Полный текст (1 695 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ ٧٥ - فَالْقَوْلُ لَهُمْ ٧٦ - مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا وَبِهِ قَالَ زُفَرُ ﵀ ٧٧ - وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِيهَا لِأَجْلِ تَحْكِيمِ الْحَالِ، وَهُوَ أَنَّ سَبَبَ الْحِرْمَانِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ فَيَثْبُتُ فِيمَا مَضَى (وَمِمَّا) فَرَّعْته عَلَى الْأَصْلِ مَا فِي الْيَتِيمَةِ وَغَيْرِهَا
٧٨ - وَلَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ، ثُمَّ مَاتَ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: أَقَرَّ فِي الصِّحَّةِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ فِي مَرَضِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ ادَّعَتْ مَا هُوَ حَادِثٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الْكُفْرِ حَادِثٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَكَانَتْ مُدَّعِيَةً، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إلَّا بِحُجَّةٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ. (٧٦)
قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لَهَا، وَهُوَ إضَافَةُ الْحَادِثِ إلَى أَقْرَبِ، أَوْقَاتِهِ.
(٧٧) قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِيهَا لِأَجْلِ تَحْكِيمِ الْحَالِ إلَخْ، اعْلَمْ أَنَّ زُفَرَ (﵀) يَقُولُ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ حَادِثٌ وَالْأَصْلُ فِي الْحَوَادِثِ أَنْ تُضَافَ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهَا، وَأَقْرَبُ أَوْقَاتِهَا مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتُضَافُ إلَيْهِ، وَقَالَ الْمَشَايِخُ: سَبَبُ الْحِرْمَانِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ، فَيَثْبُتُ فِيمَا مَضَى تَحْكِيمًا لِلْحَالِ كَمَا فِي جَرْيِ مَاءِ الطَّاحُونِ، وَهَذَا الظَّاهِرُ يُعْتَبَرُ لِلدَّفْعِ وَلَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَهِيَ تَدَّعِي بِهِ الِاسْتِحْقَاقَ وَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ، وَهُمْ يَدَّعُونَ بِهِ الدَّفْعَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ.
(٧٨) قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ إلَخْ.
قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْكِلُ عَلَى مَسْأَلَةِ مَا لَوْ وَهَبَتْ مَهْرَهَا لِلزَّوْجِ وَمَاتَتْ، فَقَالَ: كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ، وَالْوَرَثَةُ: كَانَتْ فِي الْمَرَضِ، فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ، كَمَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ؛ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ فِي مَسْأَلَةِ إقْرَارِ الْحُكْمِ كَذَلِكَ، أَوْ بِالْعَكْسِ، لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَرَثَةِ لَا الزَّوْجِ،
стр. 212
وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَتَهُ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُمْ فَلَهُ ذَلِكَ.
وَمِمَّا فَرَّعْته عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُهُمْ: لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَتَحْتَهُ نَصْرَانِيَّةٌ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي مَسَائِلَ شَتَّى.
وَمِمَّا خَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ لَوْ قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ عَزْلِهِ لِرَجُلٍ: أَخَذْت مِنْك أَلْفًا وَدَفَعْتهَا إلَى زَيْدٍ قَضَيْت بِهَا عَلَيْك، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَخَذْتهَا ظُلْمًا بَعْدَ الْعَزْلِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْقَاضِي مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ حَادِثٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَى أَقْرَبِ، أَوْقَاتِهِ، وَهُوَ وَقْتُ الْعَزْلِ، وَبِهِ قَالَ الْبَعْضُ وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ. ٨٠ - وَكَذَلِكَ إذَا زَعَمَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَنَّهُ دَفَعَ لَهُ قَبْلَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ.
٨١ - وَخَرَجَ أَيْضًا عَنْهُ مَا لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ: قَطَعْت يَدَك وَأَنَا عَبْدٌ وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: بَلْ قَطَعْتُهَا وَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ الْقَوْلُ لِلْعَبْدِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ وَقَدْ أَعْتَقَهُ: أَخَذْتُ مِنْك غَلَّةَ كُلِّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ وَيَصِيرُ الْحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى مِنْوَالٍ.
(٧٩) قَوْلُهُ: وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَتُهُ أَيْضًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَسَيَذْكُرُهُ فِي الْإِقْرَارِ.
(٨٠) قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إذَا زَعَمَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ قَبْلَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهُ فَعَلَهُ حَالَ قَضَائِهِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ، وَفِيهِ: أَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي حَادِثٌ أُضِيفَ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْقَاعِدَةِ لَا مِمَّا خَرَجَ عَنْهَا، وَحِينَئِذٍ يَشْكُلُ التَّشْبِيهُ فَتَأَمَّلْ
(٨١) قَوْلُهُ: وَخَرَجَ أَيْضًا عَنْهُ مَا لَوْ قَالَ الْعَبْدُ إلَخْ، قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمِمَّا
стр. 213
شَهْرٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَقَالَ الْمُعْتَقُ أَخَذْتهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَوْلَى.
٨٢ - وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا قَالَ: بِعْت وَسَلَّمْت قَبْلَ الْعَزْلِ وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: بَعْدَ الْعَزْلِ ٨٣ - كَانَ الْقَوْلُ لِلْوَكِيلِ إنْ كَانَ الْبَيْعُ مُسْتَهْلَكًا، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ.
٨٤ - وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَلَّةِ ٨٥ - لَا يُصَدَّقُ فِي الْغَلَّةِ الْقَائِمَةِ.
، وَمِمَّا وَافَقَ الْأَصْلَ مَا فِي النِّهَايَةِ لَوْ أَعْتَقَ أَمَةً، ثُمَّ قَالَ لَهَا: قَطَعْت يَدَك وَأَنْتِ أَمَتِي فَقَالَتْ هِيَ: قَطَعْتهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
خَرَجَ عَنْهُ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: هَلَكَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى حِفْظِهِ فَقَالَ الْأَجِيرُ: هَلَكَ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، وَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: بَعْدَ شَهْرٍ، فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنَّمَا يُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى يُصَدَّقَ الْأَجِيرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ ظَاهِرٌ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ وَغَرَضُ الْأَجِيرِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ
(٨٢) قَوْلُهُ: وَكَذَا الْوَكِيلُ أَيْ خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ عَلَى أَحَدِ التَّقْرِيرَيْنِ لَا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُوَكِّلِ لَمْ يَخْرُجْ حِينَئِذٍ عَنْ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عَنْهُ إذَا كَانَ مُسْتَهْلِكًا، ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ الْعَزْلِ أَيْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ بَعْدَ الْعَزْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ نَافِذٌ انْتَهَى.
(٨٣) قَوْلُهُ: كَانَ الْقَوْلُ لِلْوَكِيلِ إلَخْ؛ لِإِنْكَارِهِ الضَّمَانَ فِي الْمُسْتَهْلِكِ وَادِّعَائِهِ خُرُوجَ الْمِلْكِ فِي الْقَائِمِ عَنْ الْمُوَكِّلِ وَمِثْلُهُ الْغَلَّةُ الْمُسْتَهْلَكَةُ، وَالْقَائِمَةُ
(٨٤) قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَلَّةِ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ السَّيِّدَ ادَّعَى أَنَّ الْغَلَّةَ اكْتَسَبَهَا وَهُوَ عَبْدٌ وَقَالَ الْمُعْتَقُ: اكْتَسَبْتهَا وَأَنَا مُعْتَقٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ.
(٨٥) قَوْلُهُ: لَا يُصَدَّقُ فِي الْغَلَّةِ الْقَائِمَةِ أَيْ السَّيِّدُ فَيَكُونُ الْحَاصِلُ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْأَصْلِ بِسَبَبِ كَوْنِ الْقَوْلِ لِلسَّيِّدِ مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَتْ الْغَلَّةُ هَالِكَةً، وَإِلَّا كَانَ عَلَى الْأَصْلِ فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِلْإِطْلَاقِ السَّابِقِ
стр. 214
وَأَنَا حُرَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ٨٦ - وَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهَا، ٨٧ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ ﵀ ذَكَرَهُ قُبَيْلَ الشَّهَادَاتِ، ٨٨ - وَتَحْتَاجُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ إلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا
وَفِي الْمَجْمَعِ مِنْ الْإِقْرَارِ: وَلَوْ أَقَرَّ حَرْبِيٌّ أَسْلَمَ، بِأَخْذِ الْمَالِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَوْ بِإِتْلَافِ خَمْرٍ بَعْدَهُ، أَوْ مُسْلِمٌ بِمَالِ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ بِقَطْعِ يَدِ مُعْتِقِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَكَذَّبُوهُ فِي الْإِسْنَادِ، أُفْتِيَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي الْكُلِّ (انْتَهَى) .
وَقَالَا: يَضْمَنُ
وَمِمَّا فُرِّعَ عَلَيْهِ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، ثُمَّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهَا إلَخْ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ غَلَّةِ الْعَبْدِ الْقَائِمَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَوْلَى، بِخِلَافِ غَلَّةِ الْجَارِيَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: وَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهَا، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَا فِي الْغَلَّةِ الْقَائِمَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَالْفَرْقُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ قَالَ: فَأَجَابَ بِالْفَرْقِ أَيْ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَوْلَى أَقَرَّ بِأَخْذِ مَالَهَا ثُمَّ ادَّعَى التَّمْلِيكَ لِنَفْسِهِ فَيُصَدَّقُ فِي إقْرَارِهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ التَّمْلِيكَ لَهُ.
(٨٧) قَوْلُهُ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَعَ أَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلضَّمَانِ بِإِسْنَادِ الْفِعْلِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ. (٨٨) قَوْلُهُ: وَتَحْتَاجُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ إلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ قِيلَ: صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الشَّرْحِ بِمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُقِرَّ إذَا أَسْنَدَ إقْرَارَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ (انْتَهَى) .
وَرُدَّ بِأَنَّ الْعَبْدَ يُقَالُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنْ يُقَالَ كَوْنُهُ عَبْدَهُ لَا يَنْفِي عَنْهُ الضَّمَانَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ فِيمَا إذَا كَانَ مَأْذُونًا، وَيَضْمَنُ لَوْ أَتْلَفَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونَ، كَمَا هُوَ الْمَعْلُومُ فِي الْمُتُونِ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْقَاضِي فَإِنَّ كَوْنَهُ قَاضِيًا لَا يَنْفِي عَنْهُ الضَّمَانَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَهَّدَ الْقَاضِي الْجَوْرَ كَانَ ضَامِنًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَرْتَضِ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا وَقَالَ: يُحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ، وَتَصْنِيفُ هَذَا الْكِتَابِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْبَحْرِ.
стр. 215
ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا وَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ يَتَزَايَدُ فَيَحْصُلُ الْمَوْتُ بِالزَّائِدِ فَلَا يُضَافُ إلَى السَّابِقِ لَكِنْ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَيْسَ مِنْ فُرُوعِهَا مَا لَوْ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بَعْدَ الشِّرَاءِ، أَوْ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَنَا فِي كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حَادِثٌ أُضِيفَ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ ٨٩ - لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ مَلَكَهَا ٩٠ - فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ عِنْدَهَا
قَاعِدَةٌ هَلْ ٩١ - الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الْإِبَاحَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀، أَوْ التَّحْرِيمُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَنَسَبَهُ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي الْبَدِيعِ الْمُخْتَارِ أَنْ لَا حُكْمَ لِلْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ ثُمَّ مَلَكَهَا يَعْنِي كُلًّا، أَوْ بَعْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَإِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ مِنْ الزَّوْجِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا هُوَ وَآخَرُ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلزَّوْجِ لِمَا قُلْنَا وَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهَا بِالشِّرَاءِ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَانْتَقَلَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ بِالضَّمَانِ.
(٩٠) قَوْلُهُ: فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ هُوَ الْجُزْئِيَّةُ، وَالْجُزْئِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ الْوَلَدِ مِنْهُمَا كُلًّا، وَقَدْ ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ فَتَثْبُتُ الْجُزْئِيَّةُ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ وَقَدْ كَانَ الْمَانِعُ حِينَ الْوِلَادَةِ مِلْكُ الْغَيْرِ فَزَالَ
[قَاعِدَةٌ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ]
(٩١) قَوْلُهُ: الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إلَخْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمُ بْنُ قُطُلُوبُغَا فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَقَيَّدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِزَمَنِ الْفَتْرَةِ فَقَالَ: إنَّ النَّاسَ لَنْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَزْمَانِ، وَإِنَّمَا هَذَا بِنَاءٌ عَلَى زَمَنِ الْفَتْرَةِ لِاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ وَوُقُوعِ التَّحْرِيفَاتِ، فَلَمْ يَبْقَ الِاعْتِقَادُ، وَالْوُثُوقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ فَظَهَرَتْ الْإِبَاحَةُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِقَابِ، بِمَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ مُحَرِّمٌ وَلَا مُبِيحٌ انْتَهَى.
стр. 216
وَالْحُكْمُ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ أَزَلِيًّا فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ فَانْتَفَى التَّعَلُّقُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ (انْتَهَى) .
وَفِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلْمُصَنِّفِ: الْأَشْيَاءُ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ ٩٣ - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: الْأَصْلُ فِيهَا الْحَظْرُ ٩٤ - وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْأَصْلُ فِيهَا التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَدَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] أَخْبَرَ بِأَنَّهُ خَلَقَهُ لَنَا عَلَى وَجْهِ الْمِنَّةِ عَلَيْنَا، وَأَبْلَغُ وُجُوهِ الْمِنَّةِ إطْلَاقُ الِانْتِفَاعِ فَتَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ.
