← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٢٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ سُتْرَةً، وَالثَّانِي مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَ السُّتْرَةَ فَلَا نَقْصَ فِي صَلَاتِهِ بِمُرُورِ الْمَارِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ أَنَّهُ مَعَ اتِّخَاذِ السُّتْرَةِ لَا يَضُرُّهُ مُرُورُ مَنْ مَرَّ، فَأَمْرُهُ بِدَفْعِهِ لِلْمَارِّ، لَعَلَّ وَجْهَهُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ عَلَى الْمَارِّ لِتَعَدِّيهِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ الشَّارِعُ، وَلِذَا يُقَدَّمُ الْأَخَفُّ عَلَى الْأَغْلَظِ. وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَمْ يُصِبْ مِنْ زَعَمَ وَهُوَ ابْنُ الصَّلَاحِ [أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ] فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مِثَالًا لِلْمُضْطَرَبِ فِيهِ [بَلْ هُوَ حَسَنٌ] وَنَازَعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي النُّكَتِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَفِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ قَالَ " سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ": لَمْ نَجِدْ شَيْئًا نَشُدُّ بِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَجِئْ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَكَانَ " إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ " إذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ تَشُدُّونَهُ بِهِ؟ وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ضَعْفِهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّتْرَةَ تُجْزِئُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَتْ، وَفِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ قَالَ " سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ": رَأَيْت " شَرِيكًا " صَلَّى بِنَا فِي جِنَازَةٍ الْعَصْرَ، فَوَضَعَ قَلَنْسُوَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ " ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﷺ : كَانَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا» وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ: أَيْ الْمُصَلِّي إذَا لَمْ يَجِدْ جَمَعَ تُرَابًا أَوْ أَحْجَارًا، وَاخْتَارَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنْ يَكُونَ الْخَطُّ كَالْهِلَالِ. وَفِي قَوْلِهِ: " ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ " مَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَضُرُّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ إمَّا بِنُقْصَانٍ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ بِإِبْطَالِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ إذْ فِي الْمُرَادِ بِالْقَطْعِ الْخِلَافُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا لَا إذَا كَانَ مُؤْتَمًّا، فَإِنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لَهُ أَوْ سُتْرَتُهُ سُتْرَةٌ لَهُ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا، وَقَدْ بَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ " مَرْفُوعًا: «سُتْرَةُ الْإِمَامِ لِمَنْ خَلْفَهُ» وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ فِي الْأَمْرِ بِاِتِّخَاذِ السُّتْرَةِ فِي الْفَضَاءِ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ

стр. 212

٢٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. - ﷺ : كَانَ إذَا صَلَّى إلَى جِدَارٍ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرَ مَمَرِّ الشَّاةِ» وَلَمْ يَكُنْ يَتَبَاعَدُ مِنْهُ، بَلْ أَمَرَ بِالْقُرْبِ مِنْ السُّتْرَةِ، «وَكَانَ إذَا صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ عَمُودٍ أَوْ شَجَرَةٍ جَعَلَهُ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، أَوْ الْأَيْسَرِ، وَلَمْ يَصْمُدْ لَهُ صَمَدًا، وَكَانَ يُرَكِّزُ الْحَرْبَةَ فِي السَّفَرِ، أَوْ الْعَنَزَةَ، فَيُصَلِّي إلَيْهَا، فَتَكُونُ سُتْرَتَهُ، وَكَانَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا» ، وَقَاسَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بَسْطَ الْمُصَلِّي لِنَحْوِ سَجَّادَةٍ بِجَامِعِ إشْعَارِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. ٢٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ [وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ»] وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ: فِي إسْنَادِهِ مُجَالِدٌ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ؛ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ حَدِيثًا مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّعْبِيِّ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ "، وَأَبِي أُمَامَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَفِيهِ: «أَنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاةَ مَنْ لَيْسَ لَهُ سُتْرَةٌ: الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ». وَلَمَّا تَعَارَضَ الْحَدِيثَانِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا، فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَطْعِ فِي حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ " نَقْصُ الصَّلَاةِ بِشَغْلِ الْقَلْبِ بِمُرُورِ الْمَذْكُورَاتِ، وَبِعَدَمِ الْقَطْعِ فِي حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ " عَدَمُ الْبُطْلَانِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا شَيْءٌ وَإِنْ نَقَصَ ثَوَابُهَا بِمُرُورِ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ "، وَقِيلَ: حَدِيثُ " أَبِي سَعِيدٍ " هَذَا نَاسِخٌ لِحَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ "، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسْخَ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ لِمَا عَرَفْت؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ النَّسْخُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ؛ وَلَا يُعْلَمُ هُنَا الْمُتَقَدِّمُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَرَجَعَ إلَى التَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَحَدِيثُ " أَبِي سَعِيدٍ " فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، كَمَا عَرَفْت. باب الحث على الخشوع في الصلاة فِي الْقَامُوسِ؛ الْخُشُوعُ: الْخُضُوعُ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ الْخُضُوعِ، أَوْ هُوَ فِي الْبَدَنِ، وَالْخُشُوعُ فِي الصَّوْتِ وَالْبَصَرِ وَالسُّكُونِ وَالتَّذَلُّلِ الْخُضُوعُ تَارَةً يَكُونُ فِي الْقَلْبِ، وَتَارَةً

стр. 213

٢٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْبَدَنِ، كَالسُّكُوتِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِمَا، حَكَاهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ حَدِيثُ " عَلِيٍّ " ﵇: «الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. قُلْت: وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» وَحَدِيثُ الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ: «وَأَعُوذُ بِك مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ». وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، وَقَدْ أَطَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَدِلَّةَ وُجُوبِهِ، وَادَّعَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ. ٢٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ [عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » هَذَا إخْبَارٌ مِنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " عَنْ نَهْيِهِ ﷺ وَلَمْ يَأْتِ بِلَفْظِهِ الَّذِي أَفَادَ النَّهْيَ، لَكِنْ هَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ [أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلَ] وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ [مُخْتَصَرًا بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ فَرَاءٍ، وَهُوَ مُنْتَصِبٌ عَلَى الْحَالِ، وَعَامِلُهُ يُصَلِّي، وَصَاحِبُهَا الرَّجُلُ؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ؛ وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: [وَمَعْنَاهُ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ] الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى [عَلَى خَاصِرَتِهِ]. كَذَلِكَ: أَيْ الْخَاصِرَةُ الْيُمْنَى، أَوْ الْيُسْرَى، أَوْ هُمَا مَعًا عَلَيْهِمَا، إلَّا أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِمَا ذَكَرَ يُعَارِضُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ قَوْلِهِ: وَفِي الْحَدِيثِ: «الْمُخْتَصِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ النُّورُ» أَيْ الْمُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا تَعِبُوا وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى خَوَاصِرِهِمْ (اهـ)، إلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ الْحَدِيثَ مَخْرَجًا؛ فَإِنْ صَحَّ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْكِتَابِ أَنْ يَتَوَجَّهَ النَّهْيُ إلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَعَبٍ، كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِهِ: فَإِذَا تَعِبُوا؛ إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُهُ تَفْسِيرُ النِّهَايَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ وَمَعَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ، يَتَّكِئُونَ عَلَيْهَا. وَفِي الْقَامُوسِ: الْخَاصِرَةُ الشَّاكِلَةُ وَمَا بَيْنَ الْحُرْقُفَةِ وَالْقُصَيْرَى، وَفَسَّرَ الْحُرْقُفَةَ بِعَظْمِ الْحَجَبَةِ: أَيْ رَأْسِ الْوَرِكِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. وَقِيلَ: الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ عَصًا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: أَنْ يَخْتَصِرَ السُّورَةَ، وَيَقْرَأَ مِنْ آخِرِهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ، وَقِيلَ: أَنْ يَحْذِفَ مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَا يَمُدُّ قِيَامَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَحُدُودَهَا؛ وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ بَيَّنَهَا قَوْلُهُ:

стр. 214

٢٢٣ - وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ ٢٢٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ. وَفِي " الْبُخَارِيِّ " عَنْ " عَائِشَةَ «أَنَّ ذَلِكَ أَيْ الِاخْتِصَارَ فِي الصَّلَاةِ فِعْلُ الْيَهُودِ فِي صَلَاتِهِمْ» وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ. فَهَذَا وَجْهُ حِكْمَةِ النَّهْيِ، لَا مَا قِيلَ: إنَّهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ، أَوْ أَنَّ إبْلِيسَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِلَلٌ تَخْمِينِيَّةٌ، وَمَا وَرَدَ مَنْصُوصًا: أَيْ عَنْ الصَّحَابِيِّ هُوَ الْعُمْدَةُ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِسَبَبِ الْحَدِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ لِوُرُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَثَرًا؛ وَفِي ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ لِلْحَدِيثِ فِي بَابِ الْخُشُوعِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِصَارِ أَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ. [وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ مَمْدُودٌ كَسَمَاءٍ: طَعَامُ الْعَشِيِّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ [فَابْدَءُوا بِهِ] أَيْ بِأَكْلِهِ [قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَقَدْ وَرَدَ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَوَرَدَ بِلَفْظِ: " إذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ " فَلَا يُقَيَّدُ بِهِ لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ حُكْمِ الْخَاصِّ الْمُوَافِقِ لَا يَقْتَضِي تَقْيِيدًا وَلَا تَخْصِيصًا. وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى إيجَابِ تَقْدِيمِ أَكْلِ الْعَشَاءِ إذَا حَضَرَ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ؛ وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ: بَلْ يَجِبُ تَقْدِيمُ أَكْلِ الْعَشَاءِ، فَلَوْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ لَبَطَلَتْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، ثُمَّ الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْعَشَاءُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى الطَّعَامِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ خَشِيَ فَسَادَ الطَّعَامِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ خَفِيفًا أَوْ لَا. وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ تَفَاصِيلُ أُخَرُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ تَتَبَّعُوا عِلَّة الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الطَّعَامِ، فَقَالُوا: هُوَ تَشْوِيشُ الْخَاطِرِ بِحُضُورِ الطَّعَامِ، وَهُوَ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ عِلَّةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ إلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَابْنِ عَبَّاسٍ ": " أَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ طَعَامًا وَفِي التَّنُّورِ شِوَاءٌ؛ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لَهُ " ابْنُ عَبَّاسٍ ": لَا تَعْجَلْ، لَا نَقُومُ وَفِي أَنْفُسِنَا مِنْهُ شَيْءٌ " وَفِي رِوَايَةٍ: " لِئَلَّا يَعْرِضَ لَنَا فِي صَلَاتِنَا "، وَلَهُ عَنْ " الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ " ﵉ أَنَّهُ قَالَ: " الْعَشَاءُ

стр. 215

٢٢٥ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحْ الْحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ»، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ " وَاحِدَةً أَوْ دَعْ " قَبْلَ الصَّلَاةِ يُذْهِبُ النَّفْسَ اللَّوَّامَةَ ". فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ إشَارَةٌ إلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَ؛ ثُمَّ هَذَا إذَا كَانَ الْوَقْتُ مُوَسَّعًا، وَاخْتُلِفَ إذَا تَضَيَّقَ بِحَيْثُ لَوْ قَدَّمَ أَكْلَ الْعَشَاءِ خَرَجَ الْوَقْتُ، فَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْأَكْلَ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ مُحَافَظَةً عَلَى تَحْصِيلِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ. قِيلَ: وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولَ بِوُجُوبِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بَلْ نَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَفِيهِ أَنَّ حُضُورَ الطَّعَامِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا وَعِنْدَ غَيْرِهِ؛ قِيلَ: وَفِي قَوْلِهِ " فَابْدَءُوا " مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ حُضُورُ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَلَا يَتَمَادَى فِيهِ؛ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ إذَا حَضَرَ عَشَاؤُهُ وَسَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَقُمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ طَعَامِهِ، وَقَدْ قِيسَ عَلَى الطَّعَامِ غَيْرُهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِتَأْخِيرِهِ تَشْوِيشُ الْخَاطِرِ، فَالْأَوْلَى الْبُدَاءَةُ بِهِ. [وَعَنْ " أَبِي ذَرٍّ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ أَيْ دَخَلَ فِيهَا فَلَا يَمْسَحُ الْحَصَى» أَيْ مِنْ جَبْهَتِهِ أَوْ مِنْ مَحَلِّ سُجُودِهِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ] رَوَاهُ الْخَمْسَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ؛ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ: [وَاحِدَةً أَوْ دَعْ]. فِي هَذَا النَّقْلِ قَلَقٌ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ أَنَّهُ زَادَ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَعْنَاهُ: عَلَى هَذَا فَلَا يَمْسَحُ وَاحِدَةً أَوْ دَعْ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ؛ وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: «سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى سَأَلْته عَنْ مَسْحِ الْحَصَاةِ، فَقَالَ وَاحِدَةً أَوْ دَعْ» أَيْ امْسَحْ وَاحِدَةً أَوْ اُتْرُكْ الْمَسْحَ، فَاخْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ أَخَلَّ بِالْمَعْنَى، كَأَنَّهُ اتَّكَلَ فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ عَلَى لَفْظِهِ لِمَنْ عَرَفَهُ، وَلَوْ قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: الْإِذْنُ بِمَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكَانَ وَاضِحًا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ مَسْحِ الْحَصَاةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَا قَبْلَهُ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَشْغَلَ بَالَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَصَى أَوْ التُّرَابِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْغَالِبِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ. قِيلَ وَالْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْخُشُوعِ، كَمَا يُفِيدُهُ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ لِلْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْعَمَلُ فِي الصَّلَاةِ. وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ: " فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ ": أَيْ تَكُونُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ؛ فَلَا يُغَيِّرُ مَا تَعَلَّقَ بِوَجْهِهِ مِنْ التُّرَابِ، وَالْحَصَى، وَلَا

