Полный текст (1 695 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
يَجْعَلْ لِلْحَجِّ إلَّا رُكْنَيْنِ؛ الْوُقُوفَ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الطَّهَارَةَ لَهُ وَلَا السِّتْرَ وَلَمْ يَجْعَلْ السَّبْعَةَ كُلَّهَا أَرْكَانًا بَلْ الْأَكْثَرَ، وَلَمْ يُوجِبْ الْعُمْرَةَ فِي الْعُمْرِ، كُلُّ ذَلِكَ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
٢٩ -، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ فِي الْجُمُعَةِ لِاسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَيْهَا عَلَى مَا قِيلَ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ ٣٠ - إنَّهَا كَالظُّهْرِ فِي الزَّمَانَيْنِ وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِلْمَطَرِ وَالْجُمُعَةِ بِالْأَعْذَارِ الْمَعْرُوفَةِ، وَكَذَا أَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ الْأَعْمَى الْجُمُعَةَ، وَالْحَجَّ ٣١ -، وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْهُ
٣٢ - وَعَدَمُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْحَائِضِ لِتَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَبِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِنُدُورِ ذَلِكَ، وَسُقُوطُ الْقَضَاءِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ٣٣ - وَعَنْ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ، كَذَلِكَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. لَيْسَ شِدَّةُ الْحَرِّ قَيْدًا مُعْتَبَرًا فِي اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ، بَلْ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ مُسْتَحَبٌّ فِي الصَّيْفِ سَوَاءُ كَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا، أَوْ لَا.
(٣٠) قَوْلُهُ: كَالظُّهْرِ فِي زَمَانَيْنِ.
أَيْ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ. (٣١) قَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ لَا يُعَدُّ قَادِرًا عِنْدَهُ
(٣٢) قَوْلُهُ: وَعَدَمُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا لَا يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ، إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. (٣٣) قَوْلُهُ: وَعَنْ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْإِيمَاءِ. مَعْطُوفُ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ
стр. 247
عَلَى الصَّحِيحِ
٣٥ - وَجَوَازُ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِخَوْفِ دَوَرَانِ الرَّأْسِ. وَكَانَ الصَّوْمُ فِي السَّنَةِ شَهْرًا، وَالْحَجُّ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَالزَّكَاةُ رُبْعَ الْعَشْرِ، تَيْسِيرًا
٣٦ - وَلِذَا قُلْنَا إنَّهَا وَجَبَتْ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ حَتَّى سَقَطَتْ بِهَلَاكِ الْمَالِ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَأَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ ضَمَانِ الْبَدَلِ، إذَا اُضْطُرَّ، وَأَكْلُ الْوَلِيِّ، وَالْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْكَنْزِ
(٣٥) قَوْلُهُ: وَجَوَازُ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي السَّفِينَةِ. مَسْأَلَةُ السَّفِينَةِ فِيهَا تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّ السَّفِينَةَ إمَّا سَائِرَةٌ، أَوْ مَرْبُوطَةٍ، وَالْمَرْبُوطَةُ إمَّا فِي الشَّطِّ وَإِمَّا فِي اللُّجَّةِ، وَالْمَرْبُوطَةُ فِي اللُّجَّةِ إمَّا شَدِيدَةُ الِاضْطِرَابِ، أَوْ لَا. فَالسَّائِرَةُ، وَالْمَرْبُوطَةُ فِي اللُّجَّةِ شَدِيدَةُ الِاضْطِرَابِ تَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ فِيهَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَ الْإِمَامِ مَعَ الْإِسَاءَةِ.
قَالَا: لَا تَجُوزُ إلَّا بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مِنْ الْأَرْكَانِ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِعُذْرٍ وَلَهُ أَنَّ دَوَرَانَ الرَّأْسِ فِيهَا بِالْقِيَامِ غَالِبٌ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ. وَأَمَّا الْمَرْبُوطَةُ بِالشَّطِّ، وَهِيَ مُسْتَقِرَّةٌ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ فَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْجَوَازِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَقِرَّةِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا أَصْلًا
(٣٦) قَوْلُهُ: وَلِذَا قُلْنَا فِيهَا وَجَبَتْ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ، أَيْ بِالْقُدْرَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَيْسِيرِ الْأَدَاءِ عَلَى الْعَبْدِ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: إذَا هَلَكَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُؤَدِّ سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ عِنْدَنَا لِعَدَمِ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ الَّتِي هِيَ وَصْفُ النَّمَاءِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُمْكِنَةً بِدُونِهِ، فَشُرِطَ النَّمَاءُ لِيَكُونَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ. وَالْوَاجِبُ إذَا وَجَبَ بِصِفَةِ الْيُسْرِ لَا يَبْقَى عِنْدَ انْتِفَائِهَا، وَإِلَّا لَانْقَلَبَ الْيُسْرُ عُسْرًا.
وَقَيَّدَ بِالْهَلَاكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُهْلِكَ الْمَالُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ الْوَاجِبَ عَنْ نَفْسِهِ بِالتَّعَدِّي خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلنَّظَرِ فَجُعِلَتْ الْقُدْرَةُ الْمُيَسَّرَةُ بَاقِيَةً فِيهِ تَقْدِيرًا، زَجْرًا لَهُ وَنَظَرًا لِلْفَقِيرِ
стр. 248
وَجَوَازُ تَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَفْصِلْ أَجْنَبِيٌّ، وَتَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ اللَّيْلِ، وَتَأَخُّرُهَا عَنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى مَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْ جِنْسِ الصَّائِمِينَ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ تَطْهُرُ بَعْدَهُ، وَالْكَافِرَ يُسْلِمُ وَالصَّغِيرَ يَبْلُغُ كَذَلِكَ
٣٨ - وَإِبَاحَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ بِالْإِحْصَارِ، وَالْفَوَاتِ
٣٩ - وَإِبَاحَةُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رَعْيَ حَشِيشِ الْحَرَمِ لِلْحَاجِّ فِي الْمَوْسِمِ تَيْسِيرًا
٤٠ - وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ، وَالْقِتَالِ وَبَيْعُ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ، جُوِّزَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ وَالِاكْتِفَاءُ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ وَالْأُنْمُوذَجِ وَمَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي دَفْعًا لِلنَّدَمِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَجَوَازُ تَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَفْصِلْ أَجْنَبِيٌّ يَعْنِي غَيْرَ الْمَشْيِ لِلْفَقِيرِ
(٣٨) قَوْلُهُ: وَإِبَاحَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ بِالْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ يَعْنِي يُبَاحُ التَّحَلُّلُ مِنْ الْحَجِّ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ بِسَرَقِ الْهَدْيِ وَبِسَبَبِ الْفَوَاتِ بِالْعُمْرَةِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَالْعِبَارَةُ لَا تُفِيدُهُ
(٢٩) قَوْلُهُ: وَإِبَاحَةُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رَعْيَ حَشِيشِ الْحَرَمِ إلَخْ. سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفِيًا فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(٤٠) قَوْلُهُ: وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ، وَالْقِتَالِ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لُبْسُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ فِي الْحَرْبِ، وَقَدْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بِذَلِكَ (انْتَهَى) . يَعْنِي فَلَا يَجُوزُ لُبْسُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ لِغَيْرِهِمَا
стр. 249
وَخِيَارُ نَقْدِ الثَّمَنِ دَفْعًا لِلْمُمَاطَلَةِ. ٤٢ - وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَيْعُ الْأَمَانَةِ الْمُسَمَّى بِبَيْعِ الْوَفَاءِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخِ بُخَارَى تَوْسِعَةً، وَبَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ
٤٣ -، وَمِنْ ذَلِكَ أَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالرَّدِّ لِخِيَارِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ، إمَّا مُطْلَقًا أَوْ إذَا كَانَ فِيهِ غُرُورُ رَحْمَةٍ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَمِنْهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالتَّحَالُفِ، وَالْإِقَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ، وَالْإِبْرَاءُ وَالْقَرْضِ وَالشَّرِكَةِ وَالصُّلْحِ، وَالْحَجْرِ، وَالْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَخِيَارُ نَقْدِ الثَّمَنِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: إنْ لَمْ أُنْقِدِ الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا. (٤٢) قَوْلُهُ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَيْعُ الْأَمَانَةِ الْمُسَمَّى بِبَيْعِ الْوَفَاءِ. صُورَتُهُ كَمَا فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى أَنْ يَقُولَ: بِعْته مِنْك عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي مَتَى جِئْت بِالثَّمَنِ. وَفِي الْبَحْرِ لِلْمُصَنِّفِ: وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: بِعْت مِنْك هَذَا الْعَيْنَ بِدَيْنِك عَلَى أَبِي، إنْ قَضَيْت الدَّيْنَ فَهُوَ لِي، أَوْ يَقُولَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك هَذَا بِكَذَا عَلَى أَنِّي إنْ دَفَعْتُ لَك الثَّمَنَ تَدْفَعُ الْعَيْنَ لِي. وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ بَلْ تِسْعَةٌ كُلُّهَا مَرْجُوحَةٌ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْغَزِّيِّ: أَنَّ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ. وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَهُوَ رَهْنٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته شِرَاءً بَاتًّا، وَقَالَ الْبَائِعُ بَيْعُ الْوَفَاءِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي زَوَالَ عَيْنِهِ بِالْبَتَاتِ، وَمُدَّعِي الْوَفَاءِ يُنْكِرُ الزَّوَالَ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَةَ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْوَفَاءِ فَلْيَرْجِعْ إلَى الْبَزَّازِيَّةِ وَفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ
(٤٣) قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ أَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالرَّدِّ بِخِيَارِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي التَّنْوِيرِ لَا رَدَّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَيُفْتَى بِالرَّدِّ إنْ غَرَّهُ، وَفِي الزَّيْلَعِيِّ: قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: قِيمَتُهُ كَذَا فَاشْتَرَاهُ فَظَهَرَ أَقَلَّ فَلَهُ الرَّدُّ لِحُكْمِ أَنَّهُ غَرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ فَلَا، وَبِهِ أَفْتَى الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ مَعَ التَّغْرِيرِ لِلْبَائِعِ
стр. 250
وَالْمُزَارِعَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، عَلَى قَوْلِهِمَا الْمُفْتَى بِهِ لِلْحَاجَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، الْوَدِيعَةِ، لِلْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِمَا هُوَ مِلْكُهُ وَلَا يَسْتَوْفِي إلَّا مَنْ عَلَيْهِ حَقُّهُ، وَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِكَمَالِهِ وَلَا يَتَعَاطَى أُمُورَهُ إلَّا بِنَفْسِهِ
٤٤ - فَسَهُلَ الْأَمْرُ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، وَالْإِعَارَةِ وَالْقَرْضِ، وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ وَكَالَةً وَإِيدَاعًا وَشَرِكَةً وَمُضَارَبَةً وَمُسَاقَاةً، وَبِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ الْمَدْيُونِ حَوَالَةً،
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَوْ الْمُشْتَرِي كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ كَثِيرٍ، ثُمَّ مَاتَ مَنْ لَهُ ذَلِكَ هَلْ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ وَيَمْلِكُ الرَّدَّ بِهِ بِوَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَمْ أَرَهُ. وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الرَّدِّ بِالْغَبْنِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الرَّدَّ لِلْمُشْتَرِي إذَا حَصَلَ التَّغْرِيرُ مِنْ الْبَائِعِ عَكْسُهُ، وَغَايَتُهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي الرَّدِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ فَلَا. فَلْيَكُنْ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَمُوجِبُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مَشِيئَةً وَإِرَادَةً فَلَا يُتَصَوَّرُ انْتِقَالُهُ إلَى الْوَارِثِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِمْ. وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ نُورُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقِرِّينَ فَيَسِيرٌ، وَمَا لَا، فَفَاحِشٌ كَمَا فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ، وَكَمَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مَغْبُونًا يَكُونُ الْبَائِعُ كَذَلِكَ كَمَا فِي فَتَاوَى قَارِي الْهِدَايَةِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَهُ: الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيُّ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ عَدَمُ الرَّدِّ، يُعَارِضُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ عَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الرَّدُّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمَذْهَبِ وَظَاهِرِ الْمَذْهَبِ
(٤٤) قَوْلُهُ: فَسَهُلَ الْأَمْرُ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ إلَى قَوْلِهِ، وَالْقَرْضِ، قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِي قَوْلِهِ: وَالْقَرْضِ. نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِالْقَرْضِ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمُقْرِضُ بَلْ يَمْلِكُهُ الْمُسْتَقْرِضُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَرْضَ وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ ﵀ أَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ أُبِيحَ تَمْلِيكُهُ، فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْقَرْضِ فَالْبَيْعُ، وَالْهِبَةُ كَذَلِكَ فَأَوْجُهُ تَخْصِيصِ الْقَرْضِ بِالذِّكْرِ
стр. 251
وَبِالتَّوْثِيقِ عَلَى الدَّيْنِ بِرِهَانٍ وَكَفِيلٍ، وَلَوْ بِالنَّفْسِ وَبِإِسْقَاطِ بَعْضِ الدَّيْنِ صُلْحًا، أَوْ كُلَّهُ إبْرَاءٌ، وَلِحَاجَةِ افْتِدَاءِ يَمِينِهِ؛ جَوَّزْنَا الصُّلْحَ عَنْ إنْكَارِ وَلِفَقْدِ مَا شُرِعَتْ الْإِجَارَةُ لَهُ لَوْ جُعِلَتْ الْمَنَافِعُ أُجْرَةً عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، قُلْنَا: لَا يَجُوزُ
٤٥ - وَقُلْنَا: الْإِجَارَةُ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ مِنْ الْعَيْنِ لَا تَجُوزُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِالْعَارِيَّةِ كَمَا عُلِمَ فِي إجَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ، وَمِنْ التَّخْفِيفِ جَوَازُ الْعُقُودِ الْحَائِزَةِ؛ لِأَنَّ لُزُومَهَا شَاقٌّ فَتَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ تَعَاطِيهَا
٤٦ - وَلُزُومُ اللَّازِمَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ بَيْعٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَوَقَفْنَا عَزْلَ الْوَكِيلِ عَلَى عِلْمِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُ، وَكَذَا عَزْلُ الْقَاضِي وَصَاحِبُ وَظِيفَتِهِ.
