Полный текст (1 346 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
١٧٢ - وَعَنْ «أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الْأَذَانَ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
١٧٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فِي أُذُنَيْهِ] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ؛ وَلِابْنِ مَاجَهْ أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ أَيْضًا: [وَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ] وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا: [لَوَى عُنُقَهُ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا] هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: هَاهُنَا؛ هَاهُنَا [وَلَمْ يَسْتَدِرْ] بِجُمْلَةِ بَدَنِهِ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى آدَابِ الْمُؤَذِّنِ، وَهِيَ الِالْتِفَاتُ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ، وَإِلَى جِهَةِ الشِّمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَ مَحِلَّ ذَلِكَ لَفْظُ أَبِي دَاوُد حَيْثُ قَالَ: " لَوَى عُنُقَهُ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " وَأَصْرَحُ مِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «فَجَعَلْت أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا يَمِينًا وَشِمَالًا يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الِالْتِفَاتَ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِقَوْلِهِ: " انْحِرَافُ الْمُؤَذِّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِفَمِهِ لَا بِبَدَنِهِ كُلِّهِ " قَالَ: " وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الِانْحِرَافُ بِالْفَمِ بِانْحِرَافِ الْوَجْهِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ.
" فَجَعَلَ يَقُولُ فِي أَذَانِهِ هَكَذَا، وَحَرَفَ رَأْسَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا " وَأَمَّا رِوَايَةُ: «أَنَّ بِلَالًا اسْتَدَارَ فِي أَذَانِهِ» فَلَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: لَا يَدُورُ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ، قَصْدًا لِإِسْمَاعِ أَهْلِ الْجِهَتَيْنِ.
وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ فَائِدَةَ الْتِفَاتِهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِهِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلْمُؤَذِّنِ، لِيَعْرِفَ مَنْ يَرَاهُ عَلَى بُعْدٍ، أَوْ مَنْ كَانَ بِهِ صَمَمٌ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ، وَهَذَا فِي الْأَذَانِ.
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَعَنْ «أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ فَعَلَّمَهُ الْأَذَانَ» رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقِصَّةَ، وَاسْتِحْسَانَهُ ﷺ لِصَوْتِهِ، وَأَمْرَهُ لَهُ بِالْأَذَانِ بِمَكَّةَ؛ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَوْتُ الْمُؤَذِّنِ حَسَنًا.
وَعَنْ " جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ " ﵁ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ
стр. 177
١٧٤ - وَنَحْوُهُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ.
١٧٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي نَوْمِهِمْ عَنْ الصَّلَاةِ - «ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ» أَيْ بَلْ مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ [بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ] أَيْ حَالَ كَوْنِ الصَّلَاةِ غَيْرَ مَصْحُوبَةٍ بِأَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَع لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ، وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَقَدْ رُوِيَ خِلَافُ هَذَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةَ، " وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ "، قِيَاسًا مِنْهُمْ لِلْعِيدَيْنِ عَلَى الْجُمُعَةِ، وَهُوَ قِيَاسٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ فِعْلُ ذَلِكَ بِدْعَةٌ، إذْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ الشَّارِعِ، وَلَا عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَيَزِيدُهُ تَأْكِيدًا قَوْلُهُ:
وَنَحْوُهُ: أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ " جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ " [فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ] أَيْ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَى إخْرَاجِهِ الشَّيْخَانِ
[عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ وَغَيْرِهِ] مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْعِيدِ عِوَضًا عَنْ الْأَذَانِ " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ "، فَلَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.
قَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: «وَكَانَ ﷺ إذَا انْتَهَى إلَى الْمُصَلَّى أَخَذَ فِي الصَّلَاةِ: أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، وَلَا قَوْلِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ»، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يُفْعَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَبِهِ يُعْرَفُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الشَّرْحِ: وَيُسْتَحَبُّ فِي الدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يُشْرَعُ فِيهِ أَذَانٌ كَالْجِنَازَةِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَمَا تَرَكَهُ ﷺ ؛ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، نَعَمْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ لَا غَيْرُ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ سَبَبُهُ فِي عَصْرِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَفِعْلُهُ بَعْدَ عَصْرِهِ بِدْعَةٌ، فَلَا يَصِحُّ إثْبَاتُهُ بِقِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ.
[وَعَنْ " أَبِي قَتَادَةَ ": فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي نَوْمِهِمْ عَنْ الصَّلَاةِ] أَيْ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ عِنْدَ قُفُولِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ الصَّحِيحُ [ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ] أَيْ بِأَمْرِهِ ﷺ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ثُمَّ: «أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ فَنَادَى بِهَا» فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّأْذِينِ لِلصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ بِنَوْمٍ، وَيُلْحَقُ بِهَا الْمَنْسِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ جَمَعَهُمَا فِي الْحُكْمِ حَيْثُ قَالَ: " مَنْ نَامَ عَنْ
стр. 178
١٧٦ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ»
١٧٧ - وَلَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ». وَزَادَ أَبُو دَاوُد: لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
صَلَاتِهِ أَوْ نَسِيَهَا " الْحَدِيثَ؛ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ ﷺ : أَمَرَ بِلَالًا بِالْإِقَامَةِ» وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَذَانَ؛ «بِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَمَرَ لَهَا بِالْإِقَامَةِ» وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَذَانَ، كَمَا فِي حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ " عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَهَذِهِ لَا تُعَارِضُ رِوَايَةَ " أَبِي قَتَادَةَ "؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ، وَخَبَرُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " " وَأَبِي سَعِيدٍ " لَيْسَ فِيهِمَا ذِكْرُ الْأَذَانِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ فَلَا مُعَارَضَةَ، إذْ عَدَمُ الذِّكْرِ لَا يُعَارِضُ الذِّكْرَ.
[وَلَهُ] أَيْ لِمُسْلِمٍ [عَنْ " جَابِرٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ] أَيْ مُنْصَرِفًا عَنْ عَرَفَاتٍ [فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ] جَمَعَ بَيْنَهُمَا [بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ].
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ صَلَّى أَيْ بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ؛ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ؛ وَقَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» وَيُعَارِضُهُمَا مَعًا قَوْلُهُ:
١٧٧ - وَلَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ». وَزَادَ أَبُو دَاوُد: لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
[وَلَهُ] أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا أَذَانَ فِيهِمَا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِنَّ فِيهِ قَالَ: " سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " " أَفَضْنَا مَعَ " ابْنِ عُمَرَ " حَتَّى أَتَيْنَا جَمْعًا: أَيْ الْمُزْدَلِفَةَ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لَهَا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، «فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ». وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَذَانَ بِهِمَا، وَأَنَّهُ لَا إقَامَةَ إلَّا وَاحِدَةً لِلصَّلَاتَيْنِ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: [وَزَادَ أَبُو دَاوُد] أَيْ مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ " [لِكُلِّ صَلَاةٍ] أَيْ أَنَّهُ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ زَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً، فَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ تُقَيَّدُ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد هَذِهِ [وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ] أَيْ لِأَبِي دَاوُد عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " [وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا] وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْأَذَانِ.
وَقَدْ تَعَارَضَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ، فَجَابِرٌ أَثْبَتَ أَذَانًا وَاحِدًا وَإِقَامَتَيْنِ، " وَابْنُ عُمَرَ " نَفَى الْأَذَانَ وَأَثْبَتَ الْإِقَامَتَيْنِ، وَحَدِيثُ " ابْنِ مَسْعُودٍ "
стр. 179
١٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵃ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي، حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت، أَصْبَحْت». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِهِ إدْرَاجٌ
الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَثْبَتَ الْأَذَانَيْنِ وَالْإِقَامَتَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي عَمِلْنَا بِخَبَرِ " ابْنِ مَسْعُودٍ "، وَالشَّارِحُ ﵀ قَالَ: يُقَدَّمُ خَبَرُ " جَابِرٍ "، أَيْ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ لِلْأَذَانِ عَلَى خَبَرِ " ابْنِ عُمَرَ "؛ لِأَنَّهُ نَافٍ لَهُ، وَلَكِنْ نَقُولُ: بَلْ نُقَدِّمُ خَبَرَ " ابْنِ مَسْعُودٍ "؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إثْبَاتًا.
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " " وَعَائِشَةَ " ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ» قَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قُبَيْلَ الْفَجْرِ، فَإِنَّ فِيهَا: " وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا " وَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ بِلَفْظِ: " إلَّا أَنْ يَصْعَدَ هَذَا وَيَنْزِلَ هَذَا «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَاسْمُهُ " عَمْرٌو " [وَكَانَ] أَيْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ [رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت] أَيْ دَخَلْت فِي الصَّبَاحِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي آخِرِهِ إدْرَاجٌ أَيْ كَلَامٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ: " وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، إلَى آخِرِهِ "، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ هَكَذَا " وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى " بِزِيَادَةِ لَفْظِ قَالَ، وَبَيَّنَ الشَّارِحُ فَاعِلَ قَالَ أَنَّهُ " ابْنُ عُمَرَ "، وَقِيلَ: الزُّهْرِيُّ، فَهُوَ كَلَامُ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَفِي الْحَدِيثِ شَرْعِيَّةُ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ لَا لِمَا شُرِعَ لَهُ الْأَذَانُ، فَإِنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ كَمَا سَلَفَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَلِدُعَاءِ السَّامِعِينَ لِحُضُورِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا الْأَذَانُ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ قَدْ أَخْبَرَ ﷺ بِوَجْهِ شَرْعِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: [لِيُوقِظَ نَائِمَكُمْ وَيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ] رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَالْقَائِمُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ، وَرُجُوعُهُ عَوْدُهُ إلَى نَوْمِهِ، أَوْ قُعُودُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ فَلَيْسَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ وَقْتٍ، وَلَا لِحُضُورِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالتَّسْبِيحَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ كَانَ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ؛ وَهُوَ مِثْلُ النِّدَاءِ الَّذِي أَحْدَثَهُ " عُثْمَانُ " فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِصَلَاتِهَا، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالنِّدَاءِ لَهَا فِي مَحَلٍّ يُقَالُ لَهُ الزَّوْرَاءُ، لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ، وَكَانَ يُنَادَى لَهَا بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ الْمَشْرُوعِ، ثُمَّ جَعَلَهُ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ تَسْبِيحًا بِالْآيَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَذِكْرُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالِاسْتِدْلَالُ لِلْمَانِعِ وَالْمُجِيزِ، لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ مَنْ هَمُّهُ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ، وَفِي قَوْلِهِ: " كُلُوا وَاشْرَبُوا " أَيْ أَيُّهَا الْمُرِيدُونَ لِلصِّيَامِ " حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ " مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ إلَى أَذَانِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: " إنَّهُ كَانَ لَا يُؤَذِّنُ " أَيْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ " حَتَّى يُقَالَ
стр. 180
١٧٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَضَعَّفَهُ.
١٨٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
لَهُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت " مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بَعْدَ دُخُولِ الْفَجْرِ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَصْبَحْت أَصْبَحْت " قَارَبْت الصَّبَاحَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَأَذَانُهُ يَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَذِّنُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا أَذَانُ اثْنَيْنِ مَعًا فَمَنَعَهُ قَوْمٌ وَقَالُوا: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ؛ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِذَلِكَ تَشْوِيشٌ.
قُلْت: فِي هَذَا الْمَأْخَذِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بِلَالًا لَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ لِلْفَرِيضَةِ كَمَا عَرَفْت، بَلْ الْمُؤَذِّنُ لَهَا وَاحِدٌ هُوَ " ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ".
وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُؤَذِّنِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ، وَعَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْوَاحِدِ، وَعَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وَعَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الصَّوْتِ فِي الرِّوَايَةِ إذَا عَرَفَهُ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْ الرَّاوِي، وَعَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الرَّجُلِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْعَاهَةِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ التَّعْرِيفَ بِهِ وَنَحْوَهُ، وَجَوَازِ نِسْبَتِهِ إلَى أُمِّهِ، إذَا اُشْتُهِرَ بِذَلِكَ.
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄ «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَضَعَّفَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ عَقِبَ إخْرَاجِهِ: هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَيُّوبَ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ؛ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ؛ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَأَخْطَأَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: لَا يُشْرَعُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُقَاوِمُ الْحَدِيثَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَبْلَ شَرْعِيَّةِ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِلَالٌ هُوَ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ " عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ " أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ أَلْفَاظَ الْأَذَانِ؛ ثُمَّ اتَّخَذَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ " بَعْدَ ذَلِكَ مُؤَذِّنًا مَعَ " بِلَالٍ "، فَكَانَ " بِلَالٌ " يُؤَذِّنُ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ، لِمَا ذَكَرَهُ ﷺ مِنْ فَائِدَةِ أَذَانِهِ، ثُمَّ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَذَّنَ " ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ".
