Полный текст (1 695 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
لَهُ الْمَيْتَةُ، وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ الْغَصْبُ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ.
وَبِهِ أَخَذَ الطَّحْطَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَخَيَّرَهُ الْكَرْخِيُّ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ
وَلَوْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ، وَعِنْدَهُ مَيْتَةٌ وَصَيْدٌ أَكَلَهَا دُونَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: لَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَذْبُوحًا فَالصَّيْدُ أَوْلَى وِفَاقًا.
وَلَوْ ٤٣ - اُضْطُرَّ، وَعِنْدَهُ صَيْدٌ وَمَالُ الْغَيْرِ فَالصَّيْدُ أَوْلَى، وَكَذَا الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْإِنْسَانِ، ٤٤ - وَعَنْ مُحَمَّدٍ؛ الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ (انْتَهَى) .
وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ
لَوْ قَالَ لَهُ لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَك فِي النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ؛ وَكَانَ الْإِلْقَاءُ بِحَيْثُ لَا يَنْجُو مِنْهُ، وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ خِفَّةٍ فَلَهُ الْخِيَارُ؟ إنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ وَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِي زَعْمِهِ.
وَعِنْدَهُمَا يَصْبِرُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يَعْنِي، وَيُبَاحُ لَهُ طَعَامُ الْغَيْرِ.
قَالَ فِي سِيَرِ الْفَتْحِ: إنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا فِي الْمُضْطَرِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ الضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَهُوَ كَالْمُبَاحِ بِتَقْدِيرِ شَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ
(٤٣) . قَوْلُهُ: وَلَوْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَخْ، يُقَاسُ عَلَيْهِ الْحَلَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَيْدِ الْحَرَمِ (٤٤) قَوْلُهُ: وَعَنْ مُحَمَّدٍ الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ (انْتَهَى) .
فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: مُحْرِمٌ مُضْطَرٌّ وَجَدَ صَيْدًا وَكَلْبًا فَالْكَلْبُ أَوْلَى مِنْ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ فِي الصَّيْدِ ارْتِكَابَ مَحْظُورَيْنِ وَلَوْ وَجَدَ صَيْدًا، وَمَالَ الْغَيْرِ يَذْبَحُ الصَّيْدَ، وَلَا يَأْكُلُ مَالَ الْغَيْرِ عِنْدَ الْكُلِّ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الصَّيْدِ وَالْخِنْزِيرِ كَالْحُكْمِ فِي الصَّيْدِ وَالْكَلْبِ؛ لِأَنَّ فِي أَكْلِ الْخِنْزِيرِ ارْتِكَابَ مَحْظُورٍ وَاحِدٍ كَالْكَلْبِ وَالْكَلْبُ كَالْخِنْزِيرِ فِي نَجَاسَةِ عَيْنِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ أَشْنَعُ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ نَجِسُ الْعَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ فَافْتَرَقَا
стр. 282
وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ سَعْيٌ فِي إهْلَاكِ نَفْسِهِ فَيَصْبِرُ تَحَامِيًا عَنْهُ.
وَأَصْلُهُ أَنَّ الْحَرِيقَ إذَا وَقَعَ فِي سَفِينَةٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ صَبَرَ فِيهَا يَحْتَرِقُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ يَغْرَقُ؛ ٤٥ - فَعِنْدَهُ يَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ.
وَعِنْدَهُمَا يَصْبِرُ، ثُمَّ إذَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ ٤٦ - فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ: لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَك مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ بِالسَّيْفِ فَأَلْقَى نَفْسَهُ فَمَاتَ ٤٧ - فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَجِبُ الدِّيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ (انْتَهَى) .
الْخَامِسَةُ: وَنَظِيرُ الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ قَاعِدَةٌ خَامِسَةٌ؛ وَهِيَ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ.
فَإِذَا تَعَارَضَتْ مَفْسَدَةٌ وَمَصْلَحَةٌ قُدِّمَ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِالْمَنْهِيَّاتِ أَشَدُّ مِنْ اعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ، وَلِذَا قَالَ ﵇ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» ، وَرَوَى فِي الْكَشْفِ حَدِيثًا «لَتَرْكُ ذَرَّةٍ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» وَمِنْ ثَمَّ جَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، وَلَمْ يُسَامَحْ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَعِنْدَهُ يَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ وَعِنْدَهُمَا يَصْبِرُ.
جَعَلَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ الْإِمَامِ فِي التَّخْيِيرِ، وَكَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ مَذْهَبِ الْإِمَامِ.
(٤٦) قَوْلُهُ: فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِالنَّارِ كَالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ.
(٤٧) قَوْلُهُ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ الدِّيَةُ أَيْ: عَلَى عَاقِلَتِهِ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُمَا، وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ
стр. 283
خُصُوصًا الْكَبَائِرَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً تَرَكَ الِاسْتِنْجَاءَ، وَلَوْ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ رَاجِحٌ عَلَى الْأَمْرِ حَتَّى اسْتَوْعَبَ النَّهْيُ الْأَزْمَانَ، وَلَمْ يَقْتَضِ الْأَمْرُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْخَامِسَةُ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ]
قَوْلُهُ: خُصُوصًا الْكَبَائِرَ.
اعْلَمْ أَنَّ الْكَبَائِرَ اخْتَلَفَ الرِّوَايَاتُ فِيهَا، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهَا تِسْعَةٌ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَالزِّنَا، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَالْإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ. وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَكْلُ الرِّبَا وَزَادَ عَلِيٌّ ﵁ السَّرِقَةَ، وَشُرْبَ الْخَمْرِ
وَقِيلَ: كُلُّ مَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِخُصُوصِهِ.
وَقِيلَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ أَصَرَّ عَلَيْهَا الْعَبْدُ فَهِيَ كَبِيرَةٌ، وَكُلُّ مَا اسْتَغْفَرَ عَنْهُ فَهِيَ صَغِيرَةٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لِلْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ وَاعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ أَصَرَّ عَلَيْهَا الْعَبْدُ فَهِيَ كَبِيرَةٌ إلَخْ.
بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِ الْكُلِّ كَبَائِرَ يُقَالُ: فِي الَّذِي يُكَفَّرُ، وَبِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِ الْكُلِّ صَغَائِرَ يُقَالُ فِي الْكَبَائِرِ الَّتِي تُجْتَنَبُ؛ فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَبَائِرِ فِي الْآيَةِ جُزْئِيَّاتُ الْكُفْرِ؛ فَإِذَا اجْتَنَبَ كُفِّرَ مَا عَدَاهَا قُلْنَا: تَكْفِيرُ مَا عَدَاهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْمَشِيئَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُكَفَّرَ الْقَتْلُ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةُ بِمُجَرَّدِ اجْتِنَابِ الْمُسْلِمِ الْكُفْرَ، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ أَحَدٌ (انْتَهَى) .
وَفِي السِّرَاجِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ، الْكَبِيرَةُ: مَا كَانَتْ حَرَامًا مَحْضًا شُرِعَ عَلَيْهَا عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ بِنَصٍّ قَاطِعٍ إمَّا فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَا الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ، وَالْحَثُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ (انْتَهَى) .
وَفِي السِّرَاجِ أَيْضًا: إنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ كَبِيرَةٌ، وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ مَعَ أَنَّهُ كُفْرٌ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تُنَافِي الْكُفْرَ بَلْ تُجَامِعُهُ كَمَا فِي الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الْإِشْعَارُ؟ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ سَاكِتٌ عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ فِي فَصْلِ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ إنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَبَغَضَهُ لَا يَكُونُ كُفْرًا لَكِنْ يُضَلَّلُ فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُكَفِّرْ شَاتِمَهُ حَتَّى لَمْ يَقْتُلْهُ
стр. 284
التَّكْرَارَ (انْتَهَى)
وَالْمَرْأَةُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَلَمْ تَجِدْ سُتْرَةً مِنْ الرِّجَالِ تُؤَخِّرُهُ، ٤٩ - بِخِلَافِ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا يُؤَخِّرُهُ وَيَغْتَسِلُ.
وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً يَتْرُكُهُ.
٥٠ - وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَقْوَى، وَالْمَرْأَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ كَالرَّجُلِ بَيْنَ الرِّجَالِ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ
وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَسْنُونَةٌ، وَتُكْرَهُ لِلصَّائِمِ وَتَخْلِيلُ الشَّعْرِ سُنَّةٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ تُرَاعَى الْمَصْلَحَةُ لِغَلَبَتِهَا عَلَى الْمَفْسَدَةِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ مَعَ اخْتِلَالِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا مِنْ الطَّهَارَةِ أَوْ السَّتْرِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ؛ فَإِنَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَفْسَدَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِخِلَالِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ لَا يُنَاجَى إلَّا عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَمَتَى تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً إلَخْ.
قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُرَجَّحَ النَّهْيُ هُنَا عَلَى الْأَمْرِ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَرْتَكِبُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَهُوَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ؛ لِأَجْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ الْغُسْلُ كَمَا فِي فِعْلِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَكْثَرِيَّةٌ لَا كُلِّيَّةٌ كَمَا هُوَ دَأْبُ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ، يَعْنِي مَا لَوْ كَانَ الرَّجُلُ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يُؤَخِّرَ كَالْمَرْأَةِ بَيْنَ الرِّجَالِ فَإِنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ لِلْجِنْسِ أَخَفُّ مِنْ نَظَرِ الْجِنْسِ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ
(٥٠) قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَقْوَى.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ بِحَالٍ، وَتَجُوزُ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ إذَا كَانَتْ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ فِي الْمُغَلَّظَةِ، وَمِقْدَارَ رُبُعِ الثَّوْبِ فِي الْمُخَفَّفَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَلِيلَ النَّجِسِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ دُونَ قَلِيلِ الْحَدَثِ، كَذَا قَالُوا.
وَفِيهِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجُوزُ تَرْكُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا لَوْ ضَرَّ الْمَسْحُ أَوْ لَا عِنْدَ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّ تَحْتَهَا حَدَثًا.
стр. 285
جَازَتْ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ.
وَمِنْهُ الْكَذِبُ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَهُوَ مَتَى تَضَمَّنَ جَلْبَ مَصْلَحَةٍ تُرَدُّ، وَعَلَيْهِ جَازَ ٥١ - كَالْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَلَى الزَّوْجَةِ لِإِصْلَاحِهَا، وَهَذَا النَّوْعُ رَاجِعٌ إلَى ارْتِكَابِ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ
السَّادِسَةُ الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ ، عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً، وَلِهَذَا ٥٢ - جُوِّزَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلْحَاجَةِ وَكَذَا قُلْنَا لَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: كَالْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: يَجُوزُ الْكَذِبُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الْحَرْبِ وَمَعَ امْرَأَتِهِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: أَرَادَ بِهَا الْمَعَارِيضَ لَا الْكَذِبَ الْخَالِصَ.
وَمِثْلُهُ فِي أَوَاخِرِ الْحِيَلِ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْمَعَارِيضُ: أَنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِكَلِمَةٍ يُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، وَمُرَادُهُ شَيْءٌ آخَرُ كَمَا فِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ عَنْ الْبُسْتَانِ وَفِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ: وَمِنْ الْكَذِبِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْفِسْقَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ: قُلْت لَك كَذَا مِائَةِ مَرَّةٍ، لَا يُرَادُ بِهِ تَعْمِيمُ الْمَرَّاتِ بِعَدَدِهَا بَلْ تَفْهِيمُ الْمُبَالَغَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ لَهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ كَذِبًا، وَإِنْ قَالَ مَرَّاتٍ يُعْتَادُ مِثْلُهَا فِي الْكَثْرَةِ فَلَا يَأْثَمُ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْمِائَةَ.
وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْكَذِبَ يُبَاحُ؛ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ؛ وَلِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ كَالشَّفِيعِ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ يَشْهَدُ، وَيَقُولُ عَلِمْت الْآنَ، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ تَبْلُغُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَتَخْتَارُ نَفْسَهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَتَقُولُ رَأَيْت الدَّمَ الْآنَ (انْتَهَى) .
وَفِي شَرْحِ الْعَيْنِيِّ لِلْبُخَارِيِّ فِي بَابِ شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مَا نَصُّهُ: وَفِيهِ أَيْ: الْحَدِيثِ، الْحِيَلُ فِي التَّخْلِيصِ مِنْ الظَّلَمَةِ بَلْ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ إلَّا بِالْكَذِبِ جَازَ لَهُ الْكَذِبُ الصَّرِيحُ، وَقَدْ يَجِبُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِالِاتِّفَاقِ كَكَوْنِهِ يُنْجِي نَبِيًّا أَوْ وَلِيًّا مِمَّنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ أَوْ لِنَجَاةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ لَوْ طَلَبَ ظَالِمٌ وَدِيعَةً لِإِنْسَانٍ لِيَأْخُذَهَا غَصْبًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ وَالْكَذِبُ فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهَا (انْتَهَى) .
فَلْيُحْفَظْ
[السَّادِسَةُ الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ]
(٥٢) قَوْلُهُ: جُوِّزَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِيهَا
стр. 286
تَجُوزُ إجَارَةُ بَيْتٍ بِمَنَافِعِ بَيْتٍ لِاتِّحَادِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ فَلَا حَاجَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ، وَمِنْهَا ضَمَانُ الدَّرَكِ ٥٣ -: جُوِّزَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ جَوَازُ السَّلَمِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِكَوْنِهِ بَيْعَ الْمَعْدُومِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ، وَمِنْهَا جَوَازُ الِاسْتِصْنَاعِ لِلْحَاجَةِ، وَدُخُولُ الْحَمَّامِ مَعَ جَهَالَةِ مُكْثِهِ فِيهَا وَمَا يَسْتَعْمِلُهُ مِنْ مَائِهَا، وَشَرْبَةُ السَّقَّاءِ، وَمِنْهَا الْإِفْتَاءُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْوَفَاءِ حِينَ كَثُرَ الدَّيْنُ عَلَى أَهْلِ بُخَارَى وَهَكَذَا بِمِصْرَ وَقَدْ سَمَّوْهُ بَيْعَ الْأَمَانَةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ يُسَمُّونَهُ الرَّهْنَ الْمُعَادَ، وَهَكَذَا سَمَّاهُ بِهِ فِي الْمُلْتَقَطِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ وَالْبُغْيَةِ ٥٤ - يَجُوزُ لِلْمُحْتَاجِ الِاسْتِقْرَاضُ بِالرِّبْحِ (انْتَهَى)
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَهُوَ الْمَنَافِعُ مَعْدُومٌ فَالْقِيَاسُ الْبُطْلَانُ لِذَلِكَ (٥٣) قَوْلُهُ: جُوِّزَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْبَائِعِ فَيَصِيرُ كَفِيلًا وَمَكْفُولًا عَنْهُ.
وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ ضَمِنَهُ غَيْرُ الْبَائِعِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ؛ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ فِي حَقِّهِ (٥٤) .
قَوْلُهُ: يَجُوزُ لِلْمُحْتَاجِ الِاسْتِقْرَاضُ بِالرِّبْحِ، وَذَلِكَ نَحْوَ أَنْ يَقْتَرِضَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مَثَلًا، وَيَجْعَلَ لِرَبِّهَا شَيْئًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ يَوْمٍ رِبْحًا
стр. 287
الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: ١ -
الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ، وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ ﵊ «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» قَالَ الْعَلَائِيُّ لَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَصْلًا، وَلَا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ، وَكَثْرَةِ الْكَشْفِ وَالسُّؤَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا عَلَيْهِ، ٢ - أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْفِقْهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ حَتَّى جَعَلُوا ذَلِكَ أَصْلًا، فَقَالُوا فِي الْأُصُولِ فِي بَابِ مَا تُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ: تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ، كَذَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فَاخْتُلِفَ فِي عَطْفِ الْعَادَةِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فَقِيلَ هُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ]
قَوْلُهُ: الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ: اعْلَمْ أَنَّ مَادَّةَ الْعِبَادَةِ تَقْتَضِي تَكْرَارَ الشَّيْءِ، وَعَوْدَهُ تَكْرَارًا كَثِيرًا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ وَاقِعًا بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ، وَلِذَلِكَ كَانَ خَرْقُ الْعَوَائِدِ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مُعْجِزَةِ النَّبِيِّ أَوْ كَرَامَةِ الْوَلِيِّ (٢) قَوْلُهُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ. قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَوَهَمَ مَنْ عَزَاهُ لِلْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " إنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَ لَهُمْ مُحَمَّدًا ﷺ فَبَعَثَهُ بِرِسَالَةٍ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَ لَهُمْ أَصْحَابَهُ فَجَعَلَهُمْ أَنْصَارَ دِينِهِ وَوُزَرَاءَ نَبِيِّهِ فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ "، وَهُوَ مَوْقُوفٌ حَسَنٌ (انْتَهَى) . فَكَانَ الْعَلَائِيُّ تَبِعَ مَنْ وَهَمَ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمُسْنَدِ.
стр. 288
الِاسْتِعْمَالِ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ إلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ شَرْعًا، وَغَلَبَةُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَمِنْ الْعَادَةِ نَقْلُهُ إلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ عُرْفًا، وَتَمَامُهُ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ.
وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي: الْعَادَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَسْتَقِرُّ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَكَرِّرَةِ الْمَقْبُولَةِ عِنْدَ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: الْعُرْفِيَّةُ الْعَامَّةُ، كَوَضْعِ الْقَدَمِ، وَالْعُرْفِيَّةُ الْخَاصَّةُ: كَاصْطِلَاحِ كُلِّ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، كَالرَّفْعِ لِلنُّحَاةِ، وَالْفَرْقِ وَالْجَمْعِ وَالنَّقْضِ لِلنُّظَّارِ. وَالْعُرْفِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، تُرِكَتْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةُ بِمَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ (انْتَهَى) .
فَمَا فُرِّعَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ حَدُّ الْمَاءِ الْجَارِي، الْأَصَحُّ أَنَّهُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا، وَمِنْهَا وُقُوعُ الْبَعْرِ الْكَثِيرِ فِي الْبِئْرِ؛ ٣ - الْأَصَحُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ.
وَمِنْهَا حَدُّ الْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُلْحَقِ بِالْجَارِي، الْأَصَحُّ تَفْوِيضُهُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ لَا التَّقْدِيرُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعُشْرِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهَا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، قَالُوا: لَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ يُرَدُّ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ الْمُفْسِدُ لِلصَّلَاةِ مُفَوَّضٌ إلَى الْعُرْفِ لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَآهُ يَظُنُّ أَنَّهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا: ٤ - تَنَاوُلُ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُ النَّاظِرُ إلَخْ: فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَفِي الْهِدَايَةِ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ قَالَ الْأَكْمَلُ: لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُقَدِّرُ شَيْئًا بِالرَّأْيِ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْدِيرِ فَكَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِهِ.
(٤) قَوْلُهُ: تَنَاوُلُ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ: فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا: مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنَّ ذَلِكَ إنْ
стр. 289
وَفِي إجَارَةٍ الظِّئْرِ وَفِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ فِي كَوْنِهِ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا.
وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَلَى كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْعُرْفِ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀
وَقَوَّاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلرِّبَا، وَإِنَّمَا الْعُرْفُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الصَّلَاةِ: وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يَقُولُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
كَانَ فِي الْمِصْرِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ صَاحِبَهَا أَبَاحَ ذَلِكَ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً؛ لِأَنَّ فِي الْأَمْصَارِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مُبَاحًا عَادَةً، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَائِطِ يَعْنِي الْبُسْتَانَ فَإِنْ كَانَ الثِّمَارُ مِمَّا تَبْقَى، وَلَا تَفْسُدُ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ الثِّمَارُ مِمَّا لَا يَبْقَى قَالَ: بَعْضُهُمْ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَهُ أَبَاحَ ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ النَّهْيَ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّسَاتِيقِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا مُرَابَعَةٌ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي تَبْقَى لَا يَسَعُهُ الْأَخْذُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْإِذْنَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي لَا تَبْقَى اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَمْ يَعْلَمْ النَّهْيَ.
هَذَا فِي الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ مِنْ الْأَشْجَارِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَشْجَارِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ مَوْضِعٍ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ كَثِيرِ الثِّمَارِ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَشِحُّونَ بِمِثْلِهِ فَيَسَعُهُ أَنْ يَأْكُلَ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَحْمِلَ.
لَكِنْ فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ خَاصَّةٌ بِالْأَكْلِ فِي السَّاقِطِ تَحْتَ الْأَشْجَارِ، وَمُقْتَضَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ، وَإِلَّا قَدْ يُعْلَمُ الْأَكْلُ وَالْحَمْلُ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَا عَلَى الْأَشْجَارِ فَقَدْ قَيَّدَهَا قَاضِي خَانْ بِالْأَكْلِ دُونَ الْحَمْلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْأَخْذِ النِّيَّةَ فَابْنُ وَهْبَانَ قَيَّدَ الْمُطْلَقَ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ مَرَّ بِالْأَشْجَارِ صَيْفًا إلَخْ.
وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الثِّمَارُ فِي الرُّسْتَاقِ، وَهِيَ سَاقِطَةٌ وَهِيَ مِمَّا لَا تَبْقَى؛ يُخَالِفُهُ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ حَيْثُ حَكَى بِخِلَافِ ذَلِكَ
(٥) قَوْلُهُ: وَفِي إجَارَةِ الظِّئْرِ: يَعْنِي يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ، وَحَذَفَ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ وَهُوَ قَلِيلٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَقَوَّاهُ فِي الْفَتْحِ الْقَدِيرِ
стр. 290
السُّرَّةُ إلَى مَوْضِعِ نَبَاتِ الشَّعْرِ مِنْ الْعَانَةِ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ؛ لِتَعَامُلِ الْعُمَّالِ فِي الْإِبْدَاءِ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عِنْدَ الِاتِّزَارِ، ٦ - وَفِي النَّزْعِ عِنْدَ الْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ نَوْعُ حَرَجٍ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ وَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّ التَّعَامُلَ بِخِلَافِ النَّصِّ لَا يُعْتَبَرُ (انْتَهَى بِلَفْظِهِ)
وَفِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ فَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ ٧ -، وَكَذَا صَوْمُ يَوْمَيْنِ قَبْلَهُ، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ كَرَاهِيَةِ صَوْمِهِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ مُطْلَقًا.
وَمِنْهَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي مِمَّنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِهْدَاءِ لَهُ قَبْلَ تَوْلِيَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا رَدَّ الزَّائِدَ، وَالْأَكْلُ مِنْ الطَّعَامِ الْمُقَدَّمِ لَهُ ضِيَافَةً بِلَا صَرِيحِ الْإِذْنِ.
وَمِنْهَا أَلْفَاظُ الْوَاقِفِينَ تَبْتَنِي عَلَى عُرْفِهِمْ كَمَا فِي وَقْفِ فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَكَذَا لَفْظُ النَّاذِرِ وَالْمُوصِي وَالْحَالِفِ، وَكَذَا الْأَقَارِيرُ تَبْتَنِي عَلَيْهِ ٨ - إلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ ٩ - وَسَيَأْتِي فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ
وَتَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَبَاحِثُ
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: بِمَاذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ؟ وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ: الْعَادَةُ فِي
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَفِي النَّزْعِ عِنْدَ الْعَادَةِ: كَذَا فِي النُّسَخِ وَاَلَّذِي فِي نُسَخِ الظَّهِيرِيَّةِ: وَفِي النَّزْعِ عَنْ الْعَادَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ
(٧) قَوْلُهُ: وَكَذَا صَوْمُ يَوْمَيْنِ قَبْلَهُ، كَذَا فِي النُّسَخِ، وَالصَّوَابُ: وَكَذَا لَوْ صَامَ يَوْمَيْنِ قَبْلَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(٨) قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ: ظَاهِرُهُ رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْأَقَارِيرِ، وَلَفْظِ الْحَالِفِ (٩)
قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ.
يَعْنِي فِي فَصْلِ تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ الشَّرْعِ، وَالضَّمِيرُ فِي سَيَأْتِي رَاجِعٌ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ، وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْأَقَارِيرِ فَذَكَرَهُ فِي الْمَبْحَثِ الرَّابِعِ مِنْ الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقَاعِدَةِ
стр. 291
بَابِ الْحَيْضِ؛ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، قَالُوا: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهَلْ الْخِلَافُ فِي الْأَصْلِيَّةِ أَوْ فِي الْجَعْلِيَّةِ أَوْ فِيهِمَا؟ مُسْتَوْفًى فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا
[الثَّانِي تَعْلِيمُ الْكَلْبِ الصَّائِدِ يَتْرُكُ أَكْلَهُ لِلصَّيْدِ]
١٠ - الثَّانِي: تَعْلِيمُ الْكَلْبِ الصَّائِدِ يَتْرُكُ أَكْلَهُ لِلصَّيْدِ بِأَنْ يَصِيرَ التَّرْكُ عَادَةً، وَذَلِكَ بِتَرْكِ الْأَكْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
١١ - الثَّالِثُ: لَمْ أَرَ بِمَاذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالْإِهْدَاءِ لِلْقَاضِي الْمُقْتَضِيَةُ لِلْقَبُولِ؟ .
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ إذَا اطَّرَدَتْ أَوْ غَلَبَتْ]
ْ؛ وَلِذَا قَالُوا فِي الْبَيْعِ: لَوْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَكَانَا فِي بَلَدٍ اخْتَلَفَ فِيهِ النُّقُودُ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَالِيَّةِ وَالرَّوَاجِ انْصَرَفَ الْبَيْعُ إلَى الْأَغْلَبِ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ فَيَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ إلَيْهِ، وَمِنْهَا لَوْ بَاعَ التَّاجِرُ فِي السُّوقِ شَيْئًا بِثَمَنٍ، وَلَمْ يُصَرِّحَا بِحُلُولٍ وَلَا تَأْجِيلٍ، وَكَانَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُ كُلَّ جُمُعَةٍ قَدْرًا مَعْلُومًا انْصَرَفَ إلَيْهِ بِلَا بَيَانٍ.
قَالُوا: لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ وَلَكِنْ إذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِيَ تَوْلِيَةً وَلَمْ يُبَيِّنْ التَّقْسِيطَ لِلْمُشْتَرِي هَلْ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؟ فَمِنْهُمْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ بِمَاذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ] [ الْأَوَّلُ الْعَادَةُ فِي بَابِ الْحَيْضِ]
قَوْلُهُ: الثَّانِي تَعْلِيمُ الْكَلْبِ الصَّائِدِ إلَخْ: أَيْ تَعْلِيمُ الْكَلْبِ الصَّائِدِ يَتَحَقَّقُ بِتَرْكِ أَكْلِهِ لِلصَّيْدِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْبَازِيُّ فَبِالرُّجُوعِ إذَا دَعَوْته وَالْفَهْدُ بِالرُّجُوعِ وَتَرْكِ الْأَكْلِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ
[الثَّالِثُ ثُبُوتُ الْعَادَةُ بِالْإِهْدَاءِ لِلْقَاضِي الْمُقْتَضِيَةُ لِلْقَبُولِ]
(١١) قَوْلُهُ: الثَّالِثُ لَمْ أَرَ بِمَاذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالْإِهْدَاءِ إلَخْ.
أَقُولُ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدٌ السَّمَدِيسِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ
стр. 292
مَنْ أَثْبَتَهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً بِلَا بَيَانٍ لِكَوْنِهِ حَالًّا بِالْعَقْدِ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّوْلِيَةِ.
وَمِنْهَا فِي اسْتِئْجَارِ الْكَاتِبِ، قَالُوا الْحِبْرُ عَلَيْهِ وَالْأَقْلَامُ، وَالْخَيَّاطُ قَالُوا: الْخَيْطُ وَالْإِبْرَةُ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكُحْلُ عَلَى الْكَحَّالِ لِلْعُرْفِ
١٢ - وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ طَعَامُ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِخِلَافِ عَلْفِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ حَتَّى لَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَسَدَتْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ
١٣ - بِخِلَافِ اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لِلْعُرْفِ، وَتَفَرَّعَ عَلَى أَنَّ عَلْفَ الدَّابَّةِ عَلَى مَالِكِهَا دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ إذْ الْمُسْتَأْجِرُ لَوْ تَرَكَهَا بِلَا عَلْفٍ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَمِنْهَا مَا فِي وَقْفِ الْقُنْيَةِ: بَعَثَ شَمْعًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى مَسْجِدٍ فَاحْتَرَقَ، وَبَقِيَ مِنْهُ ثُلُثُهُ أَوْ دُونَهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ وَلَا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الدَّافِعِ، وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ (انْتَهَى)
١٤ - وَمِنْهَا الْبَطَالَةُ فِي الْمَدَارِسِ، كَأَيَّامِ الْأَعْيَادِ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَشَهْرِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَطَعَامُ الْعَبْدِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، يَشْمَلُ بِإِطْلَاقِهِ الْإِجَارَةَ مُيَاوَمَةً
(١٣) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ بِطَعَامِهَا: أَيْ بِشَرْطِ طَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ لِلْعُرْفِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَبِهِ تَظْهَرُ الْمُخَالَفَةُ
(١٤) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْبَطَالَةُ فِي الْمَدَارِسِ إلَخْ.
فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: مَنْ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ مِنْ الطَّلَبَةِ فِي يَوْمٍ لَا دَرْسَ عَلَيْهِ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ جَائِزًا (انْتَهَى) .
قِيلَ: وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ الْمَشَايِخِ يَكْفِي لَنَا لَكِنْ لَيْسَ هَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِنَوْعِ تَحْصِيلٍ مِنْ الْعِلْمِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَعَلَّ إطْلَاقَ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَحْصِيلٍ
стр. 293
رَمَضَانَ فِي دَرْسِ الْفِقْهِ لَمْ أَرَهَا صَرِيحَةً فِي كَلَامِهِمْ.
وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الْمَعْلُومِ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِبَطَالَةِ الْقَاضِي، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي أَخْذِ الْقَاضِي مَا رُتِّبَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي يَوْمِ بَطَالَتِهِ، فَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: إنَّهُ يَأْخُذُ فِي يَوْمِ الْبَطَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَرِيحُ لِلْيَوْمِ الثَّانِي وَقِيلَ: لَا يَأْخُذُ (انْتَهَى) .
وَفِي الْمُنْيَةِ: الْقَاضِي يَسْتَحِقُّ الْكِفَايَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي يَوْمِ الْبَطَالَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَاخْتَارَهُ فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْمَدَارِسِ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْبَطَالَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ لِلْمُطَالَعَةِ وَالتَّحْرِيرِ عِنْدَ ذِي الْهِمَّةِ، وَلَكِنْ تَعَارَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زَمَانِنَا بَطَالَةً طَوِيلَةً أَدَّتْ إلَى أَنْ صَارَ الْغَالِبُ الْبَطَالَةَ، وَأَيَّامُ التَّدْرِيسِ قَلِيلَةً، وَبَعْضُ الْمُدَرِّسِينَ يَتَقَدَّمُ فِي أَخْذِ الْمَعْلُومِ عَلَى غَيْرِهِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْمُدَرِّسَ مِنْ الشَّعَائِرِ مُسْتَدِلًّا بِمَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ مَعَ أَنَّ مَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُدَرِّسِ لِلْمَدْرَسَةِ لَا فِي كُلِّ مُدَرِّسٍ، فَخَرَجَ مُدَرِّسُ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ فِي مِصْرَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَدْرَسَةَ تَتَعَطَّلُ إذَا غَابَ الْمُدَرِّسُ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَطَّلُ؛ لِغَيْبَةِ الْمُدَرِّسِ
فَائِدَةٌ: نَقَلَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ الْإِمَامَ لِلْمَسْجِدِ يُسَامَحُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أُسْبُوعًا لِلِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لِزِيَارَةِ أَهْلِهِ. ١٥ -
وَعِبَارَتُهُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ: يَتْرُكُ الْإِمَامَةَ لِزِيَارَةِ أَقْرِبَائِهِ فِي
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَعِبَارَتُهُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ إلَخْ.
لَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْقُنْيَةِ ذِكْرُ الْأُسْبُوعِ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَتَبَيَّنْهُ.
стр. 294
الرَّسَاتِيقِ أُسْبُوعًا، أَوْ نَحْوَهُ أَوْ لِمُصِيبَتِهِ أَوْ لِاسْتِرَاحَتِهِ لَا بَأْسَ بِهِ ١٦ -، وَمِثْلُهُ عَفْوٌ فِي الْعَادَةِ وَالشَّرْعِ (انْتَهَى) .
وَمِنْهَا الْمَدَارِسُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى دَرْسِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُعْلَمُ مُرَادُ الْوَاقِفِ فِيهَا هَلْ يُدَرَّسُ فِيهَا عِلْمُ الْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ الْمُصْطَلَحِ كَمُخْتَصَرِ ابْنِ الصَّلَاحِ؟ أَوْ يُقْرَأُ مَتْنُ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَنَحْوِهِمَا، وَيُتَكَلَّمُ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ فِقْهٍ أَوْ عَرَبِيَّةٍ أَوْ لُغَةٍ أَوْ مُشْكِلٍ أَوْ اخْتِلَافٍ كَمَا هُوَ عُرْفُ النَّاسِ الْآنَ؟ قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ: وَهُوَ شَرْطُ الْمَدْرَسَةِ الشَّيْخُونِيَّةِ كَمَا رَأَيْته فِي شَرْطِ وَاقِفِهَا.
قَالَ: وَقَدْ سَأَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ شَيْخَهُ الْحَافِظَ أَبَا الْفَضْلِ الْعِرَاقِيَّ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ اتِّبَاعُ شُرُوطِ الْوَاقِفِينَ فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي شُرُوطٍ، وَكَذَلِكَ اصْطِلَاحُ كُلِّ بَلَدٍ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ يُلْقُونَ دُرُوسَ الْحَدِيثِ بِالسَّمَاعِ، وَيَتَكَلَّمُ الْمُدَرِّسُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، بِخِلَافِ الْمِصْرِيِّينَ، فَإِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِحَسَبِ مَا يُقْرَأُ فِيهَا مِنْ الْحَدِيثِ.
[فَصْلٌ فِي تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ الشَّرْعِ]
ِ: فَإِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ خُصُوصًا فِي الْأَيْمَانِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْبِسَاطِ أَوْ لَا يَسْتَضِيءُ بِالسِّرَاجِ لَمْ يَحْنَثْ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا بِالِاسْتِضَاءَةِ بِالشَّمْسِ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِرَاشًا وَبِسَاطًا وَسَمَّى
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ عَفْوٌ إلَخْ: ظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُحْرَمُ الْمَرْسُومَ الْمُعَيَّنَ، وَقَدْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخَصَّافِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْهُ بِمُقْتَضَى كَلَامِ الْخَصَّافِ فَرَاجِعْهُ.
стр. 295
الشَّمْسَ سِرَاجًا.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ لَحْمِ السَّمَكِ، وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَحْمًا فِي الْقُرْآنِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ كَافِرًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى دَابَّةً، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ تَحْتَ سَقْفٍ فَجَلَسَ تَحْتَ السَّمَاءِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى سَقْفًا
[مَسَائِلَ يُقَدَّمُ الشَّرْعُ عَلَى الْعُرْفِ]
إلَّا فِي مَسَائِلَ فَيُقَدَّمُ الشَّرْعُ عَلَى الْعُرْفِ: الْأُولَى: لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ.
الثَّانِيَةُ: ١٧ - لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ بِمُطْلَقِ الْإِمْسَاكِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِصَوْمِ سَاعَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِنِيَّتِهِ مِنْ أَهْلِهِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فُلَانَةَ حَنِثَ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ النِّكَاحُ الشَّائِعُ شَرْعًا لَا بِالْوَطْءِ كَمَا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ، بِخِلَافِ لَا يَنْكِحُ زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ لِلْوَطْءِ.
الرَّابِعَةُ: ١٨ - لَوْ قَالَ: لَهَا إنْ رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَعَلِمَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ إلَخْ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِمَّا قُدِّمَ فِيهِ عُرْفُ الشَّرْعِ عَلَى عُرْفِ اللُّغَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِي هَذَا مُوَافِقٌ لِعُرْفِ اللُّغَةِ.
(١٨) قَوْلُهُ: لَوْ قَالَ لَهَا إنْ رَأَيْتِ الْهِلَالَ إلَخْ: قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ رَأَيْتهَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَصَرَةِ مِنْ الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى لِلشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ طَلُقَتْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَمْلًا لِلرُّؤْيَةِ عَلَى الْعِرْفَانِ، وَهَذَا خِلَافُ الْوَضْعِ وَعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي ذَلِكَ.
وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِصِحَّةِ قَوْلِ النَّاسِ رَأَيْنَا الْهِلَالَ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ كُلُّهُمْ، وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ رَأَيْنَا الْهِلَالَ مَجَازٌ نِسْبَةُ فِعْلِ الْبَعْضِ إلَى الْكُلِّ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ فَإِنْ تَقْتُلُونَا نَقْتُلُكُمْ، مَعْنَاهُ فَإِنْ تَقْتُلُوا بَعْضَنَا نَقْتُلُكُمْ، وَلَيْسَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِمَا مَرَّ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّ مَجَازَ مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يَشْهَدُ بِمَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى نَفْسِ رُؤْيَتِهَا وَهِيَ وَاحِدَةٌ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا مَا وُجِدَ فِي
стр. 296
رُؤْيَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ لِكَوْنِ الشَّارِعِ اسْتَعْمَلَ الرُّؤْيَةَ فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فَلَوْ كَانَ الشَّرْعُ يَقْتَضِي الْخُصُوصَ، وَاللَّفْظُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ اعْتَبَرْنَا خُصُوصَ الشَّرْعِ.
١٩ - قَالُوا لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ لَا يَدْخُلُ الْوَارِثُ اعْتِبَارًا لِخُصُوصِ الشَّرْعِ، ٢٠ - وَلَا يَدْخُلُ الْوِلْدَانُ، وَالْوَالِدُ لِلْعُرْفِ.
وَهُنَا فَرْعَانِ مُخَرَّجَانِ لَمْ أَرَهُمَا الْآنَ صَرِيحًا؛ أَحَدُهُمَا: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ٢١ - لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ.
الثَّانِي: حَلَفَ لَا يَطَأُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً تَغَيَّرَ بِغَيْرِهِ فَالْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ فِي
ــ
[غمز عيون البصائر]
غَيْرِهَا.
وَاسْتِدْلَالُ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ الْمَجَازِ لَا يُنَاسِبُهُ وَلَا يُوَافِقُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ، فَقَدْ كَفَانَا إمَامُنَا فِي الرَّدِّ عَلَى إمَامِهِمْ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ وَلَا تَبَصُّرٍ
١ -
وَقَالَ الْحَصِيرِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: حَلَفَ لَا يَرَى هِلَالَ كَذَا بِالْكُوفَةِ فَكَانَ بِهَا، وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْكَيْنُونَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي كَوْنِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ نَوَى حَقِيقَةَ الرُّؤْيَةِ صَدَقَ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ بِمَهْجُورَةٍ (انْتَهَى)
(١٩) . قَوْلُهُ: قَالُوا لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ إلَخْ.
قِيلَ: هَذَا فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ نَفْسِهِ أَمَّا لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ فُلَانٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْرُجَ الْوَارِثُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(٢٠) قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُ الْوِلْدَانُ وَالْوَالِدُ لِلْعُرْفِ.
فِي الْخَانِيَّةِ: وَقَفَ عَلَى ذَوِي قَرَابَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَالِدُهُ وَوَلَدُهُ وَجَدُّهُ.
رَجُلٌ قَالَ: أُوصِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَقَارِبِي أَوْ ذَوِي قَرَابَتِي.
قَالَ هِلَالٌ: يَصِحُّ الْوَقْفُ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَالِدُ الْوَاقِفِ وَلَا جَدُّهُ وَلَا وَلَدُهُ.
(٢١) قَوْلُهُ: لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ: قِيلَ: وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْإِنْسَانِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ.
стр. 297
تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ اللُّغَةِ: صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ لَا عَلَى الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ، وَعَلَيْهَا فُرُوعٌ: مِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ حَنِثَ بِمَا يَعْتَادُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ، فَفِي الْقَاهِرَةِ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِخُبْزِ الْبُرِّ، وَفِي طَبَرِسْتَانَ يَنْصَرِفُ إلَى خُبْزِ الْأُرْزِ، وَفِي زَبِيدَ إلَى خُبْزِ الذُّرَةِ وَالدُّخْنِ، وَلَوْ أَكَلَ الْحَالِفُ خِلَافَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْخُبْزِ لَمْ يَحْنَثْ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقَطَائِفِ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
وَمِنْهَا: الشِّوَاءُ وَالطَّبِيخُ عَلَى اللَّحْمِ، ٢٢ - فَلَا يَحْنَثُ بِالْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ الْمَشْوِيِّ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْمُزَوَّرَةِ فِي الطَّبِيخِ وَلَا بِالْأُرْزِ الْمَطْبُوخِ بِالسَّمْنِ بِخِلَافِ الْمَطْبُوخِ بِالدُّهْنِ وَلَا بِقَلِيَّةٍ يَابِسَةٍ.
وَمِنْهَا: الرَّأْسُ مَا يُبَاعُ فِي مِصْرِهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِرَأْسِ الْغَنَمِ: وَمِنْهَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ ضَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ أَوْ الْكَعْبَةَ لَمْ يَحْنَثْ.
تَنْبِيهٌ: خَرَجَتْ عَنْ بِنَاءِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ عَلَى مَا فِي الْكَنْزِ وَلَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ.
وَجَوَابُ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ عُرْفٌ عَمَلِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا بِخِلَافِ الْعُرْفِ اللَّفْظِيِّ فَقَدْ رَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِمْ فِي الْأُصُولِ: الْحَقِيقِيَّةُ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ إذْ لَيْسَتْ الْعَادَةُ إلَّا عُرْفًا عَمَلِيًّا (انْتَهَى)
[حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَيَوَانًا فركب إنْسَان]
الثَّانِيَةُ: حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَيَوَانًا يَحْنَثُ بِالرُّكُوبِ عَلَى الْإِنْسَانِ؛ لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ وَالْعُرْفِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[فَصْلٌ فِي تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ اللُّغَةِ]
قَوْلُهُ: فَلَا يَحْنَثُ بِالْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ الْمَشْوِيِّ إلَخْ: هَذَا قَوْلُهُمَا وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ
стр. 298
الْعَمَلِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُرْكَبُ عَادَةً لَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
٢٣ - بِخِلَافِ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً ٢٤ - كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا مَهَّدَهُ، وَقَدْ عَلِمْت رَدَّهُ لَكِنْ لَمْ يُجِبْ ابْنُ الْهُمَامِ عَنْ هَذَا الْفَرْعِ
الثَّالِثَةُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَهْدِمُ بَيْتًا حَنِثَ بِهَدْمِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، بِخِلَافِ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا وَفَرَّقَ الزَّيْلَعِيُّ بَيْنَهُمَا بِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِحَقِيقَتِهِ فِي الْهَدْمِ، بِخِلَافِ الدُّخُولِ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْمِلْكُ لَمْ يَصِحَّ بِنَاءُ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِحَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ
[حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكْلِ الْكَبِدِ]
الرَّابِعَةُ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا حَنِثَ بِأَكْلِ الْكَبِدِ، وَالْكِرْشِ عَلَى مَا فِي الْكَنْزِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا عُرْفًا، وَلِذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا فَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ لَحْمًا (انْتَهَى) .
وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا، وَمِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ عُلِمَ أَنَّ الْعَجَمِيَّ يُعْتَبَرُ عُرْفُهُ قَطْعًا، وَمِنْ هُنَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْكَنْزِ: وَالْوَاقِفُ عَلَى السَّطْحِ دَاخِلٌ: أَنَّ الْمُخْتَارَ لَا يَحْنَثُ فِي الْعَجَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا عِنْدَهُمْ (انْتَهَى)
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ هَلْ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ]
ِ؟ قَالَ فِي إجَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ:
ــ
[غمز عيون البصائر]
[تَنْبِيهٌ خَرَجَتْ عَنْ بِنَاءِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ مَسَائِلُ]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً: يَعْنِي فَلَا يَحْنَثُ لَوْ رَكِبَ إنْسَانًا كَافِرًا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا.
(٢٤) قَوْلُهُ: كَمَا قَدَّمْنَاهُ: الَّذِي قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ الشَّرْعِ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ كَافِرًا لَمْ يَحْنَثْ فَخَصَّصَهُ بِالْكَافِرِ، وَمُقْتَضَى مَا هُنَا عَدَمُ التَّخْصِيصِ.
стр. 299
الْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْعًا (انْتَهَى) .
وَقَالُوا: فِي الْإِجَارَاتِ لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ؛ لِيَخِيطَهُ لَهُ أَوْ إلَى صَبَّاغٍ؛ لِيَصْبُغَهُ لَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أُجْرَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْأَجْرِ وَعَدَمِهِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ؛ فَهَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِ الْأُجْرَةِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ: لَا أُجْرَةَ لَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إنْ كَانَ الصَّابِغُ حَرِيفًا لَهُ أَيْ مُعَامِلًا لَهُ فَلَهُ الْأَجْرُ، وَإِلَّا لَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: إنْ كَانَ الصَّابِغُ مَعْرُوفًا بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ بِالْأَجْرِ، وَقِيَامِ حَالِهِ بِهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ لِلظَّاهِرِ الْمُعْتَادِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ؛ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ (انْتَهَى) .
وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِصَابِغٍ بَلْ كُلُّ صَانِعٍ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ بِأُجْرَةٍ فَإِنَّ السُّكُوتَ كَالِاشْتِرَاطِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ نُزُولُ الْخَانِ وَدُخُولُ الْحَمَّامِ وَالدَّلَّالِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْمُعَدُّ لِلِاسْتِغْلَالِ كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
وَلِذَا قَالُوا: الْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ، فَعَلَى الْمُفْتَى بِهِ صَارَتْ عَادَتُهُ كَالْمَشْرُوطِ صَرِيحًا، وَهُنَا مَسْأَلَتَانِ لَمْ أَرَهُمَا الْآنَ، يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُمَا عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمَشْرُوطُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْعًا.
٢٥ - مِنْهَا: لَوْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُقْتَرِضِ بِرَدِّ أَزَيْدَ مِمَّا اقْتَرَضَ هَلْ يَحْرُمُ إقْرَاضُهُ تَنْزِيلًا لِعَادَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ؟ وَمِنْهَا لَوْ بَارَزَ كَافِرًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
[حَلَفَ لَا يَهْدِمُ بَيْتًا فَهَدْمِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ]
قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُقْتَرَضِ: الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْأُولَى أَيْ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَمْ يَرَهُمَا هَلْ يَحْرُمُ إقْرَاضُهُ؟ قِيلَ: الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ نَظَرُ الْفَقِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُكَافَأَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ شَرْعًا حَيْثُ دَفَعَهُ الْمُقْرِضُ قَرْضًا
стр. 300
مُسْلِمٌ، وَاطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِالْأَمَانِ لِلْكَافِرِ، هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْأَمَانِ لَهُ فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إعَانَةُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ؟ وَحِينَ تَأْلِيفِ هَذَا الْمَحَلِّ وَرَدَ عَلَيَّ سُؤَالٌ فِيمَنْ آجَرَ مَطْبَخًا لِطَبْخِ السُّكَّرِ وَفِيهِ فَخَّارٍ، أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي اسْتِعْمَالِهَا فَتَلِفَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَرَى الْعُرْفُ فِي الْمَطَابِخِ بِضَمَانِهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ٢٦ - فَأَجَبْتُ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ فَصَارَ كَأَنَّهُ صَرَّحَ بِضَمَانِهَا عَلَيْهِ.
وَالْعَارِيَّةُ إذَا اُشْتُرِطَ فِيهَا الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ٢٧ - تَصِيرُ مَضْمُونَةً عِنْدَنَا فِي رِوَايَةٍ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْعَارِيَّةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
مَحْضًا فَجَازَاهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ وَدَفَعَهُ الْمُسْتَقْرِضُ لَا عَلَى وَجْهِ الرِّبَا، وَيَظْهَرُ فِي الثَّانِيَةِ حُرْمَةُ الْإِعَانَةِ لِلْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ تَأَمَّلْ، وَمِنْهَا الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَالثَّانِيَةُ.
(٢٦) قَوْلُهُ: فَأَجَبْت بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ.
قِيلَ عَلَيْهِ: لَا يَنْبَغِي بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَى بِهَذَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ الضَّمَانِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّصْرِيحِ بِالشَّرْطِ إنَّمَا ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيلِ إرْخَاءِ الْعَنَانِ مَعَ الشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِالضَّمَانِ فِي الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَقَالَ أَبَدًا.
فَقَوْلُهُ: أَبَدًا تُفِيدُ الْعُمُومَ وَشُمُولَ حَالِ الشَّرْطِ، وَمَعَ ذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ وَأَقَرَّهُ، فَقَالَ: وَلَوْ شُرِطَ فِيهِمَا الضَّمَانُ، وَإِنَّمَا الضَّمَانُ بِالتَّعَدِّي.
وَنَقَلَ عَنْ الْيَنَابِيعِ مَا ذَكَرَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا، وَفِيهِ الشَّرْطُ لَغْوٌ وَلَا تَضَمُّنَ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وَتَحْذِيرٌ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ بِتِلْكَ الرِّوَايَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلدِّرَايَةِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّصْرِيحِ بِالشَّرْطِ.
وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِهِ فَجَمِيعُ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ تُنَادِي بِأَنَّهُ قَوْلٌ مَقْبُولٌ لَا مَجْرُوحٌ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِقَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ: رَجُلٌ أَعَارَ شَيْئًا، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعِيرُ ضَامِنًا لِمَا هَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الضَّمَانُ، وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا عِنْدَنَا، وَمِثْلُهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ (انْتَهَى) .
هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ مِنْ الْجَوَابِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ نَفْسُهُ فِي الْفَوَائِدِ الزَّيْنِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْإِفْتَاءُ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ، وَإِنَّمَا عَلَى الْمُفْتِي حِكَايَةُ النَّقْلِ الصَّرِيحِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(٢٧) قَوْلُهُ: تَصِيرُ مَضْمُونَةً عِنْدَنَا فِي رِوَايَةٍ: فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الصَّحِيحَ الْمُفْتَى بِهِ خِلَافُهُمَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا أَطَالَ بِهِ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَوَاشِي.
стр. 301
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْجَوْهَرَةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي رِوَايَةٍ، لَكِنْ نَقَلَ بَعْدَهُ فُرُوعَ الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْيَنَابِيعِ ثُمَّ قَالَ: ٢٨ - وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ وَالْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ فَلَا يُضْمَنَانِ، بِحَالٍ (انْتَهَى) .
وَلَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: قَالَ أَعِرْنِي هَذَا عَلَى أَنَّهُ إنْ ضَاعَ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ فَأَعَارَهُ فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْ (انْتَهَى) .
وَمِمَّا تَفَرَّعَ عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ لَوْ جَهَّزَ الْأَبُ بِنْتَه جِهَازًا، وَدَفَعَهُ لَهَا ثُمَّ ٢٩ - ادَّعَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ، وَلَا بَيِّنَةَ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ؛ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعُرْفُ مُسْتَمِرًّا أَنَّ الْأَبَ يَدْفَعُ ذَلِكَ الْجِهَازَ مِلْكًا لَا عَارِيَّةً لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُشْتَرَكًا فَالْقَوْلُ لِلْأَبِ كَذَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَعِنْدِي أَنَّ الْأَبَ إنْ كَانَ مِنْ كِرَامِ النَّاسِ، وَأَشْرَافِهِمْ لَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ (انْتَهَى) .
وَفِي الْكُبْرَى لِلْخَاصِّيِّ أَنَّ الْقَوْلَ لِلزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَعَلَى الْأَبِ الْبَيِّنَةُ ٣٠ -؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلزَّوْجِ كَمَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ؛ لِيُقَصِّرَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَجْرَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ وَالْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ إلَخْ: هَذَا يُخَالِفُ مَا سَيَأْتِي نَقْلُهُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُودَعَةَ إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حِفْظِهَا، وَهَلَكَتْ يَضْمَنُهَا الْمُودَعُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَحْثِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ، وَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ الْإِجَارَاتِ وَفِي النِّهَايَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ هُنَا عِنْدَ الْفَتْوَى.
(٢٩) قَوْلُهُ: ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ: قِيلَ: هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْأَبُ يَدْفَعُ لِكُلِّ عَارِيَّةٍ أَمَّا لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِدَفْعِ الْبَعْضِ فَلَا.
وَهَذَا تَقْيِيدٌ لَطِيفٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ.
(٣٠) قَوْلُهُ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلزَّوْجِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْلَاكُ فِي
стр. 302
فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِجَارَةِ بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ (انْتَهَى) .
وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ الْعُرْفُ؛ فَالْقَوْلُ الْمُفْتَى بِهِ نَظَرَ إلَى عُرْفِ بَلَدِهِمَا، وَقَاضِي خَانْ نَظَرَ إلَى حَالِ الْأَبِ فِي الْعُرْفِ، وَمَا فِي الْكُبْرَى نَظَرَ إلَى مُطْلَقِ الْعُرْفِ مِنْ أَنَّ الْأَبَ إنَّمَا يُجَهِّزُ مِلْكًا؛ وَفِي الْمُلْتَقَطِ مِنْ الْبُيُوعِ، وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ: الْأَشْيَاءُ عَلَى ظَاهِرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَلَالَ فِي الْأَسْوَاقِ لَا يَجِبُ السُّؤَالُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَرَامَ فِي وَقْتٍ أَوْ كَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَا يَتَأَمَّلُ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَالسُّؤَالُ عَنْهُ حَسَنٌ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ دُخُولَ الْبَرْذعَةِ وَالْإِكَافِ فِي بَيْعِ الْحِمَارِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ حَمْلَ الْأَجِيرِ الْأَحْمَالَ إلَى دَاخِلِ الْبَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعَارُفِ، ذَكَرَهُ فِي الْإِجَارَاتِ.
وَفِي إجَارَاتِ مُنْيَةِ الْمُفْتِي: رَجُلٌ دَفَعَ غُلَامَهُ إلَى حَائِكٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً؛ لِيَتَعَلَّمَ النَّسْجَ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْأَجْرُ عَلَى أَحَدٍ فَلَمَّا عَلِمَ الْعَمَلَ طَلَبَ الْأُسْتَاذُ الْأَجْرَ مِنْ الْمَوْلَى وَالْمَوْلَى مِنْ الْأُسْتَاذِ؛ يُنْظَرُ إلَى عُرْفِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَشْهَدُ لِلْأُسْتَاذِ؛ يُحْكَمُ بِأَجْرِ مِثْلِ تَعْلِيمِ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَلَى الْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ يَشْهَدُ لِلْمَوْلَى فَأَجْرُ مِثْلِ ذَلِكَ الْغُلَامِ عَلَى الْأُسْتَاذِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ ابْنَهُ (انْتَهَى) .
وَمِمَّا بَنُوهُ عَلَى الْعُرْفِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يَدِ الْمَلِكِ فَيَكُونُ مَا فِي يَدِ الزَّوْجَةِ مِلْكًا لَهَا ظَاهِرًا، (٣١)
قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِجَارَةِ.
هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ.
(٣١) قَوْلُهُ: وَمِمَّا بَنُوهُ عَلَى الْعُرْفِ.
قِيلَ عَلَيْهِ: كَوْنُ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى الْعُرْفِ غَيْرُ
стр. 303
أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ السُّوقِ إذَا اسْتَأْجَرُوا حُرَّاسًا، وَكَرِهَ الْبَاقُونَ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تُؤْخَذُ مِنْ الْكُلِّ، وَكَذَا فِي مَنَافِعِ الْقُرْبَةِ وَتَمَامُهُ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي، ٣٤ - وَفِيهَا لَوْ دَفَعَ غَزْلًا إلَى حَائِكٍ؛ لِيَنْسِجَهُ بِالنِّصْفِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بُخَارَى وَأَبُو اللَّيْثِ وَغَيْرُهُ لِلْعُرْفِ (انْتَهَى) .
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الْعُرْفُ الَّذِي تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَلْفَاظُ ٣٥ - إنَّمَا هُوَ الْمُقَارِنُ السَّابِقُ دُونَ الْمُتَأَخِّرِ؛ ٣٦ - وَلِذَا قَالُوا لَا عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ الطَّارِئِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
مَعْرُوفٍ (انْتَهَى) .
وَقِيلَ لَا يُقَالُ لَا وَجْهَ لِلْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا لَمْ يَقَعْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ كَمَا يُفِيدُهُ التَّمْثِيلُ بِالْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْقَاعِدَةُ أَعَمُّ، وَيَصِحُّ بِنَاءُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَيْهَا إذْ الْحَاصِلُ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ السُّوقِ إذَا اسْتَأْجَرُوا أَجِيرًا وَجَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الْأَجْرَ يَكُونُ عَلَى الْكُلِّ فَهُوَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ عَلَى الْكُلِّ هُوَ الْمَعْرُوفُ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ.
(٣٣) قَوْلُهُ: إنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ السُّوقِ لَوْ اسْتَأْجَرُوا إلَخْ، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَئِيسُ السُّوقِ وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ.
