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي التَّحْقِيقِ وَنَقْلِ
стр. 1542
أَصْلَحَهَا الْحَدَثُ؟ فَقُلْ
٧ - مُصَلِّي الْأَرْبَعِ إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ قَبْلَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ فَأَحْدَثَ قَبْلَ الرَّفْعِ
٨ - تَمَّتْ، وَلَوْ رَفَعَ قَبْلَ الْحَدَثِ فَسَدَ وَصْفُ الْفَرِيضَةِ، وَفِيهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: زُهْ صَلَاةٌ فَسَدَتْ أَصْلَحهَا الْحَدَثُ تَعَجُّبًا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِهِ
أَيُّ مُصَلٍّ قَالَ نَعَمْ وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؟
٩ - فَقُلْ مَنْ اعْتَادَهَا فِي كَلَامِهِ
أَيُّ مُصَلٍّ مُتَوَضِّئٍ إذَا رَأَى الْمَاءَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؟
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْغَرَائِبِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ إنَّ الْوَاحِدَةَ الْمُصَحِّحَةَ لِلْخَمْسَةِ هِيَ السَّادِسَةُ قَبْلَ قَضَاءِ الْمَتْرُوكَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْخَمْسِ خُرُوجُ وَقْتِ الْخَامِسَةِ كَمَا عَلِمْتَ
(٦) قَوْلُهُ: أَصْلَحَهَا الْحَدَثُ. أَيْ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ.
(٧) قَوْلُهُ: مُصَلِّي الْأَرْبَعِ إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ إلَخْ. فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ رَجُلٌ قَامَ قَبْلَ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ وَرَكَعَ وَسَجَدَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى فَرْضِهِ عِنْدَهُ فَيَتَوَضَّأُ وَيَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَلَوْ لَمْ يَحْدُثْ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ فَسَدَتْ فَرِيضَتُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَفْسُدُ وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ لِأَنَّهُ فَسَدَ فَرْضُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَلَمَّا ذُكِرَ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُ مُحَمَّدٍ هَذَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - زُهْ صَلَاةُ فَسَدَتْ يُصْلِحُهَا الْحَدَثُ (انْتَهَى) . وَزُهْ كَلِمَةُ اسْتِعْجَابٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَهِيَ بِضَمِّ الزَّاءِ لَيْسَتْ بِخَالِصَةٍ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَإِنَّمَا قَالَهَا أَبُو يُوسُفَ تَهَكُّمًا.
(٨) قَوْلُهُ: تَمَّتْ. أَيْ قَارَبَتْ التَّمَامَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتِمُّ بَعْدَ طَهَارَتِهِ وَقُعُودِهِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ
(٩) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ اعْتَادَهَا فِي كَلَامِهِ إلَخْ. فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ نَعَمْ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ. أَقُولُ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَثَلًا لَوْ اعْتَادَهَا فِي كَلَامِهِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ
стр. 1543
١٠ - فَقُلْ الْمُقْتَدِي بِإِمَامٍ مُتَيَمِّمٍ إذَا رَآهُ دُونَ إمَامِهِ
أَيُّ امْرَأَةٍ تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ؟ فَقُلْ إذَا قَرَأَتْ آيَةَ سَجْدَةٍ سَجَدَتْ وَتَبِعَهَا السَّامِعُونَ
أَيُّ فَرِيضَةٍ يَجِبُ أَدَاؤُهَا ١١ - وَيُحَرَّمُ قَضَاؤُهَا؟ فَقُلْ الْجُمُعَةُ
١٢ - وَإِنَّمَا يُقْضَى الظُّهْرُ.
أَيُّ رَجُلٍ كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَتَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ؟ فَقُلْ إذَا تَلَاهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الصَّلَاةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَقُلْ الْمُقْتَدِي بِإِمَامٍ مُتَيَمِّمٍ إذَا رَآهُ دُونَ إمَامِهِ. أَقُولُ لِأَنَّهُ إذَا رَآهُ صَارَتْ صَلَاةُ إمَامِهِ فَاسِدَةً فِي اعْتِقَادِهِ وَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا
(١١) قَوْلُهُ: وَيُحَرَّمُ قَضَاؤُهَا. أَقُولُ وَالصَّوَابُ وَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهَا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ الْمُلْغَزِ بِهَا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ عَدَمُ الصِّحَّةِ
(١٢) قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُقْضَى الظُّهْرُ. أَقُولُ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ وَإِنَّمَا يُصَلَّى الظُّهْرُ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ أُخْرَى لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الْجُمُعَةِ تَذْيِيلٌ وَتَتْمِيمٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَلْغَازِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّلَاةِ
(مَسْأَلَةٌ) : إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ صَلَّى فَرْضًا فِي وَقْتِهِ وَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ رَجُلٌ حَنَفِيٌّ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْفَرْضَ الْأَصْلِيَّ الظُّهْرُ غَيْرَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِهِ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ مَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ وَاَلَّذِي يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ هُوَ الظُّهْرُ لَا الْجُمُعَةُ
١ -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ عِبَادَةٍ ذَاتِ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ يَقَعُ جَمِيعُهُ سُنَّةً وَيَكُونُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ الْعَدَدِ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً وَأَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَكَذَا كُلُّ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمَخْصُوصَةِ بِالْأَعْدَادِ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ. أَقُولُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ إنَّ الثَّوَابَ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . لَا يَحْصُلُ لِمَنْ زَادَ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ وَسَمِعْتُ بَعْضَهُمْ يَذْكُرُ فِي
стр. 1544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
تَوْجِيهِهِ أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً فَقَدْ أَخَّرَ التَّحْمِيدَ عَنْ وَقْتِهِ وَمَوْضِعِهِ وَتَأْخِيرُ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا يُفَوِّتُ كَمَالَ أَجْرِهَا.
