Полный текст (1 695 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
نَذْرُهُ النَّافِلَةَ أَفْضَلُ وَقِيلَ لَا.
٤٥ - التَّكَلُّمُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ لَا يُسْقِطُهَا، وَلَكِنْ يُنْقِصُ الثَّوَابَ.
٤٦ - يُكْرَهُ أَنْ يُخَصِّصَ لِصَلَاتِهِ مَكَانًا فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ فَعَلَ فَسَبَقَهُ غَيْرُهُ لَا يُزْعِجُهُ. يَكُون شَارِعًا بِالتَّكْبِيرِ إلَّا إذَا أَرَادَ بِهِ التَّعَجُّبَ دُونَ التَّعْظِيمِ.
٤٧ - إذَا تَفَكَّرَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ صَلَاتِهِ كَتِجَارَتِهِ وَدَرْسِهِ لَمْ تَبْطُلْ. وَإِنْ شَغَلَهُ هُمُومُهُ عَنْ خُشُوعِهِ لَمْ يَنْقُصْ أَجْرُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقْصِيرٍ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: نَذْرُهُ النَّافِلَةَ أَفْضَلُ وَقِيلَ لَا، إلَخْ. الْمَسْأَلَةُ فِي الْقُنْيَةِ وَعِبَارَتُهَا: أَدَاءُ النَّفْلِ بَعْدَ النَّذْرِ أَفْضَلُ. ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ نَوَافِلَ. قِيلَ: يَنْذُرُهَا وَقِيلَ: يُصَلِّيهَا كَمَا هِيَ (انْتَهَى) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ النَّذْرِ وَهُوَ مُرَجِّحٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يَنْذُرُهَا لَكِنْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ النَّهْيَ عَلَى النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُصُولُ الشَّرْطِ كَالْغَرَضِ لِلْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مُخْلِصًا، وَوَجْهُ مَنْ قَالَ يَنْذُرُهَا وَإِنْ كَانَتْ تَصِيرُ وَاجِبَةً بِالشُّرُوعِ. أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّذْرِ يَكُونُ وَاجِبًا فَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْوَاجِبِ بِخِلَافِ النَّفْلِ. وَالْأَحْسَنُ عِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنْ لَا يَنْذُرَ بِهَا خُرُوجًا عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ بِيَقِينٍ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
(٤٥) قَوْلُهُ: التَّكَلُّمُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ لَا يُسْقِطُهَا إلَخْ. مِثْلُهُ فِي الْقُنْيَةِ، وَزَادَ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُنَافِي التَّحْرِيمَةَ كَذَلِكَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ النَّهْيِ، فَلْيُرَاجَعْ. وَكَتَبَ أَخُو الْمُصَنِّفِ بِطَرَفِ نُسْخَةِ الْمَنْقُولَةِ، أَنَّهُ يُعِيدُهَا وَعَلَى مَا هُنَا أَنَّهُ لَا يُعِيدُهَا، لَكِنْ لَمْ نَجْدِ النَّفَلَ إذْ ذَاكَ فَتَأَمَّلْ.
(٤٦) قَوْلُهُ: يُكْرَهُ أَنْ يُخَصِّصَ لِصَلَاتِهِ مَكَانًا إلَخْ. لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَقِيَتْ الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ طَبْعًا، وَالْعِبَادَةُ مَتَى صَارَتْ طَبْعًا سَبِيلُهَا التَّرْكُ، وَلِهَذَا يُكْرَهُ صَوْمُ الدَّهْرِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ.
(٤٧) قَوْلُهُ: إذَا تَفَكَّرَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ صَلَاتِهِ إلَخْ. مِثْلُهُ فِي الْقُنْيَةِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِي صَلَاةِ قَاضِي الْقُضَاةِ: الْمُصَلِّي لَا يَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْعِبَادَةِ فِي كُلِّ جُزْءٍ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي
стр. 492
وَلَا تُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا لِتَرْكِ الْخُشُوعِ.
٤٩ - لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ انْتِظَارُ أَحَدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ شِرِّيرًا.
٥٠ - يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالْمُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
جُمْلَةِ مَا يَفْعَلُهُ فِي كُلِّ حَالٍ أَيْ الْقِيَامِ، أَوْ الْقِرَاءَةِ، وَالرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ حَقَّقَ الْفِعْلَ وَالذِّكْرَ أَيْ الْقِرَاءَةَ مَعًا وَنَوَى بِهِمَا التَّعَبُّدَ كَفَاهُ. وَإِنْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِيَّةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ وَلَا يُؤَاخَذُ بِالنِّيَّةِ حَالَ السَّهْوِ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيمَا يَسْهُو مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَصَلَاتُهُ مُجْزِيَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَا ثَوَابًا، وَإِنْ تَعَمَّدَ أَنْ لَا يَنْوِيَ الْعِبَادَةَ بِبَعْضِ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الصَّلَاةِ، لَا يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِعْلًا لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا. وَقَدْ أَسَاءَ (٤٨) قَوْلُهُ: وَلَا تُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا لِتَرْكِ الْخُشُوعِ إلَخْ. إذْ لَا شَكَّ فِي عَدَمِ بُطْلَانِهَا مَعَ عَدَمِ الْخُشُوعِ، إلَّا أَنَّ الْعَلَّامَةَ ابْنَ الضِّيَاءِ نَقَلَ فِي شَرْحِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: أَنَّ الْخُشُوعَ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ فَرْضٌ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ وَلَمْ يُحْفَظْ فِي غَيْرِ كَلَامِهِ. وَفِي الْمُلْتَقَطِ: قَوْلُ بَعْضِ الزُّهَّادِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الصَّلَاةِ لَا قِيمَةَ لِصَلَاتِهِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْأَمْرَ مَعْنَاهُ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الظَّاهِرَةَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إذَا كَانَ الْمُصَلِّي يَعْلَمُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، لِأَنَّ نَبِيَّنَا ﵇ عَلِمَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵀ أَنَّهُ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ فَأَقَامَهُ عَلَى يَمِينِهِ
(٤٩) قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ انْتِظَارُ أَحَدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ شِرِّيرًا إلَخْ. قَيَّدَ بِالِانْتِظَارِ لِأَنَّهُ لَوْ طَوَّلَ الْمُؤَذِّنُ الْإِقَامَةَ لِيُدْرِكَ الْإِنْسَانُ فِي الصَّلَاةِ، يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ فِي قَوْلِهِمْ كَمَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ مَعْزِيًّا إلَى أَبِي اللَّيْثِ. وَقُيِّدَ بِانْتِظَارِ الْمُؤَذِّنِ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَحَسَّ فِي رُكُوعِهِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْجِدِ يُكْرَهُ انْتِظَارُهُ فِيهِ؛ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀، سَأَلْتُ الْإِمَامَ فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَوَاتِهِ مَا لَيْسَ مِنْهَا. وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ انْتِظَارُهُ عَظِيمَةً لِأَنَّهُ شَرَّكَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَ اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ عَرَفَ الدَّاخِلَ كُرِهَ انْتِظَارُهُ، وَإِلَّا لَمْ يُكْرَهْ، وَعَنْ الصَّفَّارِ: إنْ كَانَ غَنِيًّا كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا. وَالصَّحِيحُ كَرَاهَةُ الِانْتِظَارِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ
(٥٠) قَوْلُهُ: يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالْمُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُ إلَخْ. أَقُولُ: يُسْتَثْنَى
стр. 493
وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ إلَّا إذَا نَوَى إمَامَتَهَا ٥٢ - إلَّا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَتَصِحُّ نِيَّةُ إمَامَتِهِنَّ فِي غَيْبَتِهِنَّ.
٥٣ - خَرَجَ الْخَطِيبُ بَعْدَ شُرُوعِهِ مُتَنَفِّلًا، قَطَعَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا عَلَى الصَّحِيحِ
لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ يُصَلِّي فِيهِ بِلَا خِيَارٍ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ النَّجِسِ حَيْثُ يَتَخَيَّرُ ٥٤ - فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا هُمَا صَلَّى فِي الْحَرِيرِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
مِنْ ذَلِكَ الْإِمَامُ إذَا كَانَتْ إمَامَتُهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْلَافِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ إمَامًا مَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
(٥١) قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ إلَّا إذَا نَوَى إمَامَتَهَا إلَخْ. يَعْنِي خِلَافًا لِزُفَرَ، فَإِنَّ عِنْدَهُ يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِالرَّجُلِ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ الْإِمَامُ لَنَا أَنَّ اقْتِدَاءَهَا إنْ صَحَّ بِلَا نِيَّةٍ يَلْزَمُ فَسَادُ صَلَاتِهِ إذَا حَاذَتْهُ فَيَكُونُ إلْزَامًا عَلَيْهِ بِلَا الْتِزَامٍ مِنْهُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ بِاقْتِدَائِهِ شَيْءٌ. (٥٢) قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ إلَخْ. فَإِنَّ اقْتِدَاءَهَا بِلَا نِيَّةِ الْإِمَامِ فِيهِمَا وَفِي الْجُمُعَةِ صَحِيحٌ، لِأَنَّهَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الْوُقُوفِ بِجَنْبِ الْإِمَامِ لِلِازْدِحَامِ، وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تُؤَدِّيَهَا وَحْدَهَا.
(٥٣) قَوْلُهُ: خَرَجَ الْخَطِيبُ بَعْدَ شُرُوعِهِ مُتَنَفِّلًا إلَخْ. فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: إذَا شَرَعَ فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ افْتَتَحَ الْخُطْبَةَ أَوْ الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ، هَلْ يَقْطَعُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ؟ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُتِمُّهُمَا وَلَا يَقْطَعُهُمَا لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَاجِبَةٍ
(٥٤) قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا صَلَّى فِي الْحَرِيرِ إلَخْ. أَيْ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِيهِ. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: عُرْيَانُ مَعَهُ ثَوْبُ دِيبَاجٍ وَثَوْبُ كِرْبَاسٍ، فِيهِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبِ الدِّيبَاجِ (انْتَهَى) .
يَعْنِي لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَرِيرِ مَكْرُوهَةٌ لِلرِّجَالِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ النَّجَسِ فَإِنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا تَرْتَفِعُ لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا إلَى الصَّلَاةِ فِيهِ
стр. 494
فِنَاءُ الْمَسْجِدِ كَالْمَسْجِدِ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ. الْمَانِعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ طَرِيقٌ تَمْرُ فِيهِ الْعَجَلَةُ، أَوْ نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ أَوْ خَلَاءٌ فِي الصَّحْرَاءِ يَسَعُ صَفَّيْنِ. وَالْخَلَاءُ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ وَسِعَ صُفُوفًا، لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ. ٥٦ - وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَائِلِ بَيْنَهُمَا، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ إذَا كَانَ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَالُ إمَامِهِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فِنَاءُ الْمَسْجِدِ كَالْمَسْجِدِ إلَخْ. فِنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ مَا أُعِدَّ لِمَصَالِحِهِ. قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: فِنَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً، وَلَا تَصِحُّ فِي دَارِ الضِّيَافَةِ إلَّا إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ (انْتَهَى) . وَفِي الْقُنْيَةِ: قِيلَ الْمَسَافَةُ الَّتِي تَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ فِي الصَّحْرَاءِ تَمْنَعُهُ فِي الْبَيْتِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْبَيْتِ كَالْمَسْجِدِ وَفِيهَا قَبْلَ هَذَا صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فِي حَانِ الْقَاضِي، وَالْحَانُّ الْمَسِيلُ، وَالْبَابُ مُغْلَقٌ، يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ. وَهُوَ جَوَابُ الْقَاضِي حَكِيمٍ بِبُخَارَى.
(٥٦) قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَائِلِ بَيْنَهُمَا إلَخْ. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: إنْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي حَائِطٌ، ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ صَلَاتَهُ» . وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ ﵊، وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ كَبِيرًا وَعَلَيْهِ بَابٌ مَفْتُوحٌ أَوْ نَقْبٌ لَوْ أَرَادَ الْوُصُولَ إلَى الْإِمَامِ لَا يُمْكِنُهُ، وَلَكِنْ لَا يُشْبِهُ عَلَيْهِ حَالُ الْإِمَامِ بِسَمَاعٍ أَوْ رُؤْيَةٍ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَابٌ مَسْدُودٌ أَوْ ثُقْبٌ مِثْلُ النَّحْرَةِ، وَلَوْ أَرَادَ الْوُصُولَ إلَى الْإِمَامِ لَا يُمْكِنُهُ لَكِنْ لَا يُشْبِهُ عَلَيْهِ حَالَ الْإِمَامِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ. ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا الِاشْتِبَاهِ حَالُ الْإِمَامِ وَعَدَمُهُ لَا التَّمَكُّنُ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْإِمَامِ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ مُتَابَعَةٌ، وَمَعَ الِاشْتِبَاهِ لَا يُمْكِنُهُ الْمُتَابَعَةُ قَالَ فِي الْمُغْنِي قَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَفِي نِصَابِ الْفِقْهِ: لَوْ اقْتَدَى خَارِجَ الْمَسْجِدِ
стр. 495
الْمُسَافِرُ إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ. ٥٨ - إلَّا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ.
الْأَسِيرُ إذَا خَلَصَ يَقْضِي صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
فِي مَنْزِلِهِ بِإِمَامٍ فِي الْمَسْجِدِ، بَيْنَهُمَا حَائِطٌ وَهُوَ يَسْمَعُ كَلَامَ الْإِمَامِ جَازَ اقْتِدَاؤُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْحَائِطِ ثُقْبٌ يَسْمَعُ فِيهِ إنْسَانٌ، جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، إنْ كَانَ لِلْحَائِطِ بَابٌ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ، وَإِنْ كَانَ مُغْلَقًا إذَا لَمْ يَخْفَ أَحْوَالُ الْإِمَامِ جَازَ أَيْضًا عَنْهُ. وَرُوِيَ عَنْهُ إنْ كَانَ الْحَائِطُ مُعْتَمِدًا وَقَدْ وَقَفَ عَلَى أَفْعَالِ الْإِمَامِ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. كَذَا ذُكِرَ فِي الْبَقَّالِيِّ.
(٥٧) قَوْلُهُ: الْمُسَافِرُ إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ إلَخْ. فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: فَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ فِي الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ لِلْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وَلِلْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ» فَإِذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الْأُولَيَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْفَرْضَ، وَإِنْ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَسَاءَ بِتَأْخِيرِ السَّلَامِ عَنْ مَحَلِّهِ (انْتَهَى) .
وَفِي سِيَاسَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لِسَعِيدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الَأَقْصُرَانِيِّ: أَنَّ الْمُسَافِرَ لَوْ افْتَتَحَ صَلَاةَ ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ لَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى قَامَ الثَّالِثَةَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنْ رُكُوعِهِ، نَوَى الْإِقَامَةَ انْقَلَبَتْ صَلَاتُهُ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَطَوُّعًا، فَيَكُونُ نَاقِصًا فَلَا يَنُوبُ عَنْ الْكَامِلِ وَلَوْ أَنَّهُ قَيَّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ انْقَلَبَتْ صَلَاتُهُ إلَى الْأَرْبَعِ وَفَرْضُهُ قَدْ تَمَّ، لَكِنْ يَضُمُّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى حَتَّى تَكُونَ الرَّكْعَتَانِ نَافِلَةً. هَذَا كُلُّهُ إذَا قَعَدَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ أَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ، إنْ لَمْ يُقَيِّدْ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ، رُفِضَ ذَلِكَ وَعَادَ وَقَعَدَ وَتَشَهَّدَ، وَقَدْ تَمَّ فَرْضُهُ وَإِنْ قَيَّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ فَسَدَتْ فَرْضِيَّتُهُ وَيَضُمُّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى، وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ نَفْلًا ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْفَرْضَ. دَلِيلُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا: قَالُوا لِأَنَّهُ خَلَطَ الْمَكْتُوبَةَ بِالنَّافِلَةِ قَبْلَ إتْمَامِهَا. (٥٨) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ إلَخْ. لَا يُقَالُ إذَا بَطَلَتْ بِتَرْكِ الْقَعْدَةِ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا عِنْدَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ قَبْلَ التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ، لِأَنَّا نَقُولُ فَسَدَتْ فَسَادًا مَوْقُوفًا لَا بَائِنًا وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ
стр. 496
إلَّا إذَا رَحَلَ الْعَدُوُّ بِهِ إلَى مَكَان أَرَادَ الْإِقَامَةَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ٦٠ - فَيَقْضِيهَا صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ.