(٣٤) قَوْلُهُ: وَفِيهَا لَوْ دَفَعَ إلَى حَائِكٍ إلَخْ: اُسْتُفِيدَ مِنْهُ تَقْيِيدُ مَسْأَلَةِ قَفِيزِ الطَّحَّانِ بِمَا إذَا لَمْ يَجْرِ فِيهَا عُرْفُ أَهْلِ بُخَارَى وَجَازَتْ عِنْدَهُمْ.
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ الْعُرْفُ الَّذِي تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَلْفَاظُ]
(٣٥) قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ الْمُقَارِنُ السَّابِقُ أَيْ السَّابِقُ لِوَقْتِ اللَّفْظِ، وَاسْتَقَرَّ حَتَّى صَارَ فِي وَقْتِ الْمَلْفُوظِ بِهِ، وَأَمَّا الْمُقَارِنُ الطَّارِئُ فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَلَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ السَّابِقُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا عَسَاهُ يُقَالُ: كَيْفَ يَكُونُ الْعُرْفُ مُقَارِنًا سَابِقًا وَسَقَطَ؟ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَوْ السَّابِقُ وَسَقَطَتْ أَوْ سَهْوًا.
(٣٦) قَوْلُهُ: وَلِذَا قَالُوا لَا عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ الطَّارِئِ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ وَأَغْرَبَ مَنْ حَكَى فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ قَوْلَانِ، وَبَنَى بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَطَالَةِ فِي الْمَدَارِسِ فَقَدْ اشْتَهَرَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ تَرْكُ الدُّرُوسِ فِي
стр. 304
فَلِذَا اُعْتُبِرَ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي التَّعْلِيقِ فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ وَلَا يُخَصِّصُهُ الْعُرْفُ.
وَفِي آخِرِ الْمَبْسُوطِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَغِيبَ فَحَلَّفَتْهُ امْرَأَتُهُ فَقَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَهُوَ يَعْنِي كُلَّ سَفِينَةٍ جَارِيَةٍ، عَمِلَ بِنِيَّتِهِ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤] وَالْمُرَادُ السُّفُنُ، فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهَا ظَالِمَةٌ فِي هَذَا الِاسْتِحْلَافِ وَنِيَّةُ الْمَظْلُومِ فِيمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ، وَإِنْ حَلَّفَتْهُ بِطَلَاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَلْيَقُلْ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ، وَهُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَى رَقَبَتِك فَيَعْمَلُ بِنِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ (انْتَهَى) .
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبٍ سَابِقٍ، وَرُبَّمَا يُقَدَّمُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ.
الثَّانِيَةُ كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبْدَانَ مَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا، وَأَوْجَبَ رَدَّ مَنْ حَمَلَ مِنْهَا شَيْئًا.
(٣٧) قَوْلُهُ: فَلِذَا اُعْتُبِرَ الْعُرْفُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي التَّعْلِيقِ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ إنَّمَا تُقَيِّدُ لَفْظَ الْمُطْلَقِ إذَا تَعَلَّقَ بِإِنْشَاءِ أَمْرٍ فِي الْحَالِ دُونَ مَا يَقَعُ إخْبَارًا عَنْ مُتَقَدِّمٍ فَلَا يُقَيِّدُهُ الْعُرْفُ الْمُتَأَخِّرُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا أَوْ رَغْبَةِ النَّاسِ فِيمَا يَرُوجُ فِي الْبُقْعَةِ غَالِبًا، وَلَا تُؤَثِّرُ فِي التَّعْلِيقِ وَالْإِقْرَارِ وَالدَّعْوَى بَلْ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ فِيهَا.
أَمَّا فِي التَّعْلِيقِ فَلِقِلَّةِ وُقُوعِهِ، وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ وَالدَّعْوَى فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبٍ سَابِقٍ، وَرُبَّمَا تَقَدَّمَ الْوُجُوبُ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ أَوْ غَلَبَ فِي بُقْعَةٍ أُخْرَى
стр. 305
فَسَّرَهَا أَنَّهَا زُيُوفٌ، أَوْ نَبَهْرَجَةٌ يُصَدَّقُ إنْ وَصَلَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ أَوْ قَرْضٍ لَمْ يُصَدَّقْ.
عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا قَالَ هِيَ زُيُوفٌ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ، وَصَدَّقَاهُ إنْ وَصَلَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ غَصْبًا أَوْ وَدِيعَةً قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ صُدِّقَ مُطْلَقًا.
وَكَذَا الدَّعْوَى لَا تَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارَ إخْبَارٌ بِمَا تَقَدَّمَ فَلَا يُقَيِّدُهُ الْعُرْفُ الْمُتَأَخِّرُ بِخِلَافِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ بَاشَرَهُ لِلْحَالِ فَقَيَّدَهُ الْعُرْفُ.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الدَّعْوَى مَعْزِيًّا إلَى اللَّامِشِيِّ: إذَا كَانَتْ النُّقُودُ فِي الْبَلَدِ مُخْتَلِفَةً أَحَدُهَا أَرَوْجُ لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى مَا لَمْ يُبَيِّنْ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ حُمْرٍ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ حُمْرٌ لَا يَصْلُحُ بِلَا بَيَانٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَرْوَجِ (انْتَهَى) .
وَقَدْ أَوْسَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ أَوَّلِ الْبَيْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَخْرُجَ عَلَيْهَا مَسْأَلَتَانِ؛ أَحَدُهُمَا مَسْأَلَةُ الْبَطَالَةِ فِي الْمَدَارِسِ فَإِذَا اسْتَمَرَّ عُرْفٌ بِهَا فِي أَشْهُرٍ مَخْصُوصَةٍ حُمِلَ عَلَيْهَا مَا وُقِفَ بَعْدَهَا لَا مَا وُقِفَ قَبْلَهَا.
الثَّانِيَةُ: إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِلْحَاكِمِ وَكَانَ الْحَاكِمُ إذْ ذَاكَ شَافِعِيًّا ثُمَّ صَارَ الْآنَ حَنَفِيًّا لَا قَاضِيَ غَيْرَهُ إلَّا نِيَابَةً.
هَلْ يَكُونُ النَّظَرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ الْحَاكِمُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فَلَا يُحْمَلُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ؟ ٣٨ - فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ.
وَلَكِنْ قَالُوا فِي الْأَيْمَانِ لَوْ حَلَّفَهُ وَالِي بَلْدَةٍ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ: فِيهِ أَنَّ أَلْ فِي الْحَاكِمِ لِلْعَهْدِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَقَضِيَّةُ كَوْنِ النَّظَرِ لِذَلِكَ الْحَاكِمِ شَافِعِيًّا أَوْ كَانَ حَنَفِيًّا، وَكَوْنُهُ شَافِعِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ ذَاكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فَالظَّاهِرُ إذَا كَانَ النَّظَرُ لَهُ، وَإِنْ صَارَ حَنَفِيًّا فِيمَا عَلِمْت، وَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْقَاعِدَةِ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ فَتَدَبَّرْ.
стр. 306
لِيُعْلِمَهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ دَخَلَ الْبَلْدَةَ بَطَلَتْ الْيَمِينُ بِعَزْلِ الْوَالِي فَلَا يَحْنَثُ إذَا لَمْ يُعْلِمْ الْوَالِيَ الثَّانِيَ، وَلَمْ أَرَ الْآنَ حُكْمَ ٤٠ - مَا إذَا حَلَفَ مَتَى رَأَى مُنْكَرًا رَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي؛ هَلْ يُعَيَّنُ الْقَاضِي حَالَةَ الْيَمِينِ؟ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ لَوْ وَقَفَ بَلَدًا عَلَى الْحَرَمِ الشَّرِيفِ، وَشَرَطَ النَّظَرَ لِلْقَاضِي هَلْ يَنْصَرِفُ إلَى قَاضِي الْحَرَمِ أَوْ قَاضِي الْبَلْدَةِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ قَاضِي بَلَدِ الْوَاقِفِ؟ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَخْرَجَ مِنْ مَسْأَلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْيَتِيمُ فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَهَلْ النَّظَرُ عَلَيْهِ لِقَاضِي بَلَدِ الْيَتِيمِ أَوْ لِقَاضِي بَلَدِ مَالِهِ؟ صَرَّحُوا بِالْأَوَّلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ لِقَاضِي الْحَرَمِ.
٤١ - وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَرْجَحَ كَوْنُ النَّظَرِ لِقَاضِي الْبَلَدِ الْمَوْقُوفَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرِفُ بِمَصَالِحِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَهُ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْمَصْلَحَةُ.
٤٢ - وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَقَارُ لَا فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي وَتَنَازَعَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لِيُعْلِمَهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ.
الدَّعَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وَالدَّعَارَةُ بِالْفَتْحِ الْخَبَثُ وَالْفِسْقُ وَبَابُهُ ضَرَبَ، وَعَلِمَ كَذَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ.
(٤٠) قَوْلُهُ: مَا إذَا حَلَفَ مَتَى رَأَى مُنْكَرًا إلَخْ.
إنْ كَانَ ضَمِيرُ حَلَفَ لِلْوَالِي فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَاضِي وَقْتَ الْحَلِفِ عَلَى أَنَّ أَلْ لِلْعَهْدِ أَوْ الْقَاضِي وَقْتَ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالظَّاهِرُ انْحِلَالُ الْيَمِينِ بِعَزْلِ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي بَقِيَتْ الْيَمِينُ بَعْدَ عَزْلِ الْقَاضِي وَقْتَ الْحَلِفِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ.
(٤١) قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ لِذَوِي الطَّبْعِ السَّلِيمِ.
(٤٢) . قَوْلُهُ: وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَقَارُ لَا فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي.
فِي الْخُلَاصَةِ الصَّحِيحُ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمَحْدُودِ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْدُودُ فِي وِلَايَتِهِ، وَمِثْلُهُ فِي
стр. 307
فِيهِ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَظَرَ إلَى التَّدَاعِي وَالتَّرَافُعِ، وَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
تَنْبِيهٌ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِي بِنَاءِ الْأَحْكَامِ الْعُرْفُ الْعَامُّ أَوْ مُطْلَقُ الْعُرْفِ وَلَوْ كَانَ خَاصًّا؟ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ: قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي خُتِمَ بِهِ الْفِقْهُ: ٤٣ - الْحُكْمُ الْعَامُّ لَا يَثْبُتُ بِالْعُرْفِ الْخَاصِّ وَقِيلَ: يَثْبُتُ (انْتَهَى) .
٤٤ - وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ اسْتَقْرَضَ أَلْفًا وَاسْتَأْجَرَ الْمُقْرِضُ لِحِفْظِ مِرْآةٍ أَوْ مِلْعَقَةٍ كُلَّ شَهْرٍ بِعَشَرَةٍ ٤٥ - وَقِيمَتُهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْأَجْرِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ اعْتِبَارًا لِعُرْفِ خَوَاصِّ بُخَارَى.
٤٦ - وَالصِّحَّةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِلِاخْتِلَافِ، وَالْفَسَادُ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَعَلَيْهِ مَشَى فِي التَّنْوِيرِ وَحَكَى الْقَوْلَ الْآخَرَ بِقَوْلٍ ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ.
[تَنْبِيهٌ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي بِنَاءِ الْأَحْكَامِ الْعُرْفُ الْعَامُّ أَوْ مُطْلَقُ الْعُرْفِ]
(٤٣) قَوْلُهُ: الْحُكْمُ الْعَامُّ لَا يَثْبُتُ بِالْعُرْفِ الْخَاصِّ.
يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْمَ الْخَاصَّ يَثْبُتُ بِالْعُرْفِ الْخَاصِّ.
وَفِيهَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَدَارِسِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى دَرْسِ الْحَدِيثِ وَلَا يُعْلَمُ مُرَادُ الْوَاقِفِ مِنْهَا، هَلْ يُدَرَّسُ فِيهَا عِلْمُ الْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ الْمُصْطَلَحِ أَوْ يُقْرَأُ مَتْنُ الْحَدِيثِ حَيْثُ قِيلَ بِاتِّبَاعِ اصْطِلَاحِ كُلِّ بَلَدٍ؟ .
(٤٤) قَوْلُهُ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ اسْتَقْرَضَ أَلْفًا وَاسْتَأْجَرَ الْمُقْرَضَ إلَخْ: يَعْنِي لِأَجْلِ حِلِّ الْمُرَابَحَةِ فِي الْقَرْضِ.
(٤٥) قَوْلُهُ: وَقِيمَتُهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْأَجْرِ.
يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِقْدَارَ أَجْرِ الْحِفْظِ، وَزِيَادَةً أَنَّهُ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فِي الْقَرْضِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ.
(٤٦) قَوْلُهُ: وَالصِّحَّةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ إلَخْ: يَعْنِي
صِيَانَةً لِلنَّاسِ
عَنْ الْوُقُوعِ فِي الرِّبَا الْمَحْضِ.
стр. 308
بِالتَّعَارُفِ الْعَامِّ وَلَمْ يُوجَدْ، وَقَدْ أَفْتَى الْأَكَابِرُ بِفَسَادِهَا.
وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ اسْتِئْجَارِ الْمُسْتَقْرِضِ الْمُقْرِضَ: التَّعَارُفُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ لَا يَثْبُتُ بِتَعَارُفِ أَهْلِ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْبَعْضِ.
وَعِنْدَ الْبَعْضِ ٤٧ - إنْ كَانَ يَثْبُتُ وَلَكِنْ أَحْدَثَهُ بَعْضُ أَهْلِ بُخَارَى فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَارَفًا مُطْلَقًا كَيْفَ، وَإِنَّ هَذَا الشَّيْءَ لَمْ يَعْرِفْهُ عَامَّتُهُمْ بَلْ تَعَارَفَهُ خَوَاصُّهُمْ فَلَا يَثْبُتُ التَّعَارُفُ بِهَذَا الْقَدْرِ، قَالَ ﵁: ٤٨ - وَهُوَ الصَّوَابُ (انْتَهَى) .
وَذَكَرَ فِيهَا مِنْ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ قُبَيْلَ التَّحَرِّي؛ لَوْ تَوَاضَعَ أَهْلُ بَلْدَةٍ عَلَى زِيَادَةٍ فِي سَنَجَاتِهِمْ الَّتِي تُوزَنُ بِهَا الدَّرَاهِمُ وَالْإِبْرَيْسَمُ عَلَى مُخَالَفَةِ سَائِرِ الْبُلْدَانِ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ (انْتَهَى) .
وَفِي إجَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ فِي إجَارَةِ الْأَصْلِ؛ اسْتَأْجَرَهُ؛ لِيَحْمِلَ طَعَامَهُ بِقَفِيزٍ مِنْهُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ لَا يُتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى، وَكَذَا إذَا دَفَعَ إلَى حَائِكٍ غَزْلًا عَلَى أَنْ يَنْسِجَهُ بِالثُّلُثِ.
