Полный текст (1 695 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
إلَّا إذَا نَوَى تَطَوُّعًا ١٤ - أَوْ وَاجِبًا آخَرَ عَلَى الصَّحِيحِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَالنُّقْصَانُ عَارِضٌ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي أَفْطَرَ رَمَضَانَ قَضَاءُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إذَا لَمْ يَعْلَمْ صَوْمَ أَهْلِ بَلَدِهِ فَلَوْ كَانَ عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَلْزَمْ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ ظُهُورَ كَوْنِهِ كَامِلًا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الصَّحْوِ أَمَّا عِنْدَ الْغَيْمِ فَلَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: إلَّا أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ الصَّحْوُ وَالْغَيْمُ عَارِضٌ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ. وَهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا التَّسَاوِيَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْغَيْمِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ دَعْوَى أَنَّ الْأَصْلَ الصَّحْوُ مُطْلَقًا مَمْنُوعَةٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الزَّمَانُ صَيْفًا أَوْ رَبِيعًا فَالْأَصْلُ الصَّحْوُ وَالْغَيْمُ عَارِضٌ، وَإِنْ كَانَ شِتَاءً أَوْ خَرِيفًا فَالْأَصْلُ الْغَيْمُ وَالصَّحْوُ عَارِضٌ، خُصُوصًا فِي الْبِلَادِ الرُّومِيَّةِ وَمَا لَحِقَ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَقَوْلُهُ: مَكْرُوهٌ، يَعْنِي تَحْرِيمًا إنْ جَزَمَ بِكَوْنِهِ مِنْ رَمَضَانَ لِلتَّشْبِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِي صَوْمِهِمْ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ التَّقَدُّمِ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَإِنْ جُزِمَ بِكَوْنِهِ عَنْ وَاجِبٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ الَّتِي مَرْجِعُهَا خِلَافُ الْأُولَى، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّقَدُّمِ خَاصٌّ بِصَوْمِ رَمَضَانَ لَكِنْ كُرِهَ لِصُورَةِ النَّهْيِ الْمَحْمُولِ عَلَى رَمَضَانَ، فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا وَإِلَّا أَجْزَأَهُ عَنْ الَّذِي نَوَاهُ كَمَا لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى الْأَصَحِّ. (١٣) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا نَوَى تَطَوُّعًا إلَخْ. يَعْنِي فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا اتِّفَاقًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي اسْتِحْبَابِهِ إنْ لَمْ يُوَافِقْ صَوْمَهُ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَلَوَّمَ وَلَا يَأْكُلَ وَلَا يَنْوِيَ الصَّوْمَ مَا لَمْ يَتَقَارَبْ انْتِصَافُ النَّهَارِ، فَإِنْ تَقَارَبَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: الْأَفْضَلُ صَوْمُهُ وَقِيلَ: فِطْرُهُ. وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ أَنْ يَصُومُوا تَطَوُّعًا وَيُفْتُوا بِذَلِكَ خَاصَّتَهُمْ وَيُفْتُوا الْعَامَّةَ بِالْإِفْطَارِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو النَّصْرِ يَقُولَانِ: الْفِطْرُ أَحْوَطُ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ، لَوْ أَفْطَرَ وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّوْمِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ وَيَأْثَمُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ.
(١٤) قَوْلُهُ: أَوْ وَاجِبًا آخَرَ عَلَى الصَّحِيحِ. يَعْنِي فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ التَّهْذِيبِ: إنَّ صَوْمَ الشَّكِّ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ غَيْرِهِ مَكْرُوهٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَا هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي بَحْرِهِ، مِنْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَفَّقَ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُنَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَحِينَئِذٍ لَا مُخَالَفَةَ.
стр. 527
وَالْأَفْضَلُ فِطْرُهُ إلَّا إذَا وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ ١٦ - أَوْ كَانَ مُفْتِيًا
١٧ - لَا يَصُومُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى
١٨ - لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ فِطْرُهُ. إلَّا إذَا وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ إلَخْ. فَيَكُونُ الصَّوْمُ مُسْتَحَبًّا وَيُجْزِيهِ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْإِفْسَادِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَظْنُونِ، وَتَفْسِيرُ الْمُوَافَقَةِ أَنَّهُ كَانَ يُعْتَادُ صِيَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْخَمِيسِ أَوْ الِاثْنَيْنِ فَوَافَقَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ. وَكَذَا إذَا صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ الْأَخِيرَ أَوْ عَشَرَةً مِنْ آخِرِهِ أَوْ ثَلَاثَةً مِنْ آخِرِهِ، وَهَذَا لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَتَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ» . (١٦) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مُفْتِيًا إلَخْ. الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصُومُ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَبْطِ نَفْسِهِ عَنْ الِاضْطِجَاعِ فِي النِّيَّةِ وَمُلَاحَظَةُ كَوْنِهِ عَنْ الْفَرْضِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، وَلِهَذَا قَالُوا وَيُفْتُونَ بِالصَّوْمِ خَاصَّتَهُمْ، وَأَمَّا إذَا رُدِّدَ فَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهَا كَأَنْ يَنْوِي أَنْ يَصُومَ غَدًا عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِصَائِمٍ. وَهَذِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْزِمَ لَيْلَةَ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَيْسَ بِصَائِمٍ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا (انْتَهَى) .
وَإِنْ رُدِّدَ فِي صِفَتِهَا فَلَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا مَا إذَا نَوَى أَنْ يَصُومَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ غَدًا مِنْهُ وَإِلَّا فَعَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَكْرُوهَيْنِ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْإِفْسَادِ وَلَا يَكُونُ عَنْ الْوَاجِبِ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ وَالثَّانِيَةُ إذَا نَوَى أَنْ يَصُومَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْهُ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْإِفْسَادِ لِدُخُولِ الْإِسْقَاطِ فِي عَزِيمَتِهِ مِنْ وَجْهٍ
(١٧) قَوْلُهُ: لَا يَصُومُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى. يَعْنِي أَنَّ صَوْمَ هَؤُلَاءِ مَكْرُوهٌ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يُفَطِّرَهُمْ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ
(١٨) قَوْلُهُ: لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ إلَخْ. فَإِنْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ
стр. 528
أَوْ كَانَ مُسَافِرًا. لَا يَصُومُ الْأَجِيرُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ
٢٠ - لَا يَلْزَمُ النَّذْرُ إلَّا إذَا كَانَ طَاعَةً وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
ــ
[غمز عيون البصائر]
كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يُفَطِّرَهَا، قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَيُكْرَهُ لِلْعَبْدِ وَلِلْأَجِيرِ وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ يَتَطَوَّعُوا بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ. فِيهِ، وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ لَهُ أَنْ يُفَطِّرَهُ (انْتَهَى) .
قَيَّدَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ: الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ بِمَا إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَضُرُّ بِالزَّوْجِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ بِأَنْ كَانَ صَائِمًا أَوْ مَرِيضًا فَإِنَّ لَهَا الصَّوْمَ وَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَلَوْ مُدَبَّرًا وَالْأَمَةِ وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ، فَلَيْسَ لَهُمْ التَّطَوُّعُ بِلَا إذْنٍ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمْ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَا يَصُومُ الْمَمْلُوكُ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا وَلَا ضَرَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَفِيهَا: لَوْ أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا. وَكَذَا الْأَجِيرُ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِالْخِدْمَةِ وَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: وَإِطْلَاقُ الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ أَظْهَرُ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَضُرُّ بِبَدَنِ الْمَرْأَةِ وَيُهْزِلُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا. وَمَنَافِعُ الْعَبْدِ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى وَلَوْ كَانَ غَائِبًا. قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّ إحَالَةَ الْمَنْعِ عَلَى الضَّرَرِ وَعَدَمَهُ عَلَى عَدَمِهِ أَوْلَى لِلْقَطْعِ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ لَا يُهْزِلُهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْعُهُ مِنْ وَطْئِهَا، وَذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ، فَإِذَا انْتَفَى بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا جَازَ انْتَهَى.
أَقُولُ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُفَصَّلَ، فَيُقَالُ: إنْ صَامَتْ يَوْمًا وَاحِدًا لَا يُكْرَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا وَإِنْ صَامَتْ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ يُكْرَهُ وَلَهُ مَنْعُهَا. (١٩) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مُسَافِرًا. عَطْفٌ عَلَى سَابِقِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ إلَّا إذَا أَذِنَ لَهَا أَوْ كَانَ مُسَافِرًا
(٢٠) قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُهُ النَّذْرُ إلَّا إذَا كَانَ طَاعَةً إلَخْ. أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الْفَتْحِ. كَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِالثَّالِثِ إذْ قَوْلُهُمْ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ، يُفِيدُ أَنَّ الْمَنْذُورَ غَيْرُ الْوَاجِبِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لَا وَسِيلَةً فَلَا يَصِحُّ بِالْوُضُوءِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ: وَمِنْهُ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَحِيلَ الْكَوْنِ فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَمْسِ أَوْ اعْتِكَافَ شَهْرٍ مَضَى لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ شُرُوطِ
стр. 529
وَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ عَلَى التَّعْيِينِ
٢٢ - فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِالْمَعَاصِي وَلَا بِالْوَاجِبَاتِ؛ فَلَوْ نَذَرَ حَجَّةَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
النَّذْرِ إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرِدَ النَّذْرُ بِالْحَجِّ مَاشِيًا وَالِاعْتِكَافُ وَإِعْتَاقُ الرَّقَبَةِ، فَإِنَّ النَّذْرَ بِهَا صَحِيحٌ مَعَ أَنَّ الْحَجَّ بِصِفَةِ الْمَشْيِ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَكَذَا الِاعْتِكَافُ وَكَذَا نَفْسُ الْإِعْتَاقِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ مُوجِبٍ لَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ إنَّمَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهَا وَاجِبٌ، أَمَّا الْحَجُّ فَلِمَا صَرَّحَ الشَّارِحُ بِهِ مِنْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُ لَا تُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِمْ الرَّاحِلَةُ بَلْ يَجِبُ الْمَشْيُ عَلَى الْقَادِرِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَلِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ وَهِيَ لُبْثٌ كَالِاعْتِكَافِ، وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الْإِعْتَاقُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَلَيْسَ بِمُرَادٍ. كَذَا فِي الْبَحْرِ وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ جِنْسَ الْوَاجِبِ فِي الِاعْتِكَافِ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لِأَنَّ الْجِنْسَ وَاللُّبْثَ وُقُوفٌ. كَذَا فِي النَّهْرِ.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: نَذْرُ الْوَقْفِ يَصِحُّ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ وَمَا قِيلَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ وَهُوَ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ. كَمَا فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَصِحَّ وَقْفُهُ بَلْ ذَلِكَ إرْصَادٌ وَالْإِرْصَادُ غَيْرُ الْوَقْفِ. (٢١) قَوْلُهُ: وَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ عَلَى التَّعْيِينِ إلَخْ. أَقُولُ: أَوْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى وَاجِبٍ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الِاعْتِكَافُ بِالنَّذْرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا يَصِحُّ كَالِاعْتِكَافِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا تَكَلَّفَ مِنْ الْجَوَابِ بِأَنَّ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا وَهُوَ اللُّبْثُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ الْوُقُوفُ أَوْ اللُّبْثُ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لَكِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبِ وَهُوَ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ شَرْطُ صِحَّتِهِ، إذَا كَانَ مَنْذُورًا وَقَوْلُهُ عَلَى التَّعْيِينِ يُنْظَرُ مَا الْمُرَادُ بِهِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَيْنًا لَا كِفَايَةً أَوْ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا غَيْرَ مُخَيَّرٍ فِيهِ وَيُحَرَّرُ ذَلِكَ
(٢٢) قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِالْمَعَاصِي إلَخْ. هَذَا بِظَاهِرِهِ مُضَادٌّ لِقَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ كَوْنُ الْمَعْصِيَةِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ كَالنَّذْرِ بِالزِّنَا وَشُرْبِ
стр. 530
الْإِسْلَامِ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةَ سُنَّةٍ وَعَنَى الْفَرَائِضَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَنَى مِثْلَهَا لَزِمَتْهُ وَيُكْمِلُ الْمَغْرِبَ
٢٣ - وَلَوْ نَذَرَ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ لَمْ تَلْزَمْهُ فِي الْمَشْهُورِ
٢٤ - وَلَوْ نَذَرَ التَّسْبِيحَاتِ دُبُرَ الصَّلَاةِ لَمْ تَلْزَمْهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْخَمْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ لَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ النَّذْرِ بِالطَّاعَةِ حَيْثُ لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا بِالنِّيَّةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ فَلَوْ فَعَلَ الْمَعْصِيَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا انْحَلَّتْ وَأَثِمَ. وَأَمَّا نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ فَصَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْضِي وَذَلِكَ أَنَّهُ نَذْرٌ بِصَوْمٍ مَشْرُوعٍ وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرُوِيَ الثَّانِي عَنْ الْإِمَامِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ ﵀ كَذَا فِي النَّهْرِ
(٢٣) قَوْلُهُ: وَلَوْ نَذَرَ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ لَمْ تَلْزَمْهُ فِي الْمَشْهُورِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: ثُمَّ النَّذْرُ إنَّمَا يَصِحُّ بِمَا كَانَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً وَلَا يَصِحُّ بِمَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، وَمَا فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ بِنَفْسِهَا كَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ: إنْ نَذَرَ أَنْ يَعُودَ مَرِيضًا الْيَوْمَ يَصِحُّ نَذْرُهُ وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعُودَ فُلَانًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ قُرْبَةٌ شَرْعًا وَعِيَادَةُ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ مَقْصُودًا لِلنَّذْرِ بَلْ مُرَاعَاةَ حَقِّ فُلَانٍ يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعُ الْجِنَازَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَالْمَقْصُودُ حَقُّ الْمَرِيضِ وَالْمَيِّتِ، وَالنَّذْرُ بِنَذْرِهِ إنَّمَا يَلْتَزِمُ مَا كَانَ حَقُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى مَقْصُودًا انْتَهَى.
وَفِي الشَّكْوَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، فَقَالَ صَاحِبُ الْإِظْهَارِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْعِيَادَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَرَضُ مَخُوفًا كَالصُّدَاعِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ حَتَّى يَجُوزَ بِذَلِكَ أَجْرُهَا وَيُحْنَثَ بِهِ فِي الْيَمِينِ وَيَبْرَأَ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ. كَذَا فِي مَجْمُوعَةِ الْعُلُومِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْهَرَوِيِّ حَفِيدِ الْمَوْلَى سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيِّ
(٢٤) قَوْلُهُ: وَلَوْ نَذَرَ التَّسْبِيحَاتِ دُبُرَ الصَّلَاةِ لَمْ تَلْزَمْهُ. تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ
стр. 531
الزَّوْجُ إذَا أَذِنَ لِزَوْجَتِهِ بِالِاعْتِكَافِ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، مَوْلَى الْأَمَةِ يَصِحُّ رُجُوعُهُ
٢٦ - وَيُكْرَهُ. إذَا دَعَاهُ وَاحِدُ مِنْ إخْوَانِهِ وَهُوَ صَائِمٌ لَا يُكْرَهُ لَهُ الْفِطْرُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: الزَّوْجُ إذَا أَذِنَ لِزَوْجَتِهِ بِالِاعْتِكَافِ إلَخْ. فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَا بَأْسَ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَالْمَرْأَةِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لَحِقَهُمَا وَكَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا، فَإِنْ مَنَعَهَا لَا يَصِحُّ مَنْعُهُ أَيَّامًا وَلَكِنَّ الْمَوْلَى يَكُونُ مُسِيئًا بِالْمَنْعِ بَعْدَ الْإِذْنِ لِجَوَازِ الْمَنْعِ وَالنَّهْيِ فِي الْعَبْدِ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَلَمْ يَجُزْ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ. وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهَا فَقَدْ مَلَّكَهَا مَنْفَعَةَ نَفْسِهَا فَتَمَلَّكَتْ فَلَا يَصِحُّ مَنْعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَمْلُوكِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّمَلُّكِ فَصَحَّ نَهْيُهُ. وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِدُونِ إذْنِ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا يَدًا بِالْكِتَابَةِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى مَنْعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ وَلَوْ رَدَّهُ رَادٌّ مِنْ هَذَا السَّفَرِ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ وَلَوْ غَصَبَ غَاصِبٌ لَا يَضْمَنُ وَلَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ صَغِيرًا
(٢٦) قَوْلُهُ: يُكْرَهُ إذَا دَعَاهُ وَاحِدٌ مِنْ إخْوَانِهِ إلَخْ. قَالَ فِي التَّنْوِيرِ: وَلَا يُفْطِرُ فِي صَوْمِ النَّفْلِ بِلَا عُذْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ وَالضِّيَافَةُ عُذْرٌ إنْ كَانَ صَاحِبُهَا لَا يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ وَيَتَأَذَّى بِتَرْكِ الْإِفْطَارِ (انْتَهَى) .
وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ. لَكِنَّ رِوَايَةَ الْفِطْرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَرْجَحُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ وَلِهَذَا اخْتَارَهَا الْمُحَقِّقُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ إنَّ الْأَدِلَّةَ تَضَافَرَتْ عَلَيْهَا ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هَلْ الضِّيَافَةُ عُذْرٌ أَوْ لَا؟ قِيلَ: نَعَمْ وَقِيلَ: لَا. وَقِيلَ: عُذْرٌ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا بَعْدَهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي عَدَمِ الْفِطْرِ بَعْدَهُ حُقُوقٌ لِأَحَدِ الْوَالِدَيْنِ لَا غَيْرِهِمَا، حَتَّى لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لِيُفْطِرْنَ لَا يُفْطِرُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ يُفْطِرُ. كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَلَمْ يُصَحِّحْ شَيْئًا كَمَا تَرَى فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالُوا: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ مِمَّنْ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ وَلَا يَتَأَذَّى بِتَرْكِ الْإِفْطَارِ لَا يُفْطِرُ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ إنْ كَانَ يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ
стр. 532
إلَّا إذَا كَانَ صَائِمًا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ
٢٨ - سَافَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ لِحَاجَةٍ نَسِيَهَا فَأَكَلَ عِنْدَهُمْ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْقَضَاءَ يُفْطِرُ دَفْعًا لِلْأَذَى عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ لَا يَثِقُ لَا يُفْطِرُ، وَإِنْ كَانَ فِي تَرْكِ الْإِفْطَارِ أَذَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (انْتَهَى) .
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ إنْ لَمْ يُفْطِرْ إنْ نَفْلًا أَفْطَرَ، وَإِنْ قَضَاءً لَا. وَالِاعْتِمَادُ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ فِيهِمَا وَلَا يُحْنِثُهُ. وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الضِّيَافَةَ عُذْرٌ فِي التَّطَوُّعِ تَكُونُ عُذْرًا فِي حَقِّ الضَّيْفِ وَالْمُضِيفِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُهُسْتَانِيُّ: لَكِنْ لَمْ تُوجَدْ رِوَايَةُ الْمُضِيفِ وَالْإِخْوَانُ جَمْعُ أَخٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ أُخُوَّةِ الْقَرَابَةِ بَلْ مَا هُوَ أَعَمُّ لِيَشْمَلَ أُخُوَّةَ الصَّدَاقَةِ. وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ مِنْ الْخَلَلِ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْ الصَّوْمَ بِالنَّفْلِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْفِطْرَ بِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ. (٢٧) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ صَائِمًا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ. أَيْ فَيُكْرَهُ لَهُ الْفِطْرُ لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ رَمَضَانَ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. وَلِهَذَا لَا يُفْطِرُ لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ لِيُفْطِرْنَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَظَاهِرُ اقْتِصَارِهِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ قَضَاءِ رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْفِطْرُ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، وَالنَّذْرِ بَعْدَ الضِّيَافَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُهُسْتَانِيُّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيُفْطِرُ النَّفَلَ بِعُذْرِ ضِيَافَةٍ وَفِي الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي غَيْرِ النَّفْلِ لَا يُفْطِرُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ فِي صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ يُفْطِرُ انْتَهَى.
وَحَيْثُ مَشَى الْمُصَنِّفُ ﵀ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَثْنِيَ قَضَاءَ رَمَضَانَ لِأَنَّ فِيهِ يُفْطِرُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ
(٢٨) قَوْلُهُ: سَافَرَ فِي رَمَضَانَ إلَخْ. فِي الْخَانِيَّةِ: الْمُسَافِرُ إذَا تَذَكَّرَ شَيْئًا قَدْ نَسِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَدَخَلَ فَأَفْطَرَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ قِيَاسًا لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عِنْدَ الْأَكْلِ، حَيْثُ رَفَضَ سَفَرَهُ بِالْعَوْدِ إلَى مَنْزِلِهِ، وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: فَتُزَادُ هَذِهِ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي قُدِّمَ فِيهَا الْقِيَاسُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ. وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ أَرَادَ الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ فِي مِصْرَ أَوْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي الْيَوْمِ الْمُبِيحِ وَهُوَ السَّفَرُ وَالْمُحَرِّمُ وَهُوَ الْإِقَامَةُ فَرَجَّحْنَا الْمُحَرِّمَ احْتِيَاطًا
стр. 533
رَأَى صَائِمًا يَأْكُلُ نَاسِيًا يُخْبِرُهُ إلَّا إذَا كَانَ يَضْعُفُ عَنْهُ
٣٠ - الْمُسَافِرُ يُعْطِي صَدَقَةَ فِطْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ هُوَ، وَيَكْتُبُ إلَى أَهْلِهِ يُعْطُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ حَيْثُ هُمْ، وَإِنْ أَعْطَى عَنْهُمْ فِي مَوْضِعِهِ جَازَ
قَالَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ ﵀:
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: رَأَى صَائِمًا يَأْكُلُ نَاسِيًا يُخْبِرُهُ إلَخْ. فِي الْخَانِيَّةِ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الرَّابِعِ: هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ؟ قَالُوا: إنْ كَانَ شَابًّا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْمَامِ يُخْبِرُهُ، يَعْنِي وُجُوبًا، وَإِنْ كَانَ شَيْخًا ضَعِيفًا لَا يُخْبِرُهُ، لِأَنَّ الشَّيْخَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْمَامِ فَيَتْرُكُهُ حَتَّى يَأْكُلَ ثُمَّ يُخْبِرَهُ (انْتَهَى) .
وَفِيهَا النَّائِمُ إذَا شَرِبَ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَلَيْسَ هُوَ كَالنَّاسِي، لِأَنَّ النَّائِمَ ذَاهِبُ الْعَقْلِ إذَا ذَبَحَ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ مَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ إذْ الْمُفْسِدُ وُجِدَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لَا عَنْ قَصْدٍ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ حُكْمَ النَّاسِي ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ قَاضِي خَانْ أَنَّ شُرْبَ النَّائِمِ مُفْسِدٌ اتِّفَاقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ زُفَرُ. وَقَالَ: لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ قِيَاسًا عَلَى النَّاسِي، كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَلَكِيِّ، قُيِّدَ بِالنَّاسِي لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. وَحَقِيقَةُ الْخَطَأِ أَنْ يُقْصَدَ بِالْفِعْلِ غَيْرُ الْمَحَلِّ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْجَنَابَةُ أَوْ الْمَضْمَضَةُ تَسْرِي إلَى الْحَلْقِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ صُورَةِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ هُنَا أَنَّ الْمُخْطِئَ ذَاكِرٌ لِلصَّوْمِ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلشُّرْبِ، وَالنَّاسِي عَكْسُهُ كَذَا فِي الْبَيَانِيَّةِ وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِلصَّوْمِ وَغَيْرَ قَاصِدٍ لِلشُّرْبِ لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ النَّاسِي هُنَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْخَطَأِ جَائِزَةٌ عِنْدَكَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ
(٣٠) قَوْلُهُ: الْمُسَافِرُ يُعْطِي صَدَقَةَ فِطْرِهِ عَنْ نَفْسِهِ إلَخْ. قَدْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقِيلَ: الْمُعْتَبَرُ مَكَانُ الرَّأْسِ الْمُخَرَّجُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مُرَاعَاةً لِإِيجَابِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ وُجُودِ سَبَبِهِ. كَذَا فِي الْفَتْحِ وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ يُؤَدِّي حَيْثُ هُوَ وَلَا يُعْتَبَرُ مَكَانَ الرَّأْسِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْعَدُّ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ. وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا يُوَافِقُ تَصْحِيحَ الْمُحِيطِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَأَمَّا فِي زَكَاةِ الْمَالِ فَالْمُعْتَبَرُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فِي الرِّوَايَاتُ كُلِّهَا
стр. 534
إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ بِالْهِلَالِ فَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَمْ يُفْطِرُوا حَتَّى يَصُومُوا يَوْمًا آخَرَ
٣٢ - رَمَضَانُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
(٣١) قَوْلُهُ: إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ بِالْهِلَالِ إلَخْ. فِي الذَّخِيرَةِ: الْوَاحِدُ إذَا شَهِدَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ عِنْدَ الْقَاضِي وَقَبِلَ شَهَادَتَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ فَلَمَّا أَتَمُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا غَمَّ هِلَالُ شَوَّالٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَصُومُونَ مِنْ الْغَدِ وَإِنْ كَانَ يَوْمَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ يَعْنِي لِكَوْنِهِ خُرُوجًا مِنْ عِبَادَةٍ فَيُحْتَاطُ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُفْطِرُونَ. وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: هَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا لَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَغَيِّمَةً فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا إذَا شَهِدَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ شَاهِدَانِ وَالسَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةٌ وَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَتُهُمَا وَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ إنْ كَانَتْ مُتَغَيِّمَةً يُفْطِرُونَ مِنْ الْغَدِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ مُصْحِيَةً فَكَذَلِكَ يُفْطِرُونَ. إلَيْهِ أَشَارَ الْقُدُورِيُّ وَالْمُنْتَقَى. وَقِيلَ فِي فَوَائِدِ السُّغْدِيِّ: إنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (انْتَهَى) .
وَفِي النَّهْرِ سُئِلَ عَنْهُ مُحَمَّدٌ فَقَالَ: يَثْبُتُ الْفِطْرُ بِحُكْمِ الْقَاضِي لَا بِقَوْلِ الْوَاحِدِ. وَفِي الْبَيَانِيَّةِ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَصَحُّ. قَالَ الشَّارِحُ: وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَا يُفْطِرُونَ لِظُهُورِ الْغَلَطِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَغَيِّمَةً يُفْطِرُونَ لِعَدَمِ ظُهُورِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ بِرَجُلَيْنِ أَفْطَرُوا وَعَنْ الصَّفَدِيِّ لَا. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَوْ قِيلَ إنْ قَبِلَهُمَا فِي الصَّحْوِ وَلَا يُفْطِرُونَ وَفِي الْغَيْمِ أَفْطَرُوا لَا يَبْعُدُ
(٣٢) قَوْلُهُ: رَمَضَانُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ. يَعْنِي إذَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ فَصَامَ شَهْرًا قَدْ حَلَّ رَمَضَانُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ، أَمَّا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ فَلَا. لِعَدَمِ تَعَيُّنِ صَوْمِهِ عَلَيْهِ، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذَفَ الشَّهْرَ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَدْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهِ شَرْعًا وَأَمَّا حُكْمُ ذَلِكَ لُغَةً فَقَالَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ: فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ وَافِي الْوَافِيَاتِ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَدْ كَتَبُوا بَعْضَ الشُّهُورِ بِشَهْرِ كَذَا وَبَعْضَهُمْ لَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ شَهْرًا وَطَلَبْت الْخَاصَّةَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ أَجِدْهُمْ أَتَوْا بِشَهْرٍ إلَّا مَعَ شَهْرٍ أَوَّلُهُ يَكُونُ حَرْفَ رَاءٍ وَهُوَ شَهْرُ رَبِيعٍ وَشَهْرُ رَجَبٍ وَشَهْرُ رَمَضَانَ وَلَمْ أَدْرِ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ مَا هِيَ، وَلَا وَجْهَ الْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْذِفَ لَفْظَ شَهْرٍ مِنْ هَذِهِ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي ذَلِكَ رَاءَانِ انْتَهَى.