٦١ - وَلِمَنْ بِهِ شَقِيقَةٌ بِرَأْسِهِ الْإِيمَاءُ.
٦٢ - لَوْ كَانَ الْمَرِيضُ بِحَالٍ لَوْ خَرَجَ إلَى الْجَمَاعَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ قَدَرَ عَلَيْهِ، الْأَصَحُّ أَنْ يَخْرُجَ وَيُصَلِّيَ قَاعِدًا ٦٣ - لِأَنَّ الْفَرْضَ مُقَدَّرٌ بِحَالِهِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ وَعَلَى اعْتِبَارِهِ سَقَطَ الْقِيَامُ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إلَّا إذَا رَحَلَ الْعَدُوُّ بِهِ إلَى مَكَان إلَخْ. فِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ: مُسْلِمٌ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ. إنْ كَانَ مَسِيرَةُ الْعَدُوِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَقْصُرُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ يُتِمُّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ سَأَلَهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ الْعَدُوُّ مُسَافِرًا يَقْصُرُ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا يُتِمُّ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَسَرَهُ صَارَ تَحْتَ يَدِهِ وَقَهْرِهِ كَالْعَبْدِ (٦٠) قَوْلُهُ: فَيَقْضِيهَا صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ إلَخْ. لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ إذْ الْقَضَاءُ يَحْكِي الْأَدَاءَ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ قَضَاهَا كَذَلِكَ فَالْإِطْلَاقُ غَيْرُ سَدِيدٍ
(٦١) قَوْلُهُ: وَلِمَنْ بِهِ شَقِيقَةٌ بِرَأْسِهِ الْإِيمَاءُ إلَخْ. الْمَسْأَلَةُ فِي الْقُنْيَةِ: وَعِبَارَتُهَا أَخَذَهُ شَقِيقَةٌ وَلَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ يُومِي
(٦٢) قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ الْمَرِيضُ بِحَالٍ لَوْ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ إلَخْ. فِي الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ: لَوْ كَانَ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ لَا يَقْدِرُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْجَمَاعَةِ وَيُصَلِّي قَاعِدًا هُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ حَالَةَ الْأَدَاءِ وَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ وَصَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَائِمًا. قَالَ: وَبِهِ يُفْتَى وَاخْتَارَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ: إنَّهُ يَشْرَعُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الرُّكُوعِ يَقُومُ وَيَرْكَعُ. وَالْأَشْبَهُ مَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، لِأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ سُنَّةٌ، بَلْ يُعَدُّ هَذَا عُذْرًا فِي تَرْكِهَا. (٦٣) قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْفَرْضَ مُقَدَّرٌ بِحَالِهِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ إلَخْ. كَذَا فِي النُّسَخِ وَلَيْسَ لَهُ مُحَصِّلٌ فَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطًا.
стр. 497
وَاخْتَلَفُوا فِي مَرِيضٍ إنْ قَامَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ قَعَدَ قَدَرَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْعُدُ وَيُرَاعِيهَا. ٦٥ - قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ قَامَ بِقَدْرِهِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي مَرِيضٍ إنْ قَامَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ إلَخْ. فِي التُّمُرْتَاشِيِّ: إنْ صَلَّى قَائِمًا يَقْدِرُ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً، وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ. اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِهِمَا. قِيلَ: يَقُومُ وَيَقْرَأُ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ ثُمَّ يُتِمُّ الْقِرَاءَةَ قَاعِدًا، وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: لَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَقُومَ قَدْرَ ثَلَاثِ آيَاتٍ سَاكِنًا ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَقْرَأُ هَذَا الْقَدْرَ، وَعَنْهُ يَقُومُ قَوْمَةً يَسِيرَةً. وَقَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ: يُجْزِيهِ أَنْ لَا يَقُومَ وَيَقْرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ قَاعِدًا. وَاتَّفَقُوا أَنَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقُومُ وَيَقْرَأُ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ مِنْ الْقُصُورِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِمُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ مُرَاعَاةُ مَا ثَبَتَ قِرَاءَتُهُ فِي الصَّلَاةِ بِالسُّنَّةِ فَيَصْدُقُ بِالْوَاجِبِ. هَذَا وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْمَرِيضِ الَّذِي يُبِيحُ الصَّلَاةَ قَاعِدًا. قِيلَ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَوْ قَامَ سَقَطَ مِنْ ضَعْفٍ، أَوْ دَوَرَانِ رَأْسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: أَنْ يَصِيرَ بِهِ صَاحِبَ فِرَاشٍ، وَقِيلَ: أَنْ لَا يَقُومَ بِحَوَائِجِهِ فِي أَمْرِ مَعَاشِهِ، وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ، وَكَذَا حَدُّ الْمَرَضِ الَّذِي يُسْقِطُ الْجُمُعَةَ وَيُبِيحُ الْإِفْطَارَ، وَحَدُّ الْمَرَضِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ أَنْ يَخَافَ مِنْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ زِيَادَةَ الْعِلَّةِ، أَوْ اشْتِدَادَ الْمَرَضِ، أَوْ امْتِدَادَهُ، وَفِي الْكِفَايَةِ: أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ. وَقِيلَ: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْمَشْيِ إلَّا أَنْ يُهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ وَقِيلَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا وَحَدُّ الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ التَّوْكِيلَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْمَشْيِ بِقَدَمِهِ، لَكِنَّهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ بِقَدَمِهِ يُحْمَلُ عَلَى الدَّابَّةِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ كَانَ يَزْدَادُ مَرَضُهُ بِذَلِكَ يُبَاحُ التَّوْكِيلُ، وَإِنْ لَمْ يَزْدَدْ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِهِمَا فِيهِ. كَذَا فِي شَرْحِ جَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ. (٦٥) قَوْلُهُ: قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ قَامَ بِقَدْرِهِ إلَخْ. فِي التُّمُرْتَاشِيِّ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْقَاضِي عَنْ الْهِنْدُوَانِيِّ: لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ مِقْدَارَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدَ فَيَقْرَأَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ خِفْتُ أَنْ لَا يَجُوزَ صَلَاتُهُ. وَفِي شَرْحِ الْحَلْوَانِيِّ عَنْ الْهِنْدُوَانِيِّ: لَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ دُونَ تَمَامِهِ، أَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ لِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ دُونَ تَمَامِهَا، يُؤْمَرُ بِأَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا وَيَقْرَأَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدَ إنْ
стр. 498
إذَا كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَالْأَفْضَلُ الِاكْتِفَاءُ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ،
وَإِذَا كَرَّرَ اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
[غمز عيون البصائر]
عَجَزَ. قَالَ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ لَا يُرْوَى خِلَافَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَلَوْ تَرَكَ هَذَا خِفْتُ أَنْ لَا يَجُوزَ صَلَاتُهُ. وَفِي شَرْحِ الْقَاضِي: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ مُسْتَوِيًا، قَالُوا: يَقُومُ مُتَّكِئًا لَا يُجْزِيهِ إلَّا ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ مُسْتَوِيًا قَالُوا: يَقُومُ مُتَّكِئًا لَا يَجْزِيهِ إلَّا ذَلِكَ.
(٦٦) قَوْلُهُ: إذَا كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ إلَخْ. الْأَصْلُ أَنَّ تِلَاوَةَ آيَةٍ فِي مَجْلِسٍ لَا تُوجِبُ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى يَجْزِي فِيهَا التَّدَاخُلُ، بِخِلَافِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ حَيْثُ يَجِبُ لِكُلِّ امْرِئٍ إذَا حَمِدَ الْعَاطِسُ، وَقِيلَ إلَى عَشْرٍ، وَلَوْ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ، ثُمَّ عَطَسَ شَمَّتَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَفِي التَّفَارِيقِ لَا يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إذَا تَابَعَ، وَإِنْ لَمْ يُشَمَّتْ إلَى ثَلَاثٍ كَفَاهُ مَرَّةً. وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا عَطَسَ مِرَارًا شَمَّتَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَإِنْ أَخَّرَ كَفَاهُ مَرَّةً وَاحِدَةً
وَفِي جَامِعِ الْقَاضِي، وَلَا رِوَايَةَ فِي تَكْرَارِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَكْرَارِ اسْمِهِ فِي مَجْلِسٍ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ: وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ حَقًّا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَمْ حَقًّا لَهُمَا؟ وَفِي شَرْحِ نُوبَاغِيٍّ: يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَلَكِنْ إنْ صَلَّى مَرَّةً فِي مَجْلِسٍ قَالُوا يَخْرُجُ عَنْ الْجَفَاءِ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى ذُكِرَ مِرَارًا، ثُمَّ صَلَّى قَالُوا: إنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ يَخْرُجُ عَنْ الْجَفَاءِ وَظَاهِرُ الْجَوَابِ: إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ يَكْفِيهِ مَرَّةً وَإِنْ ذُكِرَ أَلْفَ مَرَّةٍ يَخْرُجُ عَنْ الْجَفَاءِ، وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ: أَجْمَعْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ يَكْفِيهِ مَرَّةً، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ لَا يَكْفِيهِ، وَإِذَا تَرَكَ يَصِيرُ جَافِيًا. وَقَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ: يُسْتَحَبُّ التَّكْرَارُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي السَّجْدَةِ لَا. وَلَوْ ذُكِرَ فِي مَجْلِسٍ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا تَنُوبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْبَعْضِ عَنْ الْبَاقِينَ. وَكَذَا لَوْ عَطَسَ جَمَاعَةٌ شَمَّتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَوْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَوْمٍ، فَسَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ جَازَ عَنْهُمْ، وَإِنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِمْ هَلْ يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ؟ اخْتَلَفُوا. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ عَلَى الْفَوْرِ خِلَافًا. أَمَّا رَدُّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا ذُكِرَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ،
стр. 499
فَالْأَفْضَلُ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَفَاهُ وَاحِدَةٌ فِيهِمَا
٦٨ - وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ، ٦٩ - وَلَا فِدْيَةَ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَلَا تَجِبُ فِيهِ التَّعَيُّنُ لَهَا، وَالسُّنَّةُ الْقِيَامُ لَهَا إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ سَجْدَةٍ.
إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ سَجْدَةٍ ٧٠ - فَالْأَفْضَلُ الرُّكُوعُ لَهَا إنْ كَانَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ وَإِلَّا سَجَدَ لَهَا. يُكْرَهُ تَرْكُ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ التَّطَوُّعِ عَمْدًا، فَإِنْ سَهَا فَعَلَيْهِ السَّهْوُ، وَلَوْ ضَمَّهَا فِي أُخْرَى الْفَرْضُ سَاهِيًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَفِيهِ: قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ، تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، سَجَدَ لِلْأُولَى أَوْ لَا. بِخِلَافِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ لَوْ حُدَّ أَوْ كَفَّرَ، ثُمَّ عَادَ يُحَدُّ وَيُكَفِّرُ ثَانِيًا. وَقِيلَ إذَا سَجَدَ لِلْأُولَى ثُمَّ قَرَأَهَا يَلْزَمُهُ أُخْرَى (انْتَهَى) .
(٦٧) قَوْلُهُ: فَالْأَفْضَلُ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إلَخْ. هَذَا خِلَافُ الْأَصَحِّ، قَالَ فِي مُعِينِ الْمُفْتِي: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجِبَةٌ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَيْكَ بِهِ. وَاخْتَلَفَتْ الْأَقْوَالُ أَوْ اتَّفَقَتْ. وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْظِيمِ اللَّهِ كُلَّمَا ذُكِرَ، كَمَا فِي الْمُجْتَبَى (انْتَهَى) .
وَفِي تَلْقِيحِ الْمَحْبُوبِيِّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَتَدَاخَلُ، وَالثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ يَتَدَاخَلُ (انْتَهَى) .
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ (انْتَهَى)
(٦٨) قَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إلَخْ. قُلْتُ: لَكِنْ يُكَبِّرُ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا يُكَبِّرُ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَيُسَبِّحُ وَلَا يُسَلِّمُ، لِأَنَّ السَّلَامَ لِلْخُرُوجِ عَنْ التَّحْرِيمَةِ وَلَا تَحْرِيمَةَ لَهَا. كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ. (٦٩) قَوْلُهُ: وَلَا فِدْيَةَ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ إلَخْ. كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْ لَهَا حَتَّى خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ لَا جَابِرَ لَهَا وَلَا يَظْهَرُ غَيْرُ ذَلِكَ.
(٧٠) قَوْلُهُ: فَالْأَفْضَلُ الرُّكُوعُ لَهَا إنْ كَانَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ إلَخْ. فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتْلُوَهَا فِي صَلَاةٍ يُخَافِتُ فِيهَا وَيَسْجُدَ لَهَا، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اشْتِبَاهِ الْأَمْرِ
стр. 500
لَا يَسْجُدُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
٧٢ - لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِالشَّافِعِيِّ فِي الْوَتْرِ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْطَعُهُ. الْقُرْآنُ يَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِقَصْدِ الثَّنَاءِ؛ فَلَوْ قَرَأَ الْجُنُبُ الْفَاتِحَةَ بِقَصْدِ الثَّنَاءِ لَمْ يَحْرُمْ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ الرُّكُوعَ وَسَجَدَ فَلَا يُتَابِعُهُ فَإِنْ فَعَلَ وَسَجَدَ تَابَعُوهُ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُ. (٧١) قَوْلُهُ: لَا يَسْجُدُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(٧٢) قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِالشَّافِعِيِّ فِي الْوَتْرِ إلَخْ. هَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ: أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّافِعِيِّ فِي الْوَتْرِ، إنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَعَدَمُهَا إنْ سَلَّمَ وَأَمَّا مَاهَا فَنَقَلَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ عَنْ الْإِرْشَادِ وَعِبَارَةُ الْإِرْشَادِ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فِي الْوَتْرِ بِالشَّافِعِيِّ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: وَهُوَ يُفِيدُ عَدَمَ الصِّحَّةِ فَصَلَ أَوْ وَصَلَ، وَرَدَّهُ بِأَنْ اشْتَرَطَ الْمَشَايِخُ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْحَنَفِيِّ فِي الْوَتْرِ، بِالشَّافِعِيِّ مُقَيَّدٌ لِصِحَّتِهِ إذَا لَمْ يَفْصِلْ اتِّفَاقًا. وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَهُ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، مُشِيرًا إلَى أَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ أَنْ لَا يُفَضِّلَ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْفَصْلِ، لَا مُطْلَقًا مُعَلِّلًا بِأَنَّ اعْتِقَادَ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْحَنَفِيِّ. قَالَ: وَيَشْهَدُ لِلشَّارِحِ مَا فِي السِّرَاجِ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي الْعِيدَيْنِ صَحِيحٌ وَلَمْ يُرَ. وَفِيهِ خِلَافٌ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَوَاجِبٌ عِنْدَنَا. وَذَكَرَ أَبُو بَكْر الرَّازِيّ: أَنَّ اقْتِدَاءَ الْحَنَفِيِّ فِي الْوَتْرِ بِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ يَجُوزُ، وَيُصَلِّي مَعَهُ بَقِيَّةَ الْوَتْرِ لِأَنَّ إمَامَهُ لَمْ يَخْرُجْ بِسَلَامِهِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ قَدْ رَعَفَ وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ، لِأَنَّ طَهَارَةَ الْإِمَامِ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ، فِي فَصْلِ الرَّعَّافِ وَالْحِجَامَةِ، وَبِهِ أَخَذَ الْأَكْثَرُ إلَّا إذَا رَآهُ احْتَجَمَ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ، فَالْأَصَحُّ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ لِجَوَازِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَقِيلَ إذَا سَلَّمَ فِي الْوَتْرِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ قَامَ الْمُقْتَدِي وَأَتَمَّ وَحْدَهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّافِعِيِّ وَنَحْوِهِ قِيلَ: مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقِيلَ: مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَلَى رَأْيِ الْمُبْتَلِي بِهِ
стр. 501
وَلَوْ قَصَدَ بِهَا الثَّنَاءَ فِي الْجِنَازَةِ لَمْ يُكْرَهْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
انْتَهَى) .
