Полный текст (1 346 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، لِظَاهِرِ الْأَمْرِ: " أَعْنِي قُولُوا " وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَدَلِيلُهُمْ الْحَدِيثُ مَعَ زِيَادَتِهِ الثَّابِتَةِ. وَيَقْتَضِي أَيْضًا وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْهَادِي، وَالْقَاسِمِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَا عُذْرَ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ مُسْتَدِلًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْآلِ، إذْ الْمَأْمُورُ بِهِ وَاحِدٌ، وَدَعْوَى النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ مَنْدُوبَةٌ، غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، بَلْ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ لَا تَتِمُّ وَيَكُونُ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا بِهَا، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّفْظُ النَّبَوِيُّ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْآلِ، لِأَنَّهُ قَالَ السَّائِلُ: " كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك " فَأَجَابَهُ بِالْكَيْفِيَّةِ، أَنَّهَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالْآلِ فَمَا صَلَّى عَلَيْهِ بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، فَلَا يَكُونُ مُصَلِّيًا عَلَيْهِ ﷺ ؛ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ " كَمَا صَلَّيْت إلَى آخِرِهِ " يَجِبُ إذْ هُوَ مِنْ الْكَيْفِيَّةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ بِإِيجَابِ بَعْضِهَا وَنَدْبِ بَعْضِهَا فَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْمَهْدِيِّ فِي الْبَحْرِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ سُنَّةٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَذَانِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا مَعَهُ ﷺ فِيهِ، فَكَلَامٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ كَمَا قِيلَ: لَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ لِأَنَّهُ لَا يُذْكَرُ الْآلُ فِي تَشَهُّدِ الْأَذَانِ لَا نَدْبًا وَلَا وُجُوبًا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَذَانِ دُعَاءٌ لَهُ ﷺ ، بَلْ شَهَادَةٌ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَالْآلُ لَمْ يَأْتِ تَعَبُّدًا بِالشَّهَادَةِ بِأَنَّهُمْ آلُهُ، وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ حَذْفَ لَفْظِ الْآلِ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي؛ وَكُنْت سَأَلْت عَنْهُ قَدِيمًا، فَأُجِبْت أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِلَا رِيبَ: كَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ رُوَاتُهَا، وَكَأَنَّهُمْ حَذَفُوهَا خَطَأً تَقِيَّةً لَمَّا كَانَ فِي الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ مَنْ يَكْرَهُ ذِكْرَهُمْ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مُتَابَعَةً مِنْ الْآخِرِ لِلْأَوَّلِ، فَلَا وَجْهَ لَهُ، وَبَسَطْت هَذَا الْجَوَابَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بَسْطًا شَافِيًا.
وَأَمَّا مَنْ هُمْ الْآلُ؟ فَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ: الْأَصَحُّ أَنَّهُمْ مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ؛ فَإِنَّهُ بِذَلِكَ فَسَرَّهُمْ " زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ "، وَالصَّحَابِيُّ أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ ﷺ ، فَتَفْسِيرُهُ قَرِينَةٌ عَلَى تَعْيِينِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ فَسَرَّهُمْ بِآلِ " عَلِيٍّ "، وَآلِ جَعْفَرٍ "، وَآلِ عَقِيلٍ "، وَآلِ الْعَبَّاسِ ".
فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: " إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا " أَيْ إذَا نَحْنُ دَعَوْنَا فِي دُعَائِنَا، فَلَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ. قُلْت: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: الْمُتَبَادَرُ فِي لِسَانِ الصَّحَابَةِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ صَلَاتُنَا الشَّرْعِيَّةُ لَا اللُّغَوِيَّةُ، وَالْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ إذَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ؛ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ الدُّعَاءِ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ كَمَا عَرَفْت مِنْ الْأَمْرِ بِهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَاجِبَةٌ، لِمَا عَرَفْت مِنْ حَدِيثِ " فَضَالَةَ "، وَبِهَذَا يَتِمُّ إيجَابُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ الدُّعَاءِ الدَّالِ عَلَى وُجُوبِهِ.
стр. 282
٢٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ".
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ] مُطْلَقٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ وَالْأَخِيرِ [فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ] بَيْنَهَا بِقَوْلِهِ: «يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ؛ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ].
هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَيَّدَتْ إطْلَاقَ الْأُولَى وَأَبَانَتْ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ؛ وَيَدُلُّ التَّعْقِيبُ بِالْفَاءِ أَنَّهَا تَكُونُ قَبْلَ الدُّعَاءِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ بِمَا شَاءَ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ مِمَّا ذُكِرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ؛ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْهُمْ: وَيَجِبُ أَيْضًا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، عَمَلًا مِنْهُ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ " طَاوُسٌ " ابْنَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لَمَّا لَمْ يَسْتَعِذْ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ، وَبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَهَا، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَالْمُرَادُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، وَأَعْظَمُهَا - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: هِيَ الِابْتِلَاءُ مَعَ عَدَمِ الصَّبْرِ. وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ، قِيلَ الْمُرَادُ بِهَا: الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ، أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا السُّؤَالَ مَعَ الْحَيْرَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ: «إنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» وَلَا يَكُونُ هَذَا تَكْرِيرًا لِعَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " فِتْنَةُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ " قَالَ الْعُلَمَاءُ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْفِتْنَةُ: الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالتُّهْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ " وَالْمَسِيحُ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَفِيهِ ضَبْطٌ آخَرُ، وَهَذَا الْأَصَحُّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الدَّجَّالِ، وَعَلَى " عِيسَى "، وَلَكِنْ إذَا أُرِيدَ بِهِ الدَّجَّالُ قُيِّدَ بِاسْمِهِ، سُمِّيَ الْمَسِيحَ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ. أَمَّا عِيسَى فَقِيلَ لَهُ الْمَسِيحُ: لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ؛ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إلَّا بَرِئَ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ أَنَّهُ جَمَعَ فِي وَجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسِينَ قَوْلًا.
стр. 283
٣٠٠ - «وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي، إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا» يُرْوَى بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، فَيُخَيَّرُ الدَّاعِي بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا أَحَدُهُمَا [وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ] إقْرَارٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ [فَاغْفِرْ لِي] اسْتِجْلَابٌ لِلْمَغْفِرَةِ [مَغْفِرَةً] نَكَّرَهَا لِلتَّعْظِيمِ: أَيْ مَغْفِرَةً عَظِيمَةً، وَزَادَهَا تَعْظِيمًا بِوَصْفِهَا بِقَوْلِهِ: [مِنْ عِنْدِك] لِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى لَا تُحِيطُ بِوَصْفِهِ عِبَارَةٌ [وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] تَوَسُّلٌ إلَى نَيْلِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِصِفَتَيْ غُفْرَانِهِ وَرَحْمَتِهِ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَحَلٍّ لَهُ، وَمِنْ مَحَلَّاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ ، وَالِاسْتِعَاذَةِ، لِقَوْلِهِ: " فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ ". وَالْإِقْرَارُ بِظُلْمِ نَفْسِهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ الْبَشَرِ عَنْ ظُلْمِ نَفْسِهِ بِارْتِكَابِهِ مَا نَهَى عَنْهُ، أَوْ تَقْصِيرِهِ عَنْ أَدَاءِ مَا أَمَرَ بِهِ.
وَفِيهِ التَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَاتِ، وَاسْتِدْفَاعُ الْمَكْرُوهَاتِ؛ وَأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ صِفَاتِهِ فِي كُلِّ مَقَامٍ مَا يُنَاسِبُهُ كَلَفْظِ: الْغَفُورِ الرَّحِيمِ، عِنْدَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَنَحْوِ: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ عِنْدَ طَلَبِ الرِّزْقِ؛ وَالْقُرْآنُ وَالْأَدْعِيَةُ النَّبَوِيَّةُ مَمْلُوءَةٌ بِذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَلْفَاظٌ غَيْرُ مَا ذُكِرَ، أَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ " جَابِرٍ ": «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ ": «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: اللَّهُمَّ أَلِّفْ عَلَى الْخَيْرِ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ بَيْنَنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ وَالْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِك، مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: كَيْفَ تَقُولُ
стр. 284
٣٠١ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ، أَمَّا إنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَك وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ ﷺ : حَوْلَ ذَلِكَ نُدَنْدِنُ أَنَا وَمُعَاذٌ». فَفِيهِ أَنْ يَدْعُوَ الْإِنْسَانُ بِأَيِّ لَفْظٍ شَاءَ، مِنْ مَأْثُورٍ وَغَيْرِهِ.
وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ]. هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَنَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ إلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ. وَقَالَ: لَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، فَأَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ، وَهُنَا قَالَ: صَحِيحٌ، وَرَاجَعْنَا سُنَنَ أَبِي دَاوُد فَرَأَيْنَاهُ رَوَاهُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِيهِ، فَالْحَدِيثُ سَالِمٌ عَنْ انْقِطَاعٍ، فَتَصْحِيحُهُ هُنَا هُوَ الْأَوْلَى، وَإِنْ خَالَفَ مَا فِي التَّلْخِيصِ.
وَحَدِيثُ التَّسْلِيمَتَيْنِ رَوَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِأَحَادِيثِ مُخْتَلِفَةٍ، فَفِيهَا صَحِيحٌ، وَحَسَنٌ، وَضَعِيفٌ، وَمَتْرُوكٌ، وَكُلُّهَا بِدُونِ زِيَادَةِ " وَبَرَكَاتُهُ " إلَّا فِي رِوَايَةِ " وَائِلٍ " هَذِهِ، وَرِوَايَةٍ عَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ "، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ.