стр. 216

٢٢٦ - وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ مُعَيْقِيبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ. ٢٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ - وَصَحَّحَهُ - «إيَّاكِ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ». مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُؤْلِمَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ النَّهْيُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ. [وَفِي الصَّحِيحِ] أَيْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ [عَنْ " مُعَيْقِيبٍ " بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ. هُوَ " مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ "، شَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ أَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَعْمَلَهُ " أَبُو بَكْرٍ "، وَعُمَرُ " ﵄ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: فِي آخَرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. [نَحْوُهُ] أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ " وَلَفْظُهُ: «لَا تَمْسَحُ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً لِتَسْوِيَةِ الْحَصَى» [بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ] أَيْ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ. [وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَمُثَنَّاةِ فَوْقِيَّةٍ، آخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْأَخْذُ لِلشَّيْءِ عَلَى غَفْلَةٍ [يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الطِّيبِيُّ سَمَّاهُ اخْتِلَاسًا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقْبِلُ عَلَى رَبِّهِ تَعَالَى، وَيَتَرَصَّدُ الشَّيْطَانُ فَوَاتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِذَا الْتَفَتَ اسْتَلَبَهُ ذَلِكَ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ الْتِفَاتًا لَا يَبْلُغُ إلَى اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ بِصَدْرِهِ، وَإِلَّا كَانَ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ. وَسَبَبُ الْكَرَاهَةِ نُقْصَانُ الْخُشُوعِ، كَمَا أَفَادَهُ إيرَادُ الْمُصَنِّفِ لِلْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ تَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِبَعْضِ الْبَدَنِ، أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ التَّوَجُّهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَفَادَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي ذَرٍّ ": «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ

стр. 217

٢٢٨ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْصُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ". انْصَرَفَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ [وَلِلتِّرْمِذِيِّ] أَيْ عَنْ " عَائِشَةَ " وَصَحَّحَهُ: [إيَّاكِ] بِكَسْرِ الْكَافِ؛ لِأَنَّهُ خُطَّابُ الْمُؤَنَّثِ [وَالِالْتِفَاتَ] بِالنَّصْبِ؛ لِأَنَّهُ مُحَذَّرٌ مِنْهُ [فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ] لِإِخْلَالِهِ بِأَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ، وَأَيُّ هَلَكَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَلَكَةِ الدِّينِ [فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ] مِنْ الِالْتِفَاتِ [فَفِي التَّطَوُّعِ] قِيلَ: وَالنَّهْيُ عَنْ الِالْتِفَاتِ إذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ: " أَنَّ " أَبَا بَكْرٍ ﵁ الْتَفَتَ لِمَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ " وَالْتَفَتَ النَّاسُ لِخُرُوجِهِ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، حَيْثُ أَشَارَ إلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَلْتَفِتُوا مَا عَلِمُوا بِخُرُوجِهِ، وَلَا إشَارَتِهِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ» وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ: «فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُنَاجَاةِ إقْبَالُهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ «فَلَا يَبْصُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ» قَدْ عَلَّلَ فِي حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " بِأَنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا [وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، تَحْتَ قَدَمَيْهِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ: [أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ] الْحَدِيثُ نَهَى عَنْ الْبُصَاقِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، أَوْ جِهَةِ الْيَمِينِ، إذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ مُطْلَقًا عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " وَأَبِي سَعِيدٍ ": «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَتَّهَا وَقَالَ: إذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقَنَّ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ بِالْمَنْعِ فِي كُلِّ حَالَةٍ دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَدْ أَفَادَهُ حَدِيثُ " أَنَسٍ " فِي حَقِّ الْمُصَلِّي، إلَّا أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ قَدْ أَفَادَتْ تَحْرِيمَ الْبُصَاقِ إلَى الْقِبْلَةِ مُطْلَقًا فِي الْمَسْجِدِ وَفِي غَيْرِهِ، وَعَلَى الْمُصَلِّي وَغَيْرِهِ؛ فَفِي صَحِيحِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ " حُذَيْفَةَ " مَرْفُوعًا؛ «مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفَلَتُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ " مَرْفُوعًا: «يُبْعَثُ صَاحِبُ النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ فِي وَجْهِهِ»

стр. 218

٢٢٩ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَك هَذَا فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ " السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ «أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُصَلِّي لَكُمْ». وَمِثْلُ الْبُصَاقِ إلَى الْقِبْلَةِ الْبُصَاقُ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا أَيْضًا، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ ": " أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَيْسَ فِي الصَّلَاةِ " وَعَنْ " مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ": " مَا بَصَقْت عَنْ يَمِينِي مُنْذُ أَسْلَمْت " وَعَنْ " عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ": أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ أَيْضًا. «وَقَدْ أَرْشَدَ ﷺ إلَى أَيِّ جِهَةٍ يَبْصُقُ فَقَالَ: عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ»، فَبَيَّنَ الْجِهَةَ أَنَّهَا جِهَةُ الشِّمَالِ، وَالْمَحَلِّ أَنَّهُ تَحْتَ الْقَدَمِ؛ وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ " أَنَسٍ " عِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ زِيَادَةً: «ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا» وَقَوْلُهُ: أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ خَاصٌّ بِمَنْ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ فَفِي ثَوْبِهِ لِحَدِيثِ: «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ» إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ الْبُصَاقُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ جِهَةِ الْيَمِينِ خَطِيئَةٌ لَا تَحْتَ الْقَدَمِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ وَلَا يَأْذَنُ فِي خَطِيئَةٍ. هَذَا وَقَدْ سَمِعْت أَنَّهُ عَلَّلَ ﷺ النَّهْيَ عَنْ الْبُصَاقِ عَلَى الْيَمِينِ بِأَنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، فَأُورِدَ سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّ عَلَى الشِّمَالِ أَيْضًا مَلَكًا وَهُوَ كَاتِبُ السَّيِّئَاتِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِذَلِكَ مَلَكُ الْيَمِينِ تَخْصِيصًا لَهُ وَتَشْرِيفًا وَإِكْرَامًا، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا؛ وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ " حُذَيْفَةَ " مَوْقُوفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ» وَفِي الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ " أُمَامَةَ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَمَلَكٌ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ» وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالتَّفْلُ يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ، بِحَيْثُ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ. [وَعَنْهُ] أَيْ " أَنَسٍ " ﵁[قَالَ: كَانَ قِرَامٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: السِّتْرُ الرَّقِيقُ؛ وَقِيلَ الصَّفِيقُ مِنْ صُوفٍ ذِي أَلْوَانٍ [لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَمِيطِي عَنَّا] أَيْ أَزِيلِي [قِرَامَك هَذَا فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ

стр. 219

٢٣٠ - وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، «فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي» ٢٣١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ [لِي فِي صَلَاتِي]. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى إزَالَةِ مَا يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ مِمَّا فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ فِي مَحَلِّ صَلَاتِهِ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ ﷺ أَعَادَهَا، وَمِثْلُهُ: [وَاتَّفَقَا] أَيْ الشَّيْخَانِ [عَلَى حَدِيثِهَا] أَيْ عَائِشَةَ " [فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ النُّونِ يَاءُ النِّسْبَةِ: كِسَاءٌ غَلِيظٌ لَا عَلَمَ فِيهِ أَبِي جَهْمٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهُوَ: عَامِرُ بْنُ حُذَيْفَةَ " [وَفِيهِ: فَإِنَّهَا] أَيْ الْخَمِيصَةُ " وَكَانَتْ ذَاتَ أَعْلَامٍ أَهْدَاهَا لَهُ ﷺ أَبُو جَهْمٍ " فَالضَّمِيرُ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ذِكْرُهَا.: وَلَفْظُ الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ؛ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تُفْهِمُ أَنَّ ضَمِيرَ فَإِنَّهَا للْأَنْبَجانِيَّةِ وَكَذَا ضَمِيرُ: «أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي». وَذَلِكَ أَنَّ " أَبَا جَهْمٍ " أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ خَمِيصَةً لَهَا أَعْلَامٌ، كَمَا رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَهْدَى أَبُو جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ، فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إلَى أَبِي جَهْمٍ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: «كُنْت أَنْظُرُ إلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَخَاف أَنْ يَفْتِنَنِي» قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ ثَوْبًا غَيْرَهَا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ.: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ مَا يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ مِنْ النُّقُوشِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ، وَفِيهِ مُبَادَرَتُهُ ﷺ إلَى صِيَانَةِ الصَّلَاةِ عَمَّا يُلْهِي، وَإِزَالَةِ مَا يَشْغَلُ عَنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إيذَانٌ بِأَنَّ لِلصُّوَرِ وَالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ تَأْثِيرًا فِي الْقُلُوبِ الطَّاهِرَةِ، وَالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ، فَضْلًا عَمَّا دُونَهَا؛ وَفِيهِ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَفَارِشِ، وَالسَّجَاجِيدِ الْمَنْقُوشَةِ، وَكَرَاهَةِ نَقْشِ الْمَسَاجِدِ، وَنَحْوِهِ.

стр. 220

٢٣٢ - وَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ». ٢٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: " فِي الصَّلَاةِ بَابُ الْمَسَاجِدِ [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَنْتَهِيَنَّ] بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ [أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ] أَيْ إلَى مَا فَوْقَهُمْ مُطْلَقًا [أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ النَّهْيُ الْأَكِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ يُفِيدُ تَحْرِيمُهُ؛ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ؛ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فِي الدُّعَاءِ فَكَرِهَهُ قَوْمٌ، وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ. [وَلَهُ] أَيْ لِمُسْلِمٍ [عَنْ " عَائِشَةَ " قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ». تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهَا لَا تُقَامُ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ حَضَرَ فِيهِ الطَّعَامُ، وَهُوَ عَامٌّ لِلنَّفْلِ وَالْفَرْضِ، وَلِلْجَائِعِ وَغَيْرِهِ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ أَخُصُّ مِنْ هَذَا. [وَلَا] أَيْ لَا صَلَاةَ [وَهُوَ] أَيْ الْمُصَلِّي [يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ. وَيَلْحَقُ بِهِمَا مُدَافَعَةُ الرِّيحِ فَهَذَا مَعَ الْمُدَافَعَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ ثِقَلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَاكَ مُدَافَعَةٌ فَلَا نَهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، وَمَعَ الْمُدَافَعَةِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، قِيلَ تَنْزِيهًا لِنُقْصَانِ الْخُشُوعِ، فَلَوْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ إنْ قَدَّمَ التَّبَرُّزَ وَإِخْرَاجَ الْأَخْبَثِينَ، قَدَّمَ الصَّلَاةَ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ مَكْرُوهَةٌ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا، وَعَنْ الظَّاهِرِيَّةِ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ» لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ الِامْتِلَاءِ وَالْكَسَلِ، وَهُمَا مِمَّا يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ، فَكَأَنَّ التَّثَاؤُبَ مِنْهُ «فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ» أَيْ يَمْنَعُهُ وَيُمْسِكُهُ مَا اسْتَطَاعَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَيْ التِّرْمِذِيُّ: [فِي الصَّلَاةِ] فَقَيَّدَ الْأَمْرَ بِالْكَظْمِ بِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يُنَافِي النَّهْيَ عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ مُطْلَقًا لِمُوَافَقَةِ الْمُقَيَّدِ الْمُطْلَقَ فِي الْحُكْمِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ فِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا وَفِيهِ بَعْدَهَا: «وَلَا يَقُلْ:

стр. 221

باب المساجد ٢٣٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إرْسَالَهُ. هَا، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ يَضْحَكْ مِنْهُ». وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُنَافِي الْخُشُوعَ؛ وَيَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ لِحَدِيثِ: «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مَعَ التَّثَاؤُبِ» وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمْ. الْمَسَاجِدُ: جَمْعُ مَسْجِدٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَكَانُ الْمَخْصُوصُ فَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ لَا غَيْرُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَوْضِعُ السُّجُودِ وَهُوَ مَوْضِعُ وُقُوعِ الْجَبْهَةِ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ. وَفِي فَضَائِلِ الْمَسَاجِدِ أَحَادِيثُ وَاسِعَةٌ، وَأَنَّهَا أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ، وَأَنَّ: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا مِنْ مَالٍ حَلَالٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَأَحَادِيثُهَا فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ وَغَيْرِهِ عَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ» يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْبُيُوتُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَحَالُّ الَّتِي تُبْنَى فِيهَا الدُّورُ [وَأَنْ تُنَظَّفَ] عَنْ الْأَقْذَارِ [وَتُطَيَّبَ] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَ إرْسَالَهُ، وَالتَّطْيِيبُ بِالْبَخُورِ وَنَحْوِهِ. وَالْأَمْرُ بِالْبِنَاءِ لِلنَّدَبِ لِقَوْلِهِ: «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَنَحْوُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: وَعَلَى إرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي الدُّورِ، فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسَاجِدَ شَرْطُهَا قَصْدُ التَّسْبِيلِ، إذْ لَوْ كَانَ يَتِمُّ مَسْجِدًا بِالتَّسْمِيَةِ لَخَرَجَتْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي اُتُّخِذَتْ فِي الْمَسَاكِنِ عَنْ مِلْكِ أَهْلِهَا، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَنَّ الْمُرَادَ الْمَحَالُّ الَّتِي فِيهَا الدُّورُ، وَمِنْهُ ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَحَالَّ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا الْقَبِيلَةُ دَارًا، قَالَ " سُفْيَانُ ": بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ: يَعْنِي الْقَبَائِلَ.

