Полный текст (1 346 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
٢٦٢ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَفِي رِوَايَةٍ، لِابْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» -
وَفِي أُخْرَى: لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدِيثَ وَائِلٍ " هَذَا فِي كِتَابِهِ الْأَمَالِي، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاة لِكَوْنِهِ فِعْلًا كَثِيرًا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خِلَافٌ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
قَالَ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرَهُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: الْإِرْسَالُ، وَصَارَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ.
[وَعَنْ عُبَادَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ. وَهُوَ أَبُو الْوَلِيدِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسٍ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ، كَانَ مِنْ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَجَّهَهُ عُمَرُ " إلَى الشَّامِ قَاضِيًا وَمُعَلِّمًا، فَأَقَامَ بِحِمْصَ، ثُمَّ انْتَقِلْ إلَى فِلَسْطِينَ وَمَاتَ بِهَا فِي الرَّمْلَةِ، وَقِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هُوَ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا الْمُصَلِّي بِالْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، وَالْمُرَكَّبُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَبِانْتِفَاءِ الْبَعْضِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ نَفْيِ الْكَمَالِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ صِدْقِ نَفْيِ الذَّاتِ، إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّفْيَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْإِجْزَاءِ، وَهُوَ كَالنَّفْيِ لِلذَّاتِ فِي الْمَآلِ لِأَنَّ مَا لَا يُجْزِئُ فَلَيْسَ بِصَلَاةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، بَلْ فِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً،
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفِيهِ احْتِمَالٌ أَنَّهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ تُسَمَّى صَلَاةً، وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ تُسَمَّى صَلَاةً، لِقَوْلِهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُ مَا يَفْعَلُهُ فِي رَكْعَةٍ " وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا " فَدَلَّ عَلَى إيجَابِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
وَإِلَى وُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَآخَرِينَ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، بَلْ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ.
وَالدَّلِيلُ ظَاهِرٌ مَعَ أَهْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ بَعْدَ تَعْلِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاطْمِئْنَانِ إلَى آخِرِهِ، أَنَّهُ قَالَ الرَّاوِي: فَوَصَفَ: أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ قَالَ: «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ يَفْعَلَ ذَلِكَ: أَيْ كُلُّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَغَيْرِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ: فَوَصَفَ الصَّلَاةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْقِرَاءَةِ مِنْ صِفَاتِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالِاعْتِدَالِ، وَنَحْوِهِ، مَأْمُورٌ بِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَمَا يُفِيدُهُ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَالْمُخَالِفُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَا يَقُولُ إنَّهُ يَكْفِي الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالِاطْمِئْنَانُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ يُفَرِّقُهَا فِي رَكَعَاتِهَا، فَكَيْفَ يَقُولُ إنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَاتِحَةِ تَنْفَرِدُ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْمَأْمُورَاتِ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ؟ وَهَذَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ أَجْزَاءِ الدَّلِيلِ بِلَا دَلِيلٍ.
فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ " ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا " فِي رَكَعَاتِهَا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ كَتْبِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ وَهُوَ الْمُسِيءُ صَلَاتَهُ: " ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ " وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وُجُوبُ قِرَاءَتِهَا فِي سِرِّيَّةٍ، وَجَهْرِيَّةٍ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُؤْتَمِّ.
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُؤْتَمُّ فَدُخُولُهُ فِي ذَلِكَ وَاضِحٌ وَزَادَ إيضَاحًا فِي قَوْلِهِ: [وَفِي أُخْرَى] مِنْ رِوَايَةِ عُبَادَةَ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟ قُلْنَا، نَعَمْ، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ تَخْصِيصًا، كَمَا دَلَّ اللَّفْظُ الَّذِي عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِعُمُومِهِ، وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرٌ فِي عُمُومِ الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَالسِّرِّيَّةِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَيْضًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ.
وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأهَا الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ إمَامِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ إذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ، وَيَقْرَأهَا فِي السَّرِيَّةِ، وَحَيْثُ لَا يَسْمَعُ فِي الْجَهْرِيَّةِ؛ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يَقْرَأهَا الْمَأْمُومُ فِي سِرِّيَّةٍ وَلَا جَهْرِيَّةٍ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ " حُجَّةٌ عَلَى الْجَمِيعِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ» مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا
стр. 248
٢٦٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ بِأَنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ "، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كُلُّهَا مَعْلُومَةٌ؛ انْتَهَى.
مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا ضِعَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ: لِأَنَّ لَفْظَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ يَعُمُّ كُلَّ مَا يَقْرَؤُهُ الْإِمَامُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وَحَدِيثُ «إذَا قَرَأَ فَانْصِتُوا» فَإِنَّ هَذِهِ عُمُومَاتٍ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ " خَاصٌّ بِالْفَاتِحَةِ فَيُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ قِرَاءَتِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ، فَقِيلَ: فِي مَحَلِّ سَكَتَاتِهِ بَيْنَ الْآيَاتِ، وَقِيلَ سُكُوتُهُ بَعْدَ تَمَامِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَدِيثِ؛ بَلْ حَدِيثُ عُبَادَةَ دَالٌّ أَنَّهَا تُقْرَأُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ، وَيَزِيدُهُ إيضَاحًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ: «أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي نُعَيْمٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، فَجَعَلَ عُبَادَةُ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ لِعُبَادَةَ بَعْضُ مَنْ سَمِعَهُ يَقْرَأُ: سَمِعْتُك تَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ، قَالَ: أَجَلْ، صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، قَالَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: هَلْ تَقْرَءُونَ إذَا جَهَرْت بِالْقِرَاءَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُنَا؛ نَعَمْ، إنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ؛ قَالَ: فَلَا، وَأَنَا أَقُولُ: مَالِي يُنَازِعُنِي الْقُرْآنُ فَلَا تَقْرَءُوا بِشَيْءٍ إذَا جَهَرْت إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» فَهَذَا عُبَادَةُ " رَاوِي الْحَدِيثِ قَرَأَ بِهَا جَهْرًا خَلْفَ الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ فَهْمٌ مِنْ كَلَامَهُ ﷺ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ جَهْرًا وَإِنْ نَازَعَهُ. وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ " فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد " أَنَّهُ لِمَا حَدَثَ بِقَوْلِهِ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ: غَيْرُ تَمَامٍ: قَالَ لَهُ الرَّاوِي عَنْهُ وَهُوَ أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ، فَغَمَزَ ذِرَاعَهُ وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِك»، الْحَدِيثُ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِرًّا ثُمَّ قَالَ مَكْحُولٌ: اقْرَأْ بِهَا فِيمَا جَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ إذَا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسَكَتَ سِرًّا، فَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ قَرَأْتهَا قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ لَا تَتْرُكْهَا عَلَى حَالٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ «أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يُنَادِيَ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ» وَفِي لَفْظٍ: " إلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ " إلَّا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُبَادَةَ " الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
стр. 249
الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - زَادَ مُسْلِمٌ: لَا يَذْكُرُونَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ: لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - وَفِي أُخْرَى لِابْنِ خُزَيْمَةَ: كَانُوا يُسِرُّونَ. وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ النَّفْيُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أَيْ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ بِهَذَا اللَّفْظِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلَا يَتِمُّ هُنَا أَنْ يُقَالَ مَا قُلْنَاهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ": أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ السُّورَةُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى حَذْفِ الْبَسْمَلَةِ، بَلْ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا إذْ هِيَ مِنْ مُسَمَّى السُّورَةِ لِقَوْلِهِ: زَادَ مُسْلِمٌ: [لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا] زِيَادَةٌ فِي الْمُبَالَغَةِ، فِي النَّفْيِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي آخِرِهَا بَسْمَلَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِآخِرِهَا السُّورَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي تُقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ لَفْظَ الْبَسْمَلَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ جَهْرًا، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الْبَسْمَلَةَ سِرًّا، وَلَا يَقْرَءُونَهَا أَصْلًا، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: وَفِي رِوَايَةٍ: أَيْ عَنْ أَنَسٍ " لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ: [لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَهَا سِرًّا، وَدَلَّ قَوْلُهُ: وَفِي أُخْرَى: أَيْ رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ " لِابْنِ خُزَيْمَةَ: [كَانُوا يُسِرُّونَ] فَمَنْطُوقُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِهَا سِرًّا، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ " " الْبَسْمَلَةُ سِرًّا يُحْمَلُ النَّفْيِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ؛ حَيْثُ قَالَ: لَا يَذْكُرُونَ: أَيْ لَا يَذْكُرُونَهَا جَهْرًا: خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا أَيْ أَبْدَى عِلَّةً لِمَا زَادَهُ مُسْلِمٌ، وَالْعِلَّةُ هِيَ: أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنْ قَتَادَةَ مُكَاتَبَةً، وَقَدْ رُدَّتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا، بَلْ قَدْ رَوَاهَا غَيْرُهُ رِوَايَةً صَحِيحَةً.
وَالْحَدِيثُ قَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْبَسْمَلَةَ لَا يُجْهَرُ بِهَا فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا فِي آخِرِهَا، مُرَادٌ بِهِ أَوَّلُ السُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَنْ أَثْبَتَهَا قَالَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَجْهَرْ بِهَا الثَّلَاثَةُ حَالَ جَهْرِهِمْ بِالْفَاتِحَةِ، بَلْ يَقْرَءُونَهَا سِرًّا كَمَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَقَدْ أَطَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَلَامَ، وَأَلَّفَ فِيهَا بَعْضُ الْأَعْلَامِ، وَبَيَّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ " مُضْطَرِبٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: بَعْدَ سَرْدِهِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَنَسٍ " هَذِهِ مَا لَفْظُهُ: هَذَا الِاضْطِرَابُ لَا تَقُومُ مَعَهُ حُجَّةٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ
стр. 250
٢٦٤ - وَعَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ: «صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى إذَا بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاَلَّذِينَ لَا يَقْرَءُونَهَا.
وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ " أَنَسٌ فَقَالَ: كَبِرَتْ سِنِي وَنَسِيت؛ انْتَهَى، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْ الْقُرْآنِ.
وَطَالَ الْجِدَالُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الطَّوَائِفِ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا تَارَةً جَهْرًا، وَتَارَةً يُخْفِيهَا، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْبَحْثَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بِمَا لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ.
وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهَا مِثْلُ سَائِرِ آيَاتِ الْقُرْآنِ يُجْهَرُ بِهَا فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ، وَيُسَرُّ بِهَا فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا فِي صَلَاتِهِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ، وَالْقِرَاءَةُ بِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ فَلَا يَنْهَضُ، لِأَنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ لَوْ ثَبَتَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ قُرْآنِيَّتِهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ الدَّلِيلُ عَلَى الْقُرْآنِيَّةِ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ بِالْآيَةِ فِي الصَّلَاةِ بَلْ الدَّلِيلُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا انْتَفَى الدَّلِيلُ الْخَاصُّ لَمْ يَنْتَفِ الدَّلِيلُ الْعَامُّ.
٢٦٤ - وَعَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ: «صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى إذَا بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
التَّعْرِيفُ بِنُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ: وَعَنْ نُعَيْمٍ " بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ الْمُجْمِرِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ وَيُقَالُ: وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ " مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ "، سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، وَسُمِّيَ مُجْمِرًا لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُجْمَرَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ كُلَّ جُمُعَةٍ حِينَ يَنْتَصِفُ النَّهَارُ.
قَالَ: «صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى إذَا بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ أَيْ التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَهُوَ تَكْبِيرُ النَّقْلِ ثُمَّ يَقُولُ أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ إذَا سَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَيْ رُوحِي فِي تَصَرُّفِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَأَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ: " الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِلْأَصْلِ
، وَهُوَ كَوْنُ الْبَسْمَلَةِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْفَاتِحَةِ فِي الْقِرَاءَةِ جَهْرًا وَإِسْرَارًا، إذْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَقْرَأُ
стр. 251
٢٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَرَأْتُمْ الْفَاتِحَةَ فَاقْرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّهَا إحْدَى آيَاتِهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَوَّبَ وَقْفَهُ.
٢٦٦ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ
بِالْبَسْمَلَةِ «لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا أَنَّهُ يُرِيدُ فِي أَكْثَرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا، إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَبْعُدُ مِنْ الصَّحَابِيِّ أَنْ يَبْتَدِعَ فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، ثُمَّ يَقُولُ: " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ ".
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْإِمَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ " وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ": «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ، يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ» وَقَالَ: إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَدَلِيلٌ عَلَى تَكْبِيرِ النَّقْل، وَيَأْتِي مَا فِيهِ مُسْتَوْفَى فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ".