أَقُولُ قَدْ تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ فَقِيلَ فِي الْكِتَابِ الْمُتَمِّمِ:
стр. 535
لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَجْنُونَةِ وَالْعَاقِلَةِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِجِمَاعِهِمَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
الشُّهُورُ كُلُّهَا مُذَكَّرَةٌ إلَّا جُمَادَى وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا يُضَافُ إلَيْهِ شَهْرٌ إلَّا شَهْرَ رَبِيعٍ وَشَهْرَ رَمَضَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ الرَّاعِي (ع) شَهْرُ رَبِيعٍ مَا يُدَوَّنُ لِيَوْمِهِمْ. فَمَا كَانَ مِنْ أَسْمَائِهَا اسْمًا بِشَهْرٍ أَوْ صِفَةً قَامَتْ مَقَامَ الِاسْمِ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ الشَّهْرُ إلَيْهِ وَلَا يُذْكَرَ مَعَهُ كَالْمُحْرِمِ إنَّمَا مَعْنَاهُ الشَّهْرُ الْمُحَرَّمُ وَهُوَ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَكَصَفَرٍ وَهُوَ اسْمُ مَعْرِفَةٍ كَزَيْدٍ مِنْ قَوْلِهِمْ صَفَرَ الْإِنَاءُ إذَا خَلَا، وَجُمَادَى مَعْرِفَةٌ وَلَيْسَتْ بِصِفَةٍ وَهِيَ مِنْ جُمُودِ الْمَاءِ، وَرَجَبٌ وَهُوَ اسْمُ مَعْرِفَةٍ مُصَلٍّ صَفَرَ مِنْ قَوْلِهِمْ رَجَبْت الشَّيْءَ عَظَّمْته بِأَنَّهُ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَشَعْبَانُ صِفَةٌ بِمَنْزِلَةِ عَطْشَانَ مِنْ التَّشَعُّبِ وَالتَّفَرُّقِ وَشَوَّالٌ صِفَةٌ جَرَتْ مَجْرَى الِاسْمِ وَصَارَتْ مَعْرِفَةً وَفِيهِ تَشُولُ الْإِبِلُ، وَذُو الْقَعْدَةِ صِفَةٌ قَامَتْ مَقَامَ الشَّهْرِ مِنْ الْقُعُودِ عَنْ التَّصَرُّفِ، كَقَوْلِكَ: هَذَا الرَّجُلُ ذُو الْجِلْسَةِ فَإِذَا حَذَفْت الرَّجُلَ قُلْت ذُو الْجِلْسَةِ وَذُو الْحِجَّةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَجِّ وَأَمَّا الرَّبِيعَانِ وَرَمَضَانُ فَلَيْسَتْ بِأَسْمَاءٍ لِلشُّهُورِ وَلَا صِفَاتٍ لَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إضَافَةِ شَهْرٍ كَقَوْلِك شَهْرُ رَبِيعٍ وَشَهْرُ رَمَضَانَ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يَظْهَرُ لَكَ عِلَّةُ ذِكْرِ الشَّهْرِ مَعَ رَمَضَانَ وَالرَّبِيعَيْنِ وَإِنَّ ذِكْرَ الشَّهْرِ لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَهَا، وَإِنَّ ذِكْرَ الشَّهْرِ مَعَ رَجَبٍ خَطَأٌ وَإِنَّ الصَّفَدِيَّ قَدْ وُهِمَ فِي عَدِّ رَجَبٍ فِيمَا يُضَافُ إلَيْهِ الشَّهْرُ وَإِنَّ ابْنَ هِشَامٍ قَدْ وُهِمَ فِي جَعْلِ ذِكْرِ الشَّهْرِ مَعَهَا جَائِزًا لَا لَازِمًا كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْ قَالَ:
إنْ حَادِيَ عِشْرِينَ شَهْرُ جُمَادَى ... فِي كَلَامِ الشُّهُودِ لَحْنٌ قَبِيحُ
ذَكَرُوا الشَّهْرَ وَهُوَ مَعَ رَمَضَانَ ... وَالرَّبِيعَيْنِ غَيْرَ ذَا لَمْ يُبِيحُوا
وَتَعُدُّوا فِي حَذْفِ وَاوِ وَثَبَاتُ ... النُّونِ وَالْعَكْسُ حُكْمٌ صَحِيحُ
قَالَ ذَاكَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ هِشَامٍ ... جَادَ مَثْوَاهُ صَوْبَ غَيْثٍ فَسِيحِ
(٣٣) قَوْلُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَجْنُونَةِ وَالْعَاقِلَةِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ إلَخْ. أَيْ عَلَى الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْغَيْرِ الْمُكْرَهِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَكَانَ الْإِمَامُ يَقُولُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ انْتِشَارَ آلَتِهِ إمَارَةُ الِاخْتِيَارِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ انْتِشَارَ آلَتِهِ غَيْرُ مُفْسِدٍ وَإِنَّمَا فَسَدَ صَوْمُهُ بِالْإِيلَاجِ وَهُوَ كَانَ مُكْرَهًا فِيهِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَلَكِيِّ
стр. 536
الْجِمَاعُ فِي الدُّبُرِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ اتِّفَاقًا عَلَى الْأَصَحِّ. الْخَبَّازُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يَصِلُ بِهِ إلَى الضَّعْفِ؛ فَيَخْبِزُ نِصْفَ النَّهَارِ وَيَسْتَرِيحُ الْبَاقِيَ، وَقَوْلُهُ لَا يَكْفِينِي كَذِبٌ وَهُوَ بَاطِلٌ بِأَقْصَرَ مِنْ أَيَّامِ الشِّتَاءِ
٣٥ - ظَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَأَكَلَ فَإِذَا هُوَ طَالِعٌ، الْأَصَحُّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ. ضَمَانُ الْفِعْلِ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْفَاعِلِ، وَضَمَانُ الْمَحَلِّ لَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَأَمَّا هِيَ فَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً غَيْرَ مُكْرَهَةٍ فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ مَجْنُونَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا
(٣٤) قَوْلُهُ: الْجِمَاعُ فِي الدُّبُرِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ اتِّفَاقًا عَلَى الْأَصَحِّ إلَخْ. مُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الدُّبُرِ اعْتِبَارًا لَهُ بِالْحَدِّ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا الْفِعْلَ جِنَايَةً كَامِلَةً فِي إيجَابِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي تُنْدَرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَصَحِّ وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْجِنَايَةَ مُتَكَامِلَةٌ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ. وَإِنَّمَا يَدَّعِي أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ النُّقْصَانَ فِي مَعْنَى الزِّنَا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْصُلُ بِهِ إفْسَادُ الْفِرَاشِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ. وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: الصَّائِمُ إذَا عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بِالزِّنَا إنَّمَا تَجِبُ لِأَنَّهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ عَلَى الْكَمَالِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي اللِّوَاطَةِ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ. أَمَّا الْحَدُّ إنَّمَا وَجَبَ بِالزِّنَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ هُنَا وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا يَجِبُ الْحَدُّ وَالْكَفَّارَةُ انْتَهَى
(٣٥) قَوْلُهُ: ظَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَأَكَلَ إلَخْ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقُنْيَةِ وَعِبَارَتُهَا: ظَنَّ أَنَّ الْفَجْرَ طَالِعٌ فَأَكَلَ وَكَانَ كَمَا ظَنَّ كَفَّرَ. وَقِيلَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْأَصَحُّ (انْتَهَى) .
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ هُنَا، مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَأَكَلَ مَعَ ذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ صِحَّةَ ظَنِّهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْأَصْلِ فَلَمْ تَكْمُلْ الْجِنَايَةُ (انْتَهَى) .
وَفِي لَفْظِ الْمُصَنِّفِ ﵀ إشَارَةٌ إلَى تَجْوِيزِ التَّسَحُّرِ وَالْإِفْطَارِ بِالتَّحَرِّي. وَقِيلَ: لَا يُتَحَرَّى فِي الْإِفْطَارِ وَإِلَى أَنَّهُ شَكَّ فِي الْفَجْرِ فَأَكَلَ لَمْ
стр. 537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
يَفْسُدُ صَوْمُهُ لَكِنَّ تَرْكَهُ مُسْتَحَبٌّ، أَمَّا لَوْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ فَفِي الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِلَى أَنَّهُ يَتَسَحَّرُ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا بِصَوْتِ الطَّبْلِ وَاخْتُلِفَ فِي الدِّيكِ. وَأَمَّا الْإِفْطَارُ فَلَا يَجُوزُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ بَلْ بِالْمُثَنَّى، وَظَاهِرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ عَدْلًا صَدَّقَهُ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ أَهْلُ الرُّسْتَاقِ بِصَوْتِ الطَّبْلِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ ظَانِّينَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ وَهُوَ لِغَيْرِهِ لَمْ يُكَفِّرُوا كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ
стр. 538
كِتَابُ الْحَجِّ ضَمَانُ الْفِعْلِ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْفَاعِلِ وَضَمَانُ الْمَحَلِّ لَا ١ - فَلَوْ اشْتَرَكَ مُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ، وَلَوْ حَلَّا لِأَنَّ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ لَا ٢ - كَضَمَانِ حُقُوقِ الْعِبَادِ
٣ - جَامَعَ مِرَارًا فَعَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ دَمٌ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْحَجِّ]
قَوْلُهُ: فَلَوْ اشْتَرَكَ الْمُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ إلَخْ. تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَصْلِ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَهُ بِالْفَاءِ. وَوَجْهُ التَّفْرِيعِ الضَّمَانُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ جَزَاءَ الْفِعْلِ وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ، وَفِي صَيْدِ الْحَرَمِ جَزَاءُ الْمَحَلِّ وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ كَرَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلًا يَجِبُ عَلَيْهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَحَلِّ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ لِأَنَّهَا جَزَاءُ الْفِعْلِ. (٢) قَوْلُهُ: كَضَمَانِ حُقُوقِ الْعِبَادِ تَنْظِيرٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا قَتَلَ رَجُلَانِ رَجُلًا وَقَدْ بَيَّنَّاهُ قَرِيبًا
(٣) قَوْلُهُ: جَامَعَ مِرَارًا فَعَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ دَمٌ إلَخْ. أَيْ ذَبْحُ شَاةٍ أَطْلَقَ فِي الْجِمَاعِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ، كَقَوْلِهِمَا لِكَمَالِ الْجِنَايَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَمَا إذَا أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ كُلَّهُ أَوْ قَدْرَ الْحَشَفَةِ. وَفِي الْمِعْرَاجِ وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ الْحِمَارِ أَوْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا يُفْسِدُ حَجَّهَا بِالْإِجْمَاعِ. وَمَا إذَا كَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا جَاهِلًا وَعَالِمًا مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُكْرَهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ. وَحَكَى فِي الْفَتْحِ خِلَافًا بَيْنَ أَبِي شُجَاعٍ وَالْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ فِي رُجُوعِ الْمَرْأَةِ بِالدَّمِ إذَا أَكْرَهَهَا الزَّوْجُ عَلَى الْجِمَاعِ. فَقَالَ: الْأَوَّلُ لَا. وَالثَّانِي نَعَمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَ قَوْلًا فِي رُجُوعِهَا بِمَئُونَةِ حَجِّهَا وَشَمَلَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ لَكِنْ فِي الْعَبْدِ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ وَقَضَى الْحَجَّ بَعْدَ الْعِتْقِ سِوَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَكُلُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْمَالُ يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ بِخِلَافِ مَا فِيهِ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ وَلَا يَجُوزُ إطْعَامُ الْمَوْلَى عَنْهُ إلَّا فِي الْإِحْصَارِ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَبْعَثُ عَنْهُ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ، فَإِذَا عَتَقَ فَعَلَيْهِ
стр. 539
إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَيَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ
٥ - لَا يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدَايَا إلَّا ثَلَاثَةٌ: هَذَا هَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالْقُرْآنِ وَالتَّطَوُّعِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَشَمِلَ الْوَطْءَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَوَطْءَ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ. وَصَرَّحَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ بِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ يَفْسُدُ حَجُّهُمَا بِالْجِمَاعِ لَكِنْ لَا دَمَ عَلَيْهِمَا. وَفِي مَنَاسِكِ ابْنِ الضِّيَاءِ وَإِذَا جَامَعَ الصَّبِيُّ حَتَّى فَسَدَ حَجُّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (انْتَهَى) .
وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ قَوْلِهِ لَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا يُجَامِعُ مِثْلُهُ فَسَدَ حَجُّهَا دُونَهُ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ صَبِيَّةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ انْعَكَسَ الْحُكْمُ (انْتَهَى) .
فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ وَبِالْعُذْرِ لَا يَنْعَدِمُ الْجِمَاعُ فَلَا يَنْعَدِمُ الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهَا حُكْمُ الْفَسَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ فَكَذَلِكَ الْحَجُّ. (٤) قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَيَكْفِيهِ دَمٌ. يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الْجِمَاعُ لِامْرَأَةٍ أَوْ نِسْوَةٍ أَمَّا إذَا تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ وَلَمْ يَقْصِدْ رَفْضَ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ لَزِمَهُ دَمٌ آخَرُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَلَوْ نَوَى بِالْجِمَاعِ الثَّانِي رَفْضَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ لَا يَلْزَمُهُ بِالثَّانِي شَيْءٌ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، مَعَ أَنَّ نِيَّةَ الرَّفْضِ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِالْأَعْمَالِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْمَحْظُورَاتُ مُسْتَنِدَةً إلَى قَصْدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ كَانَتْ مُتَّحِدَةً، فَكَفَّاهُ دَمٌ وَاحِدٌ وَلِهَذَا نَصَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا جَامَعَ النِّسَاءَ وَرَفَضَ إحْرَامَهُ وَأَقَامَ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُهُ فِي الْحَلَالِ مِنْ الْجِمَاعِ وَالطِّيبِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ كَمَا كَانَ حَرَامًا وَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ
(٥) قَوْلُهُ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدَايَا إلَّا ثَلَاثَةٌ إلَخْ. يَعْنِي يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا بَلْ يُسْتَحَبُّ لِلِاتِّبَاعِ الْفِعْلِيِّ الثَّابِتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ وَنَحَرَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا بَقِيَ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعٍ فَجَعَلَهَا فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» . وَلِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَجُوزُ مِنْهُ الْأَكْلُ كَالْأُضْحِيَّةِ. وَأَشَارَ بِكَلِمَةِ (مِنْ) إلَى أَنَّهُ يُؤْكَلُ الْبَعْضُ مِنْهُ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ وَيُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ الثُّلُثَ وَيَأْكُلَ وَيَدَّخِرَ الثُّلُثَ. وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ هَدْيُ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ بَلَغَ الْحَرَمَ أَمَّا إذَا ذَبَحَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَيْسَ بِهَدْيٍ فَلَمْ يَدْخُلْ
стр. 540
الْحَجُّ تَطَوُّعًا أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
تَحْتَ قَوْلِهِ (هَدْيُ) لِيَحْتَاجَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ فَلَا يُؤْكَلُ مِنْهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ فَالْقَرَابَةُ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ، وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ فَهِيَ بِالتَّصَدُّقِ، وَالْأَكْلُ يُنَافِيهِ. وَأَفَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا كَدِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا وَالنُّذُورِ وَهَدْيِ الْإِحْصَارِ. وَكَذَا مَا لَيْسَ بِهَدْيٍ كَالتَّطَوُّعِ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْحَرَمَ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلْأَغْنِيَاءِ لِأَنَّ دَمَ النُّذُورِ دَمُ صَدَقَةٍ وَكَذَا دَمُ الْكَفَّارَاتِ لِأَنَّهُ وَجَبَ تَكْفِيرًا لِلذَّنْبِ، وَكَذَا دَمُ الْإِحْصَارِ لِوُجُودِ التَّحَلُّلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَوَانِهِ. كَذَا فِي الْبَحْرِ
(٦) قَوْلُهُ: الْحَجُّ تَطَوُّعًا أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ إلَخْ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: أَطْلَقَ الْعِبَارَةَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِقَدْرِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي تُنْفَقُ فِي الْحَجِّ وَأَمَّا أَفْضَلِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّصَدُّقِ وَلَوْ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ مَهْمَا بَلَغَتْ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يَخُصُّهُ كَمَا لَا يَخْفَى (انْتَهَى) .
أَقُولُ مَا تَرَجَّاهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلَامِ الْبَزَّازِيِّ فِي جَامِعِهِ حَيْثُ قَالَ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ تَطَوُّعًا. كَذَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ. لَكِنَّهُ لَمَّا حَجّ وَعَرَفَ الْمَشَقَّةَ أَفْتَى بِأَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ. وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ نَفْلًا وَأَنْفَقَ أَلْفًا فَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ فَهُوَ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً فَلَيْسَ أَفْضَلُ مِنْ إنْفَاقِ أَلْفٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَشَقَّةُ فِي الْحَجِّ كُلَّمَا كَانَتْ عَائِدَةً إلَى الْمَالِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا فُضِّلَ فِي الْمُخْتَارِ عَلَى الصَّدَقَةِ (انْتَهَى) .