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْعَصْرِيِّينَ: الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ خَاطِرِي الثَّانِي، كَمَا يَشْهَدُ بِهِ ذَوُو الْأَلْبَابِ وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ. هَذَا زُبْدَةُ مَا ذَكَرُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الْكَلَامِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ خَطَأُ مَا زَعَمَهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الْأَرْوَامِ الْمُتَعَاطِينَ لِلْوَعْظِ بَيْنَ الْأَنَامِ مِنْ فَسَادِ اقْتِدَاءِ الْحَنَفِيِّ بِالشَّافِعِيِّ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ إذْ الْحَنَفِيُّ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا، وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَقِدُ سُنِّيَّتَهَا، وَمَا دَرَى هَذَا الْجَهُولُ الْعَارِي مِنْ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ أَنَّ وَجْهَ صِحَّةِ ذَلِكَ؛ هُوَ أَنَّ الصَّلَاةَ مُتَّحِدَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِقَادِ، وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى السَّدَادِ فِيهِ، عَلَى ذَلِكَ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ مِنْ ذَوِي الْفَضْلِ وَالْإِتْقَانِ.
(٧٣) قَوْلُهُ: وَلَوْ قَصَدَ بِهَا الثَّنَاءَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يُكْرَهْ إلَخْ. أَقُولُ: يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الْقُرْآنِيَّةَ يُكْرَهُ، قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالتَّجْنِيسِ: لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ قَرَأَهَا بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ لَا تَجُوزُ، لِأَنَّهَا مَحَلُّ الدُّعَاءِ دُونَ الْقِرَاءَةِ (انْتَهَى) .
وَفِي الِاخْتِيَارِ: وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، أَمَّا بِنِيَّةِ التِّلَاوَةِ فَمَكْرُوهٌ (انْتَهَى) .
يَعْنِي تَحْرِيمًا كَمَا يُفِيدُهُ تَعْبِيرُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ، بِعَدَمِ الْجَوَازِ، قَالَ شَيْخُنَا فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِالنَّظْمِ الْمُسْتَطَابِ: لِحُكْمِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِأُمِّ الْكِتَابِ: دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ النَّصِّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ، وَالنَّصِّ عَلَى كَرَاهَتِهَا، يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ نَصُّوا عَلَى اسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ أَرَ نَصًّا قَاطِعًا لِلْمَنْعِ مُقْتَضِيًا لِعَدَمِ جَوَازِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَفِي التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ يَجِبُ التَّحْمِيدُ وَلَوْ قَرَأَ فِيهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ جَازَ وَلَوْ كَانَ سَاكِتًا تَجُوزُ صَلَاتُهُ (انْتَهَى) . وَقَوْلُهُ وَلَوْ قَرَأَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَيْ إلَى آخِرِ السُّورَةِ، جَازَ (انْتَهَى) .
ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَالَ وَمِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي نُصَّ فِيهَا عَلَى اسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، مَسُّ الذَّكَرِ، وَمَسُّ الْمَرْأَةِ، وَأَكْلُ لَحْمِ جَزُورٍ. فَيُعَادُ بِهَا الْوُضُوءُ اسْتِحْبَابًا وَقَهْقَهَتُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالرَّجْعَةُ بِالْقَوْلِ لِإِيجَابِهَا عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَصِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبِيَاعَاتِ دُونَ التَّعَاطِي، فَبِذَلِكَ تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ الْمُقْتَضِي لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِدُونِ قِرَاءَتِهَا مَعَ مُوَافَقَةِ كُتُبِ الْأُصُولِ عِنْدَنَا، عَلَى سُنِّيَّتِهَا فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ، هَذَا مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا يَحْلُو لَهَا. انْتَهَى كَلَامُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
стр. 502
إلَّا إذَا قَرَأَ الْمُصَلِّي قَاصِدًا الثَّنَاءَ فَإِنَّهَا تُجْزِيهِ.
٧٥ - لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِهَا. ٧٦ - إذَا أَرَادَ فِعْلَ طَاعَةٍ وَخَافَ الرِّيَاءَ لَا يَتْرُكُهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إلَّا إذَا قَرَأَ الْمُصَلِّي إلَخْ. أَيْ فِي الصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ وَهِيَ ذَاتُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: الْقُرْآنُ يَخْرُجُ مِنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِقَصْدِ الثَّنَاءِ وَكَانَ مُقْتَضَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ أَنْ يَقُولَ: فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِقَصْدِ الثَّنَاءِ فَتُجْزِيهِ الْقِرَاءَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِرَاءَة إذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّهَا لَا يَتَغَيَّرُ بِالْعَزِيمَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا تُجْزِيهِ كَمَا فِي التَّوْشِيحِ. لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ جَازَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْقِرَاءَةَ فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهَا بِقَصْدِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْأُولَيَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ عَيْنٍ وَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَاجِبَةً (انْتَهَى) .
وَنَقَلَ فِي الْقُنْيَةِ خِلَافًا فِيمَا إذَا قَرَأَ عَلَى قَصْدِ الدُّعَاءِ أَنَّهَا لَا تَنُوبُ.
(٧٥) قَوْلُهُ: لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِهَا إلَخْ. قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ: لَوْ صَلَّى رِيَاءً لَا أَجْرَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْفُرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَجْرَ لَهُ، وَلَا وِزْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ. كَذَا فِي سَيْرِ الْمُضْمَرَاتِ وَلَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلَ فِي قَلْبِهِ الرِّيَاءُ فَالصَّلَاةُ عَلَى مَا أَسَرَّ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَمَّا يَعْرِضُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَقِيلَ: الرِّيَاءُ لَا يَدْخُلُ فِي صَوْمِ الْفَرِيضَةِ، وَفِي سَائِرِ الطَّاعَاتِ يَدْخُلُ كَذَا فِي تَتِمَّةِ الْوَاقِعَاتِ. وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: لَا يَدْخُلُ الرِّيَاءُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِضِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُسْتَقِيمُ. إذْ بِدُخُولِ الرِّيَاءِ لَا يَفُوتُ أَصْلُ الثَّوَابِ وَإِنَّمَا تُبْطِلُ تَضَاعُفَ الثَّوَابِ. كَذَا فِي مُتَفَرِّقَاتِ صَلَاةِ الذَّخِيرَةِ. أَقُولُ: مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ مِنْ أَنَّ إيتَاءَ الزَّكَاةِ فِي السِّرِّ أَفْضَلُ. قَالُوا لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ. ذَكَرَ ذَلِكَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْخَامِسِ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فَائِدَةَ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ سُقُوطِهَا ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ فَلْيُرَاجَعْ. (٧٦) قَوْلُهُ: إذَا أَرَادَ فِعْلَ طَاعَةٍ وَخَافَ الرِّيَاءَ لَا يَتْرُكُهَا إلَخْ. نَظِيرُ هَذَا مَا فِي
стр. 503
قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِأَجْلِ الْمُهِمَّاتِ عَقِبَ الْمَكْتُوبَةِ بِدْعَةٌ.
٧٨ - الْقِرَاءَةُ فِي الْحَمَّامِ جَهْرًا مَكْرُوهَةٌ وَسِرًّا لَا. وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَلَا يُكْرَهُ لِمُحْدِثٍ مَسُّ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَضْعُ الْمِقْلَمَةِ عَلَى الْكِتَابِ مَكْرُوهٌ إلَّا لِأَجْلِ الْكِتَابَةِ، وَضْعُ الْمُصْحَفِ تَحْتَ رَأْسِهِ مَكْرُوهٌ إلَّا لِأَجْلِ الْحِفْظِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْمُلْتَقَطِ الدُّعَاءُ مَعَ الرِّقَّةِ أَفْضَلُ وَلَا يَتْرُكُ الدُّعَاءَ لِأَجْلِ سَهْوِ الْقَلْبِ (انْتَهَى) .
وَقَدْ سُئِلَ الْعَارِفُ الْمُحَقِّقُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيّ عَمَّا نَصُّهُ: يَا سَيِّدِي إنْ تَرَكْتُ الْعَمَلَ أَخْلَدْتُ إلَى الْبَطَالَةِ وَإِنْ عَمِلْتُ دَاخَلَنِي الْعُجْبُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى؟ فَكَتَبَ جَوَابَهُ: اعْمَلْ وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ مِنْ الْعُجْبِ.
(٧٧) قَوْلُهُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِأَجْلِ الْمُهِمَّاتِ عَقِيبَ الْمَكْتُوبَةِ بِدْعَةٌ إلَخْ. الْمَسْأَلَةُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي الْحَادِي عَشَرَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَعِبَارَتُهَا: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَقِيبَ الْمُكْتَوِيَةِ بِدْعَةٌ
(٧٨) قَوْلُهُ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَمَّامِ جَهْرًا مَكْرُوهَةٌ وَسِرًّا لَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ إلَخْ. هَكَذَا فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى وَالْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا وَقَيَّدَهُ فِي الْمُلْتَقَطِ بِمَا إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ طَاهِرًا وَالْعَوْرَةُ مَسْتُورَةً. وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ التَّسْبِيحَ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ وَرَقَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَرِهَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الْمَخْرَجِ وَالْحَمَّامِ. وَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْحَمَّامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ طَاهِرًا وَالْعَوْرَةُ مَسْتُورَةً (انْتَهَى) .
وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا. وَكَأَنَّ الْإِمَامَ الْعَيْنِيَّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا فَقَالَ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ الْقِرَاءَةُ فِي الْحَمَّامِ مُطْلَقًا يَعْنِي لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا لِأَنَّ مَنْ يَكْرَهُهَا جَهْرًا يَسْتَدِلُّ بِأَنَّهُ مَوْضِعُ الشَّيَاطِينِ وَقَدْ قُلْنَا إنَّ جَمِيعَ الْمَوَاضِعِ لَا تَخْلُو عَنْهُمْ فَيَلْزَمُ أَنْ تُكْرَهَ الْقِرَاءَةُ جَهْرًا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ (انْتَهَى) .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَهَذَا الْكَلَامُ فِي غَايَةِ النَّفَاسَةِ. أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ فَاسِدُ التَّأْسِيسِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ نَفِيسًا لِأَنَّ سَائِرَ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْلُو عَنْهُمْ لَكِنَّ الْحَمَّامَ مِنْ مَوَاطِنِ فِرَارِهِمْ وَمَحَلِّ شِرَارِهِمْ لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ إزَالَةِ الْأَحْدَاثِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَالْمُرَادُ بِالْجَهْرِ هُنَا أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ لَا نَفْسَهُ فَقَطْ.
стр. 504
٧٩ - لَا يَنْبَغِي تَأْقِيتُ الدُّعَاءِ إلَّا فِي الصَّلَاةِ.
٨٠ - يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَصَلَاةِ الْبَرَاءَةِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ، إلَّا إذَا قَالَ نَذَرْتُ رَكْعَةَ كَذَا بِهَذَا الْإِمَامِ بِالْجَمَاعَةِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَالَ فِي الصَّيْرَفِيَّةِ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَمَّامِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ هُوَ لَا تُكْرَهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَلْتَحْفَظْ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ فَقَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إنْ كَانَ فِي الْحَمَّامِ صُوَرٌ وَتَمَاثِيلُ تُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ الْمَوْضِعُ طَاهِرًا لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ قَالُوا وَكَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ بُخَارَى يَفْعَلُونَ ذَلِكَ (انْتَهَى) .
وَمَسْلَحُ الْحَمَّامِ الْمَكَانُ الَّذِي تُوضَعُ فِيهَا الثِّيَابُ كَذَا فِي الْقَوْلِ التَّامِّ فِي أَدَبِ دُخُولِ الْحَمَّامِ لِابْنِ الْعِمَادِ.
قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي تَأْقِيتُ الدُّعَاءِ إلَّا فِي الصَّلَاةِ إلَخْ. تَأْقِيتُ الدُّعَاءِ يَدْعُو بِدُعَاءٍ مَحْفُوظٍ قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فِي الثَّامِنِ: الْمُصَلِّي يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ بِدُعَاءٍ مَحْفُوظٍ لَا بِمَا يَحْضُرُهُ لِأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ. فَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ بِمَا يَحْضُرُهُ وَلَا يَسْتَظْهِرُ الدُّعَاءَ لِأَنَّ حِفْظَ الدُّعَاءِ يَمْنَعُهُ عَنْ الرِّقَّةِ (انْتَهَى) .
وَذَكَرَ فِي التَّاسِعِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ غَيْرَ الْعَرَبِيَّةِ مَا يُحِبُّ الْعَرَبِيَّةَ (انْتَهَى) .
وَلَفْظُ " مَا يَنْبَغِي " يُقَالُ فِي الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَيُقَالُ: يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا أَيْ طَاوَعَك وَانْقَادَ لَكَ فِعْلُ كَذَا وَهُوَ لَازِمٌ بَقِيَ يُقَالُ بَغَيْتُهُ فَانْبَغَى كَمَا يُقَالُ كَسَرْتُهُ فَانْكَسَرَ. وقَوْله تَعَالَى ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] أَيْ لَا يَصْلُحُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ نَقَلَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ الْهِدَايَةِ: وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَعْذُرُوا وَلَا يَغُلُّوا وَلَا يُمَثِّلُوا، وَالْمُثْلَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخَةٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَ يَنْبَغِي لِلْوُجُوبِ وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْخُلَاصَةِ: يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَا يَأْثَمُ فَلَفْظُ يَنْبَغِي لِلْأَوْلَى وَلَفْظُ لَا يَنْبَغِي لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُرْمَةَ وَالْكَرَاهَةَ. فَقَدْ قَالُوا إنَّ قِرَاءَةَ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. كَذَا فِي مَجْمُوعَةِ الْعُلُومِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْهَرَوِيِّ حَفِيدِ الْمَوْلَى سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيِّ.
(٨٠) قَوْلُهُ: يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ إلَخْ. وَصَلَاةُ الرَّغَائِبِ هِيَ الَّتِي
стр. 505
كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
تَعَدُّدِ السَّهْوِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَ السُّجُودِ إلَّا فِي الْمَسْبُوقِ. يُكْرَهُ الْأَذَانُ قَاعِدًا إلَّا لِنَفْسِهِ. الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ أَفْضَلُ إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ لِلْحَاجِّ. تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ مَكْرُوهٌ إلَّا فِي السَّفَرِ أَوْ عَلَى مَائِدَةٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
تُفْعَلُ فِي رَجَبٍ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْهُ وَصَلَاةُ الْبَرَاءَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ الشَّعْبَانِ وَإِنَّمَا كَرِهَ الِاقْتِدَاءَ فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ، وَمَا ذَكَرَ بَعْدَهَا لِأَنَّ أَدَاءَ النَّفْلِ بِجَمَاعَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي مَكْرُوهٌ، إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ قَالَ ابْنُ أَمِيرِ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ: وَقَدْ حَدَثَتْ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ بَعْدَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ كُتُبًا فِي إنْكَارِهَا وَذَمِّهَا وَتَسْفِيهِ فَاعِلِهَا وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْفَاعِلِينَ لَهَا فِي كَثِيرِ مِنْ الْأَمْصَارِ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ بَعْدَ كَلَامٍ: وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ كَرَاهَةُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى صَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَأَنَّهَا بِدْعَةٌ وَمَا يَحْتَالُهُ أَهْلُ الرُّومِ مِنْ نَذْرِهَا لِتَخْرُجَ عَنْ النَّفْلِ الْكَرَاهَةُ فَبَاطِلٌ وَقَدْ أَوْضَحَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَأَطَالَ فِيهِ إطَالَةً حَسَنَةً كَمَا هُوَ دَأْبُهُ (انْتَهَى) . وَقَدْ صَنَّفَ فِيهَا شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيُّ تَصْنِيفًا حَسَنًا سَمَّاهُ رَدْعَ الرَّاغِبِ عَنْ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَقَدْ سُئِلْتُ عَنْهَا وَعَنْ صَلَاةِ الْبَرَاءَةِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ عَامَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ وَأَلْفٍ حِينَ ظَهَرَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو جَهَلَةَ الْأَرْوَامِ وَغَيْرَهُمْ إلَى فِعْلِهَا وَيَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَخَوَاصَّ التَّابِعِينَ قَدْ صَلَّوْهَا جَهْلًا مِنْهُ وَطَمَعًا فِي حُطَامِ الدُّنْيَا فَحَرَّرْتُ فِي ذَلِكَ تَحْرِيرًا طَوِيلًا حَسَنًا أَحَطْتُ فِيهِ بِغَالِبِ كَلَامِ فُضَلَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيُطَالِعْهُ. (٨١) قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ: لَكِنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّفَ بِذَلِكَ لِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ (انْتَهَى) .