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَرَأْتُمْ الْفَاتِحَةَ فَاقْرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا إحْدَى آيَاتِهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَوَّبَ وَقْفَهُ.
لَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ هَذَا عَلَى الْجَهْرِ بِهَا وَلَا الْإِسْرَارِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِمُطْلَقِ قِرَاءَتِهَا، وَقَدْ سَاقَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي السُّنَنِ لَهُ أَحَادِيثَ فِي الْجَهْرِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَاسِعَةً مَرْفُوعَةً عَنْ عَلِيٍّ " ﵇.
وَعَنْ عَمَّارٍ "، وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ "، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ " وَعَنْ جَابِرٍ "، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَرْدِ أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ مَا لَفْظُهُ: وَرَوَى الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمِنْ أَزْوَاجِهِ غَيْرِ مَنْ سَمَّيْنَا، كَتَبْنَا أَحَادِيثَهُمْ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَهْرِ بِهَا مُفْرَدًا، وَاقْتَصَرْنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا هُنَا طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ وَالتَّخْفِيفِ، انْتَهَى لَفْظُهُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ وَأَنَّهَا إحْدَى آيَاتِ الْفَاتِحَةِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ
[وَعَنْهُ] أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ [قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: آمِينَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ قَالَ الْحَاكِمُ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْإِمَامِ التَّأْمِينُ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ جَهْرًا، وَظَاهِرُهُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَفِي السِّرِّيَّةِ.
وَبِشَرْعِيَّتِهِ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى عَدَمِ شَرْعِيَّتِهِ لِمَا يَأْتِي؛ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يُسَرُّ بِهَا فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَلِمَالِكٍ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: كَالْحَنَفِيَّةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقُولُهَا، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي شَرْعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْمَأْمُومِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ» الْحَدِيثُ؛ وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا «إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
فَدَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى شَرْعِيَّتِهِ لِلْمَأْمُومِ، وَالْأَخِيرُ يَعُمُّ الْمُنْفَرِدَ، وَقَدْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِهِ عَلَى النَّدْبِ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَأَوْجَبُوهُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ.
وَاسْتَدَلَّتْ الْهَادَوِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مُفْسِدَةٌ لِلصَّلَاةِ بِحَدِيثِ «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» الْحَدِيثُ؛ وَلَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال، لِأَنَّ هَذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ كَالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ، وَكَلَامُ النَّاسِ الْمُرَادُ بِهِ مُكَالَمَتُهُمْ وَمُخَاطَبَتُهُمْ، كَمَا عَرَفْتَ.
стр. 252
رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: آمِينَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
٢٦٧ - وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُهُ.
٢٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ. فَقَالَ: قُلْ:
[وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ " نَحْوُهُ] أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَلَفْظُهُ فِي السُّنَنِ: «إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: آمِينَ وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ» وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ: «أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَهَرَ بِآمِينَ».
وَآمِينَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَعَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ وَحُكِيَ فِيهَا لُغَاتٌ، وَمَعْنَاهَا: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ؛ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
стр. 253
سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» الْحَدِيثُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ.
٢٦٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّ بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ - بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى " هُوَ: أَبُو إبْرَاهِيمَ أَوْ مُحَمَّدٌ أَوْ مُعَاوِيَةُ أَوْ، وَاسْمُ أَبِي أَوْفَى: عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيُّ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ وَمَا بَعْدَهُمَا، وَلَمْ يَزَلْ فِي الْمَدِينَةِ حَتَّى قُبِضَ ﷺ ، فَتَحَوَّلَ إلَى الْكُوفَةِ وَمَاتَ بِهَا، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْكُوفَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ.
قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي عَنْهُ، فَقَالَ: قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» الْحَدِيثَ، بِالنَّصْبِ؛ أَيْ: أَتِمَّ الْحَدِيثَ.
وَتَمَامُهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «قَالَ: أَيْ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِلَّهِ فَمَا لِي؟ قَالَ: قُلْ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي، فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ» انْتَهَى؛ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ؛ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ ".
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَذْكَارَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْقِرَاءَةِ لِلْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا لِمَنْ لَا يُحْسِنُ ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ لِيَقْرَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ مَعْنَى لَا أَسْتَطِيعُ: لَا أَحْفَظُ الْآنَ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَمْ يَأْمُرْ بِحِفْظِهِ وَأَمَرَهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُ الْفَاتِحَةِ كَمَا يَحْفَظُ هَذِهِ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ» بِيَاءَيْنِ " تَثْنِيَةُ أَوْلَى " [بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا] [وَسُورَتَيْنِ] أَيْ يَقْرَؤُهُمَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ [وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا] وَكَأَنَّهُ مِنْ هُنَا عَلِمُوا مِقْدَارَ قِرَاءَتِهِ [وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى] يَجْعَلُ السُّورَةَ فِيهَا أَطْوَلَ مِنْ الَّتِي فِي الثَّانِيَةِ [وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ] " تَثْنِيَةُ أُخْرَى " [بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ] مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِيهِ
стр. 254
٢٧٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةُ. وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَالْأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَرْبَعِ الرَّكَعَاتِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْأُولَيَيْنِ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ عَادَتَهُ " ﵇ "، كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَانَ يُصَلِّي، إذْ هِيَ عِبَارَةٌ تُفِيدُ الِاسْتِمْرَارَ غَالِبًا.
وَإِسْمَاعُهُمْ الْآيَةَ أَحْيَانًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِسْرَارُ فِي السِّرِّيَّةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ، وَفِي قَوْلِهِ " أَحْيَانًا " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ الظُّهْرَ وَنَسْمَعُ مِنْهُ الْآيَةَ بَعْدَ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ لُقْمَانَ وَالذَّارِيَاتِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ " نَحْوَهُ، وَلَكِنْ قَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَوَجْهُهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا: " وَظَنُّنَا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى " وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ: " إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يُطَوِّلَ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى ".
وَقَدْ ادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ التَّطْوِيلَ إنَّمَا هُوَ بِتَرْتِيلِ الْقِرَاءَةِ مَعَ اسْتِوَاءِ الْمَقْرُوءِ؛ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ: «كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلِ مِنْهَا» وَقِيلَ: إنَّمَا طَالَتْ الْأُولَى بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِيهَا فَهُمَا سَوَاءٌ؛ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " الْآتِي مَا يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى إنْ كَانَ يَنْتَظِرُ أَحَدًا، وَإِلَّا فَيُسَوِّي بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَزْدَادُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ فِي الْمَغْرِبِ، وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ قَدْ أَخْرَجَ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ طَرِيقِ الصُّنَابِحِيِّ: " أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ يَقْرَأُ فِيهَا ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الْآيَةُ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُخْبِرَ الْإِنْسَانُ بِالظَّنِّ، وَإِلَّا فَمَعْرِفَةُ الْقِرَاءَةِ بِالسُّورَةِ لَا طَرِيقَ فِيهِ إلَى الْيَقِينِ.
وَإِسْمَاعُ الْآيَةِ أَحْيَانًا لَا يَدُلُّ عَلَى قِرَاءَةِ كُلِّ السُّورَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ " الْآتِي يَدُلُّ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ بِالظَّنِّ؛ وَكَذَا حَدِيثُ «خَبَّابٍ حِينَ سُئِلَ: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ وَلَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا بِخَبَرٍ عَنْهُ ﷺ لَذَكَرُوهُ».
стр. 255
٢٧١ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «كَانَ فُلَانٌ يُطِيلُ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ وَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ. فَقَالَ
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: كُنَّا نَحْزِرُ. بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الزَّايِ: نَخْرُصُ وَنُقَدِّرُ، وَفِي قَوْلِهِ " كُنَّا نَحْزِرُ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُقَدِّرِينَ لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ
؛ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ رِوَايَةً أَنَّ الْحَازِرِينَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ. «قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي الظُّهْرِ قَدْرَ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ - السَّجْدَةُ» أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ [وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ]. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مَعَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَيَزِيدُهُ دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ «وَفِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ سُورَةً غَيْرَ الْفَاتِحَةِ [وَالْأُخْرَيَيْنِ] أَيْ مِنْ الْعَصْرِ [عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ الْأُولَيَيْنِ مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا قَدْ اخْتَلَفَتْ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا «كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْبَقِيعِ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَأْتِي إلَى أَهْلِهِ، فَيَتَوَضَّأُ وَيُدْرِكُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطِيلُهَا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ "؛ وَأَخْرُج أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " أَيْضًا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةٍ؛ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً أَوْ قَالَ نِصْفَ ذَلِكَ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ» هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ إلَّا الْفَاتِحَةَ، وَأَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ غَيْرَهَا مَعَهَا؛ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانَا».
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أُمِّ الْكِتَابِ فِيهِمَا، وَلَعَلَّهُ أَرْجَحُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ لِأَنَّهُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَمِنْ حَيْثُ الدِّرَايَةُ، لِأَنَّهُ إخْبَارٌ مَجْزُومٌ بِهِ، وَخَبَرُ أَبِي سَعِيدٍ " انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حَزْرٍ وَتَقْدِيرٍ وَتَظَنُّنٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصْنَعُ هَذَا تَارَةً، فَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ مَعَهَا، وَيَقْتَصِرُ فِيهِمَا أَحْيَانًا، فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا فِيهِمَا سُنَّةً تُفْعَلُ أَحْيَانًا، وَتُتْرَكُ أَحْيَانًا.
التَّعْرِيفُ بِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ هُوَ: أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ " بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخُو عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكِبَارِ التَّابِعِينَ؛ كَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا ثِقَةً عَابِدًا وَرِعًا حُجَّةً، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ.
[قَالَ: كَانَ فُلَانٌ]. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْبَغَوِيِّ أَنَّ فُلَانًا يُرِيدُ بِهِ أَمِيرًا كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ. قِيلَ: اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ "، وَلَيْسَ هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَمَا قِيلَ، لِأَنَّ وِلَادَةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَتْ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَالْحَدِيثُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ " صَلَّى خَلْفَ فُلَانٍ هَذَا.
«يُطِيلُ الْأُولَيَيْنِ فِي الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ».
اخْتَلَفَ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ فَقِيلَ: إنَّهَا مِنْ الصَّافَّاتِ، أَوْ الْجَاثِيَةِ أَوْ الْقِتَالِ، أَوْ الْحُجُرَاتِ، أَوْ الصَّفِّ، أَوْ تَبَارَكَ، أَوْ سَبِّحْ، أَوْ الضُّحَى، وَاتَّفَقَ أَنَّ مُنْتَهَاهُ آخِرُ الْقُرْآنِ. [وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ وَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ": مَا صَلَّيْت وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا]. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَيَكُونُ الصُّبْحُ أَطْوَلَ، وَفِي الْعِشَاءِ وَالْعَصْرِ بِأَوْسَطِهِ، وَفِي الْمَغْرِب بِقِصَارِهِ.
قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِي تَطْوِيلِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ أَنَّهُمَا وَقْتَا غَفْلَةٍ بِالنَّوْمِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَالْقَائِلَةِ، فَطُولُهُمَا لِيُدْرِكَهُمَا الْمُتَأَخِّرُونَ لِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا، وَفِي الْعَصْرِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ فِي وَقْتِ الْأَعْمَالِ فَخُفِّفَتْ لِذَلِكَ، وَفِي الْمَغْرِبِ لِضِيقِ الْوَقْتِ؛ فَاحْتِيجَ إلَى زِيَادَةِ تَخْفِيفِهَا، وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى عِشَاءِ صَائِمِهِمْ وَضَيْفِهِمْ، وَفِي الْعِشَاءِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ، وَلَكِنَّ وَقْتَهَا وَاسِعٌ فَأَشْبَهَتْ الْعَصْرَ، هَكَذَا قَالُوهُ، وَسَتَعْرِفُ اخْتِلَافَ أَحْوَالِ صَلَاتِهِ ﷺ مِمَّا يَأْتِي قَرِيبًا، بِمَا لَا يَتِمُّ بِهِ هَذَا التَّفْصِيلُ.