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: الْمُخْتَارُ أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَطَوُّعًا يَعُودُ نَفْعُهَا إلَى غَيْرِهِ وَالْحَجُّ لَا. أَقُولُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ، وَحَمْلُ النَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ لِمَا يُسْتَذْكَرُ أَذْكَرَتْنِي رِوَايَةَ أَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ عَلَى الْحَجِّ التَّطَوُّعِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِي فِي كِتَابِ الْمُسَامَرَاتِ بِسَنَدِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ قَدْ حُبِّبَ إلَيْهِ الْحَجُّ قَالَ: فَحَدَّثْتُ أَنَّهُ وَرَدَ الْحَاجُّ فِي بَعْضِ السِّنِينَ إلَى بَغْدَادَ فَعَزَمْتُ إلَى الْخُرُوجِ مَعَهُمْ إلَى الْحَجِّ فَأَخَذْتُ فِي كُمِّي خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ وَخَرَجْتُ إلَى السُّوقِ أَشْتَرِي آلَةَ الْحَجِّ، فَبَيْنَا أَنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَارَضَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعَالَى إنِّي امْرَأَةٌ شَرِيفَةٌ وَلِي بَنَاتٌ عُرَاةٌ وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ مَا أَكَلْنَا شَيْئًا. قَالَ: فَوَقَعَ كَلَامُهَا فِي قَلْبِي فَطَرَحْت خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فِي طَرَفِ إزَارِهَا وَقُلْتُ: عُودِي إلَى بَيْتِكَ فَاسْتَعِينِي بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ عَلَى وَقْتِك، فَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَانْصَرَفْتُ، وَنَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِي حَلَاوَةَ الْخُرُوجِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَخَرَجَ النَّاسُ وَحَجُّوا وَعَادُوا، فَقُلْتُ أَخْرُجُ لِلِقَاءِ الْأَصْدِقَاءِ وَالسَّلَامِ
стр. 541
يُكْرَهُ الْحَجُّ عَلَى الْحِمَارِ
بِنَاءُ ٨ - الرِّبَاطِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ أَفْضَلُ عَنْ الْحَجَّةِ الثَّانِيَةِ
٩ - إذَا كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ عَلَى الطَّرِيقِ فَالْحَجُّ فَرْضٌ وَإِلَّا لَا
الْحَجُّ الْفَرْضُ أَوْلَى مِنْ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ بِخِلَافِ النَّقْلِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
عَلَيْهِمْ، فَخَرَجْت فَجَعَلْتُ كُلَّمَا الْتَقَيْتُ صَدِيقًا فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ وَشَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى سَعْيَكَ، يَقُولُ لِي: قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ فَطَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ نِمْتُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لِي يَا فُلَانُ لَا تَعْجَبْ مِنْ تَهْنِئَةِ النَّاسِ لَكَ بِالْحَجِّ، أَغَثْتُ مَلْهُوفًا وَأَغْنَيْتُ ضَعِيفًا فَسَأَلْتُ اللَّهَ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْ صُورَتِكَ مَلَكًا فَهُوَ يَحُجُّ عَنْكَ فِي كُلِّ عَامٍ فَإِنْ شِئْتُ تَحُجُّ وَإِنْ شِئْتَ لَا تَحُجُّ
(٧) قَوْلُهُ: يُكْرَهُ الْحَجُّ عَلَى الْحِمَارِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: رُكُوبُ الْجَمَلِ أَفْضَلُ، يَعْنِي لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَيُكْرَهُ الْحَجُّ عَلَى الْحِمَارِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ بِدَلِيلِ أَفْضَلِيَّةِ فَأُقَابِلُهُ وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ لِمَنْ يُطِيقُهُ وَلَا يُسِيءُ خَلْقَهُ، وَأَمَّا حَجُّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِبًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ، فَإِنَّهُ كَانَ الْقُدْوَةُ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَى ظُهُورِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ (انْتَهَى) .
لَكِنْ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي أَنَّ الْحَجَّ رَاكِبًا أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (انْتَهَى)
(٨) قَوْلُهُ: بِنَاءُ الرِّبَاطِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجَّةِ الثَّانِيَةِ. أَقُولُ لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ بِنَاءَ الرِّبَاطِ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَالْحَجَّةُ الثَّانِيَةُ يَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ
(٩) إذَا كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ عَلَى الطَّرِيقِ إلَخْ أَيْ عَلَى الْحُجَّاجِ فِي الطَّرِيقِ وَالْمُرَادُ بِالسَّلَامَةِ الْأَمْنُ. وَقِيلَ: هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مُنْتَفِيَةٌ بِدُونِ الْأَمْنِ. وَقِيلَ: هُوَ شَرْطٌ لِأَدَائِهِ لِأَنَّهُ ﵇ فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا غَيْرُ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ وَعَلَى الثَّانِي يَجِبُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافِيُّ لَا أَقُولُ الْحَجُّ فَرِيضَةٌ فِي زَمَانِنَا قَالَهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ؛ الْبَادِيَةُ عِنْدِي دَارُ الْحَرْبِ وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الطَّرِيقِ السَّلَامَةَ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا. وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ عَدَمُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ حَتَّى لَوْ غَلَبَ الْخَوْفُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْمُحَارِبِينَ لِوُقُوعِ النَّهْبِ. وَالْغَلَبَةِ مِنْهُمْ مِرَارًا. وَسَمِعُوا أَنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ
стр. 542
إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ مُسْتَغْنِيًا لَمْ يَحِلَّ الْخُرُوجُ
١١ - وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: كَانَ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ لَا يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
تَعَرَّضَتْ لِلطَّرِيقِ وَلَهُمْ شَرِكَةٌ وَالنَّاسُ مُسْتَضْعَفُونَ عَنْهُمْ لَا يَجِبُ (انْتَهَى) .
وَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِ الْحَجِّ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ، فَقِيلَ: الْبَحْرُ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي الْبَحْرِ السَّلَامَةَ مِنْ مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِرُكُوبِهِ يَجِبُ، وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ الْأَصَحُّ وَسَيْحُونُ وَجَيْحُونُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ أَنْهَارٌ لَا بِحَارُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «سَيْحَانُ وَجَيْحُونُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» . كَذَا فِي الْبَحْرِ. قَالَ عِيسَى الْأَرْبِلِّيُّ:
يُرَى بِبِلَادِ الرُّومِ سَيْحَانُ سَائِحًا ... وَبِالشَّأْسِ يُلْقَى جَارِيًا نَهْرُ سَيْحُونَ
وَيُلْقَى بِأَرْضِ السِّيسِ جَيْحَانُ جَارِيًا ... وَفِي أَرْضِ بَلْخِي قَدْ جَرَى نَهْرُ جَيْحُونَ
وَفِي الصِّحَاحِ سَيْحَانُ نَهْرٌ بِالشَّامِ وَسَيْحُونُ نَهْرٌ بِالْهِنْدِ وَزَادَ فِي الصِّحَاحِ وَسَاحِينَ نَهْرٌ بِالْبَصْرَةِ انْتَهَى.
وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي بَحْرِهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ
(١٠) قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ مُسْتَغْنِيًا إلَخْ. مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَيْسَتْ قَيْدًا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بَلْ يُسْتَفَادُ مِنْهَا تَقَيُّدُهَا بِمَا إذَا كَانَ الْأَبُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ خِدْمَتِهِ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْحَجِّ وَكَرِهَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ إنْ اسْتَغْنَيَا عَنْ خِدْمَتِهِ لَا يُكْرَهُ الْخُرُوجُ وَإِنْ احْتَاجَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كُرِهَ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْحِلِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لَا الْحَرَامُ الْمُطْلَقُ وَإِنَّ الْأُمَّ كَالْأَبِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَإِذَا كَانَ الِابْنُ أَمْرَدَ صَبِيحَ الْوَجْهِ لِلْأَبِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ الْخُرُوجِ حَتَّى يَلْتَحِيَ وَإِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَإِنْ الْتَحَى
قَوْلُهُ: وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ كَانَ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ إلَخْ. أَيْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لَا يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ تَشْبِيهًا بِالْحَاجِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْإِمَامُ الْمُبَجَّلُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُضَحِّيَ أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ.
стр. 543
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ السُّنَّةُ أَنْ لَا تُؤَخِّرَهُ. ١٣ - وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ
مَعَهُ أَلْف دِرْهَمٍ وَهُوَ يَخَافُ الْعُزُوبَةَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَا يَتَزَوَّجُ. ١٤ - إذَا كَانَ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ جَازَ لَهُ التَّزَوُّجُ
الْحَاجُّ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا خَلَطَ مَا دُفِعَ إلَيْهِ أَجْمَعُ جَازَ، فَإِنْ أَخَذَ الْمَأْمُورُ الْمَالَ وَاتَّجَرَ بِهِ وَرَبِحَ وَحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ، ١٥ - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُجْزِيهِ الْحَجُّ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ السُّنَّةُ أَنْ لَا تُؤَخِّرَهُ إلَخْ. الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْمُسَيِّبِ بِأَنَّ تَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ وَالْأَخْذَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ سُنَّةٌ وَالسُّنَّةُ لَا تُؤَخَّرُ. (١٣) قَوْلُهُ: وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ. أَيْ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: أَقُولُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ يُوهِمُ أَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ بِهِ وَفِي تَرْتِيبُ الْمُلْتَقَطِ قَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَا يَحْلِقُ وَلَا يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، يَعْنِي الْأَوْلَى ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ السُّنَّةُ: لَا تُؤَخِّرُوا. بِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي فِي الْبَحْرِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ وَإِنْ عَمِلَ فَهُوَ أَفْضَلُ تَعْظِيمًا لِلْخَيْرِ وَلَا يَجِبُ تَرْكُ الْحَلْقِ
(١٤) قَوْلُهُ: إذَا كَانَ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ. قُيِّدَ فِي قَوْلِهِ: فَعَلَيْهِ الْحَجُّ
(١٥) قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُجْزِيهِ الْحَجُّ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ النَّفَقَةِ أَوْ أَكْثَرِهَا مِنْ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ النَّسَفِيِّ فِي مَنَاسِكِهِ. أَقُولُ: لَيْسَ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا لِمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ كَوْنُ النَّفَقَةِ أَوْ أَكْثَرِهَا مِنْ مَالِ الْآمِرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ التَّبَرُّعِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ الْأَكْثَرَ أَوْ الْكُلَّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَفِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَفَاءٌ بِحَجِّهِ رَجَعَ بِهِ فِيهِ إذْ قَدْ يُبْتَلَى بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِبَعْثِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَكُونُ الْمَالُ حَاضِرًا فَيَجُوزُ ذَلِكَ كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ يَشْتَرِي لِلْيَتِيمِ وَالْمُوَكِّلِ وَيُعْطِي الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ
стр. 544
الْمَحْرَمُ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا تَأْبِيدًا ١٧ - إلَّا الصَّبِيَّ ١٨ - وَالْفَاسِقَ وَالْمَجُوسِيَّ
١٩ - الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْ السَّنَةِ الْأُولَى ثُمَّ يَحُجَّ وَلَا يَضْمَنُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَلَوْ عَيَّنَ لَهُ هَذِهِ السَّنَةَ لِأَنَّ ذِكْرَهَا لِلِاسْتِعْجَالِ لَا لِلتَّقْيِيدِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ الْآمِرِ وَالْفَاضِلُ مِنْ النَّفَقَةِ لِلْآمِرِ وَلِوَارِثِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا إلَّا أَنْ يَقُولَ وَكَّلْتُكَ أَنْ تَهَبَ الْفَضْلَ مِنْ نَفْسِك وَتَقْبَلَهُ لِنَفْسِكَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْمُوَكِّلِ (انْتَهَى) .
لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ اتَّجَرَ فِي الْمَالِ ثُمَّ حَجَّ بِمِثْلِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا عَلَى الْمَيِّتِ وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ كَمَا لَوْ خَلَطَهَا بِدَرَاهِمِهِ حَتَّى صَارَ ضَامِنًا ثُمَّ حَجَّ بِمِثْلِهَا أَنَّهُ يَخْلِطُ الدَّرَاهِمَ بِالنَّفَقَةِ مَعَ الرُّفْقَةِ لِلْعُرْفِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ
(١٦) قَوْلُهُ: الْمَحْرَمُ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا إلَخْ. فِي النَّهْرِ: الْمَحْرَمُ هُنَا يَعْنِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ الزَّوْجُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمَحْرَمِ الْحِفْظَ وَالزَّوْجُ يَحْفَظُهَا وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الزَّوْجِ. (١٧) قَوْلُهُ: إلَّا الصَّبِيَّ: أَقُولُ فِيهِ إنَّ الصَّبِيَّ يَشْمَلُ الْمُرَاهِقَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي السِّرَاجِ بِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ. فَالْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ. (١٨) قَوْلُهُ: وَالْفَاسِقُ وَالْمَجُوسِيُّ. يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْكِتَابِيَّ يَكُونُ مَحْرَمًا لِبِنْتِهِ الْمُسْلِمَةِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ: لَا يَكُونُ مَحْرَمًا لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَنْ يَفْتِنَهَا إذَا خَلَا بِهَا، كَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، أَقُولُ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْفَاسِقُ مَحْرَمًا لِلْخَشْيَةِ عَلَيْهَا مِنْ فِسْقِهِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابِيُّ مَحْرَمًا لَهَا خَشْيَةَ أَنْ يَفْتِنَهَا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إذَا خَلَا بِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ
(١٩) قَوْلُهُ: الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ عَنْ السَّنَةِ الْأُولَى إلَى قَوْلِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَعِبَارَتُهَا إذَا دَفَعَ الْمُوصِي الْمَالَ إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَأَخَذَ وَأَخَّرَ
стр. 545
وَلِلْوَصِيِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ ٢١ - إلَّا إذَا قَالَ ادْفَعْ الْمَالَ لِمَنْ يَحُجُّ عَنِّي، أَوْ كَانَ ٢٢ - الْوَصِيُّ وَارِثَ الْمَيِّتِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْحَجَّ وَحَجَّ مِنْ قَابِلٍ جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا مَالَ الْمَيِّتِ لِأَنَّ ذِكْرَ السَّنَةِ يَكُونُ لِلِاسْتِعْمَالِ دُونَ التَّقْيِيدِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ غَدًا أَوْ يَبِيعَ غَدًا فَأَعْتَقَ أَوْ بَاعَ بَعْدَ غَدٍ جَازَ. وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ الْآمِرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ. وَذَهَبَ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا فِي الْكَشْفِ إلَى أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ. قَالُوا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ وَهُوَ اخْتِلَافٌ لَا ثَمَرَةَ لَهُ، لِأَنَّهُمْ أَفْتَوْا أَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ عَنْ الْآمِرِ لِإِقَامَةِ الْإِنْفَاقِ مَقَامَ الْأَفْعَالِ فِي حَقِّ سُقُوطِهَا، وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُورِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ الْآمِرِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ النَّائِبِ لِصِحَّةِ الْأَفْعَالِ حَتَّى لَوْ أَمَرَ ذِمِّيًّا لَا يَجُوزُ، وَهُوَ دَلِيلُ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالثَّمَرَةِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهَا تَطْهُرُ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُجَّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إذَا حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَحْنَثُ. وَعَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ يَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْعُرْفَ أَنَّهُ حَجَّ. وَإِنْ وَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ فَيَحْنَثُ اتِّفَاقًا (انْتَهَى) .
وَهَذَا أَيْ وُقُوعُ الْحَجِّ عَنْ الْآمِرِ فِي حَجِّ الْفَرْضِ أَمَّا فِي النَّفْلِ فَيَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَيَصِيرُ الثَّوَابُ لِلْآمِرِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ وَفِيهِ تَأَمَّلْ
(٢٠) قَوْلُهُ: وَلِلْوَصِيِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَخْ. فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ (انْتَهَى) .
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى الْمَيِّتَ بِالْحَجِّ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا سَيَأْتِي. (٢١) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا قَالَ أَدْفَعُ الْمَالَ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنِّي. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ. (٢٢) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ الْوَصِيُّ وَارِثَ الْمَيِّتِ. فِي الْبَحْرِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا أَوْ دَفَعَهُ، أَيْ الْمَالَ لِوَارِثٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ وَهُمْ كِبَارٌ، لِأَنَّ هَذَا كَالتَّبَرُّعِ بِالْمَالِ فَلَا يَصِحُّ لِلْوَارِثِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ (انْتَهَى) .
