← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٣٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ٣٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى الْآيَةُ فِي آلِ عِمْرَانَ - عِوَضًا عَنْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى آيَةٍ مِنْ وَسَطِ السُّورَةِ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ) الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الضَّجْعَةِ بَيْنَ مُفْرِطٍ وَمُفَرِّطٍ وَمُتَوَسِّطٍ فَأَفْرَطَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فَقَالُوا بِوُجُوبِهَا وَأَبْطَلُوا صَلَاةَ الْفَجْرِ بِتَرْكِهَا وَذَلِكَ لِفِعْلِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِحَدِيثِ الْأَمْرِ بِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ وَفِي حِفْظِهِ مَقَالٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ إلَّا أَنَّهُ صَرَفَ الْأَمْرَ عَنْ الْوُجُوبِ مَا وَرَدَ مِنْ عَدَمِ مُدَاوَمَتِهِ ﷺ عَلَى فِعْلِهَا. وَفَرَّطَ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا بِكَرَاهَتِهَا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَقُولُ " كَفَى بِالتَّسْلِيمِ " أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَبِأَنَّهُ كَانَ يَحْصِبُ مَنْ يَفْعَلُهَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ " مَا بَالُ الرَّجُلِ إذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ تَمَعَّكَ كَمَا يَتَمَعَّكُ الْحِمَارُ. " وَتَوَسَّطَ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَرَوْا بِهَا بَأْسًا لِمَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً وَكَرِهُوهَا لِمَنْ فَعَلَهَا اسْتِنَانًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ فَعَلَهَا اسْتِرَاحَةً أَمْ لَا. قِيلَ وَقَدْ شُرِعَتْ لِمَنْ يَتَهَجَّدُ مِنْ اللَّيْلِ لِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَضْطَجِعْ لِسُنَّةٍ لَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ لَيْلَهُ فَيَضْطَجِعُ لِيَسْتَرِيحَ مِنْهُ» وَفِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قُلْت: وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَوْ صَحَّ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ فَهْمِهَا، وَعَدَمُ اسْتِمْرَارِهِ ﷺ عَلَيْهَا دَلِيلُ سُنِّيَّتِهَا ثُمَّ إنَّهُ يُسَنُّ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْأَيْمَنِ فَإِنَّهُ يُومِئُ وَلَا يَضْطَجِعُ عَلَى الْأَيْسَرِ. ٣٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى

стр. 317

أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. ٣٤٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ وَأَنَّهُ كَانَ ﷺ يَفْعَلُهَا وَهَذِهِ رِوَايَةٌ فِي الْأَمْرِ بِهَا وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ الْإِيجَابِ مَا عَرَفْتَ، وَعَرَفْتَ كَلَامَ النَّاسِ فِيهِ. وَلِلْخَمْسَةِ - وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ - بِلَفْظِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى» وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا خَطَأٌ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَافِلَةِ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَيُسَلِّمْ عَلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْحَدِيثِ الْحَصْرُ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ مَا صَلَاةُ اللَّيْلِ إلَّا مَثْنَى مَثْنَى؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُبْتَدَأِ قَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ عَلَى الْأَغْلَبِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ وَقَعَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْحَصْرِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ فَقَدْ عَارَضَهُ فِعْلُهُ ﷺ وَهُوَ ثُبُوتُ إيتَارِهِ بِخَمْسٍ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَالْفِعْلُ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْحَصْرِ وَقَوْلُهُ «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوتَرُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا لِخَشْيَةِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِلَّا أَوْتَرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ نَحْوِهَا لَا بِثَلَاثٍ لِلنَّهْيِ عَنْ الثَّلَاثِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ بِسَبْعٍ أَوْ بِتِسْعٍ أَوْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ» زَادَ الْحَاكِمُ «وَلَا تُوتِرُوا لَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» قَالَ الْمُصَنِّفُ وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَلَا يَضُرُّهُ وَقْفُ مَنْ وَقَفَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ. وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الثَّلَاثِ إذَا كَانَ يَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ،؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَغْرِبَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ إلَّا فِي آخِرِهَا فَلَا يُشْبِهُ الْمَغْرِبَ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ

стр. 318

٣٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ( قَدْ أَيَّدَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالْحَاكِمِ «كَانَ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرَتِهِنَّ» وَلَفْظُ أَحْمَدَ «كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ» وَلَفْظُ الْحَاكِمِ " لَا يَقْعُدُ " هَذَا وَأَمَّا مَفْهُومُ أَنَّهُ لَا يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ إلَّا لِخَشْيَةِ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ هَذَا فَإِنَّهُ فِيهِ «وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» وَهُوَ أَقْوَى مِنْ مَفْهُومِ حَدِيثِ الْكِتَابِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا (وَلِلْخَمْسَةِ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَقَالَ النَّسَائِيّ هَذَا خَطَأٌ) أَخْرَجَهُ الْمَذْكُورُونَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ الْأَزْدِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِدُونِ ذِكْرِ النَّهَارِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ عَلِيٍّ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ يُضَعِّفُ حَدِيثَهُ هَذَا وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ وَيَقُولُ إنَّ نَافِعًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ وَجَمَاعَةً رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِدُونِ ذِكْرِ النَّهَارِ وَرَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعٌ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُنَّ فَقِيلَ لَهُ فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى قَالَ: بِأَيِّ حَدِيثٍ؟ قِيلَ: بِحَدِيثِ الْأَزْدِيِّ قَالَ وَمَنْ الْأَزْدِيُّ حَتَّى أَقْبَلَ مِنْهُ. قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي خَطَأٌ وَكَذَا قَالَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ: ذِكْرُ النَّهَارِ فِيهِ وَهْمٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ طَاوُسٌ وَنَافِعٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ فِيهِ النَّهَارَ إلَّا أَنَّ سَبِيلَ الزِّيَادَةِ مِنْ الثِّقَةِ أَنْ تُقْبَلَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ: وَالْبَارِقِيُّ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّلْخِيصِ. فَانْظُرْ إلَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا اخْتِلَافًا شَدِيدًا وَلَعَلَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُخَيَّرُ فِي النَّهَارِ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ثَمَانِيَةَ أَحَادِيثَ فِي «صَلَاةُ النَّهَارِ رَكْعَتَانِ». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ) فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ (صَلَاةُ اللَّيْلِ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِاللَّيْلِ جَوْفَهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ إلَّا الْبُخَارِيَّ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قَالَ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ

стр. 319

٣٤٥ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثِ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ وَقْفَهُ وَصَحَّحَهُ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي دَاوُد «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ قَالَ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَصَلِّ مَا شِئْت فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ مَكْتُوبَةٌ مَشْهُودَةٌ» وَالْمُرَادُ مِنْ جَوْفِهِ الْآخِرِ هُوَ الثُّلُثُ الْآخِرُ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» هُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ» قَدْ قَدَّمْنَا الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا عَارَضَهُ (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ) مِنْ دُونِ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهَا غَيْرَهَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (فَلْيَفْعَلْ " رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ وَقْفَهُ) وَكَذَا صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَالذُّهْلِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقْفَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ الصَّوَابُ قُلْت: وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ إذْ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ أَيْ فِي الْمَقَادِيرِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ الْوِتْرِ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، وَإِلَى وُجُوبِهِ ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ «الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَيَأْتِي لَفْظُهُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ «إنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِحَتْمٍ وَلَا كَصَلَاتِكُمْ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْتَرَ وَقَالَ يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَذَكَرَ الْمَجْدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ رَوَى حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ بِلَفْظِ «الْوِتْرُ حَقٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ» وَبِحَدِيثِ «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ» وَعَدَّ مِنْهَا الْوِتْرَ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَلَهُ مُتَابَعَاتٌ يَتَأَيَّدُ بِهَا، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْإِيجَابِ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْأَصَحَّ وَقْفُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَبَقَ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمَرْفُوعِ فَهُوَ لَا يُقَاوِمُ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ، وَالْإِيجَابُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَسْنُونِ تَأْكِيدًا كَمَا سَلَفَ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَقَوْلُهُ (بِخَمْسٍ وَبِثَلَاثٍ) أَيْ وَلَا يَقْعُدُ إلَّا فِي آخِرِهَا وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْخَمْسِ

стр. 320

٣٤٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَيْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ٣٤٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنْ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. قَوْلُهُ (بِوَاحِدَةٍ) ظَاهِرُهُ مُقْتَصَرًا عَلَيْهَا، وَقَدْ رُوِيَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ " أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَيْلَةً فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا " وَرَوَى الْبُخَارِيُّ " أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اسْتَصْوَبَهُ ". (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ " لَيْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَتِهِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ النَّسَائِيّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي الْخَيْمِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى بُلُوغِ الْمَرَامِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي - التَّلْخِيصِ بَلْ ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ فَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ نَقَلَ الْقَاضِي ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّقْرِيبِ مَا لَفْظُهُ: عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ السَّلُولِيُّ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ مِنْ السَّادِسَةِ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنْ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ وَقَالَ إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ) أَبْعَدَ الْمُصَنِّفُ النُّجْعَةَ، وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ إلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ " أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَفْظُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ قَدْ رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» هَذَا، وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ بِقُرْبٍ مِنْ هَذَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَشْكَلَ التَّعْلِيلُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ بِخَشْيَةِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَيْهِمْ

стр. 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مَعَ ثُبُوتِ حَدِيثِ " هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " فَإِذَا أُمِنَ التَّبْدِيلُ كَيْفَ يَقَعُ الْخَوْفُ مِنْ الزِّيَادَةِ وَقَدْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ أَجْوِبَةً كَثِيرَةً وَزَيَّفَهَا وَأَجَابَ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ قَالَ إنَّهُ فَتَحَ الْبَارِي عَلَيْهِ بِهَا وَذَكَرَهَا وَاسْتَجْوَدَ مِنْهَا أَنَّ خَوْفَهُ ﵌ كَانَ مِنْ افْتِرَاضِ قِيَامِ اللَّيْلِ يَعْنِي جَعْلَ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ قَالَ وَيُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " حَتَّى خَشِيتَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ " فَمَنَعَهُمْ مِنْ التَّجَمُّعِ فِي الْمَسْجِدِ إشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنْ اشْتِرَاطِهِ انْتَهَى. (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُطَابِقُ قَوْلَهُ " أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ " كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ خَشْيَةَ فَرْضِهَا مُطْلَقًا وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ لَيْلَتَيْنِ. وَحَدِيثُ الْكِتَابِ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ لَيْلَةً وَاحِدَةً وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ " أَنَّهُ ﵌ صَلَّى بِهِمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَغَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ " وَفِي قَوْلِهِ " خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ " دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ غَيْرُ وَاجِبٍ. (وَاعْلَمْ) أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ وَجَعَلَهَا سُنَّةً فِي قِيَامِ رَمَضَانَ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَيْفِيَّةِ مَا يَفْعَلُونَهُ وَلَا كَمِيَّتِهِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا جَمَاعَةً عِشْرِينَ يَتَرَوَّحُونَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَإِنَّ عُمَرَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهُمْ عَلَى إمَامٍ مُعَيَّنٍ وَقَالَ " إنَّهَا بِدْعَةٌ " كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَخْرَجَهُ غَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُرَغِّبُهُمْ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَفِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ " زَادَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ " قَالَ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقَارِيّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ لَيْلَةً فَطَافَ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَهْلُ الْمَسْجِدِ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ لَأَظُنُّ لَوْ جَمَعْنَاهُمْ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فَأَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَنْ يَقُومَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ فَخَرَجَ عُمَرُ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَقَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ " وَسَاقَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ بِدْعَةٌ عَلَى جَمْعِهِ لَهُمْ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَإِلْزَامِهِمْ بِذَلِكَ لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ جَمَعَ بِهِمْ كَمَا عَرَفْت. إذَا عَرَفْت هَذَا عَرَفْت أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا جَمَاعَةً عَلَى مُعَيَّنٍ وَسَمَّاهَا بِدْعَةً وَأَمَّا قَوْلُهُ " نِعْمَ الْبِدْعَةُ " فَلَيْسَ فِي الْبِدْعَةِ مَا يُمْدَحُ بَلْ كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ. وَأَمَّا الْكَمِّيَّةُ وَهِيَ جَعْلُهَا عِشْرِينَ رَكْعَةً فَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي شَيْبَةَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَالْوِتْرَ»

стр. 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَالَ فِي سُبُلِ الرَّشَادِ أَبُو شَيْبَةَ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَكَذَّبَهُ شُعْبَةُ وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ وَعَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ مُنْكَرَاتِهِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْمُتَوَسِّطِ: وَأَمَّا مَا نُقِلَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي اللَّيْلَتَيْنِ خَرَجَ فِيهِمَا عِشْرِينَ رَكْعَةً فَهُوَ مُنْكَرٌ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ: دَعْوَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عِشْرِينَ رَكْعَةً لَمْ تَصِحَّ بَلْ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ الصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ بِالْعَدَدِ وَلِمَا فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِهِمْ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، وَالْوِتْرَ ثُمَّ انْتَظَرُوهُ فِي الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي شَيْبَةَ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ وَسَاقَ رِوَايَاتٍ " أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أُبَيًّا وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ يَقُومَانِ بِالنَّاسِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً " وَفِي رِوَايَةٍ " أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً " وَفِي رِوَايَةٍ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً. وَفِي رِوَايَةٍ " أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَؤُمُّهُمْ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ " قَالَ وَفِيهِ قُوَّةٌ. إذَا عَرَفْتَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعِشْرِينَ رِوَايَةٌ مَرْفُوعَةٌ بَلْ يَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ قَرِيبًا " أَنَّهُ ﵌ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً " فَعَرَفْت مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ بِدْعَةٌ، نَعَمْ قِيَامُ رَمَضَانَ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَالْجَمَاعَةُ فِي نَافِلَتِهِ لَا تُنْكَرُ وَقَدْ ائْتَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ وَغَيْرُهُ بِهِ ﵌ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ لَكِنَّ جَعْلَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْكَمِّيَّةِ سُنَّةً، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا هُوَ الَّذِي نَقُولُ إنَّهُ بِدْعَةٌ، وَهَذَا عُمَرُ ﵁ خَرَجَ أَوَّلًا وَالنَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ مِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً عَلَى مَا كَانُوا فِي عَصْرِهِ ﷺ وَخَيْرُ الْأُمُورِ مَا كَانَ عَلَى عَهْدِهِ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالتَّرَاوِيحِ فَكَأَنَّ وَجْهَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ يَتَرَوَّحُ فَأَطَالَ حَتَّى رَحِمْتَهُ» الْحَدِيثَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ دِيَابٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ أَصْلٌ فِي تَرَوُّحِ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ انْتَهَى. وَأَمَّا حَدِيثُ " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَلَهُ طُرُقٌ فِيهَا مَقَالٌ إلَّا أَنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إلَّا طَرِيقَتَهُمْ الْمُوَافِقَةَ لِطَرِيقَتِهِ ﷺ مِنْ جِهَادِ الْأَعْدَاءِ وَتَقْوِيَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ لِكُلِّ خَلِيفَةٍ رَاشِدٍ لَا يَخُصُّ الشَّيْخَيْنِ، وَمَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنْ لَيْسَ لِخَلِيفَةٍ رَاشِدٍ أَنْ يُشَرِّعَ طَرِيقَةً غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ عُمَرُ ﵁ نَفْسُهُ الْخَلِيفَةُ

стр. 323

٣٤٨ - وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ الرَّاشِدُ سَمَّى مَا رَآهُ مِنْ تَجْمِيعِ صَلَاتِهِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ بِدْعَةً وَلَمْ يَقُلْ إنَّهَا سُنَّةٌ فَتَأَمَّلْ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ خَالَفُوا الشَّيْخَيْنِ فِي مَوَاضِعَ وَمَسَائِلَ فَدَلَّ إنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَا قَالُوهُ وَفَعَلُوهُ حُجَّةٌ وَقَدْ حَقَّقَ الْبِرْمَاوِيُّ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يَدُلُّ أَنَّهُ إذَا اتَّفَقَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى قَوْلٍ كَانَ حُجَّةً لَا إذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ لَيْسَ هُوَ التَّقْلِيدُ بَلْ هُوَ غَيْرُهُ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي شَرْحِ نَظْمِ الْكَافِلِ فِي بَحْثِ الْإِجْمَاعِ. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ. (وَعَنْ خَارِجَةَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَرَاءٍ بَعْدَ الْأَلْفِ فَجِيمٍ هُوَ (ابْنُ حُذَافَةَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ فَذَالٍ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٍ فَفَاءٍ بَعْدَ الْأَلْفِ وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ كَانَ يُعْدَلُ بِأَلْفِ فَارِسٍ رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ اسْتَمَدَّ مِنْ عُمَرَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ فَأَمَدَّهُ بِثَلَاثَةٍ وَهُمْ خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. وَلِيَ خَارِجَةُ الْقَضَاءَ بِمِصْرَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقِيلَ: كَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ وَعِدَادِهِ فِي أَهْلِ مِصْرَ قَتَلَهُ الْخَارِجِيُّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حِينَ تَعَاقَدَتْ الْخَوَارِجُ عَلَى قَتْلِ ثَلَاثَةٍ عَلِيٌّ ﵇ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵃ فَتَمَّ أَمْرُ اللَّهِ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵇ دُونَ الْآخَرَيْنِ، وَإِلَى الْغَلَطِ بِخَارِجَةَ أَشَارَ مَنْ قَالَ شَعْرًا: فَلَيْتَهَا إذَا فَدَتْ بِخَارِجَةَ … فَدَتْ عَلِيًّا بِمِنْ شَاءَتْ مِنْ الْبَشَرِ وَكَانَ قَتْلُ خَارِجَةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ قُلْنَا وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْوِتْرُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) قُلْت قَالَ التِّرْمِذِيُّ عَقِيبَ إخْرَاجِهِ