стр. 256
أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْت وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
٢٧٢ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٧٢ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[وَعَنْ " جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ " ﵁] تَقَدَّمَ ضَبْطُهُمَا وَبَيَانُ حَالِ جُبَيْرٍ قَالَ: «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، قَدْ بَيَّنَ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ سَمَاعَهُ لِذَلِكَ كَانَ قَبْلَ إسْلَامِهِ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا يَخْتَصُّ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ -
стр. 257
٢٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٢٧٤ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُدِيمُ ذَلِكَ
قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِ ﴿المص﴾، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِالصَّافَّاتِ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِ ﴿حم﴾ الدُّخَانِ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِالْمُرْسَلَاتِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ. وَأَمَّا الْمُدَاوَمَةُ فِي الْمَغْرِبِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ فَإِنَّمَا هُوَ فِعْلُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ لَهُ: " مَا لَك تَقْرَأُ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَقَدْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ» تَثْنِيَةُ طُولَى، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْأَعْرَافُ وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ أَطْوَلُ مِنْ الْأَنْعَامِ، إلَى هُنَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهِيَ الْأَعْرَافُ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ، «أَنَّهُ ﷺ فَرَّقَ فِي الْأَعْرَافِ فِي رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ؛ وَقَدْ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَوَقَّتَ لِمُعَاذٍ فِيهَا بِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى، وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، وَنَحْوِهِ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ بِاخْتِلَافِ الْحَالَاتِ، وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَشْغَالِ، عَدَمًا وَوُجُودًا.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ أَيْ فِي الثَّانِيَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ دَأْبَهُ ﷺ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَزَادَ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى ذَلِكَ بَيَانًا قَوْلُهُ:
٢٧٤ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُدِيمُ ذَلِكَ [وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ مَسْعُودٍ "؛ يُدِيمُ ذَلِكَ] أَيْ يَجْعَلُهُ عَادَةً دَائِمَةً لَهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ السِّرُّ فِي قِرَاءَتِهِمَا فِي صَلَاةِ فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُمَا تَضَمَّنَتَا مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ يَوْمَهُمَا، فَإِنَّهُمَا اشْتَمَلَتَا عَلَى خَلْقِ آدَمَ، وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ؛ وَحَشْرِ الْعِبَادِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَفِي قِرَاءَتِهِمَا تَذْكِيرٌ لِلْعِبَادِ بِمَا كَانَ فِيهِ وَيَكُونُ؛ قُلْت: لِيَعْتَبِرُوا بِذِكْرِ مَا كَانَ، وَيَسْتَعِدُّوا لِمَا يَكُونُ.
стр. 258
٢٧٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ. وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
٢٧٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا وَإِنِّي
وَعَنْ " حُذَيْفَةَ " ﵁ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ» أَيْ يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَتَهُ [وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا] مِمَّا ذُكِرَ فِيهَا أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَارِئِ فِي الصَّلَاةِ تَدَبُّرُ مَا يَقْرَؤُهُ وَسُؤَالُ رَحْمَتِهِ وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ عَذَابِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ " حُذَيْفَةَ " مُطْلَقٌ وَوَرَدَ تَقَيُّدُهُ بِحَدِيثِ " عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى " عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةٍ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، فَمَرَّ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ وَيْلٌ لِأَهْلِ النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ " عَائِشَةَ ": «قُمْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ التَّمَامِ فَكَانَ يَقْرَأُ بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ إلَّا دَعَا اللَّهَ وَاسْتَعَاذَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةٍ فِيهَا اسْتِبْشَارٌ إلَّا دَعَا اللَّهَ وَرَغَّبَ إلَيْهِ». وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد، مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: «قُمْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَدَأَ فَاسْتَاكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَاسْتَفْتَحَ الْبَقَرَةَ لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ، فَسَأَلَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ» الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ لِأَبِي دَاوُد ذِكْرُ السِّوَاكِ وَالْوُضُوءِ. فَهَذَا كُلُّهُ فِي النَّافِلَةِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْأَوَّلِ، وَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثَانِ الْآخَرَانِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ ﷺ فِي رِوَايَةٍ قَطُّ أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي فَرِيضَةٍ أَصْلًا؛ وَلَفْظُ قُمْت يُشْعِرُ أَنَّهُ فِي اللَّيْلِ فَتَمَّ مَا تَرَجَّيْنَا بِقَوْلِنَا: وَلَعَلَّ هَذَا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ بِاعْتِبَارِ مَا وَرَدَ، فَلَوْ فَعَلَهُ أَحَدٌ فِي الْفَرِيضَةِ، فَلَعَلَّهُ لَا بَأْسَ فِيهِ، وَلَا يُخِلُّ بِصَلَاتِهِ، سِيَّمَا إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَى غَيْرِهِ إذَا كَانَ إمَامًا.
وَقَوْلُهَا: " لَيْلَةَ التَّمَامِ " فِي الْقَامُوسِ: لَيْلَةُ التَّمَامِ كَكِتَابٍ وَلَيْلٌ تَمَامٌ أَطْوَلُ لَيَالِي الشِّتَاءِ، أَوْ هِيَ ثَلَاثٌ لَا يُسْتَبَانُ نُقْصَانُهَا، أَوْ هِيَ إذَا بَلَغَتْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً فَصَاعِدًا، انْتَهَى.
стр. 259
نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٢٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا وَإِنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا» فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَاذَا تَقُولُ فِيهِمَا؟ فَقَالَ «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» قَدْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ هَذَا التَّعْظِيمِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ: " فَجَعَلَ يَقُولُ: أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " [وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَمَعْنَاهُ حَقِيقٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ] رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، وَوُجُوبُ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، لِلْأَمْرِ بِهِمَا.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ؛ وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّهُ مُسْتَحَبُّ، لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُ بِهِ، ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: " فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ " أَنَّهَا تُجْزِئُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَيَكُونُ بِهَا مُمْتَثِلًا مَا أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَبُو دَاوُد: فِيهِ إرْسَالٌ، وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي قَوْلِهِ: " ذَلِكَ أَدْنَاهُ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ حَالَ السُّجُودِ بِأَيِّ دُعَاءٍ كَانَ، مِنْ طَلَبِ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِمَا، وَأَنَّهُ مَحَلُّ الْإِجَابَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ بَعْضَ الْأَدْعِيَةِ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ:
٢٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك».
الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَا يُفِيدُهُ مَا قَبْلَهُ وَالْمَعْطُوفُ يَتَعَلَّقُ بِحَمْدِك، وَالْمَعْنَى: أُنَزِّهُك وَأَتَلَبَّسُ بِحَمْدِك.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْحَالِ، وَالْمُرَادُ: أُسَبِّحُك وَأَنَا مُتَلَبِّسٌ بِحَمْدِك: أَيْ حَالَ كَوْنِي مُتَلَبِّسًا بِهِ [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 260
٢٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ هَذَا مِنْ أَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَا يُنَافِيهِ حَدِيثُ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» لِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ التَّعْظِيمِ الَّذِي كَانَ يَقُولُهُ ﷺ ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا، وَقَوْلُهُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " مِثَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ وَفِيهِ مُسَارَعَتُهُ ﷺ إلَى امْتِثَالِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ قِيَامًا بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِ الرُّبُوبِيَّةِ، زَادَهُ اللَّهُ شَرَفًا وَفَضْلًا، وَقَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
[وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ] أَيْ إذَا قَامَ فِيهَا [يُكَبِّرُ] أَيْ تَكْبِيرَ الْإِحْرَامِ [حِينَ يَقُومُ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ وَلَا يَصْنَعُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ شَيْئًا [ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ] تَكْبِيرَةَ النَّقْلِ [ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ أَجَابَ اللَّهُ مَنْ حَمِدَهُ، فَإِنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى مُتَعَرِّضًا لِثَوَابِهِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مَا تَعَرَّضَ لَهُ، فَنَاسَبَ بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ [حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ] فَهَذَا فِي حَالِ أَخْذِهِ فِي رَفْعِ صُلْبِهِ مِنْ هُوِيِّهِ لِلْقِيَامِ [ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ] بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ لِلْعِطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ: أَيْ رَبَّنَا أَطَعْنَاك وَحَمِدْنَاك، أَوْ لِلْحَالِ، أَوْ زَائِدَةٌ، وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِهَا، وَهِيَ نُسْخَةٌ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ [ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا] تَكْبِيرَ النَّقْلِ [ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ] أَيْ مِنْ السُّجُودِ الْأَوَّلِ [ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ] أَيْ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ [ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ] أَيْ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، هَذَا كُلُّهُ تَكْبِيرُ النَّقْلِ [ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ] أَيْ مَا ذُكِرَ مَا عَدَا التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى الَّتِي لِلْإِحْرَامِ [فِي الصَّلَاةِ أَيْ رَكَعَاتِهَا] كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ [لِلتَّشَهُّدِ] الْأَوْسَطِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْأَذْكَارِ فَأَمَّا أَوَّلُ التَّكْبِيرِ: فَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهَا مِنْ التَّكْبِيرِ الَّذِي وَصَفَهُ فَقَدْ كَانَ
стр. 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنْ بَعْضِ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ تَرَكَهُ تَسَاهُلًا، وَلَكِنَّهُ اسْتَقَرَّ الْعَمَلُ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى فِعْلِهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ، كَمَا عَرَفْته مِنْ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَزِيدُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ تَكْبِيرَةَ النُّهُوضِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ، فَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ تَكْبِيرَةً، وَمِنْ دُونِهَا تِسْعٌ وَثَمَانُونَ تَكْبِيرَةً.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ تَكْبِيرِ النَّقْلِ، فَقِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ، وَرَوَى قَوْلًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ دَاوَمَ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى نَدْبِهِ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ صَلَاتَهُ، وَإِنَّمَا عَلَّمَهُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ؛ وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيَانِ لِلْوَاجِبِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ تَكْبِيرَةَ النَّقْلِ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ " فَإِنَّهُ سَاقَهُ، وَفِيهِ: " ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَرْجِعُ " وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَبَقِيَّةَ تَكْبِيرَاتِ النَّقْلِ، وَأَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد إلَى وُجُوبِ تَكْبِيرِ النَّقْلِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: يُكَبِّرُ حَتَّى كَذَا وَحِينَ كَذَا أَنَّ التَّكْبِيرَ يُقَارِنُ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ، فَيَشْرَعُ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ لِلرُّكْنِ؛ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَمُدُّ التَّكْبِيرَ حَتَّى يَمُدَّ الْحَرَكَةَ، كَمَا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ، بَلْ يَأْتِي بِاللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى أَدَائِهِ، وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهُ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ثُمَّ يَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ " أَنَّهُ يُشْرَعُ ذَلِكَ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ، إذْ هُوَ حِكَايَةٌ لِمُطْلَقِ صَلَاتِهِ ﷺ ؛ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ حِكَايَةٌ لِصَلَاتِهِ ﷺ إمَامًا، إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ إطْلَاقِهَا الْوَاجِبَةُ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ ﷺ الْوَاجِبَةُ جَمَاعَةً، وَهُوَ الْإِمَامُ فِيهَا، إلَّا أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ هَذَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أَمْرٌ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ كَصَلَاتِهِ ﷺ مِنْ إمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ.
وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْهَادَوِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ التَّسْمِيعَ مُطْلَقًا لِمُتَنَفِّلٍ أَوْ مُفْتَرِضٍ، لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَالْحَمْدُ لِلْمُؤْتَمِّ لِحَدِيثِ: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَيُجِيبُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» لَا يَنْفِي قَوْلَ الْمُؤْتَمِّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ الْمُؤْتَمُّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، عَقِبَ قَوْلِ إمَامِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَالْوَاقِعُ هُوَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فِي حَالِ انْتِقَالِهِ، وَالْمَأْمُومَ يَقُولُ التَّحْمِيدَ فِي حَالِ اعْتِدَالِهِ، وَاسْتُفِيدَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
قُلْت: لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ: «لَا يَقُولُ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلَكِنْ يَقُولُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الشَّعْبِيِّ، فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَقَدْ ادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى كَوْنِ الْمُنْفَرِدِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ، وَيَحْمَدُ الْمُؤْتَمُّ؛ قَالُوا: وَالْحُجَّةُ جَمْعُ الْإِمَامِ بَيْنَهُمَا، لِاتِّحَادِ حُكْمِ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ.
стр. 262
٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: اللَّهُمَّ] لَمْ أَجِدْ لَفْظَ اللَّهُمَّ فِي مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ، وَوَجَدْتهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مِلْءَ] بِنَصَبِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ [السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ] وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ " وَمِلْءَ الْأَرْضِ " وَهِيَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ كُلُّهَا لَيْسَتْ لَفْظَ أَبِي سَعِيدٍ، لِعَدَمِ وُجُودِ اللَّهُمَّ فِي أَوَّلِهِ، وَلَا لَفْظِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِوُجُودِ مِلْءِ الْأَرْضِ فِيهَا [وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ] بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْقَطْعِ عَنْ الْإِضَافَةِ وَنِيَّةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ. [أَهْلَ] بِنَصْبِهِ عَلَى النِّدَاءِ أَوْ رَفْعِهِ: أَيْ أَنْتَ أَهْلُ [الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ] بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ هَذَا: أَيْ قَوْلُ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَحَقُّ قَوْلُ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ " لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت " خَبَرًا وَأَحَقُّ مُبْتَدَأً، لِأَنَّهُ مَحْذُوفٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَجَعَلْنَاهُ جُمْلَةً اسْتِئْنَافِيَّةً، إذَا حُذِفَ تَمَّ الْكَلَامُ مِنْ دُونِ ذِكْرِهِ.