وَمِنْهُ إبَاحَةُ النَّظَرِ لِلطَّبِيبِ وَالشَّاهِدِ، وَعِنْدَ الْخِطْبَةِ ٤٧ - وَلِلسَّيِّدِ. وَمِنْهُ جَوَازُ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِمَا فِي اشْتِرَاطِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا يَتَحَمَّلُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي بَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ، مِنْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَقُلْنَا: الْإِجَارَةُ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ مِنْ الْعَيْنِ لَا تَجُوزُ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ ثِيَابًا لِيَبْسُطَهَا فِي بَيْتِهِ وَلَا يَجْلِسَ عَلَيْهَا، أَوْ دَابَّةً لِيَرْبِطَهَا فِي فِنَائِهِ لِيَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهَا لَهُ، أَوْ لِيَجْعَلَهَا جَنِيبَةً بَيْنَ يَدَيْهِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ مِنْ الْعَيْنِ
(٤٦) قَوْلُهُ: وَلُزُومُ اللَّازِمَةِ، أَيْ: وَمِنْ التَّخْفِيفِ لُزُومُ اللَّازِمَةِ
(٤٧) قَوْلُهُ: وَلِلسَّيِّدِ، أَيْ: إبَاحَةُ النَّظَرِ لِلسَّيِّدِ. قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ إبَاحَةَ نَظَرِ السَّيِّدِ لِعَدَمِ كَوْنِ وَجْهِ الْقَيْنَةِ مِنْ الْعَوْرَةِ، وَرُبَّمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ فَتَأَمَّلْ. أَقُولُ: لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْقَيْنَةِ فَإِنَّ وَجْهَ الْحُرَّةِ أَيْضًا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلسَّيِّدِ أَيْضًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالسَّيِّدِ مَرِيدُ شِرَاءِ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ الشَّهْوَةَ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِاعْتِبَارِ مَجَازِ الْأَوَّلِ
стр. 252
نَظَرِ كُلِّ خَاطِبٍ؛ فَنَاسَبَ التَّيَسُّرُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارُ رُؤْيَةٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَلَهُ الْخِيَارُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ
٤٨ -، وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا: إنَّ الْأَمْرَ إيجَابٌ فِي النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَمِنْ هُنَا وَسَّعَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَجَوَّزَهُ بِلَا وَلِيٍّ وَمِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ، وَلَمْ يُفْسِدْهُ بِالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، بَلْ قَالَ ٤٩ -: يَنْعَقِدُ بِمَا يُفِيدُ مِلْكَ الْعَيْنِ لِلْحَالِ، وَصَحَّحَهُ بِحُضُورِ ابْنَيْ الْعَاقِدَيْنِ وَنَاعِسِينَ وَسُكَارَى يَذْكُرُونَهُ بَعْدَ الصَّحْوِ، وَبِعِبَارَةِ النِّسَاءِ وَجَوَّزَ شَهَادَتَهُنَّ فِيهِ، فَانْعَقَدَ بِحَضْرَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ الزِّنَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وَمِنْ هُنَا قِيلَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا أَيْ مِنْ هَاهُنَا، أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِي النِّكَاحِ دُونَ الْبَيْعِ. قُلْنَا: الْأَمْرُ إيجَابٌ فِي النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ: زَوِّجْنِي تَوْكِيلٌ، وَقَوْلَهُ: زَوَّجْتُك قَائِمٌ مَقَامَ الطَّرَفَيْنِ، بِخِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْوَاحِدَ فِي النِّكَاحِ يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ صَاحِبُ الدُّرَرِ، وَالْغُرَرِ عَلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ فَاعْتَرَضَ عَلَى الْكَنْزِ بِأَنَّهُ خَالَفَ الْقَوْمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هُنَا ثَمَانِيَةَ مَوَاطِنَ يَكُونُ الْأَمْرُ إيجَابًا فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ: مِنْهَا الْبَيْعُ، وَالْإِقَالَةُ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِمَا إيجَابًا، وَالنِّكَاحُ، وَالْخُلْعُ هُوَ فِيهِمَا إيجَابٌ هَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَالْخَامِسُ لَوْ قَالَ لِعَبْدٍ: اشْتَرِ نَفْسَك مِنِّي بِكَذَا فَقَالَ: فَعَلْتُ عَتَقَ وَالسَّادِسُ لَوْ قَالَ: هَبْ لِي هَذَا الْعَبْدَ فَقَالَ: وَهَبْت مِنْك تَمَّ. وَالسَّابِعُ قَالَ لِصَاحِبِ دَيْنٍ: أَبْرِئْنِي فَقَالَ: أَبْرَأْتُك يَتِمُّ. وَالثَّامِنُ قَالَ: اُكْفُلْ نَفْسَ فُلَانٍ لِفُلَانٍ فَقَالَ: كَفَلْت يَتِمُّ. فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَقَدِمَ وَأَجَازَ جَازَ.
(٤٩) قَوْلُهُ: يَنْعَقِدُ بِمَا يُفِيدُ مِلْكَ الْعَيْنِ لِلْحَالِ، فَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَالْعَطِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَالْجُعْلِ، وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَأَمَّا بِلَفْظِ السَّلَمِ فَإِنْ جَعَلَ الْمَرْأَةَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا، وَإِنْ جَعَلَهَا مُسَلَّمًا فِيهَا فَفِيهِ اخْتِلَافٌ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي
стр. 253
عَجِبْتُ لِحَنَفِيٍّ يَزْنِي. وَمِنْهُ إبَاحَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ؛ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى وَاحِدَةٍ تَيْسِيرًا عَلَى الرَّجُلِ وَعَلَى النِّسَاءِ أَيْضًا لِكَثْرَتِهِنَّ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الطَّلَاقِ لِمَا فِي الْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ التَّنَافُرِ
، وَكَذَا ٥٠ - مَشْرُوعِيَّةُ الْخُلْعِ وَالِافْتِدَاءِ وَالرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ الثَّلَاثِ، ٥١ - وَلَمْ يُشْرَعْ دَائِمًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
لَفْظِ التَّجْوِيزِ، هَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ اتِّصَالٌ حَتَّى تَصِحَّ اسْتِعَارَتُهُ كَمَا اُسْتُعِيرَ لَفْظُ الْهِبَةِ، وَالْبَيْعِ لَهُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّجْوِيزَ مَصْدَرُ جَوَّزَ الْفَقِيهُ؛ كَذَا إذَا قَالَ بِحِلِّهِ، أَوْ بِمَعْنَى الْمُرُورِ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ مَا يَصْلُحُ عَلَاقَةً لِلِاسْتِعَارَةِ.
وَلِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْغَزِّيِّ تِلْمِيذِ الْمُصَنِّفِ ﵀ رِسَالَةٌ فِي ذَلِكَ وَحَاصِلُهَا عَدَمُ صِحَّةِ الْعَقْدِ بِهَذَا اللَّفْظِ الْوَاقِعِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفَلَّاحِينَ.
(٥٠) قَوْلُهُ: مَشْرُوعِيَّةُ الْخُلْعِ وَالِافْتِدَاءِ. عَطَفَ الِافْتِدَاءَ عَلَى الْخُلْعِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ. قَالَ فِي الْمَجْمَعِ إذَا افْتَدَتْ الْمَرْأَةُ بِمَالِ يَخْلَعُهَا عَلَيْهِ فَفَعَلَ وَقَعَ طَلْقَةً بَائِنَةً وَلَزِمَهَا الْمَالُ.
(٥١) قَوْلُهُ: وَلَمْ يُشْرَعْ دَائِمًا، بَلْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ لَا لِحَاجَةٍ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَيُحْمَلُ لَفْظُ الْمُبَاحِ عَلَى مَا أُبِيحَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَعْنِي أَوْقَاتَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ كَكِبَرٍ وَرِيبَةٍ لَكِنْ فِي الْعِنَايَةِ تَبَعًا لِلدِّرَايَةِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ إلَّا لِلضَّرُورَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ» ، وَالْعَامَّةُ عَلَى إبَاحَتِهِ بِالنُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ وَهَذَا خِلَافُ مَا رَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ الْحَقُّ إذْ لَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ الْمَسْنُونِ مِنْهُ، يَعْنِي الْمُبَاحَ، وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّارِعَ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فَأَبَاحَهُ كَقَوْلِهِمْ: الْأَصْلُ فِي الطَّلَاقِ الْحَظْرُ، وَالْإِبَاحَةُ لِلْحَاجَةِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُرِفَ أَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ بَيْنَ حُكْمِهِمْ بِالْإِبَاحَةِ وَتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ مَحْظُورٌ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ مَا ذَكَرْنَا فِي بَيَانِ سَبَبِهِ تَدَافُعًا مَمْنُوعٌ بَلْ الْحَاجَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَذَا فِي النَّهْرِ.
стр. 254
لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ.
، وَمِنْهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْمَوْلَى بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْكَفَّارَةِ فِي الظِّهَارِ، وَالْيَمِينِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَكَذَا التَّخْيِيرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهَا، وَمَشْرُوعِيَّةُ التَّخْيِيرِ فِي نَذْرٍ مُعَلَّقٍ ٥٣ - بِشَرْطٍ لَا يُرَادُ كَوْنُهُ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْوَفَاءِ بِالْمَنْذُورِ ٥٤ - عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْكِتَابَةِ لِيَتَخَلَّصَ الْعَبْدُ مِنْ دَوَامِ الرِّقِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ تَوْسِعَةً.
وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ لِيَتَدَارَكَ الْإِنْسَانُ مَا فَرَطَ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَصَحَّ لَهُ فِي الثُّلُثِ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْوَرَثَةِ حَتَّى أَجَزْنَاهَا بِالْجَمِيعِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ، وَأَوْقَفْنَاهَا عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ إذَا كَانَتْ لِوَارِثٍ وَأَبْقَيْنَا التَّرِكَةَ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ حُكْمًا حَتَّى تُقْضَى حَوَائِجُهُ مِنْهَا رَحْمَةً عَلَيْهِ، وَوَسَّعْنَا الْأَمْرَ فِي الْوَصِيَّةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ بِالْمُفَارَقَةِ بَعْدَ كَمَالِ الِازْدِوَاجِ، وَالِائْتِلَافِ.
(٥٣) قَوْلُهُ: بِشَرْطٍ لَا يُرَادُ كَوْنُهُ إلَخْ. فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ: إنْ كَانَ الشَّرْطُ أَمْرًا حَرَامًا كَأَنْ زَنَيْت مَثَلًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَخَيَّرَ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ تَخْفِيفٌ وَالْحَرَامُ لَا يُوجِبُ التَّخْفِيفَ (٥٤) قَوْلُهُ: عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى التَّخْيِيرِ مُطْلَقًا.
стр. 255
فَجَوَّزْنَاهَا بِالْمَعْدُومِ وَلَمْ نُبْطِلْهَا بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
، وَمِنْهُ إسْقَاطُ الْإِثْمِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْخَطَأِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ بِالِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ وَلَوْ كُلِّفُوا الْأَخْذَ بِالْيَقِينِ لَشَقَّ وَعَسُرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ وَوَسَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ تَيْسِيرًا، فَصَحَّحَ تَوْلِيَةَ الْفَاسِقِ، ٥٦ - وَقَالَ: إنَّ فِسْقَهُ لَا يَعْزِلُهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَجَوَّزْنَاهَا بِالْمَعْدُومِ قِيلَ: إطْلَاقُهُ فِي الْمَعْدُومِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ هُوَ فِي مَعْدُومٍ خَاصٍّ وَهُوَ الثَّمَرَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَقْبَلُ التَّمْلِيكَ بِعَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ، أَمَّا لَوْ، أَوْصَى بِمَا تَلِدُ أَغْنَامُهُ لَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ اللَّامَ فِي الْمَعْدُومِ لِلْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودُ مَا ذَكَرْنَا.
قَوْلُهُ: وَقَالَ إنَّ فِسْقَهُ لَا يَعْزِلُهُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَأَطْلَقَ الْفِسْقَ فَشَمِلَ الْفِسْقَ بِأَخْذِ الرِّشْوَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِالرِّشْوَةِ، أَوْ قَضَى فِيمَا ارْتَشَى. نَقَلَ فِي الْخَانِيَّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيمَا ارْتَشَى وَنَقَلَ فِي الْعِمَادِيَّةِ خِلَافًا فِيهِ وَيَنْفُذُ فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَقِيلَ: يَنْفُذُ فِيهَا وَحُجَّتُهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ حَاصِلَ أَمْرِ الرِّشْوَةِ فِيمَا إذْ قَضَى بِحَقِّ إيجَابِهَا فِسْقُهُ وَقَدْ فَرَضَ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يُوجِبُ الْعَزْلَ، فَوَلَائِيَّتُهُ وَقَضَاؤُهُ بِحَقِّ فَلِمَ لَا يَنْفُذُ وَخُصُوصُ هَذَا الْفِسْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَغَايَةُ مَا وُجِّهَ بِهِ أَنَّهُ إذْ ارْتَشَى عَامِلٌ لِنَفْسِهِ يَعْنِي وَالْقَضَاءُ عَمَلٌ لِلَّهِ تَعَالَى (انْتَهَى) .
وَبَحَثَ فِيهِ فِي الْبَحْرِ بِأَنْ لَيْسَ هَذَا مُرَادَهُمْ بَلْ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ قَضَى لِنَفْسِهِ يَعْنِي وَالْقَضَاءُ لِنَفْسِهِ بَاطِلٌ (انْتَهَى) .