стр. 181
١٨١ - وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ مِثْلُهُ
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِيهِ شَرْعِيَّةُ الْقَوْلِ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ؛ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ مِنْ طَهَارَةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا؛ إلَّا حَالَ الْجِمَاعِ، وَحَالَ التَّخَلِّي، لِكَرَاهَةِ الذِّكْرِ فِيهِمَا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّامِعُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْإِجَابَةَ إلَى بَعْدِ خُرُوجِهِ مِنْهَا؛ وَالْأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى السَّامِعِ لَا عَلَى مَنْ رَآهُ فَوْقَ الْمَنَارَةِ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ كَانَ أَصَمَّ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فَقَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَآخَرُونَ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجِبُ، وَاسْتَدَلُّوا «بِأَنَّهُ ﷺ سَمِعَ مُؤَذِّنًا فَلَمَّا كَبَّرَ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ، فَلَمَّا تَشَهَّدَ، قَالَ: خَرَجْت مِنْ النَّارِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
قَالُوا: فَلَوْ كَانَتْ الْإِجَابَةُ وَاجِبَةً لَقَالَ ﷺ كَمَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ " لِلِاسْتِحْبَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الرَّاوِي مَا يَدُلُّ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْ، كَمَا قَالَ فَيَجُوزُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي اكْتِفَاءً بِالْعَادَةِ، وَنَقَلَ الزَّائِدَ، وَقَوْلُهُ: " مِثْلَ مَا يَقُولُ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتْبَعُ كُلَّ كَلِمَةٍ يَسْمَعُهَا فَيَقُولُ مِثْلَهَا. وَقَدْ رَوَتْ " أُمُّ سَلَمَةَ " «أَنَّهُ ﷺ : كَانَ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى يَسْكُتَ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، فَلَوْ لَمْ يُجَاوِبْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْأَذَانِ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّدَارُكُ إنْ لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ " فِي النِّدَاءِ " أَنَّهُ يُجِيبُ كُلَّ مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَإِجَابَةُ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: إلَّا فِي الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ فَهُمَا سَوَاءٌ،؛ لِأَنَّهُمَا مَشْرُوعَانِ.
قُلْت: يُرِيدُ الْأَذَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْأَذَانَ قَبْلَ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ قَدْ صَحَّتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَذَانًا فِي قَوْلِهِ: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ» فَيَدْخُلُ تَحْتَ حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ ".
وَأَمَّا الْأَذَانُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مُحْدَثٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ ، وَلَا يُسَمَّى أَذَانًا شَرْعِيًّا.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ كَالْمُؤَذِّنِ؛ لِأَنَّ رَفْعَهُ لِصَوْتِهِ لِقَصْدِ الْإِعْلَامِ بِخِلَافِ الْمُجِيبِ، وَلَا يَكْفِي إمْرَارُهُ الْإِجَابَةَ عَلَى خَاطِرِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلٍ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ " وَالْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ
١٨١ - وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ مِثْلُهُ. [وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ مِثْلُهُ] أَيْ مِثْلُ حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ "، أَنَّ السَّامِعَ يَقُولُ كَقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِهِ إلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَيَقُولُ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ
стр. 182
١٨٢ - وَلِمُسْلِمٍ «عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي فَضْلِ الْقَوْلِ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَيَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ».
وَلِمُسْلِمٍ «عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي فَضْلِ الْقَوْلِ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَيَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ». [وَلِمُسْلِمٍ عَنْ " عُمَرَ " فِي فَضْلِ الْقَوْلِ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً سِوَى الْحَيْعَلَتَيْنِ] حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؛ فَإِنَّهُ يُخَصِّصُ مَا قَبْلَهُ [فَيَقُولُ]: أَيْ السَّامِعُ [لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ] عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا الْمَتْنُ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ " مُعَاوِيَةُ " كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، " وَعُمَرَ " كَمَا فِي مُسْلِمٍ، وَإِنَّمَا اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ: وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ " مُعَاوِيَةَ ": أَيْ الْقَوْلُ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ إلَى آخِرِ مَا سَاقَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ " عُمَرَ "؛ إذَا عَرَفْت هَذَا فَيَقُولُهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَى أَنْ قَالَ: فَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ إذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَوْقَلَ، وَإِذَا قَالَهَا ثَانِيَةً حَوْقَلَ، وَمِثْلُهُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَيَكُنْ أَرْبَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَكْفِي حَوْقَلَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ الْأُولَى مِنْ الْحَيْعَلَتَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ " وَفِيهِ: " يَقُولُ ذَلِكَ " وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ " فِي فَضْلِ الْقَوْلِ "؛ لِأَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: " إذَا قَالَ السَّامِعُ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ " وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ؛ بَلْ بِمَعْنَاهُ.
هَذَا وَالْحَوْلُ: هُوَ الْحَرَكَةُ: أَيْ لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: لَا حَوْلَ فِي دَفْعِ شَرٍّ، وَلَا قُوَّةَ فِي تَحْصِيلِ خَيْرٍ إلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ: لَا حَوْلَ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَتِهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إلَّا بِمَعُونَتِهِ، وَحُكِيَ هَذَا عَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ " مَرْفُوعًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُقَيِّدٌ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ " الَّذِي فِيهِ " فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ " أَيْ فِيمَا عَدَا الْحَيْعَلَةَ، وَقِيلَ: يَجْمَعُ السَّامِعُ بَيْنَ الْحَيْعَلَةِ وَالْحَوْقَلَةِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ، أَوْ تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْنَى مُنَاسِبٌ لِإِجَابَةِ الْحَيْعَلَةِ مِنْ السَّامِعِ بِالْحَوْقَلَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا دُعِيَ إلَى مَا فِيهِ الْفَوْزُ وَالْفَلَاحُ وَالنَّجَاةُ وَإِصَابَةُ الْخَيْرِ نَاسَبَ أَنْ يَقُولَ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا أَسْتَطِيعُ مَعَ ضَعْفِي الْقِيَامَ بِهِ، إلَّا إذَا وَفَّقَنِي اللَّهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَلِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذَانِ ذِكْرُ اللَّهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُجِيبَ بِهَا إذْ هُوَ ذِكْرٌ لَهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْحَيْعَلَةُ فَإِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ، وَاَلَّذِي يَدْعُو إلَيْهَا هُوَ الْمُؤَذِّنُ، وَأَمَّا السَّامِعُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى مَا دُعِيَ إلَيْهِ، وَإِجَابَتُهُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ لَا فِيمَا عَدَاهُ.
وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا هُوَ الطَّرِيقَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، أَوْ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى
стр. 183
١٨٣ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إمَامَ قَوْمِي. فَقَالَ: أَنْتَ إمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاِتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
الْعَامِّ، فَهِيَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ. وَهَلْ يُجِيبُ عِنْدَ التَّرْجِيعِ أَوْ لَا يُجِيبُ وَعِنْدَ التَّثْوِيبِ فِيهِ خِلَافٌ؛ وَقِيلَ: يَقُولُ فِي جَوَابِ التَّثْوِيبِ صَدَقْت وَبَرَرْت، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ مِنْ قَائِلِهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِيهِ سُنَّةٌ تُعْتَمَدُ.
(فَائِدَةٌ)
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا» وَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ بِنَحْوِ حَدِيثِ " عُمَرَ " فِي الْأَذَانِ، يُرِيدُ بِحَدِيثِ " عُمَرَ " مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَسُقْنَاهُ فِي الشَّرْحِ، مِنْ مُتَابَعَةِ الْمُقِيمِ فِي أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ كُلِّهَا.
[وَعَنْ " عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرٍ الثَّقَفِيُّ، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الطَّائِفِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ ﷺ ، وَخِلَافَةِ " أَبِي بَكْرٍ "، وَسِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ " عُمَرَ "، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّاهُ " عُمَانَ " وَ " الْبَحْرَيْنِ "، وَكَانَ مِنْ الْوَافِدِينَ عَلَيْهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا، لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَزَمَتْ ثَقِيفٌ عَلَى الرِّدَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا ثَقِيفُ كُنْتُمْ آخِرَ النَّاسِ إسْلَامًا فَلَا تَكُونُوا أَوَّلَهُمْ رِدَّةً، فَامْتَنَعُوا مِنْ الرِّدَّةِ؛ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ.
أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: أَنْتَ إمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ» أَيْ اجْعَلْ أَضْعَفَهُمْ بِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا قُدْوَةً لَك، تُصَلِّي بِصَلَاتِهِ تَخْفِيفًا «وَاِتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ طَلَبِ الْإِمَامَةِ فِي الْخَيْرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَدْعِيَةِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَلَيْسَ مِنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرِيَاسَةِ الدُّنْيَا الَّتِي لَا يُعَانُ مَنْ طَلَبَهَا، وَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْطَاهَا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَنَى إمَامِ الصَّلَاةِ أَنْ يُلَاحِظَ حَالَ الْمُصَلِّينَ خَلْفَهُ، فَيَجْعَلَ أَضْعَفَهُمْ كَأَنَّهُ الْمُقْتَدَى بِهِ، فَيُخَفِّفَ لِأَجْلِهِ، وَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ تَخْفِيفُهُ، وَأَنَّهُ يَتَّخِذُ الْمَتْبُوعُ مُؤَذِّنًا لِيَجْمَعَ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ وَأَنَّ صِفَةَ الْمُؤَذِّنِ الْمَأْمُورِ بِاِتِّخَاذِهِ أَنْ لَا
стр. 184
١٨٤ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ.
١٨٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْت فَاحْدُرْ وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ» الْحَدِيثُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ.
يَأْخُذَ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا: أَيْ أُجْرَةً، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا لَيْسَ مَأْمُورًا بِاِتِّخَاذِهِ، وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ؟: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَخْذُهَا عَلَى التَّأْذِينِ فِي مَحِلٍّ مَخْصُوصٍ، إذْ لَيْسَتْ عَلَى الْأَذَانِ حِينَئِذٍ، بَلْ عَلَى مُلَازَمَةِ الْمَكَانِ كَأُجْرَةِ الرَّصْدِ.
[وَعَنْ " مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ، وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ بِهَا.
قَالَ: «قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ»؛ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِأَلْفَاظٍ. أَحَدُهَا: قَالَ " مَالِكٌ ": «أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إلَى أَهْلِينَا قَالَ: ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
فَسَاقَ الْمُصَنِّفُ قِطْعَةً مِنْهُ، هِيَ مَوْضُوعُ مَا يُرِيدُهُ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الْأَذَانِ، وَدَلِيلُ إيجَابِهِ الْأَمْرُ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُؤَذِّنِ غَيْرُ الْإِيمَانِ، لِقَوْلِهِ: " أَحَدُكُمْ "
[وَعَنْ " جَابِرٍ " ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ» أَيْ رَتِّلْ أَلْفَاظَهُ، وَلَا تُعَجِّلْ، وَلَا تُسْرِعْ فِي سَرْدِهَا [وَإِذَا أَقَمْت فَاحْدُرْ بِالْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالدَّالُ مَضْمُومَةٌ فَرَاءٌ. وَالْحَدْرُ: الْإِسْرَاعُ «وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ
стр. 185
١٨٦ - وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» وَضَعَّفَهُ أَيْضًا
مِنْ أَكْلِهِ» أَيْ تَمَهَّلْ وَقْتًا يُقَدَّرُ فِيهِ فَرَاغُ الْآكِلِ مِنْ أَكْلِهِ، الْحَدِيثَ. بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ اقْرَأْ الْحَدِيثَ، أَوْ أَتِمَّ، أَوْ نَحْوُهُ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَإِنَّمَا يَأْتُونَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إذَا لَمْ يَسْتَوْفُوا لَفْظَ الْحَدِيثِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: الْآيَةُ، وَالْبَيْتُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَسْتَوْفِهِ الْمُصَنِّفُ وَتَمَامُهُ: " وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. قَالَ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَمِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ، أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ، وَمِنْ حَدِيثِ " أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، وَكُلُّهَا وَاهِيَةٌ، إلَّا أَنَّهُ يُقَوِّيهَا الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ لَهُ الْأَذَانُ
، فَإِنَّهُ نِدَاءٌ، لِغَيْرِ الْحَاضِرِينَ لِيَحْضُرُوا لِلصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ وَقْتٍ يَتَّسِعُ لِلذَّهَابِ لِلصَّلَاةِ وَحُضُورِهَا، وَإِلَّا لَضَاعَتْ فَائِدَةُ النِّدَاءِ. وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ: " بَابُ كَمْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ " وَلَكِنْ لَمْ يُثْبِت التَّقْدِيرَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا حَدَّ لِذَلِكَ غَيْرَ تَمَكُّنِ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ.:
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّرَسُّلِ فِي الْأَذَانِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْإِعْلَامُ لِلْبَعِيدِ، وَهُوَ مَعَ التَّرَسُّلِ أَكْثَرُ إبْلَاغًا، وَعَلَى شَرْعِيَّةِ الْحَدْرِ وَالْإِسْرَاعِ فِي الْإِقَامَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا إعْلَامُ الْحَاضِرِينَ، فَكَانَ الْإِسْرَاعُ بِهَا أُنْسَبَ، لِيَفْرُغَ مِنْهَا بِسُرْعَةٍ، فَيَأْتِي بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ الصَّلَاةُ.