(٩٢) قَوْلُهُ: وَالْحُكْمُ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ أَزَلِيًّا. جَوَابُ سُؤَالٍ مَطْوِيٍّ تَقْدِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَكُمْ أَزَلِيًّا ثَابِتًا قَبْلَ الشَّرْعِ كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكُمْ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ بِأَنَّ نَفْسَ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ أَزَلِيًّا عِنْدَنَا لَكِنَّ تَعَلُّقَهُ التَّنْجِيزِيَّ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لَيْسَ بِأَزَلِيٍّ، وَالْمُرَادُ هُنَا عَدَمُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ التَّنْجِيزِيِّ بِالْفِعْلِ لَا عَدَمُ تَعَلُّقِهِ الْعِلْمِيِّ فَإِنَّهُ أَزَلِيٌّ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا كَانَ تَعَلُّقُ التَّنْجِيزِيِّ مَنْفِيًّا قَبْلَ الشَّرْعِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ، فَتَعَلُّقُهُ إمَّا لِفَائِدَةِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ قَبْلَ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِعَيْنِ مَا أُمِرَ بِهِ فِي وَقْتِهِ وَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ وَبِكَيْفِيَّتِهِ وَلَا عِلْمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وَإِمَّا لِفَائِدَةِ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ أَيْضًا قَبْلَ الشَّرْعِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
(٩٣) قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: الْأَصْلُ فِيهَا الْحَظْرُ وَدَلِيلُهُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَجُوزُ. (٩٤) قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَصْلُ فِيهَا التَّوَقُّفُ، وَدَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ سَمْعِيٌّ وَعَقْلِيٌّ، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَكَذَا الثَّانِي فَلَا تُقْطَعُ عَلَى
стр. 217
حُكْمٍ لَكِنَّا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ (انْتَهَى) . وَفِي الْهِدَايَةِ مِنْ فَصْلِ الْحِدَادِ: إنَّ الْإِبَاحَةَ أَصْلٌ (انْتَهَى) ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا أَشْكَلَ حَالُهُ فَمِنْهَا الْحَيَوَانُ الْمُشْكِلُ أَمْرُهُ ٩٥ - وَالنَّبَاتُ الْمَجْهُولُ اسْمُهُ (وَمِنْهَا) إذَا لَمْ يَعْرِفْ حَالَ النَّهْرِ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ، أَوْ مَمْلُوكٌ (وَمِنْهَا) لَوْ دَخَلَ بُرْجَهُ حَمَامٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ، أَوْ مَمْلُوكٌ ٩٦ - (وَمِنْهَا) مَسْأَلَةُ الزَّرَافَةِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْقَائِلِ بِالْإِبَاحَةِ " الْحِلُّ فِي الْكُلِّ "، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الزَّرَافَةِ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ حِلُّ أَكْلِهَا وَقَالَ السُّيُوطِيّ: وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ فِي الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَقَوَاعِدُهُمْ تَقْتَضِي حِلَّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَاعِدَةٌ الْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ؛ وَلِذَا قَالَ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْأَصْلُ فِي النِّكَاحِ الْحَظْرُ وَأُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ (انْتَهَى) .
فَإِذَا تَقَابَلَ فِي الْمَرْأَةِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ غَلَبَتْ الْحُرْمَةُ (وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْفُرُوجِ) .
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ عَقْلًا يَجُوزُ، وَوَرَدَ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ فِي ذَلِكَ بِعَيْنِهِ بِالْحَظْرِ فَيَنْقُلُهُ مِنْ الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ، وَمَا وُضِعَ الْعَقْلُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ كَذَا فِي تُحْفَةِ الْوُصُولِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِيهِ ضَرَرٌ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ خَارِجٌ عَنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ، وَالْقُبْحُ ذَاتِيٌّ، أَوْ شَرْعِيٌّ.
(٩٥) قَوْلُهُ: وَالنَّبَاتُ الْمَجْهُولُ إلَخْ يُعْلَمُ مِنْهُ حِلُّ شُرْبِ الدُّخَانِ.
(٩٦) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الزَّرَافَةِ بِفَتْحِ الزَّاءِ وَضَمِّهَا حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ حَيَوَانٌ طَوِيلُ الْيَدَيْنِ قَصِيرُ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ الْيَرْبُوعِ وَفِي كِتَابِ عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ لَمَّا
стр. 218
وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ مِنْ بَابِ التَّحَرِّي: لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ أَرْبَعُ جَوَارٍ أَعْتَقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا فَلَمْ يَدْرِ أَيَّتَهُنَّ أَعْتَقَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَتَحَرَّى لِلْوَطْءِ وَلَا لِلْبَيْعِ وَلَا يَسَعُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ حَتَّى تَبِينَ الْمُعْتَقَةُ مِنْ غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ بِعَيْنِهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نَسِيَهَا وَكَذَلِكَ إنْ مَيَّزَ كُلَّهُنَّ إلَّا وَاحِدَةً لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا غَيْرُ الْمُطَلَّقَةِ وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُ الْقَاضِي عَنْهَا حَتَّى يُخْبِرَ أَنَّهَا غَيْرُ الْمُطَلَّقَةِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ اسْتَحْلَفَهُ أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ حَلَفَ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِهَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا فَإِنْ بَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ثَلَاثًا مِنْ الْجَوَارِي فَحَكَمَ الْحَاكِمُ فَإِنْ أَجَازَ بَيْعَهُنَّ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَجَعَلَ الْبَاقِيَةَ هِيَ الْمُعْتَقَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْضُ مَا بَاعَ بِشِرَاءِ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطَأَ شَيْئًا مِنْهُنَّ بِالْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، أَوْ أَمَتُهُ (وَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْفُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا جَازَ لِلضَّرُورَةِ) .
ــ
[غمز عيون البصائر]
كَانَتْ الزَّرَافَةُ تَرْعَى وَتَقْتَاتُ بِهِ جَعَلَ يَدَيْهَا أَطْوَلَ مِنْ رِجْلَيْهَا لِيُمْكِنَهَا ذَلِكَ بِسُهُولَةٍ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الزَّرَافَةَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ النَّاقَةِ وَالضَّبُعِ فَتَجِيءُ بِوَلَدٍ خِلْقَةَ النَّاقَةِ وَالضَّبُعِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ لَكِنَّ الْجَاحِظَ لَمْ يَرْتَضِ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ تَرْكِيبِ خَلْقِ الزَّرَافَةِ وَرَدَّهُ رَدًّا بَلِيغًا
[قَاعِدَةٌ الْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ]
قَوْلُهُ: وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ إلَخْ، فِي شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ فِي الْإِقْرَارِ: أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ، ثُمَّ نَسِيَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ.
стр. 219
وَالْفُرُوجُ لَا تَحِلُّ بِالضَّرُورَةِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ أَعْتَقَ جَارِيَةً مِنْ رَقِيقِهِ، ثُمَّ نَسِيَهَا وَمَاتَ لَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي التَّحَرِّي وَلَا بِقَوْلِهِ لِلْوَرَثَةِ: أَعْتِقُوا أَيَّتُهُنَّ شِئْتُمْ، أَوْ أَعْتِقُوا الَّتِي أَكْبَرُ ظَنِّكُمْ أَنَّهَا حُرَّةٌ وَلَكِنَّهُ يَسْأَلُهُمْ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا ٩٩ - أَعْتَقَهَا وَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى عَمَلِهِمْ فِي الْبَاقِيَاتِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا أَعْتَقَهُنَّ كُلَّهُنَّ ١٠٠ - وَأَسْقَطَ عَنْهُنَّ قِيمَةَ إحْدَاهُنَّ وَسَعَيْنَ فِيمَا بَقِيَ
وَخَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةٌ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: صَبِيَّةٌ أَرْضَعَهَا قَوْمٌ ١٠١ - وَلَمْ يَعْرِفُوا الْمُعْتَقَةَ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَطَأَ جَارِيَتَهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا الْمُعْتَقَةُ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ ذَلِكَ، وَلَوْ قَرُبَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرَامًا وَلَوْ اشْتَرَاهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ الْمُعْتَقَةَ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْفُرُوجُ لَا تَحِلُّ بِالضَّرُورَةِ أَقُولُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ كَشْفِ الْأَسْرَارِ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: أَعْتَقَهَا وَاسْتَحْلَفَهُمْ أَيْ حَكَمَ بِعِتْقِهَا.
(١٠٠) قَوْلُهُ: وَأَسْقَطَ عَنْهُنَّ قِيمَةَ إحْدَاهُنَّ، قِيلَ عَلَيْهِ: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: أَسْقَطَ عَنْهُنَّ رُبُعَ قِيمَتِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَخْتَلِفُ وَلَا يَجُوزُ تَعْيِينُ قِيمَةِ إحْدَاهُنَّ بِعَيْنِهَا (انْتَهَى) .
أَقُولُ فِيهِ: إنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ مَا ذَكَرَهُ أَنْ لَوْ كَانَ الرَّقِيقُ أَرْبَعَةً، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنْقَصَ فَلَا، وَالْمُصَنِّفُ ﵀ لَمْ يَفْرِضْ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَرْبَعَةِ بَلْ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ،
[مَسْأَلَةٌ صَبِيَّةٌ أَرْضَعَهَا قَوْمٌ وَلَمْ يَعْرِفُوا الْمُعْتَقَةَ]
(١٠١) قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعْرِفُوا الْمُعْتَقَةَ، فِيهِ نَظَرٌ، إذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ جَارِيَةً، وَمَنْ الْمَعْلُومِ مَعْرِفَتُهُمْ كُلَّ جَارِيَةٍ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَمْ يَعْرِفُوا الْمُعْتَقَةَ (انْتَهَى) ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
стр. 220
وَلَوْ اشْتَرَاهُنَّ إلَّا وَاحِدَةً حَلَّ لَهُ وَطْؤُهُنَّ فَإِنْ فَعَلَ، ثُمَّ اشْتَرَى الْبَاقِيَةَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْءُ شَيْءٍ مِنْهُنَّ وَلَا بَيْعُهُ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُعْتَقَةَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ إنَّمَا هِيَ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْمَرْأَةِ سَبَبٌ مُحَقَّقٌ لِلْحُرْمَةِ فَلَوْ كَانَ فِي الْحُرْمَةِ شَكٌّ لَمْ يُعْتَبَرْ؛ وَلِذَا قَالُوا: لَوْ كَانَ فِي الْحُرْمَةِ شَكٌّ لَمْ يُعْتَبَرْ وَلِذَا قَالُوا: لَوْ أَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ حَلَمَةَ ثَدْيِهَا فِي فَمِ رَضِيعَةٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي وُصُولِ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهَا لَمْ تَحْرُمْ؛ لِأَنَّ فِي الْمَانِعِ شَكًّا كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَفِي الْقُنْيَةِ: امْرَأَةٌ كَانَتْ تُعْطِي ثَدْيَهَا صَبِيَّةً وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ تَقُولُ لَمْ يَكُنْ فِي ثَدْيِ لَبَنٌ حِينَ أَلْقَمْتهَا ثَدْيِي وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا جَازَ لِابْنِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَذِهِ الصَّبِيَّةِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: صَغِيرٌ وَصَغِيرَةٌ بَيْنَهُمَا شُبْهَةُ الرَّضَاعِ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ حَقِيقَةً
قَالُوا: لَا بَأْسَ بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا هَذَا إذَا لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ ١٠٢ -، فَإِنْ أَخْبَرَ بِهِ عَدْلٌ ثِقَةٌ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ بَعْدَ النِّكَاحِ وَهُمَا كَبِيرَانِ، فَالْأَحْوَط أَنْ يُفَارِقَهَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبُضْعَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرَ يُقْبَلُ فِي حِلِّهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ.
قَالُوا لَوْ اشْتَرَى أَمَةَ زَيْدٍ وَقَالَ بَكْرٌ: وَكَّلَنِي زَيْدٌ بِبَيْعِهَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا
، وَكَذَا لَوْ جَاءَتْ أَمَةٌ قَالَتْ لِرَجُلٍ: إنَّ مَوْلَايَ بَعَثَنِي إلَيْك هَدِيَّةً
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخْبَرَ بِهِ عَدْلٌ ثِقَةٌ، قِيلَ: يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِمْ: لَا يَثْبُتُ الرَّضَاعُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، لَكِنَّهُ بِقَوْلِهِمْ: يُقْبَلُ خَبَرُ وَاحِدٍ عَدْلٍ فِي الدِّيَانَاتِ إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا مَشَى عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ.
стр. 221
وَظَنَّ صِدْقَهَا حَلَّ وَطْؤُهَا.
، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا وَكَّلَ شَخْصًا فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ جَارِيَةً بِالصِّفَةِ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْمُوَكِّلِ، فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ حُرْمَتُهَا عَلَى الْمُوَكِّلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْجَارِيَةَ بِالصِّفَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ظَاهِرًا فِي الْحِلِّ وَلَكِنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْفِقْهِ.
وَلَمَّا كَانَ الْأَوْلَى الِاحْتِيَاطُ فِي الْفُرُوجِ ١٠٤ - قَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ: إذَا عَقَدَ عَلَى أَمَتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ وَطْئِهَا حَرَامًا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ أَوْ مَحْلُوفًا عَلَيْهَا بِعِتْقِهَا وَقَدْ حَنِثَ الْحَالِفُ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَا سِيَّمَا إذَا تَدَاوَلَتْهَا الْأَيْدِي، فَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ وَطْءَ السَّرَارِي اللَّاتِي يُجْلَبْنَ الْيَوْمَ مِنْ الرُّومِ، وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ حَرَامٌ، إلَّا أَنْ يَنْتَصِبَ فِي الْمَغَانِمِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ مَنْ يُحْسِنُ قِسْمَتَهَا فَيَقْسِمُهَا مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا ظُلْمٍ، أَوْ تَحْصُلَ قِسْمَةٌ مِنْ مُحْكِمٍ، أَوْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِإِذْنِ الْقَاضِي، أَوْ الْمُعْتِقِ، وَالِاحْتِيَاطُ اجْتِنَابُهُنَّ مَمْلُوكَاتِ وَحَرَائِرَ.