стр. 324

٣٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ. لَهُ: حَدِيثُ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ سَاقَ الْوَهْمَ فِيهِ؟ فَكَانَ يَحْسُنُ مِنْ الْمُصَنِّفِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ هَذَا ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُفِيدُ عَدَمَ وُجُودِ الْوِتْرِ لِقَوْلِهِ " أَمَدَّكُمْ " فَإِنَّ الْإِمْدَادَ هُوَ الزِّيَادَةُ بِمَا يَقْوَى الْمَزِيدُ عَلَيْهِ يُقَال مَدَّ الْجَيْشَ وَأَمَدَّهُ إذَا زَادَهُ وَأَلْحَقَ بِهِ مَا يُقَوِّيهِ وَيُكَثِّرُهُ وَمَدَّ الدَّوَاةَ وَأَمَدَّهَا زَادَهَا مَا يُصْلِحُهَا وَمَدَدْتَ السِّرَاجَ، وَالْأَرْضَ إذَا أَصْلَحْتَهُمَا بِالزَّيْتِ وَالسَّمَادِ. (فَائِدَةٌ) فِي حِكْمَةِ شَرْعِيَّةِ النَّوَافِلِ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مَرْفُوعًا «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - لِمَلَائِكَتِهِ اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَتُكْمِلُونَ بِهَا فَرِيضَتَهُ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ» وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أَوَّلُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَأَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَأَوَّلُ مَا يُسْأَلُونَ عَنْهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَمَنْ كَانَ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنْهَا يَقُولُ اللَّهُ ﵎: اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي نَافِلَةً مِنْ صَلَوَاتٍ تُتِمُّونَ بِهَا مَا نَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ وَانْظُرُوا صِيَامَ عَبْدِي شَهْرَ رَمَضَانَ فَإِنْ كَانَ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنْهُ فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي نَافِلَةً مِنْ صِيَامٍ تُتِمُّونَ بِهَا مَا نَقَصَ مِنْ الصِّيَامِ وَانْظُرُوا فِي زَكَاةِ عَبْدِي فَإِنْ كَانَ ضَيَّعَ شَيْئًا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي نَافِلَةً مِنْ صَدَقَةٍ تُتِمُّونَ بِهَا مَا نَقَصَ مِنْ الزَّكَاةِ فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ وَذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَعَدْلِهِ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ فَضْلٌ وُضِعَ فِي مِيزَانِهِ وَقِيلَ لَهُ اُدْخُلْ الْجَنَّةَ مَسْرُورًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أُمِرَتْ الزَّبَانِيَةُ فَأَخَذَتْ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ قُذِفَ فِي النَّارِ» وَهُوَ كَالشَّرْحِ وَالتَّفْصِيلِ لِحَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ (وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ خَارِجَةَ فَشَرْحُهُ شَرْحُهُ. ٣٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ

стр. 325

٣٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا. قَالَتْ عَائِشَةُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: «كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً». سَاكِنَةٌ فَدَالٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ هُوَ ابْنُ الْحُصَيْبِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْأَسْلَمِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ سَمِعَ أَبَاهُ وَسَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ وَآخَرِينَ وَتَوَلَّى قَضَاءَ مَرْوَ وَمَاتَ بِهَا (عَنْ أَبِيهِ) بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْوِتْرُ حَقٌّ» أَيْ لَازِمٌ فَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْإِيجَابِ «فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ لَيِّنٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيَّ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَالِحُ الْحَدِيثِ (وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: إنَّهُ مَوْقُوفٌ (وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ) رَوَاهُ بِلَفْظِ «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» وَفِيهِ الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ كَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ وَمَعْنَى لَيْسَ مِنَّا لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأَكُّدِ السُّنِّيَّةِ لِلْوِتْرِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: «كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً». وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» ثُمَّ فَصَلَّتْهَا بِقَوْلِهَا (يُصَلِّي أَرْبَعًا) يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُتَّصِلَاتٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُنْفَصِلَاتٍ وَهُوَ بَعِيدٌ إلَّا أَنَّهُ يُوَافِقُ حَدِيثَ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) نَهَتْ عَنْ سُؤَالِ ذَلِكَ إمَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ الْمُخَاطَبُ عَلَى مِثْلِهِ فَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُ فِي السُّؤَالِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ حُسْنَهُنَّ وَطُولَهُنَّ لِشُهْرَتِهِ فَلَا يَسْأَلُ عَنْهُ أَوْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ تَصِفُ ذَلِكَ (ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ: فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ) كَأَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بَعْدَ الْأَرْبَعِ ثُمَّ يَقُومُ

стр. 326

٣٥١ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا» ٣٥٢ - وَعَنْهَا، ﵂ قَالَتْ: «من كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيُصَلِّي الثَّلَاثَ وَكَأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ النَّوْمَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ فَسَأَلَتْهُ فَأَجَابَهَا بِقَوْلِهِ قَالَ يَا عَائِشَةُ «إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّاقِضَ نَوْمُ الْقَلْبِ، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ كُلِّ مَنْ نَامَ مُسْتَغْرِقًا فَيَكُونُ مِنْ الْخَصَائِصِ أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ ﷺ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ فِي التَّلْخِيصِ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّهُ ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ " وَفِي الْبُخَارِيِّ «إنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَةَ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ ﷺ فِي اللَّيْلِ وَعَدَدِهَا فَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا سَبْعٌ وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَمِنْهَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَفَادَهَا قَوْلُهُ (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أَيْ الشَّيْخَيْنِ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ» وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ لَا قُعُودَ فِيهَا (وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ) أَيْ رَكْعَةً (وَيَرْكَعُ رَكْعَةَ الْفَجْرِ) أَيْ بَعْدَ طُلُوعِهِ (فَتِلْكَ) أَيْ الصَّلَاةُ فِي اللَّيْلِ مَعَ تَغْلِيبِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ فَتِلْكَ الصَّلَاةُ جَمِيعًا (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فَكَانَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَعَمَ الْبَعْضُ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الرِّوَايَاتُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ النَّشَاطِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ، وَهَذَا لَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهَا وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ الْأَغْلَبِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ فَلَا يُنَافِيهِ مَا خَالَفَهُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ النَّادِرِ. (وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» لَمْ تُفَصِّلْهَا وَتُبَيِّنْ عَلَى كَمْ كَانَ يُسَلِّمُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ إنَّمَا بَيَّنَتْ هَذَا فِي الْوِتْرِ بِقَوْلِهَا (يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ (بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا) كَأَنَّ هَذَا أَحَدُ أَنْوَاعِ إيتَارِهِ ﷺ كَمَا أَنَّ الْإِيتَارَ بِثَلَاثٍ أَحَدُهَا كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُهَا السَّابِقِ.

стр. 327

وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. ٣٥٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٣٥٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ مِنْ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ (وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بَيَانٌ لِوَقْتِ الْوِتْرِ وَأَنَّهُ اللَّيْلُ كُلُّهُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ أَفَادَ ذَلِكَ حَدِيثُ خَارِجَةَ حَيْثُ قَالَ «الْوِتْرُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنْوَاعَ الْوِتْرِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي حَاشِيَةِ ضَوْءِ النَّهَارِ. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَوْلُهُ مِثْلَ فُلَانٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ وَكَأَنَّ إبْهَامَ هَذَا الْقَصْدِ لِلسَّتْرِ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَكْتَفِ لِتَارِكِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ بَلْ كَانَ يَذُمُّهُ أَبْلَغَ ذَمٍّ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدَّوَامِ عَلَى مَا اعْتَادَهُ الْمَرْءُ مِنْ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ كَرَاهَةُ قَطْعِ الْعِبَادَةِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ» فِي النِّهَايَةِ: أَيْ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ وَلَا التَّجْزِئَةَ وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا مِثْلَ. وَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مُعِينَ. (يُحِبُّ الْوِتْرَ ") يُثِيبُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُهُ مِنْ عَامِلِهِ (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ) الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ الْمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ صَدَّقُوا الْقُرْآنَ وَخَاصَّةً مَنْ يَتَوَلَّى حِفْظَهُ وَيَقُومُ بِتِلَاوَتِهِ وَمُرَاعَاةِ حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ. وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ

стр. 328

٣٥٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٣٥٦ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. تَعَالَى - وِتْرٌ فِيهِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - أَنَّ كُلَّ مَا نَاسَبَ الشَّيْءَ أَدْنَى مُنَاسَبَةٍ كَانَ أَحَبَّ إلَيْهِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ لِلْأَدِلَّةِ الَّتِي سَلَفَتْ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّهُ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي مَشْرُوعِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ مِنْ جُلُوسٍ وَالثَّانِي مَنْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَنَفَّلَ مِنْ اللَّيْلِ هَلْ يَكْتَفِي بِوِتْرِهِ الْأَوَّلِ وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ أَوْ يَشْفَعُ وِتْرَهُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يَتَنَفَّلُ ثُمَّ إذَا فَعَلَ هَذَا هَلْ يَحْتَاجُ إلَى وِتْرٍ آخَرَ أَوْ لَا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ» وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجَعَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مُخْتَصًّا بِمَنْ أَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَحَمَلَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ جَوَازِ النَّفْلِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَجَوَازِ التَّنَفُّلِ جَالِسًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي شَفْعًا مَا أَرَادَ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ الْأَوَّلَ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ. ٣٥٦ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَهُوَ (وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ " ﷺ يَقُولُ «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوتِرُ بَلْ يُصَلِّي شَفْعًا مَا شَاءَ، وَهَذَا نَظَرٌ إلَى ظَاهِرِ فِعْلِهِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَمَّا شَفَعَ وِتْرَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَبْقَ إلَّا وِتْرٌ وَاحِدٌ هُوَ مَا يَفْعَلُهُ آخِرًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ " إذَا كُنْت لَا تَخَافُ الصُّبْحَ وَلَا النَّوْمَ فَاشْفَعْ ثُمَّ صَلِّ مَا بَدَا لَك ثُمَّ أَوْتِرْ ".