وَمَعَ صِحَّةِ إسْنَادِ حَدِيثِ " وَائِلٍ " كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا يَتَعَيَّنُ قَبُولُ زِيَادَتِهِ إذْ هِيَ زِيَادَةُ عَدْلٍ، وَعَدَمُ ذِكْرِهَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ لَيْسَتْ رِوَايَةً لِعَدَمِهَا. قَالَ الشَّارِحُ: إنَّهُ لَمْ يَرَ مَنْ قَالَ وُجُوبَ زِيَادَةِ " وَبَرَكَاتُهُ " إلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: إذَا زَادَ " وَبَرَكَاتُهُ وَرِضْوَانُهُ وَكَرَامَتُهُ " أَجْزَأَ، إذْ هُوَ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْوَارِدَ زِيَادَةُ " وَبَرَكَاتُهُ "، وَقَدْ صَحَّتْ، وَلَا عُذْرَ عَنْ الْقَوْلِ بِهَا، وَقَالَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ، وَالْإِمَامُ، وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ إنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ قَدْ تَعَجَّبَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ: هِيَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: إلَّا أَنَّهُ قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: لَمْ نَجِدْهَا فِي ابْنِ مَاجَهْ؛ قُلْت: رَاجَعْنَا سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مَقْرُوءَةٍ، فَوَجَدْنَا فِيهِ مَا لَفْظُهُ: " بَابُ التَّسْلِيمِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الْأَحْوَصِ عَنْ " عَبْدِ اللَّهِ ": «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَفِي تَلْقِيحِ الْأَفْكَارِ تَخْرِيجُ الْأَذْكَارِ، لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ لَمَّا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ: أَنَّ زِيَادَةَ وَبَرَكَاتُهُ زِيَادَةٌ فَرْدَةٌ، سَاقَ الْحَافِظُ طُرُقًا عِدَّةً لِزِيَادَةِ وَبَرَكَاتُهُ؛ ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ عِدَّةُ طُرُقٍ تَثْبُتُ بِهَا وَبَرَكَاتُهُ، بِخِلَافِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَنَّهَا رِوَايَةٌ فَرْدَةٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَحَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ التَّسْلِيمَتَيْنِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُهُ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَثَبَتَ حَدِيثُ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا السَّلَامُ» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ لِذَلِكَ.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ: الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ؛ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، مُسْتَدِلِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ ": «إذَا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ وَقَعَدَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَاجِبٍ، وَإِلَّا لَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، وَلِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ؛ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالسَّلَامِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ حَدِيثَ " ابْنِ عُمَرَ " ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقٍ الْحُفَّاظِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، وَقَدْ اضْطَرَبُوا فِي إسْنَادِهِ؛ وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، فَإِنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ السَّلَامِ اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ تَامٍّ، لِأَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ بَيْنَ الْمَطْلُوبِ مِنْهَا فِعْلُهُ ﷺ ، وَلَوْ عَمِلَ بِهَا وَحْدِهَا لَمَا وَجَبَتْ الْقِرَاءَةُ وَلَا غَيْرُهَا. وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ التَّسْلِيمِ عَلَى الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَسْنُونَةٌ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ جَعَلَ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ، وَالثَّانِيَةَ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَعَلَّ حُجَّةَ الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ عَائِشَةَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا أَوْتَرَ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيَذْكُرُهُ وَيَدْعُو ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ فَيَجْلِسُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَدْعُو ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً» أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الزِّيَادَةِ كَمَا عَرَفْت مِنْ قَبُولِ الزِّيَادَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ عَدْلٍ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ الْمَسْنُونَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ضَعْفَ أَدِلَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْأَحَادِيثِ.
وَاسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى كِفَايَةِ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ عَمَلٌ تَوَارَثُوهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ عَمَلَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَوْلُهُ: " عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ " أَيْ مُنْحَرِفًا إلَى الْجِهَتَيْنِ بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سَعْدٍ. «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 286
٣٠٢ - وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٣٠٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ
سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى صَفْحَةِ خَدِّهِ» وَفِي لَفْظٍ: " حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
[وَعَنْ " الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ]. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الدُّبُرُ بِضَمِّ الدَّالِ وَبِضَمَّتَيْنِ: نَقِيضُ الْقُبُلِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، عَقِبُهُ وَمُؤَخَّرُهُ، وَقَالَ فِي الدَّبَرِ مُحَرَّكَةِ الدَّالِ وَالْبَاءِ بِالْفَتْحِ: الصَّلَاةُ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَتَسْكُنُ الْبَاءُ وَلَا يُقَالُ بِضَمَّتَيْنِ فَإِنَّهُ مِنْ لَحْنِ الْمُحَدِّثِينَ «كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ» وَوَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ بَعْدَهُ: " وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْت " [وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ الْمُغِيرَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ: " يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ " وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ. وَثَبَتَ مِثْلُهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ " عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ " بِسَنَدٍ صَحِيحٍ
، لَكِنَّهُ فِي الْقَوْلِ: إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى. وَمَعْنَى: " لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت " أَنْ مَنْ قَضَيْت لَهُ بِقَضَاءٍ مِنْ رِزْقٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَا يَمْنَعُهُ أَحَدٌ عَنْهُ. وَمَعْنَى " لَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت " أَنَّهُ مَنْ قَضَيْت لَهُ بِحِرْمَانٍ لَا مُعْطِيَ لَهُ.
وَالْجَدُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ كَمَا سَلَفَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: مَعْنَاهُ الْغِنَى، وَالْمُرَادُ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا يُنَجِّيهِ حَظُّهُ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ، وَالْوَلَدِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالسُّلْطَانِ، وَإِنَّمَا يُنَجِّيهِ فَضْلك وَرَحْمَتُك.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، لِمَا اشْتَمَلَ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَنِسْبَةِ الْأَمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ، وَالْمَنْعِ، وَالْإِعْطَاءِ، وَتَمَامِ الْقُدْرَةِ.
٣٠٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ
стр. 287
مِنْ أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
٣٠٤ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مِنْ أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[وَعَنْ " سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ " ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَيْ أَلْتَجِئُ إلَيْك [مِنْ الْبُخْلِ] بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفِيهِ لُغَاتٌ [وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ] بِزِنَةِ الْبُخْلِ «وَأَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قَوْلُهُ: دُبُرَ الصَّلَاةِ هُنَا، وَفِي الْأَوَّلِ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ، لِأَنَّ دُبُرَ الْحَيَوَانِ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَعْدَهَا وَهُوَ أَقْرَبُ؛ وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْمَفْرُوضَةُ.
التَّعَوُّذُ مِنْ الْبُخْلِ قَدْ كَثُرَ فِي الْأَحَادِيثِ، قِيلَ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ: مَنْعُ مَا يَجِبُ بَذْلُهُ مِنْ الْمَالِ، شَرْعًا أَوْ عَادَةً. وَالْجُبْنُ: هُوَ الْمَهَابَةُ لِلْأَشْيَاءِ وَالتَّأَخُّرُ عَنْ فِعْلِهَا، يُقَالُ مِنْهُ: جَبَانٌ كَسَحَابٍ، لِمَنْ قَامَ بِهِ، وَالْمُتَعَوِّذُ مِنْهُ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْإِقْدَامِ بِالنَّفْسِ إلَى الْجِهَادِ الْوَاجِبِ، وَالتَّأَخُّرُ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ مِنْ الرَّدِّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ: هُوَ بُلُوغُ الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ، حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ الْأُولَى فِي أَوَانِ الطُّفُولِيَّةِ، ضَعِيفَ الْبُنَيَّةِ، سَخِيفَ الْعَقْلِ، قَلِيلَ الْفَهْمِ.
وَأَمَّا فِتْنَةُ الدُّنْيَا فَهِيَ الِافْتِتَانُ بِشَهَوَاتِهَا وَزَخَارِفِهَا، حَتَّى تُلْهِيَهُ عَنْ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا الْعَبْدُ، وَهِيَ عِبَادَةُ بَارِئِهِ وَخَالِقِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ.
٣٠٤ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[وَعَنْ " ثَوْبَانَ " ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ] أَيْ: سَلَّمَ مِنْهَا [اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا] بِلَفْظِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. وَفِي الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ: قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ: كَيْفَ الِاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. «وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالِاسْتِغْفَارُ
стр. 288
٣٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ
إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقُومُ بِحَقِّ عِبَادَةِ مَوْلَاهُ، لِمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ الْوَسَاوِسِ وَالْخَوَاطِرِ، فَشُرِعَ لَهُ الِاسْتِغْفَارُ تَدَارُكًا لِذَلِكَ، وَشُرِعَ لَهُ أَنْ يَصِفَ رَبَّهُ بِالسَّلَامِ كَمَا وَصَفَّ بِهِ نَفْسَهُ، وَالْمُرَادُ ذُو السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَآفَةٍ، مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ " وَمِنْك السَّلَامُ " أَيْ مِنْك نَطْلُبُ السَّلَامَةَ مِنْ شُرُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " يَا ذَا الْغِنَى الْمُطْلَقِ، وَالْفَضْلِ التَّامِّ، وَقِيلَ الَّذِي عِنْدَهُ الْجَلَالُ وَالْإِكْرَامُ لِعِبَادِهِ الْمُخْلِصِينَ، وَهُوَ مِنْ عَظَائِمِ صِفَاتِهِ تَعَالَى؛ وَلِذَا قَالَ « ﷺ أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛» «وَمَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَقَالَ: قَدْ اُسْتُجِيبَ لَك».
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ [وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ] يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ [وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ] يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ [فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ] عَدَدَ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى [وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ] هُوَ مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ اضْطِرَابِهِ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، لِمُسْلِمٍ عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ» وَبِهِ تَتِمُّ الْمِائَةُ، فَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهَذَا تَارَةً وَبِالتَّهْلِيلِ أُخْرَى لِيَكُونَ قَدْ عَمِلَ بِالرِّوَايَتَيْنِ؛ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَسَبَقَهُ غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِوَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ الْعَدَدُ عَنْ الْمِائَةِ. هَذَا وَلِلْحَدِيثِ سَبَبٌ، وَهُوَ: «أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: مَا ذَلِكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ وَيَعْتِقُونَ وَلَا نَعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ
стр. 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنْكُمْ إلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: سَبِّحُوا اللَّهَ» الْحَدِيثَ. وَكَيْفِيَّةُ التَّسْبِيحِ وَأَخَوَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَقِيلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ؛ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " أَيْضًا: «يُسَبِّحُونَ عَشْرًا وَيَحْمَدُونَ عَشْرًا وَيُكَبِّرُونَ عَشْرًا» وَفِي صِفَةٍ أُخْرَى: «يُسَبِّحُونَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ تَسْبِيحَةً وَمِثْلَهَا تَحْمِيدًا وَمِثْلَهَا تَكْبِيرًا وَمِثْلَهَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَتَتِمُّ مِائَةً».
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ": «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّك أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ إنَّا نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدُك وَرَسُولُك، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ إنَّا نَشْهَدُ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إخْوَةٌ. اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لَك، وَأَهْلِي فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ اسْتَمِعْ وَاسْتَجِبْ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، اللَّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرِ حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ اللَّهُ أَكْبَرُ الْأَكْبَرِ».
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَسْرَفْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ».
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ " عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ": «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ " الْبَرَاءِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ الصَّلَاةِ: رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك».
وَوَرَدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِخُصُوصِهِمَا: " قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي غَيْرِهِمَا؛ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ " أَبِي ذَرٍّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَحِرْزٍ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَّا الشِّرْكُ بِاَللَّهِ » قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ " مُعَاذٍ "، وَزَادَ فِيهِ: " بِيَدِهِ الْخَيْرُ " وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا " وَكَانَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ قَالَهَا عِتْقُ رَقَبَةٍ ". أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ " عُمَارَةَ بْنِ شَبِيبٍ " قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ عَلَى أَثَرِ الْمَغْرِبِ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلَائِكَةً يَحْفَظُونَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَتَبَ
стр. 290
٣٠٦ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك، وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ
٣٠٧ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْتُ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانِيُّ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مُوبِقَاتٍ وَكَانَتْ لَهُ بِعَدْلِ عَشْرِ رَقَبَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ». قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَا نَعْرِفُ لِعُمَارَةَ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِنِيَّةِ كَذَا، وَبِنِيَّةِ كَذَا، كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ، فَلَمْ يَرِدْ بِهَا دَلِيلٌ، بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ تَمَامِ التَّسْبِيحِ وَأَخَوَيْهِ مِنْ الثَّنَاءِ فَالدُّعَاءُ بَعْدَ الذِّكْرِ سُنَّةٌ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَمَامَ الدُّعَاءِ كَذَلِكَ سُنَّةٌ، إنَّمَا الِاعْتِيَادُ لِذَلِكَ، وَجَعَلَهُ فِي حُكْمِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَدُعَاءُ الْإِمَامِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُسْتَدْبِرًا لِلْمَأْمُومَيْنِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ سُنَّةٌ.