فُرُوعٌ لَهَا حُكْمٌ لَازِمٌ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ الْمَجْهُولَةَ الْحَالِ الْمَرْجِعُ فِيهَا إلَى صَاحِبِ الْيَدِ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَظَنَّ صِدْقَهَا، قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الْهَدِيَّةَ إمَّا إبَاحَةٌ، أَوْ تَمْلِيكٌ، وَلَا إبَاحَةَ فِي الْأَبْضَاعِ، وَالتَّمْلِيكُ يَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فَكَيْفَ يَحِلُّ الْوَطْءُ؟
قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ إلَخْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي مُتَفَرِّقَاتِ كِتَابِ الْبُيُوعِ: اشْتَرَى جَارِيَةً يَتَزَوَّجُهَا احْتِيَاطًا إنْ أَرَادَ وَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ حُرَّةً ارْتَفَعَتْ الْحُرْمَةُ، وَإِنْ أَمَةً لَا يَضُرُّهُ النِّكَاحُ، وَخَاصَّةً الْجَوَارِيَ الْمَجْلُوبَةَ مِنْ الْأَتْرَاكِ فِي بِلَادِنَا؛ لِأَنَّ عَادَةَ
стр. 222
وَإِلَى إقْرَارِهَا إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، وَإِنْ عُلِمَ حَالُهَا فَلَا إشْكَالَ
تَنْبِيهٌ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ إنَّ أَصْحَابَنَا ﵏ احْتَاطُوا فِي أَمْرِ الْفُرُوجِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ: لَوْ كَانَتْ جَارِيَةٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ شَرِيكِهِ وَطَلَبَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمًا حِشْمَةً لِلْمِلِكِ (انْتَهَى) .
[قَاعِدَةٌ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ]
ُ وَعَلَى ذَلِكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ: ١٠٦ - مِنْهَا النِّكَاحُ لِلْوَطْءِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] فَحُرِّمَتْ مَزْنِيَّةُ الْأَبِ كَحَلِيلَتِهِ، وَكَذَا لَوْ قَضَى شَافِعِيٌّ بِحِلِّهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْأَتْرَاكِ بَيْعُ الْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَاتِ، وَهُمْ إذَا كَانُوا كَفَرَةً فَالْبَيْعُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ وَلَدِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا بَاعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إنْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ كُرْهًا يَتَمَلَّكُ، وَإِنْ أَخْرَجَ الْمُشْتَرِي بِاخْتِيَارِهِ فَالِاحْتِيَاطُ النِّكَاحُ، وَسَيَأْتِي فِي السِّيَرِ تَفَاصِيلُ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى
(١٠٥) قَوْلُهُ: وَإِلَى إقْرَارِهَا إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يَنْبَغِي عَدَمُ التَّعْوِيلِ عَلَى قَوْلِهَا لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ؛ لِأَنَّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ فِيهَا (انْتَهَى) وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
(١٠٦) قَوْلُهُ: مِنْهَا النِّكَاحُ لِلْوَطْءِ: وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] أَقُولُ: وَهَذَا مُخْتَارُ صَاحِبِ الْمَنَارِ تَبَعًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّ عَامَّةَ الْمَشَايِخِ وَجُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْعَقْدُ، أَقُولُ: وَجَوَّزَ
стр. 223
لَمْ يَنْفُذْ لِمُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ بِحِلِّ مَمْسُوسَتِهِ ١٠٨ -، وَالْفَرْقُ مَذْكُورٌ فِي ظِهَارِ شَرْحِنَا، وَحُرْمَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِلَا وَطْءٍ بِالْإِجْمَاعِ
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ، أَوْ مَنْكُوحَتِهِ: إنْ نَكَحْتُك فَعَلَيَّ وَطْءٌ فَلَوْ عَقَدَ عَلَى الْأَمَةِ بَعْدَ إعْتَاقِهَا، أَوْ عَلَى الزَّوْجَةِ بَعْدَ إبَانَتِهَا لَمْ يَحْنَثْ كَمَا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ
وَمِنْهَا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ زَيْدٍ لَا يَدْخُلُ وَلَدُ وَلَدِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ اسْتَحَقَّهُ وَلَدُ الِابْنِ ١٠٩ - وَاخْتُلِفَ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
الزَّيْلَعِيُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِنْ الْآيَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ: أَقُولُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ نَفْيٌ بَلْ نَهْيٌ (١٠٧) قَوْلُهُ: لَمْ يَنْفُذْ لِمُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ، أَقُولُ فِيهِ: إنَّ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْوَطْءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَلَيْسَ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَنَفِيِّ بِخُصُوصِهِ.
(١٠٨) قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ مَذْكُورٌ فِي ظِهَارِ شَرْحِنَا، وَهُوَ أَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَلَمْ تَنْفُذْ قَضَاءُ الشَّافِعِيِّ بِحِلِّ أُصُولِ الْمُزَنِيَّةِ وَفُرُوعِهَا بِخِلَافِ التَّقْبِيلِ (انْتَهَى) ، وَفِيهِ أَنَّ الْفَرْقَ الْمَطْلُوبَ هُنَا بَيْنَ الْوَطْءِ وَاللَّمْسِ لَا بَيْنَ الْوَطْءِ وَالتَّقْبِيلِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ التَّقْبِيلِ وُجُودُ اللَّمْسِ.
(١٠٩) قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ: ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، أَوْ الْإِفْرَادِ مُقْتَصِرًا عَلَى الطَّبَقَةِ الْأُولَى، أَوْ غَيْرَ مُقْتَصِرٍ فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ، وَالصُّورَةُ الرَّابِعَةُ، وَهِيَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي لَا خِلَافَ فِيهَا فِي دُخُولِ وَلَدِ الْبِنْتِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (انْتَهَى) وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ إطْلَاقٌ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا يَذْكُرُ صُورَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ صُورَةُ لَفْظِ الْإِفْرَادِ بِالْجَمْعِ وَالِاخْتِصَارِ عَلَى الطَّبَقَةِ الْأُولَى، ثُمَّ قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ أَيْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي ذَلِكَ.
стр. 224
فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الدُّخُولِ وَصُحِّحَ فَإِذَا وُلِدَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ رَجَعَ مِنْ وَلَدِ الِابْنِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةٌ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ ١١١ -، وَهَذَا فِي الْمُفْرَدِ. ١١٢ -
وَأَمَّا إذَا وَقَفَ، أَوْلَادَهُ، دَخَلَ النَّسْلُ كُلُّهُ كَذِكْرِ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ لَفْظَ الْوَلَدِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَأَنَّهُ لِلْعُرْفِ فِيهِ وَإِلَّا فَالْوَلَدُ مُفْرَدًا، أَوْ جَمْعًا حَقِيقَةٌ فِي الصُّلْبِ.
١١٣ -، وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يَشْتَرِي، أَوْ لَا يُؤَجِّرُ، أَوْ لَا يَسْتَأْجِرُ، أَوْ لَا يُصَالِحُ عَنْ مَالٍ، أَوْ لَا يُقَاسِمُ، أَوْ لَا يُخَاصِمُ أَوْ لَا يَضْرِبُ وَلَدَهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالتَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّهَا الْحَقِيقَةُ، وَهُوَ مَجَازٌ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ إلَى قَوْلِهِ: وَصُحِّحَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِسْعَافِ وَلَمْ يَعْزُهُ صَاحِبُ الْإِسْعَافِ، لَكِنْ رَأَيْت عَزْوَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. (١١١) قَوْلُهُ: وَهَذَا الْمُفْرَدُ إلَخْ. قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْوَلَدِ فِي صُورَةِ الذِّكْرِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ مَبْنِيًّا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، إذَا كَانَ اللَّفْظُ مَجْمُوعًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْهُمَامِ فِي أُصُولِهِ حَيْثُ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا مِنْ مَوَاضِعِ جَوَازِ الْجَمْعِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْأَبْنَاءَ وَالْآبَاءَ جَمْعٌ. (١١٢) قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا وَقَفَ أَوْلَادَهُ دَخَلَ النَّسْلُ كُلُّهُ إلَخْ قِيلَ عَلَيْهِ: لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيرٍ، فَإِنَّ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَا يُخَالِفُهُ ظَاهِرًا وَفِي الِاخْتِيَارِ: فِيهِ تَفْصِيلٌ وَلَفْظُهُ تَدْخُلُ الْبُطُونُ كُلُّهَا لِعُمُومِ اسْمِ الْأَوْلَادِ، لَكِنْ يَتَقَدَّمُ الْأَوَّلُ فَإِذَا انْقَرَضَ
(١١٣) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ إلَخْ. فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: حَلَفَ لَا يَكْتُبُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَكَتَبَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ سُلْطَانٌ لَا يَكْتُبَ بِنَفْسِهِ، لَا يَحْنَثُ (انْتَهَى) ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَحْنَثُ فِيهَا بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ، إلَّا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ نَوَى الْمُبَاشَرَةَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ الضَّابِطُ فِيمَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَفِيمَا لَا يَحْنَثُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ تَرْجِعُ
стр. 225
إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَا يُبَاشِرُ ذَلِكَ الْفِعْلَ كَالْقَاضِي وَالْأَمِيرِ فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ بِهِمَا ١١٥ -، وَإِنْ كَانَ يُبَاشِرُهُ مَرَّةً وَيُوَكِّلُ فِيهِ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ قَالَ فِي الْكَنْزِ بَعْدَهُ: مَا يَحْنَثُ بِهِ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ، وَالْخُلْعُ وَالْعِتْقُ، وَالْكِتَابَةُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ عَمْدٍ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْقَرْضُ وَالِاسْتِقْرَاضُ وَضَرْبُ الْعَبْدِ وَالذَّبْحُ، وَالْبِنَاءُ، وَالْخِيَاطَةُ، وَالْإِيدَاعُ وَالِاسْتِيدَاعُ، وَالْإِعَارَةُ وَالِاسْتِعَارَةُ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَقَبْضُهُ، وَالْكِسْوَةُ، وَالْحَمْلُ
، وَالْأَفْعَالُ، وَالْعُقُودُ فِي الْأَيْمَانِ هَلْ تَخْتَصُّ بِالصَّحِيحِ، أَوْ تَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ فَقَالُوا: ١١٦ - الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْحُقُوقُ فِيهِ لِلْمُبَاشِرِ، فَالْحَالِفُ لَا يَحْنَثُ بِمُبَاشَرَةِ الْمَأْمُورِ. (١١٤) قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَا يُبَاشِرُ ذَلِكَ، قِيلَ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَرِينَةً صَارِفَةً لِلْكَلَامِ إلَى الْمَجَازِ.
(١١٥) قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ يُبَاشِرُهُ مَرَّةً إلَخْ. هَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْقَاضِي خَانْ وَقِيلَ: يَنْظُرُ فِي الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَشْتَرِيَهَا بِنَفْسِهِ لِشَرَفِهَا لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَا بِوَكِيلٍ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ مِمَّا لَا يَشْتَرِيهَا بِنَفْسِهِ لِخِسَّتِهَا، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، يَحْنَثُ بِشِرَاءِ التَّوْكِيلِ كَمَا فِي الْكَافِي
قَوْلُهُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ إلَخْ. وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الصَّحِيحَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْإِعْفَافُ وَالتَّحْصِينُ وَذَلِكَ بِالْجَائِزِ وَلَهُ أَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، وَبَعْضُ الْمَقَاصِدِ مِنْ النِّكَاحِ حَاصِلٌ فِي الْفَاسِدِ كَالنَّسَبِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي حَقِّ لُزُومِ الْمَهْرِ وَفِي حَقِّ انْتِهَاءِ الْإِذْنِ بِالْعَقْدِ فَيَنْتَهِي بِهِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا لَا يَنْتَهِي، وَأَمَّا الْوُقُوفُ فَلَا يَنْتَهِي بِهِ اتِّفَاقًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِذْنِ لِلْعَبْدِ بِالنِّكَاحِ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّ التَّوْكِيلَ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ وَلَا يَنْتَهِي بِهِ اتِّفَاقًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهِ ثُبُوتُ الْحَمْلِ الْإِعْفَافُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَمَّا إذَا حَلَفَ
стр. 226
وَالتَّوْكِيلُ بِالنِّكَاحِ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَالْيَمِينُ عَلَى النِّكَاحِ إنْ كَانَتْ عَلَى الْمَاضِي تَتَنَاوَلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ لَا وَالْيَمِينُ عَلَى الصَّلَاةِ كَالْيَمِينِ عَلَى النِّكَاحِ، وَكَذَا عَلَى الْحَجِّ وَالصَّوْمِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَكَذَا عَلَى الْبَيْعِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ
، وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الْيَوْمَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالصَّحِيحِ قِيَاسًا وَيَتَقَيَّدُ بِهِ اسْتِحْسَانًا وَمِثْلُهُ لَا يَتَزَوَّجُ الْيَوْمَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ
، وَمِنْهَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ كَانَ ١١٧ - إقْرَارًا بِالْمِلْكِ لَهُ ١١٨ - حَتَّى لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا مَسْكَنُهُ لَمْ تُقْبَلْ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَوْلُهُ: فُلَانٌ سَاكِنٌ هَذِهِ الدَّارَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِكَوْنِهَا لَهُ بِخِلَافِ زَرْعِ فُلَانٍ، أَوْ غَرْسٍ، أَوْ بِنَاءٍ وَادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَجْرِ فَهِيَ لِلْمُقِرِّ
وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ حَنِثَ بِلَحْمِهَا؛ لِأَنَّهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَنَّهُ مَا تَزَوَّجَ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ، وَأَمَّا التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ فَيَتَنَاوَلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ فِي الْبَيْعِ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَأَطْلَقَ فِي الْإِذْنِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ أُذِنَ لَهُ فِي نِكَاحِ حُرَّةٍ، أَوْ أَمَةٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَاتِّفَاقِيٌّ.
(١١٧) قَوْلُهُ: إقْرَارًا بِكَوْنِهَا لَهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ مِنْ إضَافَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ إلَى مَفْعُولِهِ، وَكَانَ إفَادَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ أَنَّ لِلْفَرْدِ الْكَامِلِ سُكْنَى الْمِلْكِ فَانْصَرَفَ الْمِلْكُ إلَيْهِ.
(١١٨) قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا مَسْكَنُهُ لَمْ يُقْبَلْ لَا يُقَالُ: اللَّامُ فِيهَا لِلِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ يَعُمُّ الْمِلْكَ وَالسُّكْنَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْدِ الْكَامِلِ، وَهُوَ اخْتِصَاصُ الْمِلْكِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى غَيْرِهِ؛ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ حَقِيقَةً كَيْ يُفِيدَهُ جَعْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ جُزْئِيَّاتِ قَاعِدَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ
стр. 227
الْحَقِيقَةُ دُونَ لَبَنِهَا وَنِتَاجَهَا. ١١٩ -
بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ حَنِثَ بِثَمَرِهَا وَطَلْعِهَا ١٢٠ - لَا بِمَا اتَّصَلَ بِهِ صَنْعَةٌ حَادِثَةٌ كَالدِّبْسِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَمَرٌ حَنِثَ بِمَا أَكَلَهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ بِثَمَنِهَا
وَمِنْهَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَيْنِهَا لِلْإِمْكَانِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ خُبْزِهَا:
، وَمِنْهَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ ١٢١ - حَنِثَ بِالْكَرْعِ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ وَلَا يَحْنَثُ بِالشُّرْبِ بِيَدِهِ، أَوْ بِإِنَاءٍ بِخِلَافِ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ.
وَمِنْهَا، أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ عُتَقَاءُ وَلَهُمْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ إلَخْ. إنَّمَا حَنِثَ بِأَكْلِ ثَمَرِهَا، وَطَلْعِهَا لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ، فَيَصِيرُ إلَى الْمَجَازِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالْحَقِيقَةُ الْمُتَعَذِّرَةُ هِيَ مَا لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِمَشَقَّةِ، أَوْ مَا هُجِرَ، وَهِيَ مَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ النَّاسَ هَجَرُوهُ وَتَرَكُوهُ، مِثَالُ الْمُتَعَذِّرَةِ: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ النَّخْلَةَ وَالْمَجَازُ أَنْ يَأْكُلَ ثَمَرَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَمَرَةٌ فَقِيمَتَهَا، وَلَوْ تَكَلَّفَ وَأَكَلَ مِنْ عَيْنِهَا لَا يَحْنَثُ فِي الصَّحِيحِ، وَمِثَالُ الْمَهْجُورِ: لَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانِ فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ، وَهُوَ وَضْعُ الْقَدَمِ حَافِيًا وَلَكِنَّ النَّاسَ هَجَرُوهُ لِلْمَجَازِ فِيهِ الدُّخُولُ؛ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُسْتَعْمَلَةً، وَالْمَجَازُ مُتَعَارَفًا فَالْحَقِيقَةُ، أَوْلَى عِنْدَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا الْمَجَازُ الْمُتَعَارَفُ، أَوْلَى بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا يُطْلَبُ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ.
(١٢٠) قَوْلُهُ: لَا بِمَا اتَّصَلَ بِهِ صَنْعَةٌ حَادِثَةٌ، الْمُرَادُ بِالثَّمَرِ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ صَنْعَةٌ حَادِثَةٌ فَصَارَ حَقِيقَةً أُخْرَى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: كَالدِّبْسِ بَيَانٌ لِلْحَقِيقَةِ الْأُخْرَى الْحَاصِلَةِ بِاتِّصَالِ الصَّنْعَةِ الْحَادِثَةِ بِالثَّمَرِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِسَبَبِ اتِّصَالِ صَنْعَةٍ حَادِثَةٍ بِالثَّمَرِ
(١٢١) قَوْلُهُ: حَنِثَ بِالْكَرْعِ. الْكَرْعُ تَنَاوُلُ الْمَاءِ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرَبَ بِكَفِّهِ، أَوْ بِإِنَاءٍ، وَبَابُهُ خَضَعَ وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى مِنْ بَابِ فَهِمَ، كَذَا
стр. 228
عُتَقَاءُ اخْتَصَّتْ بِالْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّهُمْ مَوَالِيهِ حَقِيقَةً، وَالْآخَرُونَ مَجَازًا بِالتَّسَبُّبِ.
، وَمِنْهَا: أَوْصَى لِأَبْنَاءِ زَيْدٍ وَلَهُ صُلْبِيُّونَ وَحَفَدَةٌ ١٢٢ - فَالْوَصِيَّةُ لِلصُّلْبِيَّيْنِ وَنُقِضَ عَلَيْنَا الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ بِالْمُسْتَأْمِنِ عَلَى أَبْنَائِهِ لِدُخُولِ الْحَفَدَةِ، وَبِمَنْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ زَيْدٍ حَنِثَ بِالدُّخُولِ مُطْلَقًا، وَبِمَنْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى يَوْمِ قُدُومِ زَيْدٍ فَقَدِمَ لَيْلًا عَتَقَ، وَبِمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ زَيْدٍ عَمَّتْ النِّسْبَةُ لِلْمِلْكِ وَغَيْرِهِ ١٢٣ - وَبِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا فِيمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَجَبٍ نَاوِيًا لِلْيَمِينِ أَنَّهُ نَذَرَ يَمِينٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمَانَ لِحَقْنِ الدَّمِ الْمُحْتَاطِ فِيهِ فَانْتَهَضَ الْإِطْلَاقُ شُبْهَةً تَقُومُ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ فِيهِ، وَوَضْعُ الْقَدَمِ مَجَازٌ عَنْ الدُّخُولِ بِهِ فَعَمَّ، وَالْيَوْمُ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ كَانَ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وَالنَّهَارُ إذَا امْتَدَّ لِكَوْنِهِ مِعْيَارًا وَالْقُدُومُ غَيْرُ مُمْتَدٍّ فَاعْتُبِرَ مُطْلَقُ الْوَقْتِ، وَإِضَافَةُ الدَّارِ نِسْبَةٌ لِلسُّكْنَى، وَهِيَ عَامَّةٌ وَالنَّذْرُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الصِّيغَةِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ.
قَوْلُهُ أَوْ لَهُ صُلْبِيُّونَ وَحَفَدَةٌ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: الْحَفَدَةُ الْبَنَاتُ، وَقِيلَ: أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ (١٢٢) قَوْلُهُ: فَالْوَصِيَّةُ لِلصُّلْبِيِّينَ، وَنُقِضَ عَلَيْنَا الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ. (١٢٣) قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدً رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا إلَخْ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْمُسْتَأْمِنِ
стр. 229
وَالْيَمِينُ مِنْ الْمُوجِبِ فَإِنَّ إيجَابَ الْمُبَاحِ يَمِينٌ كَتَحْرِيمِهِ ١٢٥ - بِالنَّصِّ ١٢٦ - وَمَعَ الِاخْتِلَافِ لَا جَمْعَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. .
وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ: لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِرَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا الْحَقِيقَةُ بِخِلَافِ لَا يُصَلِّي؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُقَيِّدَهَا بِسَجْدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ آتِيًا بِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ، وَهَلْ يَحْنَثُ بِوَضْعِ الْجِهَةِ، أَوْ بِالرَّفْعِ؟ قَوْلَانِ هُنَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي كَمَا رَجَّحُوهُ فِي الصَّلَاةِ
، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْأَرْبَعِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّيه جَمَاعَةً لَمْ يَحْنَثْ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا أَتَى بِالْأَكْثَرِ
[خَاتِمَةٌ فِيهَا فَوَائِدُ فِي قَاعِدَةِ الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ]
[الأولي يُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَة الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ مَسَائِلُ]
خَاتِمَةٌ فِيهَا فَوَائِدُ فِي تِلْكَ الْقَاعِدَةِ أَعْنِي: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى تُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسَائِلُ: الْأُولَى الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ
الثَّانِيَةُ: إذَا وَجَدَ بَلَلًا وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مَنِيٌّ، أَوْ مَذْيٌ قَدَّمْنَا إيجَابَ الْغُسْلِ مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ.
الثَّالِثَةُ: وَجَدَ فَأْرَةً مَيِّتَةً وَلَمْ يَدْرِ مَتَى وَقَعَتْ وَكَانَ قَدْ تَوَضَّأَ مِنْهَا، قَدَّمْنَا وُجُوبَ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا مَعَ الشَّكِّ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْيَمِينُ مِنْ الْمُوجِبِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ إيجَابُ الْمُبَاحِ فَيَسْتَدْعِي تَحْرِيمَ ضِدِّهِ، وَأَنَّهُ يَمِينٌ فَكَانَ نَذْرًا بِصِيغَتِهِ يَمِينًا بِمُوجِبِهِ، كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ: تَمَلُّكٌ بِصِيغَتِهِ، تَحْرِيرٌ بِمُوجِبِهِ. (١٢٥) قَوْلُهُ: بِالنَّصِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ يَمِينٌ لَا بِتَحْرِيمٍ. (١٢٦) قَوْلُهُ: وَمَعَ الِاخْتِلَافِ لَا جَمْعَ، أَيْ لَا جَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لِأَنَّ النَّذْرَ مِنْ الصِّيغَةِ، وَالْيَمِينَ مِنْ الْمُوجِبِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا
стр. 230
الرَّابِعَةُ: قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ شَكَّ هَلْ كَبَّرَ لِلِافْتِتَاحِ، أَوْ لَا، أَوْ أَحْدَثَ أَوْ لَا، أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ، أَوْ لَا وَكَانَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَقْبَلَ.
الْخَامِسَةُ: أَصَابَتْ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ وَلَا يَدْرِي أَيَّ مَوْضِعٍ أَصَابَتْهُ، غَسَلَ الْكُلَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ.
السَّادِسَةُ: رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ، ثُمَّ تَغَيَّبَ عَنْ بَصَرِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَا يَدْرِي سَبَبَ مَوْتِهِ يَحْرُمُ مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ لَكِنْ شَرَطَ فِي الْكَنْزِ لِحُرْمَتِهِ أَنْ يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ، وَشَرَطَ قَاضِي خَانْ أَنْ يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
السَّابِعَةُ: لَوْ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ فَأْرَةً قَالُوا: إنْ شَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهَا الْمَاءَ يَتَنَجَّسُ كَشَارِبِ الْخَمْرِ إذَا شَرِبَ الْمَاءَ عَلَى فَوْرِهِ وَلَوْ مَكَثَتْ سَاعَةً، ثُمَّ شَرِبَتْ لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِاحْتِمَالِ غَسْلِهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَتَنَجَّسُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَزُولُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ كَالْحُكْمِيَّةِ:
وَهُنَا مَسَائِلُ تَحْتَاجُ إلَى الْمُرَاجَعَةِ وَلَمْ أَرَهَا الْآنَ: مِنْهَا ١٢٧ - شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ، أَوْ لَا؟ ، وَمِنْهَا: شَكَّ مُسَافِرٌ هَلْ نَوَى الْإِقَامَةَ، أَوْ لَا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ التَّرَخُّصُ بِالشَّكِّ ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: شَكَّ مُسَافِرٌ هَلْ نَوَى الْإِقَامَةَ إلَخْ.
أَقُولُ: مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَقَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ الْعَدَمُ أَنْ يَسْتَمِرَّ حُكْمُ السَّفَرِ مَعَ الشَّكِّ فِي الْوُصُولِ إلَى بَلَدِهِ، وَهَلْ نَوَى الْإِقَامَةَ، أَوْ لَا؟ قِيلَ: وَالْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ عِبَارَةِ
стр. 231
وَلَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ أَمُقِيمٌ، أَوْ مُسَافِرٌ صَلَّى أَرْبَعًا وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّانِيَةِ احْتِيَاطًا فَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ فِي نِيَّةِ الْإِقَامَةِ.
وَمِنْهَا: صَاحِبُ الْعُذْرِ إذَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِهِ فَصَلَّى بِطَهَارَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ.
، وَمِنْهَا: جَاءَ مِنْ قُدَّامِ الْإِمَامِ وَشَكَّ أَمُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَمِنْهَا: شَكَّ هَلْ سَبَقَ الْإِمَامَ بِالتَّكْبِيرِ، أَوْ لَا ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُومُ هَلْ سَبَقَ إمَامَهُ بِالتَّكْبِيرِ، أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَبَّرَ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَبَّرَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ ١٢٩ -، وَإِنْ اشْتَرَكَ الظَّنَّانِ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّدَادِ حَتَّى يَظْهَرَ الْخَطَأُ (انْتَهَى) . وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ الشَّكُّ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ
، وَمِنْهَا: مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ وَشَكَّ فِي قَضَائِهَا فَهِيَ سِتٌّ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: رَجُلٌ لَا يَدْرِي هَلْ فِي ذِمَّتِهِ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ أَمْ لَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْفَوَائِتَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا لَمْ يَدْرِ الرَّجُلُ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْفَوَائِتِ، أَوْ لَا ١٣٠ - الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فِي الْأَرْبَعِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
التَّتَارْخَانِيَّة فِيمَا لَمْ يَكُنْ سَفَرٌ مُحَقَّقٌ سَابِقٌ عَلَى شَكٍّ فِي الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ عَارَضَهُ عَدَمُ جَوَازِ الرُّخْصَةِ بِالشَّكِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀.