وَفِي الشَّرْحِ جَعَلَ " أَحَقُّ " مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ؛ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ مَعْنَاهُ: أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ قَوْلُهُ: لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت إلَى آخِرِهِ؛ وَقَوْلُهُ: " وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ " اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ: قَالَ: أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ " أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ " خَبَرًا لِمَا قَبْلَهُ أَيْ قَوْلُهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إلَى آخِرِهِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ؛ قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ: لِمَا فِيهِ مِنْ كَمَالِ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالِاعْتِرَافِ بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَقَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَانْفِرَادِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَتَدْبِيرِ مَخْلُوقَاتِهِ؛ انْتَهَى [مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الذِّكْرِ فِي هَذَا الرُّكْنِ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَقَدْ جَعَلَ الْحَمْدَ كَالْأَجْسَامِ، وَجَعَلَهُ سَادًّا لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الظُّرُوفِ مُبَالَغَةً فِي كَثْرَةِ الْحَمْدِ، وَزَادَ مُبَالَغَةً بِذِكْرِ مَا يَشَاؤُهُ تَعَالَى مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ الْعَبْدُ. وَالثَّنَاءُ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ، وَالْمَدِيحُ وَالْمَجْدُ وَالْعَظَمَةُ وَنِهَايَةُ
стр. 263
٢٨٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الشَّرَفِ، وَالْجَدُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَعْنَاهُ الْحَظُّ: أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الْحَظِّ مِنْ عُقُوبَتِك حَظُّهُ، بَلْ يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ: أَيْ لَا يَنْفَعُهُ جِدُّهُ وَاجْتِهَادُهُ، وَقَدْ ضُعِّفَتْ رِوَايَةُ الْكَسْرِ.
وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ إلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ.
" أُمِرْنَا " أَيْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ، وَفِي رِوَايَةٍ: " أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ " وَالثَّلَاثُ الرِّوَايَاتُ لِلْبُخَارِيِّ، وَقَوْلُهُ: " وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ " فَسَّرَتْهَا رِوَايَةُ النَّسَائِيّ: قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ " وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى أَنْفِهِ وَقَالَ: هَذَا وَاحِدٌ ". قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ الْأَصْلُ فِي السُّجُودِ وَالْأَنْفَ تَبَعٌ لَهَا؛ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَهُمَا كَأَنَّهُمَا عُضْوٌ وَاحِدٌ، وَإِلَّا لَكَانَتْ الْأَعْضَاءُ ثَمَانِيَةً وَالْمُرَادُ مِنْ الْيَدَيْنِ الْكَفَّانِ، وَقَدْ وَقَعَ بِلَفْظِهِمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ " وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ " أَنْ يَجْعَلَ قَدَمَيْهِ قَائِمَتَيْنِ عَلَى بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا، وَعَقِبَاهُ مُرْتَفِعَتَانِ، فَيَسْتَقْبِلُ بِظُهُورِ قَدَمَيْهِ الْقِبْلَةَ وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ السُّجُودِ، وَقِيلَ: يُنْدَبُ ضَمُّ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، لِأَنَّهَا لَوْ انْفَرَجَتْ انْحَرَفَتْ رُءُوسُ بَعْضِهَا عَنْ الْقِبْلَةِ، وَأَمَّا أَصَابِعُ الرِّجْلَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ " وَاسْتَقْبَلَ بِأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ﷺ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَالْأَمْرُ لَا يَرِدُ إلَّا بِنَحْوِ صِيغَةِ افْعَلْ، وَهِيَ تُفِيدُ الْوُجُوبَ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَالْهَادَوِيَّةِ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ فَقَطْ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ: " وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ " قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَقَدْ احْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِهَذَا فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْحَقُّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُعَارِضُ التَّصْرِيحَ بِالْجَبْهَةِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، فَذَلِكَ فِي التَّسْمِيَةِ، وَالْعِبَارَةُ لَا فِي الْحُكْمِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْجَبْهَةُ فَقَطْ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: " وَمَكِّنْ
стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَبْهَتَك " فَكَانَ قَرِينَةً عَلَى حَمْلِ الْأَمْرِ هُنَا عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتِمُّ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ تَقَدُّمِ هَذَا عَلَى حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ لِيَكُونَ قَرِينَةً عَلَى حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ، وَأَمَّا لَوْ فُرِضَ تَأَخُّرُهُ لَكَانَ فِي هَذَا زِيَادَةُ شَرْعٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَأَخَّرَ شَرِيعَتُهُ، وَمَعَ جَهْلِ التَّارِيخِ يَرْجِعُ الْعَمَلُ بِالْمُوجِبِ، لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ، كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
وَجَعَلَ السُّجُودَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مُذْهِبًا لِلْعِتْرَةِ؛ فَحَوَّلْنَا عِبَارَتَهُ إلَى الْهَادَوِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبُهُمْ إلَّا السُّجُودَ عَلَى الْجَبْهَةِ فَقَطْ، كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَلَفْظِ الشَّرْحِ هُنَا.
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْعِتْرَةُ وَأَحَدُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.
وَعَرَفْت أَنَّهُ وَهْمٌ فِي قَوْلِهِ: إنْ أَبَا حَنِيفَةَ يُوجِبُهُ عَلَى الْجَبْهَةِ فَإِنَّهُ يُجِيزُ عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى الْأَنْفِ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ؛ ثُمَّ ظَاهِرُهُ وُجُوبُ السُّجُودِ عَلَى الْعُضْوِ جَمِيعُهُ، وَلَا يَكْفِي بَعْضُ ذَلِكَ، وَالْجَبْهَةُ يَضَعُ مِنْهَا عَلَى الْأَرْضِ مَا أَمْكَنَهُ بِدَلِيلِ: " وَتُمَكِّنُ جَبْهَتَك " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، لِأَنَّ مُسَمَّى السُّجُودِ عَلَيْهَا يَصْدُقُ بِوَضْعِهَا مِنْ دُونِ كَشْفِهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ كَشْفَ الرُّكْبَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ، لِمَا يَخَافُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ.
وَاخْتَلَفَ فِي الْجَبْهَةِ فَقِيلَ يَجِبُ كَشْفُهَا لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ: «أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسْجُدُ عَلَى جَنْبِهِ وَقَدْ اعْتَمَّ عَلَى جَبْهَتِهِ فَحَسِرَ عَنْ جَبْهَتِهِ» إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيُّ عَنْ الْحَسَنِ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ، وَيَسْجُدُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى عِمَامَتِهِ» وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ مَا فِي السُّجُودِ مَوْقُوفًا عَلَى الصَّحَابَةِ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَمِنْ حَدِيثِ " ابْنِ أَبِي أَوْفَى " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ، وَفِيهِ مَتْرُوكَانِ.، وَمِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ " عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَغَيْرَهَا الْبَيْهَقِيُّ ثُمَّ قَالَ: أَحَادِيثُ «كَانَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ» لَا يَثْبُتُ فِيهَا شَيْءٌ. يَعْنِي مَرْفُوعًا، وَالْأَحَادِيثُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ غَيْرُ نَاهِضَةٍ عَلَى الْإِيجَابِ، وَقَوْلُهُ " سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ " يَصْدُقُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ عَدَمِ الْحَائِلِ أَظْهَرَ؛ فَالْأَصْلُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابٍ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا» الْحَدِيثَ؛ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى كَشْفِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَلَا عَدَمِهِ، وَفِي حَدِيثِ " أَنَسٍ " عِنْدَ مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ كَانَ أَحَدُهُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ مِنْ شِدَّةِ
стр. 265
٢٨١ - وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كَانَ إذَا صَلَّى وَسَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْحَرِّ ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَيْهِ»
وَلَعَلَّ هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ؛ وَالْخِلَافُ فِي السُّجُودِ عَلَى مَحْمُولِهِ، فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَحَدِيثُ " أَنَسٍ " مُحْتَمَلٌ.
وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ هُوَ: " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ بْنُ بُحَيْنَةَ " بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ، وَهُوَ اسْمٌ لِأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ " مَالِكُ بْنُ الْقِشْبِ بِكَسْرِ الْقَاف وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٍ الْأَزْدِيُّ، مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ فِي وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، بَيْنَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى وَسَجَدَ فَرَّجَ» بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ آخِرُهُ جِيمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ بَاعَدَ بَيْنَهُمَا: أَيْ نَحَّى كُلَّ يَدٍ عَنْ الْجَنْبِ الَّذِي يَلِيهَا [حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فِعْلِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلُ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَظْهَرَ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَيَتَمَيَّزُ حَتَّى يَكُونَ الْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ فِي سُجُودِهِ كَأَنَّهُ عَدَدٌ؛ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَسْتَقِلَّ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَعْتَمِدُ بَعْضَ أَعْضَاءٍ عَلَى بَعْضٍ.
وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْمَعْنَى مُصَرَّحًا بِهِ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَفْتَرِشْ افْتِرَاشَ السَّبُعِ وَاعْتَمِدْ عَلَى رَاحَتَيْك وَأَبْدِ ضَبْعَيْك؛ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْك» وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُجَافِي بِيَدَيْهِ، فَلَوْ أَنَّ بَهِيمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ مَرَّتْ».
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِلَفْظِ: «شَكَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ إذَا تَفَرَّجُوا فَقَالَ: اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ» وَتَرْجَمَ لَهُ " الرُّخْصَةَ فِي تَرْكِ التَّفْرِيجِ ".
قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ أَحَدُ رُوَاتِهِ: وَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مِرْفَقَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ إذَا أَطَالَ السُّجُودَ، وَقَوْلُهُ " حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ " لَيْسَ فِيهِ كَمَا قِيلَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ﷺ لَابِسًا الْقَمِيصَ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَابِسًا فَإِنَّهُ قَدْ يَبْدُو مِنْهُ أَطْرَافُ إبْطَيْهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَكْمَامُ قُمْصَانِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ غَيْرَ طَوِيلَةٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَرَى الْإِبْطَ مِنْ كُمِّهَا، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى إبْطَيْهِ شَعْرٌ كَمَا قِيلَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّ الْمُرَادَ يَرَى أَطْرَافَ إبْطَيْهِ لَا بَاطِنَهُمَا حَيْثُ الشَّعْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُرَى إلَّا بِتَكَلُّفٍ، وَإِنْ صَحَّ مَا قِيلَ: إنَّ مِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إبْطَيْهِ شَعْرٌ، فَلَا إشْكَالَ.
стр. 266
٢٨٢ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا سَجَدْت فَضَعْ كَفَّيْك، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٢٨٣ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ
وَعَنْ " الْبَرَاءِ " بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَرَاءٍ، وَقِيلَ: بِالْقَصْرِ، ثُمَّ هَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ، هُوَ: " أَبُو عُمَارَةَ " فِي الْأَشْهَرِ، وَهُوَ ابْنُ عَازِبٍ بِعَيْنِ مُهْمَلَةٍ فَزَايٍ بَعْدَ الْأَلْفِ مَكْسُورَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ، " ابْنُ الْحَارِثِ الْأَوْسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ، أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ الْخَنْدَقُ، نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَافْتَتَحَ الرَّيَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فِي قَوْلٍ، وَشَهِدَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ " عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " ﵇ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ أَيَّامَ " مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا سَجَدْت فَضَعْ كَفَّيْك وَارْفَعْ مِرْفَقَيْك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ لِلْأَمْرِ بِهَا، وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ، وَأَتَمُّ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنْ الْأَرْضِ، وَأَبْعَدُ مِنْ هَيْئَةِ الْكُسَالَى، فَإِنَّ الْمُنْبَسِطَ يُشْبِهُ الْكَلْبَ، وَيُشْعِرُ حَالُهُ بِالتَّهَاوُنِ بِالصَّلَاةِ وَقِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا. وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ لَا الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ، فَقَالَ: إذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ كَالرَّجُلِ». قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا الْمُرْسَلُ أَحْسَنُ مِنْ مَوْصُولَيْنِ فِيهِ: يَعْنِي مِنْ حَدِيثَيْنِ مَوْصُولَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَضَعَّفَهُمَا
وَمِنْ السُّنَّةِ تَفْرِيجُ الْأَصَابِعِ فِي الرُّكُوعِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ: «أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُمْسِكُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَالْقَابِضِ عَلَيْهِمَا وَيُفَرِّجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ».