وَقِيلَ عَلَيْهِ: كَيْفَ يُجْعَلُ قَضَاءُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَضَاءً لِنَفْسِهِ، وَهُوَ إنَّمَا قَضَى لِبَكْرٍ مَثَلًا عَلَى عُمَرَ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ أَخَذَ عَلَى قَضَائِهِ بِالْحَقِّ مَالًا فَصَارَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَالْقَضَاءُ عَمَلٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
فَبَحْثُ صَاحِبِ الْفَتْحِ مُتَّجَهٌ لَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ: أَنَّهُ لَوْ ارْتَشَى وَقَضَى لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيمَا ارْتَشَى، وَفِي السِّرَاجِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَوْ قَضَى الْقَاضِي زَمَانًا بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ عُلِمَ أَنَّهُ مُرْتَشٍ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الَّذِي يَخْتَصِمُونَ إلَيْهِ أَنْ يُبْطِلَ كُلَّ قَضَايَاهُ (انْتَهَى) .
وَفِي مِنَحِ الْغَفَّارِ: أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ أَوْ ارْتَشَى وَحَكَمَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمْ
стр. 256
لَمْ يُوجِبْ تَزْكِيَةَ الشُّهُودِ حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاحِ
٥٨ - وَلَمْ يُقْبَلْ الْجَرْحُ الْمُجَرَّدُ فِي الشَّاهِدِ.
وَوَسَّعَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي الْقَضَاءِ، وَالْوَقْفِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، فَجَوَّزَ لِلْقَاضِي تَلْقِينُ الشَّاهِدِ
٥٩ - وَجَوَّزَ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا شَرَطَهُ الْإِمَامُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يَصِرْ قَاضِيًا وَفِي الثَّانِي صَارَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَالْقَضَاءُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: وَمَنْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا وَلَوْ قَضَى لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَبِهِ يُفْتَى
(٥٧) قَوْلُهُ: وَلَمْ يُوجِبْ تَزْكِيَةَ الشُّهُودِ، أَيْ لَمْ يُوجِبْ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ تَزْكِيَةَ الشُّهُودِ بَلْ يَقْتَصِرُ الْحَاكِمُ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الْمُسْلِمِ إلَّا فِي الْحُدُود، وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْهُمْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ وَمُحَمَّدٌ ﵀: لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْقَاضِي عَلَى الْحُجَّةِ وَهِيَ شَهَادَةُ الْعَدْلِ، فَإِنْ طَعَنَ الْخَصْمُ يَسْأَلُ عَنْهُمْ اتِّفَاقًا وَأَلَّا يَسْأَلَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَفِي غَيْرِهِمَا الِاخْتِلَافُ قَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ فِي الْكُبْرَى: وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَفِي الْحَقَائِقِ: وَمَحَلُّ السُّؤَالِ عَلَى قَوْلِهِمَا عِنْدَ جَهْلِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَفِيهِ يَكْفِي فِي التَّزْكِيَةِ قَوْلُ الْمُزَكِّي، وَهُوَ عَدْلٌ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْبَحْرِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَسْأَلُ فِي السِّرِّ وَقَدْ تَرَكَ التَّزْكِيَةَ فِي الْعَلَانِيَةِ فِي زَمَانِنَا كَيْ لَا يُخْدَعَ الْمُزَكِّي، أَوْ يُخَوَّفَ (انْتَهَى) ، وَلَوْ عَرَفَهُمْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ وَطَعَنَ فِيهِمْ الْخَصْمُ لَمْ أَرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِمَعْرِفَتِهِ إيَّاهُمْ
(٥٨) قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقْبَلْ الْجَرْحُ الْمُجَرَّدُ عَلَى الشَّاهِدِ، أَيْ الْمُجَرَّدُ عَنْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حُقُوقِ الْعِبَادِ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ
(٥٩) قَوْلُهُ: وَجَوَّزَ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ. أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ ذَهَبَ إلَى الْقَاضِي لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى مَنْزِلِهِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، أَوْ لَا،، وَالْمُفْتَى بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي يَوْمِهِ، كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِشُرُوطِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ ﵀؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ سَرْدُ
стр. 257
وَصَحَّحَ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ ٦١ - وَعَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ
٦٢ - وَوَقْفَ الْمَشَاعَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّسْلِيمَ إلَى الْمُتَوَلِّي وَلَا حُكْمَ الْقَاضِي، وَجَوَّزَ اسْتِبْدَالَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِلَا شَرْطٍ، وَجَوَّزَهُ مَعَ الشَّرْطِ تَرْغِيبًا فِي الْوَقْفِ وَتَيْسِيرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ يَرْجِعُ إلَيْهَا غَالِبُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
تَيْسِيرَاتِ الشَّرْعِ وَمُرَادَهُ كِتَابُ الْقَاضِي الْمَعْهُودِ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِهِ، وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي حَدٍّ وَقَوَدٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ قَاضِي رُسْتَاقٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كِتَابَةِ عِنْوَانِهِ فِي بَاطِنِهِ، هِيَ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا اسْمُهُ وَاسْمُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ حَتَّى لَوْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ، وَأَنْ تَكُونَ كِتَابَةُ الْعِنْوَانِ مِنْ دَاخِلِ الْكِتَابِ فَلَوْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يُقْبَلْ. قِيلَ: هَذَا فِي عُرْفِهِمْ وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا: الْعِنْوَانُ يُكْتَبُ عَلَى الظَّاهِرِ فَيُعْمَلُ بِهِ. كَذَا فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَعَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ لَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ فِي الْمَنْقُولَاتِ بِأَسْرِهَا، وَعَنْ الثَّانِي تَجْوِيزُهُ فِي الْعَبْدِ لِغَلَبَةِ الْإِبَاقِ إلَّا فِي الْأَمَةِ، وَعَنْهُ الْجَوَازُ فِي الْكُلِّ، وَعَمَلُ الْفُقَهَاءِ الْيَوْمَ عَلَيْهِ. قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ، وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْخَانِيَّةِ.
(٦١) قَوْلُهُ: وَعَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ، لَمْ يُبَيِّنْ بَعْدَ انْقِطَاعِهَا لِمَنْ يَكُونُ الْوَقْفُ، لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ لِلِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَفِي الْأَجْنَاسِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: إذَا وُقِفَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ جَازَ، وَإِذَا مَاتَ رَجَعَ عَلَى وَرَثَتِهِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَالَ: وَفِي جَامِعِ الْبَرَامِكَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إذَا انْقَرَضَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ يُصْرَفُ إلَى الْمَسَاكِينِ فَحَصَلَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ
(٦٢) قَوْلُهُ: وَوَقْفَ الْمَشَاعِ، أَيْ وَجَوَّزَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ وَقْفَ الْمَشَاعِ قَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَالْخِلَافُ فِي مَشَاعٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، لَكِنْ لَوْ قَضَى بِجَوَازِهِ صَحَّ إجْمَاعًا.
стр. 258
السَّبَبُ السَّابِعُ: النَّقْصُ؛ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمَشَقَّةِ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفَ؛ فَمِنْ ذَلِكَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَفَوَّضَ أَمْرَ أَمْوَالِهِمَا إلَى الْوَلِيِّ، وَتَرْبِيَتَهُ وَحَضَانَتَهُ إلَى النِّسَاءِ رَحْمَةً عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجْبِرْهُنَّ عَلَى الْحَضَانَةِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِنَّ، وَعَدَمُ تَكْلِيفِ النِّسَاء بِكَثِيرٍ ٦٤ - مِمَّا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ؛ كَالْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ ٦٥ - وَالْجِهَادِ وَالْجِزْيَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَفِي الْكَنْزِ وَمَشَاعٌ قَضَى بِجَوَازِهِ أَيْ صَحَّ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَطْلَقَ فِي الْقَضَاءِ فَشَمِلَ الْقَضَاءَ مِنْ الْحَنَفِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَالْمُرَادُ بِالشُّيُوعِ هُنَا الْمُقَارِنُ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا مُشْكِلٌ إذْ قَضِيَّةُ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْأَوْصَافَ الرَّاجِعَةَ إلَى الْمَحَالِّ يَسْتَوِي فِيهَا الِابْتِدَاءُ، وَالْبَقَاءُ أَنْ يَكُونَ الشُّيُوعُ الطَّارِئُ كَالْمُقَارِنِ فِي مَنْعِ الصِّحَّةِ كَمَا قَالُوهُ فِي الرَّهْنِ مِنْ أَنَّ الشُّيُوعَ الطَّارِئَ مُفْسِدٌ لِلرَّهْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ (انْتَهَى) .
وَأَقُولُ: هَذَا الْأَصْلُ لَيْسَ كُلِّيًّا إذْ قَدْ خَرَجَ عَنْهُ بِالنَّصِّ بَقَاءُ الصَّلَاةِ عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ، حَتَّى جَازَ الْبِنَاءُ فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ بِنَصٍّ تَوْفِيقًا بَيْنَ كَلَامَيْهِمْ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ صَنْعَةٍ مُنَافِيَةٍ لِحُكْمٍ يَسْتَوِي فِيهَا الِابْتِدَاءُ، وَالْبَقَاءُ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ بِنَصٍّ وَقَدْ يُقَالُ: الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ خَاصٌّ بِالْأَمَانَاتِ فَإِنَّ لِبَقَائِهَا حُكْمَ ابْتِدَائِهَا أَمَّا الْوَقْفُ وَنَحْوُهُ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَمَانَاتِ، وَالرَّهْنُ عَيْنًا أَمَانَةٌ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ كَفَنِ عَبْدِ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمَضْمُونُ إنَّمَا هُوَ الْمَالِيَّةُ
(٦٣) قَوْلُهُ: السَّبَبُ السَّابِعُ النَّقْصُ: بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمَشَقَّةِ إذْ النُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الْكَمَالِ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفَ فِي التَّكْلِيفَاتِ.
(٦٤) قَوْلُهُ: مِمَّا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ كَالْجَمَاعَةِ: صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ تَكْلِيفِهِمْ بِمَا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ لَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ مَعَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي حَقِّهِنَّ مَكْرُوهَةٌ.
(٦٥) قَوْلُهُ: وَالْجِهَادُ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ الْغَيْرُ عَامًّا إذْ لَوْ كَانَ عَامًّا وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا.
стр. 259
وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ عَلَى قَوْلٍ.
وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ، وَإِبَاحَةُ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَحُلِيِّ الذَّهَبِ، ٦٧ - وَعَدَمُ تَكْلِيفِ الْأَرِقَّاءِ بِكَثِيرٍ مِمَّا وَجَبَ عَلَى الْأَحْرَارِ؛ لِكَوْنِهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فِي الْحُدُودِ وَالْعِدَّةِ مِمَّا سَيَأْتِي فِي أَحْكَامِ الْعَبِيدِ.
وَهَذِهِ فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ نَخْتِمُ بِهَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
(الْفَائِدَةُ) الْأُولَى الْمَشَاقُّ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَشَقَّةٌ لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعِبَادَةُ غَالِبًا، كَمَشَقَّةِ الْبَرْدِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَمَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَطُولِ النَّهَارِ، وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ الَّتِي لَا انْفِكَاكَ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنْهَا، وَمَشَقَّةِ أَلَمِ الْحَدِّ وَرَجْمِ الزُّنَاةِ، وَقَتْلِ الْجُنَاةِ وَقِتَالِ الْبُغَاةِ، فَلَا أَثَرَ لَهَا فِي إسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ.
٦٨ - وَأَمَّا جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِلْخَوْفِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ لِلْجَنَابَةِ؛ فَالْمُرَادُ مِنْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ عَلَى قَوْلٍ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ.
اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ فِي الدِّيوَانِ عَقْلٌ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ جُزْءٍ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَحَدُ الْعَوَاقِلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ نَفْسُهُ وَهَذَا لَا يُوجَدُ مِنْهُمَا، وَالْفَرْضُ لَهُمَا مِنْ الْعَطَايَا لِلْمَعُونَةِ لَا لِلنُّصْرَةِ كَفَرْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَهَذَا صَحِيحٌ فِيمَا إذَا قَتَلَ غَيْرُهُمَا، وَأَمَّا إذَا بَاشَرَا الْقَتْلَ بِأَنْفُسِهِمَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يُشَارِكَانِ الْعَاقِلَةَ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ إذَا قَتَلَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكُونُ كَوَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ، كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ مِنْ الْفَسَادِ وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى الصَّوَابِ.
(٦٧) قَوْلُهُ: وَعَدَمُ تَكْلِيفِ الْأَرِقَّاءِ إلَخْ، فَمِنْ ذَلِكَ عَدَمُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَذَا قَالُوا: وَقِيلَ: عَلَيْهِ إنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ لَا تَصِيرُ مَمْلُوكَةً بِالْإِذْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَالُهُ بَعْدَ الْإِذْنِ كَحَالِهِ قَبْلَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَجَّ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لَا يَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لِهَذَا الْمَعْنَى
[خِتَام قَاعِدَة الْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير بِفَوَائِد مُهِمَّة]
[الْفَائِدَةُ الْأُولَى الْمَشَاقُّ عَلَى قِسْمَيْنِ]
(٦٨) قَوْلُهُ: وَأَمَّا جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِلْخَوْفِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ إلَخْ.
سَوَاءٌ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ فِيهِ يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ.
وَجَوَازُهُ عِنْدَهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ
стр. 260
الْخَوْفِ: الْخَوْفُ مِنْ الِاغْتِسَالِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ مِنْ حُصُولِ مَرَضٍ.
وَلِذَا اشْتَرَطَ فِي الْبَدَائِعِ لِجَوَازِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ؛ أَنْ لَا يَجِدَ مَكَانًا يَأْوِيهِ، وَلَا ثَوْبًا يَتَدَفَّأُ بِهِ، وَلَا مَاءً مُسَخَّنًا وَلَا حَمَّامًا ٦٩ - وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ ٧٠ - لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْخَوْفِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعِبَادَاتُ غَالِبًا فَعَلَى مَرَاتِبَ: الْأُولَى: مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فَادِحَةٌ كَمَشَقَّةِ الْخَوْفِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَمَنَافِعِ الْأَعْضَاءِ فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلتَّخْفِيفِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَجِّ طَرِيقٌ إلَّا مِنْ الْبَحْرِ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَدَمَ السَّلَامَةِ لَمْ يَجِبْ.