يَعْنِي وَهَذَا خَلَلٌ فِي النَّقْلِ لَا يَلِيقُ مِنْ أَمْثَالِهِ وَلَا مِمَّنْ جَرَى عَلَى مِنْوَالِهِ
стр. 506
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
١ - الْفَقِيهُ لَا يَكُونُ غَنِيًّا بِكُتُبِهِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا، إلَّا فِي دَيْنِ الْعِبَادِ، فَتُبَاعُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ ٢ - كَذَا فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ
٣ - الِاعْتِبَارُ لِوَزْنِ مَكَّةَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: الْفَقِيهُ لَا يَكُونُ غَنِيًّا بِكُتُبِهِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا إلَخْ. يَعْنِي لِلدِّرَاسَةِ فَيَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةَ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَفِيهِ: وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ نُسْخَتَانِ فِيمَا لَمْ يَصِحَّ. قَالَ نُصَيْرٌ: صَحِّحُوا هَذِهِ الْكُتُبَ فَلَعَلَّكُمْ لَا تَجِدُونَ أُسْتَاذًا غَيْرَهَا. (٢) قَوْلُهُ: كَذَا فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ إلَخْ. يَعْنِي فِي كِتَابِ الْحَجْرِ وَاللُّقَطَةِ.
وَيُحْبَسُ ذُو الْكُتُبِ الصِّحَاحِ الْمُحَرَّرِ ... عَلَى الدَّيْنِ إذْ بِالْكُتُبِ مَا هُوَ مُعْسِرٌ
قَالَ فِي الشَّرْحِ: مَسْأَلَةُ الْمَيْتِ مِنْ الْقُنْيَةِ وَعِبَارَتُهَا فَقِيهٌ لَحِقَهُ دَيْنٌ وَلَهُ كُتُبٌ عَلِقَ بَعْضَهَا عَنْ أُسْتَاذِهِ وَأَصْلَحَ بَعْضَهَا بِنَفْسِهِ فَهُوَ مُوسِرٌ فِي حَقِّ قَضَاءِ الدَّيْنِ حَتَّى لَحِقَهُ الْحَبْسُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِي حَقِّ الصَّدَقَةِ وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ قُوتُ شَهْرٍ تُبَاعُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُوسِرٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ لَا تُبَاعُ.
(٣) قَوْلُهُ: الِاعْتِبَارُ لِوَزْنِ مَكَّةَ سَبْعَةً إلَخْ. تَفْسِيرُهُ أَنْ يَزِنَ كُلَّ عَشْرٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ وَكُلَّ دِرْهَمٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا يُبْنَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الزَّكَاةِ وَنِصَابُ السَّرِقَةِ وَغَيْرُهُمَا. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَوْزَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، فَمِنْهَا مَا كَانَ الدِّرْهَمُ أَحَدَ عَشَرَ قِيرَاطًا وَمِنْهَا مَا كَانَ عَشْرَةَ قَرَارِيطَ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى وَزْنَ خَمْسَةٍ، وَمِنْهَا مَا كَانَ وَزْنَ اثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى وَزْنَ سِتَّةٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى نَقْدٍ وَاحِدٍ فَأَخَذَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ مُتَسَاوِيَةً فَكَانَ كُلُّ دِرْهَمٍ
стр. 507
مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مُفْلِسٍ مُقِرٍّ فَقِيرٍ عَلَى الْمُخْتَارِ
٥ - الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ إذَا رَفَعَ زَكَاتَهُ إلَى أُخْتِهِ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ وَارِثَتُهُ أَجْزَأَتْهُ وَوَقَعَتْ مَوْقِعَهَا؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ رُدَّتْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا وَهُوَ وَزْنُ سَبْعَةٍ الَّتِي جَمَعَ عُمَرُ ﵁ النَّاسَ عَلَيْهَا وَبَقِيَ كَذَلِكَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الدَّرَاهِمَ مَتَى صَارَتْ مُدَوَّرَةً. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَ شَبَهَ النَّوَاةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْقُنْيَةِ: الْمُعْتَبَرُ فِي الزَّكَاةِ وَزْنُ مَكَّةَ قَالَ ﵇: «الْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ» فَعَشْرَةُ دَنَانِيرَ بِوَزْنِ مَكَّةَ تَنْقُصُ عِنْدَنَا بِثُلُثِي دِينَارٍ فَلَوْ بَلَغَتْ الدَّنَانِيرُ بِوَزْنِ بَلَدِنَا أَيْ خُوَارِزْمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثَ دِينَارٍ يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ: تُعْتَبَرُ دَرَاهِمُ كُلِّ بَلَدٍ وَدَنَانِيرُهُمْ بِوَزْنِهِمْ فَيُعْتَبَرُ فِي خُوَارِزْمَ وَزْنُهُمْ فَيَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمْ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَزْنُ سَبْعَةٍ قُلْتُ فَعَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي زَمَانِنَا يَكُونُ نِصَابًا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ وَزْنُهَا مِائَةَ مِثْقَالٍ وَلَا قِيمَتُهَا اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا (انْتَهَى) .
(٤) قَوْلُهُ: مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مُفْلِسٍ إلَخْ. فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: رَجُلٌ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ عَلَى إنْسَانٍ هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ إنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ مُعْسِرًا؟ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَحِلُّ لِأَنَّ يَدَهُ زَائِلَةٌ عَنْ مَالِهِ فَصَارَ كَابْنِ السَّبِيلِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ مُوسِرًا مُقِرًّا بِالدَّيْنِ لَا يَحِلُّ لَهُ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ عَلَى مَالِهِ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ مَتَى شَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا إنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ لَا يَحِلُّ لَهُ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ مَعْنًى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ لَا يَحِلُّ أَيْضًا مَا لَمْ يَرْفَعْ إلَى الْقَاضِي فَيُحَلِّفُهُ لِأَنَّ الْوُصُولَ مَأْمُولٌ، وَإِذَا حَلَفَ الْآنَ يَحِلُّ. وَعَلَى هَذَا الدَّيْنِ الْمَجْحُودِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ (انْتَهَى) .
ثُمَّ إنْ عَدِمَ الْحِلِّ فِيمَا إذْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ بِمَا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ. وَفِي الْمُلْتَقَطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ إلَّا دَيْنًا مُؤَجَّلًا عَلَى إنْسَانٍ حَلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ
(٥) قَوْلُهُ: الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ إذَا دَفَعَ زَكَاتَهُ إلَى أُخْتِهِ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ وَارِثَتُهُ إلَخْ. فِي الْقُنْيَةِ: دَفَعَ زَكَاتَهُ إلَى أَخِيهِ وَهُوَ وَارِثُهُ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا ثُمَّ رَقَّمَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ، كَمَنْ أَوْصَى بِالْحَجِّ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى قَرِيبِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ. كَذَا هَذَا ثُمَّ رَقَّمَ الْبُرْهَانُ التَّرْجُمَانِيُّ وَحِمْيَرُ الْوَبَرِيُّ بِأَنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ لِلْوَرَثَةِ الرَّدُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ (انْتَهَى) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ.
стр. 508
لِأَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. تَصَدَّقَ بِطَعَامِ الْغَيْرِ عَنْ صَدَقَةِ فِطْرِهِ تُوقَفُ عَلَى إجَازَتِهِ؛ ٦ - فَإِنْ أَجَازَ بِشَرَائِطِهَا وَضَمِنَهُ جَازَتْ. الْمَأْمُورُ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ إذَا تَصَدَّقَ بِدَرَاهِمِ نَفْسِهِ أَجْزَأَهُ إنْ كَانَ عَلَى نِيَّةِ الرُّجُوعِ وَكَانَتْ دَرَاهِمُ الْمَأْمُورِ قَائِمَةً.
٧ - نَوَى الزَّكَاةَ إلَّا أَنَّهُ سَمَّاهُ قَرْضًا اخْتَلَفُوا، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ.
٨ - عَبْدُ الْخِدْمَةِ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ فَتَجِبُ صَدَقَةُ فِطْرِهِ.
٩ - عَيَّنَ النَّاذِرُ مِسْكِينًا فَلَهُ إعْطَاءُ غَيْرِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنْ أَجَازَ بِشَرَائِطِهَا إلَخْ. يَعْنِيَ الْإِجَازَة الْمَفْهُومَةَ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَجَازُوا، شَرَائِطُهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي فَتَاوَاهُ أَرْبَعَةٌ: قِيَامُ الْعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَلَهُ وَبِهِ لَوْ عَرَضْنَا فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ لَمْ تَصِحَّ الْإِجَازَةُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِجَازَةِ الْفَوْرُ (انْتَهَى) .
لَكِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي إجَازَةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَأَتِّيَةٍ هُنَا. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: تَصَدَّقَ بِطَعَامِ الْغَيْرِ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَأَجَازَهُ الْمَالِكُ وَالطَّعَامُ قَائِمٌ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ ضَمِنَهُ جَازَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ شَرْطُهَا وَأَنَّ الصَّوَابَ عَطْفٌ ضَمِنَهُ بِأَوْ.
(٧) قَوْلُهُ: نَوَى الزَّكَاةَ إلَّا أَنَّهُ سَمَّاهُ قَرْضًا إلَخْ. فِي الْقُنْيَةِ: دَفَعَ لِمُحْتَرَمٍ زَكَاةَ مَالِهِ وَقَالَ: دَفَعْتُهُ إلَيْكَ قَرْضًا وَنَوَى الزَّكَاةَ يُجْزِيهِ. وَقِيلَ: لَا يُجْزِيهِ إلَّا إذَا تَأَوَّلَ الْقَرْضَ بِالزَّكَاةِ. وَالْأَصَحُّ رِوَايَةُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِنِيَّةِ الدَّافِعِ لَا لِعِلْمِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ.
(٨) قَوْلُهُ: عَبْدُ الْخِدْمَةِ فِي التِّجَارَةِ إلَخْ. فِي الْقُنْيَةِ: عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَا تَجِبُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَوْلَاهُ وَهُوَ لِلتِّجَارَةِ. ثُمَّ رُقِّمَ تَجِبُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ.
(٩) قَوْلُهُ: عَيَّنَ النَّاذِرُ مِسْكِينًا فِي إعْطَاءِ غَيْرِهِ إلَخْ. قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: وَأَسْقَطْنَا تَعْيِينَ النَّاذِرِ الْيَوْمَ وَالدِّرْهَمَ وَالْفَقِيرَ. قَالَ شَارِحُهُ ابْنُ الْمَلَكِ يَعْنِي إذَا قَالَ النَّاذِرُ: لِلَّهِ عَلَيَّ
стр. 509
إلَّا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَنْذُورُ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُطْعِمَ هَذَا الْمِسْكِينَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ، وَلَوْ عَيَّنَ مِسْكِينَيْنِ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ
١١ - يُحْبَسُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَخْذِهَا مِنْهُ جَبْرًا وَالْمُعْتَمَدُ: لَا.
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَنْ أَتَصَدَّقَ الْيَوْمَ بِهَذَا الدِّرْهَمِ عَلَى هَذَا الْفَقِيرِ فَتَصَدَّقَ غَدًا بِدِرْهَمٍ آخَرَ عَلَى غَيْرِهِ تُجْزِيه عِنْدَنَا وَلَا تُجْزِيهِ عِنْدَ زُفَرَ. لِأَنَّهُ أَتَى بِغَيْرِ مَا الْتَزَمَ بِنَذْرِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ عِنْدَهُ. وَلَنَا أَنَّ مَا هُوَ قُرْبَةٌ وَهُوَ أَصْلُ التَّصَدُّقِ دَخَلَ تَحْتَ النَّذْرِ وَقَدْ أَعْطَاهُ، وَالتَّعْيِينُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَيَبْطُلُ وَفِي الْعِمَادِيَّةِ: وَلَوْ أَمَرَ رَجُلًا وَقَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى مَسَاكِينِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِكَذَا فَتَصَدَّقَ عَلَى مَسَاكِينِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَضْمَنُ الْمُوصِي (انْتَهَى) .
قُلْتُ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ الْكُوفَةِ فَصَرَفَ الْمُتَوَلِّي ذَلِكَ عَلَى فُقَرَاءِ الْبَصْرَةِ قِيَاسُ الْوَقْفِ عَلَى الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ: وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الذِّمِّيِّ وَعَلَى مَسَاكِينِ مَكَّةَ جَازَ لِغَيْرِهِمْ، وَبِهِ فَارَقَ الْوَصِيَّةَ (انْتَهَى) .
قُلْتُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ عَنْ الْمُنْتَقَى (١٠) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَنْذُورَ إلَخْ. كَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ إلَّا إذَا عَيَّنَ الْمِسْكِينَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَنْذُورَ وَكَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا أَنْ يَقُولَ عَيَّنَ النَّاذِرُ مِسْكِينًا وَعَيَّنَ الْمَنْذُورَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(١١) قَوْلُهُ: يُحْبَسُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلَخْ. فِي الْمُحِيطِ لَوْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا فَالسَّاعِي لَا يَأْخُذُ مِنْهُ كُرْهًا، وَلَوْ أَخَذَ لَا تُقْطَعُ عَنْ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهَا بِلَا اخْتِيَارٍ، وَلَكِنْ يُجْبِرُهُ بِالْحَبْسِ لِيَتَأَذَّى بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَسْلُبُ الِاخْتِيَارَ بَلْ الطَّوَاعِيَةَ فَيَتَحَقَّقُ الْأَدَاءُ عَنْ اخْتِيَارٍ (انْتَهَى) . وَفِي مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: وَمَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ زَكَاةِ مَالِهِ فَأَخَذَهَا الْإِمَامُ كُرْهًا مِنْهُ فَوَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا أَجْزَأَهُ، لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ أَخْذِ الصَّدَقَاتِ فَقَامَ أَخْذُهُ مَقَامَ دَفْعِ الْمَالِكِ (انْتَهَى) .
وَفِي الْقُنْيَةِ فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِيهَا شَرْطٌ وَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ (انْتَهَى) .
وَأَجَابَ عَنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْبَرِّ بْنِ الشِّحْنَةِ بِأَنَّ الصُّورَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ أُخِذَ مِنْهُ زَكَاةُ مَالٍ اللَّهُمَّ أَنْ يُرِيدَ التَّلَفُّظَ بِهَا وَلَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا (انْتَهَى) .
وَفِي الْمَجْمَعِ: وَلَا يَأْخُذُهَا مِنْ سَائِمَةٍ امْتَنَعَ رَبُّهَا مِنْ أَدَائِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ بَلْ نَأْمُرُهُ لِيُؤَدِّيَهَا
стр. 510
حَوْلُ الزَّكَاةِ قَمَرِيٌّ لَا شَمْسِيٌّ
١٣ - كُلُّ الصَّدَقَاتِ حَرَامٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، زَكَاةً ١٤ - أَوْ عِمَالَةً فِيهَا أَوْ عُشْرًا أَوْ كَفَّارَةً أَوْ مَنْذُورَةً ١٥ - إلَّا التَّطَوُّعَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
اخْتِيَارًا (انْتَهَى) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ: وَالْمُفْتَى بِهِ التَّفْصِيلُ إنْ كَانَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْغَرَضُ عَنْ أَرْبَابِهَا بِأَخْذِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَخْذِ لَهُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَضَعْ السُّلْطَانُ مَوْضِعَهَا لَا يَبْطُلُ أَخْذُهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةُ أَخْذِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَلَمْ يَصِحَّ أَخْذُهُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَالْوَاقِعَاتِ وَالْوَلْوالِجِيَّة (انْتَهَى) .
قُلْتُ: لَكِنْ لَا يَبْقَى إشْكَالُ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ وَارِدًا عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُفْتَى بِهِ وَقَدْ عَلِمْتَ جَوَابَهُ.