بَلْ الَّذِي وَرَدَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْمَأْمُومِينَ إذَا سَلَّمَ»، قَالَ الْبُخَارِيُّ " بَابٌ يَسْتَقْبِلُ الْإِمَامُ النَّاسَ إذَا سَلَّمَ " وَوَرَدَ مِنْ حَدِيثِ " سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ " وَحَدِيثِ " زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ": «كَانَ إذَا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» وَظَاهِرُهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ.
[وَعَنْ " مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ " ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أُوصِيَك يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ] هُوَ نَهْيٌ مِنْ وَدَعَهُ، إلَّا أَنَّهُ هُجِرَ مَاضِيهِ فِي الْأَكْثَرِ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِتَرْكٍ، وَقَدْ وَرَدَ قَلِيلًا وَقُرِئَ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ «دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ].
النَّهْيُ أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ، فَيَدُلُّ عَلَى إيجَابِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ دُبُرَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: إنَّهُ نَهْيُ إرْشَادٍ وَلَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ عَلَى ذَلِكَ؛ وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا فِي حَقِّ " مُعَاذٍ " نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ عَامَّةٌ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
стр. 291
٣٠٨ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٣٠٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، وَإِلَّا فَأَوْمِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَعَنْ " أَبِي أُمَامَةَ "] هُوَ " إيَاسٌ " عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ " ابْنُ ثَعْلَبَةَ الْحَارِثِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا إلَّا أَنَّهُ عَذَرَهُ ﷺ عَنْ الْخُرُوجِ لِعِلَّتِهِ بِمَرَضِ وَالِدَتِهِ؛ وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ " تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، فَإِذَا أُطْلِقَ فَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا، وَإِذَا أُرِيدَ " الْبَاهِلِيُّ " قُيِّدَ بِهِ. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ أَيْ مَفْرُوضَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْتُ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانِيُّ: وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ]. وَقَدْ وَرَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇ بِزِيَادَةِ: «مَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ أَمَّنَهُ اللَّهُ عَلَى دَارِهِ وَدَارِ جَارِهِ وَأَهْلِ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَضَعَّفَ إسْنَادَهُ.
وَقَوْلُهُ: " لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْتُ " هُوَ حَذْفُ مُضَافٍ: أَيْ لَا يَمْنَعُهُ إلَّا عَدَمُ مَوْتِهِ، حُذِفَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ.
وَاخْتَصَّتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ بِذَلِكَ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أُصُولِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَبِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْحَيَاةِ، وَالْقَيُّومِيَّةِ، وَالْعِلْمِ، وَالْمُلْكِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُتَمَخِّضَةً لِذَكَرِ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى.
[وَعَنْ " مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَأَقْوَالَهُ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ مِنْ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي الْأَحَادِيثِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ فِيمَا فَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَكُلُّ مَا حَافَظَ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِهَا وَأَقْوَالِهَا وَجَبَ عَلَى الْأُمَّةِ، إلَّا لِدَلِيلٍ يُخَصِّصُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَطَالَ الْعُلَمَاءُ الْكَلَامَ فِي الْحَدِيثِ، وَاسْتَوْفَاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَزِدْنَاهُ تَحْقِيقًا فِي حَوَاشِيهَا.
[وَعَنْ " عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ] أَيْ الصَّلَاةَ قَائِمًا [فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ] أَيْ وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ الصَّلَاةَ
стр. 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَاعِدًا [فَعَلَى جَنْبٍ، وَإِلَّا] أَيْ وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ الصَّلَاةَ عَلَى جَنْبٍ [فَأَوْمِ]. وَلَمْ نَجِدْهُ فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ مَنْسُوبًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ دُونَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا فَأَوْمِ " وَلِلنَّسَائِيِّ وَزَادَ " فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقٍ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾. وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇ بِلَفْظِ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَسْجُدَ أَوْمِ وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ» وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ مَتْرُوكٌ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْإِيمَاءِ وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ؛ قَالَ: وَلَكِنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «إنْ اسْتَطَعْت وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ؛ وَقَالَ الْبَزَّارُ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ، فَقَالَ: الصَّوَابُ عَنْ " جَابِرٍ " مَوْقُوفًا، وَرَفْعُهُ خَطَأٌ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ " وَابْنِ عَبَّاسٍ " وَفِي إسْنَادَيْهِمَا ضَعْفٌ. الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ قَاعِدًا إلَّا لِعُذْرٍ، وَهُوَ عَدَمُ الِاسْتِطَاعَةِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا إذَا خَشِيَ ضَرَرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وَكَذَا قَوْلُهُ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيُّ:
«فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ فَجَالِسًا؛ فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ فَنَائِمًا» أَيْ مُضْطَجِعًا.
وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الْقُعُودِ تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ وَلَوْ بِالتَّأَلُّمِ يُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ مِنْ قُعُودٍ؛ وَفِيهِ خِلَافٌ؛ وَالْحَدِيثُ مَعَ مَنْ قَالَ إنَّ التَّأَلُّمَ يُبِيحُ ذَلِكَ، وَمِنْ الْمَشَقَّةِ: صَلَاةُ مَنْ يَخَافُ دَوَرَانَ رَأْسِهِ إذَا صَلَّى قَائِمًا فِي السَّفِينَةِ، أَوْ يَخَافُ الْغَرَقَ، أُبِيحَ لَهُ الْقُعُودُ.
هَذَا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحَدِيثُ هَيْئَةَ الْقُعُودِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ، وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِ صِحَّتُهُ عَلَى أَيِّ هَيْئَةٍ شَاءَهَا الْمُصَلِّي، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ وَقَالَ الْهَادِي وَغَيْرُهُ: إنَّهُ يَتَرَبَّعُ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَهَبَ " زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ مِثْلُ قُعُودِ التَّشَهُّدِ، قِيلَ: وَالْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: اُخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ، فَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ التَّرَبُّعُ، وَقِيلَ مُفْتَرِشًا، وَقِيلَ مُتَوَرِّكًا، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا أَحَادِيثُ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " عَلَى جَنْبٍ " الْكَلَامُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ هُنَا كَمَا مَرَّ، وَهُوَ هُنَا مُطْلَقٌ، وَقَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، وَهُوَ حُجَّةُ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ كَتَوَجُّهِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بَعْدَ تَعَذُّرِ الْإِيمَاءِ عَلَى الْجَنْبِ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْمُؤَيَّدِ يَجِبُ الْإِيمَاءُ بِالْعَيْنَيْنِ وَالْحَاجِبَيْنِ، وَعَنْ " زُفَرَ " الْإِيمَاءُ بِالْقَلْبِ؛ وَقِيلَ: يَجِبُ إمْرَارُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ عَلَى اللِّسَانِ، ثُمَّ عَلَى الْقَلْبِ، إلَّا أَنَّ الْكَلِمَةَ لَمْ تَأْتِ فِي الْأَحَادِيثِ؛ وَفِي الْآيَةِ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الذِّكْرِ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ بِدَلِيلٍ آخَرَ؛ فَقَدْ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَى
стр. 293
٣١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: صَلِّ عَلَى الْأَرْضِ إنْ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ.
الْإِطْلَاقِ، وَثَبَتَ «إذَا أُمِرْتُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَإِذَا اسْتَطَاعَ شَيْئًا مِمَّا يُفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ وَجَبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لَهُ.
٣١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: صَلِّ عَلَى الْأَرْضِ إنْ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ. وَعَنْ " جَابِرٍ " ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى بِهَا وَقَالَ: صَلِّ عَلَى الْأَرْضِ إنْ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ] الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ " فَرَمَى بِهَا، وَأَخَذَ عُودًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَرَمَى بِهِ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ وَقَالَ الْبَزَّارُ: لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ رَوَاهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ؛ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ فَقَالَ: الصَّوَابُ عَنْ " جَابِرٍ " مَوْقُوفًا، وَرَفْعُهُ خَطَأٌ؛ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " قَالَ: " عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرِيضًا فَذَكَرَهُ " وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَّخِذُ الْمَرِيضُ مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَذَّرَ سُجُودُهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ أَرْشَدَهُ إلَى أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ فَإِنَّهُ يُومِئُ مِنْ قُعُودٍ لَهُمَا جَاعِلًا الْإِيمَاءَ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، أَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الْقِيَامُ، فَإِنَّهُ يُومِئُ لِلرُّكُوعِ مِنْ قِيَامٍ، ثُمَّ يَقْعُدُ وَيُومِئُ لِلسُّجُودِ مِنْ قُعُودٍ؛ وَقِيلَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُومِئُ لَهُمَا مِنْ قِيَامٍ يَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ، وَقِيلَ يُومِئُ لَهُمَا كِلَيْهِمَا مِنْ الْقُعُودِ، وَيَقُومُ لِلْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيَامُ، وَيُصَلِّي قَاعِدًا، فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا جَازَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقُعُودُ أَوْمَأَ لَهُمَا مِنْ قِيَامٍ.