وَمَشَايِخُ بَلْخِي وَخُوَارِزْمَ أَفْتَوْا: يَجُوزُ إجَارَةُ الْحَائِكِ لِلْعُرْفِ، وَبِهِ أَفْتَى أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ أَيْضًا؛
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إنْ كَانَ يَثْبُتُ، كَذَا فِي النُّسَخِ بِلَا وَاوٍ، وَالْأَوْلَى الْوَاوُ كَمَا فِي نُسَخِ الْقُنْيَةِ.
(٤٨) قَوْلُهُ: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَجُوِّزَتْ عَلَى مُنَافَاةِ الدَّلِيلِ لِلْحَاجَةِ فَإِذَا وَرَدَتْ عَلَى مَا لَا يَحْتَاجُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهِ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ إذَا اسْتَأْجَرَ الْمُقْرِضَ؛ لِيَحْفَظَ مِرْآةً أَوْ مِلْعَقَةً غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى هَذَا الْعَقْدِ لِحِفْظِ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ؛ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ الْمُقْرِضُ إلَى الْمُرَابَحَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُنَافَاةِ الدَّلِيلِ وَانْعَدَمَتْ الْحَاجَةُ الْمُجَوِّزَةِ لَمْ يَجُزْ، بِخِلَافِ جَوَازِ بَيْعِ الْمُقْرِضِ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ مِمَّا يُسَاوِي طَسُوجًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَإِنَّهُ عَلَى وِفَاقِ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَوْجُودٍ مَمْلُوكٍ لَهُ بِالْقَاضِي.
стр. 309
الْفَتْوَى عَلَى جَوَابِ الْكِتَابِ لَا الطَّحَّانِ ٥٠ -؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ إبْطَالُ النَّصِّ، (انْتَهَى) .
وَفِيهَا مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْوَفَاءِ فِي الْقَوْلِ السَّادِسِ مِنْ أَنَّهُ صَحِيحٌ.
قَالُوا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ فِرَارًا مِنْ الرِّبَا فَأَهْلُ بَلْخِي اعْتَادُوا الدَّيْنَ، وَالْإِجَارَةَ وَهِيَ لَا تَصِحُّ فِي الْكَرْمِ، وَأَهْلُ بُخَارَى اعْتَادُوا الْإِجَارَةَ الطَّوِيلَةَ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْأَشْجَارِ فَاضْطُرُّوا إلَى بَيْعِهَا وَفَاءً.
وَمَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ أَمْرٌ إلَّا اتَّسَعَ حُكْمُهُ (انْتَهَى) .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ، وَلَكِنْ أَفْتَى كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ بِاعْتِبَارِهِ؛
٥١ -: فَأَقُولُ عَلَى اعْتِبَارِهِ: ٥٢ - يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِأَنَّ مَا يَقَعُ فِي بَعْضِ أَسْوَاقِ الْقَاهِرَةِ مِنْ خُلُوِّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْفَتْوَى عَلَى جَوَابِ الْكِتَابِ، وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ.
(٥٠) قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ: أَيْ عَدَمِ الْجَوَازِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ.
(٥١) قَوْلُهُ فَأَقُولُ عَلَى اعْتِبَارِهِ: يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِأَنَّ مَا يَقَعُ فِي بَعْضِ أَسْوَاقِ الْقَاهِرَةِ مِنْ خُلُوِّ الْحَوَانِيتِ لَازِمًا، وَيَصِيرُ الْخُلُوُّ فِي الْحَانُوتِ حَقًّا لَهُ قِيلَ عَلَيْهِ: كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الشَّرِيفَةِ؟ (انْتَهَى) .
وَقَالَ شَيْخُنَا فِي الرِّسَالَةِ الْمُسَمَّاةِ بِمُفِيدَةِ الْحُسْنَى لِدَفْعِ ظَنِّ الْخُلُوِّ بِالسُّكْنَى بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ﵀.
(٥٢) قَوْلُهُ: يَنْبَغِي إلَخْ: مِمَّا لَا يَنْبَغِي فَإِنَّهُ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ مَا اُعْتُبِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى عُرْفِ الْخَاصِّ وَبَيْنَ الْخُلُوِّ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعُرْفِ الْخَاصِّ عَلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ ضَرَرُهَا الْتَزَمَ بِهِ فَاعِلُهَا مُخْتَارًا لِنَفْسِهِ أَوْ مُقْتَصَرًا فِي اسْتِيفَاءِ شَرْطٍ يَمْنَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَنَاظِرُهُ لَا يَمْلِكُ إتْلَافَهُ وَلَا تَعْطِيلَهُ.
أَقُولُ: وَلَا الْوَقْفَ، هَذَا هُوَ
стр. 310
الْحَوَانِيتِ لَازِمٌ، وَيَصِيرُ الْخُلُوُّ فِي الْحَانُوتِ حَقًّا لَهُ؛ فَلَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ إخْرَاجَهُ مِنْهَا، وَلَا إجَارَتَهَا لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَتْ وَقْفًا.
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَوَانِيتِ الْجَمَلُونِ بِالْغُورِيَّةِ أَنَّ السُّلْطَانَ الْغُورِيَّ لَمَّا بَنَاهَا أَسْكَنَهَا لِلتُّجَّارِ بِالْخُلُوِّ وَجَعَلَ لِكُلِّ حَانُوتٍ قَدْرًا أَخَذَهُ مِنْهُمْ، وَكَتَبَ ذَلِكَ بِمَكْتُوبِ الْوَقْفِ
وَكَذَا أَقُولُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ، قَدْ تَعَارَفَ الْفُقَهَاءُ بِالْقَاهِرَةِ النُّزُولَ عَنْ الْوَظَائِفِ بِمَالِ يُعْطَى لِصَاحِبِهَا وَتَعَارَفُوا ذَلِكَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْفَرْقُ الْجَلِيُّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ فَكَيْفَ يَقُولُ لَا يُمْكِنُ صَاحِبَ الْحَانُوتِ إخْرَاجُ صَاحِبِ الْخُلُوِّ مِنْهَا وَلَا يُمْكِنُهُ إجَارَتُهَا لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَتْ وَقْفًا أَلَيْسَ هَذَا حَجْرًا عَلَى الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ عَمَّا يَمْلِكُهُ شَرْعًا بِمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ؟
وَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ حِفْظَ الْمَالِ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فِي سَائِرِ الْأَدْيَانِ.
وَيُمْنَعُ الْمَالِكُ مِنْ إجَارَةِ مِلْكِهِ بِلُزُومِ إتْلَافِ مَالِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّارِعُ مِثْلَ مَا لَوْ رَضِيَ بِالرِّبَا مَعَ غَيْرِهِ وَكَرِضَاهُ بِقَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَبَعْضُ عَمَلِهِ أُجْرَةٌ هُوَ مَمْنُوعُ مِنْهُ شَرْعًا، وَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ صَاحِبَ الْخُلُوِّ لَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْأَشْيَاءِ يَسِيرًا وَيَأْخُذُ هُوَ فِي نَظِيرِ خُلُوِّهِ قَدْرًا كَثِيرًا، يَجُوزُ هَذَا حَتَّى فِي الْوَقْفِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَكَنَ فِي الْوَقْفِ يَلْزَمُ أُجْرَتُهُ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ، وَبِمَنْعِهِ النَّاظِرَ مِنْ إجَارَةِ الْحَانُوتِ الْوَقْفِ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْخُلُوِّ يَفُوتُ نَفْعُ الْوَقْفِ، وَيَنْعَدِمُ غَلَّتُهُ وَيَتَعَطَّلُ مَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ مِنْ نَحْوِ إقَامَةِ شَعَائِرِ مَسْجِدٍ بِدَفْعِ أُجْرَةِ الدُّكَّانِ مَثَلًا لِلْقَائِمِ بِهَا فَإِنَّ صَاحِبَ الْخُلُوِّ إذَا لَمْ يُسْتَأْجَرْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْوَقْفِ، وَقَدْ لَا يُسْتَأْجَرُ وَلَا يُسْكِنُ غَيْرَهُ، يَضِيعُ نَفْعُ الْوَقْفِ لَمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ إمَامُ الْمَذْهَبِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ.
ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي رَدِّ جَوَازِ الْخُلُوِّ بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الْأَعْلَامِ.
وَأَمَّا ظَنُّ مَشْرُوعِيَّتِهِ بِلَفْظِ السُّكْنَى فَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ بِوَجْهٍ لَا خَاصٍّ وَلَا عَامٍّ (انْتَهَى) .
قَوْلُهُ: وَأَمَّا ظَنُّ مَشْرُوعِيَّتِهِ بِلَفْظِ السُّكْنَى أَشَارَ بِهِ إلَى الرَّدِّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ بِلَالٍ الْحَنَفِيِّ حَيْثُ صَنَّفَ رِسَالَةً فِي جَوَازِ الْخُلُوِّ أَخْذًا مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسَ عَشَرَ وَغَيْرِهِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَالْفَتَاوَى الْكُبْرَى وَالْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ
стр. 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَوَاقِعَاتِ الضَّرِيرِيِّ: اشْتَرَى سُكْنَى وَقْفٍ فَقَالَ الْمُتَوَلِّي مَا أَذِنْت لَهُ بِالسُّكْنَى فَأَمَرَهُ بِالرَّفْعِ فَلَوْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَرَارِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ وَلَا بِنُقْصَانِهِ (انْتَهَى) .
قِيلَ: وَفِي الْأَخْذِ مِنْ الذَّخِيرَةِ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي فَصْلِ الْعُيُوبِ عَنْ الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ بَاعَ سُكْنَى لَهُ فِي حَانُوتٍ لِغَيْرِهِ فَآجَرَ الْمُشْتَرِي الْحَانُوتَ بِكَذَا فَظَهَرَ أَنَّ أُجْرَةَ الْحَانُوتِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ السُّكْنَى بِهَذَا الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْحَانُوتِ (انْتَهَى) .
قَالَ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ مَعْرُوفٍ الزَّاهِدُ: هَذَا نَقْلٌ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْخُلُوِّ الْمُتَعَارَفِ فِي زَمَانِنَا وَلُزُومِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَقَدْ وَقَعَ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ نِزَاعٌ فِي ذَلِكَ فَاسْتَفْتَيْت الْمَوْلَى الْأَعْظَمِ مُفْتِي دَارِ السَّلْطَنَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ مَوْلَانَا أَبَا السُّعُودِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِغُفْرَانِهِ فَأَيَّدَ كَلَامَ مُحَرِّرِهِ بِقَوْلِهِ: نَقْلٌ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْخُلُوِّ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ نَقْلًا صَرِيحًا فَإِنْ كُنْت فِي رَيْبٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْك بِالرُّجُوعِ إلَى الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ إذْ الْمُرَادُ مِنْ السُّكْنَى لَيْسَ مَا تَوَهَّمُوهُ بَلْ الْمُرَادُ بِهَا الْعِمَارَةُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْخُلُوِّ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ نَقْلًا صَرِيحًا فَإِنْ كُنْت فِي رَيْبٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْك بِالرُّجُوعِ إلَى الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ فَلَعَلَّك تَجِدُ فِيهَا مَا يَرْفَعُ دَغْدَغَةَ قَلْبِك، ثُمَّ إنَّ الْمَرْحُومَ الْأُسْتَاذَ الْمَذْبُورَ نَوَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَرْقَدَهُ رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْ فَتَاوَاهُ عَلَى خِلَافِ مَا نَقَلَهُ هَذَا الْقَائِلُ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: دَعْوَى أَنَّ السُّكْنَى الْعِمَارَةُ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُرَادُ السُّكْنَى الدُّكَّانُ مَا يَكُونُ مِنْ الْخَشَبِ مُرَكَّبًا فِيهَا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْعِمَادِيُّ فِي الْفَصْلِ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي شَهَادَاتِ الْجَامِعِ: إذَا ادَّعَى سُكْنَى دَارٍ أَوْ حَانُوتٍ وَبَيَّنَ حُدُودَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى نَقْلِيٌّ فَلَا يُحَدَّدُ.
وَذَكَرَ رَشِيدُ الدِّينِ فِي فَتَاوِيهِ: وَإِنْ كَانَ السُّكْنَى نَقْلِيًّا لَكِنْ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ اتِّصَالَ تَأْيِيدٍ كَانَ تَعْرِيفُهُ بِمَثَابَةِ تَعْرِيفِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ فِي سَائِرِ النَّقْلِيَّاتِ لَا يَكُونُ تَعْرِيفُهُ بِالْحُدُودِ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ فَوَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ عَنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ.
وَأَمَّا السُّكْنَى فَلَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ فِي الْبِنَاءِ تَرْكِيبَ فَرَّادٍ فَالْتَحَقَ بِمَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ أَصْلًا (انْتَهَى) .
فَظَهَرَ لَك بِهَذَا أَنَّ السُّكْنَى هُوَ مَا يَكُونُ مُرَكَّبًا فِي الْحَانُوتِ مُتَّصِلًا بِهِ فَهُوَ اسْمُ عَيْنٍ لَا اسْمَ مَعْنًى كَمَا فَهِمَهُ الْبَعْضُ.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُفِيدُ مَا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْبَعْضُ.
وَهَلْ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِبَعْضِ كَلَامٍ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ أَلَا تَرَى تَمَامَ الْعِبَادَةِ الَّذِي نَصَّ فِيهَا عَلَى حَقِيقَةِ السُّكْنَى أَنَّهُ شَيْءٌ مُرَكَّبٌ يُرْفَعُ، فَهَلْ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْخُلُوِّ بِظَنِّ أَنَّ
стр. 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْخُلُوَّ يُرْفَعُ ثُمَّ يُرَدُّ عَلَى بَائِعِهِ وَيُقَالُ: فَلَوْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَرَارِ فَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ وَلَا نُقْصَانِهِ الْحَاصِلِ بِالْقَلْعِ مِنْ الدُّكَّانِ سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ وَاقِعَاتِ الضَّرِيرِيِّ مَا نَصُّهُ: رَجُلٌ فِي يَدِهِ دُكَّانٌ فَغَابَ وَرَفَعَ الْمُتَوَلِّي أَمْرَهُ إلَى الْقَاضِي فَأَمَرَ الْقَاضِي بِفَسْخِهِ، وَإِجَارَتِهِ فَفَعَلَ الْمُتَوَلِّي ذَلِكَ وَحَضَرَ الْغَائِبُ فَهُوَ أَوْلَى بِدُكَّانِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ الْإِجَارَةَ، وَيَرْجِعُ بِخُلُوِّهِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيُؤْمَرُ الْمُسْتَأْجِرُ بِأَدَاءِ ذَلِكَ إنْ رَضِيَ بِهِ وَإِلَّا يُؤْمَرَ بِالْخُرُوجِ مِنْ الدُّكَّانِ (انْتَهَى) .