وَمِنْ السُّنَّةِ فِي الرُّكُوعِ أَنْ يُوتِرَ يَدَيْهِ فَيُجَافِيَ عَنْ جَنْبَيْهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظِ؛ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظٍ: " وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ " وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ فِي التَّلْخِيصِ مَرَّتَيْنِ أَوَّلًا فِي وَصْفِ رُكُوعِهِ، وَثَانِيًا فِي وَصْفِ سُجُودِهِ، دَلِيلًا عَلَى التَّفْرِيجِ فِي الرُّكُوعِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ قَالَ: «إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ» فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
стр. 267
بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
٢٨٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
٢٨٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَاللَّفْظ لِأَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» أَيْ أَصَابِعِ يَدَيْهِ «وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحِكْمَةُ فِي ضَمِّهِ أَصَابِعَهُ عِنْدَ سُجُودِهِ، لِتَكُونَ مُتَوَجِّهَةً إلَى سَمْتِ الْقِبْلَةِ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " قَالَتْ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو هَكَذَا وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ مُتَرَبِّعٌ جَالِسٌ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ: " رَأَيْت أَنَسًا يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا عَلَى فِرَاشِهِ " وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَصِفَةُ التَّرَبُّعِ أَنْ يَجْعَلَ بَاطِنَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى تَحْتَ الْفَخِذِ الْيُسْرَى، مُطْمَئِنَّةً، وَكَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، مُفَرِّقًا أَنَامِلَهُ كَالرَّاكِعِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى كَيْفِيَّةِ قُعُودِ الْعَلِيلِ إذَا صَلَّى مِنْ قُعُودٍ، إذْ الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي ذَلِكَ، «وَهُوَ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ ﷺ لَمَّا سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَصَلَّى مُتَرَبِّعًا»، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ اخْتَارَهَا الْهَادَوِيَّةُ فِي قُعُودِ الْمَرِيضِ لِصَلَاتِهِ، وَلِغَيْرِهِمْ اخْتِيَارٌ آخَرُ، وَالدَّلِيلُ مَعَ الْهَادَوِيَّةِ، وَهُوَ هَذَا الْحَدِيثُ.
وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ " وَاجْبُرْنِي " بَدَلَ وَارْحَمْنِي وَلَمْ يَقُلْ وَعَافِنِي؛ وَجَمَعَ ابْنُ مَاجَهْ
стр. 268
٢٨٦ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁: أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي. فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٢٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي لَفْظِ رِوَايَتِهِ بَيْنَ ارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَلَمْ يَقُلْ اهْدِنِي وَلَا عَافِنِي، وَجَمَعَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَعَافِنِي. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الدُّعَاءِ فِي الْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَقُولُهُ جَهْرًا.
وَعَنْ " مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ " ﵁ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَامَ». وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ ﷺ ، وَفِيهِ: «ثُمَّ أَهْوَى سَاجِدًا ثُمَّ ثَنَى رِجْلَيْهِ وَقَعَدَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عُضْوٍ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ نَهَضَ» وَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْقَعْدَةَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ رِوَايَةِ حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ هَذِهِ الْقَعْدَةِ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَالرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَنْهَضُ لِأَدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، وَتُسَمَّى جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِشَرْعِيَّتِهَا الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ وَهُوَ رَأْيُ الْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْقُعُودُ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ ﷺ بِلَفْظِ: «فَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ اسْتَوَى قَائِمًا» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ إلَّا أَنَّهُ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ، وَبِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ: " أَدْرَكْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَفِي الثَّالِثَةِ قَامَ كَمَا هُوَ وَلَمْ يَجْلِسْ ".
وَيُجَابُ عَنْ الْكُلِّ بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ، إذْ مَنْ فَعَلَهَا فَلِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَمَنْ تَرَكَهَا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ يُشْعِرُ بِوُجُوبِهَا، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِيمَا أَعْلَمُ.
стр. 269
وَلِأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: «وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا».
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ».
وَوَرَدَ تَعْيِينُهُمْ أَنَّهُمْ رَعْلٌ " وَعُصَيَّةُ " وَبَنُو لَحْيَانَ ".
ثُمَّ تَرَكَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لَفْظُهُ فِي الْبُخَارِيِّ مُطَوَّلًا عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ " عَنْ الْقُنُوتِ فَقَالَ: قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ، قُلْت: قَبْلَ الرُّكُوعِ، أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ، قُلْت: فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْك أَنَّك قُلْت بَعْدَ الرُّكُوعِ، قَالَ: إنَّمَا «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، أَرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ، زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَغَدَرُوا وَقَتَلُوا الْقُرَّاءَ دُونَ أُولَئِكَ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ». وَلِأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوُهُ، أَيْ مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ " مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: «فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا».
فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ " ثُمَّ تَرَكَهُ " أَيْ فِيمَا عَدَا الْفَجْرَ، وَيَدُلُّ أَنَّهُ أَرَادَهُ قَوْلُهُ: «فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُت فِي كُلِّ صَلَاتِهِ».
هَذَا، وَالْأَحَادِيثُ عَنْ " أَنَسٍ " فِي الْقُنُوتِ قَدْ اضْطَرَبَتْ وَتَعَارَضَتْ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهَا فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ، فَقَالَ: أَحَادِيثُ " أَنَسٍ " كُلُّهَا صِحَاحٌ، يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضَهَا وَلَا تَنَاقُضَ فِيهَا، وَالْقُنُوتُ الَّذِي ذَكَرَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَاَلَّذِي وَقَّتَهُ غَيْرُ الَّذِي أَطْلَقَهُ، فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ هُوَ إطَالَةُ الْقِيَامِ لِلْقِرَاءَةِ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقِيَامِ» وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدُ هُوَ إطَالَةُ الْقِيَامِ لِلدُّعَاءِ، فَفَعَلَهُ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ، وَيَدْعُو لِقَوْمٍ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ تَطْوِيلُ هَذَا الرُّكْنِ لِلدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، إلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا، كَمَا دَلَّ لَهُ الْحَدِيثُ: " أَنَّ «أَنَسًا كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِمًا حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذِهِ صِفَةُ صَلَاتِهِ ﷺ » أَخْرَجَهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. فَهَذَا هُوَ الْقُنُوتُ الَّذِي قَالَ فِيهِ " أَنَسٌ ": «إنَّهُ مَا زَالَ ﷺ عَلَيْهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» وَاَلَّذِي تَرَكَهُ هُوَ الدُّعَاءُ عَلَى أَقْوَامٍ مِنْ الْعَرَبِ، وَكَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَمُرَادُ " أَنَسٍ " بِالْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا زَالَ عَلَيْهِ؛ هُوَ إطَالَةُ الْقِيَامِ فِي هَذَيْنِ الْمَحَلَّيْنِ، بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَبِالدُّعَاءِ، هَذَا مَضْمُونُ كَلَامِهِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ: «فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» وَأَنَّهُ دَلَّ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ، وَإِطَالَةُ الْقِيَامِ بَعْدَ الرُّكُوعِ عَامٌّ لِلصَّلَوَاتِ جَمِيعِهَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " الَّذِي أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: بِأَنَّهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت إلَى آخِرِهِ» فَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ وَلَا
стр. 270
٢٨٨ - وَعَنْهُ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ لَا يَقْنُتُ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ»، صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
٢٨٩ - وَعَنْ «سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْت لِأَبِي: يَا أَبَتِ، إنَّك قَدْ صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد
تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الدُّعَاءَ عَقِيبَ آخِرِ رُكُوعٍ مِنْ الْفَجْرِ سُنَّةُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ، وَمِنْ الْخَلَفِ: الْهَادِي، وَالْقَاسِمُ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَلْفَاظِهِ، فَعِنْدَ الْهَادِي بِدُعَاءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت» إلَى آخِرِهِ.
[وَعَنْهُ] أَيْ " أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقْنُتُ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ» (صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ).
أَمَّا دُعَاؤُهُ لِقَوْمٍ: فَكَمَا ثَبَتَ «أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو لِلْمُسْتَضْعَفَيْنِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ»؛ وَأَمَّا دُعَاؤُهُ عَلَى قَوْمٍ: فَكَمَا عَرَفْتَهُ قَرِيبًا؛ وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي النَّوَازِلِ، فَيَدْعُو بِمَا يُنَاسِبُ الْحَادِثَةَ. وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ فِي النَّوَازِلِ قَوْلٌ حَسَنٍ، تَأَسِّيًا بِمَا فَعَلَهُ ﷺ فِي دُعَائِهِ عَلَى أُولَئِكَ الْأَحْيَاءِ مِنْ الْعَرَبِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ نَزَلَ بِهِ ﷺ حَوَادِثُ: كَحِصَارِ الْخَنْدَقِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ قَنَتَ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ يُقَالُ: التَّرْكُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: إلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ، وَكَأَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ.
[وَعَنْ سَعِيدٍ] كَذَا فِي نُسَخِ الْبُلُوغِ سَعِيدٍ. وَهُوَ " سَعْدٌ " بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ ابْنُ طَارِقٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: قُلْت لِأَبِي وَهُوَ طَارِقُ بْنُ أَشْيَمَ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ بِزِنَةِ أَحْمَرَ؛ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو مَالِكٍ: " سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ ". «يَا أَبَتِ إنَّك صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد.
وَقَدْ رُوِيَ خِلَافُهُ عَمَّنْ ذُكِرَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ وَقَعَ الْقُنُوتُ لَهُمْ تَارَةً، وَتَرَكُوهُ أُخْرَى، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمِنْ ذُكِرَ مَعَهُ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُحْدَثًا فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَالْبِدْعَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
стр. 271
٢٩٠ - وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْت، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْت، فَإِنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت» رَوَاهُ الْخَمْسَة. وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: " وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت " زَادَ النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ " وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ".
٢٩٠ - وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْت، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْت، فَإِنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت» رَوَاهُ الْخَمْسَة. وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: " وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت " زَادَ النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ " وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ".
[وَعَنْ " الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ " ﵉ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ سِبْطُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وُلِدَ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّهُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ؛ وَقَالَ أَيْضًا: كَانَ الْحَسَنُ حَلِيمًا، وَرِعًا فَاضِلًا، وَدَعَاهُ وَرَعُهُ وَفَضْلُهُ إلَى أَنَّهُ تَرَكَ الدُّنْيَا وَالْمُلْكَ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، بَايَعُوهُ بَعْدَ أَبِيهِ ﵇ فَبَقِيَ نَحْوًا مِنْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ خَلِيفَةً بِالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ خُرَاسَانَ، وَفَضَائِلُهُ لَا تُحْصَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا شَطْرًا صَالِحًا فِي الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ؛ وَفَاتُهُ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَدُفِنَ فِي الْبَقِيعِ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ فِي عَدِّهِ لِفَضَائِلِهِ.
[قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ] أَيْ فِي دُعَائِهِ وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِمَحَلِّهِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْت، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْت، فَإِنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت: [وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت] زَادَ النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: [وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ] إلَخْ.
إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْأَذْكَارِ: إنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَرِيبَةٌ لَا تَثْبُتُ، لِأَنَّ فِيهَا " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ " لَا يُعْرَفُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ "، فَالسَّنَدُ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَمِّهِ " الْحُسَيْنِ " ثُمَّ قَالَ: فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحُسْنِ لِانْقِطَاعِهِ أَوْ جَهَالَةِ رُوَاتِهِ، انْتَهَى، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: وَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ أَيْضًا فِي غَيْرِهِ، إلَّا
стр. 272
٢٩١ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ» وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ
٢٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ. وَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ
أَنَّ الْهَادَوِيَّةَ لَا يُجِيزُونَهُ بِالدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَقْنُتُ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ». قُلْت: أَجْمَلَهُ هُنَا، وَذَكَرَهُ فِي تَخْرِيجِ الْأَذْكَارِ مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اهْدِنِي " الْحَدِيثُ؛ إلَى آخِرِهِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ أَحَدُهَا عَنْ " بُرَيْدٍ " بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ تَصْغِيرِ بُرْدٍ، وَهُوَ: " ثُقْبَةُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ "، سَمِعْت ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولَانِ: «كَانَ النَّبِيُّ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَوِتْرِ اللَّيْلِ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ» وَفِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ.
وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَهِيَ الَّتِي سَاقَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَهَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ [يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ] وَفِيهِ " عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ " ضَعِيفٌ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ [وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ].
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَعَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: " مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ " لَا يُتَابِعُ عَلَيْهِ؛ وَقَالَ: لَا أَدْرِي سَمِعَ مِنْ أَبِي الزِّنَادِ أَمْ لَا؟. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " أَيْضًا عَنْهُ: [أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ] وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: [وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ].
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ ": «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا سَجَدَ بَدَأَ بِيَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» وَمِثْلُهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ الشَّاهِدُ الَّذِي سَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ
стр. 273
٢٩٣ - «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ : إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ»، أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنَّ لِلْأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا.