стр. 329

٣٥٧ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: «وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ» ٣٥٨ - وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَفِيهِ: «كُلُّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ. وَفِي الْأَخِيرَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ». ٣٥٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ: وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ. (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ) أَيْ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ أَيْ فِي الْأُولَى بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَيْ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ) أَيْ النَّسَائِيّ (وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ» وَهُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَدْ صَحَّحَ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَرَاهِيَةَ الْوِتْرِ بِثَلَاثٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ الْجَمْعِ ثُمَّ الْوِتْرُ بِثَلَاثٍ أَحَدُ أَنْوَاعِهِ كَمَا عَرَفْت فَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ. فَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْهَادَوِيَّةُ إلَى تَعْيِينِ الْإِيتَارِ بِالثَّلَاثِ تُصَلَّى مَوْصُولَةً قَالُوا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِيتَارَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ جَائِزٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ فَالْأَخْذُ بِهِ أَخْذٌ بِالْإِجْمَاعِ وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ كَمَا عَرَفْت. وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ أُبَيٍّ (عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ كُلُّ سُورَةٍ) مِنْ سَبِّحْ، وَالْكَافِرُونَ (فِي رَكْعَةٍ) مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ (وَفِي الْأَخِيرَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لِينٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ خُصَيْفًا الْجَزَرِيَّ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ الْعُقَيْلِيُّ إسْنَادُهُ صَالِحٌ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنْكَرَ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ زِيَادَةَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَرَوَى ابْنُ السَّكَنِ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ.

стр. 330

وَلِابْنِ حِبَّانَ «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ». ٣٦٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ ٣٦١ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ قَبْلَ الصُّبْحِ (وَلِابْنِ حِبَّانَ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ» ) وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْوِتْرُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِمَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ فَلَا إذْ الْمُرَادُ مَنْ تَرَكَهُ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ قَدْ فَاتَتْهُ السُّنَّةُ الْعُظْمَى حَتَّى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَدَارُكُهُ وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّ الَّذِي يَخْرُجُ بِالْفَجْرِ وَقْتُهُ الِاخْتِيَارِيُّ، وَأَمَّا وَقْتُهُ الِاضْطِرَارِيُّ فَيَبْقَى إلَى قِيَامِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَمَّا مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ وَنَسِيَهُ فَقَدْ بَيَّنَ حُكْمَهُ الْحَدِيثُ. وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ» لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ حَيْثُ كَانَ نَائِمًا أَوْ ذَكَرَ إذَا كَانَ نَاسِيًا (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ نَامَ عَنْ الْفَرِيضَةِ أَوْ نَسِيَهَا أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ أَوْ الذِّكْرِ أَوْ الْقِيَاسِ أَنَّهُ أَدَاءٌ كَمَا عَرَفْت فِيمَنْ نَامَ عَنْ الْفَرِيضَةِ أَوْ نَسِيَهَا. (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْوِتْرِ أَفْضَلُ

стр. 331

٣٦٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالْوِتْرِ. فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ٣٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَكِنْ إنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ قَدَّمَهُ لِئَلَّا يَفُوتَهُ فِعْلًا وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى هَذَا، وَإِلَى هَذَا وَفِعْلِ كُلٍّ بِالْحَالَيْنِ وَمَعْنَى كَوْنِ صَلَاةِ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةً تَشْهَدُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلَاةِ اللَّيْلِ» أَيْ النَّوَافِلِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ (وَالْوِتْرِ) عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ فَإِنَّهُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ عَطَفَهُ عَلَيْهِ لِبَيَانِ شَرَفِهِ «فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ» فَتَخْصِيصُ الْأَمْرِ بِالْإِيتَارِ لِزِيَادَةِ الْعِنَايَةِ بِشَأْنِهِ وَبَيَانِ أَنَّهُ أَهَمُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ وَقْتُهُ بِذَهَابِ اللَّيْلِ وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ يَأْتِيَانِ بِالْوِتْرِ عِنْدَ الْيَقِظَةِ إذَا أَصْبَحَ وَالنَّاسِي عِنْدَ التَّذَكُّرِ فَهُوَ مُخَصَّصٌ لِهَذَا، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَهَابِ وَقْتِ الْوِتْرِ بِذَهَابِ اللَّيْلِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ لِغَيْرِ الْعُذْرَيْنِ. وَفِي تَرْكِ ذَلِكَ لِلنَّوْمِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا لَمْ يُصَلِّ مِنْ اللَّيْلِ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ أَوْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً» وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَكَأَنَّهُ تَدَارُكٌ لِمَا فَاتَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قُلْت وَقَالَ عَقِيبَهُ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ. ٣٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ صَلَاةِ الضُّحَى وَأَنَّ أَقَلَّهَا أَرْبَعٌ وَقِيلَ رَكْعَتَانِ، وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى " وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَعَلَّهُ ذَكَرَ الْأَقَلَّ الَّذِي يُوجَدُ التَّأْكِيدُ بِفِعْلِهِ قَالَ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ، وَعَدَمُ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى فِعْلِهَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَهَا؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِدَلَالَةِ الْقَوْلِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ أَنْ تَتَظَافَرَ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ لَكِنَّ مَا وَاظَبَ

стр. 332

٣٦٤ - وَلَهُ عَنْهَا: أَنَّهَا سُئِلَتْ: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» - وَلَهُ عَنْهَا: «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَطُّ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا». النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فِعْلِهِ مُرَجَّحٌ عَلَى مَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَأَمَّا حُكْمُهَا فَقَدْ جَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْأَقْوَالَ فَبَلَغَتْ سِتَّةَ أَقْوَالٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ. الثَّانِي: لَا تُشْرَعُ إلَّا لِسَبَبٍ. الثَّالِثُ: لَا تُسْتَحَبُّ أَصْلًا. الرَّابِعُ: يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا تَارَةً وَتَرْكُهَا تَارَةً فَلَا يُوَاظَبُ عَلَيْهَا. الْخَامِسُ: يُسْتَحَبُّ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا فِي الْبُيُوتِ. السَّادِسُ: أَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ هُنَالِكَ مُسْتَنَدَ كُلِّ قَوْلٍ. هَذَا وَأَرْجَحُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا قَرَّرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ نَعَمْ وَقَدْ عَارَضَ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا حَدِيثُهَا الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ. ٣٦٤ - وَلَهُ عَنْهَا: أَنَّهَا سُئِلَتْ: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» - وَلَهُ عَنْهَا: «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَطُّ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا». (وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ (عَنْهَا) أَيْ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى قَالَتْ: لَا. إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» فَإِنَّ الْأَوَّلَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا دَائِمًا لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ كَانَ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ، وَالثَّانِيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا فِي حَالِ مَجِيئِهِ مِنْ مَغِيبِهِ وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا. بِأَنَّ كَلِمَةَ كَانَ يَفْعَلُ كَذَا لَا تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ دَائِمًا بَلْ غَالِبًا، وَإِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِلَافِهِ صَرَفَتْهَا عَنْهُ كَمَا هُنَا فَإِنَّ اللَّفْظَ الثَّانِيَ صَرَفَهَا عَنْ الدَّوَامِ وَأَنَّهَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا " لَا. إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ " نَفْيَ رُؤْيَتِهَا صَلَاةَ الضُّحَى وَأَنَّهَا لَمْ تَرَهُ يَفْعَلُهَا إلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ إخْبَارٌ عَمَّا بَلَغَهَا فِي أَنَّهُ مَا كَانَ يَتْرُكُ صَلَاةَ الضُّحَى إلَّا أَنَّهُ يُضَعِّفُ هَذَا قَوْلُهُ (وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ وَهُوَ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِهِ فَلَوْ قَالَ وَلَهُمَا كَانَ (عَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَطُّ سُبْحَةَ الضُّحَى» بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْبَاءِ أَيْ نَافِلَتَهُ (وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا) فَنَفَتْ رُؤْيَتَهَا لِفِعْلِهِ ﷺ لَهَا وَأَخْبَرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُهَا كَأَنَّهُ اسْتِنَادٌ إلَى مَا بَلَغَهَا مِنْ الْحَثِّ عَلَيْهَا وَمِنْ فِعْلِهِ ﷺ لَهَا فَأَلْفَاظُهَا لَا تَتَعَارَضُ حِينَئِذٍ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَا رَأَيْته سَبَّحَهَا أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُرَجَّحُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، وَهُوَ رِوَايَةُ إثْبَاتِهَا دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ وَهِيَ رِوَايَةُ نَفْيِهَا قَالَ: وَعَدَمُ رُؤْيَةِ عَائِشَةَ لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُقُوعِ الَّذِي أَثْبَتَهُ غَيْرُهَا هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ. قُلْت: وَمِمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي إثْبَاتِهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ

стр. 333

٣٦٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ٣٦٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الضُّحَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ أَوْصَاهُ ﷺ بِأَنْ لَا يَتْرُكَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى " وَفِي التَّرْغِيبِ فِي فِعْلِهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَفِي عَدَدِهَا كَذَلِكَ: مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ. (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) الْأَوَّابُ الرَّجَّاعُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِتَرْكِ الذُّنُوبِ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ (حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنْ رَمِضَتْ بِكَسْرِهَا أَيْ تَحْتَرِقُ مِنْ الرَّمْضَاءِ وَهُوَ شِدَّةُ حَرَارَةِ الْأَرْضِ مِنْ وُقُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الرَّمْلِ وَغَيْرِهِ وَذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، وَتَأْثِيرُهَا الْحَرُّ، وَالْفِصَالُ جَمْعُ فَصِيلٍ: وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفَصْلِهِ عَنْ أُمِّهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا عَدَدًا وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تَسْتَحِبُّ الصَّلَاةَ هَذِهِ السَّاعَةَ قَالَ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَنْظُرُ ﵎ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إلَى خَلْقِهِ وَهِيَ صَلَاةٌ كَانَ يُحَافِظُ عَلَيْهَا آدَم وَنُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى " وَفِيهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ أَنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ. (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الضُّحَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " قُلْت لِأَبِي ذَرٍّ يَا عَمَّاهُ أَوْصِنِي قَالَ سَأَلَتْنِي عَمَّا سَأَلْت عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إنْ صَلَّيْت الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ تُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَإِنْ صَلَّيْت أَرْبَعًا كُتِبْت مِنْ الْعَابِدِينَ، وَإِنْ صَلَّيْت سِتًّا لَمْ يَلْحَقْك ذَنْبٌ، وَإِنْ صَلَّيْت ثَمَانِيًا كُتِبْت مِنْ الْقَانِتِينَ، وَإِنْ صَلَّيْت ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بُنِيَ لَك بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ "

стр. 334

٣٦٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٦٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ حُسَيْنُ ابْنُ عَطَاءٍ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ يُخْطِئُ وَيُدَلِّسُ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْهَا " أَنَّهَا مَا رَأَتْهُ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى "، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَثْبَتَتْ فِيهِ صَلَاتَهُ فِي بَيْتِهَا، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا نَفَتْ الرُّؤْيَةَ، وَصَلَاتُهُ فِي بَيْتِهَا يَجُوزُ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ، وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ لَهَا بِرِوَايَةٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْوَجْهَ وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهَا لِجَوَازِ غَفْلَتِهَا فِي الْوَقْتِ فَلَا مُنَافَاةَ، وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ هُوَ الْوَاجِبُ. (فَائِدَةٌ) مِنْ فَوَائِدِ صَلَاةِ الضُّحَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي تُصْبِحُ عَلَى مَفَاصِلِ الْإِنْسَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي قَالَ فِيهِ " وَتُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى ". وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا " - وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: " دَرَجَةً ". عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» بِالْفَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْفَرْدِ (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (وَلَهُمَا) أَيْ الشَّيْخَيْنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا) عِوَضًا عَنْ قَوْلِهِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (وَكَذَا) أَيْ وَبِلَفْظِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ (لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ دَرَجَةً) عِوَضًا عَنْ جُزْءًا، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ مِنْهُمْ أَنَسٌ وَعَائِشَةُ

стр. 335

٣٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَصُهَيْبٌ وَمُعَاذٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ عَامَّةُ مَنْ رَوَاهُ قَالُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَّا ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ وَلَهُ رِوَايَةٌ فِيهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَلَا مُنَافَاةَ فَإِنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ غَيْرُ مُرَادٍ فَرِوَايَةُ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ رِوَايَةِ السَّبْعِ، وَالْعِشْرِينَ أَوْ أَنَّهُ أَخْبَرَ ﷺ بِالْأَقَلِّ عَدَدًا أَوَّلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِالْأَكْثَرِ وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهَا وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ السَّبْعَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَالْخَمْسَ لِمَنْ صَلَّى فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ: السَّبْعُ لِبَعِيدِ الْمَسْجِدِ، وَالْخَمْسُ لِقَرِيبِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْدَى مُنَاسِبَاتٍ وَتَعْلِيلَاتٍ اسْتَوْفَاهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهِيَ أَقْوَالٌ تَخْمِينِيَّةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا نَصٌّ، وَالْجُزْءُ وَالدَّرَجَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ هُنَا؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُهُمَا بِالصَّلَاةِ، وَأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً فُرَادَى، وَالْحَدِيثُ حَثَّ عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا، وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ فِي مِلْكِهِ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ (لَقَدْ هَمَمْت) جَوَابُ الْقَسَمِ، وَالْإِقْسَامُ مِنْهُ ﷺ لِبَيَانِ عِظَمِ شَأْنِ مَا يَذْكُرُهُ زَجْرًا عَنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ (أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ) فِي الصِّحَاحِ خَالَفَ إلَى فُلَانٍ أَيْ أَتَاهُ إذَا غَابَ عَنْهُ إلَى (رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ) أَيْ لَا يَحْضُرُونَ الْجَمَاعَةَ (فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ قَافٍ هُوَ الْعَظْمُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ لَحْمٌ (سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ تَثْنِيَةَ مِرْمَاةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ وَقَدْ تُفْتَحُ الْمِيمُ وَهِيَ مَا بَيْنَ ضِلْعِ الشَّاةِ مِنْ اللَّحْمِ (حَسَنَتَيْنِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مِنْ الْحُسْنِ (لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) أَيْ صَلَاتَهُ فِي جَمَاعَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ (وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ )، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَيْنًا لَا كِفَايَةً إذْ قَدْ قَامَ بِهَا غَيْرُهُمْ فَلَا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ وَلَا عُقُوبَةَ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ. وَإِلَى أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ

стр. 336

٣٧٠ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حِبَّانَ وَمِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَبُو الْعَبَّاسِ وَقَالَتْ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ وَقَالَ دَاوُد: إنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِنَاءً عَلَى مَا يَخْتَارُهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ شَرْطٌ فِيهَا وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ هَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطِيَّةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ وَلِذَا قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ. وَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ تَحْصِيلًا لِمَذْهَبِ الْهَادِي أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ مُتَقَدِّمِي الشَّافِعِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ وَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ وَالنَّاصِرُ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ اسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ بِحَدِيثِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الْبَالِغَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ كَحَدِيثِ «ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْت مَا بِي وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ، وَإِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ شَجَرًا وَنَخْلًا وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلَّ سَاعَةٍ قَالَ ﷺ أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاحْضُرْهَا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ «أَتَسْمَعُ الْأَذَانَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأْتِهَا وَلَوْ حَبْوًا»، وَالْأَحَادِيثُ فِي مَعْنَاهُ كَثِيرَةٌ وَيَأْتِي حَدِيثُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ أَطْلَقَ الْبُخَارِيُّ الْوُجُوبَ عَلَيْهَا وَبَوَّبَهُ بِقَوْلِهِ بَابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَقَالُوا هِيَ فَرْضُ عَيْنٍ إذْ لَوْ كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ لَكَانَ قَدْ أَسْقَطَ وُجُوبَهَا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ لَهَا. وَأَمَّا التَّحْرِيقُ فِي الْعُقُوبَاتِ بِالنَّارِ فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ عَامًّا فَهَذَا خَاصٌّ وَأَدِلَّةُ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَدِلَّةُ مَنْ قَالَ إنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ بِنَاءً عَلَى قِيَامِ الصَّارِفِ لِلْأَدِلَّةِ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ إلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَقَدْ أَطَالَ الْقَائِلُونَ بِالسُّنِّيَّةِ الْكَلَامَ فِي الْجَوَابَاتِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا لَا يَشْفِي، وَأَقْرَبُهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ لَا الْحَقِيقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ﷺ وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالسُّنِّيَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي الْفَضِيلَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْفُرَادَى غَيْرَ مُجْزِئَةٍ لِمَا كَانَتْ لَهَا فَضِيلَةٌ أَصْلًا وَحَدِيثِ " إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا " فَأَثْبَتَ لَهُمَا الصَّلَاةَ فِي رِحَالِهِمَا وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ جَمَاعَةً وَسَيَأْتِي. (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ) فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ كُلَّهَا عَلَيْهِمْ ثَقِيلَةٌ فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ إذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى وَلَكِنَّ الْأَثْقَلَ عَلَيْهِمْ (صَلَاةُ الْعِشَاءِ)؛ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ الرَّاحَةِ وَالسُّكُونِ (وَصَلَاةُ الْفَجْرِ)؛ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ النَّوْمِ وَلَيْسَ لَهُمْ دَاعٍ دِينِيٌّ وَلَا تَصْدِيقٌ بِأَجْرِهِمَا حَتَّى يَبْعَثَهُمْ عَلَى إتْيَانِهِمَا وَيُخَفِّفَ عَلَيْهِمْ الْإِتْيَانَ