(١٢٨) قَوْلُهُ: وَلَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ أَمُقِيمٌ، أَوْ مُسَافِرٌ، وَقِيلَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ شَكُّهُ فِي ذَلِكَ أُجِيبَ بِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، كَأَحَدِ الْجُنْدِ إذَا لَمْ يَدْرِ هَلْ نَوَى أَمِيرُهُ الْإِقَامَةَ، أَوْ لَا لِأَنَّهُ تَابِعٌ.
قَوْلُهُ: وَإِنْ اشْتَرَكَ الظَّنَّانِ، كَأَنَّ الْمُرَادَ اسْتِوَاءُ الِاحْتِمَالَيْنِ.
قَوْلُهُ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ إلَخْ.
يَعْنِي لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ
стр. 232
الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ انْتَهَى.
(الْفَائِدَةُ) الثَّانِيَةُ الشَّكُّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ ١٣١ - وَالظَّنُّ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ وَهُوَ تَرْجِيحُ جِهَةِ الصَّوَابِ، وَالْوَهْمُ رُجْحَانُ جِهَةِ الْخَطَأِ، وَأَمَّا أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَغَالِبُ الظَّنِّ ١٣٢ - فَهُوَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ إذَا أَخَذَ بِهِ الْقَلْبُ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّامِشِيُّ فِي أُصُولِهِ ١٣٣ - وَحَاصِلُهُ ١٣٤ - أَنَّ الظَّنَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْفَوَائِتِ فَيَقَعُ عَنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فَتُؤْخَذُ فِيهَا الْفَاتِحَةُ وَالسُّورَةُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ سَقَطَ مَا قِيلَ: لَعَلَّهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الظُّهْرِ وَمَا بَعْدَهُ بِحَذْفِ لَفْظَةِ سُنَّةٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ ذَاتَ الْأَرْبَعِ يَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ، بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةَ كَذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ يَنْوِي السُّنَّةَ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ إذْ الْفَرِيضَةُ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ السُّنَّةِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَنْوِي بِهَا الْفَرِيضَةَ مَعَ الْقِرَاءَاتِ فِي الْكُلِّ.
[الثَّانِيَةُ الشَّكُّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ]
(١٣١) قَوْلُهُ: وَالظَّنُّ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ إلَخْ. قِيلَ: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِجِهَةِ الصَّوَابِ مُطَابِقَةَ الْقَوَاعِدِ وَبِجِهَةِ الْخَطَأِ عَدَمَهَا، فَإِنَّ الظَّنَّ حِينَئِذٍ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ الْمُطَابِقُ، كَمَا أَنَّ الْوَهْمَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ الْغَيْرُ الْمُطَابِقِ، وَسَكَتَ عَنْ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ الْمُطَابِقِ مُطْلَقًا، وَغَيْرِ الْمُطَابِقِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْوَهْمَ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ مُطْلَقًا.
(١٣٢) قَوْلُهُ: فَهُوَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ إذَا أَخَذَ بِهِ الْقَلْبُ. قِيلَ: إنْ أَرَادَ بِأَخْذِ الْقَلْبِ الْجَزْمَ فَهُوَ يُنَافِي كَوْنَهُ رَاجِحًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَقْصَى مَرَاتِبِ الظَّنِّ بِحَيْثُ يَقْرُبُ مِنْ مَرْتَبَةِ الْجَزْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(١٣٣) قَوْلُهُ: وَحَاصِلُهُ، أَيْ مَا ذَكَرَهُ اللَّامِشِيُّ فِي أُصُولِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّامِشِيُّ (١٣٤) قَوْلُهُ: إنَّ الظَّنَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ. قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ
стр. 233
مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ التَّرَدُّدَ بَيْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ اسْتَوَيَا، أَوْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا، وَكَذَا قَالُوا فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْف دِرْهَمٍ فِي ظَنِّي لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لِلشَّكِّ (انْتَهَى) .
وَغَالِبُ الظَّنِّ عِنْدَهُمْ مُلْحَقٌ بِالْيَقِينِ، وَهُوَ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ تَصَفَّحَ كَلَامَهُمْ فِي الْأَبْوَابِ، صَرَّحُوا فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ بِأَنَّ الْغَالِبَ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَصَرَّحُوا فِي الطَّلَاقِ بِأَنَّهُ إذَا ظَنَّ الْوُقُوعَ لَمْ يَقَعْ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَقَعَ
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ فِي الِاسْتِصْحَابِ ١٣٦ -، وَهُوَ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ أَمْرٍ مُحَقَّقٍ لَمْ يُظَنَّ عَدَمُهُ وَاخْتُلِفَ فِي حُجِّيَّتِهِ فَقِيلَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا وَنَفَاهُ كَثِيرٌ مُطْلَقًا وَاخْتَارَ الْفُحُولُ الثَّلَاثَةُ أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يُقَالَ: إنَّ الظَّنَّ قَدْ يُطْلَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْ التَّرَدُّدِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَرَجَّحُ بِوَجْهٍ مَا ثُمَّ يَزُولُ التَّرَجُّحُ بِمُعَارِضٍ لَهُ، فَسَمَّوْهُ ظَنًّا بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْحَالِ وَبَنَوْا عَلَيْهِ الْحُكْمَ فِي الْمَالِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَكَلَامِهِمْ فِي الْفُرُوعِ، وَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِأَنَّهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مُطْلَقًا مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ تَرْكُهُمْ اسْتِعْمَالَهُ بِمَعْنَى الطَّرَفِ الرَّاجِحِ أَصْلًا فَتَأَمَّلْ.
(١٣٥) قَوْلُهُ: مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ إلَخْ. وَعَلَيْهِ فَالشَّكُّ أَعَمُّ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الشَّكَّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ عِنْدَ غَيْرِ الْفُقَهَاءِ كَالْمَعْقُولِينَ
[الثَّالِثَةُ فِي الِاسْتِصْحَابِ]
قَوْلُهُ: وَهُوَ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ إلَخْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ أَمْرٍ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَهَذَا يَشْتَمِلُ نَوْعَيْهِ، وَهُمَا جَعْلُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي الْمَاضِي مُصَاحِبًا لِلْحَالِ، أَوْ جَعْلُ الْحَالِ مُصَاحِبًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ.
стр. 234
حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا ١٣٨ -؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ الْأَصْلِيِّ ١٣٩ -؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ مُوجِبَ بَقَائِهِ فَالْحُكْمُ بِبَقَائِهِ بِلَا دَلِيلٍ، كَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَمِمَّا فُرِّعَ عَلَيْهِ الشِّقْصُ إذَا بِيعَ مِنْ الدَّارِ وَطَلَبَ الشَّرِيكُ الشُّفْعَةَ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي مِلْكَ الطَّالِبِ فِيمَا فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ لَهُ وَلَا شُفْعَةَ لَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَمِنْهَا: الْمَفْقُودُ لَا يَرِثُ عِنْدَنَا وَلَا يُورَثُ وَقَدَّمْنَا فُرُوعًا مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ فِي قَاعِدَةِ أَنَّ الْحَادِثَ يُضَافُ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ.
وَفِي إقْرَارِ الْبَزَّازِيَّةِ: ١٤٠ - صَبَّ دُهْنًا لِإِنْسَانٍ عِنْدَ الشُّهُودِ فَادَّعَى مَالِكُهُ الضَّمَانَ فَقَالَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ أَيْ لِدَفْعِ إلْزَامِ الْغَيْرِ لَا لِإِلْزَامِ الْغَيْرِ. (١٣٨) قَوْلُهُ: لِأَنَّ الدَّفْعَ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ الِاسْتِصْحَابِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا لَا فِي الدَّفْعِ وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ، فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الدَّفْعَ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ الْأَصْلِيِّ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ حُجِّيَّتِهِ، فِي الدَّفْعِ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ مُوجِبَ بَقَائِهِ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ حُجِّيَّتِهِ فِي الْإِثْبَاتِ (١٣٩) قَوْلُهُ: لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُجُودِ إلَخْ، أَيْ الْمُثْبِتُ لِحُكْمٍ فِي الشُّرُوعِ لَا يُوجِبُ بَقَاءَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الْإِثْبَاتُ، وَالْبَقَاءُ غَيْرُ الثُّبُوتِ، فَلَا يَثْبُتَ بِهِ الْبَقَاءُ كَالْإِيجَادِ لَا يُوجِبُ الْبَقَاءَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الْوُجُودُ لَا غَيْرُ، يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْإِيجَادُ عِلَّةً لِلْوُجُودِ لَا لِلْبَقَاءِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْبَقَاءُ حَتَّى صَحَّ الْإِفْنَاءُ بَعْدَ الْإِيجَادِ، وَلَوْ كَانَ الْإِيجَادُ مُوجِبًا لِلْبَقَاءِ كَمَا كَانَ مُوجِبًا لِلْوُجُودِ لَمَّا تُصُوِّرَ الْإِفْنَاءُ بَعْدَ الْإِيجَادِ لِاسْتِحَالَةِ الْفَنَاءِ مَعَ الْبَقَاءِ، وَلَمَّا صَحَّ الْإِفْنَاءُ عُلِمَ أَنَّ الْإِيجَادَ لَا يُوجِبُ الْبَقَاءَ.
قَوْلُهُ: صَبَّ دُهْنًا لِإِنْسَانٍ إلَخْ. قِيلَ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الدُّهْنَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الدُّهْنَ الْمُنَجَّسَ مَالٌ بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهِ فَهُوَ مَالٌ قَابِلٌ لِلتَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ
стр. 235
كَانَتْ نَجِسَةً لِوُقُوعِ فَأْرَةٍ فِيهَا فَالْقَوْلُ لِلصَّابِّ ١٤١ - لِإِنْكَارِهِ الضَّمَانَ ١٤٢ - وَالشُّهُودُ يَشْهَدُونَ عَلَى الصَّبِّ لَا عَدَمِ النَّجَاسَةِ
، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ لَحْمَ طَوَّافٍ فَطُولِبَ بِالضَّمَانِ فَقَالَ: كَانَتْ مَيْتَةً فَأَتْلَفْتهَا لَا يُصَدَّقُ وَلِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ لَحْمٌ ذَكِيٌّ بِحُكْمِ الْحَالِ. قَالَ الْقَاضِي لَا يَضْمَنُ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَسْأَلَةِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ، وَهِيَ: أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا فَلَمَّا طُلِبَ مِنْهُ الْقِصَاصَ قَالَ: كَانَ ارْتَدَّ، أَوْ قَتَلَ أَبِي فَقَتَلْته قِصَاصًا، أَوْ لِلرِّدَّةِ لَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
فَيَكُونُ مَالًا مَعْصُومًا، وَنَقَلَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، الضَّمَانَ حَيْثُ قَالَ: أَرَاقَ زَيْتَ مُسْلِمٍ، أَوْ سَمْنَهُ وَقَدْ وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ (انْتَهَى) .
وَهُوَ تَنَاقُضٌ بِحَسْبِ الظَّاهِرِ وَالْجَوَابُ يُحْمَلُ الضَّمَانُ الْمَنْفِيُّ عَلَى ضَمَانِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إذْ هُوَ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ، وَحُمِلَ الضَّمَانُ الْمُثْبَتُ عَلَى ضَمَانِ الْقِيمَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا تَقْيِيدٌ حَسَنٌ لِقَوْلِهِمْ: الْمِثْلِيُّ مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ، أَوْ وَزْنٌ أَيْ وَكَانَ عَلَى صِفَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ الطَّهَارَةِ فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا بِالنَّجَسِ صَارَ قِيَمِيًّا كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْبَزَّازِيَّةِ ثَانِيًا وَفِي فُصُولِ الْعَلَّامِيِّ: وَإِنْ أَتْلَفَ زَيْتَ غَيْرِهِ فِي السُّوقِ، أَوْ سَمْنَهُ، أَوْ خَلَّهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَتْلَفْته لِكَوْنِهِ نَجِسًا؛ لِأَنَّهُ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الزَّيْتَ الْمُنَجَّسَ وَنَحْوُهُ قَدْ يُبَاعُ فِي السُّوقِ، وَإِنْ أَتْلَفَ لَحْمَ قَصَّابٍ فِي السُّوقِ وَقَالَ: أَتْلَفْته لِكَوْنِهِ مَيْتَةً ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَا تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَجَازَ لِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى أَنَّهَا ذَكِيَّةٌ.
(١٤١) قَوْلُهُ: لِإِنْكَارِهِ الضَّمَانَ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ فُرُوعِ الْعَمَلِ بِالِاسْتِصْحَابِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّمَانِ فَيُدْفَعُ بِهِ دَعْوَى الْمِلْكِ.