وَلَهُ] أَيْ التِّرْمِذِيُّ [عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» وَضَعَّفَهُ أَيْضًا أَيْ كَمَا ضَعَّفَ الْأَوَّلَ، فَإِنَّهُ ضَعَّفَ هَذَا بِالِانْقِطَاعِ، إذْ هُوَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ "؛ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالزُّهْرِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَالرَّاوِي عَنْ الزُّهْرِيِّ ضَعِيفٌ، وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مَوْقُوفًا إلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ: " لَا يُنَادِي " وَهَذَا أَصَحُّ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «إنَّ الْأَذَانَ مُتَّصِلٌ بِالصَّلَاةِ فَلَا يُؤَذِّنُ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ». وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِلْأَذَانِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَمِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ بِالْأُولَى؛ وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْجُنُبِ، وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ، عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ
قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى شَرْطِيَّةِ كَوْنِ الْمُؤَذِّنِ مُتَوَضِّئًا، فَلَا وَجْهَ
стр. 186
١٨٧ - وَلَهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» وَضَعَّفَهُ أَيْضًا
١٨٨ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْته - يَعْنِي الْأَذَانَ - وَأَنَا كُنْت أُرِيدُهُ. قَالَ: فَأَقِمْ أَنْتَ» وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا.
لِمَا قَالُوهُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَدَثَيْنِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ لِصِحَّتِهِ مِنْ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ بِالْقِيَاسِ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَقِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَهُمْ فِي الْأُصُولِ.
وَقَدْ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَذَانُ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ، عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا عَرَفْت، وَالتِّرْمِذِيُّ صَحَّحَ وَقْفَهُ عَلَى " أَبِي هُرَيْرَةَ ".
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَالْأَكْثَرُ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْوُضُوءِ لَهَا قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: تَجُوزُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا؛ وَقَالَ آخَرُونَ: تَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ. .
[وَلَهُ] أَيْ التِّرْمِذِيِّ [عَنْ " زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ: " زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ، بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، وَصُدَاءُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ هَمْزَةٌ: اسْمُ قَبِيلَةٍ. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَنْ أَذَّنَ] عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ ؛ " إنَّ أَخَا صُدَاءَ قَدْ أَذَّنَ " [فَهُوَ يُقِيمُ] وَضَعَّفَهُ أَيْضًا، أَيْ كَمَا ضَعَّفَ مَا قَبْلَهُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ الْإِفْرِيقِيِّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُقَارِبٌ لِحَدِيثٍ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِقَامَةَ حَقٌّ لِمَنْ أَذَّنَ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ، وَعَضَّدَ حَدِيثَ الْبَابِ حَدِيثُ " ابْنِ عُمَرَ " بِلَفْظِ «مَهْلًا يَا بِلَالُ فَإِنَّمَا يُقِيمُ مَنْ أَذَّنَ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْعُقَيْلِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ: تُجْزِئُ إقَامَةُ غَيْرِ مَنْ أَذَّنَ، لِعَدَمِ نُهُوضِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ:
١٨٨ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْته - يَعْنِي الْأَذَانَ - وَأَنَا كُنْت أُرِيدُهُ. قَالَ: فَأَقِمْ أَنْتَ» وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا.
[وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَيْ ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ " الَّذِي تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ أَوَّلَ الْبَابِ [أَنَّهُ قَالَ]: أَيْ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى " بِلَالٍ " [أَنَا رَأَيْته: يَعْنِي الْأَذَانَ] فِي
стр. 187
١٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ، وَالْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ. وَلِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ.
الْمَنَامِ [وَأَنَا كُنْت أُرِيدُهُ، قَالَ: فَأَقِمْ أَنْتَ] وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا؛ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارِحُ لِبَيَانِ وَجْهِهِ وَلَا بَيَّنَهُ أَبُو دَاوُد، بَلْ سَكَتَ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: إنَّهُ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ اخْتِلَافًا؛ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال، نَعَمْ الْأَصْلُ جَوَازُ كَوْنِ الْمُقِيمِ غَيْرَ الْمُؤَذِّنِ، وَالْحَدِيثُ يُقَوِّي ذَلِكَ الْأَصْلَ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ» أَيْ وَقْتُهُ مَوْكُولٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَيْهِ «وَالْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ» فَلَا يُقِيمُ إلَّا بَعْدَ إشَارَتِهِ رَوَاهُ " ابْنُ عَدِيٍّ ". هُوَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، الْإِمَامُ الشَّهِيرُ: أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيِّ وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِابْنِ الْقَصَّارِ، صَاحِبُ كِتَابِ " الْكَامِلِ " فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، كَانَ أَحَدَ الْأَعْلَامِ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَمِعَ عَلَى خَلَائِقَ، وَعَنْهُ أُمَمٌ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَ ثِقَةً عَلَى لَحْنٍ فِيهِ. قَالَ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ: كَانَ ابْنُ عَدِيٍّ حَافِظًا مُتَفَنِّنًا، لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَحَدٌ مِثْلَهُ، قَالَ الْخَلِيلِيُّ: كَانَ عَدِيمَ النَّظِيرِ حِفْظًا وَجَلَالَةً، سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَافِظَ فَقَالَ: زِرُّ قَمِيصِ ابْنِ عَدِيٍّ أَحْفَظُ مِنْ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ؛ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. [وَضَعَّفَهُ]؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي تَرْجَمَةِ شَرِيكٍ الْقَاضِي وَتَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ: أَيْ أَنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِ الْأَذَانِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَمِينُ عَلَى الْوَقْتِ، وَالْمَوْكُولُ بِارْتِقَابِهِ، وَعَلَى أَنَّ الْإِمَامَ أُمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ، فَلَا يُقِيمُ إلَّا بَعْدَ إشَارَةِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُقِيمَ يُقِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْإِمَامُ فَإِقَامَتُهُ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى إذْنِهِ، كَذَا فِي الشَّرْحِ؛ وَلَكِنْ قَدْ وَرَدَ: «أَنَّهُ كَانَ بِلَالٌ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ يَأْتِي إلَى مَنْزِلِهِ ﷺ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ» وَالْإِيذَانُ لَهَا بَعْدَ الْأَذَانِ اسْتِئْذَانٌ فِي الْإِقَامَةِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ " جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ": «بِأَنَّ بِلَالًا كَانَ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » قَالَ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُرَاقِبُ وَقْتَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا رَآهُ يَشْرَعُ فِي الْإِقَامَةِ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ غَالِبُ النَّاسِ، ثُمَّ إذَا رَأَوْهُ قَامُوا (اهـ). وَأَمَّا تَعْيِينُ وَقْتِ قِيَامِ
стр. 188
١٩٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
- وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ.
الْمُؤْتَمِّينَ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: لَمْ أَسْمَعْ فِي قِيَامِ النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ حَدًّا مَحْدُودًا، إلَّا أَنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى طَاقَةِ النَّاسِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ الثَّقِيلَ وَالْخَفِيفَ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ إنْ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَقُومُوا حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ؛ عَنْ " أَنَسٍ " أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ.
وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَبَ الْقِيَامُ؛ وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، عُدِّلَتْ الصُّفُوفُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَبَّرَ الْإِمَامُ، وَلَكِنَّ هَذَا رَأْيٌ مِنْهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ سُنَّةٌ. [وَلِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ] أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " [عَنْ " عَلِيٍّ " ﵇ مِنْ قَوْلِهِ].
[وَعَنْ " أَنَسٍ " قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَيْضًا، وَلَفْظُهُ هَكَذَا عَنْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» (اهـ). قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (اهـ).
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الدُّعَاءِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ، إذْ عَدَمُ الرَّدِّ يُرَادُ بِهِ الْقَبُولُ وَالْإِجَابَةُ، ثُمَّ هُوَ عَامٌّ لِكُلِّ دُعَاءٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا فِي الْأَحَادِيثِ غَيْرِهِ، مِنْ أَنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ دَعَا بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ. هَذَا وَقَدْ وَرَدَ تَعْيِينُ أَدْعِيَةٍ تُقَالُ بَعْدَ الْأَذَانِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: أَنْ يَقُولَ: «رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا قَالَ ﵌: إنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ»: أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ: أَكْمَلُ مَا يُصَلَّى بِهِ وَيُصَلَّى إلَيْهِ كَمَا عَلَّمَ أُمَّتَهُ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ،
стр. 189
١٩١ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ أَكْمَلُ مِنْهَا؛ قُلْت: وَسَتَأْتِي صِفَتُهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.:
أَنْ يَقُولَ بَعْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ» وَهَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَزَادَ غَيْرُهُ: " إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ " أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: " قُلْ مِثْلَ مَا يَقُولُ " أَيْ الْمُؤَذِّنُ " فَإِذَا انْتَهَتْ فَسَلْ تُعْطَهُ ". وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُنَادِي الْمُنَادِي: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْقَائِمَةِ، وَالصَّلَاةِ النَّافِعَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَارْضَ عَنْهُ رِضًا لَا سَخَطَ بَعْدَهُ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ». وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ " أُمِّ سَلَمَةَ " ﵂ قَالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِك وَإِدْبَارُ نَهَارِك وَأَصْوَاتُ دُعَاتِك؛ فَاغْفِرْ لِي». وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ " أَبِي أُمَامَةَ " يَرْفَعُهُ قَالَ: «كَانَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُسْتَجَابَةِ الْمُسْتَجَابِ لَهَا، دَعْوَةُ الْحَقِّ وَكَلِمَةُ التَّقْوَى، تَوَفَّنِي عَلَيْهَا وَأَحْيِنِي عَلَيْهَا وَاجْعَلْنِي مِنْ صَالِحِي أَهْلِهَا عَمَلًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَقَدْ عَيَّنَ ﷺ مَا يُدْعَى بِهِ أَيْضًا لَمَّا قَالَ «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ، قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ: " أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا ".
وَفِي الْمَقَامِ أَدْعِيَةٌ أُخَرُ.
باب شروط الصلاة
الشَّرْطُ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أَيْ عَلَامَاتُ السَّاعَةِ. وَفِي لِسَانِ الْفُقَهَاءِ: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ.
١٩١ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (وَعَنْ " عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ) تَقَدَّمَ " طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ " فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّهُ
стр. 190
١٩٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
وَالِدُ " طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ " الْحَنَفِيِّ؛ وَمَالَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ إلَى أَنَّ " عَلِيَّ بْنَ طَلْقٍ " وَطَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ " اسْمٌ لِذَاتٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ؛ كَأَنَّهُ عَبَّرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ اخْتِصَارًا، وَإِلَّا فَأَصْلُهَا: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مِرَارًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ صَحَّحَ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا غَيْرُهُ، وَلَمْ يُخَرِّجْهَا هُوَ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ وَقَدْ أَعَلَّ الْحَدِيثَ ابْنُ الْقَطَّانِ بِمُسْلِمِ بْنِ سَلَّامٍ الْحَنَفِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا أَعْلَمُ لِعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفُسَاءَ نَاقِضُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ النَّوَاقِضِ، وَأَنَّهُ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ " عَائِشَةَ " فِيمَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ رُعَافٌ؛ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِهَذَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ مَقَالٌ، وَالشَّارِحُ جَنَحَ إلَى تَرْجِيحِ هَذَا؛ قَالَ: لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ لِاسْتِئْنَافِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ نَافٍ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا نَافٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مُثْبِتٌ لَهَا، فَالْأَوْلَى التَّرْجِيحُ بِأَنَّ هَذَا قَالَ بِصِحَّتِهِ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِصِحَّتِهِ، فَهَذَا أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ.
[وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ] الْمُرَادُ بِهَا الْمُكَلَّفَةُ، وَإِنْ تَكَلَّفَتْ بِالِاحْتِلَامِ مَثَلًا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحَيْضِ نَظَرًا إلَى الْأَغْلَبِ [إلَّا بِخِمَارٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ آخِرُهُ رَاءٌ؛ هُوَ هُنَا مَا يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ وَالْعُنُقُ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إنَّ وَقْفَهُ أَشْبَهُ، وَأَعَلَّهُ الْحَاكِمُ بِالْإِرْسَالِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي قَتَادَةَ " بِلَفْظِ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ امْرَأَةٍ صَلَاةً حَتَّى تُوَارِيَ زِينَتَهَا، وَلَا مِنْ جَارِيَةٍ بَلَغَتْ الْمَحِيضَ حَتَّى تَخْتَمِرَ» وَنَفْيُ الْقَبُولِ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا نَفْيُ الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ؛ وَقَدْ يُطْلَقُ الْقَبُولُ وَيُرَادُ بِهِ كَوْنُ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ، فَإِذَا نَفَى كَانَ نَفْيًا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الثَّوَابِ لَا نَفْيًا لِلصِّحَّةِ، كَمَا وَرَدَ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ الْآبِقِ؛ وَلَا مَنْ فِي جَوْفِهِ خَمْرٌ» كَذَا قِيلَ: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي رِسَالَةِ الْإِسْبَالِ،
стр. 191
١٩٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ فِي الصَّلَاةِ». وَلِمُسْلِمٍ: " فَخَالِفْ بَيْنَ طَرْفَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاِتَّزِرْ بِهِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
١٩٤ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
وَحَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: أَنَّ نَفْيَ الْقَبُولِ يُلَازِمُ نَفْيَ الصِّحَّةِ.