стр. 337

٣٧١ - وَعَنْهُ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِبْ» رَوَاهُ مُسْلِم. بِهِمَا وَلِأَنَّهُمَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَدَاعِي الرِّيَاءِ الَّذِي لِأَجْلِهِ يُصَلُّونَ مُنْتَفٍ لِعَدَمِ مُشَاهَدَةِ مَنْ يُرَاءُونَهُ مِنْ النَّاسِ إلَّا الْقَلِيلَ فَانْتَفَى الْبَاعِثُ الدِّينِيُّ مِنْهُمَا كَمَا انْتَفَى فِي غَيْرِهِمَا ثُمَّ انْتَفَى الْبَاعِثُ الدُّنْيَوِيُّ الَّذِي فِي غَيْرِهِمَا وَلِذَا قَالَ ﷺ نَاظِرًا إلَى انْتِفَاءِ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ عِنْدَهُمْ (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا) فِي فِعْلِهِمَا مِنْ الْأَجْرِ (لَأَتَوْهُمَا) إلَى الْمَسْجِدِ (وَلَوْ حَبْوًا ") أَيْ وَلَوْ مَشُوًّا حَبْوًا أَيْ كَحَبْوِ الصَّبِيِّ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَقِيلَ: هُوَ الزَّحْفُ عَلَى الرُّكَبِ وَقِيلَ عَلَى الِاسْتِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ " وَلَوْ حَبْوًا عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ " وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَهُ أَيْضًا بِلَفْظِ " وَلَوْ حَبْوًا أَوْ زَحْفًا " فِيهِ حَثٌّ بَلِيغٌ عَلَى الْإِتْيَانِ إلَيْهِمَا وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا عَلِمَ مَا فِيهِمَا أَتَى إلَيْهِمَا عَلَى أَيِّ حَالٍ فَإِنَّهُ مَا حَالَ بَيْنَ الْمُنَافِقِ وَبَيْنَ هَذَا الْإِتْيَانِ إلَّا عَدَمُ تَصْدِيقِهِ بِمَا فِيهِمَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى) قَدْ وَرَدَتْ بِتَفْسِيرِهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى وَأَنَّهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ فَرَخَّصَ لَهُ) أَيْ فِي عَدَمِ إتْيَانِ الْمَسْجِدِ (فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ " هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ) وَفِي رِوَايَةٍ الْإِقَامَةَ (بِالصَّلَاةِ " قَالَ نَعَمْ قَالَ " فَأَجِبْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) كَانَ التَّرْخِيصُ أَوَّلًا مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِسَمَاعِهِ النِّدَاءَ فَرَخَّصَ لَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ، وَإِذَا سَمِعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ عَنْ الْحُضُورِ. ، وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ الْإِيجَابِ لِلْجَمَاعَةِ عَيْنًا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْوُجُوبُ عَيْنًا عَلَى سَامِعِ النِّدَاءِ لِتَقْيِيدِ حَدِيثِ الْأَعْمَى وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ وَمَا أُطْلِقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. ، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً، وَالدَّلِيلُ هُوَ حَدِيثُ الْهَمِّ بِالتَّحْرِيقِ وَحَدِيثُ الْأَعْمَى وَهُمَا إنَّمَا دَلَّا عَلَى وُجُوبِ حُضُورِ جَمَاعَتِهِ ﷺ فِي مَسْجِدِهِ لِسَمَاعِ النِّدَاءِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةً مُطْلَقًا لَبَيَّنَ ﷺ ذَلِكَ لِلْأَعْمَى وَلَقَالَ لَهُ اُنْظُرْ مَنْ يُصَلِّي مَعَك وَلَقَالَ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ إنَّهُمْ لَا يَحْضُرُونَ جَمَاعَتَهُ ﷺ وَلَا يُجْمِعُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَالْبَيَانُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَالْأَحَادِيثُ

стр. 338

٣٧٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ حُضُورِ جَمَاعَتِهِ ﷺ عَيْنًا عَلَى سَمَاعِ النِّدَاءِ لَا عَلَى وُجُوبِ مُطَلَّقِ الْجَمَاعَةِ كِفَايَةً وَلَا عَيْنًا. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ لِسَامِعِ النِّدَاءِ عَنْ الْحُضُورِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَإِنَّ هَذَا ذَكَرَ الْعُذْرَ وَأَنَّهُ لَا يَجِدُ قَائِدًا فَلَمْ يَعْذُرْهُ إذَنْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّرْخِيصَ لَهُ ثَابِتٌ لِلْعُذْرِ وَلَكِنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ نَدَبًا لَا وُجُوبًا لِيُحْرِزَ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ، وَالْمَشَقَّةُ تُغْتَفَرُ بِمَا يَجِدُهُ فِي قَلْبِهِ مِنْ الرَّوْحِ فِي الْحُضُورِ، وَيَدُلُّ لِكَوْنِ الْأَمْرِ لِلنَّدَبِ أَيْ مَعَ الْعُذْرِ قَوْلُهُ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ.) الْحَدِيثُ أُخْرِجَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا، وَالْمَوْقُوفُ فِيهِ زِيَادَةُ: إلَّا مِنْ عُذْرٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ وَقَفَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ شُعْبَةَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنْهُ ﷺ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلَا عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وَثَّقَهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ أَبُو دَاوُد بِزِيَادَةِ " قَالُوا وَمَا الْعُذْرُ قَالَ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ مِنْهُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى " بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَأَكُّدِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ إنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ وَمَنْ يَقُولُ إنَّهَا سُنَّةٌ يُؤَوِّلُ قَوْلَهُ " فَلَا صَلَاةَ لَهُ " أَيْ كَامِلَةً وَأَنَّهُ نَزَّلَ نَفْيَ الْكَمَالِ مَنْزِلَةَ نَفْيِ الذَّاتِ مُبَالَغَةً. ، وَالْأَعْذَارُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْهَا مَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَمِنْهَا الْمَطَرُ وَالرِّيحُ الْبَارِدَةُ وَمَنْ أَكَلَ كُرَّاثًا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ ذَوَاتِ الرِّيحِ الْكَرِيهَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ الْمَسْجِدَ قِيلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهَا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْلِهَا مِنْ تَفْوِيتِ الْفَرِيضَةِ فَيَكُونَ آكِلُهَا آثِمًا لِمَا تَسَبَّبَ لَهُ مِنْ تَرْكِ الْفَرِيضَةِ وَلَكِنْ لَعَلَّ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ يَقُولُ تَسْقُطُ بِهَذِهِ الْأَعْذَارِ صَلَاتُهَا فِي الْمَسْجِدِ لَا فِي الْبَيْتِ فَيُصَلِّيهَا جَمَاعَةً.

стр. 339

٣٧٣ - وَعَنْ «يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: فَلَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ «يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: فَلَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيُّ. (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁) هُوَ أَبُو جَابِرِ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ السُّوَائِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَالْمَدِّ وَيُقَالُ الْخُزَاعِيُّ وَيُقَالُ الْعَامِرِيُّ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَابِرٌ وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ وَحَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ (إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا) أَيْ مَعَهُ (فَدَعَا بِهِمَا فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعُدُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ (فَرَائِصُهُمَا) جَمْعُ فَرِيصَةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبِ الدَّابَّةِ وَكَتِفِهَا أَيْ تَرْجُفُ مِنْ الْخَوْفِ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ (فَقَالَ لَهُمَا مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا " قَالَا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا جَمْعُ رَحْلٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الْمَنْزِلُ، وَيُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِهِ الْمَنْزِلُ (قَالَ فَلَا تَفْعَلَا إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ فَإِنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ صَلَاتِهِمَا الْفَرِيضَةَ (لَكُمَا نَافِلَةٌ)، وَالْفَرِيضَةُ هِيَ الْأُولَى سَوَاءٌ صُلِّيَتْ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيُّ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ: وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إسْنَادُهُ مَجْهُولٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ؛ لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْأَسْوَدِ لَيْسَ لَهُ رَاوٍ غَيْرُ ابْنِهِ وَلَا لِابْنِهِ جَابِرٍ غَيْرُ يَعْلَى. قُلْت يَعْلَى مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ وَجَابِرٌ وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى. ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَدَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ إذَا وَجَدَهُ يُصَلِّي أَوْ سَيُصَلِّي بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَالْأُولَى هِيَ الْفَرِيضَةُ، وَالْأُخْرَى نَافِلَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى رَفْضِ الْأُولَى، وَذَهَبَ إلَى هَذَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْمُؤَيَّدُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ الْهَادِي وَمَالِكٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْفَرِيضَةُ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ

стр. 340

٣٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا جِئْت الصَّلَاةَ فَوَجَدْت النَّاسَ يُصَلُّونَ فَصَلِّ مَعَهُمْ إنْ كُنْت قَدْ صَلَّيْت تَكُنْ لَك نَافِلَةً، وَهَذِهِ مَكْتُوبَةٌ» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ وَهُوَ أَصَحُّ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ " وَلْيَجْعَلْ الَّتِي صَلَّى فِي بَيْتِهِ نَافِلَةً " قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذِهِ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ شَاذَّةٌ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا بُدَّ مِنْ الرَّفْضِ لِلْأُولَى بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الثَّانِيَةِ وَقِيلَ: بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ صَحِيحَةً وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْتَسِبُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ " أَوَ ذَلِكَ إلَيْك؟ إنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَحْتَسِبُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ " أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَقَدْ عُورِضَ حَدِيثُ الْبَابِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا فَرِيضَةٌ لَا عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا نَافِلَةٌ أَوْ الْمُرَادُ يُصَلِّيهِمَا مَرَّتَيْنِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ ظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ عُمُومُ ذَلِكَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُعَادُ إلَّا الظُّهْرُ، وَالْعِشَاءُ أَمَّا الصُّبْحُ، وَالْعَصْرُ فَلَا لِلنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَهُمَا وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ فَلَوْ أَعَادَهَا صَارَتْ شَفْعًا وَقَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يُعِدْهَا، وَإِنْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا أَعَادَهَا. ، وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ بَلْ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَيَكُونُ أَظْهَرَ فِي رَدِّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتَيْنِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ) أَيْ لِلْإِحْرَامِ أَوْ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ تَكْبِيرَ النَّقْلِ (فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ) زَادَهُ تَأْكِيدًا لِمَا أَفَادَهُ مَفْهُومُ الشَّرْطِ كَمَا فِي سَائِرِ الْجُمَلِ الْآتِيَةِ (وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ) أَيْ حَتَّى يَأْخُذَ فِي الرُّكُوعِ لَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ اللَّفْظِ