الثَّانِيَةُ: مَشَقَّةٌ خَفِيفَةٌ؛ كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي أُصْبُعٍ أَوْ أَدْنَى صُدَاعٍ فِي الرَّأْسِ أَوْ سُوءِ مِزَاجٍ خَفِيفٍ فَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ وَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
لَا يَقْدِرَ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ، وَلَا عَلَى أُجْرَةِ الْحَمَّامِ فِي الْمِصْرِ، وَلَا يَجِدَ ثَوْبًا يَتَدَفَّأُ بِهِ، وَلَا مَكَانًا يَأْوِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَدَائِعِ.
وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ - قِيلَ - اخْتِلَافُ زَمَانٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الْحَمَّامِ فِي زَمَانِهِمَا كَانَتْ تُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ كَمَا فِي زَمَانِنَا فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْأُجْرَةِ دَخَلَ ثُمَّ يُعَلِّلُ بِالْعُسْرَةِ، وَفِي زَمَانِهِ قَبْلَهُ، فَيَتَعَذَّرُ.
وَقِيلَ: اخْتِلَافُ بُرْهَانٍ؛ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِغَيْرِ الْوَاجِدِ قَبْلَ الطَّلَبِ مِنْ رَفِيقِهِ إذَا كَانَ لَهُ رَفِيقٌ فَعَلَى قَوْلِهِمَا يُقَيَّدُ بِأَنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْمَاءِ الْحَارِّ جَمِيعُ أَهْلِ الْمِصْرِ أَمَّا إنْ طَلَبَ فَمُنِعَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (٦٩) قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْمُصَفَّى، وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ (٧٠) قَوْلُهُ: لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْخَوْفِ إلَخْ.
يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ كَمَا فِي الْفَتْحِ
стр. 261
مَصَالِحِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ مِثْلِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا.
وَمِنْ هُنَا رُدَّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ مَشَايِخِنَا: إنَّ الْمَرِيضَ إذَا نَوَى الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ؛ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَى إنْ كَانَ مَرَضًا لَا يَضُرُّ مَعَهُ الصَّوْمُ، وَإِلَّا فَيَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ بِأَنَّ مَا لَا يَضُرُّ لَيْسَ بِمُرَخِّصٍ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَكَلَامُنَا فِي مَرِيضٍ رُخِّصَ لَهُ الْفِطْرُ.
تَنْبِيهٌ: ٧١ - مُطْلَقُ الْمَرَضِ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ؛ إنْ كَانَ بِالزَّوْجِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ خَلْوَتِهِ بِهَا بِخِلَافِ مَرَضِهَا الثَّالِثَةُ: مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ؛ كَمَرِيضٍ فِي رَمَضَانَ يَخَافُ مِنْ الصَّوْمِ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ بُطْءَ الْبُرْءِ فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَهَكَذَا فِي الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ، ٧٢ - وَاعْتُبِرَ فِي الْحَجِّ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ الْمُنَاسِبَيْنِ لِلشَّخْصِ، حَتَّى قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ مَا يَصِحُّ مَعَهُ بَدَنُهُ.
وَقَالُوا: لَا يَكْتَفِي بِالْعُقْبَةِ فِي الرَّاحِلَةِ، بَلْ لَا بُدَّ فِي الْحَجِّ مِنْ شِقِّ مَحْمِلٍ أَوْ رَأْسِ زَامِلَةٍ ٧٣ - وَمِنْ الْمُشْكِلِ التَّيَمُّمُ؛ فَإِنَّهُمْ اشْتَرَطُوا فِي الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لَهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: مُطْلَقُ الْمَرَضِ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ إنْ كَانَ بِالزَّوْجِ إلَخْ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ مَرَضَهُ لَا يُعَرَّى عَنْ فُتُورٍ وَتَكَسُّرِ عَادَةٍ (٧٢) قَوْلُهُ: وَاعْتَبَرُوا فِي الْحَجِّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ إلَى قَوْلِهِ وَمِنْ الْمُشْكِلِ
لَيْسَ هَذَا مَا الْكَلَامُ فِيهِ (٧٣) قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمُشْكِلِ التَّيَمُّمُ إلَخْ.
الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمَرَضَ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَرَاتِبِهِ، وَتَفَاوُتِ أَحْوَالِهِ شِدَّةً وَضَعْفًا، قِلَّةً وَكَثْرَةً، بِخِلَافِ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ فَأُقِيمَ مُطْلَقُ السَّفَرِ مُقَامَ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ تَحْقِيقُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
стр. 262
أَنْ يَخَافَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ ذَهَابًا ٧٥ - أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ حُدُوثَ مَرَضٍ أَوْ بُطْءَ بُرْءٍ، وَلَمْ يُبِيحُوهُ بِمُطْلَقِ الْمَرَضِ مَعَ أَنَّ مَشَقَّةَ السَّفَرِ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَلَمْ يُوجِبُوا شِرَاءَ الْمَاءِ بِزِيَادَةٍ فَاحِشَةٍ عَلَى قِيمَتِهِ ٧٦ - لَا الْيَسِيرَةِ
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَخْفِيفَاتُ الشَّرْعِ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: تَخْفِيفُ إسْقَاطٍ كَإِسْقَاطِ الْعَادَاتِ عِنْدَ وُجُودِ أَعْذَارِهَا الثَّانِي: تَخْفِيفُ تَنْقِيصٍ: كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِتْمَامَ أَصْلٌ ٧٧ - وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْقَصْرُ أَصْلٌ، وَالْإِتْمَامُ فُرِضَ بَعْدَهُ، ٧٨ - فَلَا إلَّا فِي صُورَةٍ.
وَالثَّالِثُ: تَخْفِيفُ إبْدَالٍ ٧٩ - كَإِبْدَالِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِالتَّيَمُّمِ، وَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِالْإِيمَاءِ، وَالصِّيَامِ بِالْإِطْعَامِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: أَنْ يَخَافَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوِهِ ذَهَابًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ (٧٥) قَوْلُهُ: أَوْ مَنْفَعَةً.
أَيْ وَخَافَ عَلَى عُضْوِهِ لَوْ فَقَدَ مَنْفَعَتَهُ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ.
وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ سَقَطَ مَا قِيلَ إنَّهُ عُطِفَ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ذَهَابًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ مَنْفَعَةٍ تَخْتَصُّ بِهِ.
(٧٦) قَوْلُهُ: لَا الْيَسِيرَةَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَوْجَبُوهُ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ.
فِيهِ: أَنْ (لَا) إنَّمَا يُعْطَفُ بِهَا الْإِثْبَاتُ فَكَانَ الظَّاهِرُ بَلْ الْيَسِيرَةُ
[الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ تَخْفِيفَاتُ الشَّرْعِ أَنْوَاعٌ]
(٧٧) قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَصْرَ إلَخْ.
الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْأَصْلَ فِي الْفَرْضِ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، وَزِيدَ رَكْعَتَانِ فِي الْحَضَرِ.
(٧٨) قَوْلُهُ: فَلَا إلَّا فِي صُورَةٍ أَيْ فَلَا تَخْفِيفَ تَنْقِيصٍ إلَّا فِي صُورَةٍ (٧٩) قَوْلُهُ: كَإِبْدَالِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِالتَّيَمُّمِ.
اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ بِلَا شَكٍّ اتِّفَاقًا لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْبَدَلِيَّةِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْخِلَافُ لِأَصْحَابِنَا مَعَ الشَّافِعِيِّ.
فَقَالَ مَشَايِخُنَا: هُوَ بَدَلٌ مُطْلَقًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ، وَيَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ إلَى
стр. 263
الرَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ؛ كَالْجَمْعِ بِعَرَفَاتٍ وَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَقَبْلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ بَعْدَ تَمَلُّكِ النِّصَابِ فِي الْأَوَّلِ، وَوُجُودِ الرَّأْسِ بِصِفَةِ الْمُؤْنَةِ وَالْوِلَايَةِ فِي الثَّانِي.
الْخَامِسُ: تَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ كَالْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَتَأْخِيرِ رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا فِي حَقِّ مُشْتَغِلٍ بِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ.
السَّادِسُ: تَخْفِيفُ تَرْخِيصٍ، كَصَلَاةِ الْمُسْتَجْمِرِ مَعَ بَقِيَّةِ النَّجْوِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِلْغُصَّةِ.
السَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَغْيِيرٍ؛ كَتَغْيِيرِ نَظْمِ الصَّلَاةِ لِلْخَوْفِ
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ، إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا نَصَّ فِيهِ، وَأَمَّا مَعَ النَّصِّ بِخِلَافِهِ فَلَا، وَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِحُرْمَةِ رَعْيِ حَشِيشِ الْحَرَمِ وَقَطْعِهِ، إلَّا الْإِذْخِرَ.
وَجَوَّزَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ رَعْيَهُ لِلْحَرَجِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَقْتِ وُجُودِ الْمَاءِ.
إلَّا أَنَّهُ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ مُبِيحٌ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ حَقِيقَةً، فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا يُصَلِّي بِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ؛ الثَّانِي الْخِلَافُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْإِمَامِ الْبَدَلِيَّةُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ جَوَازُ اقْتِدَاءِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ فَأَجْزَأَهُ وَمَنَعَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْمَشَايِخِ أَنَّ التُّرَابَ مُطَهِّرٌ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمَاءِ فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ فُقِدَ الشَّرْطُ.
فَيَنْعَقِدُ الْمَشْرُوطُ وَهُوَ طَهُورِيَّةُ التُّرَابِ،؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا كَانَ مُسَاوِيًا لِلْمَشْرُوطِ اسْتَلْزَمَهُ، وَهُنَاكَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ، وَجَوَازِ التَّيَمُّمِ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ لَا مَحَالَةَ فَجَازَ أَنْ يَسْتَلْزِمَهُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، لَا يُقَالُ لَا تُسَلَّمُ مُسَاوَاتُهُمَا؛ لِجَوَازِهِ مَعَ وُجُودِ حَالِ مَرَضِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ حَالَ مَرَضِهِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ الْقُدْرَةُ، وَهُوَ لَيْسَ بِقَادِرٍ حَالَ الْمَرَضِ
стр. 264
٨٠ - وَرُدَّ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي جِنَايَاتِ الْإِحْرَامِ.
وَقَالَ فِي الْأَنْجَاسِ: إنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ بِتَغْلِيظِ نَجَاسَةِ الْأَرْوَاثِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇ إنَّهَا رِكْسٌ أَيْ: نَجَسٌ.
وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ، ٨١ - كَمَا فِي بَوْلِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَعَمُّ (انْتَهَى) .
وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي: مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ زَادَ فِي تَفْسِيرِ الْغَلِيظَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَلَا حَرَجَ فِي اجْتِنَابِهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ، وَفِي الْغَلِيظَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلَا بَلْوَى فِي إصَابَتِهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ أَيْضًا، وَفِي الْمُحِيطِ وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ يَشْهَدُ لَهَا بَعْضُ فُرُوعِ الْبَابِ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَلَا حَرَجَ فِي اجْتِنَابِهِ، وَلَا بَلْوَى فِي إصَابَتِهِ عَلَى اخْتِلَافِ الْعِبَارَتَيْنِ ٨٢ - إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ ٨٣ - فَيَقَعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِدْقِ الْقَضِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ: أَنَّ مَا عَمَّتْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا نَصَّ فِيهِ]
قَوْلُهُ: وَرُدَّ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا.
يَعْنِي مِنْ أَنَّ الْحَرَجَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعٍ لَا نَصَّ فِيهِ.
وَفِيهِ أَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَوَّزَ الْكَيْلَ فِيمَا يُوزَنُ، وَالْوَزْنَ فِيمَا يُكَالُ، عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَإِنْ وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ بِخِلَافِهِ (٨١) قَوْلُهُ: كَمَا فِي بَوْلِ الْآدَمِيِّ أَيْ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ عُمُومُ الْبَلْوَى فِيهِ (٨٢)
قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِنْسِ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ.
أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنْ عَدَمِ الْحَرَجِ فِي الِاجْتِنَابِ، وَعَدَمِ الْبَلْوَى فِي الْإِصَابَةِ بِالْإِضَافَةِ إلَى جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ الصَّادِقِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهُمْ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمْعِ الْمُكَلَّفِينَ (٨٣) .
قَوْلُهُ: فَيَقَعُ الِاتِّفَاقُ إلَخْ: تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلَا حَرَجَ إلَخْ.
وَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ
стр. 265
بَلِيَّتُهُ خَفَّتْ قَضِيَّتُهُ (انْتَهَى)
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ٨٤ - ذَكَرَ بَعْضُهُمْ، أَنَّ الْأَمْرَ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ، وَإِذَا اتَّسَعَ ضَاقَ، ٨٥ - وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُهُمْ ٨٦ - بِقَوْلِهِ كُلُّ مَا تَجَاوَزَ عَنْ حَدِّهِ انْعَكَسَ إلَى ضِدِّهِ.
وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ فِي التَّعَاكُسِ قَوْلُهُمْ: يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَوْلُهُمْ يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ ٨٧ - وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ فُرُوعِهِمَا.
أَصْلُهَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵃.
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ وَإِذَا اتَّسَعَ ضَاقَ]
قَوْلُهُ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ، الْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الشَّافِعِيُّ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِمَعْنَى قَاعِدَةِ الْمَشَقَّةِ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ الْآتِيَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالِاتِّسَاعِ التَّرَخُّصُ عَنْ الْأَقْيِسَةِ وَطَرْدِ الْقَوَاعِدِ، وَالْمُرَادُ بِالضِّيقِ الْمَشَقَّةُ (٨٥) قَوْلُهُ: وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُهُمْ، أَيْ وَفَّقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ (٨٦)
قَوْلُهُ: بِقَوْلِهِ كُلَّمَا تَجَاوَزَ عَنْ حَدِّهِ انْعَكَسَ إلَى ضِدِّهِ.