وَفِي قَوْلِهِ " إلَّا بِخِمَارٍ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ رَأْسِهَا وَعُنُقِهَا وَنَحْوِهِ، مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ الْخِمَارُ؛ وَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " أُمِّ سَلَمَةَ " فِي صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ، وَأَنَّهُ قَالَ ﷺ : «إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صَلَاتِهَا مِنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهَا وَرَقَبَتِهَا، كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ الْخِمَارِ، وَمِنْ تَغْطِيَةِ بَقِيَّةِ بَدَنِهَا حَتَّى ظَهْرِ قَدَمَيْهَا كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ " أُمِّ سَلَمَةَ "، وَيُبَاحُ كَشْفُ وَجْهِهَا حَيْثُ لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ بِتَغْطِيَتِهِ، وَالْمُرَادُ كَشْفُهُ عِنْدَ صَلَاتِهَا بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا أَجْنَبِيٌّ، فَهَذِهِ عَوْرَتُهَا فِي الصَّلَاةِ؛ وَأَمَّا عَوْرَتُهَا بِالنَّظَرِ إلَى نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ إلَيْهَا فَكُلُّهَا عَوْرَةٌ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ.
وَذَكَرَهُ هُنَا وَجَعَلَ عَوْرَتَهَا فِي الصَّلَاةِ هِيَ عَوْرَتُهَا بِالنَّظَرِ إلَى نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ، وَذِكْرُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلُّهُ هُنَا، إذْ لَهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَعَوْرَةٌ فِي نَظَرِ الْأَجَانِبِ، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ.
وَعَنْ " جَابِرٍ " ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ» يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَلِمُسْلِمٍ: [فَخَالِفْ بَيْنَ طَرْفَيْهِ] وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْهُ عَلَى عَاتِقِهِ [وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاِتَّزِرْ بِهِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الِالْتِحَافُ: فِي مَعْنَى الِارْتِدَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَتَّزِرَ بِأَحَدِ طَرَفَيْ الثَّوْبِ، وَيَرْتَدِي بِالطَّرَفِ الْآخَرِ.
وَقَوْلُهُ: يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ أَحَدِ الرُّوَاةِ، قَيَّدَ بِهِ أَخْذًا مِنْ الْقِصَّةِ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّهُ «قَالَ جَابِرٌ: جِئْت إلَيْهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ فَاشْتَمَلْت بِهِ وَصَلَّيْت إلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِي ﷺ : مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْت؟ قُلْت: كَانَ ثَوْبٌ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ؛ وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاِتَّزِرْ بِهِ».
فَالْحَدِيثُ قَدْ أَفَادَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا الْتَحَفَ بِهِ بَعْدَ اتِّزَارِهِ بِطَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا اتَّزَرَ بِهِ لِسَتْرِ عَوْرَتِهِ، فَ عَوْرَةُ الرَّجُلِ مِنْ تَحْتِ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ.
١٩٤ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
стр. 192
١٩٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، بِغَيْرِ إزَارٍ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَصَحَّحَ الْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ.
١٩٦ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَتْ الشَّمْسُ إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ
وَلَهُمَا] أَيْ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»
أَيْ إذَا كَانَ وَاسِعًا، كَمَا دَلَّ لَهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ
وَالْمُرَادُ أَلَا يَتَّزِرَ فِي وَسَطِهِ، وَيَشُدَّ طَرَفَيْ الثَّوْبِ فِي حَقْوَيْهِ، بَلْ يَتَوَشَّحُ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَيَحْصُلُ السَّتْرُ لِأَعَالِي الْبَدَنِ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ كَمَا حَمَلُوا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: " فَالْتَحِفْ بِهِ " عَلَى النَّدْبِ، وَحَمَلَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَرَكَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَيَأْثَمُ، فَجَعَلَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ الشَّرَائِطِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.
وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ لِلْجُمْهُورِ «بِصَلَاتِهِ ﷺ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، كَانَ أَحَدُ طَرَفِهِ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ» قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّرَفَ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ مِنْ الثَّوْبِ غَيْرُ مُتَّسِعٍ، بِأَنْ يَتَّزِرَ بِهِ وَيَفْضُلَ مِنْهُ مَا كَانَ لِعَاتِقِهِ.
قُلْت: وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَ " أَحْمَدَ " مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِالْتِحَافِ، لَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَوْ يَأْثَمُ مُطْلَقًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الثَّوْبِ، بَلْ صَلَاتُهُ فِيهِ؛ وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَهُ عَلَى النَّائِمِ، أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ.
وَعَنْ " أُمِّ سَلَمَةَ " «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ : أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ بِغَيْرِ إزَارٍ قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا» بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ بَعْدَ الْأَلْفِ فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ: أَيْ وَاسِعًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَ الْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَاهُ، وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا، إذْ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد مَوْقُوفًا، وَلَفْظُهُ عَنْ " مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ قُنْفُذٍ " عَنْ أُمِّهِ، أَنَّهَا سَأَلَتْ " أُمَّ سَلَمَةَ ": مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَتْ: تُصَلِّي فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ إذَا غَيَّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا.
[وَعَنْ " عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ " ﵁ هُوَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكٍ الْعَنَزِيُّ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَالزَّايِ نِسْبَةً إلَى " عَنْزَ بْنِ وَائِلٍ "، وَيُقَالُ لَهُ الْعَدَوِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ. قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَةُ فَصَلَّيْنَا» ظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي الْأَمَارَاتِ [فَلَمَّا طَلَعَتْ الشَّمْسُ إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَنَزَلَتْ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ،؛ لِأَنَّ فِيهِ " أَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ السَّمَّانُ " وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لِظُلْمَةٍ أَوْ غَيْمٍ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ النَّظَرِ فِي الْأَمَارَاتِ وَالتَّحَرِّي أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ انْكَشَفَ لَهُ الْخَطَأُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ؛ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ " مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ " قَالَ: «صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ غَيْمٍ فِي السَّفَرِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، قَالَ: قَدْ رُفِعَتْ صَلَاتُكُمْ بِحَقِّهَا إلَى اللَّهِ» وَفِيهِ أَبُو عَيْلَةَ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَالْقَوْلُ بِالْإِجْزَاءِ مَذْهَبُ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالْكُوفِيِّينَ فِيمَا عَدَا مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ تَحَرٍّ وَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ، فَإِنَّهُ حَكَى فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَمَّ الْإِجْمَاعُ خَصَّ بِهِ عُمُومَ الْحَدِيثِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى بِتَحَرٍّ وَانْكَشَفَ لَهُ الْخَطَأُ، وَقَدْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَأَمَّا إذَا تَيَقَّنَ الْخَطَأَ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ فَلَا يَأْمَنُ مِنْ الْخَطَأِ فِي الْآخَرِ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا إعَادَةَ لِلْحَدِيثِ، وَاشْتَرَطُوا التَّحَرِّيَ إذْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَيَقُّنُ الِاسْتِقْبَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْيَقِينُ فَعَلَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ التَّحَرِّي، فَإِنْ قَصَّرَ فَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ، إلَّا إذَا تَيَقَّنَ الْإِصَابَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ وَاجِبٌ قَطْعًا، وَحَدِيثُ السَّرِيَّةِ فِيهِ ضَعْفٌ.
قُلْت: الْأَظْهَرُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ السَّرِيَّةِ، لِتَقَوِّيهِ بِحَدِيثِ " مُعَاذٍ "، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ وَحْدَهُ، وَالْإِجْمَاعِ، قَدْ عُرِفَ كَثْرَةُ دَعْوَاهُمْ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ.
стр. 193
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ
١٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ.
١٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ.
[وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ
стр. 194
١٩٨ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ الْبُخَارِيُّ: يُومِئُ بِرَأْسِهِ - وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ
وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي التَّلْخِيصِ حَدِيثُ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَكَانَ عَلَيْهِ هُنَا أَنْ يَذْكُرَ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ لَهُ عَلَى قَاعِدَتِهِ، وَرَأَيْنَاهُ فِي التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ سِيَاقِهِ لَهُ بِسَنَدِهِ مِنْ طَرِيقِينَ حَسَّنَ إحْدَاهُمَا وَصَحَّحَهَا ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إذَا جَعَلْت الْمَغْرِبَ عَنْ يَمِينِك وَالْمَشْرِقَ عَنْ يَسَارِك فَمَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ إذَا اسْتَقْبَلْت الْقِبْلَةَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ (اهـ).
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ لَا الْعَيْنِ، فِي حَقِّ مَنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْعَيْنُ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ قِبْلَةٌ لِغَيْرِ الْمُعَايِنِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَايِنَ لَا تَنْحَصِرُ قِبْلَتُهُ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، بَلْ كُلِّ الْجِهَاتِ فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ مَتَى قَابَلَ الْعَيْنَ أَوْ شَطْرَهَا، فَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ قِبْلَةٌ.
وَأَنَّ الْجِهَةَ كَافِيَةٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعَايِنَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ خِطَابٌ لَهُ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ، وَاسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ فِيهَا مُتَعَسِّرٌ أَوْ مُتَعَذِّرٌ، إلَّا مَا قِيلَ فِي مِحْرَابِهِ ﷺ ، لَكِنَّ الْأَمْرَ بِتَوْلِيَتِهِ وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَامٌّ لِصَلَاتِهِ فِي مِحْرَابِهِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ دَالٌّ عَلَى كِفَايَةِ الْجِهَةِ، أَوْ الْعَيْنِ فِي كُلُّ مَحَلٍّ تَتَعَذَّرُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ، وَقَوْلُهُمْ: يُقَسِّمُ الْجِهَاتِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ أَنَّهُ تَوَجَّهَ إلَى الْعَيْنِ، تَعَمُّقٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ دَلِيلٌ، وَلَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ، وَهُمْ خَيْرُ قَبِيلٍ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْجِهَةَ كَافِيَةٌ، وَلَوْ كَانَ فِي مَكَّةَ وَمَا يَلِيهَا.
[وَعَنْ " عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ " ﵁ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ " عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ " بِلَفْظِ «كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ» وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ " بِلَفْظِ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ النَّوَافِلَ» وَقَوْلُهُ:
стр. 195
١٩٩ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: «وَكَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ». وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
زَادَ الْبُخَارِيُّ: يُومِئُ بِرَأْسِهِ] أَيْ فِي سُجُودِهِ وَرُكُوعِهِ زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ " وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ " [وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ] أَيْ هَذَا الْفِعْلَ وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَى ظَهْرِ الرَّاحِلَةِ [فِي الْمَكْتُوبَةِ أَيْ الْفَرِيضَةِ.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَإِنْ فَاتَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مَحْمَلٍ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ رَزِينٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ زِيَادَةَ: " فِي سَفَرِ الْقَصْرِ " وَذَهَبَ إلَى شَرْطِيَّةِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ " أَنَسٍ " مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ. وَالرَّاحِلَةُ: هِيَ النَّاقَةُ. وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِلرَّاكِبِ، وَأَمَّا الْمَاشِي فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ؛ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قِيَاسًا عَلَى الرَّاكِبِ، بِجَامِعِ التَّيْسِيرِ لِلْمُتَطَوِّعِ، إلَّا أَنَّهُ قِيلَ: لَا يُعْفَى لَهُ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَإِتْمَامِهِمَا، وَأَنَّهُ لَا يَمْشِي إلَّا فِي قِيَامِهِ وَتَشَهُّدِهِ، وَلَهُمْ فِي جَوَازِ مَشْيِهِ عِنْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ قَوْلَانِ: وَأَمَّا اعْتِدَالُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَلَا يَمْشِي فِيهِ، إذْ لَا يَمْشِي إلَّا مَعَ الْقِيَامِ، وَهُوَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقُعُودُ بَيْنَهُمَا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: " حَيْثُ تَوَجَّهَتْ " أَنَّهُ لَا يَعْتَدِلُ لِأَجَلِ الِاسْتِقْبَالِ، لَا فِي حَالِ صَلَاتِهِ وَلَا فِي أَوَّلِهَا، إلَّا أَنَّ فِي قَوْلِهِ:
١٩٩ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: «وَكَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ». وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ ": «وَكَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ» وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ، فَيُعْمَلُ بِهَا. وَقَوْلُهُ: نَاقَتَهُ، وَفِي الْأَوَّلِ: رَاحِلَتَهُ، هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ رُكُوبُهُ عَلَى نَاقَةٍ، بَلْ قَدْ صَحَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى حِمَارِهِ» وَقَوْلُهُ: إذَا سَافَرَ، تَقَدَّمَ أَنَّ السَّفَرَ شَرْطٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَكَأَنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْ هَذَا، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي الشَّرْطِيَّةِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ لَا الْفَرْضِ، بَلْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ لَا يَصْنَعُهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ، «أَنَّهُ ﷺ أَتَى إلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ، يُومِئُ إيمَاءً فَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ " أَنَسٍ " مِنْ فِعْلِهِ، وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَحَسَّنَهُ الثَّوْرِيُّ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ
؛ وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى أَنَّ
стр. 196
٢٠٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَهُ عِلَّةٌ
الْفَرِيضَةَ تَصِحُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ، إذَا كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي هَوْدَجٍ، وَلَوْ كَانَتْ سَائِرَةً كَالسَّفِينَةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ فِيهَا إجْمَاعًا.