مِنْ حَدِيثِ " مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ " عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ». وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ إلَى السُّجُودِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ لِقَوْلِهِ: " لَا يَبْرُكَنَّ "، وَهُوَ نَهْيٌ، وَلِلْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: " وَلْيَضَعْ " قِيلَ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ: إلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، حَتَّى قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَدْرَكْنَا النَّاسَ يَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ قَبْلَ رُكَبِهِمْ: وَقَالَ ابْن أَبِي دَاوُد: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَرِوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ: إلَى الْعَمَلِ بِحَدِيثِ " وَائِلٍ "، وَهُوَ قَوْلُهُ [وَهُوَ أَيْ حَدِيثُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " هَذَا [أَقْوَى] فِي سَنَدِهِ [مِنْ حَدِيثِ " وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ "] وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ.
٢٩٣ - «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ : إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ»، أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنَّ لِلْأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا.
«رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ؛ فَإِنَّ لِلْأَوَّلِ أَيْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ " صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَّاهِدِ هَذَا قَرِيبًا، وَذَكَرَهُ أَيْ الشَّاهِدُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا، قَالَ: قَالَ " نَافِعٌ ": كَانَ " ابْنُ عُمَرَ " يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.
وَحَدِيثُ " وَائِلٍ " أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ السَّكَنِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ؛ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ، وَلَكِنَّ لَهُ شَاهِدًا عَنْ " عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ " عَنْ " أَنَسٍ " قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْحَطَّ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى سَبَقَتْ رُكْبَتَاهُ يَدَيْهِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَقَالَ الْحَاكِمُ؛ وَهُوَ عَلَى شَرْطِهِمَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ " الْعَلَاءُ بْنُ الْعَطَّارِ "، وَالْعَلَاءُ مَجْهُولٌ، هَذَا حَدِيثُ " وَائِلٍ " هُوَ دَلِيلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ " عُمَرَ "، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنَّفِ تَرْجِيحُ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ إمَامِهِ الشَّافِعِيِّ؛ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَلَكِنَّ أَهْلَ هَذَا الْمَذْهَبِ رَجَّحُوا حَدِيثَ " وَائِلٍ "، وَقَالُوا فِي " أَبِي هُرَيْرَةَ ": إنَّهُ مُضْطَرِبٌ، إذْ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ الْأَمْرَانِ. وَحَقَّقَ
стр. 274
٢٩٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كَانَ إذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِاَلَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ.
ابْنُ الْقَيِّمِ وَأَطَالَ فِيهَا وَقَالَ: إنَّ فِي حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " قَلْبًا مِنْ الرَّاوِي، حَيْثُ قَالَ: " وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ " وَإِنَّ أَصْلَهُ: " وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ "، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَوَّلُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " فَلَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ " فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ بُرُوكِ الْبَعِيرِ هُوَ تَقْدِيمُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْأَمْرُ بِمُخَالَفَةِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ فِي هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، فَنَهَى عَنْ الْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ، وَعَنْ افْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السَّبُعُ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَنَقْرٍ كَنَقْرٍ الْغُرَابِ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي كَأَذْنَابِ خَيْلِ شَمْسٍ، أَيْ حَالَ السَّلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَيَجْمَعُهَا قَوْلُنَا:
إذَا نَحْنُ قُمْنَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّنَا … نُهِينَا عَنْ الْإِتْيَانِ فِيهَا بِسِتَّةٍ
بُرُوكِ بَعِيرٍ وَالْتِفَاتٍ كَثَعْلَبٍ … وَنَقْرِ غُرَابٍ فِي سُجُودِ الْفَرِيضَةِ
وَإِقْعَاءِ كَلْبٍ أَوْ كَبَسْطِ ذِرَاعِهِ … وَأَذْنَابِ خَيْلٍ عِنْدَ فِعْلِ التَّحِيَّةِ
وَزِدْنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ قَوْلَنَا:
وَزِدْنَا كَتَدْبِيحِ الْحِمَارِ بِمَدِّهِ … لِعُنُقٍ وَتَصْوِيبٍ لِرَأْسٍ بِرَكْعَةٍ
هَذَا السَّابِعُ، وَهُوَ: بِالدَّالِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَرُوِيَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقِيلَ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ أَنْ يُطَأْطِئَ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ أَخْفَضَ مِنْ ظَهْرِهِ، انْتَهَى. إلَّا أَنَّهُ قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثُ التَّدْبِيحِ ضَعِيفٌ، وَقِيلَ: كَانَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، ثُمَّ أُمِرُوا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ، وَحَدِيثُ ابْنِ خُزَيْمَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْ " سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ " وَقَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا، يُشْعِرُ بِذَلِكَ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إنَّ لِحَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " شَاهِدًا يَقْوَى بِهِ مُعَارِضٌ: بِأَنَّ لِحَدِيثِ " وَائِلٍ " أَيْضًا شَاهِدًا قَدْ قَدَّمْنَاهُ. وَقَالَ الْحَاكِمُ إنَّهُ عَلَى شَرْطِهِمَا وَغَايَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ كَلَامُ الْحَاكِمِ فَهُوَ مِثْلُ شَاهِدِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ، فَقَدْ اتَّفَقَ حَدِيثُ " وَائِلٍ "، وَحَدِيثُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " فِي الْقُوَّةِ، وَعَلَى تَحْقِيقِ ابْنِ الْقَيِّمِ، فَحَدِيثُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " عَائِدٌ إلَى حَدِيثِ " وَائِلٍ "، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ، وَلَا يُنْكَرُ ذَلِكَ، فَقَدْ وَقَعَ الْقَلْبُ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ.
стр. 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ». قَالَ الْعُلَمَاءُ: خُصَّتْ السَّبَّابَةُ بِالْإِشَارَةِ لِاتِّصَالِهَا بِنِيَاطِ الْقَلْبِ، فَتَحْرِيكُهَا سَبَبٌ لِحُضُورِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: [وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِاَلَّتِي تَلِيَ الْإِبْهَامَ]. وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مَجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَقَوْلُهُ: " وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ " قَالَ الْمُصَنَّفُ فِي التَّلْخِيصِ: صُورَتُهَا أَنْ يَجْعَلَ الْإِبْهَامَ مَفْتُوحَةً تَحْتَ الْمُسَبِّحَةِ، وَقَوْلُهُ " أَصَابِعَهُ كُلَّهَا " أَيْ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى قَبَضَهَا عَلَى الرَّاحَةِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ؛ وَفِي رِوَايَةِ " وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ": " حَلَّقَ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى " أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
فَهَذِهِ ثَلَاثُ هَيْئَاتٍ جَعَلَ الْإِبْهَامَ تَحْتَ الْمُسَبِّحَةِ مَفْتُوحَةً، وَسَكَتَ فِي هَذِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَصَابِعِ، هَلْ تُضَمُّ إلَى الرَّاحَةِ أَوْ تَبْقَى مَنْشُورَةً عَلَى الرُّكْبَةِ؟ الثَّانِيَةُ ضَمُّ الْأَصَابِعِ كُلِّهَا عَلَى الرَّاحَةِ، وَالْإِشَارَةُ بِالْمُسَبِّحَةِ. الثَّالِثَةُ التَّحْلِيقُ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى، ثُمَّ الْإِشَارَةُ بِالسَّبَّابَةِ وَرَدَ بِلَفْظِ الْإِشَارَةِ كَمَا هُنَا وَكَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَلَا يُحَرِّكُهَا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ: «أَنَّهُ ﷺ رَفَعَ أُصْبُعَهُ فَرَأَيْته يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالتَّحْرِيكِ الْإِشَارَةَ لَا تَكْرِيرَ تَحْرِيكِهَا، حَتَّى لَا يُعَارِضَ حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَمَوْضِعُ الْإِشَارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ : وَيَنْوِي بِالْإِشَارَةِ التَّوْحِيدَ وَالْإِخْلَاصَ فِيهِ؛ فَيَكُونُ جَامِعًا فِي التَّوْحِيدِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ، وَلِذَلِكَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْإِشَارَةِ بِالْأُصْبُعَيْنِ وَقَالَ: أَحَدٌ أَحَدٌ لِمَنْ رَآهُ يُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ»؛ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْهَيْئَاتِ؛ وَوَجْهُ الْحِكْمَةِ شَغْلُ كُلِّ عُضْوٍ بِعِبَادَةٍ.
وَوَرَدَ فِي الْيَدِ الْيُسْرَى عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ ": «أَنَّهُ ﷺ أَلْقَمَ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ» وَفَسَّرَ الْإِلْقَامَ بِعِطْفِ الْأَصَابِعِ عَلَى الرُّكْبَةِ، وَذَهَبَ إلَى هَذَا بَعْضُهُمْ عَمَلًا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ مَنْعُ الْيَدِ عَنْ الْعَبَثِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ ": [وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ] إشَارَةٌ إلَى طَرِيقَةٍ مَعْرُوفَةٍ تَوَاطَأَتْ عَلَيْهَا الْعَرَبُ فِي عُقُودِ الْحِسَابِ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ مِنْ الْآحَادِ، وَالْعَشْرَاتِ، وَالْمَئِينِ، وَالْأُلُوفِ. أَمَّا الْآحَادُ: فَلِلْوَاحِدِ عَقْدُ الْخِنْصَرِ إلَى أَقْرَبِ مَا يَلِيهِ مِنْ بَاطِنِ الْكَفِّ، وَلِلِاثْنَيْنِ عَقْدُ الْبِنْصِرِ مَعَهَا كَذَلِكَ، وَلِلثَّلَاثَةِ عَقْدُ الْوُسْطَى مَعَهَا كَذَلِكَ، وَلِلْأَرْبَعَةِ حَلُّ الْخِنْصَرِ، وَلِلْخَمْسَةِ حَلُّ الْبِنْصِرِ مَعَهَا دُونَ الْوُسْطَى، وَلِلسِّتَّةِ عَقْدُ الْبِنْصِرِ وَحَلُّ جَمِيعِ الْأَنَامِلِ، وَلِلسَّبْعَةِ بَسْطُ الْبِنْصِرِ إلَى أَصْلِ الْإِبْهَامِ مِمَّا يَلِي الْكَفَّ، وَلِلثَّمَانِيَةِ بَسْطُ الْبِنْصِرِ فَوْقَهَا كَذَلِكَ، وَلِلتِّسْعَةِ بَسْطُ الْوُسْطَى فَوْقَهَا كَذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعَشَرَاتُ: فَلَهَا الْإِبْهَامُ وَالسَّبَّابَةُ، فَلِلْعَشَرَةِ الْأُولَى عَقْدُ رَأْسِ الْإِبْهَامِ عَلَى طَرَفِ السَّبَّابَةِ، وَلِلْعِشْرِينَ إدْخَالُ الْإِبْهَامِ بَيْنَ السَّبَّابَةِ
стр. 276
٢٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ، فَيَدْعُو» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِلنَّسَائِيِّ: كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ. وَلِأَحْمَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ»
وَالْوُسْطَى، وَلِلثَّلَاثِينَ عَقْدُ رَأْسِ السَّبَّابَةِ عَلَى رَأْسِ الْإِبْهَامِ عَكْسَ الْعَشَرَةِ، وَلِلْأَرْبَعِينَ تَرْكِيبُ الْإِبْهَامِ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوْسَطِ مِنْ السَّبَّابَةِ، عَلَى ظَهْرِ الْإِبْهَامِ إلَى أَصْلِهَا، وَلِلْخَمْسِينَ عَطْفُ الْإِبْهَامِ إلَى أَصْلِهَا، وَلِلسِّتِّينَ تَرْكِيبُ السَّبَّابَةِ عَلَى ظَهْرِ الْإِبْهَامِ عَكْسَ الْأَرْبَعِينَ، وَلِلسَّبْعِينَ إلْقَاءُ رَأْسِ الْإِبْهَامِ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوْسَطِ مِنْ السَّبَّابَةِ وَرَدُّ طَرَفِ السَّبَّابَةِ إلَى الْإِبْهَامِ، وَلِلثَّمَانِينَ رَدُّ طَرَفِ السَّبَّابَةِ إلَى أَصْلِهَا، وَبَسْطُ الْإِبْهَامِ عَلَى جَنْبِ السَّبَّابَةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْإِبْهَامِ. وَلِلتِّسْعِينَ عَطْفُ السَّبَّابَةِ إلَى أَصْلِ الْإِبْهَامِ، وَضَمِّهَا بِالْإِبْهَامِ. وَأَمَّا الْمَئِينِ فَكَالْآحَادِ إلَى تِسْعِمِائَةٍ فِي الْيَدِ الْيُسْرَى، وَالْأُلُوفُ كَالْعَشْرَاتِ فِي الْيُسْرَى.
وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ " ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ». جَمْعُ تَحِيَّةٍ، وَمَعْنَاهَا: الْبَقَاءُ وَالدَّوَامُ، أَوْ الْعَظَمَةُ أَوْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ، أَوْ كُلُّ أَنْوَاعِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ قِيلَ الْخَمْسُ، أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، أَوْ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا، أَوْ الدَّعَوَاتُ، أَوْ الرَّحْمَةُ وَقِيلَ التَّحِيَّاتُ: الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ، وَالصَّلَوَاتُ الْعِبَادَاتُ الْفِعْلِيَّةُ [وَالطَّيِّبَاتُ أَيْ مَا طَابَ مِنْ الْكَلَامِ، وَحَسُنَ أَنْ يُثْنِيَ بِهِ عَلَى اللَّهِ، أَوْ الْأَقْوَالُ الصَّالِحَةُ، أَوْ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَطَيِّبُهَا كَوْنُهَا كَامِلَةً خَالِصَةً مِنْ الشَّوَائِبِ، وَالتَّحِيَّاتُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهَا [لِلَّهِ]، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَخَبَرُهُمَا مَحْذُوفٌ وَفِيهِ تَقَادِيرُ أُخَرُ.
[السَّلَامُ أَيْ السَّلَامُ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ [عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ].
خَصُّوهُ ﷺ أَوَّلًا بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدَّمُوهُ عَلَى التَّسْلِيمِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِذَلِكَ ثُمَّ أَتْبَعُوهُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ [السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ
стр. 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّالِحِينَ] وَقَدْ وَرَدَ: أَنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَفُسِّرَ الصَّالِحُ بِأَنَّهُ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَدَرَجَاتُهُمْ مُتَفَاوِتَةٌ [أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ] لَا مُسْتَحَقَّ لِلْعِبَادَةِ بِحَقٍّ غَيْرُهُ، فَهُوَ قَصْرُ إفْرَادٍ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ وَيُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ [وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ] هَكَذَا هُوَ بِلَفْظِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْأُمَّهَاتِ السِّتِّ، وَوَهَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ فَسَاقَ حَدِيثَ " ابْنِ مَسْعُودٍ " بِلَفْظِ: [وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ] وَنَسَبَهُ إلَى الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَتَبِعَهُ عَلَى وَهْمِهِ صَاحِبُ تَيْسِيرِ الْوُصُولِ، وَتَبِعَهُمَا عَلَى الْوَهْمِ الْجَلَالُ فِي ضُوءِ النَّهَارِ، وَزَادَ أَنَّهُ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، فَتَنَبَّهْ.
[ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. قَالَ الْبَزَّارُ: أَصَحُّ حَدِيثٍ عِنْدِي فِي التَّشَهُّدِ حَدِيثُ " ابْنِ مَسْعُودٍ "، يُرْوَى عَنْهُ مِنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ طَرِيقًا، وَلَا نَعْلَمُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ أَثْبَتَ مِنْهُ، وَلَا أَصَحَّ إسْنَادًا؛ وَلَا أَثْبَتَ رِجَالًا وَلَا أَشَدَّ تَضَافُرًا بِكَثْرَةِ الْأَسَانِيدِ وَالطُّرُقِ. وَقَالَ مُسْلِمٌ: إنَّمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، لِأَنَّ أَصْحَابَهُ لَا يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَغَيْرُهُ قَدْ اخْتَلَفَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: هُوَ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي التَّشَهُّدِ؛ وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ التَّشَهُّدِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَحَابِيًّا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، اخْتَارَ الْجَمَاهِيرُ مِنْهَا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ".
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ التَّشَهُّدِ لِقَوْلِهِ: " فَلْيَقُلْ "، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِهِ أَئِمَّةُ الْآلِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِعَدَمِ تَعْلِيمِهِ الْمُسِيءَ صَلَاتَهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَجِبُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ أَوْ عِنْدَ مَنْ قَالَ إنَّهُ سُنَّةٌ، وَقَدْ سَمِعْت أَرْجَحِيَّةَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ "، وَقَدْ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ فَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَقَدْ رَجَّحَ جَمَاعَةٌ غَيْرَهُ مِنْ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ الْوَارِدَةِ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَوْلُ: " وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ " فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ لَكِنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي مُوسَى " عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي حَدِيثِ " عَائِشَةَ " الْمَوْقُوفِ فِي الْمُوَطَّإِ، وَفِي حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ " عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، إلَّا أَنَّهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ؛ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: " قَالَ ابْنُ عُمَرَ: زِدْت فِيهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى " ابْنِ عُمَرَ "، وَقَوْلُهُ: " ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ " زَادَ أَبُو دَاوُد " فَيَدْعُو " وَنَحْوَهُ النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ بِلَفْظِ: " فَلْيَدْعُ "؛ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ أَيْضًا لِلْأَمْرِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ الْآتِيَةِ طَاوُسٌ؛ فَإِنَّهُ أَمَرَ ابْنَهُ بِالْإِعَادَةِ لِلصَّلَاةِ لَمَّا لَمْ يَتَعَوَّذْ مِنْ الْأَرْبَعِ الْآتِي ذِكْرُهَا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَيَجِبُ أَيْضًا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالظَّاهِرُ مَعَ الْقَائِلِ بِالْوُجُوبِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالنَّخَعِيُّ وَطَاوُسٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِمَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَدْعُو إلَّا بِمَا كَانَ مَأْثُورًا، وَيَرُدُّ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُهُ ﷺ :
стр. 278
٢٩٦ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ - إلَى آخِرِهِ».
ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ " وَفِي لَفْظِ: " مَا أَحَبَّ " وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ.
" مِنْ الثَّنَاءِ مَا شَاءَ " فَهُوَ إطْلَاقُ الدَّاعِي أَنْ يَدْعُوَ بِمَا أَرَادَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَعَلَّمَنَا التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ: أَيْ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ يَقُولُ: إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَك مِنْهُ عِبَادُك الصَّالِحُونَ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَك مِنْهُ عِبَادُك الصَّالِحُونَ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً الْآيَةَ».
وَمِنْ أَدِلَّةِ وُجُوبِ التَّشَهُّدِ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: [وَلِلنَّسَائِيِّ] أَيْ مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ مَسْعُودٍ ": [كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ] حَذَفَ الْمُصَنِّفُ تَمَامَهُ، وَهُوَ: «السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُولُوا هَذَا وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ إلَى آخِرِهِ».
فَفِي قَوْلِهِ: يُفْرَضُ عَلَيْنَا، دَلِيلٌ عَلَى الْإِيجَابِ، إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ هَذَا. الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: تَفَرَّدَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِذَلِكَ، وَأَخْرَجَ مِثْلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَاهُ، [وَلِأَحْمَدَ] أَيْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ أَيْضًا. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهَا النَّاسَ: التَّحِيَّاتُ، وَذَكَرَهُ» إلَخْ.
٢٩٦ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ - إلَى آخِرِهِ».
[وَلِمُسْلِمٍ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ» إلَخْ.
تَمَامُهُ: «السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ». هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ السَّلَامَ مُنَكَّرًا، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ كَمُسْلِمٍ لَكِنَّهُ قَالَ: " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بِتَنْكِيرِ السَّلَامِ أَيْضًا وَقَالَا فِيهِ: " وَأَنَّ مُحَمَّدًا " وَلَمْ يَذْكُرْ أَشْهَدُ، وَفِيهِ زِيَادَةُ الْمُبَارَكَاتِ، وَحَذْفُ الْوَاوِ مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَمِنْ الطَّيِّبَاتِ؛ وَقَدْ اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ تَشَهُّدَ " ابْنِ عَبَّاسٍ " هَذَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمَّا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ صِرْتَ إلَى حَدِيثِ " ابْنِ عَبَّاسٍ " فِي التَّشَهُّدِ؟ قَالَ:
стр. 279
٢٩٧ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، وَلَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: عَجِلَ هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
لَمَّا رَأَيْتُهُ وَاسِعًا، وَسَمِعْته عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " صَحِيحًا. كَانَ عِنْدِي أَجْمَعَ، وَأَكْثَرَ لَفْظًا مِنْ غَيْرِهِ، فَأَخَذْت بِهِ غَيْرَ مُعَنِّفٍ لِمَنْ يَأْخُذُ بِغَيْرِهِ مِمَّا صَحَّ.
[وَعَنْ فَضَالَةَ بِفَتْحِ الْفَاءِ بِزِنَةِ سَحَابَةٍ، هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَضَالَةُ " ابْنُ عُبَيْدٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ لِعَبْدٍ، أَنْصَارِيٍّ أَوْسِيٍّ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ، ثُمَّ شَهِدَ مَا بَعْدَهَا، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الشَّامِ، وَسَكَنَ دِمَشْقَ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بِهَا، وَمَاتَ بِهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ وَلَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عَجِلَ هَذَا» أَيْ بِدُعَائِهِ قَبْلَ تَقْدِيمِ الْأَمْرَيْنِ «ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ» وَهُوَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالتَّحْمِيدِ نَفْسُهُ، وَبِالثَّنَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ: أَيْ عِبَارَةٌ، فَيَكُونُ مِنْ عِطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ [ثُمَّ يُصَلِّي] هُوَ خَبَرُ مَحْذُوفٍ: أَيْ ثُمَّ هُوَ يُصَلِّي عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، فَلِذَا لَمْ تُجْزَمْ [عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ] مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ].
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ ، وَالدُّعَاءِ بِمَا شَاءَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِحَدِيثِ " ابْنِ مَسْعُودٍ " وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ أَحَادِيثَ التَّشَهُّدِ تَتَضَمَّنُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لِمَا أَجْمَلَهُ هَذَا، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ ، وَهَذَا إذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِي سَمِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ كَانَ فِي قَعْدَةِ التَّشَهُّدِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ حَالَ قَعْدَةِ التَّشَهُّدِ، إلَّا أَنَّ ذِكْرَ الْمُصَنِّفِ لَهُ هُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ، وَكَأَنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْوَسَائِلِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَسَائِلِ وَهِيَ نَظِيرُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حَيْثُ قَدَّمَ الْوَسِيلَةَ وَهِيَ الْعِبَادَةُ، عَلَى طَلَبِ الِاسْتِعَانَةِ.
стр. 280
٢٩٨ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيهِ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا؟.
٢٩٨ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيهِ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك. إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا؟
[وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ. وَأَبُو مَسْعُودٍ اسْمُهُ " عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ الْبَدْرِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَإِنَّمَا نَزَلَ بِهِ فَنُسِبَ إلَيْهِ، سَكَنَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ " عَلِيٍّ " ﵇. [قَالَ: قَالَ " بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: هُوَ " أَبُو النُّعْمَانِ بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، وَالِدُ " النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ " شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَمَا بَعْدَهَا. [يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك] يُرِيدُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ فَسَكَتَ] أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ زِيَادَةٌ " حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ «ثُمَّ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ». الْحَمِيدُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ: أَيْ إنَّكَ مَحْمُودٌ بِمَحَامِدِك اللَّائِقَةِ بِعَظَمَةِ شَأْنِك، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ الصَّلَاةِ: أَيْ لِأَنَّك مَحْمُودٌ، وَمِنْ مَحَامِدِك إفَاضَتُك أَنْوَاعَ الْعِنَايَاتِ، وَزِيَادَةُ الْبَرَكَاتِ عَلَى نَبِيِّك الَّذِي تَقَرَّبَ إلَيْك بِامْتِثَالٍ مَا أَهَّلْته لَهُ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ. وَيُحْتَمَل أَنَّ حَمِيدًا بِمَعْنَى حَامِدٍ: أَيْ أَنَّك حَامِدٌ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَدَ، وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَحَقِّ عِبَادِك بِحَمْدِك، وَقَبُولُ دِعَاءِ مَنْ يَدْعُو لَهُ وَلِآلِهِ، وَهَذَا أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ. " مَجِيدٌ " مُبَالَغَةُ مَاجِدٍ، وَالْمَجْدُ: الشَّرَفُ. " وَالسَّلَامُ كَمَا عُلِّمْتُمْ " بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ لِلْبِنَاءِ بِالْمَعْلُومِ وَتَخْفِيفُ اللَّامِ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا] وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ رَوَاهَا أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهَا أَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَحَدِيثُ الصَّلَاةِ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ طَلْحَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ.