стр. 294
باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر
٣١١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ. ثُمَّ سَلَّمَ.» أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ وَيَسْجُدُ. وَيَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنْ الْجُلُوسِ
[عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁] تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَرْجَمَتُهُ، وَتَكَرَّرَ عَلَى الشَّارِحِ تَرْجَمَتُهُ فَأَعَادَهَا هُنَا [أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ] بِالْمُثَنَّتَيْنِ التَّحْتِيَّتَيْنِ [وَلَمْ يَجْلِسْ] هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَامَ مِنْ بَابِ: أَقُولُ لَهُ ارْحَلْ لَا تُقِيمَنَّ عِنْدَنَا. [فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ]
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ سَهْوًا يَجْبُرُهُ سُجُودُ السَّهْوِ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَجُبْرَانُهُ هُنَا عِنْدَ تَرْكِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبًا فَإِنَّهُ يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا جَبَرَهُ السُّجُودُ، إذْ حَقُّ الْوَاجِبِ أَنْ يُفْعَلَ بِنَفْسِهِ لَا يُتَمُّ، إذْ يُمْكِنُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ " أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ " وَاجِبٌ، وَلَكِنَّهُ إنْ تُرِكَ سَهْوًا جَبَرَهُ سُجُودُ السَّهْوِ؛ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ: أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ إنْ تُرِكَ سَهْوًا وَقَوْلُهُ: " كَبَّرَ " دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِسُجُودِ السَّهْوِ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ يُكَبِّرُهَا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ صَلَاتِهِ بِالسَّلَامِ مِنْهَا: وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ النَّقْلِ فَلَمْ تُذْكَرْ هُنَا وَلَكِنَّهَا ذُكِرَتْ فِي قَوْلِهِ [وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ] أَيْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ [يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ وَيَسْجُدُ وَيَسْجُدُ مَعَهُ النَّاسُ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ تَكْبِيرِ النَّقْلِ كَمَا سَلَفَ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ [مَكَانَ
стр. 295
٣١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتْ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيت أَمْ قُصِرَتْ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فَقَالَ بَلَى، قَدْ نَسِيت، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: صَلَاةُ الْعَصْرِ - وَلِأَبِي دَاوُد فَقَالَ: " أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ " فَأَوْمَئُوا: أَيْ نَعَمْ وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ
مَا نَسِيَ مِنْ الْجُلُوسِ] كَأَنَّهُ عَرَفَ الصَّحَابِيُّ ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ، فَهَذَا لَفْظٌ مَدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي لَيْسَ حِكَايَةً لِفِعْلِهِ ﷺ الَّذِي شَاهَدَهُ، وَلَا لِقَوْلِهِ ﷺ ، ثُمَّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ مِثْلِ هَذَا السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ؛ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ؛ وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ وَإِنْ تُرِكَ مَا هَذَا حَالُهُ فَإِنَّهُ ﷺ أَقَرَّهُمْ عَلَى مُتَابَعَتِهِ، مَعَ تَرْكِهِمْ لِلتَّشَهُّدِ عَمْدًا، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ تَرَكَ وَتَرَكُوا إلَّا بَعْدَ تَلَبُّسِهِ وَتَلَبُّسِهِمْ بِوَاجِبٍ آخَرَ.
٣١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتْ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيت أَمْ قُصِرَتْ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فَقَالَ بَلَى، قَدْ نَسِيت، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: صَلَاةُ الْعَصْرِ - وَلِأَبِي دَاوُد فَقَالَ: " أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ " فَأَوْمَئُوا: أَيْ نَعَمْ وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ.
[وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ] هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَقَدْ عَيَّنَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهَا الظُّهْرُ، وَفِي أُخْرَى أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَيَأْتِي، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا تَعَدَّدَتْ الْقِصَّةُ. [رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ
стр. 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِي الْقَوْمِ] الْمُصَلِّينَ [أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ] أَيْ بِأَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ [وَخَرَجَ] مِنْ الْمَسْجِدِ سَرَعَانُ النَّاسِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَيُرْوَى بِإِسْكَانِ الرَّاءِ هُمْ الْمُسْرِعُونَ إلَى الْخُرُوجِ، قِيلَ وَبِضَمِّهَا وَسُكُونِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ سَرِيعٍ كَقَفِيزٍ وَقُفْزَانِ [فَقَالُوا: أَقُصِرَتْ] بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ [الصَّلَاةُ] وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ [وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ] أَيْ يُسَمِّيهِ [النَّبِيُّ ﷺ : ذَا الْيَدَيْنِ]. وَفِي رِوَايَةٍ " رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ " الْخِرْبَاقُ بْنُ عَمْرٍو بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ، آخِرُهُ قَافٌ لَقَبُ ذِي الْيَدَيْنِ، لِطُولٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ، وَفِي الصَّحَابَةِ رَجُلٌ آخَرَ يُقَالُ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَوَهَمَ الزُّهْرِيُّ فَجَعَلَ ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشِّمَالَيْنِ وَاحِدًا، وَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ وَهْمَهُ. [فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيت أَمْ قُصِرَتْ الصَّلَاةُ؟] أَيْ شَرَّعَ اللَّهُ قَصْرَ الرُّبَاعِيَّةِ إلَى اثْنَتَيْنِ [فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ] أَيْ فِي ظَنِّي [فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيت، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ]
هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أَطَالَ الْعُلَمَاءُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَتَعَرَّضُوا لِمَبَاحِثَ أُصُولِيَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَكْثَرُهُمْ اسْتِيفَاءً لِذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، ثُمَّ الْمُحَقِّقُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَقَدْ وَفَّيْنَا الْمَقَامَ حَقَّهُ فِي حَوَاشِيهَا، وَالْمُهِمُّ هُنَا الْحُكْمُ الْفَرْعِيُّ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَقَطْعُهَا إذَا كَانَتْ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ التَّمَامِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَهَا وَلَوْ سَلَّمَ التَّسْلِيمَتَيْنِ، وَأَنَّ كَلَامَ النَّاسِي لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَكَذَا كَلَامُ مَنْ ظَنَّ التَّمَامَ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَخِيهِ عُرْوَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَجَمِيعُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ؛ وَقَالَ بِهِ النَّاصِرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْآلِ.
وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: التَّكَلُّمُ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا يُبْطِلُهَا، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّكَلُّمِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالُوا: هُمَا نَاسِخَانِ لِهَذَا الْحَدِيثِ؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ بِمَكَّةَ مُتَقَدِّمًا عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ بِأَعْوَامٍ، وَالْمُتَقَدِّمُ لَا يَنْسَخُ الْمُتَأَخِّرَ؛ وَبِأَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَحَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا عُمُومَانِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ خَاصٌّ مِمَّنْ تَكَلَّمَ ظَانًّا لِتَمَامِ صَلَاتِهِ فَيُخَصُّ بِهِ الْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ، فَتَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ مِنْ غَيْرِ إبْطَالٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ أَيْضًا أَنَّ الْكَلَامَ عَمْدًا لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا كَمَا فِي كَلَامِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَقَوْلُهُ: " فَقَالُوا " يُرِيدُ الصَّحَابَةَ " نَعَمْ " كَمَا فِي رِوَايَةٍ تَأْتِي، فَإِنَّهُ كَلَامُ عَمْدٍ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الِاسْتِفْسَارِ وَالسُّؤَالِ عِنْدَ الشَّكِّ، وَإِجَابَةِ الْمَأْمُومِ، أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ؛
стр. 297
٣١٣ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا
وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ ﷺ تَكَلَّمَ مُعْتَقِدًا لِلتَّمَامِ، وَتَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ مُعْتَقِدِينَ لِلنَّسْخِ، وَظَنُّوا حِينَئِذٍ التَّمَامَ.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَزْمَ بِاعْتِقَادِهِمْ التَّمَامَ مَحَلُّ نَظَرٍ، بَلْ فِيهِمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْقَصْرِ، وَالنِّسْيَانِ وَهُوَ ذُو الْيَدَيْنِ، نَعَمْ سَرَعَانُ النَّاسِ اعْتَقَدُوا الْقَصْرَ، وَلَا يَلْزَمُ اعْتِقَادُ الْجَمِيعِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا عُذْرَ عَنْ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ لِمَنْ يَتَّفِقُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمَا أَحْسَنُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَنَارِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ كَلَامَ الْهَادِي وَدَعْوَاهُ نَسْخَهُ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ رَدَّهُ بِمَا رَدَدْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ أَرْجُوا اللَّهَ لِلْعَبْدِ إذَا لَقِيَ اللَّهَ عَامِلًا لِذَلِكَ أَنْ يُثْبِتَهُ فِي الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: صَحَّ لِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِك، وَلَمْ أَجِدْ مَا يَمْنَعُهُ، وَأَنْ يَنْجُوَ بِذَلِكَ، وَيُثَابُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَأَخَافُ عَلَى الْمُتَكَلِّفِينَ وَعَلَى الْمُجْبَرِينَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ لِلِاسْتِئْنَافِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَحْوَطَ كَمَا تَرَى، لِأَنَّ الْخُرُوجَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مَمْنُوعٌ وَإِبْطَالٌ لِلْعَمَلِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ إذَا وَقَعَتْ سَهْوًا وَظُنَّ التَّمَامُ لَا تَفْسُدُ بِهَا الصَّلَاةُ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةٍ: " أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ إلَى مَنْزِلِهِ " وَفِي أُخْرَى " يَجُرُّ رِدَاءَهُ مُغْضَبًا " وَكَذَلِكَ خُرُوجُ سَرَعَانِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ كَثِيرَةٌ قَطْعًا، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ طَالَ زَمَنُ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ رَبِيعَةَ، وَنُسِبَ إلَى مَالِكٍ، وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ عَنْهُ.
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: يَخْتَصُّ جَوَازُ الْبِنَاءِ إذَا كَانَ الْفَصْلُ بِزَمَنٍ قَرِيبٍ، وَقِيلَ بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ.
وَيَدُلُّ أَيْضًا أَنَّهُ يَجْبُرُ ذَلِكَ سُجُودُ السَّهْوِ وُجُوبًا لِحَدِيثِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَسْبَابِ السَّهْوِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ خِلَافُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَيَأْتِي فِيهِ الْكَلَامُ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الصَّلَاةِ الَّتِي اتَّفَقَتْ فِيهَا الْقِصَّةُ فَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ [وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ] أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ [صَلَاةُ الْعَصْرِ] عِوَضًا عَنْ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى " إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ " [وَلِأَبِي دَاوُد] أَيْ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا [فَقَالَ] أَيْ النَّبِيُّ ﷺ : [أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَأَوْمَئُوا: أَيْ نَعَمْ، وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا] قُلْت: وَهِيَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد بِلَفْظِ: " فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ " وَقَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فَأَوْمَئُوا إلَّا حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ [وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ] أَيْ لِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ [وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ اللَّهُ ذَلِكَ] وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: " وَلَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ حَتَّى يَقَّنَهُ اللَّهُ ذَلِكَ " أَيْ صَيَّرَ تَسْلِيمَهُ عَلَى ثِنْتَيْنِ يَقِينًا عِنْدَهُ إمَّا بِوَحْيٍ، أَوْ تَذَكُّرٍ حَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا مُسْتَنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا.
стр. 298
فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
٣١٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ. ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
[وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ].
فِي سِيَاقِ حَدِيثِ السُّنَنِ أَنَّ هَذَا السَّهْوَ سَهْوُهُ ﷺ الَّذِي فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّ فِيهِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ مَا سَلَفَ مِنْ سِيَاقِ الصَّحِيحَيْنِ إلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ مَا لَفْظُهُ لِمُحَمَّدٍ أَيْ ابْنِ سِيرِينَ الرَّاوِي: سَلَّمَ فِي السَّهْوِ؟ فَقَالَ: لَمْ أَحْفَظْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نُبِّئْت أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ ".