قُلْت: وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فِي الْبَحْرِ وُجْدَانُ الْأَرْضِ فَعُفِيَ عَنْهُ، بِخِلَافِ رَاكِبِ الْهَوْدَجِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الرَّاحِلَةُ وَاقِفَةً فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَصِحُّ الصَّلَاةُ لِلْفَرِيضَةِ، كَمَا تَصِحُّ عِنْدَهُمْ فِي الْأُرْجُوحَةِ الْمَشْدُودَةِ بِالْحِبَالِ، وَعَلَى السَّرِيرِ الْمَحْمُولِ عَلَى الرِّجَالِ إذَا كَانُوا وَاقِفِينَ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَالْوِتْرُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَهُ عِلَّةٌ، وَهِيَ الِاخْتِلَافُ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، فَرَوَاهُ حَمَّادٌ مَوْصُولًا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ مُرْسَلًا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﵌، وَرِوَايَةُ الثَّوْرِيِّ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الْمَحْفُوظُ الْمُرْسَلُ، وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا تَصِحُّ فِيهَا الصَّلَاةُ مَا عَدَا الْمَقْبَرَةَ، وَهِيَ الَّتِي تُدْفَنُ فِيهَا الْمَوْتَى، فَلَا تَصِحُّ فِيهَا الصَّلَاةُ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ بَيْنَ الْقُبُورِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَبْرُ مُؤْمِنٍ أَوْ كَافِرٍ، فَالْمُؤْمِنُ تَكْرِمَةً لَهُ، وَالْكَافِرُ بُعْدًا مِنْ خُبْثِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَصِّصُ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا» الْحَدِيثُ.
وَكَذَلِكَ الْحَمَّامُ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَقِيلَ: لِلنَّجَاسَةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَا فِيهِ النَّجَاسَةُ مِنْهُ، وَقِيلَ: تُكْرَهُ لَا غَيْرُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَوْ عَلَى سَطْحِهِ، عَمَلًا بِالْحَدِيثِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى صِحَّتِهَا، وَلَكِنْ مَعَ كَرَاهَتِهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّيَاطِينِ؛ وَالْقَوْلُ الْأَظْهَرُ مَعَ أَحْمَدَ. ثُمَّ لَيْسَ التَّخْصِيصُ لِعُمُومِ حَدِيثِ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا» بِهَذَيْنِ الْمَحَلَّيْنِ فَقَطْ، بَلْ بِمَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ:
стр. 197
٢٠١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ
٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعٍ: الْمَزْبَلَةِ» هِيَ مَجْمَعُ إلْقَاءِ الزِّبْلِ [وَالْمَجْزَرَةِ مَحَلُّ جَزْرِ الْأَنْعَامِ [وَالْمَقْبَرَةِ وَهُمَا بِزِنَةِ: مَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَلُحُوقُ التَّاءِ بِهِمَا شَاذٌّ [وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ مَا تَقْرَعُهُ الْأَقْدَامُ بِالْمُرُورِ عَلَيْهَا [وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَهُوَ مَبْرَكُ الْإِبِلِ حَوْلَ الْمَاءِ [وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مَا لَفْظُهُ: وَحَدِيثُ " ابْنِ عُمَرَ " لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي " زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ " مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ: وَ " جَبِيرَةُ " بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَرَاءٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: مَتْرُوكٌ.:
وَقَدْ تَكَلَّفَ اسْتِخْرَاجَ عِلَلِ النَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الْمَحَلَّاتِ فَقِيلَ: الْمَقْبَرَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، لِلنَّجَاسَةِ، وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ:؛ لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِلْغَيْرِ، فَلَا يَصِحُّ فِيهَا الصَّلَاةُ، وَاسِعَةً كَانَتْ أَوْ ضَيِّقَةً لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَمَعَاطِنُ الْإِبِلِ وَرَدَ التَّعْلِيلُ فِيهَا مَنْصُوصًا بِأَنَّهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَوَرَدَ بِلَفْظٍ: " مَبَارِكِ الْإِبِلِ " وَفِي لَفْظٍ " مَزَابِلِ الْإِبِلِ "، وَفِي أُخْرَى: " مُنَاخِ الْإِبِلِ " وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ مَعَاطِنِ الْإِبِلِ.
وَعَلَّلُوا النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ وَقَيَّدُوهُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى طَرَفٍ، بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ هَوَائِهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ وَإِلَّا صَحَّتْ، وَإِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ أَبْطَلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، لِعَدَمِ الشَّرْطِ لَا لِكَوْنِهَا عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ بَقَاءُ النَّهْيِ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ هُوَ الْوَاجِبَ، وَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا» لَكِنْ قَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْقُبُورِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ قَدْ صَحَّ، كَمَا يُفِيدُهُ.
٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [وَعَنْ " أَبِي مَرْثَدٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ الْغَنَوِيُّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالنُّونِ الْمُعْجَمَةِ؛
стр. 198
٢٠٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
وَهُوَ " مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ " أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ؛ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ مَرْثَدٌ يَوْمَ غَزْوَةِ الرَّجِيعِ شَهِيدًا، فِي حَيَاتِهِ ﷺ . قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ، كَمَا نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالْأَصْلُ التَّحْرِيمُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا يُعَدُّ مُسْتَقْبِلًا لَهُ عُرْفًا؛ وَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَقَدْ وَرَدَتْ بِهِ أَحَادِيثُ كَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي وَطْءِ الْقَبْرِ، وَحَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ الْقُعُودَ عَلَيْهَا وَنَحْوَهُ وَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنْ الْقُعُودِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ؛ وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ " عَلِيٍّ " ﵇: " أَنَّهُ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْقَبْرَ وَيَضْطَجِعُ عَلَيْهِ " وَمِثْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " وَغَيْرِهِ وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ كَمَا عَرَفْت غَيْرَ مَرَّةٍ؛ وَفِعْلُ الصَّحَابِيِّ لَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ دَلِيلٌ لِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَهُ.
[وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ] أَيْ نَعْلَيْهِ، كَمَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ: [فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا] شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي [فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا]. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَصْلَهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ وَعَلَى أَنَّ مَسْحَ النَّعْلِ مِنْ النَّجَاسَةِ مُطَهِّرٌ لَهُ مِنْ الْقَذَرِ وَالْأَذَى، وَالظَّاهِرُ فِيهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ النَّجَاسَةُ، رَطْبَةً أَوْ جَافَّةً، وَيَدُلُّ لَهُ سَبَبُ الْحَدِيثِ وَهُوَ إخْبَارُ جِبْرِيلَ لَهُ ﷺ أَنَّ فِي نَعْلَيْهِ أَذًى، فِي صَلَاتِهِ وَاسْتَمَرَّ فِيهَا، فَإِنَّهُ سَبَبُ هَذَا.
وَأَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُلْتَبِسٌ بِنَجَاسَةٍ غَيْرَ عَالَمٍ مَا بِهَا، أَوْ نَاسِيًا لَهَا، ثُمَّ عُرِّفَ بِهَا فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهَا، ثُمَّ يَسْتَمِرُّ فِي صَلَاتِهِ، وَيَبْنِي عَلَى مَا صَلَّى، وَفِي الْكُلِّ خِلَافٌ إلَّا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ
стр. 199
٢٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
لِلْمُخَالِفِ يُقَاوِمُ الْحَدِيثَ، فَلَا نُطِيلُ بِذَكَرِهِ، وَيُؤَيِّدُ طُهُورِيَّةَ النِّعَالِ بِالْمَسْحِ بِالتُّرَابِ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَهُوَ:
٢٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. [وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ] أَيْ مَثَلًا، أَوْ نَعْلَيْهِ، أَوْ أَيِّ مَلْبُوسٍ لِقَدَمَيْهِ [فَطَهُورُهُمَا] أَيْ الْخُفَّيْنِ [التُّرَابُ]. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِي الْبَابِ غَيْرُ هَذِهِ بِأَسَانِيدَ لَا تَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ إلَّا أَنَّهُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَقَدْ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إلَى الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَكَذَا النَّخَعِيُّ، وَقَالَا: يُجْزِيهِ أَنْ يَمْسَحَ خُفَّيْهِ إذَا كَانَ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ بِالتُّرَابِ، وَيُصَلِّيَ فِيهِمَا، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ «أُمَّ سَلَمَةَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي، وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَنَحْوُهُ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ لَنَا طَرِيقًا إلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَفْعَلُ إذَا مُطِرْنَا؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ مِنْ بَعْدِهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ قُلْت: بَلَى، قَالَ: فَهَذِهِ بِهَذِهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي إسْنَادِ الْحَدِيثَيْنِ مَقَالٌ؛ وَتَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا جَرَى عَلَى مَا كَانَ يَابِسًا لَا يَعْلَقُ بِالثَّوْبِ مِنْهُ شَيْءٌ. قُلْت: وَلَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهَا: إذَا مُطِرْنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: مَعْنَى كَوْنِ الْأَرْضِ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا: أَنْ يَطَأَ الْأَرْضَ الْقَذِرَةَ ثُمَّ يَصِلُ لِلْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ الْيَابِسَةِ، فَإِنَّ بَعْضَهَا يُطَهِّرُ بَعْضًا، أَمَّا النَّجَاسَةُ تُصِيبُ الثَّوْبَ أَوْ الْجَسَدَ فَلَا يُطَهِّرُهَا إلَّا الْمَاءُ، قَالَ: وَهُوَ إجْمَاعٌ. قِيلَ: وَمِمَّا يَدُلُّ لِحَدِيثِ الْبَابِ وَأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَقْبَلْت مَعَ " عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " ﵇ إلَى الْجُمُعَةِ وَهُوَ مَاشٍ، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ حَوْضٌ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ وَسَرَاوِيلَهُ، قَالَ: قُلْت: هَاتِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْمِلُهُ عَنْك، قَالَ: لَا، فَخَاضَ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ لَبِسَ نَعْلَيْهِ وَسَرَاوِيلَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ، وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ.
стр. 200
٢٠٥ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٢٠٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ «كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
[وَعَنْ " مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ " هُوَ: مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ "، كَانَ يَنْزِلُ الْمَدِينَةَ، وَعِدَاده فِي أَهْلِ الْحِجَازِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْحَدِيثِ سَبَبٌ حَاصِلُهُ: " أَنَّهُ عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ رَجُلٌ، فَشَمَّتَهُ " مُعَاوِيَةُ " وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَنْ لَدَيْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ بِمَا أَفْهَمَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ " الْحَدِيثَ
، وَلَهُ عِدَّةُ أَلْفَاظٍ.
وَالْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ الصَّلَاحِيَةِ عَدَمُ صِحَّتِهَا، وَمِنْ الْكَلَامِ مُكَالَمَةُ النَّاسِ وَمُخَاطَبَتُهُمْ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ السَّبَبِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَةَ فِي الصَّلَاةِ تُبْطِلُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى تَنْبِيهِ الدَّاخِلِ فَيَأْتِي حُكْمُهُ، وَبِمَاذَا يَثْبُتُ.
وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ الْجَاهِلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا وَأَنَّهُ مَعْذُورٌ لِجَهْلِهِ؛ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ " مُعَاوِيَةَ " بِالْإِعَادَةِ، وَقَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ: أَيْ الْكَلَامُ الْمَأْذُونُ فِيهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ الَّذِي يَصْلُحُ فِيهَا التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ؛ أَيْ إنَّمَا يُشْرَعُ فِيهَا ذَلِكَ وَمَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَنَحْوِهَا، لِدَلِيلِهِ الْآتِي وَهُوَ:
٢٠٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: «إنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [وَعَنْ " زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ " قَالَ: إنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] وَالْمُرَادُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْكَلَامِ كَرَدِّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِ، لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَادَثُونَ فِيهَا تَحَادُثَ الْمُتَجَالِسِينَ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: [يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ عَلَى أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ وَقَدْ اُدُّعِيَ فِيهِ
стр. 201
٢٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ " فِي الصَّلَاةِ ".
الْإِجْمَاعُ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ فِيهَا عَامِدًا، عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا، وَلِغَيْرِ إنْقَاذِ مَالِكَ وَشِبْهِهِ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْكَلَامِ لِمَصْلَحَتِهَا، وَيَأْتِي فِي شَرْحِ حَدِيثِ " ذِي الْيَدَيْنِ " فِي أَبْوَابِ السَّهْوِ، وَفَهِمَ الصَّحَابَةُ الْأَمْرَ بِالسُّكُوتِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿قَانِتِينَ﴾؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَعَانِي الْقُنُوتِ وَلَهُ أَحَدَ عَشْرَ مَعْنًى مَعْرُوفَةً، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا خُصُوصَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْقَرَائِنِ، أَوْ مِنْ تَفْسِيرِهِ ﷺ لَهُمْ ذَلِكَ.