стр. 222

٢٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ " وَالنَّصَارَى " ٢٣٦ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانُوا إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» وَفِيهِ: " أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ» أَيْ لَعَنْ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ قَتَلَهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ " عَائِشَةَ " قَالَتْ: «إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتَاهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ: إنَّ أُولَئِكَ إذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا تِلْكَ التَّصَاوِيرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَاِتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ إلَيْهَا، أَوْ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَيْهَا؛ وَفِي مُسْلِمٍ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا وَلَا عَلَيْهَا». قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَمَّا كَانَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَةً يَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَهَا، اتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا لَهُمْ، وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَارِ صَالِحٍ، وَقَصَدَ التَّبَرُّكَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا لِتَعْظِيمٍ لَهُ؛ وَلَا لِتَوَجُّهٍ نَحْوَهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْوَعِيدِ. قُلْت: قَوْلُهُ لَا لِتَعْظِيمٍ لَهُ يُقَالُ: اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ بِقُرْبِهِ وَقَصْدُ التَّبَرُّكِ بِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ، ثُمَّ أَحَادِيثُ النَّهْيِ مُطْلَقَةٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلَّةَ سَدُّ الذَّرِيعَةِ، وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: وَأَمَّا مِنْ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَارِ صَالِحٍ وَقَصَدَ التَّبَرُّكَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا لِتَعْظِيمٍ لَهُ وَلَا لِتَوَجُّهٍ نَحْوَهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْوَعِيدِ " قُلْت " قَوْلُهُ لَا لِتَعْظِيمٍ لَهُ يُقَالُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ بِقُرْبِهِ وَقَصْدُ التَّبَرُّكِ بِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ. ثُمَّ أَحَادِيثُ النَّهْيِ مُطْلَقَةٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلَّةَ سَدُّ الذَّرِيعَةِ وَالْبَعْدُ عَنْ التَّشْبِيهِ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ الْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلِمَا فِي إنْفَاقِ الْمَالِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَبَثِ وَالتَّبْذِيرِ الْخَالِي عَنْ النَّفْعِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِيقَادِ السُّرُجِ عَلَيْهَا الْمَلْعُونُ فَاعِلُهُ. وَمَفَاسِدُ مَا يُبْنَى عَلَى الْقُبُورِ مِنْ الْمُشَاهَدِ وَالْقِبَابِ لَا تُحْصَرُ؛ وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» (وَزَادَ مُسْلِمٌ: وَالنَّصَارَى) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ: الْيَهُودُ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّصَارَى لَيْسَ لَهُمْ نَبِيٌّ إلَّا عِيسَى ﵇ إذْ لَا نَبِيَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ فِي السَّمَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَنْبِيَاءُ غَيْرُ مُرْسَلِينَ كَالْحَوَارِيِّينَ وَمَرْيَمَ فِي قَوْلٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْبِيَائِهِمْ، الْمَجْمُوعُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ الْمُرَادُ الْأَنْبِيَاءُ وَكِبَارُ أَتْبَاعِهِمْ وَاكْتَفَى بِذَكَرِ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، «كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ» وَلِهَذَا لَمَّا أُفْرِدَ النَّصَارَى كَمَا فِي. ٢٣٦ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانُوا إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» وَفِيهِ: " أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ ". [وَلَهُمَا] أَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ [مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانُوا إذَا مَاتَ فِيهِمْ] أَيْ النَّصَارَى

стр. 223

٢٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ». الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ: [الرَّجُلُ الصَّالِحُ] وَلَمَّا أَفْرَدَ الْيَهُودُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " أَنْبِيَائِهِمْ " وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: أَنْبِيَاءُ الْيَهُودِ أَنْبِيَاءُ النَّصَارَى لِأَنَّ النَّصَارَى مَأْمُورُونَ بِالْإِيمَانِ بِكُلِّ رَسُولٍ فَرُسُلُ بَنِي إسْرَائِيل يُسَمَّوْنَ أَنْبِيَاءَ فِي حَقِّ الْفَرِيقَيْنِ [بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا]. وَفِيهِ [أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ] اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ إلَى الْفَرِيقَيْنِ وَكَفَى بِهِ ذَمًّا؛ وَالْمُرَادُ مِنْ الِاتِّخَاذِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاعًا أَوْ اتِّبَاعًا فَالْيَهُودُ ابْتَدَعَتْ وَالنَّصَارَى اتَّبَعَتْ. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ» - الْحَدِيثُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ] الرَّجُلُ هُوَ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ " صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الرَّبْطَ عَنْ أَمْرِهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ ﷺ قَرَّرَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَقُولُ: " مَا عِنْدَك يَا ثُمَامَةُ - الْحَدِيثُ " وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رَبْطِ الْأَسِيرِ بِالْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَأَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الْمَسْجِدَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالطَّاعَةِ» وَقَدْ أَنْزَلَ ﷺ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ جَوَازُ دُخُولِ الْمُشْرِكِ الْمَسْجِدَ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ غَرِيمٌ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَخْرُجُ إلَيْهِ وَمِثْلُ أَنْ يُحَاكِمَ إلَى قَاضٍ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَدْ كَانَ الْكُفَّارُ يَدْخُلُونَ مَسْجِدَهُ ﷺ وَيُطِيلُونَ فِيهِ الْجُلُوسَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ» وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي بَعَثَ لِأَجْلِهَا ﷺ بِآيَاتِ بَرَاءَةَ إلَى مَكَّةَ وَقَوْلُهُ: «فَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ» وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ لَا يَتِمُّ بِهَا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَكَانَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ وَالْمَنَعَةُ كَمَا وَقَعَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ النَّصَارَى وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلْقَاءِ الْأَذَى فِيهِ وَالْأَزْبَالِ، أَوْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ قُرَيْشٍ وَمَنْعِهِمْ لَهُ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنْ الْعُمْرَةِ. وَأَمَّا دُخُولُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ وَمَنْعٍ وَتَخْرِيبٍ فَلَمْ تُفِدْهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَاقَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ دُخُولِ الْمُشْرِكِ الْمَسْجِدَ وَهُوَ مَذْهَبُ إمَامِهِ فِيمَا عَدَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ.

стр. 224

٢٣٨ - وَعَنْهُ «أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّانَ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْت أُنْشِدُ فِيهِ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٢٣٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ] أَيْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " [أَنْ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّانَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً فَسِينٌ مُهْمَلَةٌ مُشَدَّدَةٌ هُوَ ابْنُ ثَابِتٍ " شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَطَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الِاسْتِيعَابِ قَالَ: وَتُوُفِّيَ حَسَّانُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ " ﵇، وَقِيلَ بَلْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً [يُنْشِدُ] بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ [فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إلَيْهِ] أَيْ نَظَرَ إلَيْهِ وَكَأَنَّ حَسَّانَ فَهِمَ مِنْهُ نَظَرَ الْإِنْكَارِ [فَقَالَ قَدْ كُنْت أُنْشِدُ وَفِيهِ] أَيْ الْمَسْجِدُ [مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك] يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ حَسَّانًا أَنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ مَا أَجَابَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُ ﷺ فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ إنْشَادِ الشَّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَدْ عَارَضَهُ أَحَادِيثُ؛ أَخْرُجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ» وَلَهُ شَوَاهِدُ وَجُمِعَ بَيْنَهَا وَبَيْنِ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى تَنَاشُدِ أَشْعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَهْلِ الْبَطَالَةِ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَالْمَأْذُونُ فِيهِ مَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَقِيلَ الْمَأْذُونُ فِيهِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ [وَعَنْهُ] أَيْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ نَشَدَ الدَّابَّةَ إذَا طَلَبَهَا [ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك] عُقُوبَةً لَهُ لِارْتِكَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَا يَجُوزُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُهُ جَهْرًا وَأَنَّهُ وَاجِبٌ [فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ] أَيْ بَلْ بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْمُذَاكَرَةِ فِي الْخَيْرِ وَنَحْوِهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ السُّؤَالِ عَنْ ضَالَّةِ الْحَيَوَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ السُّؤَالُ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَتَاعِ وَلَوْ ذَهَبَ فِي

стр. 225

٢٤٠ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. ٢٤١ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. الْمَسْجِدِ؟ قِيلَ يَلْحَقُ لِلْعِلَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا وَأَنَّ مَنْ ذَهَبَ عَلَيْهِ مَتَاعٌ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ قَعَدَ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ يَسْأَلُ الْخَارِجِينَ وَالدَّاخِلِينَ إلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي تَعْلِيمِ الصَّبِيَّانِ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَأَنَّ الْمَانِعَ يَمْنَعُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ» أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنِ مَاجَهْ. [وَعَنْهُ] أَيْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ يَشْتَرِي فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَحَسَّنَهُ] فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مِنْ رَأَى ذَلِكَ فِيهِ يَقُولُ لِكُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك يَقُولُ جَهْرًا زَجْرًا لِلْفَاعِلِ لِذَلِكَ وَالْعِلَّةُ هِيَ قَوْلُهُ فِيمَا سَلَفَ: " فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ " وَهَلْ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّهُ يَنْعَقِدُ اتِّفَاقًا. (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَكْسُورَةٍ وَالزَّايِ، وَحَكِيمٌ صَحَابِيٌّ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِتُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتُّونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ صَحَابِيُّونَ كُلُّهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ وَخَالِدٌ وَيَحْيَى وَهِشَامٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا» أَيْ يُقَامُ الْقَوَدُ فِيهَا [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ ضَعِيفٌ]

стр. 226

٢٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٢٤٣ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ» - الْحَدِيثُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ السَّكَنِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ: لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ إقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ وَعَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِقَادَةِ فِيهَا. [وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ بِضَمِّ الْمِيمِ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ بَعْدَ الْأَلْفِ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ أَبُو عَمْرٍو سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَوْسِيُّ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَيِّدُ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مِقْدَامًا مُطَاعًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَأُصِيبَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي أَكْحَلِهِ فَلَمْ يَرْقَأْ دَمُهُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ، تُوُفِّيَ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ الْهِجْرَةِ [يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] أَيْ نَصَبَ عَلَيْهِ [خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ] أَيْ لِيَكُونَ مَكَانُهُ قَرِيبًا مِنْهُ ﷺ فَيَعُودُهُ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَبَقَاءِ الْمَرِيضِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ جَرِيحًا وَضَرْبِ الْخَيْمَةَ وَإِنْ مَنَعَتْ مِنْ الصَّلَاةِ. [وَعَنْهَا] أَيْ عَنْ " عَائِشَةَ " قَالَتْ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ» - الْحَدِيثُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَدْ بَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ لَعِبَهُمْ كَانَ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ بِالْحِرَابِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِد فِي يَوْمِ مَسَرَّةٍ وَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ وَأَمَّا السَّنَةُ فَبِحَدِيثِ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ» الْحَدِيثُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا فِي الْآيَةِ تَصْرِيحٌ بِمَا ادَّعَاهُ وَلَا عَرَفَ التَّارِيخَ فَيَتِمُّ النَّسْخُ؛ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ لَعِبَهُمْ كَانَ