الْوَاقِعُ فِي عِبَارَةِ الْكَثِيرِينَ عَادَ إلَى ضِدِّهِ وَقَدْ نَوَّرَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْجَمْعَ بِقَوْلِهِ: أَلَا تَرَى أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ سُومِحَ فِيهِ وَكَثِيرَهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ لَمْ يُسَامَحْ بِهِ (٨٧) قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ فُرُوعِهِمَا.
يَعْنِي فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْقَوَاعِدِ
стр. 266
الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ الضَّرَرُ يُزَالُ ١ - وَفَسَّرَهُ فِي الْمُغْرِبِ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الرَّجُلُ أَخَاهُ ابْتِدَاءً وَلَا جَزَاءً (انْتَهَى) .
وَذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ﵏ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ وَالشُّفْعَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُبْتَنَى عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَثِيرٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ؛ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْخِيَارَاتِ، وَالْحَجْرُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَالشُّفْعَةُ فَإِنَّهَا لِلشَّرِيكِ؛ ٢ - لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ، وَلِلْجَارِ لِدَفْعِ ضَرَرِ جَارِ السَّوْءِ (بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ) .
وَالْقِصَاصُ وَالْحُدُودُ، وَالْكَفَّارَاتُ وَضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ
٣ - وَالْجَبْرُ عَلَى الْقِسْمَةِ بِشَرْطِهِ؛ وَنَصْبُ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَدَفْعُ الصَّائِلِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ الضَّرَرُ يُزَالُ وَيَتَعَلَّق بِهَا قَوَاعِدُ]
قَوْلُهُ: وَفَسَّرَهُ فِي الْمُغْرِبِ بِأَنْ لَا يَضُرُّ الرَّجُلُ أَخَاهُ إلَخْ.
فِي حَوَاشِي الْمُعَلِّقِ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: اُخْتُلِفَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالضِّرَارِ فَقِيلَ: الضَّرَرُ فِعْلُ الْوَاحِدِ وَالضِّرَارُ فِعْلُ الِاثْنَيْنِ.
وَقِيلَ: الضَّرَرُ أَنْ يَضُرَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَفِعَ، وَالضِّرَارُ أَنْ يَضُرَّهُ ابْتِدَاءً وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (انْتَهَى) (٢) قَوْلُهُ: لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ.
قِيلَ عَلَيْهِ: الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ أَنَّ الشُّفْعَةَ شُرِعَتْ؛ لِدَفْعِ جَارِ السَّوْءِ لَا لِدَفْعِ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ، وَلِهَذَا تَجِبُ فِي الْعَقَارِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَرَحًى وَحَمَّامٍ وَبِئْرٍ وَبَيْتٍ صَغِيرٍ؛ وَلِأَنَّ أُجْرَةَ الْقَسَّامِ مَشْرُوعَةٌ فَلَا يَلْحَقُ الضَّرَرُ بِالْمُشْتَرِي لِدَفْعِ حُكْمٍ مَشْرُوعٍ، وَلَوْ كَانَتْ لِدَفْعِ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ لَوَجَبَتْ فِي الْمَنْقُولِ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ دَفْعُ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ بِسُوءِ الْعِشْرَةِ عَلَى الدَّوَامِ
(٣) . قَوْلُهُ: وَالْجَبْرُ عَلَى الْقِسْمَةِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ اتِّحَادُ الْجِنْسِ فِي الْعُرُوضِ، أَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرَاضِي؛ لِانْعِدَامِ الِاخْتِلَاطِ بَيْنَهُمَا فَلَا تَقَعُ الْقِسْمَةُ تَمْيِيزًا فِي الْعُرُوضِ بَلْ تَقَعُ مُعَاوَضَةً فَيَكُونُ بِالتَّرَاضِي لَا بِالْجَبْرِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَلَكِيِّ
стр. 267
وَقِتَالُ الْمُشْرِكِينَ وَالْبُغَاةِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ: بَاعَ أَغْصَانَ فِرْصَادٍ، وَالْمُشْتَرِي إذَا ارْتَقَى لِقَطْعِهَا يَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَاتِ الْجِيرَانِ؛ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُخْبِرَهُمْ وَقْتَ الِارْتِقَاءِ؛ لِيَسْتَتِرُوا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ٤ - فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ؛ لِيَمْنَعَهُ مِنْ الِارْتِقَاءِ (انْتَهَى) ٥ - وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا مُتَّحِدَةٌ ٦ - أَوْ مُتَدَاخِلَةٌ، وَتَتَعَلَّق بِهَا قَوَاعِدُ
: الْأُولَى: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ ، ٧ - وَمِنْ ثَمَّ جَازَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنْ فَعَلَ، أَيْ فَبِهَا وَنَعِمَتْ فَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ (٥) قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا مُتَّحِدَةٌ.
الصَّوَابُ مُتَّحِدَتَانِ أَيْ تَصْدُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَحِينَئِذٍ فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهَا (٦) قَوْلُهُ: أَوْ مُتَدَاخِلَةٌ.
الصَّوَابُ مُتَدَاخِلَتَانِ أَيْ دَاخِلَةٌ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي الْأُخْرَى، وَفِيهِ مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ
[الْأُولَى الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ]
(٧) قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ جَازَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَكَذَا لِلتَّدَاوِي قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَقْلًا عَنْ التَّهْذِيبِ: يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبُ الدَّمِ وَالْبَوْلِ إذَا أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ أَنَّ شِفَاءَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ الْمُبَاحِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَإِنْ قَالَ الطَّبِيبُ: يَتَعَجَّلُ شِفَاؤُك بِهِ، فِيهِ وَجْهَانِ: وَهَلْ يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ شُرْبُ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي إذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ وَجْهَانِ (انْتَهَى) .
وَفِي النَّوَازِلِ: كَتْبُ الْفَاتِحَةِ بِالدَّمِ عَلَى الْجَبْهَةِ يَجُوزُ، وَلَوْ كَتَبَ بِالْبَوْلِ إنْ عَرَفَ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً فَلَا بَأْسَ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَسْقُطُ عِنْدَ الِاسْتِشْفَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَطْشَانَ يُرَخَّصُ لَهُ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَلِلْجَائِعِ الْمَيْتَةُ (انْتَهَى) .
وَفِي اللَّآلِئِ التَّدَاوِي بِلَبَنِ الْأَتَانِ إذَا أَشَارَ إلَيْهِ وَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا حَرَامٌ، وَالِاسْتِشْفَاءُ بِالْحَرَامِ حَرَامٌ (انْتَهَى) .
قُلْت: هَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَ فِي التَّدَاوِي بِالدَّمِ وَالْبَوْلِ (انْتَهَى) .
وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا
стр. 268
وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ، وَالتَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِلْإِكْرَاهِ
٩ - وَكَذَا إتْلَافُ الْمَالِ، وَأَخْذُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ الْأَدَاءِ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَدَفْعُ الصَّائِلِ، وَلَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ١٠ - بِشَرْطِ عَدَمِ نُقْصَانِهَا؛ قَالُوا: لِيَخْرُجَ مَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ نَبِيًّا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ أَعْظَمُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ مُهْجَةِ الْمُضْطَرِّ (انْتَهَى) .
وَلَكِنْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا ﵏ مَا يُفِيدُهُ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ بِقَتْلٍ لَا يُرَخَّصُ لَهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ أَثِمَ؛ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ قَتْلِ نَفْسِهِ أَخَفُّ مِنْ مَفْسَدَةِ قَتْلِ غَيْرِهِ.
وَقَالُوا: لَوْ دُفِنَ بِلَا تَكْفِينٍ لَا يُنْبَشُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ هَتْكِ حُرْمَتِهِ أَشَدُّ مِنْ عَدَمِ تَكْفِينِهِ الَّذِي قَامَ السَّتْرُ بِالتُّرَابِ مَقَامَهُ.
وَكَذَا قَالُوا: لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ؛ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ وَلَا يُخْرَجُ
١١ - الثَّانِيَةُ: مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا ، وَلِذَا قَالَ فِي أَيْمَانِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَفِي صَلَاةِ الْجَلَالِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي الِاسْتِرْقَاءِ بِالْقُرْآنِ يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمَلْدُوغِ أَوْ يُكْتَبَ عَلَى وَرَقٍ وَيُعَلَّقَ أَوْ يُكْتَبَ فِي طَشْتٍ وَيُغْسَلَ وَيُسْقَى الْمَرِيضُ فَأَبَاحَهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو قِلَابَةَ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ (٨)
قَوْلُهُ: وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ.
يَعْنِي إذَا غَصَّ بِهَا
(٩) قَوْلُهُ: وَكَذَا إتْلَافُ الْمَالِ، كَمَا إذَا خَافُوا غَرَقَ السَّفِينَةِ لِكَثْرَةِ حِمْلِهَا فَإِنَّهُ يُبَاحُ إتْلَافُ الْمَالِ (١٠) قَوْلُهُ: بِشَرْطِ عَدَمِ نُقْصَانِهَا.
أَيْ الضَّرُورَةِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ عَنْ ذَلِكَ الْمَحْظُورِ الَّذِي اقْتَضَتْ إبَاحَتَهُ
[الثَّانِيَةُ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا]
(١١) قَوْلُهُ: الثَّانِيَةُ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ إلَخْ.
فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هَاهُنَا خَمْسَةُ مَرَاتِبَ
стр. 269
الظَّهِيرِيَّةِ: إنَّ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ لَا تُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا يُبَاحُ التَّعْرِيضُ، (انْتَهَى) .
يَعْنِي؛ لِانْدِفَاعِهَا بِالتَّعْرِيضِ، وَمِنْ فُرُوعِهِ: الْمُضْطَرُّ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ وَالطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ عَلَى سَبِيلِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ فِي الْكَنْزِ: وَيَنْتَفِعُ فِيهَا بِعَلَفٍ وَطَعَامٍ وَحَطَبٍ وَسِلَاحٍ وَدُهْنٍ بِلَا قِسْمَةٍ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا لَا، وَمَا فَضَلَ رُدَّ إلَى الْغَنِيمَةِ.
وَأَفْتَوْا بِالْعَفْوِ عَنْ بَوْلِ السِّنَّوْرِ فِي الثِّيَابِ دُونَ الْأَوَانِي؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي الْأَوَانِي؛ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِتَخْمِيرِهَا.
وَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ فِي الْبَعْرِ بَيْنَ آبَارِ الْفَلَوَاتِ؛ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْإِبِلُ تَبْعَرُ حَوْلَهَا، وَبَيْنَ آبَارِ الْأَمْصَارِ؛ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ.
وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ آبَارِ الْفَلَوَاتِ وَالْأَمْصَارِ، وَبَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ، وَبَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ.
وَيُعْفَى عَنْ ثِيَابِ الْمُتَوَضِّئِ إذَا أَصَابَهَا مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، ١٢ - عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُ ثَوْبَ غَيْرِهِ؛ لِعَدَمِهَا، وَدَمُ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، نَجِسٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
ضَرُورَةٌ وَحَاجَةٌ وَمَنْفَعَةٌ وَزِينَةٌ وَفُضُولٌ.
فَالضَّرُورَةُ بُلُوغُهُ حَدًّا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَمْنُوعَ هَلَكَ إذَا قَارَبَهُ، وَهَذَا يُبِيحُ تَنَاوُلَ الْحَرَامِ.
وَالْحَاجَةُ كَالْجَائِعِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَأْكُلُهُ لَمْ يَهْلِكْ غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ وَهَذَا لَا يُبِيحُ الْحَرَامَ، وَيُبِيحُ الْفِطْرَ فِي الصَّوْمِ.
وَالْمَنْفَعَةُ كَاَلَّذِي يَشْتَهِي خُبْزَ الْبُرِّ، وَلَحْمَ الْغَنَمِ وَالطَّعَامَ الدَّسِمَ وَالزِّينَةُ كَالْمُشْتَهِي الْحَلْوَى وَالسُّكَّرَ، وَالْمَفْضُولُ التَّوَسُّعُ بِأَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ (١٢) قَوْلُهُ: عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ.
رَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ نَجِسٌ
стр. 270
لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ، وَالْجَبِيرَةُ يَجِبُ أَنْ لَا تَسْتُرَ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا بِقَدْرِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالطَّبِيبُ إنَّمَا يَنْظُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
وَفَرَّعَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْهَا؛ أَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؛ لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِهَا (انْتَهَى) ، وَلَمْ أَرَهُ لِمَشَايِخِنَا ﵏
١٣ - تَذْنِيبٌ: يَقْرُبُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: مَا جَازَ لِعُذْرٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ ، فَبَطَلَ التَّيَمُّمُ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ لِفَقْدِ الْمَاءِ بَطَلَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَرَضٍ بَطَلَ بِبُرْئِهِ، وَإِنْ كَانَ لِبَرْدٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تُخَرَّجَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ إذَا كَانَ الْأَصْلُ مَرِيضًا فَصَحَّ بَعْدَ الْإِشْهَادِ، أَوْ مُسَافِرًا فَقَدِمَ أَنْ يَبْطُلَ الْإِشْهَادُ ١٤ - عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا لِمَوْتِ الْأَصِيلِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ
الثَّالِثَةُ: الضَّرَرُ لَا يَزَالُ بِالضَّرَرِ، وَهِيَ مُقَيِّدَةٌ لِقَوْلِهِمْ: الضَّرَرُ يُزَالُ، أَيْ لَا بِضَرَرٍ
ــ
[غمز عيون البصائر]
نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مُخَفَّفَةً.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَيْضًا.