(١٤٢) قَوْلُهُ: وَالشُّهُودُ يَشْهَدُونَ عَلَى الصَّبِّ كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ يُتَوَهَّمُ وُرُودُهُ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الضَّمَانَ يَكُونُ مُسْتَنِدًا إلَى شَهَادَةِ الشُّهُودِ فَدُفِعَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِعَدَمِ النَّجَاسَةِ شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ
стр. 236
يُسْمَعُ، فَأَجَابَ وَقَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَ لَأَدَّى إلَى فَتْحِ بَابِ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُ وَيَقُولُ: كَانَ الْقَتْلُ كَذَلِكَ وَأَمْرُ الدَّمِ عَظِيمٌ فَلَا يُهْمَلُ بِخِلَافِ الْمَالِ فَإِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّمِ أَهْوَنُ حَتَّى حُكِمَ فِي الْمَالِ بِالنُّكُولِ ١٤٣ - وَفِي الدَّمِ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ، أَوْ يَحْلِفَ وَاكْتُفِيَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَالِ وَبِخَمْسِينَ يَمِينًا فِي الدَّمِ (انْتَهَى) ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَفِي الدَّم يُحْبَسُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَالِ، وَحِينَئِذٍ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: وَفِي الدَّمِ بِالْحَبْسِ أَيْ لَا بِالنُّكُولِ، قَالَ ابْنُ الدَّبَرِيِّ فِي تَكْمِلَتِهِ لِشَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَظَاهِرُ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّهُ فِي حَبْسِهِ لَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى لِيَأْتِيَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْيَمِينِ، وَفِي الْبَيَانِيَّةِ مِثْلُهُ، أَوْ أَصْرَحُ كَذَا فِي الرَّمْزِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُدْسِيِّ.
стр. 237
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ)
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ١ - (وَفِي حَدِيثِ «أَحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ التَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا سَبْعَةٌ: ٢ - الْأَوَّلُ السَّفَرُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: ٣ - مِنْهُ مَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا، وَهُوَ الْقَصْرُ، وَالْفِطْرُ، وَالْمَسْحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ٤ - وَسُقُوطُ الْأُضْحِيَّةُ عَلَى مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
وَالثَّانِي مَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ، مُطْلَقُ الْخُرُوجِ عَنْ الْمِصْرِ، وَهُوَ تَرْكُ الْجُمُعَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ]
قَوْلُهُ: وَفِي الْحَدِيثِ «أَحَبُّ الدِّينِ» الْحَدِيثَ إلَخْ. هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ. (٢)
قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ السَّفَرُ، قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَقَعَتْ حَادِثَةٌ فِي عَهْدِنَا، وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ خُرُوجُهُ بِالنِّيَّةِ، أَوْ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْخُرُوجِ مِنْ مِصْرِهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَتَى خَرَجَ قَاصِدًا لِلسَّفَرِ وَجَاوَزَ عِمْرَانَ مِصْرِهِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ حَتَّى جَازَ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ، كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فَلَا يَحْنَثُ وَلَوْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ.
(٣) قَوْلُهُ: مِنْهُ مَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ إلَخْ. الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: الْأَوَّلُ مِنْهُ حَتَّى يُحْسِنَ مُقَابَلَتَهُ لِقَوْلِهِ، وَالثَّانِي مَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ. (٤) قَوْلُهُ: وَسُقُوطُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِثْلُهُ فِي السِّرَاجِ وَالنِّهَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ، قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَلَكِنْ قَدْ حَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلَهُ ﵇ -
стр. 238
وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالنَّفَلُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَجَوَازُ التَّيَمُّمِ، وَاسْتِحْبَابُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَالْقَصْرُ لِلْمُسَافِرِ عِنْدَنَا رُخْصَةُ إسْقَاطٍ بِمَعْنَى الْعَزِيمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْإِتْمَامَ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا حَتَّى أَثِمَ بِهِ وَفَسَدَتْ لَوْ أَتَمَّ وَلَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَنْوِ إقَامَتَهُ قُبَيْلَ سُجُودِ الثَّالِثَةِ.
٥ - الثَّانِي: الْمَرَضُ؛ وَرُخَصُهُ كَثِيرَةٌ: التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوِهِ، أَوْ مِنْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ، أَوْ بُطْئِهِ، ٦ -، وَالْقُعُودُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالِاضْطِجَاعُ فِيهَا، وَالْإِيمَاءُ، وَالتَّخَلُّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ مَعَ حُصُولِ الْفَضِيلَةِ، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ لِلشَّيْخِ الْفَانِي مَعَ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمُعْتَكَفِ، وَالِاسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَإِبَاحَةُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
«لَيْسَ عَلَى الْفَقِيرِ وَالْمُسَافِرِ أُضْحِيَّةٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَلْدَةٍ، أَوْ قَرْيَةٍ حَتَّى تَسْقُطَ الْأُضْحِيَّةُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ» .
قَوْلُهُ: الثَّانِي الْمَرَضُ إلَخْ. الْمَرَضُ: حَالَةٌ لِلْبَدَنِ يَزُولُ بِهَا اعْتِدَالُ الطَّبِيعَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْحُكْمِ، أَيْ أَهْلِيَّةَ وُجُوبِ الْحُكْمِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُخِلُّ بِالْعَقْلِ وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ؛ فَلِذَا صَحَّ نِكَاحُ الْمَرِيضِ، وَالْمَرَضُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ صِيَانَةً لِحَقِّ الْوَارِثِ، وَهُوَ الثُّلُثَانِ، وَحَقِّ الْغَرِيمِ، وَهُوَ قَدْرُ الدَّيْنِ إذَا اتَّصَلَ الْمَرَضُ بِالْمَوْتِ مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِهِ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِوَارِثِهِ وَلَا وَصِيَّتُهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَيُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ عَلَى دَيْنٍ أَقَرَّ بِهِ فِيهِ.
(٦) قَوْلُهُ: وَالْقُعُودُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ إلَخْ. فِي التُّمُرْتَاشِيِّ نَقْلًا عَنْ الْإِيضَاحِ: لَوْ قَضَى فِي الصِّحَّةِ فَعَلَ كَمَا يَفْعَلُهُ الْأَصِحَّاءُ، وَفِي الْإِسْبِيجَابِيِّ: لَوْ قَضَى فِي الْمَرَضِ فَائِتَةً فِي الصِّحَّةِ بِالتَّيَمُّمِ، أَوْ بِالْإِيمَاءِ جَازَ.
стр. 239
مَعَ الْفِدْيَةِ، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ وَبِالْخَمْرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاخْتَارَ قَاضِي خَانْ عَدَمَهُ وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ إذَا غَصَّ بِهَا اتِّفَاقًا، وَإِبَاحَةُ النَّظَرِ لِلطَّبِيبِ حَتَّى الْعَوْرَةِ وَالسَّوْأَتَيْنِ، الثَّالِثُ: الْإِكْرَاهُ.
٧ - الرَّابِعُ: النِّسْيَانُ. الْخَامِسُ الْجَهْلُ وَسَيَأْتِي لَهَا مَبَاحِثُ
السَّادِسُ: الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى؛ كَالصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا كَمَا دُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ مِنْ مُخَفَّفَةٍ ٨ - وَقَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ، وَنَجَاسَةُ الْمَعْذُورِ الَّتِي تُصِيبُ ثِيَابَهُ وَكَانَ كُلَّمَا غَسَلَهُ خَرَجَتْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: الرَّابِعُ النِّسْيَانُ وَهُوَ عَدَمُ اسْتِحْضَارِ الشَّيْءِ وَقْتَ الْحَاجَةِ، فَيَشْمَلُ السَّهْوَ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ، فَإِنَّ اللُّغَةَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ لِكَمَالِ الْعَقْلِ وَلَيْسَ عُذْرًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَفِي حُقُوقِهِ تَعَالَى عُذْرٌ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ، أَمَّا الْحُكْمُ فَإِنْ كَانَ مَعَ مُذَكِّرٍ وَلَا دَاعِيَ إلَيْهِ كَأَكْلِ الْمُصَلِّي فَلَا يَسْقُطُ الْحُكْمُ لِتَقْصِيرِهِ، بِخِلَافِ سَلَامِهِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، أَوْ لَا مُذَكِّرَ مَعَ دَاعٍ كَأَكْلِ الصَّائِمِ فَيَسْقُطُ الْحُكْمُ، وَكَالتَّسْمِيَةِ فِي الذَّبِيحَةِ فَإِنَّ ذَبْحَ الْحَيَوَانِ يُوجِبُ هَيْبَةً وَخَوْفًا لِنُفُورِ الطَّبْعِ، فَتَكْثُرُ الْغَفْلَةُ عَنْ التَّسْمِيَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِالْخَوْفِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ غَيْرُ عَفْوٍ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: لَوْ نَسِيَ الْمُحْدِثُ غَسْلَ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَمِنْهَا لَوْ صَلَّى قَاعِدًا مُتَوَهِّمًا عَجْزَهُ عَنْ الْقِيَامِ نَاسِيًا قُدْرَتَهُ عَلَى الْقِيَامِ وَمِنْهَا إذَا حَكَمَ الْحَكَمَ بِالْقِيَاسِ نَاسِيًا النَّصَّ، وَمِنْهَا لَوْ نَسِيَ الرَّقَبَةَ فِي الْكَفَّارَةِ فَصَامَ، وَمِنْهَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ نَاسِيًا، وَمِنْهَا لَوْ فَعَلَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ نَاسِيًا.
(٨) قَوْلُهُ: وَقَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ، الْمُرَادُ بِالدِّرْهَمِ الْمِثْقَالُ وَعَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ دِرْهَمٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَقِيلَ: قَدْرُ الدِّرْهَمِ كَعَرْضِ الْكَفِّ، وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، أَيْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بَسْطُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ، وَهُوَ قَدْرُ عُرْضِ الْكَفِّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ وَوَفَّقَ الْهِنْدُوَانِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ رِوَايَةَ الْمِسَاحَةِ فِي الرَّقِيقِ كَالْبَوْلِ، وَرِوَايَةَ الْوَزْنِ فِي الثَّخِينِ وَاخْتَارَ هَذَا التَّوْفِيقَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ لِأَنَّ إعْمَالَ الرِّوَايَتَيْنِ إذَا أَمْكَنَ، أَوْلَى
стр. 240
وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ، وَالْبَقِّ فِي الثَّوْبِ، وَإِنْ كَثُرَ، وَبَوْلٌ تَرَشَّشَ عَلَى الثَّوْبِ قَدْرَ رُءُوسِ الْإِبَرِ
١٠ - وَطِينُ الشَّوَارِعِ وَأَثَرُ نَجَاسَةٍ عَسُرَ زَوَالُهُ
١١ - وَبَوْلُ سِنَّوْرٍ فِي غَيْرِ أَوَانِي الْمَاءِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ١٢ -، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ فِي الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخُرْءِ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ، وَإِنْ كَثُرَ، وَخُرْءِ الطُّيُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي رِوَايَةٍ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً
١٣ - وَرِيقُ النَّائِمِ مُطْلَقًا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَأَفْوَاهُ الصِّبْيَانِ وَغُبَارُ السِّرْقِينِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
خُصُوصًا مَعَ مُنَاسَبَةِ هَذَا التَّوْزِيعِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ وَقْتُ الْإِصَابَةِ فَلَوْ كَانَ دُهْنًا نَجِسًا قُدِّرَ الدِّرْهَمُ وَقْتَ الْإِصَابَةِ فَانْبَسَطَ فَصَارَ أَكْثَرَ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ فِي اخْتِيَارِ الْمَرْغِينَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَمُخْتَارُ غَيْرِهِمْ الْمَنْعُ، وَلَوْ صَلَّى قَبْلَ انْبِسَاطِهِ جَازَتْ، وَبَعْدَهُ لَا، وَبِهِ أَخَذَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا فِي السِّرَاجِ.
(٩) قَوْلُهُ: وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ، فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ نَجِسَةً مَعْفُوًّ عَنْهَا، وَإِنَّمَا هِيَ طَاهِرَةٌ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقَعْ الِاتِّفَاقُ عَلَى طَهَارَتِهَا كَمَا يَعْرِفُهُ مَنْ اطَّلَعَ عَلَى كَلَامِهِمْ فِي الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ ذَكَرَهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ تَبَعًا لِمَا هُوَ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ.
(١٠) قَوْلُهُ: وَطِينُ الشَّوَارِعِ أَطْلَقَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: مَشَى فِي الطِّينِ فَأَصَابَهُ، لَا يَجِبُ فِي الْحُكْمِ غَسْلُهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَثَرَ النَّجَاسَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الصَّلَاةِ غَسْلُهُ.
(١١) قَوْلُهُ: وَبَوْلُ سِنَّوْرٍ فِي الْقَامُوسِ: الْهِرَّةُ السِّنَّوْرُ وَفِي مُخْتَصَرِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ السِّنَّوْرُ وَاحِدٌ، وَالْجَمْعُ السَّنَانِيرُ، حَيَوَانٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِدَفْعِ الْفَأْرَةِ. (١٢)
قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ فِي الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ إلَخْ أَيْ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْعَفْوَ عَنْ بَوْلِهَا بِالْأَوَانِي، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْعَفْوَ عَنْ بَوْلِ الْفَأْرَةِ أَصْلًا حَتَّى يَسُوغَ نَقْلُ الْإِطْلَاقِ فِيهِ.