стр. 227

٢٤٤ - وَعَنْهَا «أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتُحَدِّثُ عِنْدِي» - الْحَدِيثُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَعَائِشَةُ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ؛ وَهَذَا مَرْدُودٌ بِمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ هَذَا «أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ لَعِبَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : دَعْهُمْ» وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ: «لِتَعْلَمَ الْيَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً وَأَنِّي بُعِثْت بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ» وَكَأَنَّ عُمَرَ بَنَى عَلَى الْأَصْلِ فِي تَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ فَبَيَّنَ لَهُ ﷺ أَنَّ التَّعَمُّقَ وَالتَّشَدُّدَ يُنَافِي قَاعِدَةَ شَرِيعَتِهِ ﷺ مِنْ التَّسْهِيلِ وَالتَّيْسِيرِ وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ الطَّبَرِيِّ إنَّهُ يُغْتَفَرُ لِلْحَبَشِ مَا لَا يُغْتَفَرُ لِغَيْرِهِمْ فَيُقَرُّ حَيْثُ وَرَدَ وَيُدْفَعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ اللَّعِبَ بِالْحِرَابِ لَيْسَ لَعِبًا مُجَرَّدًا بَلْ فِيهِ تَدْرِيبُ الشُّجْعَانِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحُرُوبِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْعَدُوِّ فَفِي ذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي تَجْمَعُ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَيُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي إقَامَةِ الدَّيْنِ فَأُجِيزَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ. هَذَا وَأَمَّا نَظَرُ عَائِشَةَ إلَيْهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى جُمْلَةِ النَّاسِ مِنْ دُونِ تَفْصِيلٍ لِأَفْرَادِهِمْ كَمَا تَنْظُرُهُمْ إذَا خَرَجَتْ لِلصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْمُلَاقَاةِ فِي الطَّرَقَاتِ وَيَأْتِي تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَحَلِّهَا. [وَعَنْهَا] أَيْ " عَائِشَةَ " [أَنَّ وَلِيدَةً الْوَلِيدَةُ الْأَمَةُ [سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَةٍ فَهَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ الْخَيْمَةُ مِنْ وَبَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقِيلَ: لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ شَعْرٍ [فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتُحَدِّثُ عِنْدِي - الْحَدِيثُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ] وَالْحَدِيثُ بُرْمَتِهِ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ لِحَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا فَمَرَّتْ حَدَأَةٌ وَهُوَ مُلْقًى فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطَفَتْهُ. قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَاتَّهَمُونِي بِهِ فَجَعَلُوا يُفَتِّشُونِي حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا قَالَتْ: وَاَللَّهِ إنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ إذْ مَرَّتْ الْحَدَأَةُ فَأَلْقَتْهُ قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، فَقُلْت هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ زَعَمْتُمْ وَأَنَا بَرِيئَةٌ مِنْهُ وَهَا هُوَ ذَا، قَالَتْ: فَجَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَفْشٌ فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتُحَدِّثُ عِنْدِي، قَالَتْ فَلَا تَجْلِسُ إلَّا قَالَتْ: وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا … أَلَا إنَّهُ مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَانِي

стр. 228

٢٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْت لَهَا: مَا شَأْنُك لَا تَقْعُدِينَ إلَّا قُلْت هَذَا؟ فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ» فَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " الْحَدِيثُ "، وَفِي الْحَدِيثِ " لَا " عَلَى إبَاحَةِ الْمَبِيتِ وَالْمَقِيلِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَجَوَازِ ضَرْبِ الْخَيْمَةِ لَهُ وَنَحْوِهَا. [وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْبُصَاقُ " فِي الْقَامُوسِ الْبُصَاقُ كَغُرَابٍ وَالْبُصَاقُ وَالْبُزَاقُ مَاءُ الْفَمِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ وَمَا دَامَ فِيهِ فَهُوَ رِيقٌ وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: الْبُزَاقُ، وَلِمُسْلِمٍ: «التَّفْلُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُصَاقَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَالدَّفْنُ يُكَفِّرُهَا وَقَدْ عَارَضَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثٍ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: هُمَا عُمُومَانِ لَكِنَّ الثَّانِيَ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ وَيَبْقَى عُمُومُ الْخَطِيئَةِ إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ دُونِ تَخْصِيصٍ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّمَا يَكُونُ الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةً إذَا لَمْ يَدْفِنْهُ وَأَمَّا إذَا أَرَادَ دَفْنَهُ فَلَا. وَذَهَبَ إلَى هَذَا أَئِمَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَنَخَّعَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَدْفِنْهُ فَسَيِّئَةٌ فَإِنْ دَفَنَهُ فَحَسَنَةٌ» فَلَمْ يَجْعَلْهُ سَيِّئَةً إلَّا بِقَيْدِ عَدَمِ الدَّفْنِ وَنَحْوُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: «وَجَدْت فِي مُسَاوِي أُمَّتِي النُّخَامَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ» وَهَكَذَا فَهِمَ السَّلَفُ، فَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ " أَنَّهُ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةً فَنَسِيَ أَنْ يَدْفِنَهَا حَتَّى رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَأَخَذَ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ ثُمَّ جَاءَ فَطَلَبَهَا حَتَّى دَفَنَهَا وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيَّ خَطِيئَةٌ اللَّيْلَةَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْخَطِيئَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ تَرَكَهَا وَقَدَّمْنَا وَجْهًا مِنْ الْجَمْعِ وَهُوَ أَنَّ الْخَطِيئَةَ حَيْثُ كَانَ التَّفْلُ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَا إذَا كَانَ عَنْ الشِّمَالِ وَتَحْتَ الْقَدَمِ فَالْحَدِيثُ هَذَا مُخَصَّصٌ بِذَلِكَ وَمُقَيَّدٌ بِهِ، قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْمُرَادُ أَيْ مِنْ دَفْنِهَا، دَفْنُهَا فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ وَرَمْلِهِ وَحَصَاهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ مِنْ دَفْنِهَا إخْرَاجُهَا مِنْ الْمَسْجِد بَعِيدًا.

стр. 229

٢٤٦ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. ٢٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَمَرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَعَنْهُ] أَيْ " أَنَسٍ " قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى يَتَفَاخَرَ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» بِأَنْ يَقُولَ وَاحِدٌ مَسْجِدِي أَحْسَنُ مِنْ مَسْجِدِك عُلُوًّا وَزِينَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ [أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ] الْحَدِيثُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَقَوْلُهُ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ " قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَالتَّبَاهِي إمَّا بِالْقَوْلِ كَمَا عَرَفْت أَوْ بِالْفِعْلِ كَأَنْ يُبَالِغَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي تَزْيِينِ مَسْجِدِهِ وَرَفْعِ بِنَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ مُفْهِمَةٌ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ تَشْيِيدَ الْمَسَاجِدِ وَلَا عِمَارَتَهَا إلَّا بِالطَّاعَةِ [وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَمَرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ] وَتَمَامُ الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» وَهَذَا مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَأَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَحْذُو حَذْوَ بَنِي إسْرَائِيل. وَالتَّشْيِيدُ رَفْعُ الْبِنَاءِ وَتَزْيِينُهُ بِالشَّيْدِ وَهُوَ الْجِصُّ كَذَا فِي الشَّرْحِ وَاَلَّذِي فِي الْقَامُوسِ شَادَ الْحَائِطَ يَشِيدُهُ طَلَاهُ بِالشَّيْدِ وَهُوَ مَا يُطْلَى بِهِ الْحَائِطُ مِنْ جِصٍّ وَنَحْوِهِ، انْتَهَى؛ فَلَمْ يَجْعَلْ رَفْعَ الْبِنَاءِ مِنْ مُسَمَّاهُ. وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ التَّشَبُّهَ بِهِمْ مُحَرَّمٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ إلَّا أَنْ تَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْحُرِّ وَالْبَرْدِ وَتَزْيِينُهَا يَشْغَلُ الْقُلُوبَ عَنْ الْخُشُوعِ الَّذِي هُوَ رُوحُ جِسْمِ الْعِبَادَةِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَزْيِينُ الْمِحْرَابِ بَاطِلٌ. قَالَ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ إنَّ تَزْيِينَ الْحَرَمَيْنِ لَمْ يَكُنْ بِرَأْيٍ ذِي حَلٍّ وَعَقْدٍ وَلَا سُكُوتِ رِضًا أَيْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ أَهْلُ الدُّوَلِ الْجَبَابِرَةِ مِنْ غَيْرِ مُؤَاذَنَةٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَسَكَتَ الْمُسْلِمُونَ وَالْعُلَمَاءُ مِنْ غَيْرِ رِضًا وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : (مَا أَمَرْت) إشْعَارٌ

стр. 230

٢٤٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةَ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. بِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَسَنًا لَأَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ﷺ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ مَسْجِدَهُ ﷺ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ» فَلَمْ يَزِدْ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَبِيرَةً وَبَنَى جُدْرَانَهُ بِالْأَحْجَارِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْجِصِّ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ " قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي بُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ الْقَصْدُ وَتَرْكُ الْغُلُوِّ فِي تَحْسِينِهَا فَقَدْ كَانَ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الْفُتُوحَاتِ فِي أَيَّامِهِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَسْجِدَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدِهِ لِأَنَّ جَرِيدَ النَّخْلِ كَانَ قَدْ نَخِرَ فِي أَيَّامِهِ ثُمَّ قَالَ عِنْدَ عِمَارَتِهِ: " أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ " ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ وَالْمَالُ فِي زَمَنِهِ أَكْثَرُ فَحَسَّنَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الزَّخْرَفَةَ وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ. وَأَوَّلُ مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَسَكَتَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ إنْكَارِ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَةِ. وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةَ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ] الْقَذَاةُ بِزِنَةِ حَصَاةٍ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ فِي الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَهَذَا إخْبَارٌ بِأَنَّ مَا يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَإِنْ قَلَّ وَحَقُرَ مَأْجُورٌ فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ تَنْظِيفَ بَيْتِ اللَّهِ وَإِزَالَةِ مَا يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ وَيُفِيدُ بِمَفْهُومِهِ أَنَّ مِنْ الْأَوْزَارِ إدْخَالَ الْقَذَاةِ إلَى الْمَسْجِدِ. [وَعَنْ " أَبِي قَتَادَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ

стр. 231

٢٤٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الْحَدِيثُ نَهَى عَنْ جُلُوسِ الدَّاخِلِ إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا بَعْدَ صَلَاتِهِ رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ. وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ ذَلِكَ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ نَدْبٌ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ لِلَّذِي رَآهُ يَتَخَطَّى: " اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت " وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِصَلَاتِهِمَا وَبِأَنَّهُ قَالَ ﷺ لِمَنْ عَلَّمَهُ الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ فَقَالَ: لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا: " أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ " الْأَوَّلُ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهِمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ جَاءَ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ. وَالثَّانِي بِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ غَيْرُ مَا ذَكَرَ كَصَلَاةِ الْجَنَائِزِ وَنَحْوِهَا وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ وَجَبَ بَعْدَ قَوْلِهِ " لَا أَزِيدُ " وَاجِبَاتٌ وَأَعْلَمَهُ ﷺ بِهَا؛ ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُصَلِّيهِمَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ وَوَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَقَرَّرْنَاهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهِمَا مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَقَرَّرْنَا أَيْضًا أَنَّ وُجُوبَهُمَا هُوَ الظَّاهِرُ لِكَثْرَةِ الْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ بِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ وَلَمْ يُصَلِّهِمَا لَا يُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَهُمَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ يُشْرَعُ لَهُ التَّدَارُكُ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ «أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : رَكَعْت رَكْعَتَيْنِ قَالَ لَا قَالَ: قُمْ فَارْكَعْهُمَا» وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ وَكَذَلِكَ مَا يَأْتِي مِنْ قِصَّةِ سُلَيْكٍ الْغَطَفَانِيِّ، وَقَوْلُهُ: " رَكْعَتَيْنِ " لَا مَفْهُومَ لَهُ فِي جَانِبِ الزِّيَادَةِ بَلْ فِي جَانِبِ الْقِلَّةِ فَلَا تَتَأَدَّى سُنَّةُ التَّحِيَّةِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ عُمُومِ الْمَسْجِدِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَتَحِيَّتُهُ الطَّوَافُ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ فِيهِ بِالطَّوَافِ. قُلْت هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ فَلَا تَحِيَّةَ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إذْ التَّحِيَّةُ إنَّمَا تُشْرَعُ لِمَنْ جَلَسَ وَالدَّاخِلُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يَبْدَأُ بِالطَّوَافِ ثُمَّ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُقَامِ فَلَا يَجْلِسْ إلَّا وَقَدْ صَلَّى، نَعَمْ لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَأَرَادَ الْقُعُودَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ صَلَاةُ التَّحِيَّةِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ، وَكَذَلِكَ قَدْ اسْتَثْنَوْا صَلَاةَ الْعِيدِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ ﷺ مَا جَلَسَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ تَرَكَ التَّحِيَّةَ بَلْ وَصَلَ إلَى الْجَبَّانَةِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ فِي مَسْجِدِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَقْعُدْ بَلْ وَصَلَ إلَى الْمَسْجِدِ وَدَخَلَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَأَمَّا الْجَبَّانَةُ فَلَا تَحِيَّةَ لَهَا إذْ لَيْسَتْ بِمَسْجِدٍ وَأَمَّا إذَا اسْتَغَلَّ الدَّاخِلُ بِالصَّلَاةِ كَأَنْ يَدْخُلَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الْفَرِيضَةُ فَيَدْخُلَ فِيهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئْهُ عَنْ رَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا بِحَدِيثِ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ».