(١٢) قَوْلُهُ: حَوْلُ الزَّكَاةِ قَمَرِيٌّ لَا شَمْسِيٌّ إلَخْ. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: الْعِبْرَةُ فِي الزَّكَاةِ لِلْحَوْلِ الْقَمَرِيِّ فَلَوْ أَبَرَّأَ رَبُّ الدَّيْنِ الْمَدْيُونَ عَنْ الدَّيْنِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ فَقِيرًا لَا يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
(١٣) قَوْلُهُ: كُلُّ الصَّدَقَاتِ حَرَامٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ إلَخْ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: بَنُو هَاشِمٍ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ وَالْعُشُورُ وَالنُّذُورُ وَالْكَفَّارَاتُ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَبَّاسٍ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَحِلُّ لَهُمْ صَدَقَاتُ الْأَوْقَافِ إذَا سُمُّوا فِي الْوَقْفِ وَكَذَا الْأَغْنِيَاءُ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ. (١٤) قَوْلُهُ: أَوْ عِمَالَةً إلَخْ. إنَّمَا حَرُمَتْ الْعِمَالَةُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَتْ لَهَا شُبْهَةٌ بِالْأُجْرَةِ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي حَقِّهِمْ مِثْلُ الْحَقِيقَةِ كَرَامَةً لَهُمْ. (١٥) قَوْلُهُ: إلَّا التَّطَوُّعَ إلَخْ. يَعْنِي فَيَجُوزُ لِأَنَّ الْوَسَخَ لَا يَزُولُ بِهِ بَلْ بِالْفَرْضِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ يُطَهِّرُ نَفْسَهُ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ فَيَتَدَنَّسُ الْمُؤَدِّي لَهُ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ الْمُؤَدِّيَ تَبَرَّعَ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يَتَدَنَّسُ، كَمَنْ تَبَرَّدَ بِالْمَاءِ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَفِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الصَّدَقَاتِ كُلَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَالْحُرْمَةُ كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِوُصُولِ خُمُسِ الْخُمُسِ إلَيْهِمْ فَلَمَّا سَقَطَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَّتْ لَهُمْ الصَّدَقَةُ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ وَبِالْجَوَازِ نَأْخُذُ.
стр. 511
وَالْوَقْفَ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْوَقْفُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ حَيْثُ قَالَ لَا يَجُوزُ صَرْفُ غَلَّةِ الْوَقْفِ إلَى بَنِي هَاشِمٍ إلَخْ. وَيُوَقَّفُ بِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ﵀ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا شَرَطَ لَهُمْ لِلْوَاقِفِ فَيَجُوزُ وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَشْرِطْ الْوَاقِفُ لَهُمْ فَلَا يَجُوزُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ أَنَّ صَدَقَةَ الْوَقْفِ لَا تَحِلُّ لِبَنِي هَاشِمٍ إلَّا إذَا سَمَّاهُمْ أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّهِمْ فَلَا. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مُعَلَّلًا بِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ، وَرَدَّهُ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ وَصَرَّحَ فِي الْكَافِي بِدَفْعِ صَدَقَةِ الْوَقْفِ إلَيْهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ خِلَافٌ. ثُمَّ قَالَ وَالْحَقُّ الَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَرُ إجْرَاءَ صَدَقَةِ الْوَقْفِ مُجْرَى النَّافِلَةِ فَإِنْ ثَبَتَ فِي النَّافِلَةِ جَوَازُ الدَّفْعِ يَثْبُتُ فِي الْوَقْفِ وَإِلَّا فَلَا إذْ لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الْوَاقِفَ مُتَبَرِّعٌ بِتَصَدُّقِهِ، إذْ لَا إيقَافَ وَاجِبٍ. وَكَانَ مَنْشَأُ الْغَلَطِ وُجُوبَ دَفْعِهَا عَلَى النَّاظِرِ وَبِذَلِكَ لَمْ تَصِرْ صَدَقَةً وَاجِبَةً عَلَى الْمَالِكِ بَلْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ وُجُوبَ اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ عَلَى النَّاظِرِ (انْتَهَى) .
وَنَظَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْفَتْحِ إذْ لَا إيقَافَ وَاجِبٍ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا بِالنَّذْرِ، كَأَنْ قَالَ إنْ قَدِمَ أَبِي فَعَلَيَّ أَنْ أَقِفَ هَذِهِ الدَّارَ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُ نَفْسُهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِذَا (انْتَهَى) .
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْفَتْحِ بِالْوُجُوبِ الْمَنْفِيِّ الْوُجُوبِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ عَلَى أَنَّ صُورَةَ النَّذْرِ نَادِرَةٌ لَا يُنَاطُ بِهَا حُكْمٌ عَامٌ فَتَأَمَّلْ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ صَرْفِ الْوَقْفِ إلَيْهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْوَقْفِ عَلَى أَقْرِبَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ حَرَّمَ الصَّدَقَةَ عَلَى قَرَابَتِهِ إظْهَارًا لِفَضْلِهِ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ تَحِلُّ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (انْتَهَى) .
وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ وَأَمَّا الصَّدَقَةُ عَلَى أَزْوَاجِهِ ﷺ فَنَقَلَ ابْنُ ضِيَاءٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ ابْنِ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ كَافَّةً اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلْنَ فِي الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَاتُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَمَّا آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ. ثُمَّ قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِنَّ
стр. 512
شَكَّ أَنَّهُ أَدَّى الزَّكَاةَ أَمْ لَا؛ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيهَا لِأَنَّ وَقْتَهَا الْعُمْرُ. أَوْدَعَ مَالًا وَنَسِيَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ. ١٨ - إلَّا إذَا كَانَ الْمُودَعُ مِنْ الْمَعَارِفِ
١٩ - دَيْنُ الْعِبَادِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهَا.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: شَكَّ أَنَّهُ أَدَّى الزَّكَاةَ إلَخْ. فِي الْوَاقِعَاتِ لَوْ شَكَّ رَجُلٌ فِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَدْرِ أَزَكَّى أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يُعِيدُ فُرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا شَكَّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ أَصَلَّاهَا أَمْ لَا، لِأَنَّ الْعُمْرَ كُلَّهُ وَقْتٌ لِأَدَاءِ الزَّكَاةِ فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشَّكِّ وَقَعَ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوَقْتِ فَلَا إعَادَةَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّلَاةَ إذَا كَانَتْ أَهَمَّ فَالظَّاهِرُ الْأَدَاءُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ أَوْ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعُمْرِ وَقْتُ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ وَابْنِ شُجَاعٍ وَالثَّلْجِيِّ عَنْ أَصْحَابِنَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ (انْتَهَى) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ وَهِيَ أَنَّ مَنْ شَكَّ هَلْ أَدَّى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ أَمْ لَا بِأَنْ كَانَ يُؤَدِّي مُتَفَرِّقًا وَلَا يَضْبِطُهُ هَلْ تَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا؟ وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَا لُزُومُ الْإِعَادَةِ حَيْثُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ بِيَقِينٍ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالشَّكِّ. (١٨) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ الْمُودَعُ إلَخْ. يَعْنِي إذَا أَوْدَعَ نِصَابًا وَنَسِيَ. قَالُوا: إنْ كَانَ الْمُودَعُ مِنْ الْأَجَانِبِ فَهُوَ ضِمَارٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَعَارِفِهِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ لِتَفْرِيطِهِ بِالنِّسْيَانِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ
(١٩) قَوْلُهُ: دَيْنُ الْعِبَادِ مَانِعٌ إلَخْ. أَيْ الدَّيْنُ الَّذِي مُطَالِبٌ مِنْ الْعِبَادِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْأُجْرَةِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالِبٌ كَدَيْنِ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّهُ لَا يُحْبَسُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَلَا مُطَالِبَ لَهُ قُلْنَا: حَقُّ الْأَخْذِ فِيهَا لِلْإِمَامِ كَمَا فِي السَّوَائِمِ إلَّا أَنَّ الْمُلَّاكَ نُوَّابُهُ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى شَرْحِ النَّافِعِ وَفِي تَجْرِيدِ الْإِيضَاحِ: النَّفَقَةُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَا لَمْ يُقْضَ بِهَا فَإِذَا قُضِيَ بِهَا مَنَعَتْ، وَأَمَّا دَيْنُ الزَّكَاةِ فَيَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَصُورَتُهُ إذَا كَانَ لَهُ نِصَابٌ مِنْ الْأَثْمَانِ أَوْ السَّوَائِمِ فَحَالَ الْحَوْلُ وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ ثَانِيًا لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ لِلْحَوْلِ الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعَيْنِ بِأَنْ
стр. 513
إلَّا الْمَهْرَ الْمُؤَجَّلَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ لَا يُرِيدُ أَدَاءَهُ
٢١ - يُكْرَهُ إعْطَاءُ نِصَابٍ لِفَقِيرٍ مِنْهَا إلَّا إذَا كَانَ مَدْيُونًا أَوْ صَاحِبَ عِيَالٍ؛ لَوْ فَرَّقَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَخُصَّ كُلًّا مِنْهُمْ نِصَابٌ
ــ
[غمز عيون البصائر]
كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَةً أَوْ فِي الذِّمَّةِ بِاسْتِهْلَاكِ النِّصَابِ. وَقَالَ زُفَرُ دَيْنُ الزَّكَاةِ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا كَانَتْ فِي الْعَيْنِ مَنَعَتْ الزَّكَاةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ لَا تَمْنَعُ (انْتَهَى) .
وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: دَيْنُ الزَّكَاةِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ دَيْنًا لَحِقَهُ بِاسْتِهْلَاكِ النِّصَابِ أَوْ دَيْنًا لَحِقَهُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ يَمْنَعُ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ النِّصَابِ فَيَكُونُ نَاقِصًا وَدَيْنُ الزَّكَاةِ بِأَنْ اسْتَهْلَكَ مَالَ الزَّكَاةِ ثُمَّ مَلَكَ مَالًا آخَرَ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ فَلَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ كَالْحَجِّ: وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: دَيْنُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ يَمْنَعُ فَقَطْ لِأَنَّ لَهُ مُطَالِبًا وَهُوَ السَّاعِي وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ: دَيْنُ الْكَفَالَةِ يَمْنَعُ مُطْلَقًا. وَفِي النَّوَادِرِ: إنْ كَانَتْ بِأَمْرٍ لَا تَمْنَعُ وَلَا أَمْرَ تَمْنَعُ (انْتَهَى) .
وَبِمَا قَرَّرَنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ سَقَطَ مَا عَسَاهُ أَنْ يُقَالَ: كَمَا يَمْنَعُ دَيْنُ الْعِبَادِ يَمْنَعُ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ الْعِبَادِ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بَعْدَ كَلَامٍ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ الْعِبَادِ يَمْنَعُ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ كَانَ لِلزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ أَوْ لِلْعِبَادِ كَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ وَنَفَقَةِ الْمَحَارِمِ، وَمَا لَا مُطَالِبَ لَهُ كَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْحَجِّ لَا يَمْنَعُ (انْتَهَى) .
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَكُلُّ دَيْنٍ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ الْعِبَادِ مَانِعٌ وُجُوبَهَا لَكَانَ أَوْلَى. (٢٠) قَوْلُهُ: إلَّا الْمَهْرَ الْمُؤَجَّلَ. فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ ذَكَر الْبَزْدَوِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ الْبَعْضِ: دَيْنُ الْمَهْرِ لَا يَمْنَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ عَلَى عَزْمِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ دَيْنًا وَفِي الْإِسْبِيجَابِيِّ يَمْنَعُ مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَفِي طَرِيقَةِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ: الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ هَلْ يَمْنَعُ؟ لَا رِوَايَةَ فِيهِ إنْ قُلْنَا لَا فَلَهُ وَجْهٌ وَإِنْ قُلْنَا يَمْنَعُ فَلَهُ وَجْهٌ
(٢١) قَوْلُهُ: يُكْرَهُ إعْطَاءُ نِصَابٍ لِفَقِيرٍ مِنْهَا إلَخْ. وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَلَا يُعْطِي فَقِيرًا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَلَوْ أَعْطَاهُ جَازَ دَفْعَةً وَاحِدَةً عَنْ الزَّكَاةِ وَكُرِهَ. أَمَّا الْجَوَازُ فَلِأَنَّ الْغِنَى حُكْمُ الْمِلْكِ فَالدَّفْعُ يُلَاقِي كَفَّ الْفَقِيرِ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِأَنَّ الْغِنَى مُتَّصِلٌ بِالدَّفْعِ فَيُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عِيَالٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا يُكْرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا لِأَنَّ الْغِنَى لَا يَتَّصِلُ بِهِ
стр. 514
يُكْرَهُ نَقْلُهَا إلَّا إلَى قَرَابَةٍ، أَوْ أَحْوَجَ، ٢٣ - أَوْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ٢٤ - أَوْ إلَى طَالِبِ عِلْمٍ، أَوْ إلَى الزُّهَّادِ، ٢٥ - أَوْ كَانَتْ زَكَاةً مُعَجَّلَةً الْمُخْتَارُ أَنَّهُ
٢٦ - لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِأَهْلِ الْبِدَعِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: يُكْرَهُ نَقْلُهَا إلَخْ. أَيْ الزَّكَاةَ رِعَايَةً لِحَقِّ الْجِوَارِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ آخِرَ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ النَّوَادِرِ إنَّمَا إخْرَاجُ الزَّكَاةِ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى إذَا كَانَ الْإِخْرَاجُ فِي حِينِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ حِينِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يُسْتَفَادُ تَقْيِيدُ مَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَإِنْ كَانَ اُسْتُفِيدَ التَّقْيِيدُ مِنْ آخِرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، وَالْمُرَادُ نَقْلُهَا مِنْ بَلَدٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ الْمُزَكِّي فِيهِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ مَكَانُ الْمِلْكِ لَا الْمَالِكِ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ. (٢٣) قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ دَارِ الْحُرُوبِ إلَخْ. يَعْنِي لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَسَكَنَ فِيهَا سِنِينَ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِ الَّذِي خَلَفَهُ وَفِيمَا اسْتَفَادَ فِيهَا، لَكِنَّهُ يُفْتِي بِالْأَدَاءِ إلَى مَنْ يَسْكُنُ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَإِنْ وَجَدَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. (٢٤) قَوْلُهُ: أَوْ إلَى طَالِبِ عِلْمٍ إلَخْ. أَقُولُ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ نَقْلُهَا إلَى الْمَدْيُونِ وَالْأَوْرَعِ وَالْأَصْلَحِ كَمَا فِي رَمْزِ الْمَقْدِسِيِّ. (٢٥) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ زَكَاةً مُعَجَّلَةً إلَخْ. عَطْفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ: يُكْرَهُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَّا إذَا نَقَلَهَا إلَى قَرَابَتِهِ أَوْ كَانَتْ الزَّكَاةُ الْمَنْقُولَةُ الزَّكَاةَ الْمُعَجَّلَةَ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ بَعَثَهَا إلَى فُقَرَاءِ بَلَدٍ آخَرَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ
(٢٦) قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِأَهْلِ الْبِدَعِ إلَخْ. فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي نَوْعٍ آخَرَ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي الْمَصْرِفِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ: لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الْكَرَّامِيَّةِ لِأَنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُشَبِّهَاتِ فِي الصِّفَاتِ حَالًا مِنْ الْمَرَامِيَّةِ لِأَنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ فِي الصِّفَاتِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ أَيْضًا لِأَنَّ مُفَوِّتٌ الْمَعْرِفَةَ مِنْ
стр. 515
دَفَعَهُمَا لِأُخْتِهِ الْمُتَزَوِّجَةِ إنْ كَانَ زَوْجُهَا مُعْسِرًا جَازَ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَكَانَ مَهْرُهَا أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ قَدْرَهُ لَمْ يَجُزْ وَبِهِ يُفْتَى، وَكَذَا فِي لُزُومِ الْأُضْحِيَّةِ. الْوَلَدُ مِنْ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الزَّانِي فِي شَيْءٍ إلَّا فِي الشَّهَادَةِ، لَا تُقْبَلُ لِلزَّانِي
٢٨ - وَفِي الزَّكَاةِ لَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةٍ إلَى الْوَلَدِ مِنْ الزِّنَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
جِهَةَ الصِّفَةِ مُلْحَقٌ بِمُفَوِّتِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ جِهَةِ الذَّاتِ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِطْلَاقِ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ
قَوْلُهُ: دَفَعَهَا لِأُخْتِهِ الْمُتَزَوِّجَةِ إلَخْ. فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: رَجُلٌ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إلَى أُخْتِهِ وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ إنْ كَانَ مَهْرُهَا مَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ كَانَ أَكْثَرَ لَكِنَّ الْمُعَجَّلَ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَالزَّوْجُ مُعْسِرٌ حَلَّ الدَّفْعُ إلَيْهَا، وَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ لِأَنَّهَا فَقِيرَةٌ قَرِيبَةٌ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُعَجَّلُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا وَالزَّوْجُ مُوسِرٌ فَعِنْدَ الْإِمَامِ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ كَذَلِكَ الْجَوَابُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَحِلُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ قَبْلَ الْقَبْضِ هَلْ يَكُونُ نِصَابًا وَوُجُوبُ الْأُضْحِيَّةِ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَيْهَا. عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (انْتَهَى) .