وَالْحَدِيثُ فِيهِ أَبْحَاثٌ قَدْ سُقْنَاهَا فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، فَإِنْ اضْطَرَّ الْمُصَلِّي إلَى تَنْبِيهِ غَيْرِهِ فَقَدْ أَبَاحَ لَهُ الشَّارِعُ نَوْعًا مِنْ الْأَلْفَاظِ، كَمَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ» وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ» «وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ: [فِي الصَّلَاةِ] وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ السِّيَاقِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظِهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِمَنْ نَابَهُ فِي الصَّلَاةِ أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ؛ كَأَنْ يُرِيدَ تَنْبِيهَ الْإِمَامِ عَلَى أَمْرٍ سَهَا عَنْهُ، وَتَنْبِيهَ الْمَارِّ، أَوْ مَنْ يُرِيدُ مِنْهُ أَمْرًا، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ يُصَلِّي فَيُنَبِّهُهُ عَلَى أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي رَجُلًا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأُطْلِقَ فِيمَا عَدَاهُ
، وَإِنْ كَانَتْ الْمُصَلِّيَةُ امْرَأَةً نَبَّهَتْ بِالتَّصْفِيقِ. وَكَيْفِيَّتِهِ كَمَا قَالَ عِيسَى بْنُ أَيُّوبَ بِأَنْ تَضْرِبَ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا الْيُسْرَى.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَبَعْضُهُمْ فَصَّلَ بِلَا دَلِيلٍ نَاهِضٍ، فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فَلَا يُبْطِلُهَا، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُبْطِلُهَا، وَلَوْ كَانَ فَتْحًا عَلَى الْإِمَامِ؛ قَالُوا لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : يَا عَلِيُّ «لَا تَفْتَحْ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ».
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ أَبَا دَاوُد ضَعَّفَهُ بَعْدَ سِيَاقِهِ لَهُ، فَحَدِيثُ الْبَابِ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، لَا تَخْرُجُ مِنْهُ صُورَةٌ إلَّا بِدَلِيلٍ.
ثُمَّ الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ تَنْبِيهًا، أَوْ التَّصْفِيقِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ فِي رِوَايَتِهِ: «إذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّقْ النِّسَاءُ» وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ.
قَالَ شَارِحُ التَّقْرِيبِ: الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ: أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ:
стр. 202
٢٠٨ - وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ، مِنْ الْبُكَاءِ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
٢٠٩ - وَعَنْ «عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْت إذَا أَتَيْته وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَالْحَقُّ انْقِسَامٌ فِي التَّنْبِيهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمَنْدُوبٌ، وَمُبَاحٌ، بِحَسْبِ مَا يَقْتَضِيه الْحَالُ.
[وَعَنْ مُطَرِّفٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ وَبِالْفَاءِ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَمُطَرِّفٌ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، عَنْ أَبِيهِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ "، وَهُوَ مِمَّنْ وَفَدَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَنِي عَامِرٍ، يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ. قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ» بِفَتْحِ الْهَمْزَة فَزَايٍ مَكْسُورَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَزَايٍ، وَهُوَ صَوْتُ الْقِدْرِ عِنْدَ غَلَيَانِهَا [كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفَتْحِ الْجِيمِ: هُوَ الْقِدْرُ [مِنْ الْبُكَاءِ] بَيَانٌ لِلْأَزِيزِ، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، هُمْ عِنْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُطْبَةِ مِنْ عَدَا الشَّيْخَيْنِ، فَهُمْ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ، إلَّا أَنَّهُ هُنَا أَرَادَ بِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ، هُمْ أَهْلُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ وَأَحْمَدُ كَمَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ؛ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ.
وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ: " أَنَّ عُمَرَ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَقَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ حَتَّى بَلَغَ إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ فَسُمِعَ نَشِيجَهُ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مَقْطُوعًا، وَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْأَنِينُ.
وَعَنْ «عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، تَثْنِيَةُ مَدْخَلٍ، بِزِنَةِ مَقْتَلٍ؛ أَيْ وَقْتَانِ أَدْخُلُ عَلَيْهِ فِيهِمَا [فَكُنْت
стр. 203
٢١٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قُلْت لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
إذَا أَتَيْته وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي] رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَقَدْ رُوِيَ بِلَفْظِ: سَبَّحَ مَكَانَ تَنَحْنَحَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّنَحْنُحَ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ النَّاصِرُ وَالشَّافِعِيُّ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ: أَنَّهُ مُفْسِدٌ إذَا كَانَ بِحَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا، إلْحَاقًا لِلْكَلَامِ الْمُفْسِدِ؛ قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَلَكِنْ قَدْ سَمِعْت أَنَّ رِوَايَةَ تَنَحْنَحَ صَحَّحَهَا ابْنُ السَّكَنِ، وَرِوَايَةُ سَبَّحَ ضَعِيفَةٌ، فَلَا تَتِمُّ دَعْوَى الِاضْطِرَابِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثَانِ مَعًا لَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ تَارَةً يُسَبِّحُ، وَتَارَةً يَتَنَحْنَحُ صَحِيحًا.
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄ قَالَ: «قُلْت لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ أَيْ عَلَى الْأَنْصَارِ كَمَا دَلَّ لَهُ السِّيَاقُ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ، فَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَقُلْت لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْت؟» الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ سَأَلَ صُهَيْبًا عَنْ ذَلِكَ " بَدَلَ بِلَالٍ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحَانِ جَمِيعًا.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ أَحَدٌ عَلَى الْمُصَلِّي رَدَّ ﵇ بِإِشَارَةٍ دُونَ النُّطْقِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ «جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ لِحَاجَةِ، قَالَ: ثُمَّ أَدْرَكْته وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي وَقَالَ: إنَّك سَلَّمْتَ عَلَيَّ فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ بَعْدَ الرَّدِّ بِالْإِشَارَةِ». وَأَمَّا «حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ﷺ وَلَا ذَكَرَ الْإِشَارَةَ بَلْ قَالَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ إنَّ فِي الصَّلَاةِ شَغْلًا» إلَّا أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيثِهِ: «أَنَّهُ ﷺ أَوْمَأَ لَهُ بِرَأْسِهِ»
، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رَدِّ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمُصَلِّي، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ؛ إلَى أَنَّهُ يَرُدُّ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ؛ وَقَالَ قَوْمٌ يَرُدُّ فِي نَفْسِهِ؛ وَقَالَ قَوْمٌ: يَرُدُّ بِالْإِشَارَةِ، كَمَا أَفَادَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَهَذَا هُوَ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ لِلدَّلِيلِ، وَمَا عَدَاهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ دَلِيلٌ. قِيلَ: وَهَذَا الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ اسْتِحْبَابٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ ﷺ بِهِ عَلَى " ابْنِ مَسْعُودٍ "، بَلْ قَالَ لَهُ: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ شَغْلًا».
قُلْت: قَدْ عَرَفْت مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ «أَنَّهُ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَيْهِ عَنْ الرَّدِّ بِاللَّفْظِ»؛؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ يَرُدُّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا حَرُمَ الْكَلَامُ رَدَّ عَلَيْهِ ﷺ بِالْإِشَارَةِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ»، فَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: " يَرُدُّ بِاللَّفْظِ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: هَذَا أَيْ أَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ الِاعْتِذَارِ عَنْ رَدِّهِ عَلَى " ابْنِ مَسْعُودٍ " السَّلَامَ بِاللَّفْظِ، وَجَعَلَ رَدَّهُ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ كَلَامًا، وَأَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنْهُ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَنْ سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا: يَعْنِي بِالْإِشَارَةِ وَلَا بِاللَّفْظِ، يَرُدُّهُ رَدُّهُ ﷺ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَعَلَى " جَابِرٍ " بِالْإِشَارَةِ، وَلَوْ كَانُوا لَا يَسْتَحِقُّونَ لَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِشَارَةِ
стр. 204
٢١١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ - فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا. وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: وَهُوَ يَؤُمَّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ.
فَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ " صُهَيْبٍ " قَالَ: «مَرَرْت بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْت فَرَدَّ عَلَيَّ إشَارَةً» قَالَ الرَّاوِي: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ " إشَارَةً بِأُصْبُعِهِ ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي وَصْفِهِ لِرَدِّهِ ﷺ عَلَى الْأَنْصَارِ: " أَنَّهُ ﷺ قَالَ: هَكَذَا، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ - الرَّاوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ - كَفَّهُ وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى فَوْقُ ".
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُجِيبُ الْمُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ إمَّا بِرَأْسِهِ، أَوْ بِيَدِهِ، أَوْ بِأُصْبُعِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ،؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْقَوْلِ وَاجِبٌ، وَقَدْ تَعَذَّرَ فِي الصَّلَاةِ، فَبَقِيَ الرَّدُّ بِأَيِّ مُمْكِنٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِالْإِشَارَةِ، وَجَعَلَهُ الشَّارِعُ رَدًّا، وَسَمَّاهُ الصَّحَابَةُ رَدًّا، وَدَخَلَ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾.
وَأَمَّا حَدِيثُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ قَالَ ﷺ : «مَنْ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ،؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ " أَبِي غَطَفَانَ " عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَهُوَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ.
وَعَنْ " أَبِي قَتَادَةَ " قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ [بِنْتَ زَيْنَبَ]. هِيَ أُمُّهَا، وَهِيَ " زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ وَأَبُوهَا " أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ " [فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ زِيَادَةُ: [وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ] فِي قَوْلِهِ: كَانَ يُصَلِّي، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ لِأُمَامَةَ وَقَعَ مِنْهُ ﷺ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا غَيْرُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاةِ حَيَوَانًا أَوْ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ لَا يَضُرُّ صَلَاتَهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ صَلَاةَ فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " أَنَّهُ ﷺ كَانَ إمَامًا "، فَإِذَا جَازَ فِي حَالِ الْإِمَامَةِ جَازَ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ، وَإِذَا جَازَ فِي الْفَرِيضَةِ جَازَ فِي النَّافِلَةِ بِالْأُولَى.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى طَهَارَةِ ثِيَابِ الصِّبْيَانِ وَأَبْدَانِهِمْ، وَأَنَّهُ الْأَصْلُ مَا لَمْ تَظْهَرْ النَّجَاسَةُ، وَأَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي مِثْلَ هَذِهِ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ، يَحْمِلُهَا وَيَضَعُهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِتَأْوِيلَاتٍ بَعِيدَةٍ.
مِنْهَا: أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ ﷺ .
وَمِنْهَا: أَنَّ " أُمَامَةَ " كَانَتْ تَعْلَقُ بِهِ دُونَ فِعْلٍ مِنْهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لِلضَّرُورَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ وَكُلُّهَا دَعَاوَى بِغَيْرِ بُرْهَانٍ وَاضِحٍ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ
стр. 205
٢١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
باب سترة المصلي
٢١٣ - عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي الْبَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ " أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ".
الْقَوْلُ فِي هَذَا، وَزِدْنَاهُ إيضَاحًا فِي حَوَاشِيهَا.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَانِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ؛ وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ.
وَالْأَسْوَدَانِ: اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، عَلَى أَيِّ لَوْنٍ كَانَا، كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِذِي اللَّوْنِ الْأَسْوَدِ فِيهِمَا. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ، إذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ، وَقِيلَ إنَّهُ لِلنَّدْبِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي لَا يَتِمُّ قَتْلُهُمَا إلَّا بِهِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِالْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَدْعُو إلَيْهَا الْحَاجَةُ، وَتَعْرِضُ وَهُوَ يُصَلِّي كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِذَلِكَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَفِيهِ لِغَيْرِهِمْ تَفَاصِيلُ أُخَرُ لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَأَحَادِيثُ الْبَابِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ، وَفِي الشَّرْحِ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ.
[عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ بِضَمِّ الْجِيمِ مُصَغَّرُ جَهْمٍ، وَهُوَ " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُهَيْمٍ "
стр. 206
٢١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ - عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي. فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَقِيلَ هُوَ " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ "، بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، الْأَنْصَارِيِّ، لَهُ حَدِيثَانِ هَذَا أَحَدُهُمَا، وَالْآخَرُ فِي السَّلَامِ عَلَى مَنْ يَبُولُ؛ وَقَالَ فِيهِ أَبُو دَاوُد: أَبُو الْجُهَيْمِ بْنُ الصِّمَّةِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ رَاوِيَ حَدِيثَ الْبَوْلِ رَجُلٌ آخَرُ هُوَ " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ "، وَاَلَّذِي هُنَا " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُهَيْمٍ "، وَأَنَّهُمَا اثْنَانِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ» لَفْظُ " مِنْ الْإِثْمِ " لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ وَلَا مُسْلِمٍ، بَلْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إنَّهَا لَا تُوجَدُ فِي الْبُخَارِيِّ إلَّا عِنْدَ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَقَدَحَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: وَقَدْ عِيبَ عَلَى الطَّبَرِيِّ نِسْبَتُهَا إلَى الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامُ، وَكَذَا عِيبَ عَلَى صَاحِبِ الْعُمْدَةِ نِسْبَتُهَا إلَى الشَّيْخَيْنِ مَعًا (اهـ)، فَالْعَجَبُ مِنْ نِسْبَةِ الْمُصَنِّفِ لَهَا هُنَا إلَى الشَّيْخَيْنِ، فَقَدْ وَقَعَ لَهُ مِنْ الْوَهْمِ مَا وَقَعَ لِصَاحِبِ الْعُمْدَةِ. [لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مُمَيِّزِ الْأَرْبَعِينَ. وَوَقَعَ فِي الْبَزَّارِ: أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ: أَيْ مِنْ طَرِيقٍ رِجَالُهَا غَيْرُ رِجَالِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ
؛ [أَرْبَعِينَ خَرِيفًا أَيْ عَامًا، أُطْلِقَ الْخَرِيفُ عَلَى الْعَامِ مِنْ إطْلَاقِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي؛ أَيْ مَا بَيْنَ مَوْضِعِ جَبْهَتِهِ فِي سُجُودِهِ وَقَدَمَيْهِ، وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُصَلٍّ، فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا، يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، إلَّا الْمَأْمُومَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ السُّتْرَةَ إنَّمَا تَرْفَعُ الْحَرَجَ عَنْ الْمُصَلِّي لَا عَنْ الْمَارِّ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْوَعِيدِ يَخْتَصُّ بِالْمَارِّ لَا بِمِنْ وَقَفَ عَامِدًا مَثَلًا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، أَوْ قَعَدَ أَوْ رَقَدَ، وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ التَّشْوِيشَ عَلَى الْمُصَلِّي فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَارِّ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِيهَا لُغَاتٌ أُخَرُ [الرَّحْلِ] هُوَ الْعُودُ الَّذِي فِي آخِرِ الرَّحْلِ؛ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الْحَدِيثِ نَدْبٌ لِلْمُصَلِّي إلَى اتِّخَاذِ سُتْرَةٍ، وَأَنَّهُ يَكْفِيهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ؛ وَهِيَ قَدْرُ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، وَتَحْصُلُ بِأَيِّ شَيْءٍ أَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي السُّتْرَةِ كَفُّ الْبَصَرِ عَمَّا وَرَاءَهَا، وَمَنْعُ مَنْ يُجْتَازُ
стр. 207
٢١٥ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ.