стр. 232

باب صفة الصلاة ٢٥٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا» أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلِابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ " حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا ". عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ:] مُخَاطِبًا لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ» تَقَدَّمَ أَنَّ إسْبَاغَ الْوُضُوءِ إتْمَامُهُ [ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ] تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ [ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ] فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ إذْ لَوْ وَجَبَ لَأَمَرَهُ بِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ [ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا] فِيهِ إيجَابُ الرُّجُوعِ وَالِاطْمِئْنَانِ فِيهِ [ثُمَّ ارْفَعْ] مِنْ الرُّكُوعِ [حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا] مِنْ الرُّكُوعِ [ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا] فِيهِ أَيْضًا وُجُوبُ السُّجُودِ وَوُجُوبُ الِاطْمِئْنَانِ فِيهِ [ثُمَّ ارْفَعْ] مِنْ السُّجُودِ [حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا] بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأُولَى [ثُمَّ اُسْجُدْ] الثَّانِيَةَ [حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا] كَالْأُولَى فَهَذِهِ صِفَةُ رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَتِلَاوَةً وَرُكُوعًا وَاعْتِدَالًا مِنْهُ وَسُجُودًا وَطُمَأْنِينَةً وَجُلُوسًا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَجْدَةً بِاطْمِئْنَانٍ كَالْأُولَى فَهَذِهِ صِفَةُ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ [ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ] أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ إلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى لِمَا عُلِمَ شَرْعًا مِنْ عَدَمِ تَكْرَارِهَا [فِي صَلَاتِك] فِي رَكَعَاتِ صَلَاتِك [كُلِّهَا. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ] بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ [وَ] هَذَا [اللَّفْظُ] الَّذِي سَاقَهُ هُنَا لِلْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ [وَلِابْنِ مَاجَهْ] أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ [بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ] أَيْ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ [حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا] عِوَضًا عَنْ قَوْلِهِ فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: حَتَّى تَعْتَدِلَ فَدَلَّ عَلَى إيجَابِ الِاطْمِئْنَانِ عِنْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ [وَمِثْلُهُ] أَيْ مِثْلُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مَا فِي قَوْلِهِ

стр. 233

٢٥١ - وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ " حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا " - وَلِأَحْمَدَ «فَأَقِمْ صُلْبَك حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ» - وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «إنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدَهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ» - وَلِأَبِي دَاوُد «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ» - وَلِأَبِي حِبَّانَ " ثُمَّ بِمَا شِئْت " وَفِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ هُوَ ابْنُ رَافِعٍ صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمُشَاهَدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ " ﵇ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَتُوُفِّيَ أَوَّلَ إمَارَةِ مُعَاوِيَةَ [عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ] فَإِنَّهُ عِنْدَهُمَا بِلَفْظِ [حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ «فَأَقِمْ صُلْبَك حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ» أَيْ الَّتِي انْخَفَضَتْ حَالَ الرُّكُوعُ تَرْجِعُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَالَ الْقِيَامِ لِلْقِرَاءَةِ وَذَلِكَ بِكَمَالِ الِاعْتِدَالِ [وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ] أَيْ مَرْفُوعًا «إنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ» فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ [ثُمَّ يُكَبِّرُ اللَّهَ] تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ [وَيَحْمَدُهُ] بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ [فَإِنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ] يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يَحْمَدُهُ غَيْرُ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وُجُوبُ مُطْلَقِ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ [وَيُثْنِي عَلَيْهِ] بِهَا [وَفِيهَا] أَيْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُد عَنْ رِفَاعَةَ [فَإِنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا] أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَك قُرْآنٌ [فَاحْمَدْ اللَّهَ] أَيْ أَلْفَاظُ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ [وَكَبِّرْهُ] بِلَفْظِ اللَّهُ أَكْبَرُ [وَهَلِّلْهُ] بِقَوْلِ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ عِوَضَ الْقِرَاءَةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ قُرْآنٌ يَحْفَظُهُ [وَلِأَبِي دَاوُد] أَيْ مِنْ رِوَايَةِ رِفَاعَةَ [ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ] [وَلِابْنِ حِبَّانَ: ثُمَّ بِمَا شِئْت] هَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ يُعْرَفُ بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَى تَعْلِيمِ مَا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ وَمَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ قَائِمٍ إلَى

стр. 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصَّلَاةِ وَهُوَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ وَالْمُرَادُ لِمَنْ كَانَ مُحْدِثًا كَمَا عُرِفَ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ فَصَّلَ مَا أَجْمَلَتْهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ: «حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ» وَهَذَا التَّفْصِيلُ دَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَيَكُونُ هَذَا قَرِينَةٌ عَلَى حَمْلِ الْأَمْرِ بِهِمَا حَيْثُ وَرَدَ عَلَى النَّدْبِ وَدَلَّ عَلَى إيجَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ قَبْلَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ وُجُوبُهُ وَبَيَانُ عَفْوِ الِاسْتِقْبَالِ لِلْمُتَنَفِّلِ الرَّاكِبِ، وَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَعَلَى تَعْيِينِ أَلْفَاظِهَا رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيُّ لِحَدِيثِ رِفَاعَةَ بِلَفْظِ: " ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ " وَرِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ الَّتِي صَحَّحَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ «إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ» وَمِثْلُهُ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ» فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ هَذَا اللَّفْظُ. وَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاتِحَةَ أَوْ غَيْرَهَا لِقَوْلِهِ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ " وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ " وَلَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ " فَاقْرَأْ بِأُمِّ الْكِتَابِ " وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ " ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا شِئْت " وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ " بَابُ فَرْضِ الْمُصَلِّي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ " فَمَعَ تَصْرِيحِ الرِّوَايَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ مَا تَيَسَّرَ مَعَك عَلَى الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ الْمُتَيَسِّرَةُ لِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا أَوْ يُحْمَلُ أَنَّهُ ﷺ عَرَفَ مِنْ حَالِ الْمُخَاطَبِ أَنَّهُ لَا يَحْفَظُ الْفَاتِحَةَ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَهُوَ يَحْفَظُ غَيْرَهَا فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ مَا تَيَسَّرَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهَا عَيَّنَتْ الْفَاتِحَةَ وَجَعَلَتْ مَا تَيَسَّرَ لَهَا عَدَاهَا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الرَّاوِيَ حَيْثُ قَالَ: مَا تَيَسَّرَ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَاتِحَةَ ذَهَلَ عَنْهَا وَدَلَّ عَلَى إيجَابِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مَعَهَا لِقَوْلِهِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ شِئْت. وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ الْقُرْآنَ يُجْزِئُهُ الْحَمْدُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْهُ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ وَلَا لَفْظٌ مَخْصُوصٌ وَقَدْ وَرَدَ تَعْيِينُ الْأَلْفَاظِ بِأَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الرُّكُوعِ وَوُجُوبِ الِاطْمِئْنَانِ فِيهِ. وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ بَيَانُ كَيْفِيَّتِهِ فَقَالَ: «فَإِذَا رَكَعْت فَاجْعَلْ رَاحَتَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك وَامْدُدْ ظَهْرَك وَمَكِّنْ رُكُوعَك» وَفِي رِوَايَةٍ «ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُك وَتَسْتَرْخِيَ» وَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَعَلَى وُجُوبِ الِانْتِصَابِ قَائِمًا وَعَلَى وُجُوبِ الِاطْمِئْنَانِ لِقَوْلِهِ: " حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا " وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهَا بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ وَقَدْ أَخْرَجَهَا السَّرَّاجُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فَهِيَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ؛ وَدَلَّ

стр. 235

٢٥٢ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ وَقَدْ فَصَلَّتْهَا رِوَايَةُ النَّسَائِيّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بِلَفْظِ: «ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ وَجَبْهَتَهُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ» وَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ «ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مُقْعَدَتِهِ وَيُقِيمُ صُلْبَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَإِذَا رَفَعْت رَأْسَك فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِك الْيُسْرَى» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَيْئَةَ الْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِافْتِرَاشِ الْيُسْرَى؛ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ كُلُّ مَا ذَكَرَ فِي بَقِيَّةِ رَكَعَاتِ صَلَاتِهِ إلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ وُجُوبَهَا خَاصٌّ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ رَكْعَةٍ وَدَلَّ عَلَى إيجَابِ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعَلَى مَا عَرَفْت مِنْ تَفْسِيرِ مَا تَيَسَّرَ بِالْفَاتِحَةِ فَتَجِبُ الْفَاتِحَةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَتَجِبُ قِرَاءَةُ مَا شَاءَ مَعَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى إيجَابِ مَا عَدَا الْفَاتِحَةَ فِي الْآخِرَتَيْنِ وَالثَّالِثَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ؛ " وَاعْلَمْ " أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ تَكَرَّرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى وُجُوبِ كُلِّ مَا ذُكِرَ فِيهِ وَعَدَمِ وُجُوبِ كُلِّ مَا لَا يُذْكَرَ فِيهِ أَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ فِيهِ وَاجِبٌ فَلِأَنَّهُ سَاقَهُ ﷺ بِلَفْظِ الْأَمْرِ بَعْدَ قَوْلِهِ: " لَنْ تَتِمَّ الصَّلَاةُ إلَّا بِمَا ذُكِرَ فِيهِ " وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ لَا يَجِبُ فَلِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَعْلِيمِ الْوَاجِبَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ تُرِكَ ذِكْرُ بَعْضِ مَا يَجِبُ لَكَانَ فِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا حُصِرَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أُخِذَ مِنْهَا بِالزَّائِدِ ثُمَّ إنْ عَارَضَ الْوُجُوبَ الدَّالَ عَلَيْهِ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ عَدَمَ الْوُجُوبِ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ جَاءَتْ صِيغَةُ أَمْرٍ بِشَيْءٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ قَرِينَةً عَلَى حَمْلِ الصِّيغَةِ عَلَى النَّدْبِ وَاحْتَمَلَ الْبَقَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ فَيَحْتَاجُ إلَى مُرَجِّحٍ لِلْعَمَلِ بِهِ. وَمِنْ الْوَاجِبَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَلَمْ تُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النِّيَّةُ، قُلْت: كَذَا فِي الشَّرْحِ؛ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ دَالٌ عَلَى إيجَابِهَا إذْ لَيْسَ النِّيَّةُ إلَّا الْقَصْدَ إلَى فِعْلِ الشَّيْءِ، وَقَوْلُهُ: فَتَوَضَّأَ أَيْ قَاصِدًا لَهُ ثُمَّ قَالَ: وَالْقُعُودُ الْأَخِيرُ أَيْ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ وَالسَّلَامُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ.

стр. 236

قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. [وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ السَّاعِدِيِّ هُوَ أَبُو حُمَيْدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ السَّاعِدِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى سَاعِدَةَ وَهُوَ أَبُو الْخَزْرَجِ الْمَدَنِيُّ غَلَبَ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، مَاتَ آخِرَ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ [قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ] أَيْ لِلْإِحْرَامِ [جَعَلَ يَدَيْهِ] أَيْ كَفَّيْهِ [حَذْوَ] بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ [مَنْكِبَيْهِ] وَهَذَا هُوَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ «وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ» تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ «فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك وَامْدُدْ ظَهْرَك وَمَكِّنْ رُكُوعَك» [ثُمَّ هَصَرَ] بِفَتْحِ الْهَاءِ فَصَادٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ فَرَاءٌ ظَهْرَهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ ثَنَاهُ فِي اسْتِوَاءٍ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيسٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " ثُمَّ حَنَى " بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَفِي رِوَايَةٍ: " غَيْرَ مُقَنِّعٍ رَأْسَهُ وَلَا مُصَوِّبِهِ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ " [فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ] أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ [اسْتَوَى] زَادَ أَبُو دَاوُد «فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِعَبْدِ الْحَمِيدِ زِيَادَةٌ " حَتَّى يُحَاذِي بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا " [حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ] بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْقَافِ آخِرُهُ رَاءٌ جَمْعُ فَقَارَةٍ وَهِيَ عِظَامُ الظَّهْرِ وَفِيهَا رِوَايَةٌ بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ [مَكَانَهُ] وَهِيَ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بِقَوْلِهِ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ «فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ» أَيْ لَهُمَا وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ " غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ذِرَاعَيْهِ " [وَلَا قَابِضِهِمَا] بِأَنْ يَضُمَّهُمَا إلَيْهِ [وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقَبْضَتَيْنِ] وَيَأْتِي فِي شَرَحَ حَدِيثِ «أَمَرْت أَنْ أَسْجُدَ حَتَّى سَبْعَةِ أَعْظُمَ». [وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ] جُلُوسَ التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ [جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ] لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ [قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى وَيَقْعُدُ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ] حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا رُوِيَ عَنْهُ قَوْلًا وَرُوِيَ عَنْهُ فِعْلًا وَاصِفًا فِيهِمَا صَلَاتَهُ ﷺ وَفِيهِ بَيَانُ صَلَاتِهِ ﷺ وَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ مُقَارَنٌ لِلتَّكْبِيرِ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَقَدْ وَرَدَ تَقْدِيمُ الرَّفْعِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَعَكْسُهُ فَوَرَدَ بِلَفْظِ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ وَبِلَفْظٍ كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَلِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ " الْأَوَّلُ " مُقَارَنَةُ الرَّفْعِ لِلتَّكْبِيرِ " وَالثَّانِي " تَقْدِيمُ الرَّفْعِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى الرَّفْعِ فَهَذِهِ صِفَتُهُ. وَفِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ النَّجْمِ الْوَهَّاجِ، الْأَوَّلُ رَفْعُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ مَعَ ابْتِدَائِهِ لِمَا