وَفِي السُّنَنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: «سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الْعَصْرِ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ كَانَ طَوِيلَ الْيَدَيْنِ؛ إلَى قَوْلِهِ: فَقَالَ أَصَدَقَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْهَا ثُمَّ سَلَّمَ» انْتَهَى وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَعَدَّدَتْ الْقِصَّةُ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عَقِيبَ الصَّلَاةِ كَمَا تَدُلُّ الْفَاءُ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِالتَّشَهُّدِ، قِيلَ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِهِ، وَلَفْظُ: تَشَهَّدَ، يَدُلُّ أَنَّهُ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: يَكْفِي التَّشَهُّدُ الْأَوْسَطُ، وَاللَّفْظُ فِي الْأَوَّلِ أَظْهَرُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّسْلِيمِ كَمَا تَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لَا الرِّوَايَةُ الَّتِي أَتَى بِهَا الْمُصَنِّفُ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ أَنَّ التَّسْلِيمَ كَانَ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ سَجَدَ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ، ثُمَّ سَلَّمَ تَسْلِيمَ الصَّلَاةِ.
٣١٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ. ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا» فِي رُبَاعِيَّةٍ [شَفَعْنَ] أَيْ السَّجْدَتَانِ [لَهُ صَلَاتَهُ] صَيَّرْنَهَا شَفْعًا لِأَنَّ السَّجْدَتَيْنِ قَامَتَا مَقَامَ رَكْعَةٍ، وَكَأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ الشَّفْعُ،
стр. 299
٣١٥ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْت كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " فَلْيُتِمَّ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ " - وَلِمُسْلِمٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ»
وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الْأَرْبَعِ وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ أَيْ إلْصَاقًا لِأَنْفِهِ بِالرَّغَامِ.: وَالرَّغَامُ: بِزِنَةِ غُرَابٍ: التُّرَابُ، وَإِلْصَاقُ الْأَنْفِ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفُهُ كِنَايَةٌ عَنْ إذْلَالِهِ وَإِهَانَتِهِ، وَالْمُرَادُ إهَانَةُ الشَّيْطَانِ، حَيْثُ لَبَّسَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].:
الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاكَّ فِي صَلَاتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ عِنْدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ؛ وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ إلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعِيدُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا شَكَّ فِي الرَّابِعَةِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ وَالْحَدِيثُ مَعَ الْأَوَّلِينَ، وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ حُكْمَ الشَّاكِّ مُطْلَقًا مُبْتَدَأً كَانَ أَوْ مُبْتَلًى.
وَفَرَّقَ الْهَادَوِيَّةُ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا فِي الْأَوَّلِ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَفِي الثَّانِي يَتَحَرَّى بِالنَّظَرِ فِي الْأَمَارَاتِ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ ظَنُّ التَّمَامِ أَوْ النَّقْصِ عَمِلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ فِي الْأَمَارَاتِ لَا يَحْصُلُ لَهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُ أَنْ يُفِيدَهُ النَّظَرُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُفِدْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا الْإِعَادَةُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَرُدُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ اثْنَتَيْنِ فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً، وَإِذَا لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَجْعَلْهَا ثِنْتَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْجُدْ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ سَجْدَتَيْنِ».
٣١٥ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْت كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " فَلْيُتِمَّ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ " - وَلِمُسْلِمٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ»
стр. 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] أَيْ إحْدَى الرُّبَاعِيَّاتِ خَمْسًا، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: " زَادَ أَوْ نَقَصَ «فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْت كَذَا وَكَذَا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَبَيَّنَ وَجْهَ الْمِثْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ: «أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ؛ فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدٌ فِي صَلَاتِهِ هَلْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ» بِأَنْ يَعْمَلَ بِظَنِّهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الشَّكِّ فِي رَكْعَةٍ أَوْ رُكْنٍ، وَقَدْ فَسَّرَهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ [فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ تَابَعُوهُ ﷺ عَلَى الزِّيَادَةِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الْمُؤْتَمِّ لِلْإِمَامِ فِيمَا ظَنَّهُ وَاجِبًا لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَهَذَا فِي حَقِّ أَصْحَابِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ، لِتَجْوِيزِهِمْ التَّغْيِيرَ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ، فَأَمَّا لَوْ اتَّفَقَ الْآنَ قِيَامُ الْإِمَامِ إلَى الْخَامِسَةِ سَبَّحَ لَهُ مَنْ خَلْفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ انْتَظَرُوهُ قُعُودًا حَتَّى يَتَشَهَّدُوا بِتَشَهُّدِهِ، وَيُسَلِّمُوا بِتَسْلِيمِهِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَالَ يُعْزَلُونَ، بَلْ فَعَلَ مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ ﷺ مَا عَرَفَ سَهْوَهُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ مِنْهَا، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مَحَلِّ سُجُودِ السَّهْوِ، وَاخْتَلَفَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَقْوَالُ الْأَئِمَّةِ، قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأَحَادِيثِ: أَحَادِيثُ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ فَقَدْ تَعَدَّدَتْ: مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟. وَفِيهِ الْأَمْرُ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَوْضِعَهُمَا، وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَحَلَّ السَّجْدَتَيْنِ هَلْ هُوَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ نَعَمْ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ فِيهِ زِيَادَةٌ: " قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ "
؛ وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: مَنْ شَكَّ؛ وَفِيهِ " أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ " وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ: " الْقِيَامُ إلَى الْخَشَبَةِ وَأَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ " وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وَفِيهِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَمَّا وَرَدَتْ هَكَذَا اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَخْذِ بِهَا، فَقَالَ دَاوُد: تُسْتَعْمَلُ فِي مَوَاضِعِهَا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ، وَلَا يُقَاسَ عَلَيْهَا، وَمِثْلُهُ قَالَ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَخَالَفَ فِيمَا سِوَاهَا، فَقَالَ: يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِكُلِّ سَهْوٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ سَهْوٍ إنْ شَاءَ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ شَاءَ قَبْلَ السَّلَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ السُّجُودُ لِلزِّيَادَةِ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ لِنُقْصَانٍ سَجَدَ لَهُ.
وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّة: الْأَصْلُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَتَأَوَّلُوا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي السُّجُودِ قَبْلَهُ، وَسَتَأْتِي أَدِلَّتُهُمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَرُدَّ مَا خَالَفَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِادِّعَائِهِ نَسْخَ
стр. 301
٣١٦ - وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ» وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
٣١٧ - وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ
السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَآخِرُ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ»؛ وَأَيَّدَهُ بِرِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ «أَنَّهُ ﷺ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ» وَصُحْبَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ؛ وَذَهَبَ إلَى مِثْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَفِعْلًا فِيهَا نَوْعُ تَعَارُضٍ، وَتَقَدُّمُ وَتَأَخُّرُ الْبَعْضِ غَيْرُ ثَابِتٍ بِرِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ مَوْصُولَةٍ، حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ، فَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ الْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّة رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ الَّتِي أَفَادَهَا قَوْلُهُ: [وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ] أَيْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ [فَلْيُتِمَّ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ] مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ؛ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ الَّتِي أَفَادَهَا قَوْلُهُ: [وَلِمُسْلِمٍ] أَيْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» مِنْ الصَّلَاةِ [وَالْكَلَامِ] أَيْ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ وَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا أَفَادَهُ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا.
[وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ». وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ].:
فَهَذِهِ أَدِلَّةُ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهُ قَدْ عَارَضَهَا مَا عَرَفْت، فَالْقَوْلُ بِالتَّخْيِيرِ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَمَا عَرَفْت.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَيْنَا «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ»؛ وَرَوَيْنَا «أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ»، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَلَهُمَا شَوَاهِدُ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكَلَامُ، ثُمَّ قَالَ: الْأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.
стр. 302
فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلَا يَعُودُ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
٣١٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ
وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلْيَمْضِ» وَلَا يَعُدْ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ [وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ] لَمْ يُذْكَرْ مَحَلُّهُمَا [فَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ] لِيَأْتِيَ بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ [وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَاللَّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وَذَلِكَ أَنَّ مَدَارَهُ فِي جَمْعِ طُرُقِهِ عَلَى جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد: لَيْسَ فِي كِتَابِي عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ.:
وَفِي " الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إلَّا لِفَوَاتِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَا لِفِعْلِ الْقِيَامِ لِقَوْلِهِ " وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ " وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا جَمَاعَةٌ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَابْنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ " أَنَّهُ تَحَرَّكَ لِلْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ، فَسَبَّحُوا فَقَعَدَ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ " وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْكُلُّ مِنْ فِعْلِ أَنَسٍ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ؛ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ: " هَذِهِ السُّنَّةُ " وَقَدْ رَجَحَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لَا سَهْوَ إلَّا فِي قِيَامٍ عَنْ جُلُوسٍ أَوْ جُلُوسٍ عَنْ قِيَامٍ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَلَكِنْ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الْفِعْلِ الْقَلِيلِ، وَأَفْعَالٌ صَدَرَتْ مِنْهُ ﷺ وَمِنْ غَيْرِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهَا بِسُجُودِ السَّهْوِ؛ وَلَا سَجَدَ لِمَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْهَا.
قُلْت: وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى؛ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ فَسَبَّحَ لَهُ مَنْ خَلْفَهُ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَنَعَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » إلَّا أَنَّ هَذِهِ فِيمَنْ مَضَى بَعْدَ أَنْ يُسَبِّحُوا لَهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَجَدَ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
٣١٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
стр. 303
٣١٩ - وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
[وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ] وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي السُّنَنِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَفِيهِ زِيَادَةُ: «وَإِنْ سَهَا مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سَهْوٌ وَالْإِمَامُ كَافِيهِ» وَالْكُلُّ مِنْ الرِّوَايَاتِ فِيهَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ضَعِيفٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ مَتْرُوكًا.:
وَالْحَدِيثُ دَلِيلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ سُجُودُ السَّهْوِ إذَا سَهَا فِي صَلَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا سَهَا الْإِمَامُ فَقَطْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرُ، وَالْحَنَفِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة، وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَالْمُؤْتَمِّ: وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومَاتِ أَدِلَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ، وَمَعَ عَدَمِ ثُبُوتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْهَادِي.
٣١٩ - وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
[وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ] قَالُوا لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيل بْنَ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ وَخِلَافٌ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: إذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ: يَعْنِي الشَّامِيِّينَ فَصَحِيحٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ الشَّامِيِّينَ، فَتَضْعِيفُ الْحَدِيثِ بِهِ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَسْأَلَتَيْنِ: أَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ الْمُقْتَضِي لِسُجُودِ السَّهْوِ تَعَدَّدَ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ؛ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ السُّجُودُ وَإِنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ سَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ، وَمَشَى نَاسِيًا، وَلَمْ يَسْجُدْ إلَّا سَجْدَتَيْنِ، وَلَئِنْ قِيلَ إنَّ الْقَوْلَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِهِ مِنْ الْفِعْلِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى تَعَدُّدِ السُّجُودِ لِتَعَدُّدِ مُقْتَضِيهِ، بَلْ هُوَ لِلْعُمُومِ لِكُلِّ سَاهٍ، فَيُفِيدُ الْحَدِيثُ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ بِأَيِّ سَهْوٍ كَانَ يُشَرَّعُ لَهُ سَجْدَتَانِ، وَلَا يَخْتَصَّانِ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي سَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا بِالْأَنْوَاعِ الَّتِي سَهَا بِهَا، وَالْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَقُولَ إنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ لَمْ يَقَعْ فِيهِ السَّهْوُ الْمَذْكُورُ حَالَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْكِتَابِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ تَحْقِيقُ الْكَلَامِ.