٢١٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ - إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ - الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ - الْحَدِيثُ» وَفِيهِ «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
بِقُرْبِهِ وَأُخِذَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْخَطُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ بِهِ حَدِيثٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبٌ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ " أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ " فَقَالَ: يَكْفِي الْخَطُّ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْنُوَ مِنْ السُّتْرَةِ وَلَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَصًا أَوْ نَحْوَهَا جَمَعَ الْحِجَارَ أَوْ تُرَابًا أَوْ مَتَاعَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ الدُّنُوَّ مِنْ السُّتْرَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرُ مَكَانِ السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ الصُّفُوفِ. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا، وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي اتِّخَاذِهَا، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ»
وَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ أَقَلَّ السُّتْرَةِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، يَرُدُّهُ الْحَدِيثُ الْآتِي.
[وَعَنْ سَبْرَةَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ أَبُو ثُرَيَّةَ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَهُوَ سَبْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيُّ سَكَنَ الْمَدِينَةَ، وَعِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ
فِيهِ الْأَمْرُ بِالسُّتْرَةِ، وَحَمَلَهُ الْجَمَاهِيرُ عَلَى النَّدْبِ، وَعَرَفْت أَنَّ فَائِدَةَ اتِّخَاذِهَا أَنَّهُ مَعَ اتِّخَاذِهَا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَمَعَ عَدَمِ اتِّخَاذِهَا يَقْطَعُهَا مَا يَأْتِي، وَفِي قَوْلِهِ: " وَلَوْ بِسَهْمٍ " مَا يُفِيدُ أَنَّهَا تُجْزِئُ السُّتْرَةُ غَلُظَتْ أَوْ دَقَّتْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ أَقَلَّهَا مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ كَمَا قِيلَ.
قَالُوا: وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَجْعَلَ السُّتْرَةَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَلَا يَصْمُدْ إلَيْهَا.
[وَعَنْ " أَبِي ذَرٍّ "] بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 208
٢١٧ - وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ دُونَ الْكَلْبِ
- ﷺ : يَقْطَعُ صَلَاةَ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ] أَيْ يُفْسِدُهَا أَوْ يُقَلِّلُ ثَوَابَهَا [إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ] أَيْ مَثَلًا، وَإِلَّا فَقَدْ أَجْزَأَ السَّهْمُ كَمَا عَرَفْت [الْمَرْأَةُ] هُوَ فَاعِلُ يَقْطَعُ: أَيْ مُرُورُ الْمَرْأَةِ [وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ] الْحَدِيثُ، أَيْ أُتِمَّ الْحَدِيثُ. وَتَمَامُهُ قُلْت: فَمَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنْ الْأَحْمَرِ مِنْ الْأَصْفَرِ مِنْ الْأَبْيَضِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا سَأَلْتنِي؟ فَقَالَ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» وَفِيهِ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ؛ الْجَارُّ يَتَعَلَّقُ بِمُقَدَّرٍ: أَيْ وَقَالَ؛ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاةَ مَنْ لَا سُتْرَةَ لَهُ مُرُورُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَظَاهِرُ الْقَطْعِ الْإِبْطَالُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَقْطَعُهَا الْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ دُونَ الْحِمَارِ؛ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ ": «أَنَّهُ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الصَّفِّ عَلَى حِمَارٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وَلَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ، وَلَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِعَادَتِهَا» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، فَجَعَلُوهُ مُخَصِّصًا لِمَا هُنَا، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ قَالَ: وَفِي نَفْسِي مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ؛ أَمَّا الْحِمَارُ: فَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَلِحَدِيثِ " عَائِشَةَ " عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَ رِجْلَيْهَا فَكَفَّتْهُمَا فَإِذَا قَامَ بَسَطَتْهُمَا» فَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ يَقْطَعُهَا مُرُورُ الْمَرْأَةِ لَقَطَعَهَا اضْطِجَاعُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَطْعِ نَقْصُ الْأَجْرِ لَا الْإِبْطَالُ.
قَالُوا: لِشُغْلِ الْقَلْبِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ " الْآتِي: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ» وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْخِنْزِيرُ» وَهُوَ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَضَعَّفَهُ.
٢١٧ - وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ دُونَ الْكَلْبِ.
[وَلَهُ] أَيْ لِمُسْلِمٍ [عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " نَحْوَهُ] أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ " [دُونَ الْكَلْبِ] كَذَا فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ، وَيُرِيدُ: أَنَّ لَفْظَ الْكَلْبِ لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ رَاجَعْت الْحَدِيثَ فَرَأَيْت لَفْظَهُ فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَيَقِي مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ».
стр. 209
٢١٨ - [وَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، دُونَ آخِرِهِ].
٢١٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ " فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ ".
[وَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، دُونَ آخِرِهِ]، وَقَيَّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحَائِضِ فِي أَبِي دَاوُد عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا " قَتَادَةُ " قَالَ: سَمِعْت " جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " رَفَعَهُ شُعْبَةُ قَالَ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَالْكَلْبُ» وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَوْلُهُ: " دُونَ آخِرِهِ " يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ " ابْنِ عَبَّاسٍ " آخِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَيَقِي مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ " فَالضَّمِيرُ فِي آخِرِهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ لِآخِرِ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظِهِ كَمَا عَرَفْت، وَلَا يَصِحُّ أَنَّهُ يُرِيدُ دُونَ آخَرِ حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ "، كَمَا لَا يَخْفَى مِنْ أَنَّ حَقَّ الضَّمِيرِ عَوْدُهُ إلَى الْأَقْرَبِ؛ ثُمَّ رَاجَعْت سُنَنَ أَبِي دَاوُد وَإِذَا لَفْظُهُ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَالْكَلْبُ» (اهـ)
، فَاحْتَمَلَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُرَادَهُ دُونَ آخِرِ حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ ".
وَقَوْلُهُ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» أَوْ دُونَ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ " دُونَ لَفْظِ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَإِنْ صَحَّ أَنْ يُعِيدَ إلَيْهِ الضَّمِيرَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ إحَالَةً عَلَى النَّاظِرِ.
وَتَقْيِيدُ الْمَرْأَةِ بِالْحَائِضِ يَقْتَضِي مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَلَا تَقْطَعُ إلَّا الْحَائِضُ، كَمَا أَنَّهُ أَطْلَقَ الْكَلْبَ عَنْ وَصْفِهِ بِالْأَسْوَدِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ؛ وَقَيَّدَ فِي بَعْضِهَا بِهِ، فَحَمَلُوا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَقَالُوا: لَا يَقْطَعُ إلَّا الْأَسْوَدُ، فَتَعَيَّنَ فِي الْمَرْأَةِ الْحَائِضُ، حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ» مِمَّا سَلَفَ تَعْيِينُهُ مِنْ السُّتْرَةِ، وَقَدْرِهَا، وَقَدْرِ كَمْ يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُصَلِّي [فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ] أَيْ يَمْضِيَ [بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ] ظَاهِرُهُ وُجُوبًا [فَإِنْ
стр. 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَبَى] أَيْ عَنْ الِانْدِفَاعِ [فَلْيُقَاتِلْهُ] ظَاهِرُهُ كَذَلِكَ [فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ] تَعْلِيلٌ لِلْآمِرِ بِقَتْلِهِ أَوْ لِعَدَمِ انْدِفَاعِهِ أَوْ لَهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ: أَيْ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ [فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ] فِي الْقَامُوسِ: الْقَرِينُ: الشَّيْطَانُ الْمَقْرُونُ بِالْإِنْسَانِ لَا يُفَارِقُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ رِوَايَةَ: " فَإِنَّهُ مَعَهُ الْقَرِينُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ "، وَلَمْ أَجِدْهَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَوَجَدْتهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ ".
وَالْحَدِيثُ دَالٌّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَلِّي سُتْرَةٌ فَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ سُتْرَةٌ دَفَعَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بِالْإِشَارَةِ وَلَطِيفِ الْمَنْعِ فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ عَنْ الِانْدِفَاعِ قَاتَلَهُ: أَيْ دَفَعَهُ دَفْعًا أَشَدَّ مِنْ الْأَوَّلِ، قَالَ: وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ قَاعِدَةَ الصَّلَاةِ فِي الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَالِاشْتِغَالِ بِهَا، وَالْخُشُوعِ، هَذَا كَلَامُهُ.
وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ لَهُ قِتَالَهُ حَقِيقَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَدْفَعُهُ بِلَعْنِهِ وَسَبِّهِ يَرُدُّهُ لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ فِعْلُ " أَبِي سَعِيدٍ " رَاوِي الْحَدِيثِ مَعَ الشَّابِّ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ " أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ " قَالَ: " رَأَيْت " أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ " فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ " بَنِي أَبِي الْمُعَيْطِ " أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَهُ " أَبُو سَعِيدٍ " فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ " أَشَدَّ مِنْ الْأَوَّلِ " الْحَدِيثَ.
وَقِيلَ: يَرُدُّهُ بِأَسْهَلِ الْوُجُوهِ، فَإِذَا أَبَى فَبِأَشَدَّ، وَلَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ قَتْلَهُ. وَالْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْإِيجَابُ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ هَذَا الدَّفْعِ، بَلْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَلَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ.
وَفِي قَوْلِهِ " فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ " تَعْلِيلٌ بِأَنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ فِي إرَادَةِ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّي، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ إطْلَاقِ لَفْظِ الشَّيْطَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ الَّذِي يُرِيدُ إفْسَادَ صَلَاةِ الْمُصَلِّي وَفِتْنَتَهُ فِي دِينِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْطَانٌ، وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ " فَإِنْ مَعَهُ الْقَرِينَ ".
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْأَمْرِ بِالدَّفْعِ، فَقِيلَ: لِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنْ الْمَارِّ، وَقِيلَ: لِدَفْعِ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ بِالْمُرُورِ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا الْأَرْجَحُ؛ لِأَنَّ عِنَايَةَ الْمُصَلِّي بِصِيَانَةِ صَلَاتِهِ أَهَمُّ مِنْ دَفْعِهِ الْإِثْمَ عَنْ غَيْرِهِ قُلْت: وَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ لَهُمَا مَعًا لَمَا بَعُدَ، فَيَكُونُ لِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنْ الْمَارِّ الَّذِي أَفَادَهُ حَدِيثُ: " لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ " وَلِصِيَانَةِ الصَّلَاةِ عَنْ النُّقْصَانِ مِنْ أَجْرِهَا فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ: " لَوْ يَعْلَمُ الْمُصَلِّي مَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا صَلَّى إلَّا إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ " وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاتِهِ " وَلَهُمَا حُكْمُ الرَّفْعِ وَإِنْ كَانَا مَوْقُوفَيْنِ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ فِيمَنْ لَمْ يَتَّخِذْ
стр. 211
٢٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ
سُتْرَةً، وَالثَّانِي مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَ السُّتْرَةَ فَلَا نَقْصَ فِي صَلَاتِهِ بِمُرُورِ الْمَارِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ أَنَّهُ مَعَ اتِّخَاذِ السُّتْرَةِ لَا يَضُرُّهُ مُرُورُ مَنْ مَرَّ، فَأَمْرُهُ بِدَفْعِهِ لِلْمَارِّ، لَعَلَّ وَجْهَهُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ عَلَى الْمَارِّ لِتَعَدِّيهِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ الشَّارِعُ، وَلِذَا يُقَدَّمُ الْأَخَفُّ عَلَى الْأَغْلَظِ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَمْ يُصِبْ مِنْ زَعَمَ وَهُوَ ابْنُ الصَّلَاحِ [أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ] فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مِثَالًا لِلْمُضْطَرَبِ فِيهِ [بَلْ هُوَ حَسَنٌ] وَنَازَعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي النُّكَتِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَفِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ قَالَ " سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ": لَمْ نَجِدْ شَيْئًا نَشُدُّ بِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَجِئْ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَكَانَ " إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ " إذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ تَشُدُّونَهُ بِهِ؟ وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ضَعْفِهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّتْرَةَ تُجْزِئُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَتْ، وَفِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ قَالَ " سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ": رَأَيْت " شَرِيكًا " صَلَّى بِنَا فِي جِنَازَةٍ الْعَصْرَ، فَوَضَعَ قَلَنْسُوَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ " ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﷺ : كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا» وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ: أَيْ الْمُصَلِّي إذَا لَمْ يَجِدْ جَمَعَ تُرَابًا أَوْ أَحْجَارًا، وَاخْتَارَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنْ يَكُونَ الْخَطُّ كَالْهِلَالِ.