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ» فَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ وَلَا اسْتِصْحَابَ فِي انْتِهَائِهِ فَإِنْ فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ قَبْلَ تَمَامِ الرَّفْعِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَتَمَّ الْأُخَرَ فَإِنْ فَرَغَ مِنْهُمَا حَطَّ يَدَيْهِ وَلَمْ يَسْتَدِمْ الرَّفْعَ " وَالثَّانِي " يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ مُقَارِنَتَانِ فَإِذَا فَرَغَ أَرْسَلَهُمَا لِأَنَّ أَبَا دَاوُد رَوَاهُ كَذَلِكَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَصَحَّحَ هَذَا الْبَغْدَادِيُّ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَدَلِيلُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ " وَالثَّالِثُ " يَرْفَعُ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ وَيَحُطُّهُمَا بَعْدَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ لَا قَبْلَ فَرَاغِهِ لِأَنَّ الرَّفْعَ لِلتَّكْبِيرِ فَكَانَ مَعَهُ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَسَبَهُ إلَى الْجُمْهُورِ. انْتَهَى بِلَفْظِهِ وَفِيهِ تَحْقِيقُ الْأَقْوَالِ وَأَدِلَّتُهَا وَدَلَّتْ الْأَدِلَّةُ أَنَّهُ مِنْ الْعَمَلِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ بِحُكْمِهِ. وَأَمَّا حُكْمُهُ فَقَالَ دَاوُد وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَجَمَاعَةٌ إنَّهُ وَاجِبٌ لِثُبُوتِهِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ رَوَى رَفَعَ الْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ خَمْسُونَ صَحَابِيًّا مِنْهُمْ الْعَشَرَةُ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحَاكِمِ قَالَ: لَا نَعْلَمُ سُنَّةً اتَّفَقَ عَلَى رِوَايَتِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ الْعَشَرَةُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَ تَفَرُّقِهِمْ فِي الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ غَيْرَ هَذِهِ السُّنَّةِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ كَمَا قَالَ أُسْتَاذُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْمُوجِبُونَ: قَدْ ثَبَتَ الرَّفْعُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ هَذَا الثُّبُوتَ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَلِذَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ؛ وَقَالَ غَيْرُهُمْ: إنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ " وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " وَالْقَاسِمُ وَالنَّاصِرُ وَالْإِمَامُ يَحْيَى؛ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ؛ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ وَيَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ سُنَّةً إلَّا " الْهَادِي وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ مَنْ رَوَى عَنْ الزَّيْدِيَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ، فَقَدْ عَمَّ النَّقْلَ بِلَا عِلْمٍ. هَذَا وَأَمَّا إلَى أَيِّ مَحَلٍّ يَكُونُ الرَّفْعُ، فَرِوَايَةُ أَبِي حُمَيْدٍ هَذِهِ تُفِيدُ أَنَّهُ إلَى مُقَابِلِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَالْمَنْكِبُ مَجْمَعُ رَأْسِ عَظْمِ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ، وَبِهِ أَخَذَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَقِيلَ: إنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ " بِلَفْظِ " حَتَّى حَاذَى أُذُنَيْهِ ". وَجُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُحَاذِي بِظَهْرِ كَفَّيْهِ الْمَنْكِبَيْنِ وَبِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ الْأُذُنَيْنِ كَمَا تَدُلُّ لَهُ رِوَايَةٌ لِوَائِلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ: " حَتَّى كَانَتْ حِيَالَ مَنْكِبَيْهِ وَيُحَاذِي بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ " وَقَوْلُهُ: " أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ " قَدْ فَسَّرَ هَذَا الْإِمْكَانَ رِوَايَةُ ابْنِ دَاوُد: " وَكَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا " وَقَوْلُهُ: " هَصَرَ ظَهْرَهُ " تَقَدَّمَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ فِيهِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ حَنَى " بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ؛ وَفِي رِوَايَةٍ: " غَيْرَ مُقَنِّعٍ رَأْسَهُ وَلَا مُصَوِّبِهِ " وَفِي رِوَايَةٍ: " وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ " وَقَدْ سَبَقَ. وَقَوْلُهُ: " حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ " الْمُرَادُ مِنْهُ كَمَالُ الِاعْتِدَالِ، وَتُفَسِّرُهُ رِوَايَةُ: " ثُمَّ يَمْكُثُ قَائِمًا حَتَّى يَقَعَ كُلُّ عُضْوٍ مَوْضِعَهُ " وَفِي ذِكْرِهِ كَيْفِيَّةَ الْجُلُوسَيْنِ: الْجُلُوسِ الْأَوْسَطِ، وَالْأَخِيرِ، دَلِيلٌ عَلَى تَغَايُرِهِمَا، وَأَنَّهُ فِي الْجِلْسَةِ الْأَخِيرَةِ يَتَوَرَّكُ، أَيْ يُفْضِي بِوَرِكِهِ إلَى الْأَرْضِ، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ سَيَأْتِي، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ عَمِلَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ.

стр. 238

٢٥٣ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ - إلَى قَوْلِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك - إلَى آخِرِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَعَنْ " عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ» أَيْ قَصَدْت بِعِبَادَتِي [إلَى قَوْلِهِ: مِنْ الْمُسْلِمِينَ] وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، أَنْ يَقُولَ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ بِلَفْظِ الْآيَةِ؛ وَرِوَايَةُ: وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ وَإِلَيْهَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ [اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك] إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. تَمَامُهُ: «ظَلَمْت نَفْسِي؛ وَاعْتَرَفْت بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْك، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك، أَنَا بِك وَإِلَيْك، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْت، أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك». وَقَوْلُهُ: فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ ابْتِدَاءُ خَلْقِهِمَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَقَوْلُهُ - حَنِيفًا - أَيْ مَائِلًا إلَى الدَّيْنِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَزِيَادَةُ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَيَانٌ لِلْحَنِيفِ، وَأَيْضًا لِمَعْنَاهُ، وَالنُّسُكُ: الْعِبَادَةُ، وَكُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ، وَعَطْفُهُ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَقَوْلُهُ: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي: أَيْ حَيَاتِي وَمَوْتِي لِلَّهِ، أَيْ هُوَ الْمَالِكُ لَهُمَا وَالْمُخْتَصُّ بِهِمَا، وَقَوْلُهُ: رَبُّ الْعَالَمِينَ: الرَّبُّ الْمَلِكُ، وَالْعَالَمِينَ جَمْعُ عَالَمٍ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعِلْمِ، وَهُوَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ كَذَا قِيلَ، وَفِي الْقَامُوسِ الْعَالَمُ: الْخَلْقُ كُلُّهُ أَوْ مَا حَوَاهُ بَطْنُ الْفَلَكِ، وَلَا يُجْمَعُ فَاعِلٌ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ غَيْرُهُ وَغَيْرُ يَاسَمٍ، وَقَوْلُهُ لَا شَرِيكَ لَهُ: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْمَفْهُومُ مِنْهُ الِاخْتِصَاصُ. وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، أَيْ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ وَقَوْلُهُ: ظَلَمْت نَفْسِي، اعْتِرَافٌ بِظُلْمِ نَفْسِهِ، قَدَّمَهُ عَلَى سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ، وَمَعْنَى: لَبَّيْكَ: أُقِيمُ عَلَى طَاعَتِك وَأَمْتَثِلُ أَمْرَك، إقَامَةً مُتَكَرِّرَةً، وَسَعْدَيْكَ أَيْ أَسْعَدُ أَمْرَك وَأَتَّبِعْهُ إسْعَادًا مُتَكَرِّرًا، وَمَعْنَى: " الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْك " الْإِقْرَارُ بِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ وَاصِلٌ إلَى الْعِبَادِ، وَمَرْجُوٌّ وُصُولُهُ فَهُوَ فِي يَدَيْهِ تَعَالَى. وَمَعْنَى: " وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك " أَيْ لَيْسَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ إلَيْك بِهِ: أَيْ يُضَافُ إلَيْك، فَلَا يُقَالُ يَا رَبِّ الشَّرُّ، أَوْ لَا يَصْعَدُ إلَيْك،

стр. 239

٢٥٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْته، فَقَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٢٥٥ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَتَبَارَكَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصْعَدُ إلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَمَعْنَى: " أَنَا بِك وَإِلَيْك " أَيْ الْتِجَائِي وَانْتِهَائِي إلَيْك، وَتَوْفِيقِي بِك، وَمَعْنَى: " تَبَارَكْت " اسْتَحْقَقْت الثَّنَاءَ، أَوْ ثَبَتَ الْخَيْرُ عِنْدَك، فَهَذَا مَا يُقَالُ فِي الِاسْتِفْتَاحِ مُطْلَقًا. [وَفِي رِوَايَةٍ] أَيْ لِمُسْلِمٍ [أَنَّ ذَلِكَ] كَانَ يَقُولُهُ ﷺ [فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ] وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَأَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ " ﵇ وَرَدَّ فِيهَا، فَعَلَى كَلَامِهِ هُنَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَا هَذَا الذَّكَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَامٌّ، وَأَنَّهُ يُخَيَّرُ الْعَبْدُ بَيْنَ قَوْلِهِ عَقِيبَ التَّكْبِيرِ، أَوْ قَوْلِ مَا أَفَادَهُ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ] أَيْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ [سَكَتَ هُنَيْهَةً] بِضَمِّ الْهَاءِ فَنُونٌ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَهَاءٌ مَفْتُوحَةٌ فَتَاءٌ: أَيْ سَاعَةً لَطِيفَةً [قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ فَسَأَلْتُهُ] أَيْ عَنْ سُكُوتِهِ مَا يَقُولُ فِيهِ. [فَقَالَ: أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ] الْمُبَاعِدَةُ: الْمُرَادُ بِهَا مَحْوُ مَا حَصَلَ مِنْهَا، أَوْ الْعِصْمَةُ عَمَّا يَأْتِي مِنْهَا [كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ] فَكَمَا لَا يَجْتَمِعُ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ لَا يَجْتَمِعُ هُوَ وَخَطَايَاهُ «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ» بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ فَسِينٌ مُهْمَلَةٌ؛ فِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ الْوَسَخُ، وَالْمُرَادُ أَزِلْ عَنِّي الْخَطَايَا بِهَذِهِ الْإِزَالَةِ «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» بِالتَّحْرِيكِ، جَمْعُ بَرَدَةٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكْرُ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ تَأْكِيدٌ، أَوْ لِأَنَّهُمَا مَاءَانِ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُمَا الْأَيْدِي؛ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي تَكَرَّرَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَةٌ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ بَيْنَ التَّكْبِيرَةِ وَالْقِرَاءَةِ سِرًّا، وَأَنَّهُ يُخَيَّرُ الْعَبْدُ بَيْنَ هَذَا الدُّعَاءِ وَالدُّعَاءِ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ " ﵇ أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.

стр. 240

اسْمُك، وَتَعَالَى جَدُّك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمَوْقُوفًا ٢٥٦ - وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا عِنْدَ الْخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ «أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ». [وَعَنْ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَقُولُ أَيْ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَيْ أَسْجُدُ حَالَ كَوْنِي مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِك تَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ؛ قَالَ الْحَاكِمُ: قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَقَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: إنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهِ فِي مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَجْهَرُ بِهِ، وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ ، وَهُوَ بِهَذَا الْوَجْهِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ بِبَعْضِ مَا رُوِيَ لَكَانَ حَسَنًا، وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّوَجُّهِ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُخَيَّرُ الْعَبْدُ بَيْنَهَا قَوْلٌ حَسَنٌ. وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ: وَجَّهْت وَجْهِي، الَّذِي تَقَدَّمَ، فَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِي رُوَاتِهِ ضَعْفٌ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، عَطَفَ عَلَى مُسْلِمٍ؛ أَيْ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ؛ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ " عَائِشَةَ " مَرْفُوعًا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: سُبْحَانَك» الْحَدِيثُ؛ وَرِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَأَعَلَّهُ أَبُو دَاوُد قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. ٢٥٦ - وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا عِنْدَ الْخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ «أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ». [وَنَحْوُهُ] أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ عُمَرَ [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ " مَرْفُوعًا عِنْدَ الْخَمْسَةِ ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ] لِأَقْوَالِهِمْ [الْعَلِيمِ] بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ [مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] الْمَرْجُومِ [مِنْ هَمْزِهِ] الْمُرَادُ بِهِ الْجُنُونُ [وَنَفْخِهِ] بِالنُّونِ فَالْفَاءِ فَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكِبْرُ [وَنَفْثِهِ] بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالْمُثَلَّثَةِ الْمُرَادُ بِهِ الشِّعْرُ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْهِجَاءَ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ، وَأَنَّهَا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أَيْضًا بَعْدَ التَّوَجُّهِ بِالْأَدْعِيَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعُوذُ الْقِرَاءَةَ وَهُوَ قَبْلُهَا.