стр. 304
٣٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾» رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
هَذَا مِنْ أَحَادِيثِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي تَرْجَمَةِ الْمُصَنِّفِ الْمَاضِيَةِ، كَمَا عَرَفْت حَيْثُ قَالَ: بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْوُجُوبِ وَفِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ؛ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَاجِبٌ غَيْرُ فَرْضٍ، ثُمَّ هُوَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ التَّالِي وَالْمُسْتَمِعِ إنْ سَجَدَ التَّالِي، وَقِيلَ: وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ.
فَأَمَّا مَوَاضِعُ السُّجُودِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَسْجُدُ فِيهَا عَدَا الْمُفَصَّلِ، فَيَكُونُ أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَحَلًّا، إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَعُدُّونَ فِي " الْحَجِّ " إلَّا سَجْدَةً، وَاعْتَبَرُوا بِسَجْدَةِ سُورَةِ " صَ " وَالْهَادَوِيَّةُ عَكَسُوا ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ؛ وَقَالَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ يَسْجُدُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، عَدَا سَجْدَتَيْ " الْحَجِّ " وَسَجْدَةِ " صَ ".
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا؟ فَاشْتَرَطَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُشْتَرَطُ؛ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَنْزِلُ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَيُهْرِيقُ الْمَاءَ، ثُمَّ يَرْكَبُ، فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُ وَمَا يَتَوَضَّأُ، وَوَافَقَهُ الشَّعْبِيُّ عَلَى ذَلِكَ؛ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ، وَجَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ.
قُلْت: وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَدِلَّةُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَرَدَتْ لِلصَّلَاةِ، وَالسَّجْدَةُ لَا تُسَمَّى صَلَاةً، فَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَوْقَاتُ الْكَرَاهَةِ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، فَلَا تَشْمَلُ السَّجْدَةَ الْفَرْدَةَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى السُّجُودِ لِلتِّلَاوَةِ فِي الْمُفَصَّلِ وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ رَأَيْت لِابْنِ حَزْمٍ كَلَامًا فِي شَرْحِ الْمُحَلَّى لَفْظُهُ " السُّجُودُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَيْسَ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ صَلَاةً " وَإِذَا كَانَ لَيْسَ صَلَاةً فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا وُضُوءٍ، وَلِلْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، كَسَائِرِ الذِّكْرِ، وَلَا فَرْقَ، إذْ لَا يَلْزَمُ الْوُضُوءُ إلَّا لِلصَّلَاةِ، وَلَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِهِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ.
فَإِنْ قِيلَ: السُّجُودُ مِنْ الصَّلَاةِ وَبَعْضُ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ،، قُلْنَا: وَالتَّكْبِيرُ بَعْضُ الصَّلَاةِ، وَالْجُلُوسُ، وَالْقِيَامُ، وَالسَّلَامُ بَعْضُ الصَّلَاةِ، فَهَلْ يَلْتَزِمُونَ أَنْ لَا يَفْعَلَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ إلَّا وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ؟ هَذَا لَا يَقُولُونَهُ، وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ؛ انْتَهَى.
стр. 305
٣٢١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
٣٢٢ - وَعَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
٣٢٣ - وَعَنْ «زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَرَأْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
[وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]
أَيْ لَيْسَتْ مِمَّا وَرَدَ فِي السُّجُودِ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا تَحْرِيضٌ وَلَا تَخْصِيصٌ وَلَا حَثٌّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ عَنْ دَاوُد ﵇، بِأَنَّهُ فَعَلَهَا وَسَجَدَ نَبِيُّنَا ﷺ فِيهَا اقْتِدَاءً بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْنُونَاتِ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا آكَدَ مِنْ بَعْضٍ؛ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ ﷺ «سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً، وَسَجَدْنَاهَا شُكْرًا».
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇: " إنَّ الْعَزَائِمَ: حم، وَالنَّجْمِ، وَاقْرَأْ، والم تَنْزِيلُ " وَكَذَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ، وَقِيلَ فِي " الْأَعْرَافِ " وَ " سُبْحَانَ "، وَ " حم " وَ " الم "، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. .
[وَعَنْهُ] أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى السُّجُودِ فِي الْمُفَصَّلِ كَمَا أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ خَالَفَ فِيهِ مَالِكٌ وَقَالَ: لَا سُجُودَ لِتِلَاوَةٍ فِي الْمُفَصَّلِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا لَك الْخِلَافَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ مُحْتَجًّا بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ؛ فِيهِ أَبُو قُدَامَةَ وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إيَادِيٌّ بَصْرِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ، وَمُحْتَجًّا أَيْضًا بِقَوْلِهِ:.
[وَعَنْ «زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَرَأْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقِرَاءَتُهُ بِهَا كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ، قَالَ
стр. 306
٣٢٤ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵁ قَالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ
٣٢٥ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَزَادَ: فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ
مَالِكٌ: فَأَيَّدَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ تَارَةً وَفِعْلَهُ تَارَةً دَلِيلٌ السُّنِّيَّةُ، أَوْ لِمَانِعٍ عَارَضَ ذَلِكَ، وَمَعَ ثُبُوتِ حَدِيثِ زَيْدٍ فَهُوَ نَافٍ، وَحَدِيثِ غَيْرِهِ وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُثْبِتٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ.
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵁ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَخَالِدٌ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ الشَّامِيُّ الْكَلَاعِيُّ بِفَتْحِ الْكَافِ، تَابِعِيٌّ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ قَالَ: لَقِيت سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ. [قَالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ؛» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ] كَذَا نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ إلَى مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي سُنَنِهِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِلَفْظِ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا» فَالْعَجَبُ كَيْفَ نَسَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْمَرَاسِيلِ مَعَ وُجُودِهِ فِي سُنَنِهِ مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَصَلَ فِي (٣٢٥) - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَزَادَ: فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. [وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَزَادَ] أَيْ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ [فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا] بِضَمِيرٍ مُفْرَدٍ: أَيْ السُّورَةَ أَوْ آيَةَ السَّجْدَةِ، وَيُرَادُ الْجِنْسُ [وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ] لِأَنَّ فِيهِ ابْنَ لَهِيعَةَ؛ قِيلَ إنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ، وَأَيَّدَهُ الْحَاكِمُ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ صَحَّتْ فِيهِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَمَّارٍ، وَسَاقَهَا مَوْقُوفَةً عَلَيْهِمْ، وَأَكَّدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَاهُ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ.
وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ فِي سُورَةِ " الْحَجِّ " إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأَخِيرَةِ مِنْهَا، وَفِي قَوْلِهِ: " فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا " تَأْكِيدٌ لِشَرْعِيَّةِ السُّجُودِ فِيهَا؛ مَنْ قَالَ بِإِيجَابِهِ فَهُوَ مِنْ أَدِلَّتِهِ، وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ، قَالَ: لِمَا تَرَكَ السُّنَّةَ وَهُوَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ
стр. 307
٣٢٦ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِيهِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ
٣٢٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ فِيهِ لِينٌ.
بِفِعْلِ الْمَنْدُوبِ وَهُوَ الْقُرْآنُ كَانَ الْأَلْيَقُ الِاعْتِنَاءَ بِالْمَسْنُونِ، وَأَنْ لَا يَتْرُكَهُ، فَإِذَا تَرَكَهُ فَالْأَحْسَنُ لَهُ أَنْ لَا يَقْرَأَ السُّورَةَ.
[وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ أَيْ بِآيَتِهِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ أَيْ السُّنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهِ] أَيْ الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ أَيْ لَمْ يَجْعَلْهُ فَرْضًا إلَّا أَنْ نَشَاءَ. وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ].
فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَرَى وُجُوبَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ " إلَّا أَنْ نَشَاءَ " أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي السُّجُودِ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ، لِأَنَّهُ مُخَرَّجٌ مِنْ بَعْضِ حَالَاتِ عَدَمِ فَرْضِيَّةِ السُّجُودِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالْمُرَادُ: وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى مَشِيئَتِنَا.
[وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ لَيِّنٍ] لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُكَبَّرِ الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُصَغَّرِ - وَهُوَ ثِقَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّكْبِيرِ، وَأَنَّهُ مَشْرُوعٌ، وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: يُعْجِبُهُ لِأَنَّهُ كَبَّرَ؛ وَهَلْ هُوَ تَكْبِيرُ الِافْتِتَاحِ أَوْ النَّقْلِ؟ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَلَكِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِهَا عَنْ تَكْبِيرَةِ النَّقْلِ، لِعَدَمِ ذِكْرِ تَكْبِيرَةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ: يُكَبِّرُ لَهُ، وَعَدَمُ الذِّكْرِ لَيْسَ دَلِيلًا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ قِيَاسًا لِلتَّحْلِيلِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئ هَذَا الْقِيَاسُ فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِلسَّامِعِ، لِقَوْلِهِ: وَسَجَدْنَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَا مُصَلِّيَيْنِ مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الصَّلَاةِ؛ وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ: إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَخَّرَهَا حَتَّى يُسَلِّمَ؛ قَالُوا: لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ فَتُفْسِدُهَا، وَلَمَّا رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 308
٣٢٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إذَا جَاءَهُ خَبَرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ
٣٢٩ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: «سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَطَالَ
- ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ»، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
قَالُوا: وَيُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ نَافِلَةً، لِأَنَّ النَّافِلَةَ مُخَفَّفٌ فِيهَا.
وَأُجِيبَ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَفْهُومِ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ " الِانْشِقَاقِ " فِي الصَّلَاةِ، وَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، وَكَذَلِكَ سُورَةُ " تَنْزِيلِ " السَّجْدَةِ، قَرَأَ بِهَا وَسَجَدَ فِيهَا؛ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد؛ وَالْحَاكِمُ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ ﷺ سَجَدَ فِي الظُّهْرِ فَرَأَى أَصْحَابَهُ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فَسَجَدُوهَا».
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ الذِّكْرُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ بِأَنْ يَقُولَ: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: " ثَلَاثًا "، وَزَادَ الْحَاكِمُ فِي آخِرِهِ " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد».
[وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ].
هَذَا مَا شَمَلَتْهُ التَّرْجَمَةُ بِقَوْلِهِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ سُجُودِ الشُّكْرِ، وَذَهَبَ إلَى شَرْعِيَّتِهِ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَرِوَايَةٍ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَا نَدْبَ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِلْأَوَّلِينَ، «وَقَدْ سَجَدَ ﷺ فِي آيَةِ ص وَقَالَ: هِيَ لَنَا شُكْرٌ».