стр. 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ) أَخَذَ فِي السُّجُودِ (فَاسْجُدُوا وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا) لِعُذْرٍ (فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ ") هَكَذَا بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ وَهِيَ رِوَايَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَجْمَعُونَ بِالرَّفْعِ تَأْكِيدًا لِضَمِيرِ الْجَمْعِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهَذَا لَفْظُهُ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ) إنَّمَا يُفِيدُ جَعْلُ الْإِمَامِ مَقْصُورًا عَلَى الِاتِّصَافِ بِكَوْنِهِ مُؤْتَمًّا بِهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ الْمُؤْتَمُّ إلَى مُخَالَفَتِهِ. وَالِائْتِمَامُ الِاقْتِدَاءُ وَالِاتِّبَاعُ، وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّ شَرْعِيَّةَ الْإِمَامَةِ لِيَقْتَدِيَ بِالْإِمَامِ وَمِنْ شَأْنِ التَّابِعِ، وَالْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ مَتْبُوعَهُ وَلَا يُسَاوِيَهُ وَلَا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي مَوْقِفِهِ بَلْ يُرَاقِبَ أَحْوَالَهُ وَيَأْتِيَ عَلَى أَثَرِهَا بِنَحْوِ فِعْلِهِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَقَدْ فَصَّلَ الْحَدِيثُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَإِذَا كَبَّرَ إلَى آخِرِهِ وَيُقَاسُ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْ أَحْوَالِهِ كَالتَّسْلِيمِ عَلَى مَا ذُكِرَ فَمَنْ خَالَفَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ فَقَدْ أَثِمَ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ إنْ خَالَفَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ مَعَهُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ إمَامًا إذْ الدُّخُولُ بِهَا بَعْدَهُ وَهِيَ عُنْوَانُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَاِتِّخَاذِهِ إمَامًا. وَاسْتُدِلَّ عَلَى عَدَمِ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِمُخَالَفَتِهِ لِإِمَامِهِ بِأَنَّهُ ﷺ تَوَعَّدَ مَنْ سَابَقَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ بِأَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ صَلَاتِهِ وَلَا قَالَ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُ. ثُمَّ الْحَدِيثُ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُسَاوَاةَ فِي النِّيَّةِ فَدَلَّ أَنَّهَا إذَا اخْتَلَفَتْ نِيَّةُ الْإِمَامِ، وَالْمَأْمُومِ كَأَنْ يَنْوِيَ أَحَدُهُمَا فَرْضًا، وَالْآخَرُ نَفْلًا أَوْ يَنْوِيَ هَذَا عَصْرًا، وَالْآخَرُ ظُهْرًا أَنَّهَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَلَاةِ مُعَاذٍ وَقَوْلُهُ "، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " يَدُلُّ أَنَّهُ الَّذِي يَقُولُهُ الْإِمَامُ وَيَقُولُ الْمَأْمُومُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَقَدْ وَرَدَ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ وَوَرَدَ بِحَذْفِ اللَّهُمَّ، وَالْكُلُّ جَائِزٌ، وَالْأَرْجَحُ الْعَمَلُ بِزِيَادَةِ اللَّهُمَّ وَزِيَادَةِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُمَا يُفِيدَانِ مَعْنًى زَائِدًا. وَقَدْ احْتَجَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ لَا يَجْمَعُ الْإِمَامُ، وَالْمُؤْتَمُّ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ وَهُمْ الْهَادَوِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: وَيُشْرَعُ لِلْإِمَامِ، وَالْمُنْفَرِدِ التَّسْمِيعُ وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ، وَالْمُنْفَرِدُ وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ " وَظَاهِرُهُ مُنْفَرِدًا، وَإِمَامًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ ﷺ مُؤْتَمًّا نَادِرَةٌ وَيُقَالُ عَلَيْهِ فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَشْمَلُ الْمُؤْتَمَّ فَإِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا أَنَّهُ يَحْمَدُ وَذَهَبَ الْإِمَامُ يَحْيَى وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ إلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ، وَالْمُنْفَرِدُ وَيَحْمَدُ الْمُؤْتَمُّ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْبَابِ إذْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ " فَقُولُوا اللَّهُمَّ " إلَخْ أَنَّهُ لَا يَقُولُ الْمُؤْتَمُّ إلَّا ذَلِكَ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الْمُصَلِّي مُطْلَقًا مُسْتَدِلًّا بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى " أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ " الْحَدِيثَ قَالَ: وَالظَّاهِرُ عُمُومُ أَحْوَالِ صَلَاتِهِ جَمَاعَةً وَمُنْفَرِدًا وَقَدْ قَالَ

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَا حُجَّةَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ عَلَى الِاقْتِصَارِ إذْ عَدَمُ الذِّكْرِ فِي اللَّفْظِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَوْلُهُ إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ قَوْلِهِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَقَوْلُهُ قُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ قَوْلِ الْمُؤْتَمِّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي حِكَايَتِهِ لِفِعْلِهِ ﵌ زِيَادَةٌ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ غَيْرُ مُعَارِضٍ لَهَا وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَيَكُونُ قَوْلُهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ وَقَوْلُهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ عِنْدَ انْتِصَابِهِ وَقَوْلُهُ (فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِي الْقُعُودِ لِعُذْرٍ وَأَنَّهُ يَقْعُدُ الْمَأْمُومُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ وَقَدْ وَرَدَ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ فِعْلُ فَارِسَ وَالرُّومِ أَيْ الْقِيَامَ مَعَ قُعُودِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ «إنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ فَلَا تَفْعَلُوا» وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ لَا قَائِمًا وَلَا قَاعِدًا لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى إمَامِكُمْ وَلَا تُتَابِعُوهُ فِي الْقُعُودِ» كَذَا فِي شَرْحِ الْقَاضِي، وَلَمْ يُسْنِدْهُ إلَى كِتَابٍ وَلَا وَجَدْت قَوْلَهُ وَلَا تُتَابِعُوهُ فِي الْقُعُودِ فِي حَدِيثٍ فَيُنْظَرُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ وَلَا يُتَابِعُهُ فِي الْقُعُودِ قَالُوا: لِصَلَاةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قِيَامًا حِينَ خَرَجَ وَأَبُو بَكْرٍ قَدْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَقَعَدَ عَنْ يَسَارِهِ فَكَانَ ذَلِكَ نَاسِخًا لِأَمْرِهِ ﷺ لَهُمْ بِالْجُلُوسِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَلَاتِهِ حِينَ جُحِشَ وَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ فَكَانَ هَذَا آخِرَ الْأَمْرَيْنِ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ كَذَا قَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي أَمَرَهُمْ فِيهَا بِالْجُلُوسِ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي صِحَّتِهَا وَلَا فِي سِيَاقِهَا وَأَمَّا صَلَاتُهُ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَالِاسْتِدْلَالُ بِصَلَاتِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَا يَتِمُّ إلَّا عَلَى أَنَّهُ كَانَ إمَامًا. وَمِنْهَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجُلُوسِ لِلنَّدَبِ وَتَقْرِيرُ الْقِيَامِ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ خَارِجًا عَنْ الْمَذْهَبَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ لِلْمُؤْتَمِّ بَيْنَ الْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ وَمِنْهَا أَنَّهَا قَدْ ثَبَتَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ أَنَّهُمْ أَمُّوا قُعُودًا وَمَنْ خَلْفَهُمْ قُعُودًا أَيْضًا مِنْهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَجَابِرٌ وَأَفْتَى بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ. وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدُكُمْ بَعْدِي قَاعِدًا قَوْمًا قِيَامًا» فَإِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَجَابِرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ عَلِمَ مِنْ احْتَجَّ بِهِ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ وَمِنْ رُوَاتِهِ رَجُلٌ يَرْغَبُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ يَعْنِي جَابِرًا الْجُعْفِيَّ. وَذَهَبَ

стр. 343

٣٧٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا. فَقَالَ: تَقَدَّمُوا فَأَتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٣٧٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجْرَةً مُخَصَّفَةً. فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ - الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إلَى أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الصَّلَاةَ قَاعِدًا لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ قُعُودًا، وَإِذَا ابْتَدَأَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قَائِمًا لَزِمَ الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا سَوَاءٌ طَرَأَ مَا يَقْتَضِي صَلَاةَ إمَامِهِمْ قَاعِدًا أَمْ لَا كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ إمَامِهِمْ صَلَاتَهُ قَائِمًا ثُمَّ أَمَّهُمْ ﷺ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ قَاعِدًا بِخِلَافِ صَلَاتِهِ ﷺ بِهِمْ فِي مَرَضِهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ قَاعِدًا فَأَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ تَقَدَّمُوا فَأَتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) كَأَنَّهُمْ تَأَخَّرُوا عَنْ الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُ ﷺ وَقَوْلُهُ " ائْتَمُّوا بِي " أَيْ اقْتَدُوا بِأَفْعَالِي وَلْيَقْتَدِ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ مُسْتَدِلِّينَ بِأَفْعَالِكُمْ عَلَى أَفْعَالِي. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اتِّبَاعُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ مِمَّنْ لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ كَأَهْلِ الصَّفِّ الثَّانِي يَقْتَدُونَ بِالْأَوَّلِ وَأَهْلِ الصَّفِّ الثَّالِثِ بِالثَّانِي وَنَحْوِهِ أَوْ بِمَنْ يُبَلِّغُ عَنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَكَرَاهَةُ الْبَعْدِ عَنْهُ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ». (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ احْتَجَرَ) هُوَ بِالرَّاءِ الْمَنْعُ أَيْ اتَّخَذَ شَيْئًا كَالْحُجْرَةِ مِنْ الْخَصْفِ وَهُوَ الْحَصِيرُ وَيُرْوَى بِالزَّايِ أَيْ اتَّخَذَ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَيْ مَانِعًا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجْرَةً مُخَصَّفَةً فَصَلَّى فِيهَا فَتَتَبَّعَ إلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ. الْحَدِيثَ. وَفِيهِ «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُصَلَّيْنَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ بِاللَّيْلِ وَيَبْسُطُ بِالنَّهَارِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " وَلَمْ يَتَّخِذْهُ دَائِمًا " وَقَوْلُهُ