قِيلَ: فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْخُلُوِّ فِي عِبَارَتِهِ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَمْلِكُهُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي دَفَعَ الدَّرَاهِمَ فِي مُقَابَلَتِهَا فَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
أَقُولُ مَا نَقَلَهُ عَنْ وَاقِعَاتِ الضَّرِيرِيِّ مِنْ ذِكْرِ لَفْظَةِ الْخُلُوِّ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ كَذِبٌ، فَإِنَّ الثِّقَاتِ مِنْ النَّقْلَةِ كَصَاحِبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْفُصُولَيْنِ نَقَلَ عِبَارَاتِ وَاقِعَاتِ الضَّرِيرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرَ فِيهَا لَفْظَ الْخُلُوِّ كَيْفَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعِرَاقِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْخُلُوِّ لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ التَّعَرُّضُ لَهَا؟ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا.
وَقَدْ اُشْتُهِرَ نِسْبَةُ مَسْأَلَةِ الْخُلُوِّ إلَى مَذْهَبِ عَالَمِ الْمَدِينَةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
وَالْحَالُ أَنْ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى قَالَ الْبَدْرُ الْعِرَاقِيُّ إنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ التَّعَرُّضُ بِمَسْأَلَةِ الْخُلُوِّ فِيمَا أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا فِيهَا فُتْيَا لِلْعَلَّامَةِ نَاصِرِ الدِّينِ اللَّقَّانِيِّ الْمَالِكِيِّ بَنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ، وَخَرَّجَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التَّخْرِيجِ فَيُعْتَبَرُ تَخْرِيجُهُ، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ وَقَدْ اُشْتُهِرَتْ فُتْيَاهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَتَلْقَاهَا عُلَمَاءُ عَصْرِهِ بِالْقَبُولِ وَهَبَّتْ عَلَيْهَا نَسِيمَاتُ الصِّبَا وَالْقَبُولِ وَلْنَذْكُرْ صُوَرَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ.
فَنَصُّ السُّؤَالِ: مَا تَقُولُ السَّادَاتُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ ﵏ فِي خُلُوِّ الْحَوَانِيتِ الَّذِي صَارَ عُرْفًا بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَغَيْرِهَا وَوَرِثْت النَّاسُ فِي ذَلِكَ مَالًا كَثِيرًا حَتَّى وَصَلَ خُلُوُّ الْحَانُوتِ فِي بَعْضِ الْأَسْوَاقِ أَرْبَعَمِائَةٍ دِينَارٍ ذَهَبًا جَدِيدًا؟ فَهَلْ إذَا مَاتَ شَخْصٌ وَلَهُ وَارِثٌ شَرْعِيٌّ يَسْتَحِقُّ خُلُوَّ حَانُوتِ مُوَرِّثِهِ عَمَلًا بِعُرْفِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ أَمْ لَا وَهَلْ إذَا مَاتَ شَخْصٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يُخْلِفْ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُوَفِّي ذَلِكَ مِنْ خُلُوِّ حَانُوتِهِ؟ أَفْتَوْنَا مَأْجُورِينَ؟ .
وَنَصُّ الْجَوَابِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَعَمْ إذَا مَاتَ شَخْصٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يُخْلِفْ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُوَفَّى مِنْ خُلُوِّ حَانُوتِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانُهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (انْتَهَى) .
ثُمَّ إنَّ حَقِيقَةَ الْخُلُوِّ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ
стр. 313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
شَرْحِ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَمْلِكُهُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي دَفَعَ الدَّرَاهِمَ فِي مُقَابَلَتِهَا (انْتَهَى) .
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ عِمَارَةً كَأَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ أَمَاكِنُ آيِلَةٍ إلَى الْخَرَابِ فَيُكْرِيهَا نَاظِرُ الْوَقْفِ لِمَنْ يَعْمُرُهَا وَيَكُونُ مَا صَرَفَهُ خُلُوًّا لَهُ وَيَصِيرُ شَرِيكًا لِلْوَاقِفِ بِمَا زَادَتْهُ عِمَارَتُهُ.
مَثَلًا لَوْ كَانَتْ الْأَمَاكِنُ قَبْلَ الْعِمَارَةِ بِنِصْفٍ كُلَّ يَوْمٍ وَصَارَتْ بَعْدَهَا تُكْتَرَى بِثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ فَيَكُونُ صَاحِبُ الْخُلُوِّ شَرِيكًا بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، فَإِذَا احْتَاجَتْ تِلْكَ الْمَحَلَّاتُ إلَى عِمَارَةٍ كَانَ عَلَى الْوَاقِفِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مَثَلًا الثُّلُثُ، وَعَلَى صَاحِبِ الْخُلُوِّ الثُّلُثَانِ، أَوْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ غَيْرَ عِمَارَةٍ كَوَقِيدِ مِصْبَاحٍ مَثَلًا وَلَوَازِمِهِ لَا خُصُوصَ الْعِمَارَةِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّ الْمَنْفَعَةَ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا إذْ الْمُعْتَبَرُ إنَّمَا هُوَ عَوْدُ الدَّرَاهِمِ لِمَنْفَعَتِهِ فِي الْوَقْتِ، كَأَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْفِ عِمَارَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرهَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ أَوْ لِلنَّاظِرِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْوَاقِفِ؛ وَأَمَّا مَا يُدْفَعُ مِنْ خُلُوِّ الْحَوَانِيتِ لِمَنْ هُوَ مُسْتَأْجِرٌ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا، فَقَدْ قَالَ فِيهِ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ مَلَكَهُ نَظَرًا لِكَوْنِ الْعَقْدِ صَحِيحًا فَالْمُسْتَأْجِرُ قَدْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ، وَحِينَئِذٍ فَلَهُ أَخْذُ الْخُلُوِّ وَيُورَثُ عَنْهُ وَأَمَّا كَوْنُهُ إجَارَةً لَازِمَةً فَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ مَحَلًّا لِلْوَقْفِ فَيَأْتِي لَهُ إنَاسٌ يَدْفَعُونَ لَهُ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَخْصٍ مَحَلٌّ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرِيدُ الْوَاقِفُ بِنَاءَهَا فَإِذَا قَبِلَ مِنْهُمْ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُمْ تِلْكَ الْحِصَّةَ بِمَا دَفَعُوهُ لَهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْحِصَّةِ الَّتِي لِكُلٍّ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ وَظَّفَ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَهْرٍ كَذَا فَلَيْسَ لِلْوَاقِفِ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ إلَّا بِقَبْضِ الْحِصَّةِ الْمُوَظَّفَةِ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَجِّهَهُ لِغَيْرِهِ، وَكَأَنَّ رَبَّ الْخُلُوِّ صَارَ شَرِيكًا لِلْوَاقِفِ فِي تِلْكَ الْحِصَّةِ.
وَشُرُوطُ صِحَّةِ الْخُلُوِّ أَنْ يَكُونَ مَا بَذَلَ مِنْ الدَّرَاهِمِ عَائِدًا عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا فِيهِ فَمَا يُفْعَلُ الْآنَ مِنْ أَخْذِ النَّاظِرِ الدَّرَاهِمَ مِمَّنْ فِي يَدِهِ الْخُلُوُّ، وَيَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ هُوَ بِحَيْثُ لَا يَعُودُ عَلَى الْوَقْفِ مِنْهَا شَيْءٌ وَيُجْعَلُ لِدَافِعِهَا خُلُوًّا فِي الْوَقْفِ.
فَهَذَا الْخُلُوُّ غَيْرُ صَحِيحٍ وَيَرْجِعُ الدَّافِعُ بِدَرَاهِمِهِ عَلَى النَّاظِرِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَقْفِ رَيْعٌ يُعْمَرُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ يَفِي بِعِمَارَتِهِ وَمَصَارِيفِهِ كَأَوْقَافِ الْمُلُوكِ الْكَثِيرَةِ الرَّيْعِ صُرِفَ مِنْهُ عَلَى مَصَالِحِهِ وَمَنَافِعِهِ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ حِينَئِذٍ خُلُوٌّ.
فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ كَانَ بَاطِلًا وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الرُّجُوعُ عَلَى النَّاظِرِ بِمَا دَفَعَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهُ يُنْزَعْ مِنْهُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَمْ يَتِمَّ لِظُهُورِ عَدَمِ صِحَّةِ خُلُوِّهِ، وَأَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ الصَّرْفَ عَلَى مَنَافِعِ الْوَقْفِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَلَوْ صَدَّقَهُ النَّاظِرُ عَلَى الصَّرْفِ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتٍ
стр. 314
فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ، وَأَنَّهُ لَوْ نَزَلَ لَهُ وَقَبَضَ مِنْهُ الْمَبْلَغَ ثُمَّ أَرَادَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَلَا ظُهُورِ عِمَارَةٍ إنْ كَانَتْ هِيَ الْمَنْفَعَةَ فَلَا عِبْرَةَ بِهَذَا التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مُصْرَفِ الْوَقْفِ حَيْثُ كَانَ لِذَلِكَ الْوَقْفِ شَاهِدٌ.
وَفَائِدَةُ الْخُلُوِّ أَنَّهُ كَالْمِلْكِ فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنْ بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ وَهِبَةٍ وَرَهْنٍ وَوَفَاءِ دَيْنٍ، وَإِرْثٍ وَوَقْفٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَخِيرِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ تُؤْخَذُ مِنْ فَتْوَى النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَهُ كَالْمِلْكِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْخَلَوَاتِ إذْ الْمِلْكُ يَتَعَدَّدُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ الْعَلَّامَةُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ الشُّهُورِيُّ الْمَالِكِيُّ فَأَجَابَ بِمَا لَفْظُهُ: الْخَلَوَاتُ الشَّرْعِيَّةُ يَصِحُّ وَقْفُهَا وَيَكُونُ لَازِمًا مُبْرَمًا مَعَ شُرُوطِ اللُّزُومِ كَالْجَوَازِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ كَالدَّيْنِ كَوَقْفِ صَحِيحِ الْإِمْلَاكِ.
وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ وَرَهْنُهُ، وَإِجَارَتُهُ وَعَارِيَّتُهُ وَالْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَلِوَاقِفِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مُؤَبَّدًا أَوْ مُوَقِّتًا عَلَى مُعَيَّنٍ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ أَوْ عَلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ كَوُقُودِ مِصْبَاحٍ وَتَفْرِيقِ خُبْزٍ وَتَسْبِيلِ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا يَنُصُّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ وَيَرَاهُ، وَيَشْتَرِطُ فِيهِ، مِمَّا يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُهُ مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ كُلُّ ذَلِكَ عَمَلًا بِمَا أَفْتَى بِهِ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَعْلَمُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ فِي جَوَابِ مَا سُئِلَ عَنْهُ (انْتَهَى) .
وَخَالَفَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي صِحَّةِ وَقْفِ الْخُلُوِّ، وَقَالَ بِبُطْلَانِهِ، وَأَمَّا أُجْرَتُهُ فَصَحَّحَ وَقْفَهَا، لَكِنَّ الَّذِي شَاعَ وَذَاعَ وَمَلَأَ الْأَرْضَ وَالْبِقَاعَ وَأَكَبَّ النَّاسُ عَلَى مُقْتَضَاهُ وَالْعَمَلِ بِمَضْمُونِهِ وَفَحْوَاهُ مَا أَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الشُّهُورِيُّ مِنْ صِحَّةِ وَقْفِ الْخُلُوِّ، وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ كَثِيرًا فِي سَائِرِ الْمَمَالِكِ، سِيَّمَا فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ صِحَّتَهُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، لِمَا يَلْزَمُ عَلَى الْحُكْمِ بِبُطْلَانِهِ مِنْ ضَيَاعِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَتَفَاقُمِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ وَكَثْرَةِ الْخِصَامِ الْمُؤَدِّي لِلتَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ الْمُنَافِيَيْنِ لِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْتَى بِالْبُطْلَانِ لِمَا عَلِمْتَهُ سِيَّمَا إنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى خَيْرَاتٍ كَتَفْرِقَةِ خُبْزٍ وَتَسْبِيلِ مَاءٍ وَوَفَاءِ دَيْنٍ، وَإِعَانَةٍ عَلَى حَجٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ، إذْ بِبُطْلَانِهِ يَبْطُلُ مَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
هَذَا خُلَاصَةُ مَا حَرَّرَهُ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَأْلِيفٍ مُسْتَقِلٍّ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى أَقْوَمِ الْمَسَالِكِ.
وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِكَثْرَةِ دَوْرَانِ الْخُلُوِّ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَاحْتِيَاجِ كَثِيرٍ مِنْ الْقُضَاةِ إلَيْهَا، وَابْتِنَاءِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا خُصُوصًا قُضَاةَ الْأَرْوَامِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ شُعُورٌ وَلَا إلْهَامٌ.
قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ وَأَنَّهُ إلَخْ: قِيلَ عَلَيْهِ: كَيْفَ يَنْبَغِي الْجَوَازُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ
стр. 315
الرُّجُوعَ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
إلَّا رِشْوَةٌ.
وَالْعُرْفُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِهِ نَصٌّ وَالْإِلْزَامُ تَحْلِيلُ مَا تَعَارَفَهُ الْعَوَامُّ وَبَعْضُ الْخَوَاصِّ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
وَقِيلَ عَلَيْهِ أَيْضًا: الْعَجَبُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ قَالَ فِيمَا سَيَأْتِي إنَّ الْحُقُوقَ الْمُجَرَّدَةَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا وَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ عَدَمَ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْ الْوَظَائِفِ بِالْأَوْقَافِ.
وَلَقَدْ رَأَيْت كَثِيرًا مِنْ الْمَوَالِي مُجْمِعِينَ عَلَى جَوَازِ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ غَيْرُ مُثْبِتٍ فَلَا مُعْتَبَرَ بِقَوْلِهِ (انْتَهَى) .