стр. 546
فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِمْ، وَلِلْمَأْمُورِ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِ الْآمِرِ إلَّا إذَا أَقَامَ بِبَلَدِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إلَّا إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ قَبْلَ الْقَافِلَةِ. وَإِقَامَتُهُ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْحَجِّ إقَامَةٌ مُعْتَادَةٌ كَسَفَرِهِ، وَعَزْمُهُ عَلَى الْإِقَامَةِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُعْتَادِ مُبْطِلٌ لِنَفَقَتِهِ إلَّا إذَا عَزَمَ بَعْدَهُ عَلَى الْخُرُوجِ فَإِنَّهَا تَعُودُ ٢٤ - إلَّا إذَا اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا ٢٥ - وَنَفَقَةُ خَادِمِ الْمَأْمُورِ عَلَيْهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِمْ إلَخْ. حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ. (٢٤) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا إلَخْ. أَيْ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ بَعْدَ نِيَّةٍ تَعُودُ. كَذَا قِيلَ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ بِعَزْمِهِ عَلَى الْخُرُوجِ فَإِنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْعُودُ بَعْدَ السُّقُوطِ لَا عَدَمِ السُّقُوطِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ كَلَامٍ: فَلَوْ تَوَطَّنَ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَإِنْ كَانَ لِانْتِظَارِ الْقَافِلَةِ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا فَمِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَوَطَّنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ عَدَمُ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ. وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ اعْتِبَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِذَا صَارَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتَحَقَّ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ كَالنَّاشِزَةِ إذَا عَادَتْ إلَى الْمَنْزِلِ وَالْمُضَارِبُ إذَا أَقَامَ بِبَلَدِهِ أَوْ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: هَذَا إذَا لَمْ يَتَّخِذْ مَكَّةَ دَارًا فَأَمَّا إذَا اتَّخَذَهَا ثُمَّ عَادَ لَا تَعُودُ النَّفَقَةُ بِلَا خِلَافٍ (انْتَهَى) .
فَإِذَا لَمْ تَعُدْ بِالْعَوْدِ بِالْفِعْلِ فَبِالْعَزْمِ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْلَى أَنْ لَا تَعُودَ. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ فِي تَقْرِيرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ ﵀ أَيْ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ وَاسْتِظْهَارُهُ عَوْدَ النَّفَقَةِ إذَا سَافَرَ بَعْدَ اتِّخَاذِهَا دَارًا فِرْيَةٌ بِلَا مِرْيَةٍ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَوْ حَجَّ رَاجِلًا ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ جَازَ لِأَنَّ الْفَرْضَ صَارَ مُؤَدَّيًا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ. (٢٥) قَوْلُهُ: وَنَفَقَةُ خَادِمِ الْمَأْمُورِ عَلَيْهِ. أَيْ عَلَى الْآمِرِ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ:
стр. 547
إلَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْدِمُ نَفْسَهُ
وَلِلْمَأْمُورِ خَلْطُ الدَّرَاهِمِ مَعَ الرُّفْقَةِ وَالْإِيدَاعُ، وَإِنْ ضَاعَ الْمَالُ بِمَكَّةَ أَوْ بِقُرْبٍ مِنْهَا فَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ رَجَعَ بِهِ. ٢٧ - وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، لِلْإِذْنِ دَلَالَةً
٢٨ - الْمَأْمُورُ إذَا أَمْسَكَ مُؤْنَةَ الْكِرَاءِ وَحَجَّ مَاشِيًا ضَمِنَ الْمَالَ
ادَّعَى الْمَأْمُورُ أَنَّهُ مُنِعَ عَنْ الْحَجِّ وَقَدْ أَنْفَقَ فِي الرُّجُوعِ لَمْ يُقْبَلْ ٢٩ - إلَّا إذَا كَانَ أَمْرًا ظَاهِرًا يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ إذَا اسْتَأْجَرَ خَادِمًا، وَالْحَالُ أَنَّ مِثْلَهُ مِمَّنْ يُخْدَمُ يَكُونُ مَأْذُونًا وَيَأْخُذُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ. (٢٦) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْدُمُ نَفْسَهُ. كَذَا فِي النُّسَخِ وَالصَّوَابُ إسْقَاطُ لَا أَوْ إلَّا أَوْ حَذْفُ الْمَفْعُولِ وَبِنَاءُ الْفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ. وَقَالُوا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ حِمَارًا يَرْكَبُهُ وَذَكَرَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْجَمَلُ أَفْضَلُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ أَكْثَرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ
(٢٧) قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لِلْإِذْنِ دَلَالَةً أَيْ وَإِنْ كَانَ الْإِنْفَاقُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ قَالَ قَاضِي خَانْ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَنْهُ (انْتَهَى) .
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ نَصٍّ لِلْإِذْنِ بِذَلِكَ
(٢٨) قَوْلُهُ: الْمَأْمُورُ إذَا أَمْسَكَ مُؤْنَةَ الْكِرَاءِ وَحَجَّ مَاشِيًا إلَخْ. الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْوَاقِعَاتِ وَعِبَارَتُهَا: الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ إذَا حَجَّ مَاشِيًا فَالْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِنَفَقَتِهِ لِأَنَّهُ الْحَجُّ الْمَعْرُوفُ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَانْصَرَفَتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ (انْتَهَى) .
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْطِيَ بَعِيرَهُ هَذَا رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ، فَدُفِعَ إلَى رَجُلٍ فَأَكْرَاهُ الرَّجُلُ فَأَنْفَقَ الْكِرَاءَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الطَّرِيقِ وَحَجَّ مَاشِيًا جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ خَالَفَ أَمْرَهُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى هُوَ الْمُخْتَارُ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَرَجَتْ عَنْ الْأَصْلِ لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْحَجِّ رَاكِبًا إذَا حَجَّ مَاشِيًا فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا. كَذَا فِي الْبَحْرِ
(٢٩) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ أَمْرًا ظَاهِرًا يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ. لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ ظَهَرَ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَفْعِهِ إلَّا بِظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ
стр. 548
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ حَجَّ وَكُذِّبَ فَالْقَوْلُ لَهُ، ٣١ - إلَّا إذَا كَانَ مَدْيُونَ الْمَيِّتِ وَقَدْ أُمِرَ بِالْإِنْفَاقِ مِنْهُ، ٣٢ - وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ إلَّا إذَا بَرْهَنُوا عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ
٣٣ - لَيْسَ لِلْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ الِاعْتِمَارُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ،
وَكُلُّ دَمٍ وَجَبَ عَلَى الْمَأْمُورِ فَهُوَ مِنْ مَالِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ حَجَّ وَكُذِّبَ فَالْقَوْلُ لَهُ. يَعْنِي لَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ حَجَجْت وَكَذَّبَهُ الْآمِرُ كَانَ الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ. (٣١) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ مَدْيُونَ الْمَيِّتِ وَقَدْ أُمِرَ بِالْإِنْفَاقِ إلَخْ. يَعْنِي فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ يَدَّعِي قَضَاءَ الدَّيْنِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: هَكَذَا فِي كَثِيرِ مِنْ الْكُتُبِ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: الْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَرَثَةِ مُطَالِبٌ بِدَيْنٍ مِنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ الْغَرِيمِ إلَّا بِالْحُجَّةِ وَالْقَوَاعِدُ تَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: قَالَ: حَجَجْتُ عَنْ الْمَيِّتِ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ فَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَالَ: حُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ بِمَا عَلَيْكَ مِنْ الدَّيْنِ فَزَعَمَ أَنَّهُ حَجَّ عَنْهُ لَا يُصَدَّقُ بِلَا بَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ، وَالْوَرَثَةُ يُنْكِرُونَ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَالتَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ. وَعَلَّلَ قَاضِي خَانْ عَدَمَ قَبُولِ قَوْلِهِ بِأَنَّهُ يَدَّعِي قَضَاءَ الدَّيْنِ عَلَى أَنَّ مُدَّعِي الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ. (٣٢) قَوْلُهُ: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ إلَخْ. وَكَذَا لَوْ أَوْصَى كَمَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ
(٣٣) قَوْلُهُ: لَيْسَ لِلْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ الِاعْتِمَارُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ إلَخْ. يَعْنِي فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ إنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ عَنْ
стр. 549
إلَّا دَمَ الْإِحْصَارِ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ
٣٥ - أَوْصَى الْمَيِّتَ بِالْحَجِّ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ احْتَجَّ الْوَصِيُّ بِمَالٍ لِيَرْجِعَ جَازَ، وَلَهُ الرُّجُوعُ. وَكَذَا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ
لَيْسَ لِلْمَأْمُورِ الْأَمْرُ بِالْحَجِّ وَلَوْ لِمَرَضٍ إلَّا إذَا قَالَهُ لَهُ الْآمِرُ اصْنَعْ مَا شِئْتُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْمَيِّتِ يَكُونُ مُخَالِفًا فِي قَوْلِهِمْ وَلَا يَجُوزُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ حَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ كَانَ مُخَالِفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ (انْتَهَى) .
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ عِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا، لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ عَنْ الْآمِرِ ثُمَّ حَجَّ بِعُمْرَةٍ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ مُخَالِفًا اتِّفَاقًا. وَفِي الْفَتَاوَى الْوَلْوَالِجيَّةِ: الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ إذَا بَدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ أَتَى بِالْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ لِلْمَيِّتِ، يَعْنِي لِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ، وَمَا دَامَ مَشْغُولًا بِالْعُمْرَةِ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ، قَالُوا يَضْمَنُ جَمِيعَ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَهُ. وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ إطْلَاقَهُمْ بِغَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ يَحْمِلَ قَوْلَ قَاضِي خَانْ: لَوْ حَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ كَانَ مُخَالِفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ، عَلَى مَا إذَا اعْتَمَرَ عَنْ الْآمِرِ. هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ فِي زَمَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَالِ الْآمِرِ (انْتَهَى) .
وَهُوَ ظَاهِرُ فِيمَا لَوْ حَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ أَمَّا لَوْ اعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ فَلَا. لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَجَّةٍ مِيقَاتِيَّةٌ وَمَا أَتَى بِهِ حَجَّةٌ مَكِّيَّةٌ وَلِذَلِكَ يَضْمَنُ جَمِيعَ النَّفَقَةِ
(٣٤) قَوْلُهُ: إلَّا دَمَ الْإِحْصَارِ إلَخْ. فَإِنَّهُ عَلَى الْآمِرِ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ. قَالَ قَاضِي خَانْ: وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ دَمٍ يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ يَكُونُ عَلَى الْحَاجِّ لَا فِي مَالِ الْمَيِّتِ، إلَّا دَمَ الْإِحْصَارِ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: يَكُونُ عَلَى الْحَاجِّ
(٣٥) قَوْلُهُ: أَوْصَى الْمَيِّتُ بِالْحَجِّ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ لَمْ يَجُزْ إلَخْ. يَعْنِي لِأَنَّ الْفَرْضَ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمَالِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْفَرْضُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُوصِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ إمَّا بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ رَجُلًا. فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: يُجْزِيهِ إنْ شَاءَ
стр. 550
فَلَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا
٣٧ - يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْحَاجِّ عَنْ الْغَيْرِ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
اللَّهُ تَعَالَى لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ. فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِدَيْنِ الْعِبَادِ، وَفِيهِ لَوْ قَضَى الْوَارِثُ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ تُجْزِيهِ فَكَذَا هَذَا. وَفِي التَّجْنِيسِ: رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ ابْنُهُ لِيَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، كَالدَّيْنِ إذَا قَضَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَلَوْ حَجَّ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْمَيِّتِ وَهُوَ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ وَعَلَى هَذَا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ وَمِثْلُهُ لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ مُتَطَوِّعًا جَازَ لِأَنَّ الْحَجَّ عَنْ الْكَبِيرِ الْعَاجِزِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَجُوزُ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ يَجُوزُ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ. رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَحَجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَنْوِ لَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ نَوَى تَطَوُّعًا لَا يَجُوزُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ
(٣٦) قَوْلُهُ: فَلَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا إلَخْ. لَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاقُ فِي مُقَابَلَةِ تَقْيِيدٍ سَابِقٍ وَلَا لَاحِقٍ وَقَوْلُهُ قَبْلَهُ وَلَوْ لِمَرَضٍ لَيْسَ تَقْيِيدًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(٣٧) قَوْلُهُ: يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْحَاجِّ عَنْ الْغَيْرِ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إلَخْ. أَقُولُ: الصَّوَابُ لَا يَصِحُّ لِقَوْلِهِ بَعْدُ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الِاسْتِئْجَارُ لَكَانَ لَهُ الْمُسَمَّى؛ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الطَّاعَاتِ فَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْحَجِّ وَدَفَعَ إلَيْهِ الْأَجْرَ فَحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِئْجَارُ، وَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِقْدَارُ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ فِي الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَيَرُدُّ الْفَضْلَ عَلَى الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْفَضْلَ لِنَفْسِهِ إلَّا إذَا تَبَرَّعَ الْوَرَثَةُ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، أَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِأَنَّ الْفَضْلَ لِلْحَاجِّ عَلَى مَا هُوَ أَصَحُّ (انْتَهَى) .
وَفِي الْخَانِيَّةِ: إذَا اسْتَأْجَرَ الْمَحْبُوسُ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَحَجَّ جَازَتْ حَجَّةٌ عَنْ الْمَحْبُوسِ إذَا مَاتَ فِي الْحَبْسِ، وَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (انْتَهَى) .
فَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ ﵀: يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْحَاجِّ. فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الْخَانِيَّةِ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْحَاجِّ عَنْ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا قَالَ جَازَتْ الْحَجَّةُ إلَخْ. وَقَدْ أَشَارَ قَاضِي خَانْ إلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِقَوْلِهِ وَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحَقُّ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فَلَوْ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ لِلْحَجِّ لِحُكْمٍ لَهُ بِالْمُسَمَّى. قِيلَ: قَوْلُ قَاضِي خَانْ
стр. 551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِهِ مُشْكِلٌ لِأَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ يَسْتَحِقُّهَا بِطَرِيقِ الْعِوَضِ بَلْ بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ يَنْتَفِعُ الْمُسْتَأْجِرُ بِهِ. هَذَا وَإِنَّمَا جَازَ الْحَجُّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ بَقِيَ الْآمِرُ بِالْحَجِّ فَيَكُونُ لَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ وَبِهِ عَبَّرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي (انْتَهَى) .
وَأُجِيبَ عَنْ قَاضِي خَانْ بِأَنَّهُ أَرَادَ مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ، غَيْرَ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِمُشَاكَلَةِ صِيغَةِ الْعِبَارَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ أَنَّ الْمُشَاكَلَةَ إنَّمَا تَحْسُنُ فِي الْمَقَامَاتِ الْخَطَابِيَّةِ لَا فِي إفَادَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِثَابَةَ لِلْحَجِّ عَنْ غَيْرِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ النَّفَقَةَ الْمَدْفُوعَةَ إلَيْهِ بِالِاسْتِثَابَةِ وَالْأَجِيرُ يَمْلِكُ الْأُجْرَةَ الْمُعَجَّلَةَ لَوْ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ وَإِنَّهُ لَا صِحَّةَ لِلْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ فَلِعَدَمِ مِلْكِ مَا عُجِّلَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى الْحَجِّ بِرَدِّ الْفَاضِلِ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ عَدَمُ وُقُوعِ الْحَجِّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ، بَلْ يَقَعُ عَنْهُ لِمَا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ بَقِيَ الْإِذْنُ بِالْحَجِّ عَنْهُ فَيَصِحُّ عَنْهُ وَيَسْتَحِقُّ النَّائِبُ نَفَقَةَ مِثْلِهِ مِنْ تِلْكَ الْأُجْرَةِ بِحَسَبِ الْحَالِ، فَكَانَ مِثْلَ قَوْلِ أَئِمَّتِنَا الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ حَوَالَةٌ، وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ عَدَمِ الْبَرَاءَةِ كَفَالَةٌ اعْتِبَارًا لِلْمَعْنَى فَتَكُونُ الْإِجَارَةُ لِحَجِّ إنَابَةٍ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى لِصِحَّةِ الْحَجِّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْمَالَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَرْزَاقُ وَالْإِجَارَةُ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا، وَمَا يَمْتَنِعُ فِيهَا الْإِجَارَةُ دُونَ الْأَرْزَاقِ كَالْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ فِيهِ دُونَ الْأَرْزَاقِ كَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَالْحَجِّ. وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ الِاسْتِئْجَارَ بِالنَّفَقَةِ لِلْجَهَالَةِ وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ قِيَاسًا عَلَى اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ بِطَعَامِهَا. وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَأَخَّرَ وَمَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ يَأْثَمُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ فَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ عَامَ وُجُوبِهِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَاغْتَنِمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. كَذَا فِي الْمَنْبَعِ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ صَامَ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَمَاتَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ بِفِدْيَةِ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ كَامِلًا انْتَهَى.