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُشْتَرَطُ لَهَا الطَّهَارَةُ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: يُشْتَرَطُ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ كَمَا قَدَّمْنَا: وَقَالَ الْمَهْدِيُّ: إنَّهُ يُكَبِّرُ لِسُجُودِ الشُّكْرِ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: وَلَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ فِي الصَّلَاةِ قَوْلًا وَاحِدًا إذْ لَيْسَ مِنْ تَوَابِعِهَا.
قِيلَ: وَمُقْتَضَى شَرْعِيَّتِهِ حُدُوثُ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعُ مَكْرُوهٍ؛ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ.
٣٢٩ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: «سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْت لِلَّهِ شُكْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
стр. 309
السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْت لِلَّهِ شُكْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
٣٣٠ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ بِإِسْلَامِهِمْ فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: «سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي» وَجَاءَ تَفْسِيرُ الْبُشْرَى بِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ طُرُقٍ [فَسَجَدْت لِلَّهِ شُكْرًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ]. أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ ؛ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَجَرِيرٍ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ. .
٣٣٠ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ بِإِسْلَامِهِمْ فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.
[وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ بِإِسْلَامِهِمْ؛ فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ»؛ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ].
وَفِي مَعْنَاهُ سُجُودُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ " لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْعِيَّةَ ذَلِكَ كَانَتْ مُتَقَرِّرَةً عِنْدَهُمْ.
стр. 310
باب صلاة التطوع
٣٣١ - عَنْ «رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : سَلْ، فَقُلْت: أَسْأَلُك مُرَافَقَتَك فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقُلْت: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٣٣٢ - وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظْت مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ
أَيْ صَلَاةُ الْعَبْدِ التَّطَوُّعَ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ وَحُذِفَ فَاعِلُهُ.
فِي الْقَامُوسِ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ: النَّافِلَةُ.
عَنْ «رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : سَلْ، فَقُلْت: أَسْأَلُك مُرَافَقَتَك فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقُلْت: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيّ ﵁) هُوَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ كَانَ خَادِمًا لِرَسُولِ اللَّهَ ﷺ صَحِبَهُ قَدِيمًا وَلَازَمَهُ حَضَرًا وَسَفَرًا مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو فِرَاسٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ فَرَاءٌ آخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ سَلْ فَقُلْت أَسْأَلُك مُرَافَقَتَك فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْت هُوَ ذَاكَ قَالَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِك» أَيْ عَلَى نَيْلِ مُرَادِ نَفْسِك (بِكَثْرَةِ السُّجُودِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) حَمَلَ الْمُصَنِّفُ السُّجُودَ عَلَى الصَّلَاةِ نَفْلًا فَجَعَلَ الْحَدِيثَ دَلِيلًا عَلَى التَّطَوُّعِ وَكَأَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ الْحَقِيقَةِ كَوْنُ السُّجُودِ بِغَيْرِ صَلَاةٍ غَيْرَ مُرْغَبٍ فِيهِ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَالسُّجُودُ وَإِنْ كَانَ يَصْدُقُ عَلَى الْفَرْضِ لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْفَرَائِضِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنَّمَا أَرْشَدَهُ ﷺ إلَى شَيْءٍ يَخْتَصُّ بِهِ يَنَالُ بِهِ مَا طَلَبَهُ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَمَالِ إيمَانِ الْمَذْكُورِ وَسُمُوِّ هِمَّتِهِ إلَى أَشْرَفِ الْمَطَالِبِ وَأَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَعَزْفِ نَفْسِهِ عَنْ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا.
وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مِثْلَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُرْشِدْهُ ﷺ إلَى نَيْلِ مَا طَلَبَهُ إلَّا بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ مَطْلُوبَهُ أَشْرَفُ الْمَطَالِبِ.
стр. 311
رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ - وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ»
٣٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ - وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ».
وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ حَفِظْت مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ» هَذَا إجْمَالٌ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ «رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ» تَقْيِيدُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِي الْمَسْجِدِ " وَكَذَلِكَ " قَوْلُهُ «وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ» لَمْ يُقَيِّدْهُمَا مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا ﷺ فِي بَيْتِهِ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ التَّقْيِيدَ لِشُهْرَةِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا «وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ» فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَشْرَ رَكَعَاتٍ نَظَرًا إلَى التَّكْرَارِ كُلَّ يَوْمٍ (وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ»
هُمَا الْمَعْدُودَتَانِ فِي الْعَشْرِ وَإِنَّمَا أَفَادَ لَفْظُ مُسْلِمٍ خِفَّتَهُمَا، وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِهِ سِوَاهُمَا وَتَخْفِيفُهُمَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " حَتَّى أَقُولَ أَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ " يَأْتِي قَرِيبًا.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ النَّوَافِلَ لِلصَّلَاةِ وَقَدْ قِيلَ فِي حِكْمَةِ شَرْعِيَّتِهَا: إنَّ ذَلِكَ لِيَكُونَ مَا بَعْدَ الْفَرِيضَةِ جَبْرًا لِمَا فَرَّطَ فِيهَا مِنْ آدَابِهَا وَمَا قَبْلَهَا لِذَلِكَ، وَلِيَدْخُلَ فِي الْفَرِيضَةِ، وَقَدْ انْشَرَحَ صَدْرُهُ لِلْإِتْيَانِ بِهَا وَأَقْبَلَ قَلْبُهُ عَلَى فِعْلِهَا (قُلْت) قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَتُكْمِلُونَ بِهَا فَرِيضَتَهُ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ» انْتَهَى وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا قِيلَ مِنْ حِكْمَةِ شَرْعِيَّتِهَا وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «إنَّهُ لَا يُصَلَّى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْهِ» قَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَرَى كَرَاهَةَ النَّفْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ.
٣٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
стр. 312
٣٣٤ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٣٣٥ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَفِي رِوَايَةٍ " تَطَوُّعًا ".
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) لَا يُنَافِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلِمَتْهَا عَائِشَةُ وَلَمْ يَعْلَمْهَا ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا مِنْ الْأَرْبَعِ وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهِمَا مَثْنَى وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ شَاهَدَ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهَا أَرْبَعًا مُتَّصِلَةً وَيُؤَيِّدُ هَذَا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ «أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ» وَحَدِيثُ أَنَسٍ «أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ كَعَدْلِهِنَّ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ كَعَدْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ
وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَبْلَ الظُّهْرِ سِتُّ رَكَعَاتٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ تَارَةً وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا وَعَنْهَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ وَتَارَةً يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَعَنْهُمَا أَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ.
وَلِمُسْلِمٍ «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
(وَعَنْهَا) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَعَاهُدًا أَيْ مُحَافَظَةً وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتْرُكُهُمَا حَضَرًا وَلَا سَفَرًا وَقَدْ حُكِيَ وُجُوبُهُمَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
أَيْ أَجْرُهُمَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ بِالدُّنْيَا الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا أَثَاثُهَا وَمَتَاعُهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي فِعْلِهِمَا وَأَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِوَاجِبَتَيْنِ إذْ لَمْ يَذْكُرْ الْعِقَابَ فِي تَرْكِهِمَا بَلْ الثَّوَابُ فِي فِعْلِهِمَا.
стр. 313
وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَزَادَ «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» - وَلِلْخَمْسَةِ عَنْهَا «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». .
٣٣٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ.
(وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْمِهَا وَتَرْجَمَتِهَا (قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " مَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ " كَأَنَّ الْمُرَادَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ وَلَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي (بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) وَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ) أَيْ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ (تَطَوُّعًا) تَمْيِيزٌ لِلِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ زِيَادَةٌ فِي الْبَيَانِ وَإِلَّا فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ (وَلِلتِّرْمِذِيِّ) أَيْ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ (نَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ (وَزَادَ) تَفْصِيلَ مَا أَجْمَلَتْهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ (أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ) هِيَ الَّتِي ذَكَرَتْهَا عَائِشَةُ فِي حَدِيثِهَا السَّابِقِ (وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا) هِيَ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) هِيَ الَّتِي قَيَّدَهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِفِي بَيْتِهِ (وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ) هِيَ الَّتِي قَيَّدَهَا أَيْضًا بِفِي بَيْتِهِ (وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ) هُمَا اللَّتَانِ اتَّفَقَ عَلَيْهِمَا ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ فِي حَدِيثَيْهِمَا السَّابِقَيْنِ (وَلِلْخَمْسَةِ عَنْهَا) أَيْ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ (مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا) يُحْتَمَلُ أَنَّهَا غَيْرُ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ سَابِقًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْبَعٌ فِيهَا الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ مَرَّ ذِكْرُهُمَا (حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ)
أَيْ مَنَعَهُ عَنْ دُخُولِهَا كَمَا يُمْنَعُ الشَّيْءُ الْمُحَرَّمُ مِمَّنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ» هَذِهِ الْأَرْبَعُ لَمْ تُذْكَرْ فِيمَا سَلَفَ مِنْ النَّوَافِلِ فَإِذَا ضُمَّتْ إلَى حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ الَّذِي عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ كَانَتْ النَّوَافِلُ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً (رَوَاهُ
стр. 314
٣٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ» كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
٣٣٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا».
أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ
) وَأَمَّا صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ فَقَطْ فَيَشْمَلُهُمَا حَدِيثُ «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ».
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ».
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَفْتُوحَةً هُوَ أَبُو سَعِيدٍ فِي الْأَشْهَرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلِ بْنِ غُنْمٍ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ سَكَنَ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْبَصْرَةِ وَابْتَنَى بِهَا دَارًا وَكَانَ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ عُمَرُ إلَى الْبَصْرَةِ يُفَقِّهُونَ النَّاسَ، وَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بِهَا سَنَةَ سِتِّينَ، وَقِيلَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ» أَيْ لِكَرَاهِيَةِ (أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً) أَيْ طَرِيقَةً مَأْلُوفَةً لَا يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا فَقَدْ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ أَوَّلِ الْوَقْتِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
) وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُنْدَبُ الصَّلَاةُ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إذْ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ " قَبْلَ الْمَغْرِبِ " لَا أَنَّ الْمُرَادَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ (وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» فَثَبَتَ شَرْعِيَّتَهُمَا بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
٣٣٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا».
(وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرَانَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا) فَتَكُونُ ثَابِتَةً بِالتَّقْرِيرِ أَيْضًا فَثَبَتَتْ هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ بِأَقْسَامِ السُّنَّةِ الثَّلَاثَةِ وَلَعَلَّ أَنَسًا لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ الْأَمْرُ بِهِمَا وَبِهَذِهِ تَكُونُ النَّوَافِلُ
стр. 315
٣٣٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ»؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٣٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
عِشْرِينَ رَكْعَةً تُضَافُ إلَى الْفَرَائِضِ وَهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً فَيَتِمُّ لِمَنْ حَافَظَ عَلَى هَذِهِ النَّوَافِلِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً وَثَلَاثُ رَكَعَاتِ الْوِتْرِ تَكُونُ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: ثَبَتَ أَنَّهُ «كَانَ ﷺ يُحَافِظُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ رَكْعَةً» سَبْعَ عَشْرَةَ الْفَرَائِضِ، وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ الَّتِي رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَإِحْدَى عَشْرَةَ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَكَانَتْ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً انْتَهَى وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَلَغَ عَدَدُ مَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ النَّوَافِلِ غَيْرَ الْوِتْرِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ إنْ جَعَلْنَا الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهُ دَاخِلَةً تَحْتَهَا الِاثْنَتَانِ اللَّتَانِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَيُزَادُ مَا فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ فَالْجَمِيعُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ رَكْعَةً مِنْ دُونِ الْوِتْرِ وَالْفَرَائِضِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ» أَيْ نَافِلَةَ الْفَجْرِ (حَتَّى إنِّي أَقُولُ -: أَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ) يَعْنِي أَمْ لَا لِتَخْفِيفِهِ قِيَامَهُمَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَإِلَى تَخْفِيفِهِمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَيَأْتِي تَعْيِينُ قَدْرِ مَا يُقْرَأُ فِيهِمَا وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى تَطْوِيلِهِمَا وَنُقِلَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَأَوْرَدَ فِيهِ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثًا مُرْسَلًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَفِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ وَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ لَا يُعَارِضُهُ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» أَيْ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «قَرَأَ الْآيَتَيْنِ أَيْ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ - إلَى آخِرِ الْآيَةِ فِي الْبَقَرَةِ - عِوَضًا عَنْ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾
стр. 316
٣٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
٣٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى
الْآيَةُ فِي آلِ عِمْرَانَ - عِوَضًا عَنْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى آيَةٍ مِنْ وَسَطِ السُّورَةِ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
) الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الضَّجْعَةِ بَيْنَ مُفْرِطٍ وَمُفَرِّطٍ وَمُتَوَسِّطٍ فَأَفْرَطَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فَقَالُوا بِوُجُوبِهَا وَأَبْطَلُوا صَلَاةَ الْفَجْرِ بِتَرْكِهَا وَذَلِكَ لِفِعْلِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِحَدِيثِ الْأَمْرِ بِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ وَفِي حِفْظِهِ مَقَالٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ إلَّا أَنَّهُ صَرَفَ الْأَمْرَ عَنْ الْوُجُوبِ مَا وَرَدَ مِنْ عَدَمِ مُدَاوَمَتِهِ ﷺ عَلَى فِعْلِهَا.
وَفَرَّطَ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا بِكَرَاهَتِهَا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَقُولُ " كَفَى بِالتَّسْلِيمِ " أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَبِأَنَّهُ كَانَ يَحْصِبُ مَنْ يَفْعَلُهَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ " مَا بَالُ الرَّجُلِ إذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ تَمَعَّكَ كَمَا يَتَمَعَّكُ الْحِمَارُ.
" وَتَوَسَّطَ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَرَوْا بِهَا بَأْسًا لِمَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً وَكَرِهُوهَا لِمَنْ فَعَلَهَا اسْتِنَانًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ فَعَلَهَا اسْتِرَاحَةً أَمْ لَا.
قِيلَ وَقَدْ شُرِعَتْ لِمَنْ يَتَهَجَّدُ مِنْ اللَّيْلِ لِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَضْطَجِعْ لِسُنَّةٍ لَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ لَيْلَهُ فَيَضْطَجِعُ لِيَسْتَرِيحَ مِنْهُ» وَفِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قُلْت: وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَوْ صَحَّ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ فَهْمِهَا، وَعَدَمُ اسْتِمْرَارِهِ ﷺ عَلَيْهَا دَلِيلُ سُنِّيَّتِهَا ثُمَّ إنَّهُ يُسَنُّ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْأَيْمَنِ فَإِنَّهُ يُومِئُ وَلَا يَضْطَجِعُ عَلَى الْأَيْسَرِ.
٣٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى
стр. 317
أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٣٤٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ
) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ وَأَنَّهُ كَانَ ﷺ يَفْعَلُهَا وَهَذِهِ رِوَايَةٌ فِي الْأَمْرِ بِهَا وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ الْإِيجَابِ مَا عَرَفْتَ، وَعَرَفْتَ كَلَامَ النَّاسِ فِيهِ.
وَلِلْخَمْسَةِ - وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ - بِلَفْظِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى» وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا خَطَأٌ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَافِلَةِ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَيُسَلِّمْ عَلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْحَدِيثِ الْحَصْرُ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ مَا صَلَاةُ اللَّيْلِ إلَّا مَثْنَى مَثْنَى؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُبْتَدَأِ قَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ عَلَى الْأَغْلَبِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ وَقَعَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْحَصْرِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ فَقَدْ عَارَضَهُ فِعْلُهُ ﷺ وَهُوَ ثُبُوتُ إيتَارِهِ بِخَمْسٍ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَالْفِعْلُ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْحَصْرِ وَقَوْلُهُ «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوتَرُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا لِخَشْيَةِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِلَّا أَوْتَرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ نَحْوِهَا لَا بِثَلَاثٍ لِلنَّهْيِ عَنْ الثَّلَاثِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ بِسَبْعٍ أَوْ بِتِسْعٍ أَوْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ» زَادَ الْحَاكِمُ «وَلَا تُوتِرُوا لَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» قَالَ الْمُصَنِّفُ وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَلَا يَضُرُّهُ وَقْفُ مَنْ وَقَفَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ.
وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الثَّلَاثِ إذَا كَانَ يَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ،؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَغْرِبَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ إلَّا فِي آخِرِهَا فَلَا يُشْبِهُ الْمَغْرِبَ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ
стр. 318
٣٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(
قَدْ أَيَّدَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالْحَاكِمِ «كَانَ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرَتِهِنَّ» وَلَفْظُ أَحْمَدَ «كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ» وَلَفْظُ الْحَاكِمِ " لَا يَقْعُدُ " هَذَا وَأَمَّا مَفْهُومُ أَنَّهُ لَا يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ إلَّا لِخَشْيَةِ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ هَذَا فَإِنَّهُ فِيهِ «وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» وَهُوَ أَقْوَى مِنْ مَفْهُومِ حَدِيثِ الْكِتَابِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا (وَلِلْخَمْسَةِ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَقَالَ النَّسَائِيّ هَذَا خَطَأٌ) أَخْرَجَهُ الْمَذْكُورُونَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ الْأَزْدِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِدُونِ ذِكْرِ النَّهَارِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ عَلِيٍّ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ يُضَعِّفُ حَدِيثَهُ هَذَا وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ وَيَقُولُ إنَّ نَافِعًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ وَجَمَاعَةً رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِدُونِ ذِكْرِ النَّهَارِ وَرَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعٌ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُنَّ فَقِيلَ لَهُ فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى قَالَ: بِأَيِّ حَدِيثٍ؟ قِيلَ: بِحَدِيثِ الْأَزْدِيِّ قَالَ وَمَنْ الْأَزْدِيُّ حَتَّى أَقْبَلَ مِنْهُ. قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي خَطَأٌ وَكَذَا قَالَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ: ذِكْرُ النَّهَارِ فِيهِ وَهْمٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ طَاوُسٌ وَنَافِعٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ فِيهِ النَّهَارَ إلَّا أَنَّ سَبِيلَ الزِّيَادَةِ مِنْ الثِّقَةِ أَنْ تُقْبَلَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ: وَالْبَارِقِيُّ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّلْخِيصِ.
فَانْظُرْ إلَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا اخْتِلَافًا شَدِيدًا وَلَعَلَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُخَيَّرُ فِي النَّهَارِ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ثَمَانِيَةَ أَحَادِيثَ فِي «صَلَاةُ النَّهَارِ رَكْعَتَانِ».
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ) فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ (صَلَاةُ اللَّيْلِ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِاللَّيْلِ جَوْفَهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ إلَّا الْبُخَارِيَّ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قَالَ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ
стр. 319
٣٤٥ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثِ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ وَقْفَهُ
وَصَحَّحَهُ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي دَاوُد «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ قَالَ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَصَلِّ مَا شِئْت فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ مَكْتُوبَةٌ مَشْهُودَةٌ» وَالْمُرَادُ مِنْ جَوْفِهِ الْآخِرِ هُوَ الثُّلُثُ الْآخِرُ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ.
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» هُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ» قَدْ قَدَّمْنَا الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا عَارَضَهُ (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ) مِنْ دُونِ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهَا غَيْرَهَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (فَلْيَفْعَلْ " رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ وَقْفَهُ) وَكَذَا صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَالذُّهْلِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقْفَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ الصَّوَابُ قُلْت: وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ إذْ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ أَيْ فِي الْمَقَادِيرِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ الْوِتْرِ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، وَإِلَى وُجُوبِهِ ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ «الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَيَأْتِي لَفْظُهُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ «إنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِحَتْمٍ وَلَا كَصَلَاتِكُمْ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْتَرَ وَقَالَ يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَذَكَرَ الْمَجْدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ رَوَى حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ بِلَفْظِ «الْوِتْرُ حَقٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ» وَبِحَدِيثِ «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ» وَعَدَّ مِنْهَا الْوِتْرَ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَلَهُ مُتَابَعَاتٌ يَتَأَيَّدُ بِهَا، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْإِيجَابِ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْأَصَحَّ وَقْفُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَبَقَ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمَرْفُوعِ فَهُوَ لَا يُقَاوِمُ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ، وَالْإِيجَابُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَسْنُونِ تَأْكِيدًا كَمَا سَلَفَ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَقَوْلُهُ (بِخَمْسٍ وَبِثَلَاثٍ) أَيْ وَلَا يَقْعُدُ إلَّا فِي آخِرِهَا وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْخَمْسِ
стр. 320
٣٤٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَيْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
٣٤٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنْ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.
قَوْلُهُ (بِوَاحِدَةٍ) ظَاهِرُهُ مُقْتَصَرًا عَلَيْهَا، وَقَدْ رُوِيَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ " أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَيْلَةً فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا " وَرَوَى الْبُخَارِيُّ " أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اسْتَصْوَبَهُ ".
(وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ " لَيْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَتِهِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ النَّسَائِيّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي الْخَيْمِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى بُلُوغِ الْمَرَامِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي - التَّلْخِيصِ بَلْ ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ فَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ نَقَلَ الْقَاضِي ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّقْرِيبِ مَا لَفْظُهُ: عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ السَّلُولِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ مِنْ السَّادِسَةِ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ.
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنْ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ وَقَالَ إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ) أَبْعَدَ الْمُصَنِّفُ النُّجْعَةَ، وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ إلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ " أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَفْظُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ قَدْ رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» هَذَا، وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ بِقُرْبٍ مِنْ هَذَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَشْكَلَ التَّعْلِيلُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ بِخَشْيَةِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَيْهِمْ
следующие страницы →