(١٣) قَوْلُهُ: وَرِيقُ النَّائِمِ مُطْلَقًا، هَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ تَفْصِيلٍ سَابِقٍ وَلَا
стр. 241
وَقَلِيلُ الدُّخَانِ النَّجِسِ، وَمَنْفَذُ الْحَيَوَانِ،
، ١٥ - وَالْعَفْوُ عَنْ الرِّيحِ، وَالْفُسَاءِ، إذَا أَصَابَ السَّرَاوِيلَ الْمُبْتَلَّةَ، وَالْمَقْعَدَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَكَانَ الْحَلْوَانِيُّ لَا يُصَلِّي فِي سَرَاوِيلِهِ، وَلَا تَأْوِيلَ لِفِعْلِهِ إلَّا التَّحَرُّزُ مِنْ الْخِلَافِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُنَا بِأَنَّ النَّارَ مُطَهِّرَةٌ لِلرَّوْثِ، وَالْعَذِرَةِ، فَقُلْنَا بِطَهَارَةِ رَمَادِهِمَا تَيْسِيرًا، وَإِلَّا لَزِمَتْ نَجَاسَةُ الْخُبْزِ فِي غَالِبِ الْأَمْصَارِ،
١٦ - وَمِنْ ذَلِكَ طَهَارَةُ بَوْلِ الْخُفَّاشِ وَخُرْئِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
لَاحِقٍ، حَتَّى قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْبُرْهَانِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ: الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ طَاهِرٌ، وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ إنْ جَفَّ وَبَقِيَ لَهُ أَثَرٌ أَيْ رِيحٌ، أَوْ لَوْنٌ بِأَنْ كَانَ مُنْتِنًا، أَوْ أَصْفَرَ فَهُوَ نَجِسٌ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُهُ مِنْ الْبَلْغَمِ، وَهُوَ طَاهِرٌ مُطْلَقًا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ مَا كَانَ مُتَغَيِّرًا، فَالظَّاهِرُ كَوْنُهُ مِنْ الْمَعِدَةِ وَمَا خَرَجَ مِنْهَا نَجِسٌ، وَاسْتَثْنَاهُمَا الْبَلْغَمُ لِلزَّوْجَةِ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرْحَةٍ وَنَحْوِهَا أَيْضًا، وَقَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ: هُوَ طَاهِرٌ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ الْجَوْفِ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا فِي الْمُحِيطِ، فَإِنَّ تَغَيُّرَ اللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْجَوْفِ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ قُرْحَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا فَلَا خَفَاءَ فِي نَجَاسَتِهِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ
(١٤) قَوْلُهُ: وَقَلِيلُ الدُّخَانِ النَّجِسِ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ.
(١٥) قَوْلُهُ: وَالْعَفْوُ عَنْ الرِّيحِ وَالْفُسَاءِ عَطْفٌ عَلَى الرِّيحِ، عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْعَفْوِ الْمُقْتَضِي لِلنَّجَاسَةِ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ، وَالصَّحِيحُ طَهَارَةُ عَيْنِهَا. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: عَفَى عَنْ كَذَا، وَكَذَا أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ مَعَ أَنَّ مَظِنَّةَ النَّجَاسَةِ لِانْتِفَائِهِ عَنْهَا.
(١٦) قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ طَهَارَةُ بَوْلِ الْخُفَّاشِ هُوَ كَرُمَّانِ الْوَطْوَاطِ سُمِّيَ بِهِ لِصِغَرِ عَيْنِهِ وَضَعْفِ بَصَرِهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَيُقَالُ لَهُ الْخَطَّافُ لِأَنَّهُ يَخْطَفُ الْبَعُوضَ، وَهُوَ طَعَامُهُ كَمَا قَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ.
فِيهِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ. قَالَ: وَلَا بَوْلَ لِغَيْرِهَا مِنْ
стр. 242
، وَالْبَعْرُ إذَا وَقَعَ فِي الْمِحْلَبِ وَرُمِيَ قَبْلَ التَّفَتُّتِ، وَتَخْفِيفُ نَجَاسَةِ الْأَرْوَاثِ عِنْدَهُمَا، وَمَا يُصِيبَ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارَاتِ النَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا يُصِيبُهُ مِمَّا سَالَ مِنْ الْكَنِيفِ، مَا لَمْ يَكُنْ أَكْبَرُ رَأْيِهِ النَّجَاسَةَ
وَمَاءُ الطَّابَقِ اسْتِحْسَانًا، وَصُورَتُهُ: أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ فِي بَيْتٍ فَأَصَابَ مَاءُ الطَّابَقِ ثَوْبَ ١٨ - إنْسَانٍ، وَكَذَا الْإِصْطَبْلُ إذَا كَانَ حَارًّا، أَوْ عَلَى كُوَّتِهِ طَابَقٌ، أَوْ بَيْتُ بَالُوعَةٍ إذَا كَانَ عَلَيْهِ طَابَقٌ وَتَقَاطَرَ مِنْهُ، وَكَذَا الْحَمَّامُ إذَا أُهْرِيقَ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَعَرِقَ حِيطَانُهَا وَكُوَّتُهَا وَتَقَاطَرَ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الْإِصْطَبْلِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ فِيهِ مَاءٌ فَتَرَشَّحَ فِي أَسْفَلِ الْكُوزِ.
١٩ - وَالْقَوْلُ بِطَهَارَةِ الْمِسْكِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ دَمًا،
ــ
[غمز عيون البصائر]
الطُّيُورِ، وَبَوْلُ سَائِرِ الطُّيُورِ الْبِلَّةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ خَرْئِهَا (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى مَا فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى لِمَا إذَا يُعْتَبَرُ الْخُرْءُ فَتَأَمَّلْ
(١٧) . قَوْلُهُ: وَالْبَعْرُ إذَا وَقَعَ فِي الْمِحْلَبِ فَدُفِعَ فِي الْحَالِ، يَعْنِي إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ اللَّبَنُ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَ التَّفَتُّتِ.
(١٨) قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الْإِصْطَبْلِ كُوزٌ إلَخْ، فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ الْحَلَبِيِّ بَعْدَ كَلَامٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الْإِصْطَبْلِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ فِيهِ مَاءٌ فَرَشَحَ مِنْ أَسْفَلِ الْكُوزِ، فِي الْقِيَاسِ يَكُونُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ فِي أَسْفَلِ الْكُوزِ صَارَ نَجِسًا بِبُخَارِ الْإِصْطَبْلِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّ الْكُوزَ طَاهِرٌ، وَالْمَاءَ الَّذِي فِيهِ طَاهِرٌ فَمَا تَرَشَّحَ مِنْهُ يَكُونُ طَاهِرًا
(١٩) قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ بِطَهَارَةِ الْمِسْكِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: قَوْلُنَا بِأَنَّ النَّارَ مُطَهِّرَةٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَعَيْنُ الْمِسْكِ قَالُوا: يَجُوزُ أَكْلُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ دَمٌ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ تَعْلِيلًا (انْتَهَى) . وَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الْمَسْأَلَةَ مُعَلَّلَةٌ، فَقَدْ قَالَ فِي النَّجَاتِيَّةِ
стр. 243
وَالزَّبَادِ، وَإِنْ كَانَ عَرَقَ حَيَوَانٍ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، وَالتُّرَابِ الطَّاهِرِ إذَا جُعِلَ طِينًا بِالْمَاءِ النَّجِسِ، أَوْ عَكْسُهُ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلطَّاهِرِ أَيُّهُمَا كَانَ
٢١ - وَمَا تَرَشَّشَ عَلَى الْغَاسِلِ مِنْ غُسَالَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَمَا رُشَّ بِهِ السُّوقُ إذَا ابْتَلَّ بِهِ قَدَمَاهُ، وَمَوَاطِئِ الْكِلَابِ وَالطِّينِ الْمُسَرْقَنِ وَرَدْغَةِ الطَّرِيقِ، وَمَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُزِيلٍ، حَتَّى لَوْ نَزَلَ الْمُسْتَنْجِي بِهِ فِي مَاءٍ نَجِسَةٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ مَائِعٍ قَالِعٍ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لِلصِّبْيَانِ لِلتَّعَلُّمِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ فِي الْحَضَرِ لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ نَزْعُهُ لِلْغَسْلِ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ
٢٢ -، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ وَلَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْمِسْكُ حَلَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ يُؤْكَلُ فِي الطَّعَامِ وَيُجْعَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمِسْكَ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَمًا فَقَدْ تَغَيَّرَ فَيَصِيرُ طَاهِرًا كَرَمَادِ الْعَذِرَةِ (انْتَهَى) .
وَالْمُرَادُ بِالتَّغَيُّرِ الِاسْتِحَالَةُ إلَى طِيبٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا قَالَ: حَلَالٌ دُونَ طَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ الْحِلُّ كَمَا فِي التُّرَابِ بِخِلَافِ الْكَعْسِ، وَبِمَا قَالَهُ قَاضِي خَانْ عُلِمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُعَلَّلَةٌ (٢٠)
قَوْلُهُ: وَالزَّبَادِ عَطْفٌ عَلَى الْمِسْكِ، وَإِنَّمَا كَانَ طَاهِرًا لِاسْتِحَالَتِهِ إلَى الطِّبِّ
(٢١) قَوْله: وَمَا تَرَشَّشَ عَلَى الْغَاسِلِ إلَخْ. فِي السِّرَاجِ: الْمَيِّتُ إنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَهِيَ طَاهِرَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ
(٢٢) قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا انْفَصَلَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَقِيلَ: الْمُسْتَعْمَلُ مَا زَالَ عَنْ الْبَدَنِ وَاسْتَقَرَّ فِي مَكَان مِنْ أَرْضٍ، أَوْ إنَاءٍ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَنْزِ
стр. 244
بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا لَاقَى الْمُتَنَجِّسَ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّغَيُّرُ بِالْمُكْثِ وَالطِّينِ
٢٣ - وَالطُّحْلُبِ وَكُلِّ مَا يَعْسُرُ صَوْنُهُ عَنْهُ وَإِبَاحَةُ الْمَشْيِ وَالِاسْتِدْبَارِ عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ وَإِبَاحَتُهُمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ
٢٤ - وَإِبَاحَةُ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ خَارِجَ الْمِصْرِ بِالْإِيمَاءِ. ٢٥ - وَفِيهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَإِبَاحَةُ الْقُعُودِ فِيهَا بِلَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالطُّحْلُبُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَاللَّامُ مَفْتُوحَةً وَمَضْمُومَةً الْأَخْضَرُ الَّذِي يَعْلُو عَلَى الْمَاءِ، كَذَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ
(٢٤) قَوْلُهُ: وَإِبَاحَةُ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ لَفْظُ النَّافِلَةِ يَتَنَاوَلُ السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ، فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى الدَّابَّةِ. أَطْلَقَ إبَاحَةَ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا، أَوْ مُقِيمًا خَارِجًا إلَى بَعْضِ النَّوَاحِي لِحَاجَةٍ. وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ: وَيَشْمَلُ مَا إذَا قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ أَوْ لَا وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ خَارِجِ الْمِصْرِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا يَجُوزُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ فِيهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَمْ تُشْتَرَطْ طَهَارَةُ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْكَافِي.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَيْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى السِّرَاجِ، أَوْ الرِّكَابَيْنِ وَالدَّابَّةِ، لِأَنَّ فِيهَا ضَرُورَةٌ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا وَقَيَّدَ بِالنَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ، وَالْوَاجِبَ بِأَنْوَاعِهِ مِنْ الْوِتْرِ، وَالْمَنْذُورِ وَمَا لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ وَالْإِفْسَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالسَّجْدَةِ الَّتِي تُلِيَتْ لَا تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِعَدَمِ لُزُومِ الْحَرَجِ فِي النُّزُولِ، وَمِنْ الْأَعْذَارِ أَنْ يَخَافَ اللِّصَّ، أَوْ السَّبُعَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ أَوْ لَمْ يَقِفْ لَهُ رُفَقَاؤُهُ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ جَمُوحًا لَا يَقْدِرُ عَلَى رُكُوبِهَا إلَّا بِمُعِينٍ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَجِدُ مِنْ يُرْكِبُهُ، وَمِنْ الْأَعْذَارِ الطِّينُ وَالْمَطَرُ بِأَنْ يَكُونَ بِحَالٍ يَغِيبُ وَجْهُهُ فِي الطِّينِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَالْأَرْضُ نَدِيَّةٌ فَإِنَّهُ يُصَلِّي، كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ الرَّجُلُ حَمَلَ امْرَأَتَهُ مِنْ الْقَرْيَةِ إلَى الْمِصْرِ كَانَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الطَّرِيقِ إذَا كَانَتْ لَا تَقْدِرُ عَلَى النُّزُولِ.