وَجْهُ التَّنَجُّسِ أَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَ بِهِ مَانِعُ الصَّلَاةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
وَكُلٌّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
[تَذْنِيبٌ يَقْرُبُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا جَازَ لِعُذْرٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ]
(١٣) قَوْلُهُ: تَذْنِيبٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ التَّذْنِيبِ وَالتَّذْيِيلِ أَنَّ التَّذْنِيبَ إلْحَاقُ مَا قَلَّ بِمَا قَبْلَهُ وَالتَّذْيِيلَ إلْحَاقُ مَا كَثُرَ بِمَا قَبْلَهُ (١٤) قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَوْتِ الْأَصِيلِ إلَخْ: مُشْعِرٌ بِالْحَضَرِ فِيمَا ذَكَرُوا بِأَنَّ فِي الْحَضَرِ خِلَافًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِمَا فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ الْأَصِيلَ إذَا كَانَ مُخَدَّرَةً يَجُوزُ إشْهَادُهَا عَلَى شَهَادَتِهَا، وَهِيَ الَّتِي لَا تُخَالِطُ الرِّجَالَ، وَلَوْ خَرَجَتْ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ وَلِلْحَمَّامِ (انْتَهَى) .
وَكَذَا إذَا حُبِسَ الْأَصِيلُ فِي سِجْنِ الْوَالِي، وَأَمَّا فِي سِجْنِ
стр. 271
وَمِنْ فُرُوعِهَا عَدَمُ وُجُوبِ الْعِمَارَةِ عَلَى الشَّرِيكِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِمُرِيدِهَا أَنْفِقْ وَاحْبِسْ الْعَيْنَ إلَى اسْتِيفَاءِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ أَوْ مَا أَنْفَقْتَهُ، فَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي، وَالثَّانِي إنْ كَانَ بِإِذْنِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ١٦ - وَكَتَبْنَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ فِي مَسَائِلَ شَتَّى فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: أَنَّ الشَّرِيكَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ، وَلَا يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ تَضَرُّرًا، وَلَا يَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ طَعَامَ مُضْطَرٍّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْقَاضِي فَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَمْ نَعْثُرْ عَلَيْهِ.
الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: أَنْ يَبْطُلَ الْإِشْهَادُ فِي صُورَةٍ مَا إذَا كَانَ الْأَصِيلُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ وَالْأَمِيرَ لَا يَجُوزُ إشْهَادُهُمَا عَلَى شَهَادَتِهِمَا، وَهُمَا فِي الْبَلَدِ
[الثَّالِثَةُ الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ]
(١٥) قَوْلُهُ: وَمِنْ فُرُوعِهَا عَدَمُ وُجُوبِ الْعِمَارَةِ عَلَى الشَّرِيكِ إلَخْ.
الْمُنَاسِبُ لِلسِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ عَدَمُ إجْبَارِ الشَّرِيكِ عَلَى الْعِمَارَةِ (١٦) قَوْلُهُ: وَكَتَبْنَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ إلَى قَوْلِهِ: إنَّ الشَّرِيكَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ، وَعِبَارَتُهُ: اخْتَلَفُوا فِي مَنْعِ هَدْمِ صَاحِبِ السُّفْلِ الْجِدَارَ الْحَامِلَ لِلْعُلُوِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنْ هَدَمَهُ أُجْبِرَ عَلَى بِنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى عَلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ الَّذِي هُوَ قَرَارُ الْعُلُوِّ كَالرَّاهِنِ إذَا قَتَلَ الْمَرْهُونَ، وَالْمَوْلَى إذْ قَتَلَ عَبْدَهُ الْمَدْيُونَ.
فَرْقٌ بَيْنَ التَّعَلِّي، وَحَقِّ التَّسْفِيلِ حَيْثُ لَوْ هَدَمَ فِي الْأَوَّلِ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ، وَلَوْ هَدَمَ فِي الثَّانِي لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: السُّفْلُ إذْ كَانَ لِرَجُلٍ وَعُلُوٌّ لِآخَرَ فَسَقْفُ السُّفْلِ وَجَزُوعُهُ وَهَوَادِيهِ وَبَوَارِيهِ وَطِينُهُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْعُلُوِّ مَسْكَنُهُ فِي ذَلِكَ (انْتَهَى) .
ثُمَّ قَالَ: وَهِيَ مَسْأَلَةُ الثَّانِيَةِ وَفِي الْحَائِطِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لَوْ كَانَ لَهُمَا خَشَبٌ فَبَنَى أَحَدُهُمَا، لِلِبَانِي أَنْ يَمْنَعَ الْآخَرَ مِنْ وَضْعِ الْخَشَبِ حَتَّى يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ مَبْنِيًّا وَفِي الْأَقْضِيَةِ: حَائِطٌ مُشْتَرَكٌ أَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَهُ وَأَبَى الشَّرِيكُ، إنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يُخَافُ سُقُوطُهُ لَا يُجْبَرُ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُخَافُ سُقُوطُهُ - عَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ - يُجْبَرُ، وَإِنْ هَدَمَاهُ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الْبِنَاءَ، وَأَبَى الْآخَرُ؛ إنْ كَانَ أَسَاسُ الْحَائِطِ عَرِيضًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْنِيَ حَائِطًا فِي نَصِيبِهِ بَعْدَ
стр. 272
آخَرَ وَلَا شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ؛ لِأَجْلِ دَفْعِ ضَرَرِ الْعَامِّ.
وَهَذَا مُقَيِّدٌ لِقَوْلِهِمْ: الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ
١٧ - وَعَلَيْهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: جَوَازُ الرَّمْيِ إلَى كُفَّارٍ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْقِسْمَةِ وَلَا يُجْبَرُ الشَّرِيكُ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ يُجْبَرُ.
كَذَا عَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَتَفْسِيرُ الْجَبْرِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِقْهُ الشَّرِيكُ أَنْفَقَ عَلَى الْعِمَارَةِ، وَرَجَعَ عَلَى الشَّرِيكِ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقَ.
وَفِي الشَّهَادَاتِ الْفُضْلَى لَوْ هَدَمَاهُ، وَامْتَنَعَ أَحَدُهُمَا يُجْبَرُ، وَلَوْ انْهَدَمَ لَا يُجْبَرُ.
وَلَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ مَا لَمْ يَسْتَوْفِ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ فِيهِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ بِلَا قَضَاءٍ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: لَوْ هَدَمَ ذُو السُّفْلِ سُفْلَهُ، وَذُو الْعُلُوِّ عُلُوَّهُ أَخَذَ ذُو السُّفْلِ بِنَاءَ سُفْلِهِ، وَإِذَا فَوَّتَ عَلَيْهِ حَقًّا لَحِقَ بِالْمِلْكِ فَيَضْمَنُ كَمَا لَوْ فَوَّتَ عَلَيْهِ مِلْكًا (انْتَهَى) .
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا جَبْرَ عَلَى ذِي الْعُلُوِّ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْفَتْحِ خِلَافُهُ (انْتَهَى) .
وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا بَنَى صَاحِبُ السُّفْلِ سُفْلَهُ وَطَلَبَ مِنْ ذِي الْعُلُوِّ بِنَاءَ عُلُوِّهِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ وَلَوْ انْهَدَمَ السُّفْلُ بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْ صَاحِبِهِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي.
وَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتًا وَيَبْنِيَ عَلَيْهِ عُلُوَّهُ ثُمَّ يَرْجِعَ وَيَمْنَعَهُ مِنْ السَّكَنِ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا كَمُسْتَعِيرِ الرَّهْنِ إذَا قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا وَلَوْ انْهَدَمَ الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ فَكَذَلِكَ، ثَمَّ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ أَوْ بِمَا أَنْفَقَ قَبْلُ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ مُضْطَرًّا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ بِقِيمَةِ السُّفْلِ مَبْنِيًّا لَا بِمَا أَنْفَقَ.
وَقِيلَ: إنْ بَنَى بِأَمْرِ الْقَاضِي يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ، وَإِلَّا رَجَعَ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ
كَذَا فِي قِسْمَةِ الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَإِذْنُ الشَّرِيكِ كَإِذْنِ الْقَاضِي فَيَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ، كَمَا حَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ.
وَإِذْ قُلْنَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ فَهَلْ الْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْبِنَاءِ أَوْ وَقْتَ الرُّجُوعِ؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ: وَقْتُ الْبِنَاءِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَبْنِيَّ يُبْنَى عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ أَوْ عَلَى مِلْكِ الْبَانِي ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ (انْتَهَى) (١٧) قَوْلُهُ: وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِمْ: الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ.
قِيلَ عَلَيْهِ: لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ إطْلَاقٌ حَتَّى يُجْعَلَ هَذَا مُقَيِّدًا لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ، وَإِذَا أُزِيلَ
стр. 273
تَتَرَّسُوا بِصِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْهَا: وُجُوبُ نَقْضِ حَائِطٍ مَمْلُوكٍ ١٩ - مَالَ إلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ عَلَى مَالِكِهَا؛ دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ، وَمِنْهَا: جَوَازُ الْحَجْرِ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْحُرِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي ثَلَاثٍ: ٢٠ - الْمُفْتِي الْمَاجِنِ، وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ؛ دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ ٢١ - وَمِنْهَا: جَوَازُهُ عَلَى السَّفِيهِ عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، ٢٢ - دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ مَالِ الْمَدْيُونِ الْمَحْبُوسِ عِنْدَهُمَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
الضَّرَرُ بِتَحَمُّلِ ضَرَرِ الْخَاصِّ لَمْ يَزُلْ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْخَاصَّ لَيْسَ مِثْلَ الْعَامِّ فَتَأَمَّلْ
(١٨) قَوْلُهُ: تَتَرَّسُوا بِصِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ: قِيلَ: عِبَارَةُ أَكْثَرِهِمْ تَتَرَّسُوا بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ إذْ لَا قَائِلَ بِتَخْصِيصِ الصِّبْيَانِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: تَخْصِيصُ الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلرَّحْمَةِ فَإِذَا عُلِمَ الْحُكْمُ فِيهِمْ عُلِمَ فِي غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(١٩) قَوْلُهُ: مَالَ إلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ: الْمَيْلُ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ مِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ رَهَنَ أَوْ انْشَقَّ طُولًا أَوْ عَرْضًا (٢٠) قَوْلُهُ: الْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ إلَخْ: الْمُفْتِي الْمَاجِنُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحِيَلَ، وَالطَّبِيبُ الْجَاهِلُ الَّذِي يَسْقِي النَّاسَ الدَّوَاءَ وَيَمُوتُ الْمَرِيضُ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ الَّذِي يُكَارِي الدَّابَّةَ، وَيَأْخُذُ الْكِرَاءَ فَإِذَا جَاءَ أَوَانُ السَّفَرِ رَأَيْته لَا دَابَّةَ لَهُ فَيَنْقَطِعُ الْمُكْتَرِي عَنْ الرُّفْقَةِ، كَذَا فِي الدُّرَرِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا: يَصِحُّ الْحَجْرُ عَلَى الْكُلِّ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَضَاءِ بِالْإِفْلَاسِ.
(٢١) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا جَوَازُهُ عَلَى السَّفِيهِ السَّفَهُ: الْعَمَلُ بِخِلَافِ مُوجَبِ الشَّرْعِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى، وَمِنْ عَادَةِ السَّفِيهِ التَّبْذِيرُ، وَالْإِسْرَافُ فِي النَّفَقَةِ، وَالتَّصَرُّفُ لَا لِغَرَضٍ، أَوْ لِغَرَضٍ لَا يَعْتَدُّ بِهِ الْعُقَلَاءُ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَةِ مِثْلَ دَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمُغَنِّي، وَشِرَاءِ الْحَمَامِ الطَّيَّارَةِ بِثَمَنٍ غَالٍ وَالْغَبْنِ فِي التِّجَارَاتِ.
(٢٢) قَوْلُهُ: دَفْعًا لِضَرَرِ الْعَامِّ: قِيلَ: كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا، وَالصَّوَابُ النَّصْبُ
стр. 274
لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْغُرَمَاءِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ
٢٣ - وَمِنْهَا: التَّسْعِيرُ عِنْدَ تَعَدِّي أَرْبَابِ الطَّعَامِ فِي بَيْعِهِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ.
وَمِنْهَا: بَيْعُ طَعَامِ الْمُحْتَكَرِ جَبْرًا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْبَيْعِ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ
٢٤ - وَمِنْهَا: مَنْعُ اتِّخَاذِ حَانُوتٍ لِلطَّبْخِ بَيْنَ الْبَزَّازِينَ، وَكَذَا كُلُّ ضَرَرٍ عَامٍّ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ.
وَتَمَامُهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
عَلَى التَّمْيِيزِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ انْتَهَى وَفِيهِ خَفَاءٌ
(٢٣) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا التَّسْعِيرُ إلَخْ، فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُسَعِّرَ لِمَا بَيَّنَّا يَعْنِي أَنَّ الْمُسَعِّرَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَرْبَابُ الطَّعَامِ تَعَدِّيًا فَاحِشًا فِي الْقِيمَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِمَشُورَةِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةَ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الضَّيَاعِ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا خَافَ الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ الْهَلَاكَ أَخَذَ الطَّعَامَ مِنْ الْمُحْتَكِرِ، وَفَرَّقَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا وَجَدُوا رَدُّوا مِثْلَهُ، وَلَيْسَ هَذَا حَجْرًا، وَإِنَّمَا هُوَ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ
(٢٤) . قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَنْعُ اتِّخَاذِ حَانُوتٍ لِلطَّبْخِ بَيْنَ الْبَزَّازِينَ: اعْلَمْ أَنَّ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ اخْتِلَافًا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ عَلَى أَصْلِ الْإِمَامِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ لَحِقَ بِالْغَيْرِ الضَّرَرُ، وَأَفْتَى بِهَذِهِ الطَّائِفَةُ لَكِنْ تَرَكَ غَالِبُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ يَتَعَدَّى ضَرَرُ تَصَرُّفِهِ إلَى غَيْرِهِ ضَرَرًا بَيِّنًا، وَقَالُوا بِالْمَنْعِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ: عُلُوٌّ لِرَجُلٍ وَسُفْلٌ لِآخَرَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ مَا بَدَا لَهُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالسُّفْلِ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ: لَهُ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالْأَسْفَلِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ.
هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمُخْتَارُ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ إذَا أَشْكَلَ أَنَّهُ يَضُرُّ أَمْ لَا، لَا يَمْلِكُ، وَإِذَا عُلِمَ لَا يَضُرُّ يَمْلِكُ (انْتَهَى) .
وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ: لَوْ حَفَرَ صَاحِبُ السُّفْلِ فِي مِسَاحَةِ بِئْرٍ أَوْ مَا شِبْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَإِنْ تَضَرَّرَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ، وَعِنْدَهُمَا الْحُكْمُ مَعْلُومٌ بِعِلَّةِ الضَّرَرِ.
قِيلَ: يَحْتَاجُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفِهِ فِي سَاحَةِ السُّفْلِ، وَبَيْنَ
стр. 275
فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ مِنْ الدَّعْوَى.
تَنْبِيهٌ آخَرُ: تَقْيِيدُ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا بِمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْظَمَ ضَرَرًا مِنْ الْآخَرِ؛ فَإِنَّ الْأَشَدَّ يُزَالُ بِالْأَخَفِّ، فَمِنْ ذَلِكَ الْإِجْبَارُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَاتِ.
وَمِنْهَا: حَبْسُ الْأَبِ لَوْ امْتَنَعَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ؛ ٢٥ - بِخِلَافِ الدَّيْنِ.
وَمِنْهَا: لَوْ غَصَبَ سَاجَةً، أَيْ خَشَبَةً، وَأَدْخَلَهَا فِي بِنَائِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ يَمْلِكُهَا صَاحِبُهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّ الْمَالِكِ عَنْهَا.
وَمِنْهَا: لَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ؛ ٢٦ - فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ أَكْثَرَ قَلَعَهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
تَصَرُّفِهِ فِي السُّفْلِ أَوْ الْعُلُوِّ حَيْثُ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي سَاحَةِ السُّفْلِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ ضَرَرُ صَاحِبِ الْعُلُوِّ بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ صَاحِبِ السُّفْلِ إذَا أَضَرَّ بِهِ صَاحِبَ الْعُلُوِّ وَعَكْسُهُ.
مَعَ أَنَّ الْكُلَّ تَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِهِ.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي: عُلُوٌّ لِرَجُلٍ وَسُفْلٌ لِآخَرَ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ بِنَاءً أَوْ يَتِدَ وَتَدًا عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا بِرِضَى صَاحِبِ السُّفْلِ، وَعِنْدَهُمَا لَهُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: قَوْلُهُمَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا أَشْكَلَ فَعِنْدَهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُمَا لَهُ ذَلِكَ (٢٥) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الدَّيْنِ: يَعْنِي لَا يُحْبَسُ الْأَبُ لِدَيْنِ وَلَدِهِ وَكَذَا كُلُّ أَصْلٍ لِدَيْنِ فَرْعِهِ.
قِيلَ: إلَّا إذَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي تَمَرُّدُهُ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ؛ لِمَا فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى، وَفِي الْبَابِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ قَالَ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى أَبِيهِ مَهْرُ الْأُمِّ أَوْ دَيْنٌ آخَرُ فَأَقَرَّ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنَّهُ لَا يُحْبَسُ مَا لَمْ يَتَمَرَّدْ عَلَى الْحَاكِمِ، وَهَذَا بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ لَهَا، يَعْنِي، وَإِنْ لَمْ يَتَمَرَّدْ فَإِنَّ فِيهِ صِيَانَةَ مُهْجَةٍ (٢٦) قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ إلَخْ.
أَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا تَسَاوَيَا.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ السَّاحَةِ وَالْبِنَاءِ سَوَاءً، فَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى شَيْءٍ جَازَ، وَإِنْ تَنَازَعَا يُبَاعُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِمَا، وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَالِهِمَا
стр. 276
وَرُدَّتْ، ٢٨ - وَإِلَّا ضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهَا
وَمِنْهَا: لَوْ ابْتَلَعَتْ دَجَاجَةٌ لُؤْلُؤَةً؛ يُنْظَرُ إلَى أَكْثَرِهِمَا قِيمَةً فَيَضْمَنُ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ قِيمَةَ الْأَقَلِّ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَدْخَلَ فَصِيلَ غَيْرِهِ فِي دَارِهِ فَكَبِرَ فِيهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِهَدْمِ الْجِدَارِ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ الْبَقَرُ رَأْسَهُ فِي قِدْرٍ مِنْ النُّحَاسِ فَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ، هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا ﵏ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ وَفَصَّلَ الشَّافِعِيَّةُ؛ فَقَالُوا: إنْ كَانَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ مَعَهَا فَهُوَ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الْحِفْظِ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ كُسِرَتْ الْقِدْرُ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ.
أَوْ مَأْكُولَةً فَفِي ذَبْحِهَا وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَإِنْ فَرَّطَ صَاحِبُ الْقِدْرِ كُسِرْت، وَلَا أَرْشَ، وَإِلَّا فَلَهُ الْأَرْشُ.
٢٩ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِمَسْأَلَةِ الْبَقَرَةِ مَا لَوْ سَقَطَ دِينَارُهُ فِي مِحْبَرَةِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهَا
٣٠ - وَمِنْهَا: جَوَازُ دُخُولِ بَيْتِ غَيْرِهِ إذَا سَقَطَ مَتَاعُهُ فِيهِ وَخَافَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ مِنْهُ أَخْفَاهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: قَلَعَهَا وَرُدَّتْ إلَخْ: قِيلَ: هَلْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ تَمَلُّكُهَا بِالْقِيمَةِ جَبْرًا عَلَى الْغَصْبِ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَرْضَ إنْ انْتَقَضَتْ بِالْقَلْعِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا (٢٨) قَوْلُهُ: وَإِلَّا ضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهَا، لَا خَفَاءَ أَنَّهُ يَشْمَلُ صُورَةَ الْمُسَاوَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ
(٢٩) قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِمَسْأَلَةِ الْبَقَرَةِ إلَخْ: إيضَاحُ هَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ
(٣٠) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا جَوَازُ دُخُولِ بَيْتِ غَيْرِهِ إلَخْ، قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بَعْدَ نَقْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْلِمَ ذَلِكَ أَهْلَ الصَّلَاحِ أَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَهَا لِهَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهَا أَهْلُ الصَّلَاحِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَدْخُلَ وَيَأْخُذَ مَالَهُ فِي السِّرِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ
стр. 277
وَمِنْهَا: مَسْأَلَةُ الظَّفَرِ بِجِنْسِ دَيْنِهِ، وَمِنْهَا: جَوَازُ شَقِّ بَطْنِ الْمَيِّتَةِ؛ لِإِخْرَاجِ الْوَلَدِ إذَا كَانَتْ تُرْجَى حَيَاتُهُ.
وَقَدْ أَمَرَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَعَاشَ الْوَلَدُ كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
قَالُوا ٣٢ - بِخِلَافِ مَا إذَا ابْتَلَعَ لُؤْلُؤَةً فَمَاتَ ٣٣ - فَإِنَّهُ لَا يُشَقُّ بَطْنُهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَالِ.
وَسَوَّى الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَهُمَا فِي جَوَازِ الشَّقِّ.
وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الظَّفَرُ بِجِنْسِ دَيْنِهِ إلَخْ.
فِي الِاسْتِحْسَانِ: الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ.
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ فَظَفِرَ بِدَرَاهِمِ مَدْيُونِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ إنْ لَمْ يَكُنْ دَرَاهِمُهُ أَجْوَدَ، وَلَمْ يَكُنْ مُؤَجِّلًا، وَإِنْ ظَفِرَ بِدَنَانِيرِ مَدْيُونِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الدَّيْنِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ (انْتَهَى) .
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْعَتَّابِيِّ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ، وَظَفِرَ بِدَرَاهِمَ مَدْيُونِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ الْمَدْيُونِ مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ لَا، وَإِذَا ظَفِرَ بِدَنَانِيرِ مَدْيُونِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (انْتَهَى) ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ (٣٢) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا ابْتَلَعَ لُؤْلُؤَةً: قِيلَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ وَمُقْتَضَى مَا عَلَّلَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ ابْتَلَعَ دَنَانِيرَ غَيْرِهِ تُشَقُّ بَطْنُهُ وَالْمَنْقُولُ خِلَافُهُ، فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّهُ تُشَقُّ بَطْنُهُ فِي اللُّؤْلُؤَةِ وَالدَّنَانِيرِ، وَأَنَّ عَدَمَ الشَّقِّ فِي الدُّرَّةِ إنَّمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ (انْتَهَى) .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَدْ طَالَعْت الْبَزَّازِيَّةَ فَرَأَيْته فِي مَحَلٍّ ذَكَرَ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِمُقْتَضَى مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُصَنِّفُ ﵀، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قِيلَ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ الَّذِي اقْتَضَاهُ تَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، وَصَاحِبُ الْقِيلِ لَمْ يَطَّلِعْ إلَّا عَلَى الْأَوَّلِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: ذِكْرُهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلصِّحَّةِ.
(٣٣) قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُشَقُّ بَطْنُهُ إلَخْ: قَيَّدَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ بِمَا إذَا مَاتَ إنْ بَلَعَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْبَلُوعِ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهُ
стр. 278
مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَقِيمَةُ الدُّرَّةِ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا لَا يَجِبُ شَيْءٌ (انْتَهَى) .
٣٤ - وَمِنْهَا طَلَبُ صَاحِبِ الْأَكْثَرِ الْقِسْمَةَ، وَشَرِيكُهُ يَتَضَرَّرُ؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْكَثِيرِ يُجَابُ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ فِي عَدَمِ الْقِسْمَةِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ شَرِيكِهِ بِهَا
نَشَأَتْ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَاعِدَةٌ رَابِعَةٌ، وَهِيَ مَا ٣٥ - إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا.
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: ثُمَّ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ يَأْخُذُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا يَخْتَارُ أَهْوَنَهُمَا؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَرَامِ لَا تَجُوزُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ.
مِثَالُهُ: رَجُلٌ عَلَيْهِ جُرْحٌ لَوْ سَجَدَ سَالَ جُرْحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسِلْ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْهُ طَلَبُ صَاحِبِ الْأَكْثَرِ الْقِسْمَةَ إلَخْ.
هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَجْهُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْأَكْثَرِ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَخُصَّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَيَمْنَعَ غَيْرَهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَهَذَا مِنْهُ طَلَبُ الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ فَوَجَبَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ الْقَاضِي لِإِيصَالِ الْحُقُوقِ إلَى أَهْلِهَا وَدَفْعِ الْمَظَالِمِ وَلَا يُعْتَبَرُ تَضَرُّرُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْهِدَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ حُكْمَ مَا لَوْ طَلَبَ صَاحِبُ الْقَلِيلِ؛ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فَقِيلَ: لَا يُقَسَّمُ بِطَلَبِهِ وَقِيلَ: يُقَسَّمُ.
قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَدْ صَحَّ الْأَوَّلُ أَيْضًا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ: وَعَلَيْهِ مَشَى الْأَئِمَّةُ: الْبُرْهَانِيُّ وَالنَّسَفِيُّ وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُهُمْ
[الرَّابِعَةُ إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا]
(٣٥) قَوْلُهُ: إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ إلَخْ: فِيهِ أَنَّ هَذَا عَيْنُ السَّابِقَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَاخْتَلَفَ الْعُنْوَانُ لَا غَيْرُ فَتَأَمَّلْ
стр. 279
يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ جَائِزٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ ٣٦ -، وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.
وَكَذَا شَيْخٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَائِمًا وَيَقْدِرُ عَلَيْهَا قَاعِدًا، يُصَلِّي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي النَّفْلِ ٣٧ - وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ، وَلَوْ صَلَّى فِي الْفَصْلَيْنِ قَائِمًا مَعَ الْحَدَثِ، وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجَاسَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، يَتَخَيَّرُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَحَدُهُمَا قَدْرَ رُبُعِ الثَّوْبِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَنْعِ، وَلَوْ كَانَ دَمُ أَحَدِهِمَا قَدْرَ الرُّبُعِ، وَدَمُ الْآخَرِ أَقَلَّ يُصَلِّي فِي أَقَلِّهِمَا دَمًا، وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبُعِ حُكْمَ الْكُلِّ، وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ الرُّبُعِ أَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ ٣٨ - لَكِنْ لَا يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وَفِي الْآخَرِ قَدْرُ الرُّبُعِ، صَلَّى فِي أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَقَلِّهِمَا نَجَاسَةً.
وَلَوْ كَانَ رُبُعُ أَحَدِهِمَا طَاهِرًا، وَالْآخَرِ أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ يُصَلِّي فِي الَّذِي رُبُعُهُ طَاهِرٌ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْعَكْسِ.
وَلَوْ أَنَّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، لَا يُقَالُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ لِصَاحِبِ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ عَدَمُ جَوَازِهَا مَعَهُ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْعُذْرِ.
(٣٧) قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ، يَعْنِي لِغَيْرِ الْأَخْرَسِ وَالْأُمِّيِّ (٣٨) قَوْلُهُ: لَكِنْ لَا يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ الرُّبُعِ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ يَقْتَضِي التَّسَاوِيَ، وَإِنْ بَلَغَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ حِينَئِذٍ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ
стр. 280
امْرَأَةً لَوْ صَلَّتْ قَائِمَةً يَنْكَشِفُ مِنْ عَوْرَتِهَا مَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَلَوْ صَلَّتْ قَاعِدَةً لَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا شَيْءٌ؛ فَإِنَّهَا تُصَلِّي قَاعِدَةً؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ أَهْوَنُ.
وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ يُغَطِّي جَسَدَهَا، وَرُبُعَ رَأْسِهَا وَتَرَكَتْ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ يُغَطِّي أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ لَا يَضُرُّهَا تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبُعِ حُكْمَ الْكُلِّ، وَمَا دُونَهُ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ تَقْلِيلًا لِلِانْكِشَافِ (انْتَهَى)
٣٩ - وَمَنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ؛ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إذَا خَرَجَ لِلْجَمَاعَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ قَائِمًا، يَخْرُجُ إلَيْهَا ٤٠ - وَيُصَلِّي قَاعِدًا وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَنَقَلَ عَنْ شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي تَصْحِيحًا آخَرَ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَائِمًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ؛ لَوْ اُضْطُرَّ، وَعِنْدَهُ مَيْتَةٌ، وَمَالُ الْغَيْرِ ٤١ - فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ.