وَالْبَزَّازِيَّةِ فِي آخِرِ فَصْلِ الْمَصْرِفِ: دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى أُخْتِهِ وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ إنْ كَانَ مَهْرُهَا الْمُعَجَّلُ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ أَوْ أَكْثَرَ لَكِنَّ الزَّوْجَ مُعْسِرٌ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا الزَّكَاةَ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَالْمُعَجَّلُ قَدْرُ النِّصَابِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَبِهِ يُفْتَى لِلِاحْتِيَاطِ. وَعِنْدَ الْإِمَامِ يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَكَذَا فِي لُزُومِ الْأُضْحِيَّةِ (انْتَهَى) .
وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ عَدَمِ بَيَانِ الْخِلَافِ فَأُوهِمَ الِاتِّفَاقُ. وَفِي الْمُلْتَقَطِ: امْرَأَةُ الْغَنِيِّ إذَا لَمْ يُوَسِّعْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا حَلَّ لَهَا الصَّدَقَةُ (انْتَهَى) .
وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَتْ لَا تَمْلِكُ نِصَابًا
(٢٨) قَوْلُهُ: وَفِي الزَّكَاةِ لَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الزَّانِي إلَى الْوَلَدِ مِنْ الزِّنَا إلَخْ. فِي التَّفَارِيقِ نَفَى وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ لَمْ يُعْطِهِ وَفِي طَرِيقَةِ الْغِيَانِيِّ. وَكَذَا الْمَخْلُوقُ مِنْ مَائِهِ بِالزِّنَا. وَفِي جَمْعِ النَّاطِفِيِّ: زُوِّجَتْ امْرَأَةُ الْغَائِبِ فَوَلَدَتْ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: الْأَوْلَادُ مِنْ الْأَوَّلِ وَمَعَ هَذَا يَجُوزُ لِلْأَوَّلِ دَفْعُ الزَّكَاةِ وَيَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ. كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ.
стр. 516
إلَّا إذَا كَانَ مِنْ امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ مَعْرُوفٌ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ
٣٠ - الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ فَتَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْمَالِ بَعْدَ الْحَوْلِ. وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَجَبَتْ بِقُدْرَةٍ مُمْكِنَةٍ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ مِنْ امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ مَعْرُوفٌ إلَخْ. عَلَّلَهُ فِي الْعِمَادِيَّةِ بِأَنَّ نَسَبَهُ تَثْبُتُ مِنْ النَّاكِحِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصَّيْرَفِيَّةِ مَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ حَيْثُ قَالَ: امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِوَلَدٍ مِنْ الزِّنَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الزَّوْجِ لَا مِنْ الزَّانِي فِي الصَّحِيحِ فَلَوْ دَفَعَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ زَكَاةَ مَالِهِ إلَى هَذَا الْوَلَدِ يَجُوزُ وَلَوْ دَفَعَ الزَّانِي لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (انْتَهَى) .
فَقَدْ صَرَّحَ بِعَدَمِ جَوَازِ الدَّفْعِ إلَى وَلَدِهِ مِنْ الزِّنَا وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ مَعْرُوفٌ
(٣٠) قَوْلُهُ: الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ إلَخْ. اعْلَمْ أَنَّ الْقُدْرَة الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا التَّمَكُّنُ لِلْعَبْدِ مِنْ أَدَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ نَوْعَانِ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهَا إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ الْيُسْرُ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فَهُوَ الْمُطْلَقُ وَيُسَمَّى الْقُدْرَةُ الْمُمْكِنَةُ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى مُجَرَّدِ التَّمَكُّنِ وَالِاقْتِدَارِ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ يُسْرٍ، وَذَلِكَ كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فِي الْحَجِّ وَالنِّصَابِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ مَعَهُ الْيُسْرُ فَهُوَ الْكَامِلُ وَيُسَمِّي الْقُدْرَةَ الْمُيَسَّرَةَ كَالنَّمَاءِ فِي الزَّكَاةِ. أَمَّا الْمُطْلَقُ فَهُوَ أَدْنَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ الْمَأْمُورُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ بَدَنِيًّا كَانَ أَوْ مَالِيًّا أَوْ مُرَكَّبًا مِنْهُمَا كَالْحَجِّ، وَالشَّرْطُ تَوَهُّمُهُ لَا حَقِيقَتُهُ، أَيْ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ تَوَهُّمُ مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الْأَدَاءِ لَا الْقُدْرَةُ الْمُحَقِّقَةُ لِلْوُجُودِ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْأَدَاءِ لَا الْقُدْرَةِ الْمُحَقِّقَةِ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُحَقِّقَةٌ وَهِيَ الَّتِي يَصِيرُ الْفِعْلُ بِهَا مُحَقَّقًا وَهِيَ غَيْرُ شَرْطٍ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ بِدُونِ الْفِعْلِ وَالتَّكْلِيفِ قَبْلَهُ وَمُتَوَهَّمَةٌ وَهِيَ كَوْنُهُ بِحَيْثُ لَوْ عَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ لَوَجَدَهُ بِالْقُدْرَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ بِهَا، وَهِيَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا يَكُونُ غَالِبَ الْوُجُودِ ظَاهِرَ التَّحَقُّقِ وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ الْحَقِيقَةِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ لَوْ سَلِمَتْ الْآلَاتُ وَصَحَّتْ الْأَسْبَابُ فَلِذَا فُسِّرَتْ الْقُدْرَةُ الْمُتَوَهَّمَةُ بِهَا، وَهِيَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا يَكُونُ غَالِبَ الْوُجُودِ ظَاهِرَ التَّحَقُّقِ وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ فِي لُزُومِ الْأَدَاءِ بِعَيْنِهِ عَلَى مَعْنًى أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْأَدَاءِ،
стр. 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
كَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ وَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَيْهِمْ وَيَسْتَحِقُّونَ الْإِثْمَ بِتَرْكِ الْأَدَاءِ وَمَا يَكُونُ الْفِعْلُ بِهِ فِي حَيِّزِ الْجَوَازِ عَقْلًا وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّوَادِرِ عَادَةً وَحِسًّا، وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ فِي لُزُومِ الْأَدَاءِ لِخَلَفِهِ الَّذِي وَهِمَ الْقَضَاءَ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ ضِيقٌ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ فِيهِ إلَّا قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ، كَانَ الْأَدَاءُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِخَلَفِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ لِوُجُودِ تَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ بِحُصُولِ الِامْتِدَادِ فِي الْوَقْتِ بِوُقُوفِ الشَّمْسِ إذْ هِيَ فِي حَيِّزِ الْجَوَازِ عَقْلًا، وَلِذَا وَقَعَ لِسُلَيْمَانَ ﵇. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمُتَوَهَّمَةَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ فَأَحَدُ قِسْمَيْهَا لِلُزُومِ الْأَدَاءِ بِعَيْنِهِ وَالْآخَرُ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ بِخَلَفِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا الْكَامِلُ وَهُوَ الْقُدْرَةُ الْمُيَسَّرَةُ لِلْأَدَاءِ فَهُوَ مَا يُوجِبُ يُسْرَ الْأَدَاءِ عَلَى الْعَبْدِ كَالنَّمَاءِ فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ وَفُرِّقَ مَا بَيْنَ الْقُدْرَتَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْعِلَّةِ وَالثَّانِيَةُ شَرْطٌ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ لَيْسَ إلَّا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْوَاجِبِ بِدُونِهِ فَهُوَ لَا يُغَيِّرُ صِفَةَ الْوَاجِبِ فَلَا يُوجَدُ فِيهَا مَعْنَى الْعِلَّةِ فَكَانَتْ شَرْطًا مَحْضًا فَلَمْ يُشْتَرَطْ بَقَاؤُهَا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ، إذَا الْبَقَاءُ غَيْرُ الْوُجُودِ وَشَرْطُ الْوُجُودِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شَرْطَ الْبَقَاءِ كَالشُّهُودِ فِي النِّكَاحِ شَرْطُ الِانْعِقَادِ دُونَ الْبَقَاءِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهَا لَمَّا اُعْتُبِرَتْ لِلتَّيَسُّرِ أَمْكَنَ إثْبَاتُ الْوَاجِبِ بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ صِفَةِ الْعُسْرِ فَإِذَا اُشْتُرِطَ فَكَأَنَّهَا غَيَّرَتْ صِفَةَ الْوَاجِبِ عَنْ الْعُسْرِ إلَى الْيُسْرِ فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ لِتَأْثِيرِهَا فِيهَا فَاشْتُرِطَ دَوَامُهَا لِدَوَامِ الْوَاجِبِ لَا لِمَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ لَكِنْ لِمَعْنَى الْعَلِيَّةِ لِأَنَّ هَذِهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ بَقَاءُ الْحُكْمِ بِدُونِهَا إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْيُسْرُ بِدُونِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ، وَالْوَاجِبُ بِدُونِ صِفَةِ الْيُسْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلِهَذَا اُشْتُرِطَ بَقَاءُ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ دُونَ الْمُمْكِنَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ يَقْتَضِي الْعَكْسَ إذَا الْفِعْلُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِمْكَانِ وَيُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْيُسْرِ وَيَتَفَرَّغُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقُدْرَتَيْنِ أَنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ وَلَوْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِصِفَةِ الْيُسْرِ بِدُونِهِ لِاشْتِرَاطِ النَّمَاءِ فِي وُجُوبِهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لِئَلَّا يُنْتَقَصَ بِهِ أَصْلُ الْمَالِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا، وَلَا يُجَابُ الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ لَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الضَّمَانُ فِي صُورَةِ الِاسْتِهْلَاكِ أَيْضًا لِأَنَّ اشْتِرَاطَ بَقَائِهَا إنَّمَا كَانَ نَظَرًا لِلْمُكَلَّفِ وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِ، فَبِالتَّعَدِّي قَدْ خَرَجَ عَنْ اسْتِحْقَاقِ
стр. 518
فَلَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ لَمْ تَسْقُطْ
٣٢ - أَنْفَقَ عَلَى أَقَارِبِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ جَازَ إلَّا إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِمْ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
النَّظَرِ لَهُ أَوْ يَجْعَلُ الْقُدْرَةَ الْمُيَسَّرَةَ هُنَا بَاقِيَةً تَقْدِيرًا نَظَرًا لِلْفَقِيرِ وَزَجْرًا عَلَى الْمُتَعَدِّي وَرَدًّا لِمَا قَصَدَهُ مِنْ إسْقَاطِ الْوَاجِبِ عَنْ نَفْسِهِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقُدْرَتَيْنِ عَدَمُ وُجُوبِ الْحَجِّ بِفَوَاتِ مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَعَدَمُ سُقُوطِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِهَلَاكِ النِّصَابِ لَا، فَهُمَا يَجِبَانِ بِقُدْرَةٍ مُمْكِنَةٍ.
أَمَّا الْحَجُّ فَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ لَا تَحْصُلُ لِلنَّائِي عَنْ الْكَعْبَةِ إلَّا بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ إذْ بِدُونِهِمَا يَتَحَقَّقُ الْهَلَاكُ غَالِبًا فَاشْتِرَاطُهَا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ السَّفَرِ لَا لِلتَّيَسُّرِ، إذْ الْيُسْرُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَرَاكِبَ وَأَعْوَانٍ وَخَدَمٍ وَلَيْسَتْ شَرْطًا بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فَلِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّمَاءِ فِي النِّصَابِ حَتَّى تَجِبَ بِثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَالْمِحْنَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ حَوَلَانُ الْحَوْلِ. وَالْيُسْرُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْمَالِ النَّامِي كَذَا فِي الْمِرْآةِ شَرْحِ الْمِرْقَاةِ. (٣١) قَوْلُهُ: فَلَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ لَمْ تَسْقُطْ إلَخْ. هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ. قَالَ فِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ: وَإِنْ أَخَّرُوهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ. وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَا لِأَنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ مَالِيَّةٌ لَا تَسْقُطُ بَعْدَ الْوُجُوبِ إلَّا بِالْأَدَاءِ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ. كَالزَّكَاةِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّهَا تَكُونُ قُرْبَةً فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ. وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِالْمَالِ فَهُوَ قُرْبَةٌ فِي الْأَمَاكِنِ أَجْمَعَ (انْتَهَى) .
وَمُرَادُهُ بِالزَّكَاةِ الْمُشَبَّهُ بِهَا مَا دَامَ الْمَالُ بَاقِيًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَتَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْمَالِ بَعْدَ الْحَوْلِ؛ يَعْنِي سَوَاءٌ تَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ أَوْ لَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَلَمْ يُؤَدِّ ضَمِنَ، لِتَقَرُّرِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِالتَّمَكُّنِ فَلَمْ يَبْرَأْ بِعَجْزِهِ بَعْدَهُ كَمَا فِي دُيُونِ الْعِبَادِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْحَجِّ، كَمَنْ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ. وَلَنَا أَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ الْوُجُوبَ بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ وَكُلُّ مَا عُلِّقَ بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ لَا يَبْقَى بِدُونِهَا
(٣٢) قَوْلُهُ: أَنْفَقَ عَلَى أَقَارِبِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ جَازَ إلَخْ. فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: رَجُلٌ يَعُولُ أُخْتَهُ أَوْ أَخَاهُ أَوْ عَمَّهُ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الزَّكَاةَ فَإِنْ لَمْ يَفْرِضْ الْقَاضِي عَلَيْهِ النَّفَقَةَ جَازَ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِصِفَةِ الْقُرْبَةِ يَتَحَقَّقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَتَحَقَّقُ رُكْنُ الزَّكَاةِ، وَإِنْ فَرَضَ لِزَمَانِهِ إنْ لَمْ يَحْتَسِبْ مِنْ نَفَقَتِهِمْ جَازَ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَسِبُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا أَدَاءُ
стр. 519
وَتَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمَنْ لَهُ غَلَّةُ عَقَارٍ لَا تَكْفِيهِ وَعِيَالُهُ سَنَةً، وَمَنْ مَعَهُ أَلْفٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا كُرِهَ لَهُ الْأَخْذُ وَأَجْزَأَ الدَّافِعَ، وَلَوْ لَهُ قُوتُ سَنَةٍ يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ كِسْوَةً شَتْوِيَّةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الصَّيْفِ، فَالصَّحِيحُ حِلُّ الْأَخْذِ
٣٤ - عَجَّلَهَا عَنْ نِصَابِهِ عِنْدَهُ فَتَمَّ الْحَوْلُ وَعِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْ النِّصَابِ؛ إنْ دَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ لَا يَسْتَرِدُّهَا مُطْلَقًا، وَإِلَى السَّاعِي يَسْتَرِدُّهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَإِنْ قَسَمَهَا السَّاعِي بَيْنَ الْفُقَرَاءِ ضَمِنَهَا مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْوَاجِبِ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ (انْتَهَى) .
وَفِي جَامِعِ الْبَزَّازِيِّ: قَضَى بِنَفَقَةِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَكَسَاهُ وَأَطْعَمَهُ يَنْوِي بِهِ الزَّكَاةَ صَحَّ عِنْدَ الْقَانِيِّ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ لَهُ أَخٌ قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِ فَكَسَاهُ وَأَطْعَمَهُ يَنْوِي بِهِ الزَّكَاةَ يَجُوزُ فِي الْكِسْوَةِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْإِطْعَامِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِطْعَامِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (انْتَهَى) .