стр. 241

٢٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ: بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسُهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ. وَكَانَ إذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا. وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى. وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ عِلَّةٌ وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ] أَيْ يَفْتَحُ [الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ] أَيْ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، كَمَا وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ، وَالْمُرَادُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَيُقَالُ لَهَا، تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ [وَالْقِرَاءَةَ] مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ وَيَسْتَفْتِحُ الْقِرَاءَةَ [بِالْحَمْدِ] بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْحِكَايَةِ [لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ] بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَشِينٍ فَخَاءٍ مُعْجَمَتَيْنِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ. [رَأْسَهُ] أَيْ لَمْ يَرْفَعْهُ [وَلَمْ يُصَوِّبْهُ بِضَمِّهَا أَيْضًا وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لَمْ يَخْفِضْهُ خَفْضًا بَلِيغًا بَلْ بَيْنَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَهُوَ التَّسْوِيَةُ، كَمَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ] أَيْ بَيْنَ الْمَذْكُورِ مِنْ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ [وَكَانَ إذَا رَفَعَ] أَيْ رَأْسَهُ [مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا] تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " فِي أَوَّلِ الْبَابِ: " ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا " [وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ]؛ أَيْ الْأَوَّلِ [لَمْ يَسْجُدْ] الثَّانِيَةَ [حَتَّى يَسْتَوِيَ] بَيْنَهُمَا [جَالِسًا] وَتَقَدَّمَ: " ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا " [وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ] أَيْ بَعْدَهُمَا [التَّحِيَّةَ] أَيْ يَتَشَهَّدُ بِالتَّحِيَّاتِ لِلَّهِ كَمَا يَأْتِي فَفِي الثُّلَاثِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةِ الْمُرَادُ الْأَوْسَطُ وَفِي الثَّانِيَةِ الْأَخِيرُ [وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى] ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا جُلُوسُهُ فِي جَمِيعِ الْجِلْسَاتِ بَيْنَ السُّجُودَيْنِ، وَحَالَ التَّشَهُّدَيْنِ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: «وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى» «وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ» بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ فَمُوَحَّدَةٍ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا «وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ» بِأَنْ يَبْسُطَهُمَا فِي سُجُودِهِ، وَفَسَّرَ السَّبُعَ بِالْكَلْبِ، وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِهِ «وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَهُ عِلَّةٌ وَهِيَ: أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْجَوْزَاءِ "

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بِالْجِيمِ وَالزَّايِ عَنْ " عَائِشَةَ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مُرْسَلٌ، أَبُو الْجَوْزَاءِ " لَمْ يَسْمَعْ مِنْ " عَائِشَةَ "؛ وَأُعِلَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ مُكَاتَبَةً. وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَعْيِينِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَوَّلَ الْبَابِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهَا: " وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ " عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَنَسٍ وَأُبَيٍّ " مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَآخَرُونَ وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ مُرَادَهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ السُّورَةُ نَفْسُهَا، لَا هَذَا اللَّفْظُ، فَإِنَّ الْفَاتِحَةَ تُسَمَّى بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي حَدِيثِ أَنَسٍ " قَرِيبًا. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهُ فِي رُكُوعِهِ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يَخْفِضُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، عَلَى قَوْلِهِ " وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ " إلَى قَوْلِهِ " وَكَانَ يَقُولُ التَّحِيَّةَ ". وَالْمُرَادُ بِهَا الثَّنَاءُ الْمَعْرُوفُ بِالتَّحِيَّاتِ لِلَّهِ الْآتِي لَفْظُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ " إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فَفِيهِ شَرْعِيَّةُ التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ وَالْأَخِيرِ؛ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ بَيَانٌ لِإِجْمَالِ الصَّلَاةِ فِي الْقُرْآنِ الْمَأْمُورِ بِهَا وُجُوبًا، وَالْأَفْعَالُ لِبَيَانِ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ، أَوْ يُقَالُ بِإِيجَابِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي التَّشَهُّدَيْنِ، فَقِيلَ وَاجِبَانِ، وَقِيلَ سُنَّتَانِ، وَقِيلَ الْأُولَى سُنَّةٌ، وَالْأَخِيرَةُ وَاجِبٌ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. وَأَمَّا الْأَوْسَطُ فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» الْحَدِيثُ؛ وَمَنْ قَالَ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ اسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ لَمَّا سَهَا عَنْهُ لَمْ يَعُدْ لِأَدَائِهِ، وَجَبَرَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَلَوْ وَجَبَ لَمْ يَجْبُرْهُ سُجُودُ السَّهْوِ كَالرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ، وَقَدْ رُدَّ هَذَا الِاسْتِدْلَال بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مَعَ الذِّكْرِ، فَإِنْ نَسِيَ حَتَّى دَخَلَ فِي فَرْضٍ آخَرَ جَبَرَ سُجُودُ السَّهْوِ. وَفِي قَوْلِهَا «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى» مَا يَدُلُّ أَنَّهُ كَانَ جُلُوسُهُ ﷺ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَحَالَ التَّشَهُّدِ وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْجُلُوسَيْنِ فَجَعَلَ هَذَا صِفَةَ الْجُلُوسِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَجَعَلَ صِفَةَ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ تَقْدِيمَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصْبَ الْأُخْرَى، وَالْقُعُودُ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا. وَفِي قَوْلِهَا: يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، أَيْ فِي الْقُعُودِ، وَفُسِّرَتْ بِتَفْسِيرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَفْتَرِشُ قَدَمَيْهِ وَيَجْلِسُ بِأَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْقَعْدَةَ اخْتَارَهَا الْعَبَادِلَةُ فِي الْقُعُودِ فِي غَيْرِ الْأَخِيرِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى إقْعَاءً، أَوْ جَعَلُوا الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْهَيْئَةُ الثَّانِيَةُ وَتُسَمَّى أَيْضًا إقْعَاءً، وَهِيَ أَنْ يُلْصِقَ الرَّجُلُ أَلْيَتَيْهِ فِي الْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ

стр. 243

٢٥٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ سَاقَيْهِ وَفَخِذَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، وَافْتِرَاشُ الذِّرَاعَيْنِ تَقَدَّمَ أَنَّهُ بَسْطُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ حَالَ السُّجُودِ، وَقَدْ نَهَى ﷺ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْحَيَوَانَاتِ وَنَهَى عَنْ بُرُوكٍ كَبُرُوكِ الْبَعِيرِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ، وَافْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السُّبُعِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَنَقْرٍ كَنَقْرِ الْغُرَابِ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي وَقْتَ السَّلَامِ كَأَذْنَابِ خَيْلٍ شُمْسٍ. وَفِي قَوْلِهَا «وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ» دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّسْلِيمِ وَأَمَّا إيجَابُهُ فَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ سَابِقًا. [وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ] بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ مُقَابِلَ [مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ] تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ [وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ] رَفَعَهُمَا [وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ] أَيْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهُ [مِنْ الرُّكُوعِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي شَرْعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاضِعِ؛ أَمَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَتَقَدَّمَ فِيهِ الْكَلَامُ. وَأَمَّا عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ فَهَذَا الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَهْلَ الْكُوفَةِ؛ قُلْت: وَالْخِلَافُ فِيهِ لِلْهَادَوِيَّةِ مُطْلَقًا فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ؛ وَاسْتُدِلَّ لِلْهَادِي فِي الْبَحْرِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " مَالِي أَرَاكُمْ " الْحَدِيثُ؛ قُلْت: وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا بِأَيْدِينَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ إلَى الْجَانِبَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَامَ تُؤَمِّنُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَذْنَابِ خَيْلِ شَمْسٍ، اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» انْتَهَى بِلَفْظِهِ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي إيمَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ عِنْدَ السَّلَامِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَسَبَبُهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: «اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ» فَهُوَ عَائِدٌ إلَى مَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِيمَاءِ إلَى كُلِّ حَرَكَةٍ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ حَرَكَاتٍ، وَسُكُونٍ وَذِكْرِ اللَّهِ. قَالَ الْمَقْبَلِيُّ فِي الْمَنَارِ عَلَى كَلَامِ الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ: إنْ كَانَ هَذَا غَفْلَةً مِنْ الْإِمَامِ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَقَدْ أَبْعَدَ، وَإِنْ كَانَ مَعَ مَعْرِفَتِهِ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَهُوَ أَوْرَعُ وَأَرْفَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ وَالْإِكْثَارُ فِي هَذَا لَجَاجٌ مُجَرَّدٌ، وَأَمْرُ الرَّفْعِ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ تُورَدَ لَهُ الْأَحَادِيثُ الْمُفْرَدَاتُ، وَقَدْ كَثُرَتْ كَثْرَةً لَا تَوَازَى، وَصَحَّتْ صِحَّةً لَا تُمْنَعُ، وَلِذَا لَمْ يَقَعْ الْخِلَافُ الْمُحَقَّقُ فِيهِ إلَّا

стр. 244

٢٥٩ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُد: «يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ. ثُمَّ يُكَبِّرُ» لِلْهَادِي فَقَطْ، فَهِيَ مِنْ النَّوَادِرِ الَّتِي تَقَعُ لِأَفْرَادِ الْعُلَمَاءِ مِثْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، مَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا لَهُ نَادِرَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تُغْمَرَ فِي جَنْبِ فَضْلِهِ، وَتُجْتَنَبَ؛ انْتَهَى. وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا عَدَا الرَّفْعَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ: " أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَرَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ " وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: بِأَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ لَا يَعُودُ». وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، وَقَدْ سَاءَ حِفْظُهُ، وَلِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِرِوَايَةِ نَافِعٍ، وَسَالِمِ بْنِ عُمَرَ لِذَلِكَ، وَهُمَا مُثْبِتَانِ، وَمُجَاهِدٌ نَافٍ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ، وَبِأَنَّ تَرْكَهُ لِذَلِكَ إذَا ثَبَتَ كَمَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ يَكُونُ مُبَيِّنًا لِجَوَازِهِ؛ وَأَنَّهُ لَا يَرَاهُ وَاجِبًا، وَبِأَنَّ الثَّانِيَ: وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَثْبُتْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ مُقَدَّمَةً عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا إثْبَاتٌ، وَذَلِكَ نَفْيٌ، وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ؛ وَقَدْ نَقَلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ الْحَسَنِ، وَحُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْحَسَنُ أَحَدًا، وَنَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ " عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ " أَنَّهُ قَالَ: حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ كَلَامِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ: وَكَانَ عَلِيٌّ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ، قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَقَدْ طَعَنَ فِي الصَّحَابَةِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: ٢٥٩ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُد: «يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ. ثُمَّ يُكَبِّرُ». وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد: «يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ» تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الرَّفْعِ إلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ حَدِيثِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فَفِيهِ إثْبَاتُ الرَّفْعِ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَوَاضِعِ؛ كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ. وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُد: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ الْحَدِيثُ؛ تَمَامُهُ: ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَرَكَعَ ثُمَّ اعْتَدَلَ، فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقَنِّعْ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَدَلَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ إلَى مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا» الْحَدِيثُ. وَأَفَادَ رَفْعُهُ يَدَيْهِ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَوَاضِعِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ثُمَّ يُكَبِّرُ، الْحَدِيثُ، لِيُفِيدَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ جَمِيعِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الرَّفْعُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ:

стр. 245

٢٦٠ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. ٢٦١ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. [وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ "] أَيْ الرَّفْعُ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَوَاضِعِ [لَكِنْ قَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا] أَيْ الْيَدَيْنِ [فُرُوعَ أُذُنَيْهِ] أَطْرَافَهُمَا، فَخَالَفَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي حُمَيْدٍ فِي هَذَا اللَّفْظِ، ذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: لِكَوْنِهَا مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، وَجَمْعٌ آخَرُونَ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: يُحَاذِي بِظُهْرِ مَنْكِبَيْهِ الْكَفَّيْنِ، وَبِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ الْأُذُنَيْنِ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ وَائِلٍ بِلَفْظِ: «حَتَّى كَانَتْ حِيَالَ مَنْكِبَيْهِ وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ» وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ. [وَعَنْ وَائِلٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَأَلْفٌ فَهَمْزَةٌ هُوَ أَبُو هُنَيْدٍ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ ابْنُ حَجَرٍ بْنُ رَبِيعَةَ الْحَضَرِيِّ، كَانَ أَبُوهُ مِنْ مُلُوكِ حَضْرَمَوْتَ، وَفَدَ وَائِلٍ " عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَيُقَالُ إنَّهُ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ قَبْلَ قُدُومِهِ فَقَالَ: «يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ طَائِعًا رَاغِبًا فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَهُوَ بَقِيَّةُ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ﷺ رَحَّبَ بِهِ، وَأَدْنَاهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَبَسَطَ لَهُ رِدَاءً، فَأَجْلَسَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى وَائِلٍ وَوَلَدِهِ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَقْيَالِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ» رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ، وَعَاشَ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ " وَبَايَعَ لَهُ. قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: «ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ». الرُّسْغُ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ هُوَ الْمِفْصَلُ بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَحَلُّهُ عَلَى الصَّدْرِ كَمَا أَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ النَّجْمِ الْوَهَّاجِ: عِبَارَةُ الْأَصْحَابِ " تَحْتَ صَدْرِهِ " يُرِيدُ، وَالْحَدِيثُ بِلَفْظِ: " عَلَى صَدْرِهِ " قَالَ: وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا يَسِيرًا. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ

стр. 246

٢٦٢ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَفِي رِوَايَةٍ، لِابْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» - وَفِي أُخْرَى: لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدِيثَ وَائِلٍ " هَذَا فِي كِتَابِهِ الْأَمَالِي، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاة لِكَوْنِهِ فِعْلًا كَثِيرًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خِلَافٌ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرَهُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: الْإِرْسَالُ، وَصَارَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. [وَعَنْ عُبَادَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ. وَهُوَ أَبُو الْوَلِيدِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسٍ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ، كَانَ مِنْ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَجَّهَهُ عُمَرُ " إلَى الشَّامِ قَاضِيًا وَمُعَلِّمًا، فَأَقَامَ بِحِمْصَ، ثُمَّ انْتَقِلْ إلَى فِلَسْطِينَ وَمَاتَ بِهَا فِي الرَّمْلَةِ، وَقِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هُوَ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا الْمُصَلِّي بِالْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، وَالْمُرَكَّبُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَبِانْتِفَاءِ الْبَعْضِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ نَفْيِ الْكَمَالِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ صِدْقِ نَفْيِ الذَّاتِ، إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّفْيَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْإِجْزَاءِ، وَهُوَ كَالنَّفْيِ لِلذَّاتِ فِي الْمَآلِ لِأَنَّ مَا لَا يُجْزِئُ فَلَيْسَ بِصَلَاةٍ شَرْعِيَّةٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، بَلْ فِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً،

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَفِيهِ احْتِمَالٌ أَنَّهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ تُسَمَّى صَلَاةً، وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ تُسَمَّى صَلَاةً، لِقَوْلِهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُ مَا يَفْعَلُهُ فِي رَكْعَةٍ " وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا " فَدَلَّ عَلَى إيجَابِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَإِلَى وُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَآخَرِينَ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، بَلْ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ. وَالدَّلِيلُ ظَاهِرٌ مَعَ أَهْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ بَعْدَ تَعْلِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاطْمِئْنَانِ إلَى آخِرِهِ، أَنَّهُ قَالَ الرَّاوِي: فَوَصَفَ: أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ قَالَ: «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ يَفْعَلَ ذَلِكَ: أَيْ كُلُّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَغَيْرِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ: فَوَصَفَ الصَّلَاةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْقِرَاءَةِ مِنْ صِفَاتِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالِاعْتِدَالِ، وَنَحْوِهِ، مَأْمُورٌ بِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَمَا يُفِيدُهُ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَالْمُخَالِفُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَا يَقُولُ إنَّهُ يَكْفِي الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالِاطْمِئْنَانُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ يُفَرِّقُهَا فِي رَكَعَاتِهَا، فَكَيْفَ يَقُولُ إنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَاتِحَةِ تَنْفَرِدُ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْمَأْمُورَاتِ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ؟ وَهَذَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ أَجْزَاءِ الدَّلِيلِ بِلَا دَلِيلٍ. فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ " ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا " فِي رَكَعَاتِهَا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ كَتْبِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ وَهُوَ الْمُسِيءُ صَلَاتَهُ: " ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ " وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وُجُوبُ قِرَاءَتِهَا فِي سِرِّيَّةٍ، وَجَهْرِيَّةٍ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُؤْتَمِّ. أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُؤْتَمُّ فَدُخُولُهُ فِي ذَلِكَ وَاضِحٌ وَزَادَ إيضَاحًا فِي قَوْلِهِ: [وَفِي أُخْرَى] مِنْ رِوَايَةِ عُبَادَةَ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟ قُلْنَا، نَعَمْ، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ تَخْصِيصًا، كَمَا دَلَّ اللَّفْظُ الَّذِي عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِعُمُومِهِ، وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرٌ فِي عُمُومِ الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَالسِّرِّيَّةِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَيْضًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأهَا الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ إمَامِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ إذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ، وَيَقْرَأهَا فِي السَّرِيَّةِ، وَحَيْثُ لَا يَسْمَعُ فِي الْجَهْرِيَّةِ؛ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يَقْرَأهَا الْمَأْمُومُ فِي سِرِّيَّةٍ وَلَا جَهْرِيَّةٍ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ " حُجَّةٌ عَلَى الْجَمِيعِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ» مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا

стр. 248

٢٦٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ بِأَنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ "، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كُلُّهَا مَعْلُومَةٌ؛ انْتَهَى. مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا ضِعَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ: لِأَنَّ لَفْظَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ يَعُمُّ كُلَّ مَا يَقْرَؤُهُ الْإِمَامُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وَحَدِيثُ «إذَا قَرَأَ فَانْصِتُوا» فَإِنَّ هَذِهِ عُمُومَاتٍ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ " خَاصٌّ بِالْفَاتِحَةِ فَيُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ قِرَاءَتِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ، فَقِيلَ: فِي مَحَلِّ سَكَتَاتِهِ بَيْنَ الْآيَاتِ، وَقِيلَ سُكُوتُهُ بَعْدَ تَمَامِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَدِيثِ؛ بَلْ حَدِيثُ عُبَادَةَ دَالٌّ أَنَّهَا تُقْرَأُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ، وَيَزِيدُهُ إيضَاحًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ: «أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي نُعَيْمٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، فَجَعَلَ عُبَادَةُ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ لِعُبَادَةَ بَعْضُ مَنْ سَمِعَهُ يَقْرَأُ: سَمِعْتُك تَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ، قَالَ: أَجَلْ، صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، قَالَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: هَلْ تَقْرَءُونَ إذَا جَهَرْت بِالْقِرَاءَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُنَا؛ نَعَمْ، إنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ؛ قَالَ: فَلَا، وَأَنَا أَقُولُ: مَالِي يُنَازِعُنِي الْقُرْآنُ فَلَا تَقْرَءُوا بِشَيْءٍ إذَا جَهَرْت إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» فَهَذَا عُبَادَةُ " رَاوِي الْحَدِيثِ قَرَأَ بِهَا جَهْرًا خَلْفَ الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ فَهْمٌ مِنْ كَلَامَهُ ﷺ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ جَهْرًا وَإِنْ نَازَعَهُ. وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ " فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد " أَنَّهُ لِمَا حَدَثَ بِقَوْلِهِ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ: غَيْرُ تَمَامٍ: قَالَ لَهُ الرَّاوِي عَنْهُ وَهُوَ أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ، فَغَمَزَ ذِرَاعَهُ وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِك»، الْحَدِيثُ. وَأَخْرَجَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِرًّا ثُمَّ قَالَ مَكْحُولٌ: اقْرَأْ بِهَا فِيمَا جَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ إذَا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسَكَتَ سِرًّا، فَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ قَرَأْتهَا قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ لَا تَتْرُكْهَا عَلَى حَالٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ «أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يُنَادِيَ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ» وَفِي لَفْظٍ: " إلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ " إلَّا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُبَادَةَ " الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

стр. 249

الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - زَادَ مُسْلِمٌ: لَا يَذْكُرُونَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ: لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - وَفِي أُخْرَى لِابْنِ خُزَيْمَةَ: كَانُوا يُسِرُّونَ. وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ النَّفْيُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أَيْ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ بِهَذَا اللَّفْظِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلَا يَتِمُّ هُنَا أَنْ يُقَالَ مَا قُلْنَاهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ": أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ السُّورَةُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى حَذْفِ الْبَسْمَلَةِ، بَلْ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا إذْ هِيَ مِنْ مُسَمَّى السُّورَةِ لِقَوْلِهِ: زَادَ مُسْلِمٌ: [لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا] زِيَادَةٌ فِي الْمُبَالَغَةِ، فِي النَّفْيِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي آخِرِهَا بَسْمَلَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِآخِرِهَا السُّورَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي تُقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ لَفْظَ الْبَسْمَلَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ جَهْرًا، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الْبَسْمَلَةَ سِرًّا، وَلَا يَقْرَءُونَهَا أَصْلًا، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: وَفِي رِوَايَةٍ: أَيْ عَنْ أَنَسٍ " لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ: [لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَهَا سِرًّا، وَدَلَّ قَوْلُهُ: وَفِي أُخْرَى: أَيْ رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ " لِابْنِ خُزَيْمَةَ: [كَانُوا يُسِرُّونَ] فَمَنْطُوقُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِهَا سِرًّا، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ " " الْبَسْمَلَةُ سِرًّا يُحْمَلُ النَّفْيِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ؛ حَيْثُ قَالَ: لَا يَذْكُرُونَ: أَيْ لَا يَذْكُرُونَهَا جَهْرًا: خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا أَيْ أَبْدَى عِلَّةً لِمَا زَادَهُ مُسْلِمٌ، وَالْعِلَّةُ هِيَ: أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنْ قَتَادَةَ مُكَاتَبَةً، وَقَدْ رُدَّتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا، بَلْ قَدْ رَوَاهَا غَيْرُهُ رِوَايَةً صَحِيحَةً. وَالْحَدِيثُ قَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْبَسْمَلَةَ لَا يُجْهَرُ بِهَا فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا فِي آخِرِهَا، مُرَادٌ بِهِ أَوَّلُ السُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَنْ أَثْبَتَهَا قَالَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَجْهَرْ بِهَا الثَّلَاثَةُ حَالَ جَهْرِهِمْ بِالْفَاتِحَةِ، بَلْ يَقْرَءُونَهَا سِرًّا كَمَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَدْ أَطَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَلَامَ، وَأَلَّفَ فِيهَا بَعْضُ الْأَعْلَامِ، وَبَيَّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ " مُضْطَرِبٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: بَعْدَ سَرْدِهِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَنَسٍ " هَذِهِ مَا لَفْظُهُ: هَذَا الِاضْطِرَابُ لَا تَقُومُ مَعَهُ حُجَّةٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ

стр. 250

٢٦٤ - وَعَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ: «صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى إذَا بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاَلَّذِينَ لَا يَقْرَءُونَهَا. وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ " أَنَسٌ فَقَالَ: كَبِرَتْ سِنِي وَنَسِيت؛ انْتَهَى، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْ الْقُرْآنِ. وَطَالَ الْجِدَالُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الطَّوَائِفِ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا تَارَةً جَهْرًا، وَتَارَةً يُخْفِيهَا، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْبَحْثَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بِمَا لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهَا مِثْلُ سَائِرِ آيَاتِ الْقُرْآنِ يُجْهَرُ بِهَا فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ، وَيُسَرُّ بِهَا فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا فِي صَلَاتِهِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ، وَالْقِرَاءَةُ بِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ فَلَا يَنْهَضُ، لِأَنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ لَوْ ثَبَتَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ قُرْآنِيَّتِهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ الدَّلِيلُ عَلَى الْقُرْآنِيَّةِ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ بِالْآيَةِ فِي الصَّلَاةِ بَلْ الدَّلِيلُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا انْتَفَى الدَّلِيلُ الْخَاصُّ لَمْ يَنْتَفِ الدَّلِيلُ الْعَامُّ. ٢٦٤ - وَعَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ: «صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى إذَا بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. التَّعْرِيفُ بِنُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ: وَعَنْ نُعَيْمٍ " بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ الْمُجْمِرِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ وَيُقَالُ: وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ " مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ "، سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، وَسُمِّيَ مُجْمِرًا لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُجْمَرَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ كُلَّ جُمُعَةٍ حِينَ يَنْتَصِفُ النَّهَارُ. قَالَ: «صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى إذَا بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ أَيْ التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَهُوَ تَكْبِيرُ النَّقْلِ ثُمَّ يَقُولُ أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ إذَا سَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَيْ رُوحِي فِي تَصَرُّفِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَأَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ: " الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِلْأَصْلِ ، وَهُوَ كَوْنُ الْبَسْمَلَةِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْفَاتِحَةِ فِي الْقِرَاءَةِ جَهْرًا وَإِسْرَارًا، إذْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَقْرَأُ
следующие страницы →