رَأَيْتُ فِي تَفْسِيرِ السُّلَمِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] أَنَّ بَعْضَهُمْ سُئِلَ أَيُّهُمَا أَفَضْلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَوْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَفْضَلُ مِنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْمِفْتَاحَ إذَا كَانَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْنَانٍ وَزِيدَتْ وَاحِدَةٌ لَا يَفْتَحُ الْبَابَ وَكَذَلِكَ إذَا زِيدَ عَلَى الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ الْعِمَادِ وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ وَلَا يَحِلُّ اعْتِقَادُهُ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ وَلَمْ يُعَبِّرْ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ يَنْبَغِي الْعَدَدُ الْمَخْصُوصُ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ الْآيَةَ السَّابِقَةَ لِأَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ وَتِلَاوَتُهُ عِبَادَةٌ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا وَلَا النَّقْصُ وَمُرَاعَاتَهُ مَطْلُوبَةٌ وَإِنْ أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ الذِّكْر يَعْنِي دُونَ التِّلَاوَةِ مُرَاعَاةً لِصُورَةِ النَّظْمِ وَإِعْجَازِهِ وَأَمَّا التَّسْبِيحَاتُ فَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ طُلِبَ الْعَدَدُ الْخَاصُّ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى الْجَلَالِ كَالْمَالِكِ وَالْكَبِيرِ وَالْقَادِرِ وَالْقَاهِرِ وَقِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى الْجَمَالِ كَالرَّبِّ وَالْمُحْسِنِ وَالْمُحْيِي وَالرَّزَّاقِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أَيْ نُزِّهَ أَسْمَاؤُهُ عَلَى الْإِلْحَادِ فِيهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُ ذَاتِهِ كَذَلِكَ يَجِبُ تَنْزِيهُ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَلَمَّا كَانَتْ الْكَفَرَةُ قَدْ أَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَاشْتَقُّوا مِنْ اللَّهِ اللَّاتِ وَمِنْ اسْمِهِ الْعَزِيزِ الْعُزَّى وَمِنْ الْمَنَّانِ مَنَاةَ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نُنَزِّهَ أَسْمَاءَهُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُنَزِّهَ صِفَاتِهِ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُؤْتَى لِأَسْمَاءِ الذَّاتِ بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّسْبِيحُ هُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ التَّشْرِيكِ وَعَمَّا لَا يَلِيقُ.
«وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ تَنْزِيهٌ مُنَاسِبٌ
стр. 1545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَسْمَاءَ الْجَلَالِ وَالتَّكْبِيرِ مُنَاسِبٌ أَسْمَاءَ الْجَلَالِ وَالتَّحْمِيدُ مُنَاسِبٌ أَسْمَاءَ الْجَمَالِ لِأَنَّ الْحَمْدَ يَكُونُ عَلَى النِّعَمِ» وَلِهَذَا كَانَتْ الْأَعْدَادُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ بِعَدَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَخُتِمَتْ الْمِائَةُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً لِأَنَّهُ قِيلَ إنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ هُوَ تَمَامُ الْمِائَةِ فَاسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي أَسْمَاءِ الْجَلَالِ وَلِهَذَا أُوتِيَ فِيهِ بِالتَّكْبِيرِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ بِهَذَا الْعَدَدِ وَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ وَلِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّ عَدَدَ دَرَجِ الْجَنَّةِ مِائَةٌ عَلَى عَدَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَنْعِ الزَّائِدِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَقَوْلُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ وَعَشْرَ تَحْمِيدَاتٍ وَعَشْرَ تَكْبِيرَاتٍ فِي خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَتِلْكَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ فِي الْمِيزَانِ» وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي صَلَاتِي قَالَ: كَبِّرِي اللَّهَ عَشْرًا وَسَبِّحِي اللَّهَ عَشْرًا وَاحْمَدِيهِ عَشْرًا» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى مَنْعِ عَدَمِ اعْتِبَارِ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَنْوَاعِ مِنْ الذِّكْرِ وَأَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ تَحْصُلُ بِدُونِ الْمِائَةِ وَأَنَّ الْأَكْمَلَ مِائَةٌ بِعَدَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى وَمَا زَادَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ (انْتَهَى) . فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ بَدِيعٌ جِدًّا
١ -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ التَّكْبِيرُ لِدُخُولِ الصَّلَاةِ مَعْلُومٌ فَمَا التَّكْبِيرُ الَّذِي يُخْرَجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَكْبِيرُ مَنْ كَبَّرَ قَبْلَ إمَامِهِ ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبَّرَ هُوَ يَنْوِي قَطْعَ مَا دَخَلَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ نَقْلًا عَنْ الْعُدَّةِ
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ
следующие страницы →