قِيلَ: يُنْظَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا فَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْهُ فَهُوَ كَالْحَجِّ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي نَفْيِ لُزُومِ الْإِيصَاءِ فِيهِمَا (انْتَهَى) .
أَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الصَّوْمِ شُرِعَ وَفِي الْحَجِّ لَمْ يُشْرَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ وَإِنَّمَا وَجَبَ فِدْيَةُ الْيَوْمِ كَامِلًا لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَجَزَّأُ فَكَذَا فَدِيَتُهُ
стр. 552
وَالْمَأْمُورُ إذَا أَمْسَكَ الْبَعْضَ وَحَجَّ بِالْبَقِيَّةِ جَازَ وَيَضْمَنُ مَا خَلَفَ
٣٩ - وَإِذَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ وَمَالِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ٤٠ - إلَّا إذَا كَانَ أَكْثَرُهَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَكَانَ مَالُ الْمَيِّتِ يَكْفِي لِلْكِرَاءِ وَعَامَّةِ النَّفَقَةِ، كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ
٤١ - إذَا أَنْفَقَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ الْكُلَّ فِي الذَّهَابِ وَرَجَعَ مِنْ مَالِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ إذَا أَمْسَكَ الْبَعْضَ وَحَجَّ بِالْبَقِيَّةِ جَازَ إلَخْ. قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ كَلَامٍ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِمَا أَخَذَهُ مِنْ النَّفَقَةِ بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى مِلْكِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا مُعَيَّنًا كَانَ الْمُقَدَّرُ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفَضْلُ إلَّا بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ وَكَّلْتُكَ أَنْ تَهَبَ الْفَضْلَ مِنْ نَفْسِكَ وَتَقْبِضَهُ لِنَفْسِكَ فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْتٍ قَالَ وَالْبَاقِي مِنِّي لَك وَصِيَّةً سَوَاءٌ كَانَ الْفَضْلُ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا مِنْ الزَّادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الْحَجَّةُ الْمَشْرُوطَةُ كَمَا شَرَطَ سُلَيْمَانُ بَاشَا بِوَقْفِهِ بِمِصْرَ قَدْرًا مُعَيَّنًا لِمَنْ حَجَّ عَنْهُ كُلَّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ شَرْطَهُ وَلَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُورِ مَا فَضَلَ عَنْهُ بَلْ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى الْوَقْفِ
(٣٩) قَوْلُهُ: وَإِذَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ وَمَالِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إلَخْ. لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ النِّيَابَةِ أَنْ يَكُونَ حَجُّ الْمَأْمُورِ بِمَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، لِأَنَّ الْفَرْضَ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ بِمَالِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْفَرْضُ (انْتَهَى) .
كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. (٤٠) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ أَكْثَرُهَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَخْ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْقَلِيلِ فَيُعْفَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ
(٤١) قَوْلُهُ: إذَا أَنْفَقَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ الْكُلَّ فِي الذَّهَابِ وَرَجَعَ مِنْ مَالِهِ ضَمِنَ الْمَالَ قِيلَ: أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مَا أَنْفَقَهُ فِي الذَّهَابِ أَكْثَرَ لِئَلَّا يُنَافِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الْأَكْثَرِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ أَنَّ قَاضِي خَانْ عَلَّلَ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ بِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْقَلِيلِ مَعْفُوٌّ وَظَاهِرُهُ أَنَّ نَفَقَةَ الذَّهَابِ إنْ لَمْ تَكُنْ زَائِدَةً عَلَى نَفَقَةِ الْإِيَابِ فَهِيَ مُسَاوِيَةٌ فَلَا يَكُونُ عَفْوًا فَتَأَمَّلْ
стр. 553
ضَمِنَ الْمَالَ
يَبْدَأُ بِالْحَجِّ الْفَرْضِ قَبْلَ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُخَيَّرُ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا
٤٣ - حَجُّ الْغَنِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الْفَقِيرِ لِأَنَّ الْفَقِيرَ يُؤَدِّي الْفَرْضَ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي ذَهَابِهِ وَفَضِيلَةُ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ فَضِيلَةِ التَّطَوُّعِ
٤٤ - إذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ لَا يَنْتَفِلُ بَعْدَهُمَا كَمَا فِي الْيَتِيمَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: يَبْدَأُ بِالْحَجِّ الْفَرْضِ قَبْلَ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَخْ. فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْمُقَطَّعَاتِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَبْدَأَ الْحَاجُّ بِمَكَّةَ فَإِذَا قَضَى نُسُكَهُ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ وَإِنْ بَدَأَ بِالْمَدِينَةِ جَازَ (انْتَهَى) .
وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀
(٤٣) قَوْلُهُ: حَجُّ الْغَنِيِّ أَفْضَلُ إلَخْ. قَالَ السَّرِيُّ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ: بَيَانُ ذَلِكَ ذَهَابُ الْغَنِيِّ مِنْ بَلَدِهِ، وَهُوَ مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْوُجُوبِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ مِنْ دَارِهِ فَرْضٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ، وَالْحَجُّ عَلَى الْفَقِيرِ لَمْ يَجِبْ أَدَاؤُهُ فَذَهَابُهُ إلَى مَكَّةَ تَطَوُّعٌ وَعِبَادَةُ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ التَّطَوُّعِ، قُلْتُ: وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى سُنَّةَ الْعِشَاءِ بَعْدَهَا أَرْبَعَةً فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالسُّنَّةُ رَكْعَتَانِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَتَانِ أَفْضَلَ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ. وَأَجَابُوا بِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِيهَا فَلَا يَبْعُدُ ذَلِكَ هُنَا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْفَرْضِ. أَوْ نَقُولُ فِيهِ كَمَا قَالُوا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّ فَرْضَهَا آيَةٌ وَلَوْ قَرَأَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ وَقَعَ الْكُلُّ فَرْضًا، وَلَوْ سَلَّمَ فَيَخْتَصُّ هَذِهِ الصُّورَةُ بِمَا إذَا لَمْ يُحْرِمْ الْفَقِيرُ بِالْحَجِّ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُ حَالٌّ إذْ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ مِنْهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَقِيرَ هُنَا لَيْسَ هُوَ الْفَقِيرُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْفِقْهِ (انْتَهَى) .
يَعْنِي أَنَّ الْفَقِيرَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ
(٤٤) قَوْلُهُ: إذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَخْ. يَعْنِي الصَّلَاتَيْنِ الْمَعْهُودَتَيْنِ وَهُمَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ وَقْتَ الظُّهْرِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ مَا صَلَّى الْعَصْرَ (انْتَهَى) .
قَالَ السَّرِيُّ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ: وَهُوَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ
стр. 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
لَوْ تَنَفَّلَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَفِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ يُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ الْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فِي غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِلَ بَيْنَهُمَا بِالتَّطَوُّعِ لِجَرَيَانِ التَّوَارُثِ بِهِ. وَقَالَ فِي التَّجْنِيسِ: وَالْمَزِيدُ بَعْدَ أَنْ رَقَّمَ لِنَوَازِلِ أَبِي اللَّيْثِ إذَا تَطَوَّعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يُرِيدُ أَدَاءَ السُّنَّةِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ لِلْعَصْرِ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِأَدَاءِ السُّنَّةِ صَارَ فَاصِلًا بَيْنَهُمَا فَلَا يَكْتَفِي بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ (انْتَهَى) .
فَإِنْ صَلَّى الْعَصْرَ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَإِنَّهَا إنَّمَا قُدِّمَتْ لِلتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ. قَالَ وَإِطْلَاقَاتُ الْكُتُبِ تَدُلُّ عَلَيْهِ
стр. 555
كِتَابُ النِّكَاحِ ١ - الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ النِّكَاحِ مَضْمُونٌ. كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. احْتَاطَ أَصْحَابُنَا ﵏ فِي الْفُرُوجِ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَادَّعَى كُلٌّ الْخَوْفَ عَلَيْهَا مِنْ شَرِيكِهِ، وَطَلَبَ الْوَضْعَ عِنْدَ عَدْلٍ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمًا حِشْمَةً لِلْمِلْكِ، كَذَا فِي كَرَاهِيَةِ الْمِعْرَاجِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
قَوْلُهُ: الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ النِّكَاحِ مَضْمُونٌ كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ إلَخْ. عِبَارَتُهُ قَبْلَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ بِأَسْطُرٍ. مَا قُبِضَ عَلَى سَوْمِ النِّكَاحِ ضُمِنَ، يَعْنِي لَوْ قَبَضَ أَمَةَ غَيْرِهِ لِيَتَزَوَّجَهَا بِإِذْنِ مَوْلَاهَا فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا (انْتَهَى) .
قُلْتُ: بِنَقْلِ عِبَارَةِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ ظَهَرَ خَطَأٌ مِنْ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا ذَكَرَهُ الْحَدَّادِيُّ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ مِنْ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَى امْرَأَةٍ شَيْئًا عَلَى أَنَّهَا تَتَزَوَّجُهُ ثُمَّ امْتَنَعَتْ رَجَعَ بِمَا كَانَ قَائِمًا دُونَ مَا هَلَكَ مِنْهُ. وَظَهَرَ إخْلَالُ الْمُصَنِّفِ فِي نَقْلِ عِبَارَةِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ حَيْثُ أَسْقَطَ تَصْوِيرَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ عِبَارَتِهِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مُسَمًّى أَوْ لَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ مُسَمًّى قِيَاسًا عَلَى الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا إلَّا بَعْدَ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، فَيَكُونُ الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ النِّكَاحِ مَضْمُونًا إذَا كَانَ الْمَهْرُ مُسَمًّى وَإِلَّا فَلَا. وَلَمْ أَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا؛ غَيْرَ أَنَّ إطْلَاقَ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي الضَّمَانَ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَقْلٌ صَرِيحٌ بِخِلَافِهِ. وَعَلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي الشِّرَاءِ إلَّا بَعْدَ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ. وَكَذَا الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا إلَّا إذَا سَمَّى مَا يَرْهَنُ بِهِ فِي الْأَصَحِّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا. قَالَ وَقَدْ ظَهَرَ لِي فَرْقٌ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الرَّهْنِ وَبَيْنَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ النِّكَاحِ وَهُوَ أَنَّ الْمَهْرَ مُقَدَّرٌ شَرْعًا
стр. 556
مَا ثَبَتَ لِجَمَاعَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ إلَّا فِي مَسَائِلَ: الْأُولَى: وِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ لِلصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ ثَابِتَةٌ لِلْأَوْلِيَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ لِلْكُلِّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
مِنْ حَيْثُ هُوَ وَالْمُقَدَّرُ شَرْعًا مُسَمًّى شَرْعًا وَالْمُسَمَّى شَرْعًا مُعْتَبَرٌ مُطْلَقًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ صَحَّ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَوْ اشْتَرَى عَلَى أَنْ لَا ثَمَنَ كَانَ بَاطِلًا اعْتِبَارًا لِلتَّسْمِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَهْرِ. وَلِهَذَا كَانَ الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ النِّكَاحِ مَضْمُونًا، سَوَاءٌ سَمَّى الْمَهْرَ أَوْ لَا لِأَنَّهُ مُسَمًّى شَرْعًا فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ بِخِلَافِ الثَّمَنِ. وَمَا يُرْهَنُ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ شَرْعًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِيهِمَا (انْتَهَى) .
وَرَدَّهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَائِلًا: لَمْ يَظْهَرْ لِي هَذَا الْفَرْقُ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ إنَّمَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ فِيهِ إذَا سَمَّى الثَّمَنَ فَهَلَكَ الْمَقْبُوضُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ هُوَ بَدَلُ الْعَيْنِ، فَلَمَّا سَمَّى أَحَدَهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ. وَأَمَّا الْمَهْرُ وَإِنْ كَانَ مُسَمًّى شَرْعًا فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْمَهْرَ بَدَلُ الْمُتْعَةِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَالْقِيمَةُ بَدَلُ الْعَيْنِ فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالْقِيمَةِ فَلَا تُوجَبُ تَسْمِيَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا دَخْلَ لِتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ شَرْعًا فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عِنْدَ التَّأَمُّلِ. قَالَ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي فِي الْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِي الْبَيْعِ الْمَالَ كَانَ عَدَمُ ذِكْرِ الثَّمَنِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا دَفَعَهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ وَالْمُسْتَأْجِرُ إنَّمَا قَبَضَهُ كَذَلِكَ وَأَمَّا إذَا سَمَّى ثَمَنًا فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّهُ مَتَى بَيَّنَ ثَمَنًا يَكُونُ الِاسْتِيَامُ أَخْذًا لِلْعَقْدِ فَيَكُونُ وَسِيلَةً لِلْعَقْدِ فَأُلْحِقَ بِحَقِيقَةِ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ إلَّا بِعِوَضٍ فَصَارَ الْقَابِضُ مُلْتَزِمًا لِلْعِوَضِ، وَعِوَضُهُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الْقِيمَةُ مَا لَمْ يَصْطَلِحَا أَوْ يَتَّفِقَا عَلَى الْمُسَمَّى، وَصَرَّحَ فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ مِنْ كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ بِأَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهِ الْمُبَادَلَةِ وَمَتَى لَمْ يُبِنْ لَهُ ثَمَنًا لَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ لِلْعَقْدِ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ
[مَا ثَبَتَ لِجَمَاعَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ إلَّا فِي مَسَائِلَ]
[الْأُولَى وِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ لِلصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ]
(٢) قَوْلُهُ: مَا ثَبَتَ لِجَمَاعَةٍ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ إلَّا فِي مَسَائِلَ الْأُولَى وِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ لِلصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إلَخْ، أَيْ عَلَيْهِمَا، فَاللَّامُ بِمَعْنَى (عَلَى) وَتَقْيِيدُ الْوِلَايَةِ بِوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ اتِّفَاقِيٌّ لِأَنَّ وِلَايَةَ الِاعْتِرَاضِ تَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِيمَا تَزَوَّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِلَا وَلِيٍّ فَإِنْ رَضِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَيْسَ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ اعْتِرَاضٌ، وَأَمَّا الْأَقْرَبُ
стр. 557
الثَّانِيَةُ: الْقِصَاصُ الْمَوْرُوثُ يَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى الْكَمَالِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
فَلَهُ ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ. وَقَوْلُهُ ثَابِتَةٌ لِلْأَوْلِيَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ، يَعْنِي لِلْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ فِي الدَّرَجَةِ، وَذَلِكَ كَوِلَايَةِ الْأَمَانِ. قَالَ فِي إجَابَةِ الْمَسَائِلِ بِاخْتِصَارٍ أَنْفَعُ الْوَسَائِلِ إذَا اسْتَوَى الْوَلِيَّانِ كَشَقِيقَيْنِ أَوْ اجْتَمَعَ أَبَوَانِ ادَّعَيَا وَلَدَ أَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ جَازَ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ بِالنِّكَاحِ فَإِنْ زَوَّجَاهَا صَحَّ السَّابِقُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بَطَلَ (انْتَهَى) .