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعُولُ صَبِيًّا يَتِيمًا فَجَعَلَ يَكْسُوهُ وَيُطْعِمُهُ وَيَدُهُ بِيَدِهِ وَيَحْتَسِبُ عِنْدَهُ مَا يَأْكُلُ عِنْدَ زَمَنِ الزَّكَاةِ لَا شَكَّ أَنَّ الْكِسْوَةَ تَجُوزُ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ مَا هُوَ الزَّكَاةُ وَهُوَ التَّمْلِيكُ يَتَحَقَّقُ فِيهَا، وَفِي الْمُلْتَقَطِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَأَمَّا الطَّعَامُ فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ يَجُوزُ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا: وَمَا يَأْكُلُهُ مَعَهُ بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ وَالتَّمْكِينِ فَعَلَى قَوْلِ الثَّانِي يَجُوزُ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ أَيْضًا، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْمُلْتَقَطِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي الطَّعَامِ دُونَ الْكِسْوَةِ فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِمُوَافَقَتِهِ الْمُتُونِ. (٣٣) قَوْلُهُ: وَتَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمَنْ لَهُ غَلَّةُ عَقَارٍ لَا تَكْفِيهِ وَعِيَالِهِ سَنَةً إلَخْ. فِي الْبَزَّازِيَّةِ: لَهُ غَلَّةُ دَارٍ لَا يَسْكُنُهَا وَيُؤَاجِرُهَا أَوَّلًا، أَوْ يَسْكُنُ بَعْضَهَا وَفَضْلُ الْبَاقِي عَنْ السُّكْنَى وَهُوَ يَبْلُغُ نِصَابًا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا النِّصَابِ لُزُومُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَحُرْمَةِ أَخْذِ الزَّكَاةِ
(٣٤) قَوْلُهُ: عَجَّلَهَا عَنْ نِصَابِهِ عِنْدَهُ إلَخْ. أَيْ عَجَّلَ الشَّاةَ عَنْ أَرْبَعِينَ وَتَمَّ الْحَوْلُ
стр. 520
وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ حَمْلِ السَّوَائِمِ بَعْدَ وُجُودِهِ جَازَ لَا قَبْلَهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَعِنْدَهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ، إنْ دَفَعَهَا لِلْفُقَرَاءِ لَا يَسْتَرِدُّهَا مُطْلَقًا؛ يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مَا دَفَعَهُ قَائِمًا فِي يَدِ الْفَقِيرِ أَوْ غَيْرَ قَائِمٍ، وَإِنَّمَا لَا يَسْتَرِدُّهَا لِأَنَّهَا وَقَعَتْ نَفْلًا. وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى السَّاعِي اسْتَرَدَّهَا إنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ قَائِمًا وَإِنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ غَيْرَ قَائِمٍ بِأَنْ قَسَّمَهَا السَّاعِي بَيْنَ الْفُقَرَاءِ ضَمِنَهَا مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ آخَرَ فَصْلِ زَكَاةِ الْغَنَمِ: إنَّ الْأَفْضَلَ لِصَاحِبِ الْمَالِ عَدَمُ التَّعْجِيلِ لِلِاخْتِلَافِ فِي التَّعْجِيلِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ: وَلَمْ أَرَهُ (انْتَهَى) .
أَقُولُ قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ إفْرَادِ هَذَا الْأَصْلِ وَيَكْفِي فِي دَعْوَى الْأَفْضَلِيَّةِ دُخُولُهَا تَحْتَ هَذَا الْأَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَيْهَا بِخُصُوصِهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا ادِّعَاءَ لِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَهُ. (٣٥) قَوْلُهُ: وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ حَمْلِ السَّوَائِمِ بَعْدَ وُجُودِهِ جَازَ لَا قَبْلَهُ إلَخْ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ الْحَوَامِلِ فَعَجَّلَ شَاتَيْنِ عَنْهَا وَعَمَّا فِي بُطُونِهَا ثُمَّ نَتَجَتْ خَمْسًا قَبْلَ الْحَوْلِ أَجْزَأَهُ عَمَّا عَجَّلَ، وَإِنْ عَجَّلَ عَمَّا تَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجُوزُ (انْتَهَى) .
لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَجَّلَ عَمَّا يَحْمِلُهُ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ يُوجَدْ الْمُعَجَّلُ عَنْهُ فِي سَنَةِ التَّعْجِيلِ وَهُوَ شَرْطٌ وَفُقِدَ الشَّرْطُ فَلَمْ يَجُزْ عَمَّا تَحْمِلُهُ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ نَفْيِ الْجَوَازِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْجَوَازِ مُطْلَقًا لِظُهُورِ أَنَّهُ يَقَعُ عَمَّا فِي مِلْكِهِ وَقْتَ التَّعْجِيلِ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي، فَهُوَ تَعْجِيلُ زَكَاةِ مَا فِي مِلْكِهِ لِسَنَتَيْنِ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ سُودٍ فَعَجَّلَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ عَنْ الْبِيضِ فَهَلَكَتْ الْبِيضُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي السُّودِ وَيَكُونُ الْمُخْرَجُ عَنْهَا. وَكَذَا عَكْسُهُ وَكَذَا لَوْ عَجَّلَ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَلَهُ دَرَاهِمُ ثُمَّ هَلَكَتْ الدَّنَانِيرُ كَانَ مَا عَجَّلَ عَنْ الدَّرَاهِمِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ. وَكَذَا عَكْسُهُ قَيَّدْنَا بِالْهَلَاكِ لِأَنَّهُ لَوْ عَجَّلَ عَنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمَالَ الَّذِي عَجَّلَ عَنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَكُنْ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْبَاقِي. وَكَذَا لَوْ اسْتَحَقَّ بَعْدَ الْحَوْلِ، لِأَنَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ عَجَّلَ عَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ فَيَبْطُلُ تَعْجِيلُهُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ لِلْمُصَنَّفِ ﵀ -
стр. 521
وَفِي الْمُلْتَقَطِ مِنْ الْإِجَارَةِ: الْمُعَلِّمُ إذَا أَعْطَى خَلِيفَتَهُ شَيْئًا نَاوِيًا الزَّكَاةَ؛ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَعْمَلُ لَهُ لَوْ لَمْ يُعْطِهِ يَصِحُّ عَنْهَا وَإِلَّا فَلَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَفِي الْمُلْتَقَطِ مِنْ الْإِجَارَةِ إلَخْ. عِبَارَةُ الْمُلْتَقَطِ: خَلِيفَةُ الْمَكْتَبِ إذَا أَعْطَاهُ الْمُعَلِّمُ شَيْئًا بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ يَجُوزُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ لَهُ فِي مَكْتَبِهِ لَا يَجُوزُ انْتَهَى
стр. 522
كِتَابُ الصَّوْمِ ١ - نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ فَأَكَلَ لِعُذْرٍ يَفْدِي لِمَا أَكَلَ. نَذَرَ صَوْمَ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ ٢ - فَقَدِمَ بَعْدَ مَا نَوَاهُ تَطَوُّعًا يَنْوِيهِ عَنْ النَّذْرِ
٣ - لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ عَنْ كُلِّ صَوْمٍ وَجَبَ بِإِيجَابِهَا لَا عَنْ صَوْمٍ وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى،
ــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الصَّوْمِ]
قَوْلُهُ: نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ فَأَكَلَ إلَخْ. فِي الْمُنْتَقَى: نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَبَدًا فَضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ، لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لِعُسْرَتِهِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. (٢) قَوْلُهُ: فَقَدِمَ بَعْدَ مَا نَوَاهُ تَطَوُّعًا يَنُوبُ عَنْ النَّذْرِ إلَخْ. يَعْنِي إذَا كَانَ قُدُومُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَا، لِفَوَاتِ وَقْتِ النِّيَّةِ. قُلْت: وَحَيْثُ تَعَذَّرَ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ النَّذْرِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمُ يَوْمٍ آخَرَ أَمْ لَا؟ هَكَذَا تَرَدَّدْت ثُمَّ رَأَيْت الْمُصَنِّفَ ﵀ فِي الْبَحْرِ ذَكَرَ مَا نَصُّهُ: لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ أَبَدًا فَقَدِمَ لَيْلًا لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا هُوَ يَخْتَصُّ بِالنَّهَارِ كَالصَّوْمِ يُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ الْوَقْتُ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ الصَّوْمَ وَهُوَ النَّهَارُ، وَلَوْ قَدِمَ يَوْمًا قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَأْكُلْ، صَامَهُ وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَكَلَ فِيهِ أَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَأْكُلْ فِيهِ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَصُومُ يَوْمَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُضَافَ إلَى الْوَقْتِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَقْتِ كَالْمُرْسَلِ وَلَوْ أَرْسَلَ كَانَ الْجَوَابُ هَكَذَا (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يُعْلَمُ جَوَابُ مَا تَرَدَّدْت فِيهِ
(٣) قَوْلُهُ: لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ عَنْ كُلِّ صَوْمٍ وَجَبَ بِإِيجَابِهَا إلَخْ. أَقُولُ أَوْ كَذَا لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا عَنْ الْحَجِّ الْمَنْذُورِ لِأَنَّ وُجُوبَهُ عَلَيْهَا كَانَ بِالْتِزَامِهَا فَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَصَارَ نَفْلًا فِي حَقِّهِ فَجَازَ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ. كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَلَكِيِّ.
стр. 523
وَتَوَقَّفَ الْمَشَايِخُ فِي مَنْعِهَا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ
٥ - قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ﵏ لَا بَأْسَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُهُمْ وَيَعْتَمِدُ عَلَى قَوْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَرَدَّهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ ﵀ بِالْحَدِيثِ ٦ - «مَنْ صَدَّقَ كَاهِنًا أَوْ مُنَجِّمًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ» . نِيَّةُ الصَّوْمِ فِي الصَّلَاةِ صَحِيحَةٌ وَلَا تُفْسِدُهَا.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ الْمَشَايِخُ فِي مَنْعِهَا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَخْ. وَجْهُ عَدَمِ الْمَنْعِ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِمَا وَجَبَ بِهِ الْأَدَاءُ لَا بِنَصٍّ جَدِيدٍ وَهُوَ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِلْقَضَاءِ بِخُصُوصِهِ فَلَهُ مَنْعُهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا
(٥) قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا بَأْسَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ إلَخْ. فِي الْقُنْيَةِ: الشَّرْطُ عِنْدَنَا فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَلَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ. وَفِي التَّهْذِيبِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀: لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُنَجِّمِ فِي حِسَابِهِ لَا فِي الصَّوْمِ وَلَا فِي الْإِفْطَارِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُنَجِّمِ أَنْ يَعْمَلَ بِحِسَابِ نَفْسِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: فَإِذَا اتَّفَقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ إلَّا النَّادِرُ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا اعْتِمَادَ عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ فِي هَذَا. (٦) قَوْلُهُ: مَنْ صَدَّقَ كَاهِنًا أَوْ مُنَجِّمًا إلَخْ. قِيلَ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَصْدِيقَهُمَا فِيمَا يُخْبِرَانِ عَنْ الْحَوَادِثِ وَالْكَوَائِنِ مِمَّا زَعَمَ مِنْ الِاجْتِمَاعَاتِ وَالِاتِّصَالَاتِ الْعُلْوِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى حَوَادِثَ مُعَيَّنَةٍ وَكَوَائِنَ مَخْصُوصَةٍ فِي الْعَالَمِ، وَهَذَا يُسَمَّى عِلْمَ الْأَحْكَامِ وَحُكْمُهُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ ادَّعَوْا الْجَزْمَ بِمَا كَفَرَ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْحِسَابِ مِثْلُ ظُهُورِ الْهِلَالِ فِي الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ وَوُقُوعِ الْخُسُوفِ اللَّيْلَةَ الْفُلَانِيَّةَ فَإِنَّهَا أُمُورٌ حِسَابِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَرْصَادٍ وَاقِعَةٍ فَلَا تَدْخُلُ فِي نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيُؤَيِّدُهُ مَا يُجَوِّزُونَهُ مِنْ تَعْلِيمِ قَدْرِ مَا تُعْلَمُ بِهِ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ وَالْقِبْلَةِ
стр. 524
إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مَا يَتَغَذَّى بِهِ أَوْ يَتَدَاوَى بِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا؛ ٨ - إلَّا الدَّمَ إذَا شَرِبَهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فَإِنَّهُ طَعَامٌ لِبَعْضِ النَّاسِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مَا يَتَغَذَّى بِهِ إلَخْ. الْمَسْأَلَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا لِيُخْرِجَ بِهِ النَّاسِ وَالْمُخْطِئُ وَالْمُكْرَهُ، وَمُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ مَا يُسْقِطُهَا كَمَا لَوْ مَرِضَتْ فِي يَوْمِ الْجِمَاعِ أَوْ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ، خِلَافًا لِزُفَرَ كَذَا لَوْ مَرِضَ هُوَ فِي الْأَصَحِّ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَا لَوْ مَرِضَ بِجَرْحِ نَفْسِهِ وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ سُقُوطِهَا كَمَا لَوْ سَافَرَ مُكْرَهًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَلَى عَدَمِ سُقُوطِهَا فِيمَا لَوْ سَافَرَ طَائِعًا بَعْدَ مَا أَفْطَرَ مَا سَافَرَ لَمْ تَجِبْ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ. وَفِي النَّوَادِرِ إنْ نَوَى مِنْ النَّهَارِ ثُمَّ أَكَلَ لَمْ يُكَفِّرْ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ. كَمَا فِي الْكَشْفِ، وَلَوْ أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ ثُمَّ أَكَلَ لَمْ يُكَفِّرْ عِنْدَهُ وَكَفَّرَ عِنْدَهُمَا. وَلَوْ أَكَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا كَفَّارَةَ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا فِي النَّظْمِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ الْفِطْرَ بِالْجِمَاعِ وَقَدْ ذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ فِي الْكَنْزِ فَقَالَ: وَمَنْ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ غِذَاءً أَوْ دَوَاءً عَمْدًا قَضَى وَكَفَّرَ. قَالَ الْحَدَّادِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى التَّغَذِّي فَقِيلَ: هُوَ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ وَتَنْقَضِي بِهِ شَهْوَةُ الْبَطْنِ. وَقِيلَ: هُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى إصْلَاحِ الْبَدَنِ. وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ ابْتَلَعَ لُقْمَةً أَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ يَجِبُ عَلَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ أَنَّ مَا يَعُودُ إلَى إصْلَاحِ الْبَدَنِ يَشْمَلُ الدَّوَاءَ، فَلَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ جَامِعًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ: وَلَا يَكُونُ دَوَاءً. وَمِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى الْخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِلْعِيَافَةِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ إنْ كَانَ جَيَّبَهُ تَجِبُ. قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: لِوُجُودِ مَعْنَى صَلَاحِ الْبَدَنِ فِيهِ. وَجَزَمَ بِهِ الْعَلَّامَةُ النَّسَفِيُّ فِي الْكَنْزِ فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ (٨) قَوْلُهُ: إلَّا الدَّمَ إذَا شَرِبَهُ إلَخْ. فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ أَكَلَ دَمًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ دُونَ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسْتَقْذِرُهُ الطَّبْعُ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يَعُمُّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَالْأَكْلُ فِي عِبَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالشُّرْبُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لَا مَفْهُومَ لَهُ
стр. 525
الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ١٠ - إلَّا إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ١١ - أَوْ كَانَ لَهُ رُفْقَةٌ اشْتَرَكُوا مَعَهُ فِي الزَّادِ وَاخْتَارُوا الْفِطْرَ
١٢ - صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ مَكْرُوهٌ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ. لِأَنَّ الصَّوْمَ عَزِيمَةٌ وَالتَّأْخِيرَ رُخْصَةٌ وَالْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ أَفْضَلُ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ نَظَرٌ، لِلْحَدِيثِ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» أَقُولُ: الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ الصَّوْمُ وَيُضْعِفُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى رَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ فَقَالَ ﵇ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» . (١٠) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُجْهِدَهُ الصَّوْمُ وَيُضْعِفَهُ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا فِي النَّهْرِ، وَإِنَّمَا كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلِأَنَّ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْوَقْتَيْنِ فَكَانَ الْأَدَاءُ فِيهِ أَوْلَى وَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا الْقَصْرُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَأْثَمَ بِالْإِتْمَامِ لِأَنَّ الْقَصْرَ هُوَ الْعَزِيمَةُ، وَتَسْمِيَتُهُمْ لَهُ رُخْصَةً إسْقَاطُ مَجَازٍ وَقَوْلُ صَاحِبِ الْبِنَايَةِ: إنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ. (١١) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ لَهُ رُفْقَةٌ اشْتَرَكُوا مَعَهُ فِي الزَّادِ وَاخْتَارُوا الْفِطْرَ إلَخْ. أَيْ اخْتَارَ كُلُّهُمْ أَوْ عَامَّتُهُمْ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمَالِ كَضَرَرِ الْبَدَنِ
(١٢) قَوْلُهُ: صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ مَكْرُوهٌ إلَخْ. الشَّكُّ اسْتِوَاءُ طَرَفَيْ الْإِدْرَاكِ مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَمُوجِبُهُ هُنَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَغُمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ رَمَضَانَ أَوْ هِلَالُ شَعْبَانَ وَأَكْمَلْت عِدَّتَهُ وَلَمْ يَرَ هِلَالَ رَمَضَانَ لِأَنَّ الشَّهْرَ لَيْسَ الظَّاهِرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثِينَ بَلْ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ كَمَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ؛ تَسْتَوِي هَاتَانِ الْحَالَتَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ فِي الشَّهْرِ فَاسْتَوَى الْحَالُ حِينَئِذٍ فِي الثَّلَاثِينَ أَنَّهُ مِنْ الْمُنْسَلِخِ أَوْ مِنْ الْمُسْتَهِلِّ إذَا كَانَ غِيمَ فَيَكُونُ مَشْكُوكًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُسْتَهِلَّ لَرُئِيَ عِنْدَ التَّرَائِي، فَلَمَّا لَمْ يُرَ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُنْسَلِخَ ثَلَاثُونَ فَيَكُونُ هَذَا الْيَوْمُ مِنْهُ غَيْرَ مَشْكُوكٍ فِي ذَلِكَ. كَذَا ذَكَرُوا. وَلَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ كَوْنَهُ ثَلَاثِينَ هُوَ الْأَصْلُ
стр. 526
إلَّا إذَا نَوَى تَطَوُّعًا ١٤ - أَوْ وَاجِبًا آخَرَ عَلَى الصَّحِيحِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَالنُّقْصَانُ عَارِضٌ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي أَفْطَرَ رَمَضَانَ قَضَاءُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إذَا لَمْ يَعْلَمْ صَوْمَ أَهْلِ بَلَدِهِ فَلَوْ كَانَ عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَلْزَمْ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ ظُهُورَ كَوْنِهِ كَامِلًا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الصَّحْوِ أَمَّا عِنْدَ الْغَيْمِ فَلَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: إلَّا أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ الصَّحْوُ وَالْغَيْمُ عَارِضٌ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ. وَهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا التَّسَاوِيَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْغَيْمِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ دَعْوَى أَنَّ الْأَصْلَ الصَّحْوُ مُطْلَقًا مَمْنُوعَةٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الزَّمَانُ صَيْفًا أَوْ رَبِيعًا فَالْأَصْلُ الصَّحْوُ وَالْغَيْمُ عَارِضٌ، وَإِنْ كَانَ شِتَاءً أَوْ خَرِيفًا فَالْأَصْلُ الْغَيْمُ وَالصَّحْوُ عَارِضٌ، خُصُوصًا فِي الْبِلَادِ الرُّومِيَّةِ وَمَا لَحِقَ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَقَوْلُهُ: مَكْرُوهٌ، يَعْنِي تَحْرِيمًا إنْ جَزَمَ بِكَوْنِهِ مِنْ رَمَضَانَ لِلتَّشْبِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِي صَوْمِهِمْ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ التَّقَدُّمِ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَإِنْ جُزِمَ بِكَوْنِهِ عَنْ وَاجِبٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ الَّتِي مَرْجِعُهَا خِلَافُ الْأُولَى، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّقَدُّمِ خَاصٌّ بِصَوْمِ رَمَضَانَ لَكِنْ كُرِهَ لِصُورَةِ النَّهْيِ الْمَحْمُولِ عَلَى رَمَضَانَ، فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا وَإِلَّا أَجْزَأَهُ عَنْ الَّذِي نَوَاهُ كَمَا لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى الْأَصَحِّ. (١٣) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا نَوَى تَطَوُّعًا إلَخْ. يَعْنِي فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا اتِّفَاقًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي اسْتِحْبَابِهِ إنْ لَمْ يُوَافِقْ صَوْمَهُ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَلَوَّمَ وَلَا يَأْكُلَ وَلَا يَنْوِيَ الصَّوْمَ مَا لَمْ يَتَقَارَبْ انْتِصَافُ النَّهَارِ، فَإِنْ تَقَارَبَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: الْأَفْضَلُ صَوْمُهُ وَقِيلَ: فِطْرُهُ. وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ أَنْ يَصُومُوا تَطَوُّعًا وَيُفْتُوا بِذَلِكَ خَاصَّتَهُمْ وَيُفْتُوا الْعَامَّةَ بِالْإِفْطَارِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو النَّصْرِ يَقُولَانِ: الْفِطْرُ أَحْوَطُ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ، لَوْ أَفْطَرَ وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّوْمِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ وَيَأْثَمُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ.