(٢٥) قَوْلُهُ: وَفِيهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، أَيْ: إبَاحَةُ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَجُوزُ وَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ
стр. 245
عُذْرٍ
وَوَسَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا ٢٦ - فَلَمْ يَقُلْ: إنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ وَالذَّكَرِ نَاقِضٌ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارَةِ وَلَا الدَّلْكَ، وَوَسَّعَ فِي الْمِيَاهِ فَفَوَّضَهُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ مُقَارَنَةَ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا حَتَّى الْفَاتِحَةَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالتَّعْيِينُ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ عُسْرٌ، وَأَسْقَطَ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ، بَلْ مَنَعَهُ مِنْهَا شَفَقَةً عَلَى الْإِمَامِ دَفْعًا لِلتَّخْلِيطِ عَنْهُ كَمَا يُشَاهَدُ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، وَلَمْ يَخُصَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ بِلَفْظٍ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهَا بِكُلِّ مَا يُفِيدُ التَّعْظِيمَ وَأَسْقَطَ نَظْمَ الْقُرْآنِ عَنْ الْمُصَلِّي؛ فَجَوَّزَهُ بِالْفَارِسِيِّ تَيْسِيرًا عَلَى الْخَاشِعِينَ. ٢٧ -
وَرُوِيَ رُجُوعُهُ عَنْهُ
٢٨ - وَأَسْقَطَ فَرْضَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ تَيْسِيرًا، وَأَسْقَطَ لُزُومَ التَّفْرِيقِ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَجَوَّزَ تَأْخِيرَ النِّيَّةِ فِي الصَّوْم وَعَدَمَ التَّعْيِينِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَلَمْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَلَمْ يَقُلْ: إنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ الذَّكَرَ إلَخْ. فِيهِ أَنَّ أَصْحَابَهُ يَقُولُونَ بِذَلِكَ أَيْضًا. (٢٧) قَوْلُهُ: وَرُوِيَ رُجُوعُهُ. قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ رِوَايَةَ الرُّجُوعِ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ، فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ
(٢٨) قَوْلُهُ: وَأَسْقَطَ فَرْضَ الطُّمَأْنِينَةِ إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّمَا ذُكِرَ عِنْدَ الْكُلِّ فَلَا وَجْهَ لِإِضَافَةِ الْإِسْقَاطِ إلَى الْإِمَامِ وَقَدْ يُقَالُ: الْإِضَافَةُ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْحَابِهِ فَتَأَمَّلْ
стр. 246
يَجْعَلْ لِلْحَجِّ إلَّا رُكْنَيْنِ؛ الْوُقُوفَ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الطَّهَارَةَ لَهُ وَلَا السِّتْرَ وَلَمْ يَجْعَلْ السَّبْعَةَ كُلَّهَا أَرْكَانًا بَلْ الْأَكْثَرَ، وَلَمْ يُوجِبْ الْعُمْرَةَ فِي الْعُمْرِ، كُلُّ ذَلِكَ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
٢٩ -، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ فِي الْجُمُعَةِ لِاسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَيْهَا عَلَى مَا قِيلَ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ ٣٠ - إنَّهَا كَالظُّهْرِ فِي الزَّمَانَيْنِ وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِلْمَطَرِ وَالْجُمُعَةِ بِالْأَعْذَارِ الْمَعْرُوفَةِ، وَكَذَا أَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ الْأَعْمَى الْجُمُعَةَ، وَالْحَجَّ ٣١ -، وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْهُ
٣٢ - وَعَدَمُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْحَائِضِ لِتَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَبِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِنُدُورِ ذَلِكَ، وَسُقُوطُ الْقَضَاءِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ٣٣ - وَعَنْ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ، كَذَلِكَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. لَيْسَ شِدَّةُ الْحَرِّ قَيْدًا مُعْتَبَرًا فِي اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ، بَلْ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ مُسْتَحَبٌّ فِي الصَّيْفِ سَوَاءُ كَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا، أَوْ لَا.
(٣٠) قَوْلُهُ: كَالظُّهْرِ فِي زَمَانَيْنِ.
أَيْ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ. (٣١) قَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ لَا يُعَدُّ قَادِرًا عِنْدَهُ
(٣٢) قَوْلُهُ: وَعَدَمُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا لَا يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ، إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. (٣٣) قَوْلُهُ: وَعَنْ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْإِيمَاءِ. مَعْطُوفُ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ
стр. 247
عَلَى الصَّحِيحِ
٣٥ - وَجَوَازُ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِخَوْفِ دَوَرَانِ الرَّأْسِ. وَكَانَ الصَّوْمُ فِي السَّنَةِ شَهْرًا، وَالْحَجُّ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَالزَّكَاةُ رُبْعَ الْعَشْرِ، تَيْسِيرًا
٣٦ - وَلِذَا قُلْنَا إنَّهَا وَجَبَتْ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ حَتَّى سَقَطَتْ بِهَلَاكِ الْمَالِ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَأَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ ضَمَانِ الْبَدَلِ، إذَا اُضْطُرَّ، وَأَكْلُ الْوَلِيِّ، وَالْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَنْزِ
(٣٥) قَوْلُهُ: وَجَوَازُ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي السَّفِينَةِ. مَسْأَلَةُ السَّفِينَةِ فِيهَا تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّ السَّفِينَةَ إمَّا سَائِرَةٌ، أَوْ مَرْبُوطَةٍ، وَالْمَرْبُوطَةُ إمَّا فِي الشَّطِّ وَإِمَّا فِي اللُّجَّةِ، وَالْمَرْبُوطَةُ فِي اللُّجَّةِ إمَّا شَدِيدَةُ الِاضْطِرَابِ، أَوْ لَا. فَالسَّائِرَةُ، وَالْمَرْبُوطَةُ فِي اللُّجَّةِ شَدِيدَةُ الِاضْطِرَابِ تَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ فِيهَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَ الْإِمَامِ مَعَ الْإِسَاءَةِ.
قَالَا: لَا تَجُوزُ إلَّا بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مِنْ الْأَرْكَانِ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِعُذْرٍ وَلَهُ أَنَّ دَوَرَانَ الرَّأْسِ فِيهَا بِالْقِيَامِ غَالِبٌ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ. وَأَمَّا الْمَرْبُوطَةُ بِالشَّطِّ، وَهِيَ مُسْتَقِرَّةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ فَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْجَوَازِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَقِرَّةِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا أَصْلًا
(٣٦) قَوْلُهُ: وَلِذَا قُلْنَا فِيهَا وَجَبَتْ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ، أَيْ بِالْقُدْرَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَيْسِيرِ الْأَدَاءِ عَلَى الْعَبْدِ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: إذَا هَلَكَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُؤَدِّ سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ عِنْدَنَا لِعَدَمِ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ الَّتِي هِيَ وَصْفُ النَّمَاءِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُمْكِنَةً بِدُونِهِ، فَشُرِطَ النَّمَاءُ لِيَكُونَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ. وَالْوَاجِبُ إذَا وَجَبَ بِصِفَةِ الْيُسْرِ لَا يَبْقَى عِنْدَ انْتِفَائِهَا، وَإِلَّا لَانْقَلَبَ الْيُسْرُ عُسْرًا.
وَقَيَّدَ بِالْهَلَاكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُهْلِكَ الْمَالُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ الْوَاجِبَ عَنْ نَفْسِهِ بِالتَّعَدِّي خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلنَّظَرِ فَجُعِلَتْ الْقُدْرَةُ الْمُيَسَّرَةُ بَاقِيَةً فِيهِ تَقْدِيرًا، زَجْرًا لَهُ وَنَظَرًا لِلْفَقِيرِ
стр. 248
وَجَوَازُ تَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَفْصِلْ أَجْنَبِيٌّ، وَتَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ اللَّيْلِ، وَتَأَخُّرُهَا عَنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى مَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْ جِنْسِ الصَّائِمِينَ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ تَطْهُرُ بَعْدَهُ، وَالْكَافِرَ يُسْلِمُ وَالصَّغِيرَ يَبْلُغُ كَذَلِكَ
٣٨ - وَإِبَاحَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ بِالْإِحْصَارِ، وَالْفَوَاتِ
٣٩ - وَإِبَاحَةُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رَعْيَ حَشِيشِ الْحَرَمِ لِلْحَاجِّ فِي الْمَوْسِمِ تَيْسِيرًا
٤٠ - وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ، وَالْقِتَالِ وَبَيْعُ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ، جُوِّزَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ وَالِاكْتِفَاءُ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ وَالْأُنْمُوذَجِ وَمَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي دَفْعًا لِلنَّدَمِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَجَوَازُ تَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَفْصِلْ أَجْنَبِيٌّ يَعْنِي غَيْرَ الْمَشْيِ لِلْفَقِيرِ
(٣٨) قَوْلُهُ: وَإِبَاحَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ بِالْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ يَعْنِي يُبَاحُ التَّحَلُّلُ مِنْ الْحَجِّ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ بِسَرَقِ الْهَدْيِ وَبِسَبَبِ الْفَوَاتِ بِالْعُمْرَةِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَالْعِبَارَةُ لَا تُفِيدُهُ
(٢٩) قَوْلُهُ: وَإِبَاحَةُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رَعْيَ حَشِيشِ الْحَرَمِ إلَخْ. سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفِيًا فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(٤٠) قَوْلُهُ: وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ، وَالْقِتَالِ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لُبْسُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ فِي الْحَرْبِ، وَقَدْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بِذَلِكَ (انْتَهَى) . يَعْنِي فَلَا يَجُوزُ لُبْسُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ لِغَيْرِهِمَا
стр. 249
وَخِيَارُ نَقْدِ الثَّمَنِ دَفْعًا لِلْمُمَاطَلَةِ. ٤٢ - وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَيْعُ الْأَمَانَةِ الْمُسَمَّى بِبَيْعِ الْوَفَاءِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخِ بُخَارَى تَوْسِعَةً، وَبَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ
٤٣ -، وَمِنْ ذَلِكَ أَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالرَّدِّ لِخِيَارِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ، إمَّا مُطْلَقًا أَوْ إذَا كَانَ فِيهِ غُرُورُ رَحْمَةٍ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَمِنْهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالتَّحَالُفِ، وَالْإِقَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ، وَالْإِبْرَاءُ وَالْقَرْضِ وَالشَّرِكَةِ وَالصُّلْحِ، وَالْحَجْرِ، وَالْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَخِيَارُ نَقْدِ الثَّمَنِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: إنْ لَمْ أُنْقِدِ الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا. (٤٢) قَوْلُهُ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَيْعُ الْأَمَانَةِ الْمُسَمَّى بِبَيْعِ الْوَفَاءِ. صُورَتُهُ كَمَا فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى أَنْ يَقُولَ: بِعْته مِنْك عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي مَتَى جِئْت بِالثَّمَنِ. وَفِي الْبَحْرِ لِلْمُصَنِّفِ: وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: بِعْت مِنْك هَذَا الْعَيْنَ بِدَيْنِك عَلَى أَبِي، إنْ قَضَيْت الدَّيْنَ فَهُوَ لِي، أَوْ يَقُولَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك هَذَا بِكَذَا عَلَى أَنِّي إنْ دَفَعْتُ لَك الثَّمَنَ تَدْفَعُ الْعَيْنَ لِي. وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ بَلْ تِسْعَةٌ كُلُّهَا مَرْجُوحَةٌ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْغَزِّيِّ: أَنَّ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ. وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَهُوَ رَهْنٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته شِرَاءً بَاتًّا، وَقَالَ الْبَائِعُ بَيْعُ الْوَفَاءِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي زَوَالَ عَيْنِهِ بِالْبَتَاتِ، وَمُدَّعِي الْوَفَاءِ يُنْكِرُ الزَّوَالَ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَةَ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْوَفَاءِ فَلْيَرْجِعْ إلَى الْبَزَّازِيَّةِ وَفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ
(٤٣) قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ أَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالرَّدِّ بِخِيَارِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي التَّنْوِيرِ لَا رَدَّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَيُفْتَى بِالرَّدِّ إنْ غَرَّهُ، وَفِي الزَّيْلَعِيِّ: قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: قِيمَتُهُ كَذَا فَاشْتَرَاهُ فَظَهَرَ أَقَلَّ فَلَهُ الرَّدُّ لِحُكْمِ أَنَّهُ غَرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ فَلَا، وَبِهِ أَفْتَى الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ مَعَ التَّغْرِيرِ لِلْبَائِعِ
стр. 250
وَالْمُزَارِعَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، عَلَى قَوْلِهِمَا الْمُفْتَى بِهِ لِلْحَاجَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، الْوَدِيعَةِ، لِلْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِمَا هُوَ مِلْكُهُ وَلَا يَسْتَوْفِي إلَّا مَنْ عَلَيْهِ حَقُّهُ، وَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِكَمَالِهِ وَلَا يَتَعَاطَى أُمُورَهُ إلَّا بِنَفْسِهِ
٤٤ - فَسَهُلَ الْأَمْرُ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، وَالْإِعَارَةِ وَالْقَرْضِ، وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ وَكَالَةً وَإِيدَاعًا وَشَرِكَةً وَمُضَارَبَةً وَمُسَاقَاةً، وَبِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ الْمَدْيُونِ حَوَالَةً،
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَوْ الْمُشْتَرِي كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ كَثِيرٍ، ثُمَّ مَاتَ مَنْ لَهُ ذَلِكَ هَلْ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ وَيَمْلِكُ الرَّدَّ بِهِ بِوَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَمْ أَرَهُ. وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الرَّدِّ بِالْغَبْنِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الرَّدَّ لِلْمُشْتَرِي إذَا حَصَلَ التَّغْرِيرُ مِنْ الْبَائِعِ عَكْسُهُ، وَغَايَتُهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي الرَّدِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ فَلَا. فَلْيَكُنْ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَمُوجِبُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مَشِيئَةً وَإِرَادَةً فَلَا يُتَصَوَّرُ انْتِقَالُهُ إلَى الْوَارِثِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِمْ. وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ نُورُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقِرِّينَ فَيَسِيرٌ، وَمَا لَا، فَفَاحِشٌ كَمَا فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ، وَكَمَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مَغْبُونًا يَكُونُ الْبَائِعُ كَذَلِكَ كَمَا فِي فَتَاوَى قَارِي الْهِدَايَةِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَهُ: الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيُّ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ عَدَمُ الرَّدِّ، يُعَارِضُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ عَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الرَّدُّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمَذْهَبِ وَظَاهِرِ الْمَذْهَبِ
(٤٤) قَوْلُهُ: فَسَهُلَ الْأَمْرُ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ إلَى قَوْلِهِ، وَالْقَرْضِ، قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِي قَوْلِهِ: وَالْقَرْضِ. نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِالْقَرْضِ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمُقْرِضُ بَلْ يَمْلِكُهُ الْمُسْتَقْرِضُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَرْضَ وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ ﵀ أَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ أُبِيحَ تَمْلِيكُهُ، فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْقَرْضِ فَالْبَيْعُ، وَالْهِبَةُ كَذَلِكَ فَأَوْجُهُ تَخْصِيصِ الْقَرْضِ بِالذِّكْرِ
следующие страницы →