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَدْ قَالُوا فِي النُّزُولِ يَنْبَغِي الْإِبْرَاءُ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِمَنْعِ الرُّجُوعِ ثُمَّ قَالَ فِي الْحَاصِلِ: إنَّ فِي أَصْلِ صِحَّةِ النُّزُولِ نَظَرًا ظَاهِرًا، وَأُصُولُ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِي عَدَمُ صِحَّةِ هَذَا وَقَدْ أَفْتَى الشَّيْخُ قَاسِمٌ الْحَنَفِيُّ بِجَوَازِهِ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي رِسَالَةٍ لَهُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ نَظْمِ دُرَرِ الْبِحَارِ فِي بَابِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ الْكِبَارِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْكَمَ بِصِحَّةِ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ قِيَاسًا عَلَى تَرْكِ الْمَرْأَةِ قِسْمَهَا لِصَاحِبَتِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ (انْتَهَى) .
قُلْت: لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخُ الْعَيْنِيُّ لِبَيَانِ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْ الْإِسْقَاطِ وَقَدْ اسْتَخْرَجَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيُّ صِحَّةَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالرَّمْزِ شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ مِنْ فَرْعٍ ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ لِشَخْصٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ لَوْ قُطِعَ طَرَفُهُ أَوْ شُجَّ مُوضِحَةً فَأُدِّيَ الْأَرْشُ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تُنْقِصُ الْخِدْمَةَ شَرَى بِهِ عَبْدًا آخَرَ يَخْدُمُهُ أَوْ يُضَمُّ إلَى ثَمَنِ الْعَبْدِ بَعْدَ بَيْعِهِ فَيَشْتَرِي بِهِ عَبْدًا؛ لِيَقُومَ مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي بَيْعِهِ لَمْ يُبَعْ، وَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى قِسْمَةِ الْأَرْشِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَلَهُمَا ذَلِكَ.
وَلَا يَكُونُ مَا يَسْتَوْفِيهِ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ مِنْ الْأَرْشِ بَدَلَ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاعْتِيَاضَ عَنْهَا، وَلَكِنَّهُ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ كَمَا لَوْ صَالَحَ مُوصًى لَهُ بِالرَّقَبَةِ عَلَى مَالٍ لِيُسَلِّمَ الْعَبْدَ لَهُ (انْتَهَى) .
قَالَ فَرُبَّمَا يَشْهَدُ هَذَا لِلنُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ بِمَالٍ (انْتَهَى) .
فَلْيُحْفَظْ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا وَذَكَرَ الشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّهُ أَفْتَى بِحِلِّ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْجَعَالَةِ فَيَسْتَحِقُّهُ النَّازِلُ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْرِرْ النَّاظِرُ الْمَنْزُولُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ (انْتَهَى) .
ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْجَعَالَةِ.
стр. 316
وَقَدْ اعْتَبَرُوا عُرْفَ الْقَاهِرَةِ فِي مَسَائِلَ؛ مِنْهَا مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ دُخُولِ السُّلَّمِ فِي الْبَيْتِ الْمَبِيعِ فِي الْقَاهِرَةِ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ بُيُوتَهُمْ طَبَقَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِهِ.
وَقَدْ تَمَّتْ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ وَهِيَ سِتٌّ: الْأُولَى: لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
الثَّانِيَةُ: الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا.
الثَّالِثَةُ: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
الرَّابِعَةُ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ.
الْخَامِسَةُ: الضَّرَرُ يُزَالُ.
السَّادِسَةُ: الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ.
وَالْآنَ نَشْرَعُ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْقَوَاعِدِ فِي قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ، وَدَلِيلُهَا الْإِجْمَاعُ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَقَدْ اعْتَبَرُوا عُرْفَ الْقَاهِرَةِ إلَخْ.
قِيلَ: لَيْسَ النَّظَرُ فِيمَا ذَكَرَ بِمُجَرَّدِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لَهُ حَيْثُ كَانَ خَاصًّا عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ لِكَوْنِ السُّلَّمِ كَالْمَشْرُوطِ فِي جُمْلَةِ الْمَبِيعِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ بِعْتُك الْبَيْتَ بِسُلَّمِهِ تَأَمَّلْ.
стр. 317
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ ١ -
وَقَدْ حَكَمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي مَسَائِلَ، وَخَالَفَهُ عُمَرُ ﵁ فِيهَا، وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ وَعِلَّتُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الِاجْتِهَادُ الثَّانِي بِأَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ ٢ - وَأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ.
٣ - وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ: لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الثَّانِيَ كَالِاجْتِهَادِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْقَوَاعِدِ] [ الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ]
قَوْلُهُ: وَقَدْ حَكَمَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَسَائِلِهِ إلَخْ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لِمَا كَثُرَ اشْتِغَالُهُ قَلَّدَ الْقَضَاءَ أَبَا الدَّرْدَاءِ، وَاخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَضَى لِأَحَدِهِمَا ثُمَّ أَتَى الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ عُمَرَ ﵁ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ قَضَى عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ: لَوْ كُنْت أَنَا مَكَانَهُ لَقَضَيْت لَك فَقَالَ لَهُ: مَا يَمْنَعُك عَنْ الْقَضَاءِ فَقَالَ لَهُ: لَيْسَ هُنَاكَ نَصٌّ وَالرَّأْيُ مُشْتَرَكٌ يَعْنِي وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِ الرَّأْيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
(٢) قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ.
لِأَنَّهُ لَوْ نُقِضَ بِهِ لَنُقِضَ النَّقْضُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ اجْتِهَادٍ إلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَتَسَلْسَلَ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ.
(٣) قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِي الْهِدَايَةِ إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ: كَيْفَ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّا فِي الْهِدَايَةِ مَعَ أَنَّ فِي الْهِدَايَةِ مَا زَعَمْت أَنَّهُ يَكْفِي.
وَزِيَادَةُ تَرْجِيحٍ وَهُوَ اتِّصَالُ الْقَضَاءِ بِهِ إذْ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ رُبَّمَا يَكُونُ مَعَ شَيْءٍ كَانَ فِي وَقْتِهِ، وَغُيِّبَ عَنْ الْفَاعِلِ بَعْدَهُ إنْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَهُ فَالْأَمْرُ أَظْهَرُ.
عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ السَّبْقِ لَا يُظْهِرُ كَوْنُهُ مُرَجَّحًا، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ يُعْمَلُ بِالثَّانِي وَلَا يُنْظَرُ إلَى سَبَقَ الْأَوَّلِ بَلْ، وَلَا إلَى الْعَمَلِ بِهِ (انْتَهَى) .
وَقِيلَ: إنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ رَاجِعٌ إلَيْهِ بِنَوْعِ عِنَايَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الدِّرَايَةِ.
стр. 318
الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ فَلَا يُنْقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهُ (انْتَهَى) .
٤ - لِأَنَّهُ يَكْفِي بِأَنَّ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ ٥ - وَلَا حَاجَةَ إلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ السَّبْقِ مَعَ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْعِنَايَةِ عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْأَوَّلَ تَرَجَّحَ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِلْأَصْلِ بِفَرْعِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَضَاءِ رَأْيُ الْمُجْتَهِدِ فَكَيْفَ يَتَرَجَّحُ بِالْقَضَاءِ.
وَإِنْ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْفَرْعَ يُرَجَّحُ أَصْلُهُ مِنْ حَيْثُ بَقَاؤُهُ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْهُ، فَالشَّيْئَانِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْقُوَّةِ، وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا فَرْعٌ فَإِنَّهُ يَتَرَجَّحُ عَلَى مَا لَا فَرْعَ لَهُ إلَى آخِرِهِ.
٦ - وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ ٧ - عَمِلَ بِالثَّانِي حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا قَضَاءَ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَةً بِالتَّحَرِّي إلَى جِهَةٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ إلَى أُخْرَى ثُمَّ عَادَ إلَى الْأُولَى.
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الشَّرْحِ، وَذَكَرَ فِيهِ اخْتِلَافًا فِي الْخُلَاصَةِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَسْتَقْبِلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَسْتَقْبِلُ (انْتَهَى)
وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِرَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ ثُمَّ تَابَ فَأَعَادَهَا لَمْ تُقْبَلْ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي بِأَنَّ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ، تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَهَذَا أَوْلَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ مُسْتَدْرَكٌ، وَالتَّرْجِيحُ حَاصِلٌ بِالسَّبْقِ.
(٥) قَوْلُهُ: وَلَا حَاجَةَ إلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ إلَخْ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَا ضَرَرَ بِهِ.
[فُرُوعٌ عَلَى قَاعِدَةِ الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ]
[تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ]
(٦) . قَوْلُهُ: وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِلْقَاعِدَةِ وَذَكَرَهُ بِتَأْوِيلِهَا بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ.
(٧) قَوْلُهُ: عَمِلَ بِالثَّانِي: يَعْنِي وَلَا يَكُونُ سَبْقُ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ مُرَجِّحًا لَهُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إلَخْ.
وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ قَرِيبًا وَلَا حَاجَةَ إلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ السَّبْقِ فَتَأَمَّلْ
стр. 319
وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَصْلُهُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ: ٩ - مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِعِلَّةٍ ثُمَّ زَالَتْ ثُمَّ ادَّعَاهَا فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا فِي أَرْبَعَةٍ: الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ، وَالْكَافِرِ، وَالْأَعْمَى، (انْتَهَى) .
وَمِنْهَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا نَجَسٌ، فَتَحَرَّى بِأَحَدِهِمَا، وَصَلَّى ثُمَّ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى طَهَارَةِ الْآخَرِ لَمْ يَعْتَبِرْ الثَّانِيَ، وَعَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ فِي الشَّهَادَاتِ: شَهِدَتْ طَائِفَةٌ بِقَتْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، وَطَائِفَةٌ بِمَوْتِهِ بِالْكُوفَةِ، بَغْتَةً: فَإِنْ قُضِيَ بِإِحْدَاهُمَا قَبْلَ حُضُورِ الْأُخْرَى لَمْ تُعْتَبَرْ الثَّانِيَةُ لِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا.
وَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ تَحَرَّى، وَظَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ فَاسْتَعْمَلَهُ وَتَرَكَ الْآخَرَ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ لَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي بَلْ يَتَيَمَّمُ، وَلَكِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ التَّحَرِّي فِي الْإِنَاءَيْنِ.
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ قُبَيْلَ التَّيَمُّمِ لَوْ كَانَا إنَاءَيْنِ.
يُرِيقُهُمَا وَيَتَيَمَّمُ اتِّفَاقًا (انْتَهَى)
[حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ]
١٠ - وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَا يُنْقَضُ الْأَوَّلُ وَيَحْكُمُ بِالْمُسْتَقْبَلِ بِمَا رَآهُ ثَانِيًا.
وَمِنْهَا حُكْمُ الْقَاضِي فِي الْمَسَائِلِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[حَكَمَ الْقَاضِي بِرَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ ثُمَّ تَابَ فَأَعَادَهَا]
قَوْلُهُ: وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ قَبُولَهَا فِي الْحَادِثَةِ بَعْدَ رَدِّهَا فِيهَا مَحَلُّ تُهْمَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَاكِمِ، فَالرَّدُّ لِسَدِّ بَابِ التُّهْمَةِ، وَحَسْمِ مَادَّةِ إسَاءَةِ الظَّنِّ بِهِ فَتَأَمَّلْ.
(٩) قَوْلُهُ: مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِعِلَّةٍ إلَخْ.
جَعَلَ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجَ إذَا شَهِدَ لِزَوْجَتِهِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ زَالَتْ الزَّوْجِيَّةُ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ قَلَمٌ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ كَانَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ الْأُولَى لِامْرَأَتِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ رُدَّتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا
[كَانَ لِرَجُلٍ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا نَجَسٌ فَتَحَرَّى بِأَحَدِهِمَا وَصَلَّى ثُمَّ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى طَهَارَةِ الْآخَرِ]
(١٠) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَخْ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى فِي حَادِثَةٍ بِقَضِيَّةٍ ثُمَّ قَضَى فِيهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ فَقِيلَ فِي ذَلِكَ
стр. 320
الِاجْتِهَادِيَّةِ لَا يُنْقَضُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ حَاكِمٍ أَمْضَاهُ إنْ لَمْ يُخَالِفْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا شُرُوطَ الْقَضَاءِ وَمَعْنَى الْإِمْضَاءِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَكَتَبْنَا الْمَسَائِلَ الْمُسْتَثْنَاةَ فِي النَّوْعِ الثَّانِي.
[يُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةِ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ مَسْأَلَتَيْنِ]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ اسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، أَعْنِي الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ مَسْأَلَتَيْنِ: ١١ - أَحَدُهُمَا نَقْضُ الْقِسْمَةِ إذَا ظَهَرَ فِيهَا غَبْنٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّهَا وَقَعَتْ بِالِاجْتِهَادِ فَكَيْفَ يُنْقَضُ بِمِثْلِهِ؟ ١٢ - وَالْجَوَابُ أَنَّ نَقْضَهَا لِفَوَاتِ شَرْطِهَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ الْمُعَادَلَةُ فَظَهَرَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً مِنْ الِابْتِدَاءِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ظَهَرَ خَطَأُ الْقَاضِي بِفَوْتِ شَرْطٍ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ، وَالثَّانِيَةُ: إذَا رَأَى الْإِمَامُ شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ ١٣ - فَلِلثَّانِي تَغْيِيرُهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
فَقَالَ: تِلْكَ كَمَا قَضَيْنَا، وَهَذِهِ كَمَا نَقْضِي (انْتَهَى) .
وَقَدْ جَرَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الْعُمْرِيَّةُ مَجْرَى الْمَثَلِ.
[حُكْمُ الْقَاضِي فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ لَا يُنْقَضُ]
(١١) قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا. نَقْضُ الْقِسْمَةِ إذَا ظَهَرَ فِيهَا غَبْنٌ إلَخْ.
قِيلَ: مَحَلُّ سَمَاعِ دَعْوَى الْغَبْنِ مَا لَمْ يُقِرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ، ثُمَّ إذَا ظَهَرَ غَبْنٌ فَاحِشٌ فِي الْقِسْمَةِ فَإِنْ كَانَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بَطَلَتْ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْقَاضِي مُفِيدٌ بِالْعَدْلِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ وَقَعَتْ بِالتَّرَاضِي يَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ وَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ.
ذَلِكَ وَالْفَاحِشُ هُوَ الَّذِي لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُتَقَوِّمِينَ.
(١٢) قَوْلُهُ: وَالْجَوَابُ أَنَّ نَقْضَهَا إلَخْ.
حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَاعِدَةِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُسْتَوْفِي شُرُوطَهُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ.
(١٣) قَوْلُهُ: فَلِلثَّانِي تَغْيِيرُهُ إلَخْ: قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاء: رُبَّمَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ
следующие страницы →