(١٤) قَوْلُهُ: أَوْ وَاجِبًا آخَرَ عَلَى الصَّحِيحِ. يَعْنِي فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ التَّهْذِيبِ: إنَّ صَوْمَ الشَّكِّ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ غَيْرِهِ مَكْرُوهٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَا هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي بَحْرِهِ، مِنْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَفَّقَ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُنَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَحِينَئِذٍ لَا مُخَالَفَةَ.
стр. 527
وَالْأَفْضَلُ فِطْرُهُ إلَّا إذَا وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ ١٦ - أَوْ كَانَ مُفْتِيًا
١٧ - لَا يَصُومُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى
١٨ - لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ فِطْرُهُ. إلَّا إذَا وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ إلَخْ. فَيَكُونُ الصَّوْمُ مُسْتَحَبًّا وَيُجْزِيهِ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْإِفْسَادِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَظْنُونِ، وَتَفْسِيرُ الْمُوَافَقَةِ أَنَّهُ كَانَ يُعْتَادُ صِيَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْخَمِيسِ أَوْ الِاثْنَيْنِ فَوَافَقَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ. وَكَذَا إذَا صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ الْأَخِيرَ أَوْ عَشَرَةً مِنْ آخِرِهِ أَوْ ثَلَاثَةً مِنْ آخِرِهِ، وَهَذَا لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَتَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ» . (١٦) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مُفْتِيًا إلَخْ. الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصُومُ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَبْطِ نَفْسِهِ عَنْ الِاضْطِجَاعِ فِي النِّيَّةِ وَمُلَاحَظَةُ كَوْنِهِ عَنْ الْفَرْضِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، وَلِهَذَا قَالُوا وَيُفْتُونَ بِالصَّوْمِ خَاصَّتَهُمْ، وَأَمَّا إذَا رُدِّدَ فَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهَا كَأَنْ يَنْوِي أَنْ يَصُومَ غَدًا عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِصَائِمٍ. وَهَذِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْزِمَ لَيْلَةَ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَيْسَ بِصَائِمٍ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا (انْتَهَى) .
وَإِنْ رُدِّدَ فِي صِفَتِهَا فَلَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا مَا إذَا نَوَى أَنْ يَصُومَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ غَدًا مِنْهُ وَإِلَّا فَعَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْإِفْسَادِ وَلَا يَكُونُ عَنْ الْوَاجِبِ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ وَالثَّانِيَةُ إذَا نَوَى أَنْ يَصُومَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْهُ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْإِفْسَادِ لِدُخُولِ الْإِسْقَاطِ فِي عَزِيمَتِهِ مِنْ وَجْهٍ
(١٧) قَوْلُهُ: لَا يَصُومُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى. يَعْنِي أَنَّ صَوْمَ هَؤُلَاءِ مَكْرُوهٌ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يُفَطِّرَهُمْ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ
(١٨) قَوْلُهُ: لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ إلَخْ. فَإِنْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ
стр. 528
أَوْ كَانَ مُسَافِرًا. لَا يَصُومُ الْأَجِيرُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ
٢٠ - لَا يَلْزَمُ النَّذْرُ إلَّا إذَا كَانَ طَاعَةً وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
ــ
[غمز عيون البصائر]
كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يُفَطِّرَهَا، قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَيُكْرَهُ لِلْعَبْدِ وَلِلْأَجِيرِ وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ يَتَطَوَّعُوا بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ. فِيهِ، وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ لَهُ أَنْ يُفَطِّرَهُ (انْتَهَى) .
قَيَّدَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ: الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ بِمَا إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَضُرُّ بِالزَّوْجِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ بِأَنْ كَانَ صَائِمًا أَوْ مَرِيضًا فَإِنَّ لَهَا الصَّوْمَ وَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَلَوْ مُدَبَّرًا وَالْأَمَةِ وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ، فَلَيْسَ لَهُمْ التَّطَوُّعُ بِلَا إذْنٍ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمْ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَا يَصُومُ الْمَمْلُوكُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا وَلَا ضَرَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَفِيهَا: لَوْ أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا. وَكَذَا الْأَجِيرُ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِالْخِدْمَةِ وَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: وَإِطْلَاقُ الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ أَظْهَرُ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَضُرُّ بِبَدَنِ الْمَرْأَةِ وَيُهْزِلُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا. وَمَنَافِعُ الْعَبْدِ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى وَلَوْ كَانَ غَائِبًا. قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّ إحَالَةَ الْمَنْعِ عَلَى الضَّرَرِ وَعَدَمَهُ عَلَى عَدَمِهِ أَوْلَى لِلْقَطْعِ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ لَا يُهْزِلُهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْعُهُ مِنْ وَطْئِهَا، وَذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ، فَإِذَا انْتَفَى بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا جَازَ انْتَهَى.
أَقُولُ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُفَصَّلَ، فَيُقَالُ: إنْ صَامَتْ يَوْمًا وَاحِدًا لَا يُكْرَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا وَإِنْ صَامَتْ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ يُكْرَهُ وَلَهُ مَنْعُهَا. (١٩) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مُسَافِرًا. عَطْفٌ عَلَى سَابِقِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ إلَّا إذَا أَذِنَ لَهَا أَوْ كَانَ مُسَافِرًا
(٢٠) قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُهُ النَّذْرُ إلَّا إذَا كَانَ طَاعَةً إلَخْ. أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الْفَتْحِ. كَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِالثَّالِثِ إذْ قَوْلُهُمْ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ، يُفِيدُ أَنَّ الْمَنْذُورَ غَيْرُ الْوَاجِبِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لَا وَسِيلَةً فَلَا يَصِحُّ بِالْوُضُوءِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ: وَمِنْهُ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَحِيلَ الْكَوْنِ فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَمْسِ أَوْ اعْتِكَافَ شَهْرٍ مَضَى لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ شُرُوطِ
стр. 529
وَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ عَلَى التَّعْيِينِ
٢٢ - فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِالْمَعَاصِي وَلَا بِالْوَاجِبَاتِ؛ فَلَوْ نَذَرَ حَجَّةَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
النَّذْرِ إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرِدَ النَّذْرُ بِالْحَجِّ مَاشِيًا وَالِاعْتِكَافُ وَإِعْتَاقُ الرَّقَبَةِ، فَإِنَّ النَّذْرَ بِهَا صَحِيحٌ مَعَ أَنَّ الْحَجَّ بِصِفَةِ الْمَشْيِ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَكَذَا الِاعْتِكَافُ وَكَذَا نَفْسُ الْإِعْتَاقِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ مُوجِبٍ لَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ إنَّمَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهَا وَاجِبٌ، أَمَّا الْحَجُّ فَلِمَا صَرَّحَ الشَّارِحُ بِهِ مِنْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُ لَا تُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِمْ الرَّاحِلَةُ بَلْ يَجِبُ الْمَشْيُ عَلَى الْقَادِرِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَلِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ وَهِيَ لُبْثٌ كَالِاعْتِكَافِ، وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الْإِعْتَاقُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَلَيْسَ بِمُرَادٍ. كَذَا فِي الْبَحْرِ وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ جِنْسَ الْوَاجِبِ فِي الِاعْتِكَافِ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لِأَنَّ الْجِنْسَ وَاللُّبْثَ وُقُوفٌ. كَذَا فِي النَّهْرِ.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: نَذْرُ الْوَقْفِ يَصِحُّ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ وَمَا قِيلَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ وَهُوَ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ. كَمَا فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَصِحَّ وَقْفُهُ بَلْ ذَلِكَ إرْصَادٌ وَالْإِرْصَادُ غَيْرُ الْوَقْفِ. (٢١) قَوْلُهُ: وَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ عَلَى التَّعْيِينِ إلَخْ. أَقُولُ: أَوْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى وَاجِبٍ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الِاعْتِكَافُ بِالنَّذْرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا يَصِحُّ كَالِاعْتِكَافِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا تَكَلَّفَ مِنْ الْجَوَابِ بِأَنَّ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا وَهُوَ اللُّبْثُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ الْوُقُوفُ أَوْ اللُّبْثُ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لَكِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبِ وَهُوَ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ شَرْطُ صِحَّتِهِ، إذَا كَانَ مَنْذُورًا وَقَوْلُهُ عَلَى التَّعْيِينِ يُنْظَرُ مَا الْمُرَادُ بِهِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَيْنًا لَا كِفَايَةً أَوْ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا غَيْرَ مُخَيَّرٍ فِيهِ وَيُحَرَّرُ ذَلِكَ
(٢٢) قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِالْمَعَاصِي إلَخْ. هَذَا بِظَاهِرِهِ مُضَادٌّ لِقَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ كَوْنُ الْمَعْصِيَةِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ كَالنَّذْرِ بِالزِّنَا وَشُرْبِ
стр. 530
الْإِسْلَامِ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةَ سُنَّةٍ وَعَنَى الْفَرَائِضَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَنَى مِثْلَهَا لَزِمَتْهُ وَيُكْمِلُ الْمَغْرِبَ
٢٣ - وَلَوْ نَذَرَ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ لَمْ تَلْزَمْهُ فِي الْمَشْهُورِ
٢٤ - وَلَوْ نَذَرَ التَّسْبِيحَاتِ دُبُرَ الصَّلَاةِ لَمْ تَلْزَمْهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْخَمْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ لَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ النَّذْرِ بِالطَّاعَةِ حَيْثُ لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا بِالنِّيَّةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ فَلَوْ فَعَلَ الْمَعْصِيَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا انْحَلَّتْ وَأَثِمَ. وَأَمَّا نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ فَصَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْضِي وَذَلِكَ أَنَّهُ نَذْرٌ بِصَوْمٍ مَشْرُوعٍ وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرُوِيَ الثَّانِي عَنْ الْإِمَامِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ ﵀ كَذَا فِي النَّهْرِ
(٢٣) قَوْلُهُ: وَلَوْ نَذَرَ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ لَمْ تَلْزَمْهُ فِي الْمَشْهُورِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: ثُمَّ النَّذْرُ إنَّمَا يَصِحُّ بِمَا كَانَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً وَلَا يَصِحُّ بِمَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، وَمَا فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ بِنَفْسِهَا كَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ: إنْ نَذَرَ أَنْ يَعُودَ مَرِيضًا الْيَوْمَ يَصِحُّ نَذْرُهُ وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعُودَ فُلَانًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ قُرْبَةٌ شَرْعًا وَعِيَادَةُ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ مَقْصُودًا لِلنَّذْرِ بَلْ مُرَاعَاةَ حَقِّ فُلَانٍ يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعُ الْجِنَازَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَالْمَقْصُودُ حَقُّ الْمَرِيضِ وَالْمَيِّتِ، وَالنَّذْرُ بِنَذْرِهِ إنَّمَا يَلْتَزِمُ مَا كَانَ حَقُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى مَقْصُودًا انْتَهَى.
وَفِي الشَّكْوَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، فَقَالَ صَاحِبُ الْإِظْهَارِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْعِيَادَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَرَضُ مَخُوفًا كَالصُّدَاعِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ حَتَّى يَجُوزَ بِذَلِكَ أَجْرُهَا وَيُحْنَثَ بِهِ فِي الْيَمِينِ وَيَبْرَأَ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ. كَذَا فِي مَجْمُوعَةِ الْعُلُومِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْهَرَوِيِّ حَفِيدِ الْمَوْلَى سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيِّ
(٢٤) قَوْلُهُ: وَلَوْ نَذَرَ التَّسْبِيحَاتِ دُبُرَ الصَّلَاةِ لَمْ تَلْزَمْهُ. تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ
следующие страницы →