وَفِي قَوْلِهِ: " ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ " مَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَضُرُّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ إمَّا بِنُقْصَانٍ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ بِإِبْطَالِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ إذْ فِي الْمُرَادِ بِالْقَطْعِ الْخِلَافُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا لَا إذَا كَانَ مُؤْتَمًّا، فَإِنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لَهُ أَوْ سُتْرَتُهُ سُتْرَةٌ لَهُ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا، وَقَدْ بَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ " مَرْفُوعًا: «سُتْرَةُ الْإِمَامِ لِمَنْ خَلْفَهُ» وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ فِي الْأَمْرِ بِاِتِّخَاذِ السُّتْرَةِ فِي الْفَضَاءِ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ
стр. 212
٢٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.
- ﷺ : كَانَ إذَا صَلَّى إلَى جِدَارٍ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرَ مَمَرِّ الشَّاةِ» وَلَمْ يَكُنْ يَتَبَاعَدُ مِنْهُ، بَلْ أَمَرَ بِالْقُرْبِ مِنْ السُّتْرَةِ، «وَكَانَ إذَا صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ عَمُودٍ أَوْ شَجَرَةٍ جَعَلَهُ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، أَوْ الْأَيْسَرِ، وَلَمْ يَصْمُدْ لَهُ صَمَدًا، وَكَانَ يُرَكِّزُ الْحَرْبَةَ فِي السَّفَرِ، أَوْ الْعَنَزَةَ، فَيُصَلِّي إلَيْهَا، فَتَكُونُ سُتْرَتَهُ، وَكَانَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا»
، وَقَاسَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بَسْطَ الْمُصَلِّي لِنَحْوِ سَجَّادَةٍ بِجَامِعِ إشْعَارِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ.
٢٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ [وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ»] وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ: فِي إسْنَادِهِ مُجَالِدٌ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ؛ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ حَدِيثًا مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّعْبِيِّ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ "، وَأَبِي أُمَامَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَفِيهِ: «أَنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاةَ مَنْ لَيْسَ لَهُ سُتْرَةٌ: الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ». وَلَمَّا تَعَارَضَ الْحَدِيثَانِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا، فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَطْعِ فِي حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ " نَقْصُ الصَّلَاةِ بِشَغْلِ الْقَلْبِ بِمُرُورِ الْمَذْكُورَاتِ، وَبِعَدَمِ الْقَطْعِ فِي حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ " عَدَمُ الْبُطْلَانِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا شَيْءٌ وَإِنْ نَقَصَ ثَوَابُهَا بِمُرُورِ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ "، وَقِيلَ: حَدِيثُ " أَبِي سَعِيدٍ " هَذَا نَاسِخٌ لِحَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ "، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسْخَ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ لِمَا عَرَفْت؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ النَّسْخُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ؛ وَلَا يُعْلَمُ هُنَا الْمُتَقَدِّمُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَرَجَعَ إلَى التَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَحَدِيثُ " أَبِي سَعِيدٍ " فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، كَمَا عَرَفْت.
باب الحث على الخشوع في الصلاة
فِي الْقَامُوسِ؛ الْخُشُوعُ: الْخُضُوعُ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ الْخُضُوعِ، أَوْ هُوَ فِي الْبَدَنِ، وَالْخُشُوعُ فِي الصَّوْتِ وَالْبَصَرِ وَالسُّكُونِ وَالتَّذَلُّلِ الْخُضُوعُ تَارَةً يَكُونُ فِي الْقَلْبِ، وَتَارَةً
стр. 213
٢٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ
يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْبَدَنِ، كَالسُّكُوتِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِمَا، حَكَاهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ حَدِيثُ " عَلِيٍّ " ﵇: «الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. قُلْت: وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» وَحَدِيثُ الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ: «وَأَعُوذُ بِك مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ».
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، وَقَدْ أَطَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَدِلَّةَ وُجُوبِهِ، وَادَّعَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
٢٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ [عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » هَذَا إخْبَارٌ مِنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " عَنْ نَهْيِهِ ﷺ وَلَمْ يَأْتِ بِلَفْظِهِ الَّذِي أَفَادَ النَّهْيَ، لَكِنْ هَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ [أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلَ] وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ [مُخْتَصَرًا بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ فَرَاءٍ، وَهُوَ مُنْتَصِبٌ عَلَى الْحَالِ، وَعَامِلُهُ يُصَلِّي، وَصَاحِبُهَا الرَّجُلُ؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ؛ وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: [وَمَعْنَاهُ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ] الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى [عَلَى خَاصِرَتِهِ]. كَذَلِكَ: أَيْ الْخَاصِرَةُ الْيُمْنَى، أَوْ الْيُسْرَى، أَوْ هُمَا مَعًا عَلَيْهِمَا، إلَّا أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِمَا ذَكَرَ يُعَارِضُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ قَوْلِهِ: وَفِي الْحَدِيثِ: «الْمُخْتَصِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ النُّورُ» أَيْ الْمُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا تَعِبُوا وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى خَوَاصِرِهِمْ (اهـ)، إلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ الْحَدِيثَ مَخْرَجًا؛ فَإِنْ صَحَّ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْكِتَابِ أَنْ يَتَوَجَّهَ النَّهْيُ إلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَعَبٍ، كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِهِ: فَإِذَا تَعِبُوا؛ إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُهُ تَفْسِيرُ النِّهَايَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ وَمَعَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ، يَتَّكِئُونَ عَلَيْهَا.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْخَاصِرَةُ الشَّاكِلَةُ وَمَا بَيْنَ الْحُرْقُفَةِ وَالْقُصَيْرَى، وَفَسَّرَ الْحُرْقُفَةَ بِعَظْمِ الْحَجَبَةِ: أَيْ رَأْسِ الْوَرِكِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَقِيلَ: الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ عَصًا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: أَنْ يَخْتَصِرَ السُّورَةَ، وَيَقْرَأَ مِنْ آخِرِهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ، وَقِيلَ: أَنْ يَحْذِفَ مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَا يَمُدُّ قِيَامَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَحُدُودَهَا؛
وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ بَيَّنَهَا قَوْلُهُ:
стр. 214
٢٢٣ - وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ
٢٢٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ. وَفِي " الْبُخَارِيِّ " عَنْ " عَائِشَةَ «أَنَّ ذَلِكَ أَيْ الِاخْتِصَارَ فِي الصَّلَاةِ فِعْلُ الْيَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ» وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ. فَهَذَا وَجْهُ حِكْمَةِ النَّهْيِ، لَا مَا قِيلَ: إنَّهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ، أَوْ أَنَّ إبْلِيسَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِلَلٌ تَخْمِينِيَّةٌ، وَمَا وَرَدَ مَنْصُوصًا: أَيْ عَنْ الصَّحَابِيِّ هُوَ الْعُمْدَةُ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِسَبَبِ الْحَدِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ لِوُرُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَثَرًا؛ وَفِي ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ لِلْحَدِيثِ فِي بَابِ الْخُشُوعِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِصَارِ أَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ.
[وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ مَمْدُودٌ كَسَمَاءٍ: طَعَامُ الْعَشِيِّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ [فَابْدَءُوا بِهِ] أَيْ بِأَكْلِهِ [قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَقَدْ وَرَدَ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الصَّلَاةِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَوَرَدَ بِلَفْظِ: " إذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ " فَلَا يُقَيَّدُ بِهِ لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ حُكْمِ الْخَاصِّ الْمُوَافِقِ لَا يَقْتَضِي تَقْيِيدًا وَلَا تَخْصِيصًا.
وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى إيجَابِ تَقْدِيمِ أَكْلِ الْعَشَاءِ إذَا حَضَرَ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ؛ وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ: بَلْ يَجِبُ تَقْدِيمُ أَكْلِ الْعَشَاءِ، فَلَوْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ لَبَطَلَتْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، ثُمَّ الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْعَشَاءُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى الطَّعَامِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ خَشِيَ فَسَادَ الطَّعَامِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ خَفِيفًا أَوْ لَا.
وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ تَفَاصِيلُ أُخَرُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ تَتَبَّعُوا عِلَّة الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الطَّعَامِ، فَقَالُوا: هُوَ تَشْوِيشُ الْخَاطِرِ بِحُضُورِ الطَّعَامِ، وَهُوَ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ عِلَّةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ إلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَابْنِ عَبَّاسٍ ": " أَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ طَعَامًا وَفِي التَّنُّورِ شِوَاءٌ؛ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لَهُ " ابْنُ عَبَّاسٍ ": لَا تَعْجَلْ، لَا نَقُومُ وَفِي أَنْفُسِنَا مِنْهُ شَيْءٌ " وَفِي رِوَايَةٍ: " لِئَلَّا يَعْرِضَ لَنَا فِي صَلَاتِنَا "، وَلَهُ عَنْ " الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ " ﵉ أَنَّهُ قَالَ: " الْعَشَاءُ
стр. 215
٢٢٥ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحْ الْحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ»، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ " وَاحِدَةً أَوْ دَعْ "
قَبْلَ الصَّلَاةِ يُذْهِبُ النَّفْسَ اللَّوَّامَةَ ". فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ إشَارَةٌ إلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَ؛ ثُمَّ هَذَا إذَا كَانَ الْوَقْتُ مُوَسَّعًا، وَاخْتُلِفَ إذَا تَضَيَّقَ بِحَيْثُ لَوْ قَدَّمَ أَكْلَ الْعَشَاءِ خَرَجَ الْوَقْتُ، فَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْأَكْلَ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ مُحَافَظَةً عَلَى تَحْصِيلِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ.
قِيلَ: وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولَ بِوُجُوبِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بَلْ نَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَفِيهِ أَنَّ حُضُورَ الطَّعَامِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا وَعِنْدَ غَيْرِهِ؛ قِيلَ: وَفِي قَوْلِهِ " فَابْدَءُوا " مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ حُضُورُ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَلَا يَتَمَادَى فِيهِ؛ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ إذَا حَضَرَ عَشَاؤُهُ وَسَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَقُمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ طَعَامِهِ، وَقَدْ قِيسَ عَلَى الطَّعَامِ غَيْرُهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِتَأْخِيرِهِ تَشْوِيشُ الْخَاطِرِ، فَالْأَوْلَى الْبُدَاءَةُ بِهِ.
[وَعَنْ " أَبِي ذَرٍّ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ أَيْ دَخَلَ فِيهَا فَلَا يَمْسَحُ الْحَصَى» أَيْ مِنْ جَبْهَتِهِ أَوْ مِنْ مَحَلِّ سُجُودِهِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ] رَوَاهُ الْخَمْسَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ؛ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ: [وَاحِدَةً أَوْ دَعْ]. فِي هَذَا النَّقْلِ قَلَقٌ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ أَنَّهُ زَادَ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَعْنَاهُ: عَلَى هَذَا فَلَا يَمْسَحُ وَاحِدَةً أَوْ دَعْ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ؛ وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: «سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى سَأَلْته عَنْ مَسْحِ الْحَصَاةِ، فَقَالَ وَاحِدَةً أَوْ دَعْ» أَيْ امْسَحْ وَاحِدَةً أَوْ اُتْرُكْ الْمَسْحَ، فَاخْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ أَخَلَّ بِالْمَعْنَى، كَأَنَّهُ اتَّكَلَ فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ عَلَى لَفْظِهِ لِمَنْ عَرَفَهُ، وَلَوْ قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: الْإِذْنُ بِمَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكَانَ وَاضِحًا.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ مَسْحِ الْحَصَاةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَا قَبْلَهُ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَشْغَلَ بَالَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَصَى أَوْ التُّرَابِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْغَالِبِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ. قِيلَ وَالْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْخُشُوعِ، كَمَا يُفِيدُهُ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ لِلْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْعَمَلُ فِي الصَّلَاةِ. وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ: " فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ ": أَيْ تَكُونُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ؛ فَلَا يُغَيِّرُ مَا تَعَلَّقَ بِوَجْهِهِ مِنْ التُّرَابِ، وَالْحَصَى، وَلَا
следующие страницы →