٤٢ - وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ﵏: مَنْ وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَا يُبَاحُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَدْ تَتَبَّعْت خُلَاصَةَ الْفَتَاوَى فَلَمْ أَرَ مَا ذَكَرَهُ بَلْ رَأَيْته فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى صَحَّحَ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَائِمًا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ خُلَاصَةَ الْعَنْبَرِيِّ وَقَدْ نَقَلَ عَنْ خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى فِي الْبَحْرِ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا (٤٠) قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي قَاعِدًا؛ لَكِنْ يُكَبِّرُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ عِنْدَ الرُّكُوعِ كَمَا قَالَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيّ
(٤١) قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ.
الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ رِضَى الْمَالِكِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ (٤٢) .
قَوْلُهُ: وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ﵀ مَنْ وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ
стр. 281
لَهُ الْمَيْتَةُ، وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ الْغَصْبُ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ.
وَبِهِ أَخَذَ الطَّحْطَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَخَيَّرَهُ الْكَرْخِيُّ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ
وَلَوْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ، وَعِنْدَهُ مَيْتَةٌ وَصَيْدٌ أَكَلَهَا دُونَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: لَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَذْبُوحًا فَالصَّيْدُ أَوْلَى وِفَاقًا.
وَلَوْ ٤٣ - اُضْطُرَّ، وَعِنْدَهُ صَيْدٌ وَمَالُ الْغَيْرِ فَالصَّيْدُ أَوْلَى، وَكَذَا الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْإِنْسَانِ، ٤٤ - وَعَنْ مُحَمَّدٍ؛ الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ (انْتَهَى) .
وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ
لَوْ قَالَ لَهُ لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَك فِي النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ؛ وَكَانَ الْإِلْقَاءُ بِحَيْثُ لَا يَنْجُو مِنْهُ، وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ خِفَّةٍ فَلَهُ الْخِيَارُ؟ إنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ وَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِي زَعْمِهِ.
وَعِنْدَهُمَا يَصْبِرُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يَعْنِي، وَيُبَاحُ لَهُ طَعَامُ الْغَيْرِ.
قَالَ فِي سِيَرِ الْفَتْحِ: إنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا فِي الْمُضْطَرِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ الضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَهُوَ كَالْمُبَاحِ بِتَقْدِيرِ شَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ
(٤٣) . قَوْلُهُ: وَلَوْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَخْ، يُقَاسُ عَلَيْهِ الْحَلَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَيْدِ الْحَرَمِ (٤٤) قَوْلُهُ: وَعَنْ مُحَمَّدٍ الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ (انْتَهَى) .
فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: مُحْرِمٌ مُضْطَرٌّ وَجَدَ صَيْدًا وَكَلْبًا فَالْكَلْبُ أَوْلَى مِنْ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ فِي الصَّيْدِ ارْتِكَابَ مَحْظُورَيْنِ وَلَوْ وَجَدَ صَيْدًا، وَمَالَ الْغَيْرِ يَذْبَحُ الصَّيْدَ، وَلَا يَأْكُلُ مَالَ الْغَيْرِ عِنْدَ الْكُلِّ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الصَّيْدِ وَالْخِنْزِيرِ كَالْحُكْمِ فِي الصَّيْدِ وَالْكَلْبِ؛ لِأَنَّ فِي أَكْلِ الْخِنْزِيرِ ارْتِكَابَ مَحْظُورٍ وَاحِدٍ كَالْكَلْبِ وَالْكَلْبُ كَالْخِنْزِيرِ فِي نَجَاسَةِ عَيْنِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ أَشْنَعُ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ نَجِسُ الْعَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ فَافْتَرَقَا
стр. 282
وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ سَعْيٌ فِي إهْلَاكِ نَفْسِهِ فَيَصْبِرُ تَحَامِيًا عَنْهُ.
وَأَصْلُهُ أَنَّ الْحَرِيقَ إذَا وَقَعَ فِي سَفِينَةٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ صَبَرَ فِيهَا يَحْتَرِقُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ يَغْرَقُ؛ ٤٥ - فَعِنْدَهُ يَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ.
وَعِنْدَهُمَا يَصْبِرُ، ثُمَّ إذَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ ٤٦ - فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ: لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَك مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ بِالسَّيْفِ فَأَلْقَى نَفْسَهُ فَمَاتَ ٤٧ - فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَجِبُ الدِّيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ (انْتَهَى) .
الْخَامِسَةُ: وَنَظِيرُ الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ قَاعِدَةٌ خَامِسَةٌ؛ وَهِيَ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ.
فَإِذَا تَعَارَضَتْ مَفْسَدَةٌ وَمَصْلَحَةٌ قُدِّمَ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِالْمَنْهِيَّاتِ أَشَدُّ مِنْ اعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ، وَلِذَا قَالَ ﵇ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» ، وَرَوَى فِي الْكَشْفِ حَدِيثًا «لَتَرْكُ ذَرَّةٍ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» وَمِنْ ثَمَّ جَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، وَلَمْ يُسَامَحْ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَعِنْدَهُ يَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ وَعِنْدَهُمَا يَصْبِرُ.
جَعَلَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ الْإِمَامِ فِي التَّخْيِيرِ، وَكَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ مَذْهَبِ الْإِمَامِ.
(٤٦) قَوْلُهُ: فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِالنَّارِ كَالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ.
(٤٧) قَوْلُهُ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ الدِّيَةُ أَيْ: عَلَى عَاقِلَتِهِ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُمَا، وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ
стр. 283
خُصُوصًا الْكَبَائِرَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً تَرَكَ الِاسْتِنْجَاءَ، وَلَوْ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ رَاجِحٌ عَلَى الْأَمْرِ حَتَّى اسْتَوْعَبَ النَّهْيُ الْأَزْمَانَ، وَلَمْ يَقْتَضِ الْأَمْرُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْخَامِسَةُ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ]
قَوْلُهُ: خُصُوصًا الْكَبَائِرَ.
اعْلَمْ أَنَّ الْكَبَائِرَ اخْتَلَفَ الرِّوَايَاتُ فِيهَا، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهَا تِسْعَةٌ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَالزِّنَا، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَالْإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ. وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَكْلُ الرِّبَا وَزَادَ عَلِيٌّ ﵁ السَّرِقَةَ، وَشُرْبَ الْخَمْرِ
وَقِيلَ: كُلُّ مَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِخُصُوصِهِ.
وَقِيلَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ أَصَرَّ عَلَيْهَا الْعَبْدُ فَهِيَ كَبِيرَةٌ، وَكُلُّ مَا اسْتَغْفَرَ عَنْهُ فَهِيَ صَغِيرَةٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لِلْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ وَاعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ أَصَرَّ عَلَيْهَا الْعَبْدُ فَهِيَ كَبِيرَةٌ إلَخْ.
بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِ الْكُلِّ كَبَائِرَ يُقَالُ: فِي الَّذِي يُكَفَّرُ، وَبِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِ الْكُلِّ صَغَائِرَ يُقَالُ فِي الْكَبَائِرِ الَّتِي تُجْتَنَبُ؛ فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَبَائِرِ فِي الْآيَةِ جُزْئِيَّاتُ الْكُفْرِ؛ فَإِذَا اجْتَنَبَ كُفِّرَ مَا عَدَاهَا قُلْنَا: تَكْفِيرُ مَا عَدَاهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْمَشِيئَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُكَفَّرَ الْقَتْلُ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةُ بِمُجَرَّدِ اجْتِنَابِ الْمُسْلِمِ الْكُفْرَ، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ أَحَدٌ (انْتَهَى) .
وَفِي السِّرَاجِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ، الْكَبِيرَةُ: مَا كَانَتْ حَرَامًا مَحْضًا شُرِعَ عَلَيْهَا عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ بِنَصٍّ قَاطِعٍ إمَّا فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَا الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ، وَالْحَثُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ (انْتَهَى) .
وَفِي السِّرَاجِ أَيْضًا: إنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ كَبِيرَةٌ، وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ مَعَ أَنَّهُ كُفْرٌ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تُنَافِي الْكُفْرَ بَلْ تُجَامِعُهُ كَمَا فِي الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الْإِشْعَارُ؟ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ سَاكِتٌ عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ فِي فَصْلِ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ إنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَبَغَضَهُ لَا يَكُونُ كُفْرًا لَكِنْ يُضَلَّلُ فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُكَفِّرْ شَاتِمَهُ حَتَّى لَمْ يَقْتُلْهُ
стр. 284
التَّكْرَارَ (انْتَهَى)
وَالْمَرْأَةُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَلَمْ تَجِدْ سُتْرَةً مِنْ الرِّجَالِ تُؤَخِّرُهُ، ٤٩ - بِخِلَافِ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا يُؤَخِّرُهُ وَيَغْتَسِلُ.
وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً يَتْرُكُهُ.
٥٠ - وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَقْوَى، وَالْمَرْأَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ كَالرَّجُلِ بَيْنَ الرِّجَالِ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ
وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَسْنُونَةٌ، وَتُكْرَهُ لِلصَّائِمِ وَتَخْلِيلُ الشَّعْرِ سُنَّةٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ تُرَاعَى الْمَصْلَحَةُ لِغَلَبَتِهَا عَلَى الْمَفْسَدَةِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ مَعَ اخْتِلَالِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا مِنْ الطَّهَارَةِ أَوْ السَّتْرِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ؛ فَإِنَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَفْسَدَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِخِلَالِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ لَا يُنَاجَى إلَّا عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَمَتَى تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً إلَخْ.
قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُرَجَّحَ النَّهْيُ هُنَا عَلَى الْأَمْرِ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَرْتَكِبُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَهُوَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ؛ لِأَجْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ الْغُسْلُ كَمَا فِي فِعْلِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَكْثَرِيَّةٌ لَا كُلِّيَّةٌ كَمَا هُوَ دَأْبُ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ، يَعْنِي مَا لَوْ كَانَ الرَّجُلُ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يُؤَخِّرَ كَالْمَرْأَةِ بَيْنَ الرِّجَالِ فَإِنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ لِلْجِنْسِ أَخَفُّ مِنْ نَظَرِ الْجِنْسِ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ
(٥٠) قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَقْوَى.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ بِحَالٍ، وَتَجُوزُ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ إذَا كَانَتْ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ فِي الْمُغَلَّظَةِ، وَمِقْدَارَ رُبُعِ الثَّوْبِ فِي الْمُخَفَّفَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَلِيلَ النَّجِسِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ دُونَ قَلِيلِ الْحَدَثِ، كَذَا قَالُوا.
وَفِيهِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجُوزُ تَرْكُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا لَوْ ضَرَّ الْمَسْحُ أَوْ لَا عِنْدَ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّ تَحْتَهَا حَدَثًا.
стр. 285
جَازَتْ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ.
وَمِنْهُ الْكَذِبُ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَهُوَ مَتَى تَضَمَّنَ جَلْبَ مَصْلَحَةٍ تُرَدُّ، وَعَلَيْهِ جَازَ ٥١ - كَالْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَلَى الزَّوْجَةِ لِإِصْلَاحِهَا، وَهَذَا النَّوْعُ رَاجِعٌ إلَى ارْتِكَابِ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ
السَّادِسَةُ الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ ، عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً، وَلِهَذَا ٥٢ - جُوِّزَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلْحَاجَةِ وَكَذَا قُلْنَا لَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: كَالْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: يَجُوزُ الْكَذِبُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الْحَرْبِ وَمَعَ امْرَأَتِهِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: أَرَادَ بِهَا الْمَعَارِيضَ لَا الْكَذِبَ الْخَالِصَ.
وَمِثْلُهُ فِي أَوَاخِرِ الْحِيَلِ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْمَعَارِيضُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِكَلِمَةٍ يُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، وَمُرَادُهُ شَيْءٌ آخَرُ كَمَا فِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ عَنْ الْبُسْتَانِ وَفِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ: وَمِنْ الْكَذِبِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْفِسْقَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ: قُلْت لَك كَذَا مِائَةِ مَرَّةٍ، لَا يُرَادُ بِهِ تَعْمِيمُ الْمَرَّاتِ بِعَدَدِهَا بَلْ تَفْهِيمُ الْمُبَالَغَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ لَهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ كَذِبًا، وَإِنْ قَالَ مَرَّاتٍ يُعْتَادُ مِثْلُهَا فِي الْكَثْرَةِ فَلَا يَأْثَمُ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْمِائَةَ.
وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْكَذِبَ يُبَاحُ؛ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ؛ وَلِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ كَالشَّفِيعِ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ يَشْهَدُ، وَيَقُولُ عَلِمْت الْآنَ، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ تَبْلُغُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَتَخْتَارُ نَفْسَهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَتَقُولُ رَأَيْت الدَّمَ الْآنَ (انْتَهَى) .
وَفِي شَرْحِ الْعَيْنِيِّ لِلْبُخَارِيِّ فِي بَابِ شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مَا نَصُّهُ: وَفِيهِ أَيْ: الْحَدِيثِ، الْحِيَلُ فِي التَّخْلِيصِ مِنْ الظَّلَمَةِ بَلْ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ إلَّا بِالْكَذِبِ جَازَ لَهُ الْكَذِبُ الصَّرِيحُ، وَقَدْ يَجِبُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِالِاتِّفَاقِ كَكَوْنِهِ يُنْجِي نَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا مِمَّنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ أَوْ لِنَجَاةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ لَوْ طَلَبَ ظَالِمٌ وَدِيعَةً لِإِنْسَانٍ لِيَأْخُذَهَا غَصْبًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ وَالْكَذِبُ فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهَا (انْتَهَى) .
فَلْيُحْفَظْ
[السَّادِسَةُ الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ]
(٥٢) قَوْلُهُ: جُوِّزَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِيهَا
следующие страницы →