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، لِظَاهِرِ الْأَمْرِ: " أَعْنِي قُولُوا " وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَدَلِيلُهُمْ الْحَدِيثُ مَعَ زِيَادَتِهِ الثَّابِتَةِ. وَيَقْتَضِي أَيْضًا وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْهَادِي، وَالْقَاسِمِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَا عُذْرَ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ مُسْتَدِلًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْآلِ، إذْ الْمَأْمُورُ بِهِ وَاحِدٌ، وَدَعْوَى النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ مَنْدُوبَةٌ، غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، بَلْ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ لَا تَتِمُّ وَيَكُونُ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا بِهَا، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّفْظُ النَّبَوِيُّ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْآلِ، لِأَنَّهُ قَالَ السَّائِلُ: " كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك " فَأَجَابَهُ بِالْكَيْفِيَّةِ، أَنَّهَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالْآلِ فَمَا صَلَّى عَلَيْهِ بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، فَلَا يَكُونُ مُصَلِّيًا عَلَيْهِ ﷺ ؛ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ " كَمَا صَلَّيْت إلَى آخِرِهِ " يَجِبُ إذْ هُوَ مِنْ الْكَيْفِيَّةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ بِإِيجَابِ بَعْضِهَا وَنَدْبِ بَعْضِهَا فَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْمَهْدِيِّ فِي الْبَحْرِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ سُنَّةٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَذَانِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا مَعَهُ ﷺ فِيهِ، فَكَلَامٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ كَمَا قِيلَ: لَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ لِأَنَّهُ لَا يُذْكَرُ الْآلُ فِي تَشَهُّدِ الْأَذَانِ لَا نَدْبًا وَلَا وُجُوبًا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَذَانِ دُعَاءٌ لَهُ ﷺ ، بَلْ شَهَادَةٌ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَالْآلُ لَمْ يَأْتِ تَعَبُّدًا بِالشَّهَادَةِ بِأَنَّهُمْ آلُهُ، وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ حَذْفَ لَفْظِ الْآلِ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي؛ وَكُنْت سَأَلْت عَنْهُ قَدِيمًا، فَأُجِبْت أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِلَا رِيبَ: كَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ رُوَاتُهَا، وَكَأَنَّهُمْ حَذَفُوهَا خَطَأً تَقِيَّةً لَمَّا كَانَ فِي الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ مَنْ يَكْرَهُ ذِكْرَهُمْ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مُتَابَعَةً مِنْ الْآخِرِ لِلْأَوَّلِ، فَلَا وَجْهَ لَهُ، وَبَسَطْت هَذَا الْجَوَابَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بَسْطًا شَافِيًا.
وَأَمَّا مَنْ هُمْ الْآلُ؟ فَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ: الْأَصَحُّ أَنَّهُمْ مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ؛ فَإِنَّهُ بِذَلِكَ فَسَرَّهُمْ " زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ "، وَالصَّحَابِيُّ أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ ﷺ ، فَتَفْسِيرُهُ قَرِينَةٌ عَلَى تَعْيِينِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ فَسَرَّهُمْ بِآلِ " عَلِيٍّ "، وَآلِ جَعْفَرٍ "، وَآلِ عَقِيلٍ "، وَآلِ الْعَبَّاسِ ".
فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: " إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا " أَيْ إذَا نَحْنُ دَعَوْنَا فِي دُعَائِنَا، فَلَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ. قُلْت: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: الْمُتَبَادَرُ فِي لِسَانِ الصَّحَابَةِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ صَلَاتُنَا الشَّرْعِيَّةُ لَا اللُّغَوِيَّةُ، وَالْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ إذَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ؛ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ الدُّعَاءِ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ كَمَا عَرَفْت مِنْ الْأَمْرِ بِهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَاجِبَةٌ، لِمَا عَرَفْت مِنْ حَدِيثِ " فَضَالَةَ "، وَبِهَذَا يَتِمُّ إيجَابُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ الدُّعَاءِ الدَّالِ عَلَى وُجُوبِهِ.
стр. 282
٢٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ".
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ] مُطْلَقٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ وَالْأَخِيرِ [فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ] بَيْنَهَا بِقَوْلِهِ: «يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ؛ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ].
هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَيَّدَتْ إطْلَاقَ الْأُولَى وَأَبَانَتْ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ؛ وَيَدُلُّ التَّعْقِيبُ بِالْفَاءِ أَنَّهَا تَكُونُ قَبْلَ الدُّعَاءِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ بِمَا شَاءَ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ مِمَّا ذُكِرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ؛ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْهُمْ: وَيَجِبُ أَيْضًا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، عَمَلًا مِنْهُ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ " طَاوُسٌ " ابْنَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لَمَّا لَمْ يَسْتَعِذْ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ، وَبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَهَا، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَالْمُرَادُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، وَأَعْظَمُهَا - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: هِيَ الِابْتِلَاءُ مَعَ عَدَمِ الصَّبْرِ. وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ، قِيلَ الْمُرَادُ بِهَا: الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا السُّؤَالَ مَعَ الْحَيْرَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ: «إنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» وَلَا يَكُونُ هَذَا تَكْرِيرًا لِعَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " فِتْنَةُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ " قَالَ الْعُلَمَاءُ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْفِتْنَةُ: الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالتُّهْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ " وَالْمَسِيحُ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَفِيهِ ضَبْطٌ آخَرُ، وَهَذَا الْأَصَحُّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الدَّجَّالِ، وَعَلَى " عِيسَى "، وَلَكِنْ إذَا أُرِيدَ بِهِ الدَّجَّالُ قُيِّدَ بِاسْمِهِ، سُمِّيَ الْمَسِيحَ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ. أَمَّا عِيسَى فَقِيلَ لَهُ الْمَسِيحُ: لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ؛ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إلَّا بَرِئَ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ أَنَّهُ جَمَعَ فِي وَجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسِينَ قَوْلًا.
стр. 283
٣٠٠ - «وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي، إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا» يُرْوَى بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، فَيُخَيَّرُ الدَّاعِي بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا أَحَدُهُمَا [وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ] إقْرَارٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ [فَاغْفِرْ لِي] اسْتِجْلَابٌ لِلْمَغْفِرَةِ [مَغْفِرَةً] نَكَّرَهَا لِلتَّعْظِيمِ: أَيْ مَغْفِرَةً عَظِيمَةً، وَزَادَهَا تَعْظِيمًا بِوَصْفِهَا بِقَوْلِهِ: [مِنْ عِنْدِك] لِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى لَا تُحِيطُ بِوَصْفِهِ عِبَارَةٌ [وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] تَوَسُّلٌ إلَى نَيْلِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِصِفَتَيْ غُفْرَانِهِ وَرَحْمَتِهِ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَحَلٍّ لَهُ، وَمِنْ مَحَلَّاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ ، وَالِاسْتِعَاذَةِ، لِقَوْلِهِ: " فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ ". وَالْإِقْرَارُ بِظُلْمِ نَفْسِهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ الْبَشَرِ عَنْ ظُلْمِ نَفْسِهِ بِارْتِكَابِهِ مَا نَهَى عَنْهُ، أَوْ تَقْصِيرِهِ عَنْ أَدَاءِ مَا أَمَرَ بِهِ.
وَفِيهِ التَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَاتِ، وَاسْتِدْفَاعُ الْمَكْرُوهَاتِ؛ وَأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ صِفَاتِهِ فِي كُلِّ مَقَامٍ مَا يُنَاسِبُهُ كَلَفْظِ: الْغَفُورِ الرَّحِيمِ، عِنْدَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَنَحْوِ: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ عِنْدَ طَلَبِ الرِّزْقِ؛ وَالْقُرْآنُ وَالْأَدْعِيَةُ النَّبَوِيَّةُ مَمْلُوءَةٌ بِذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَلْفَاظٌ غَيْرُ مَا ذُكِرَ، أَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ " جَابِرٍ ": «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ ": «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: اللَّهُمَّ أَلِّفْ عَلَى الْخَيْرِ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ بَيْنَنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ وَالْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِك، مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: كَيْفَ تَقُولُ
стр. 284
٣٠١ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ، أَمَّا إنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَك وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ ﷺ : حَوْلَ ذَلِكَ نُدَنْدِنُ أَنَا وَمُعَاذٌ». فَفِيهِ أَنْ يَدْعُوَ الْإِنْسَانُ بِأَيِّ لَفْظٍ شَاءَ، مِنْ مَأْثُورٍ وَغَيْرِهِ.
وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ]. هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَنَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ إلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ. وَقَالَ: لَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، فَأَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ، وَهُنَا قَالَ: صَحِيحٌ، وَرَاجَعْنَا سُنَنَ أَبِي دَاوُد فَرَأَيْنَاهُ رَوَاهُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِيهِ، فَالْحَدِيثُ سَالِمٌ عَنْ انْقِطَاعٍ، فَتَصْحِيحُهُ هُنَا هُوَ الْأَوْلَى، وَإِنْ خَالَفَ مَا فِي التَّلْخِيصِ.
وَحَدِيثُ التَّسْلِيمَتَيْنِ رَوَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِأَحَادِيثِ مُخْتَلِفَةٍ، فَفِيهَا صَحِيحٌ، وَحَسَنٌ، وَضَعِيفٌ، وَمَتْرُوكٌ، وَكُلُّهَا بِدُونِ زِيَادَةِ " وَبَرَكَاتُهُ " إلَّا فِي رِوَايَةِ " وَائِلٍ " هَذِهِ، وَرِوَايَةٍ عَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ "، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ.
وَمَعَ صِحَّةِ إسْنَادِ حَدِيثِ " وَائِلٍ " كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا يَتَعَيَّنُ قَبُولُ زِيَادَتِهِ إذْ هِيَ زِيَادَةُ عَدْلٍ، وَعَدَمُ ذِكْرِهَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ لَيْسَتْ رِوَايَةً لِعَدَمِهَا. قَالَ الشَّارِحُ: إنَّهُ لَمْ يَرَ مَنْ قَالَ وُجُوبَ زِيَادَةِ " وَبَرَكَاتُهُ " إلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: إذَا زَادَ " وَبَرَكَاتُهُ وَرِضْوَانُهُ وَكَرَامَتُهُ " أَجْزَأَ، إذْ هُوَ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْوَارِدَ زِيَادَةُ " وَبَرَكَاتُهُ "، وَقَدْ صَحَّتْ، وَلَا عُذْرَ عَنْ الْقَوْلِ بِهَا، وَقَالَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ، وَالْإِمَامُ، وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ إنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ قَدْ تَعَجَّبَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ: هِيَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: إلَّا أَنَّهُ قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: لَمْ نَجِدْهَا فِي ابْنِ مَاجَهْ؛ قُلْت: رَاجَعْنَا سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مَقْرُوءَةٍ، فَوَجَدْنَا فِيهِ مَا لَفْظُهُ: " بَابُ التَّسْلِيمِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الْأَحْوَصِ عَنْ " عَبْدِ اللَّهِ ": «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَفِي تَلْقِيحِ الْأَفْكَارِ تَخْرِيجُ الْأَذْكَارِ، لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ لَمَّا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ: أَنَّ زِيَادَةَ وَبَرَكَاتُهُ زِيَادَةٌ فَرْدَةٌ، سَاقَ الْحَافِظُ طُرُقًا عِدَّةً لِزِيَادَةِ وَبَرَكَاتُهُ؛ ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ عِدَّةُ طُرُقٍ تَثْبُتُ بِهَا وَبَرَكَاتُهُ، بِخِلَافِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَنَّهَا رِوَايَةٌ فَرْدَةٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَحَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ التَّسْلِيمَتَيْنِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُهُ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَثَبَتَ حَدِيثُ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا السَّلَامُ» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ لِذَلِكَ.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ: الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ؛ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، مُسْتَدِلِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ ": «إذَا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ وَقَعَدَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَاجِبٍ، وَإِلَّا لَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، وَلِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ؛ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالسَّلَامِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ حَدِيثَ " ابْنِ عُمَرَ " ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقٍ الْحُفَّاظِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، وَقَدْ اضْطَرَبُوا فِي إسْنَادِهِ؛ وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، فَإِنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ السَّلَامِ اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ تَامٍّ، لِأَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ بَيْنَ الْمَطْلُوبِ مِنْهَا فِعْلُهُ ﷺ ، وَلَوْ عَمِلَ بِهَا وَحْدِهَا لَمَا وَجَبَتْ الْقِرَاءَةُ وَلَا غَيْرُهَا. وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ التَّسْلِيمِ عَلَى الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَسْنُونَةٌ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ جَعَلَ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ، وَالثَّانِيَةَ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَعَلَّ حُجَّةَ الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ عَائِشَةَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا أَوْتَرَ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيَذْكُرُهُ وَيَدْعُو ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ فَيَجْلِسُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَدْعُو ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً» أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الزِّيَادَةِ كَمَا عَرَفْت مِنْ قَبُولِ الزِّيَادَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ عَدْلٍ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ الْمَسْنُونَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ضَعْفَ أَدِلَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْأَحَادِيثِ.
وَاسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى كِفَايَةِ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ عَمَلٌ تَوَارَثُوهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ عَمَلَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَوْلُهُ: " عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ " أَيْ مُنْحَرِفًا إلَى الْجِهَتَيْنِ بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سَعْدٍ. «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
следующие страницы →