قِيلَ: إنَّمَا قُيِّدَ بِالصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ لِأَنَّهُ لَا يُزَوِّجُ أَحَدُ السَّيِّدَيْنِ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ لَهُمَا وَالْمُعْتَقَةَ لَهُمَا، وَأَمَّا فِي الْقَرَابَةِ فَيَتَزَوَّجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَيَنْفَرِدُ بِهِ. كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: فِي اسْتِفَادَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّقْيِيدِ نَظَرٌ
[الثَّانِيَةُ الْقِصَاصُ الْمَوْرُوثُ]
(٣) قَوْلُهُ: الثَّانِيَةُ الْقِصَاصُ الْمَوْرُوثُ يَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى الْكَمَالِ إلَخْ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ كَلَامٌ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ دَرْكُ الثَّأْرِ، وَذَلِكَ مَعْنًى يَحْصُلُ لَهُمْ، فَكَانَ الْقِصَاصُ حَقَّهُمْ مِنْ الِابْتِدَاءِ لَا أَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا. لَا يُقَالُ يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ إلَّا بِحُضُورِ الْكُلِّ وَمُطَالَبَتِهِمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ عَفَا أَحَدُهُمْ أَوْ اسْتَوْفَاهُ بَطَلَ أَصْلًا وَلَا يَضْمَنُ الْعَافِي وَالْمُسْتَوْفِي لِلْآخَرِينَ شَيْئًا. لِأَنَّا نَقُولُ: الْقِصَاصُ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ جَزَاءُ قَتْلِ وَاحِدٍ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَحْدَهُ كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ لِلْإِخْوَةِ، فَإِذَا بَادَرَ وَاسْتَوْفَى أَوْ عَفَا، لَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِلْآخَرِينَ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ: لِلْكَبِيرِ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ قَبْلَ كِبَرِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْهُ إذَا كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَائِبٌ لِاحْتِمَالِ عَفْوِ الْغَائِبِ وَرُجْحَانِ جِهَةِ وُجُودِهِ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقِصَاصِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَهُنَا احْتِمَالُ الْعَفْوِ مَعْدُومٌ وَلَا عِبْرَةَ لِتَوَهُّمِ الْعَفْوِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْكَبِيرِ. كَذَا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ الْمَنَارِ. فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ مَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَالثَّانِيَةُ: الْقِصَاصُ الْمَوْرُوثُ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: لَا عِبْرَةَ بِمَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ إذَا خَالَفَ مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: جَزَمَ الْمُصَنِّفُ ﵀ هُنَا بِأَنَّ الْقِصَاصَ مَوْرُوثٌ يَقْتَضِي أَنْ لَا خِلَافَ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْخِلَافِ حَيْثُ ذَكَرَ مَا يُورَثُ مِنْ الْحُقُوقِ فَقَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِصَاصِ. فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُورَثُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُورَثُ عِنْدَهُ
стр. 558
حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ لِلْوَارِثِ الْكَبِير اسْتِيفَاؤُهُ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِبَالِغَيْنِ فَإِنَّ الْحَاضِرَ لَا يَمْلِكُهُ فِي غِيبَةِ الْآخَرِ اتِّفَاقًا، لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ
الثَّالِثَةُ: وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الْعَامِّ عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ . ٥ - تَثْبُتُ لِكُلِّ مَنْ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ عَلَى الْكَمَالِ
وَالضَّابِطُ أَنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِكُلٍّ عَلَى الْكَمَالِ، ٦ - فَالِاسْتِخْدَامُ فِي الْمَمْلُوكِ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
خِلَافًا لَهُمَا آخِذًا مِنْ مَسْأَلَةٍ لَوْ بَرْهَنَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ عَلَى الْقِصَاصِ وَالْبَاقِي غُيَّبٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهِ إذَا حَضَرُوا عِنْدَهُ، خِلَافًا لَهُمَا كَذَا فِي آخِرِ الْيَتِيمَةِ (انْتَهَى) .
فَلَوْ عَارَضَ هَذَا الْفَاضِلُ كَلَامَهُ بِكَلَامِهِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَتَأَمَّلْ. وَقَدْ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ: وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا قُتِلَ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَوْلَادٌ صِغَارٌ فَهَلْ يَنْتَظِرُ بُلُوغَهُمْ أَوْ يَقْتَصُّ الْحَاكِمُ أَوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ؟ وَيُفْهَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْغَيْرِ. (٤) قَوْلُهُ: حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ لِلْوَارِثِ الْكَبِيرِ إلَخْ. اسْتِيفَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْكَبِيرَ لَوْ كَانَ وَلِيًّا لِلصَّغِيرِ كَمَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ، يَسْتَوْفِيهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الصَّغِيرُ، بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا سَوَاءٌ كَانَتْ الْوِلَايَةُ لَهُ بِالْمِلْكِ أَوْ الْقَرَابَةِ، وَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلصَّغِيرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ، فَعَلَى الْخِلَافِ فَإِنْ كَانَ الْكَبِيرُ أَجْنَبِيًّا عَنْ الصَّغِيرِ لَا يَمْلِكُ الْكَبِيرُ الِاسْتِيفَاءَ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: لَا يَمْلِكُ الْكَبِيرُ الِاسْتِيفَاءَ فِي الْكُلِّ. كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ
[الثَّالِثَةُ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الْعَامِّ عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ]
(٥) قَوْلُهُ: تَثْبُتُ لِكُلِّ مَنْ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ إلَخْ. يَعْنِي مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا، بَالِغًا كَانَ أَوْ صَبِيًّا، لَكِنْ ذَكَرَ الطَّحْطَاوِيُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ إذْنُ الْوَلِيِّ وَمَوْلَاهُ بِالْخُصُومَةِ. كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ
(٦) قَوْلُهُ: فَالِاسْتِخْدَامُ فِي الْمَمْلُوكِ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ إلَخْ. يَعْنِي فَثَبَتَ لِكُلٍّ مِنْ الْوَلِيَّيْنِ عَلَى الْكَمَالِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الضَّابِطِ: إذَا كَانَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ إلَخْ
стр. 559
لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ شُرِعَتْ مِنْ عَهْدِ آدَمَ ﵇ إلَى الْآنَ ثُمَّ تَسْتَمِرُّ فِي الْجَنَّةِ ٨ - إلَّا الْإِيمَانُ، وَالنِّكَاحُ
الْمَوْلَى يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا؛
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ شُرِعَتْ مِنْ عَهْدِ آدَمَ ﵇ إلَخْ. قَالَ ابْنُ الْخَطِيبِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ السَّجْدَةِ: وَاعْلَمْ أَنَّ التَّكَالِيفَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنْ ارْتَفَعَتْ، لَكِنَّ الذِّكْرَ وَالشُّكْرَ لَا يَرْتَفِعُ بَلْ الْعَبْدُ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا وَكَيْف لَا وَقَدْ صَارَ حَالُهُ كَحَالِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] عَنْ عِبَادَتِهِ. غَايَةَ مَا فِي الْبَابِ، أَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِتَكَالِيفَ بَلْ هِيَ مُقْتَضَى الطَّبْعِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِدَوَامِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا كَيْفَ وَلِخِدْمَةِ الْمُلُوكِ لَذَّةٌ وَشَرَفٌ فَلَا تُتْرَكُ وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ، بَلْ تَزْدَادُ لَذَّتُهَا. (٨) قَوْلُهُ: إلَّا الْإِيمَانُ وَالنِّكَاحُ إلَخْ. الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ هُنَا الْوَطْءُ لَا الْعَقْدُ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْعَقْدِ عِنْدَكَ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أَيْ قَرَّبْنَاهُمْ بِهِنَّ لَيْسَ مِنْ عَقْدِ التَّزْوِيجِ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأَةٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَعَلْنَاهُمْ أَزْوَاجًا كَمَا يُزَوَّجُ النَّعْلُ بِالنَّعْلِ، أَيْ جَعَلْنَاهُمْ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ النِّكَاحَ بِمَعْنَى الْوَطْءِ إنَّمَا كَانَ عِبَادَةً فِي الدُّنْيَا بِاعْتِبَارِ قَصْدِ التَّنَاسُلِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْآخِرَةِ فَلْيُحْرَزْ.
وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ الرَّجُلِ السَّعِيدِ، فِي دُنْيَاهُ يَتَمَنَّى الْوَلَدَ وَلَا يَتَمَنَّاهُ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ تَمَنَّى النَّاسُ أَوْلَادًا فِي الدُّنْيَا لِحُبِّهِمْ فِيهَا حَتَّى إذَا انْقَرَضُوا تَبْقَى لَهُمْ نَعِيمُهُمْ بِبَقَاءِ الْوَلَدِ، وَقَدْ أَمِنُوا الِانْقِرَاضَ فِي الْجَنَّةِ. كَذَا فِي الطَّبَقَاتِ التَّاجِيَّةِ. هَذَا وَقَدْ رُفِعَ سُؤَالٌ لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَرِيفٍ الشَّافِعِيِّ. صُورَتُهُ: هَلْ فِي الْجَنَّةِ تَزَوُّجٌ وَوِلَادَةٌ كَحَالِ الدُّنْيَا، أَمْ حَالُ الْآخِرَةِ خِلَافَ حَالِ الدُّنْيَا؟ فَأَجَابَ: قَدْ وَقَعَ خِلَافٌ مِنْ السَّلَفِ فِي الْوَلَدِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ الْوَضْعُ وَالْحَمْلُ وَالسِّنُّ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَاسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إلَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «الْمُؤْمِنُ إذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَشْتَهِي» . قَالَ
стр. 560
فَلَا مَهْرَ إنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِهِ مَالَ سَيِّدِهِ
وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ مَوْلَاهُ وَلَهُ ابْنَانِ؛ فَعَفَا أَحَدُهُمَا سَقَطَ ١٠ - وَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ لِغَيْرِ الْعَافِي عِنْدَ الْإِمَامِ
١١ - الْفُرَقُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فُرْقَةً سَبْعٌ مِنْهَا تَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ وَسِتٌّ لَا. فَالْأُولَى: الْفُرْقَةُ بِالْجَبِّ، وَالْعُنَّةِ، وَبِخِيَارِ الْبُلُوغِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَكُونُ جِمَاعٌ وَلَا يَكُونُ وَلَدٌ. وَاسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إلَى حَدِيثٍ فِي التَّذْكِرَةِ أَوْرَدَهُ عَنْ أَبِي ذَرِّ بْنِ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ» . وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِتَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ لَهُ. وَأَمَّا التَّزَوُّجُ فَلَمْ أَرَ حِينَ هَذِهِ الْكِتَابَةِ حَدِيثًا مُصَرِّحًا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْجَنَّةِ كَهَيْئَةِ الدُّنْيَا، نَعَمْ. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَلَفْظُهُ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ تَتَزَوَّجُ الزَّوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا مَنْ يَكُونُ زَوْجًا مِنْهُمْ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أُمَّ سَلَمَةَ إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَهُمْ مَعِي خُلُقًا فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» فَفِي قَوْلِ الْمَرْأَةِ الْمُخَيَّرَةِ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا فِي خِطَابِهَا لِرَبِّهَا فَزَوِّجْنِيهِ، أَيْ: اجْعَلْهُ لِي زَوْجًا وَلَيْسَ مُصَرَّحًا بِالْعَقْدِ
(٩) قَوْلُهُ: فَلَا مَهْرَ إنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ إلَخْ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الصَّيْرَفِيَّةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْمَهْرُ ثُمَّ يَسْقُطُ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ فِيمَا لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ أَمَةَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ عَبْدِهِ، فَعَلَى مَنْ قَالَ يَجِبُ ثُمَّ يَسْقُطُ. قَالَ بِالصِّحَّةِ هُوَ قَوْلُ الثَّانِي، وَمَنْ قَالَ: بِعَدَمِ الْوُجُوبِ أَصْلًا قَالَ بِعَدَمِهَا. وَهُوَ قَوْلُهُمَا. وَقَدْ جَزَمَ بِعَدَمِهَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ الْمَأْذُونِ
(١٠) قَوْلُهُ: وَلَمْ يَجِبْ لِغَيْرِ الْعَافِي إلَخْ. لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَاسْتَوْجَبَ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا، وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا
(١١) قَوْلُهُ: الْفُرَقُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ إلَخْ. لَمْ يُبَيِّنْ مَا يَكُون مِنْهَا طَلَاقًا وَمَا يَكُونُ فَسْخًا، وَمَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إلَى الْقَضَاءِ، وَقَدْ نَظَّمَ صَاحِبُ النَّهْرِ فَرْقُ النِّكَاحِ وَبَيْنَ مَا يَكُونُ مِنْهَا طَلَاقًا وَمَا يَكُونُ فَسْخًا، وَمَا يَحْتَاجُ مِنْهَا إلَى الْقَضَاءِ وَمَا لَا يَحْتَاجُ، فَقَالَ:
стр. 561
وَبِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَبِنُقْصَانِ الْمَهْرِ؛ وَبِإِبَاءِ الزَّوْجِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَبِاللِّعَانِ. وَالثَّانِيَةُ: الْفُرْقَةُ بِخِيَارِ الْعِتْقِ، وَبِالْإِيلَاءِ، وَبِالرِّدَّةِ، وَتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَبِمِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ، وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ
١٣ - النِّكَاحُ يَقْبَلُ الْفَسْخَ قَبْلَ التَّمَامِ لَا بَعْدَهُ؛ فَلَا تَصِحُّ إقَالَتُهُ وَلَا يَنْفَسِخُ بِالْجُحُودِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
فَرْقُ النِّكَاحِ أَتَتْكَ جَمْعًا نَافِعًا ... فَسْخٌ طَلَاقٌ وَهَذَا الدُّرُّ يَحْكِيهَا
تَبَايُنُ الدَّارِ مَعَ نُقْصَانِ مَهْرٍ كَذَا ... فَسَادُ عَقْدٍ وَفَقْدُ الْكُفُؤِ يَنْفِيهَا
تَقْبِيلُ سَبْيٍ وَإِسْلَامُ الْمُحَارِبِ أَوْ ... إرْضَاعُ ضَرَّتِهَا قَدْ عَدَّدُوا فِيهَا
خِيَارُ عِتْقٍ بُلُوغٌ رِدَّةٌ وَكَذَا ... مِلْكٌ لِبَعْضٍ وَتِلْكَ الْفَسْخُ يُحْصِيهَا
أَمَّا الطَّلَاقُ فَجَبٌّ عَنْهُ وَكَذَا ... إيلَاؤُهُ وَلِعَانُ ذَاكَ يَتْلُوهَا
قَضَى قَاضٍ أَتَى شَرْطَ الْجَمِيعِ خَلَا ... مِلْكٍ وَعِتْقٍ وَإِسْلَامٍ أَتَى فِيهَا
تَقْبِيلُ سَبْيٍ مَعَ الْإِيلَاءِ يَا أَمَلِي ... تَبَايُنٌ مَعَ فَسَادِ الْعَقْدِ يُدْنِيهَا
قَالَ: وَلَمْ أَذْكُرْ خِيَارَ الْمُخَيَّرَةِ، وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالْخُلْعِ لِأَنَّهَا مِنْ الْكِنَايَاتِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالتَّخْيِيرِ مِنْ كِنَايَاتِ التَّفْوِيضِ وَالْكَلَامُ فِي الْفُرْقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ، وَالضَّابِطَةُ: أَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ لَا بِسَبَبٍ مِنْ الزَّوْجِ فَهِيَ فَسْخٌ: كَخِيَارِ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ، وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَهِيَ طَلَاقٌ: كَالْإِيلَاءِ وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ رِدَّتُهُ فَسْخًا مَعَ أَنَّهَا مِنْ قِبَلِهِ لِأَنَّ بِهَا يَنْتَفِي الْمِلْكُ فَيَنْتَفِي الْحِلُّ، وَالْفُرْقَةُ إنَّمَا جَاءَتْ بِالتَّنَافِي لَا لِوُجُودِ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الزَّوْجِ وَإِنَّمَا شَرَطَ الْقَضَاءَ فِي الْفُرْقَةِ بِالْجَبِّ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي أَصْلِهَا ضَعْفًا، فَتُوقَفُ عَلَيْهِ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا لِلُزُومِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. (١٢) قَوْلُهُ: وَبِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ إلَخْ. يَعْنِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِبُطْلَانِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى حُكْمٍ بِفُرْقَةٍ
(١٣) قَوْلُهُ: النِّكَاحُ يَقْبَلُ الْفَسْخَ قَبْلَ التَّمَامِ إلَخْ. كَمَا فِي إنْكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، الصَّغِيرَ وَالصَّغِيرَةَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بَعْدَ بُلُوغِهِمَا وَرِضَاهُمَا.
стр. 562
إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ؛ فَيَقْبَلُهُ بَعْدَ رِدَّةِ أَحَدِهِمَا وَمِلْكِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ
١٥ - يَكْمُلُ الْمَهْرُ بِأَرْبَعَةٍ: ١٦ - بِالدُّخُولِ ١٧ - وَبِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ، رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ لَا بَعْدَهُ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يَنْفَسِخُ بَعْدَ التَّمَامِ فِي كُلِّ حَالٍ إلَّا فِيمَا ذُكِرَ: زَادَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مَسْأَلَةً وَهِيَ إبَاؤُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إسْلَامِهَا، فَإِنَّهُ فَسْخٌ اتِّفَاقًا وَهُوَ بَعْدَ التَّمَامِ (انْتَهَى) .
وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي التَّبْيِينِ، وَلَا يُقَالُ: النِّكَاحُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ التَّمَامِ، وَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ النَّافِذُ اللَّازِمُ، وَأَمَّا قَبْلَ التَّمَامِ فَيَقْبَلُ الْفَسْخَ (انْتَهَى) .
وَيَرُدُّ عَلَيْهِ ارْتِدَادُ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ فَسْخٌ وَهُوَ بَعْدَ التَّمَامِ وَكَذَا إبَاؤُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إسْلَامِهَا. فَإِنَّهُ فَسْخٌ اتِّفَاقًا وَهُوَ بَعْدَ التَّمَامِ وَكَذَا مِلْكُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ فَالْحَقُّ أَنَّهُ يَقْبَلُ الْفَسْخَ مُطْلَقًا إذَا وُجِدَ مَا يَقْتَضِيهِ شَرْعًا
(١٥) قَوْلُهُ:
يَكْمُلُ الْمَهْرُ بِأَرْبَعَةٍ إلَخْ.
أَقُولُ: وَبِخَامِسٍ؛ وَهُوَ مَا إذَا أَزَالَ بَكَارَتَهَا بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ لَهَا كَمَالَ الْمَهْرِ.
وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى وَلَوْ افْتَضَّ مَجْنُونٌ بَكَارَةَ امْرَأَةٍ بِأُصْبُعٍ.
فَقَدْ أَشَارَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، إلَى أَنَّهُ: إنْ افْتَضَّهَا كَرْهًا بِأُصْبُعٍ أَوْ حَجَرٍ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ.
لَكِنَّ مَشَايِخَنَا يَذْكُرُونَ أَنَّ هَذَا سَهْوٌ وَلَا يَجِبُ إلَّا بِالْأَدِلَّةِ الْمَوْضُوعَةِ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَالْوَطْءِ، يَجِبُ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ (انْتَهَى) .
فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ ﵀. (١٦) قَوْلُهُ:
بِالدُّخُولِ إلَخْ.
الْمُرَادُ بِالدُّخُولِ الْوَطْءُ بِقَرِينَةِ عَطْفِ الْخَلْوَةِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالدُّخُولُ يَشْمَلُهُمَا كَمَا فِي الْمُجْتَبَى. (١٧) قَوْلُهُ:
وَبِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ إلَخْ.
وَهِيَ الْخَالِيَةُ عَنْ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ وَالطَّبْعِيِّ وَالْحِسِّيِّ، فَالْمَانِعُ الْحِسِّيُّ كَالْمَرَضِ فِي أَيِّهِمَا كَانَ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَرَضَهَا لَا يَمْنَعُ إلَّا إذَا لَحِقَهُ ضَرَرٌ بِهِ، وَالْمَانِعُ الطَّبْعِيُّ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ عِنْدَ وُرُودِ الدَّمِ لَا عِنْدَ عَدَمِهِ مَعَ أَنَّهُ شَرْعِيٌّ فِيهَا أَيْضًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ طَبْعِيٌّ إلَّا وَهُوَ شَرْعِيٌّ، فَلَوْ اكْتَفَوْا بِالشَّرْعِيِّ لَكَانَ أَوْلَى.
كَذَا فِي الْبَحْرِ، يَعْنِي: فَيَكُونُ الشَّرْعِيُّ أَعَمُّ مِنْ
стр. 563
وَبِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مِنْهُ سَابِقًا ١٩ - وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا
٢٠ - لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِبَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَرْبَعٍ وَمَا بِمَعْنَاهَا: ٢١ - عَلَى تَرْكِ الزِّينَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا، وَعَلَى عَدَمِ إجَابَتِهَا إلَى فِرَاشِهِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَعَلَى خُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الطَّبْعِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ بِطَبْعِيٍّ، وَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِ الْخَاصِّ وَهُوَ الطَّبْعِيُّ. (١٨) قَوْلُهُ:
وَبِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مِنْهُ سَابِقًا إلَخْ.
صُورَتُهُ: أَبَانَ زَوْجَتَهُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَعَلَيْهِ مَهْرٌ كَامِلٌ وَعَلَيْهَا عِدَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي قَالَ فِي الْكَنْزِ: وَلَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّتَهُ وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ وَجَبَ مَهْرٌ تَامٌّ وَعِدَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ (١٩) قَوْلُهُ:
وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا إلَخْ.
اعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ إنَّمَا هُوَ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، أَمَّا فِي الْفَاسِدِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ إلَّا بِالدُّخُولِ، يَعْنِي أَنَّ الْوَطْءَ، كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْبُرْجُنْدِيِّ
(٢٠) قَوْلُهُ:
لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِبَ زَوْجَتَهُ إلَخْ.
اُسْتُفِيدَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِاللَّامِ دُونَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَرْبُ زَوْجَتِهِ أَصْلًا بَلْ هُوَ مُبَاحٌ.
وَمَنْفَعَتُهُ تَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا تَرْجِعُ إلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ اسْتِقَامَتُهَا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ ضَرْبٍ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. فَإِنَّ الضَّارِبَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ.
وَكُلُّ ضَرْبٍ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ بِدُونِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الضَّارِبَ يَضْمَنُهُ إذَا مَاتَ لِتَقَيُّدِهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ. (٢١) قَوْلُهُ:
عَلَى تَرْكِ الزِّينَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا إلَخْ.
يَعْنِي إذَا كَانَتْ قَادِرَةً عَلَيْهَا وَكَانَتْ شَرْعِيَّةً وَإِلَّا فَلَا.
كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ ضَرْبُهَا لِتَرْكِ الْإِجَابَةِ إذَا كَانَتْ طَاهِرَةً عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَكَمَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا لِلْخُرُوجِ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِحَقٍّ فَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا.
وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ الْمَوَاضِعَ الَّتِي تَخْرُجُ إلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ.
стр. 564
وَعَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي رِوَايَةٍ. ٢٣ -
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ قَوْلَهُمْ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهَا.
لَهَا أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ قَبْلَ إيفَاءِ الْمُعَجَّلِ مُطْلَقًا، وَبَعْدَهُ إذَا كَانَ لَهَا حَقٌّ أَوْ عَلَيْهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَعَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي رِوَايَةٍ إلَخْ.
وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْكَنْزِ تَبَعًا لِلْكَثِيرِينَ وَفِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِمَا فِي الْحَاكِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَعُودُ إلَيْهِ بَلْ إلَيْهَا. (٢٣) قَوْلُهُ:
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ قَوْلَهُمْ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهَا إلَخْ.
حَيْثُ قَالَ فِي فَصْلِ التَّعْزِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: بِخِلَافِ الزَّوْجِ إذَا ضَرَبَ زَوْجَتَهُ لِتَرْكِ الزِّينَةِ إلَخْ.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوَاهُ: لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِبَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا فَفِي قَوْلِهِ: وَمَا فِي مَعْنَاهَا إفَادَةُ عَدَمِ الْحَصْرِ، فَمَا فِي مَعْنَاهَا مَا إذَا ضَرَبَتْ جَارِيَةٌ زَوْجَهَا غِيرَةً وَلَمْ تَتَّعِظْ بِوَعْظِهِ، فَلَهُ ضَرْبُهَا كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ مَا إذَا ضَرَبَتْ الْوَلَدَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ عِنْدَ بُكَائِهِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الدَّابَّةِ إذَا كَانَ مَمْنُوعًا فَهَذَا أَوْلَى، وَمِنْهُ مَا إذَا شَتَمَتْهُ أَوْ مَزَّقَتْ ثِيَابَهُ أَوْ أَخَذَتْ لِحْيَتَهُ أَوْ قَالَتْ لَهُ: يَا حِمَارُ يَا أَبْلَهُ يَا بَغْلَةُ، أَوْ لَعَنَتْهُ سَوَاءٌ شَتَمَهَا أَوْ لَا، عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ وَمِنْهُ: مَا إذَا شَتَمَتْ أَجْنَبِيًّا، وَمِنْهُ: مَا إذَا كَشَفَتْ وَجْهَهَا لِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ كَلَّمَتْ أَجْنَبِيًّا أَوْ تَكَلَّمَتْ عَمْدًا مَعَ الزَّوْجِ أَوْ شَاغَبَتْ مَعَهُ لِيَسْمَعَ صَوْتَهَا الْأَجْنَبِيُّ، وَمِنْهُ: مَا إذَا أَعْطَتْ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ بِلَا إذْنِهِ، حَيْثُ كَانَتْ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِهِ، وَمِنْهُ: مَا إذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْهُ: مَا إذَا طَلَبَتْ نَفَقَتَهَا وَكِسْوَتَهَا وَأَلَحَّتْ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدَ الْمُلَازَمَةِ وَلِسَانَ التَّقَاضِي، كَذَا أَفَادَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي مَسَائِلِ الضَّرْبِ مِنْ فَصْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ.
وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ لِلْكُلِّ أَنَّهَا إذَا ارْتَكَبَتْ مَعْصِيَةً لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ، فَإِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُعَزِّرَهَا كَمَا أَنَّ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ بِعَبْدِهِ.
كَذَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ فَصْلِ الْقِسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالزَّوْجِ وَبِغَيْرِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا: بِأَنَّهُ إذَا ضَرَبَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ وَأُطْلِقَ فِي الزَّوْجَةِ فَشَمِلَ الصَّغِيرَةَ.
وَلِذَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ: إنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الصِّبْيَانِ وَفِي الْقُنْيَةِ: غُلَامٌ مُرَاهِقٌ شَتَمَ عَالِمًا فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ (انْتَهَى) .
وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا لِلسَّرَخْسِيِّ: الصَّغِيرُ لَا يُمْنَعُ وُجُوبَ التَّعْزِيرِ وَلَوْ كَانَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى يُمْنَعُ.
وَعَنْ التَّرْجُمَانِ: الْبُلُوغُ يُعْتَبَرُ فِي التَّعْزِيرِ، أَرَادَ بِهِ مَا وَجَبَ حَقًّا
стр. 565
أَوْ كَانَتْ قَابِلَةً أَوْ غَسَّالَةً
ــ
[غمز عيون البصائر]
لِلَّهِ تَعَالَى نَحْوَ مَا إذَا شَرِبَ الصَّبِيُّ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ
وَمَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِيمَا يَجِبُ حَقًّا لِلْعِبَادَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا قُيِّدَ بِالزَّوْجَةِ، لِأَنَّ ضَرْبَ أُخْتِهَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إذَا بَلَغَتْ عَشْرًا لَا يَجُوزُ، كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْيَتِيمَ فِيمَا يَضْرِبُ وَلَدَهُ بِهِ، وَرَدَتْ الْآثَارُ وَالْأَخْبَارُ وَفِي الرَّوْضَةِ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ إذَا حَلَفَ وَلَدُهُ أَنْ لَا يُصَلِّي أَوْ لَا يُكَلِّمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ عَلَى الْحِنْثِ وَيُكْرِهَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْأَدَبِ وَالْعِلْمِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِضَرْبِ عَبْدِهِ حَلَّ لِلْمَأْمُورِ ضَرْبُهُ بِخِلَافِ الْحُرِّ، فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ضَرْبِ وَلَدِ الْآمِرِ بِأَمْرِهِ، بِخِلَافِ الْمُعَلِّمِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ يَضْرِبُهُ نِيَابَةً عَنْ الْأَبِ لِمَصْلَحَتِهِ، وَالْمُعَلِّمُ يَضْرِبُهُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ بِتَمْلِيكِ أَبِيهِ لِمَصْلَحَةِ الْوَلَدِ
(٢٤) قَوْلُهُ:
أَوْ كَانَتْ قَابِلَةً أَوْ غَسَّالَةً إلَخْ.
فِي الْخُلَاصَةِ: مَعْزِيًّا إلَى مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ إلَى سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: زِيَارَةُ الْأَبَوَيْنِ وَعِيَادَتُهُمَا وَتَعْزِيَتُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا وَزِيَارَةُ الْمَحَارِمِ، فَإِنْ كَانَتْ قَابِلَةً أَوْ غَسَّالَةً أَوْ كَانَ لَهَا عَلَى آخَرَ حَقٌّ تَخْرُجُ بِالْإِذْنِ وَبِغَيْرِ الْإِذْنِ وَالْحَجُّ عَلَى هَذَا أَوْ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ زِيَارَةِ الْأَجَانِبِ وَعِيَادَتِهِمْ، وَالْوَلِيمَةُ لَا يَأْذَنُ لَهَا وَلَا تَخْرُجُ، وَلَوْ أَذِنَ وَخَرَجَتْ كَانَا عَاصِيَيْنِ.
وَتُمْنَعُ مِنْ الْحَمَّامِ فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ بِغَيْرِ رِضَى الزَّوْجِ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
فَإِنْ وَقَعَتْ لَهَا نَازِلَةٌ إنْ سَأَلَ الزَّوْجُ مِنْ الْعَالِمِ وَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ لَا يَسَعُهَا الْخُرُوجُ.
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ السُّؤَالِ يَسَعُهَا الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ رِضَى الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهَا نَازِلَةٌ لَكِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ لِتَعْلَمَ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، إنْ كَانَ الزَّوْجُ يَحْفَظُ الْمَسَائِلَ وَيَذْكُرُهَا عِنْدَهَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظُ الْأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهَا أَحْيَانًا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَسَعُهَا مَا لَمْ تَقَعْ لَهَا نَازِلَةٌ.
وَفِي الْفَتَاوَى فِي بَابِ الْوَاوِ: الْمَرْأَةُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَ مَهْرَهَا لَهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي حَوَائِجِهَا وَتَزُورَ الْأَقَارِبَ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ، فَإِنْ أَعْطَاهَا الْمَهْرَ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ. (انْتَهَى) .
وَهَكَذَا فِي الْخَانِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ زَادَ: أَنَّهَا تَخْرُجُ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ أَيْضًا إذَا كَانَتْ فِي مَنْزِلٍ تَخَافُ السُّقُوطَ عَلَيْهَا، وَقَيَّدَ الْحَجَّ بِالْفَرْضِ مَعَ وُجُودِ الْمَحْرَمِ، وَقَيَّدَ خُرُوجَ الْقَابِلَةِ وَالْغَاسِلَةِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ.
وَفَسَّرَ الْغَاسِلَةَ بِمَنْ تُغَسِّلُ الْمَوْتَى وَيَنْبَغِي لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ الْقَابِلَةَ وَالْغَاسِلَةَ مِنْ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ فِي
следующие страницы →