стр. 344

٣٧٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إذَا أَمَمْت النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. فَتَتَبَّعَ مِنْ التَّتَبُّعِ الطَّلَبِ، وَالْمَعْنَى طَلَبُوا مَوْضِعَهُ وَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " فَثَارَ إلَيْهِ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» هَذَا لَفْظُهُ وَفِي مُسْلِمٍ قَرِيبٌ مِنْهُ ، وَالْمُصَنِّفُ سَاقَ الْحَدِيثَ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ لِإِفَادَةِ شَرْعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي التَّطَوُّعِ. (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ «صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَتُرِيدُ يَا مُعَاذُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا؟ إذَا أَمَمْت النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ لَفْظُهُ «أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إلَى مُعَاذٍ فَقَرَأَ مُعَاذٌ سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ الِاقْتِدَاءَ بِمُعَاذٍ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا» وَعَلَيْهِ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: إذَا طَوَّلَ الْإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ أَيْ الْمَأْمُومِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ. وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ وَقَدْ جَاءَ مَا قَالَهُ مُعَاذٌ مُفَسَّرًا بِلَفْظِ «فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ إنَّهُ مُنَافِقٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا مُعَاذًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ أَوْ فَاتِنٌ أَنْتَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَوْ صَلَّيْت بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَك الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ» وَلَهُ فِي الْبُخَارِيِّ أَلْفَاظٌ غَيْرُ هَذِهِ ، وَالْمُرَادُ بِفَتَّانٍ أَيْ أَتُعَذِّبُ أَصْحَابَك بِالتَّطْوِيلِ، وَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَةِ الْمَأْمُومِينَ لِلْإِطَالَةِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ ﷺ قَرَأَ الْأَعْرَافَ فِي الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا. وَكَانَ مِقْدَارُ قِيَامِهِ فِي الظُّهْرِ بِالسِّتِّينَ آيَةً وَقَرَأَ بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فِي الْإِمَامِ، وَالْمَأْمُومِينَ. ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ فَإِنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي فَرِيضَةَ الْعِشَاءِ مَعَهُ ﷺ ثُمَّ يَذْهَبُ إلَى أَصْحَابِهِ فَيُصَلِّيهَا بِهِمْ نَفْلًا وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ

стр. 345

٣٧٨ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ - قَالَتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالشَّافِعِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَفِيهِ " هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ " وَقَدْ طَوَّلَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَدْ كَتَبْنَا فِيهِ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً جَوَابَ سُؤَالٍ وَأَبَنَّا فِيهَا عَدَمَ نُهُوضِ الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ. ، وَالْحَدِيثُ أَفَادَ أَنَّهُ يُخَفِّفُ الْإِمَامُ فِي قِرَاءَتِهِ وَصَلَاتِهِ وَقَدْ عَيَّنَ ﷺ مِقْدَارَ الْقِرَاءَةِ وَيَأْتِي حَدِيثُ «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ». «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ قَالَتْ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ» هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي (بَابِ الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ) تَعْيِينُ مَكَانِ جُلُوسِهِ ﷺ وَأَنَّهُ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا هُوَ مَقَامُ الْإِمَامِ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فِي (بَابِ حَدُّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ) بِلَفْظِ " جَلَسَ إلَى جَنْبِهِ " وَلَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ مَحَلَّ جُلُوسِهِ لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ عَيَّنَ الْمَحَلَّ فِي رِوَايَةٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: " أَنَّهُ عَنْ يَسَارِهِ " قُلْت: حَيْثُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ فَهِيَ تُبَيِّنُ مَا أُجْمِلَ فِي أُخْرَى وَبِهِ يَتَّضِحُ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إمَامًا فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ وُقُوفُ الْوَاحِدِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَإِنْ حَضَرَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ إمَامًا أَوَّلَ الصَّلَاةِ أَوْ لِكَوْنِ الصَّفِّ قَدْ ضَاقَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحْتَمَلَاتِ وَمَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَوْلُهَا " يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ عَلَى جِهَةِ الِائْتِمَامِ فَيَكُونَ أَبُو بَكْرٍ إمَامًا وَمَأْمُومًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا كَانَ مُبَلِّغًا وَلَيْسَ بِإِمَامٍ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِي غَيْرِهِ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَوَرَدَتْ الرِّوَايَاتُ بِمَا يُفِيدُ هَذَا وَمَا يُفِيدُ هَذَا لَكِنَّا قَدَّمْنَا ظُهُورَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ الْإِمَامَ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ إلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَرَجَّحَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ الْإِمَامَ لِوُجُوهٍ مِنْ التَّرْجِيحِ مُسْتَوْفَاةٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَفِي الشَّرْحِ بَعْضٌ مِنْ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّلَثِمِائَةِ وَسِتَّةٍ وَسَبْعُونَ

стр. 346

٣٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَعْضُ وُجُوهِ تَرْجِيحِ خِلَافِهِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ بِتَعَدُّدِ الْقِصَّةِ وَأَنَّهُ ﷺ صَلَّى تَارَةً إمَامًا وَتَارَةً مَأْمُومًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ هَذَا. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَقَوْلِهَا «يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مَأْمُومًا إمَامًا، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا فَقَالَ (بَابُ الرَّجُلِ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ هَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ مَسْرُوقٍ وَالشَّعْبِيِّ: إنَّ الصُّفُوفَ يَؤُمُّ بَعْضُهَا بَعْضًا خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَالَ الشَّعْبِيُّ مِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ رُءُوسَهُمْ مِنْ الرَّكْعَةِ إنَّهُ أَدْرَكَهَا وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ رَفَعَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَئِمَّةٌ فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمْ مُتَحَمِّلُونَ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مَا يَتَحَمَّلُهُ الْإِمَامُ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «تَقَدَّمُوا فَأَتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ لِإِسْمَاعِ الْمَأْمُومِينَ فَيَتَّبِعُونَهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُقْتَدِي اتِّبَاعُ صَوْتِ الْمُكَبِّرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِلْمَالِكِيَّةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَذْهَبِهِمْ: إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُبْطِلُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ بِالْإِسْمَاعِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَلَهُمْ تَفَاصِيلُ غَيْرُ هَذِهِ لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ، وَلَا كَلَامَ أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ لِإِعْلَامِ مَنْ خَلْفَهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ»، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ التَّخْفِيفَ فَيُلَاحِظُهُمْ الْإِمَامُ «وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مُخَفِّفًا وَمُطَوِّلًا. ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَطْوِيلِ الْمُنْفَرِدِ لِلصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ أَرْكَانِهَا وَلَوْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَصَحَّحَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «إنَّمَا التَّفْرِيطُ أَنْ تُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَإِذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَمَالِ بِالتَّطْوِيلِ وَمُفْسِدَةُ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَانَتْ مُرَاعَاةُ تَرْكِ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ بِالْمُؤَخِّرِ حَتَّى

стр. 347

٣٨٠ - وَعَنْ «عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا. فَقَالَ: إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنِّي قُرْآنًا، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. يَخْرُجَ الْوَقْتُ مَنْ لَمْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا حَتَّى خَرَجَ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ هُوَ أَبُو يَزِيدَ مِنْ الزِّيَادَةِ كَمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ مُسْلِمٌ وَآخَرُونَ بُرَيْدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِيُّ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ مُخَفَّفٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَؤُهُمْ لِلْقُرْآنِ، وَقِيلَ: إنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَبِيهِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي قُدُومِ أَبِيهِ نَزَلَ عَمْرٌو الْبَصْرَةَ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ وَعَامِرٌ الْأَحْوَلُ وَأَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ (قَالَ: قَالَ أَبِي) أَيْ سَلَمَةُ بْنُ نُفَيْعٍ بِضَمِّ النُّونِ أَوْ ابْنُ لَأْيٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي اسْمِهِ (جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا) نُصِبَ عَلَى صِفَةِ الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ أَيْ نُبُوَّةً حَقًّا أَوْ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ الْمُتَضَمَّنَةِ إذْ هُوَ فِي قُوَّةِ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَهُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ (قَالَ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا قَالَ) أَيْ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ (فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنِّي قُرْآنًا) وَقَدْ وَرَدَ بَيَانُ سَبَبِ أَكْثَرِيَّةِ قُرْآنِيَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ الَّذِينَ كَانُوا يَفِدُونَ إلَيْهِ ﷺ وَيَمُرُّونَ بِعَمْرٍو وَأَهْلِهِ فَكَانَ يَتَلَقَّى مِنْهُمْ مَا يَقْرَءُونَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ إسْلَامِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ (فَقَدَّمُونِي وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا وَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِذَلِكَ قَرِيبًا، وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْمُؤَذِّنِ شَرْطًا. وَتَقْدِيمُهُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ مِنْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي إمَامَةِ الْمُمَيِّزِ. وَكَرِهَهَا مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا الْإِجْزَاءُ فِي النَّوَافِلِ دُونَ الْفَرَائِضِ وَقَالَ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا الْهَادِي وَالنَّاصِرُ وَغَيْرُهُمَا قِيَاسًا عَلَى الْمَجْنُونِ قَالُوا: وَلَا حُجَّةَ فِي قِصَّةِ عَمْرٍو هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَنْ أَمْرِهِ ﷺ ، وَلَا تَقْرِيرِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ دَلِيلَ الْجَوَازِ وُقُوعُ ذَلِكَ

стр. 348

٣٨١ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا - وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا - وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ، وَلَا يُقَرَّرُ فِيهِ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ سِيَّمَا فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ نُبِّهَ ﷺ بِالْوَحْيِ عَلَى الْقَذَى الَّذِي كَانَ فِي نَعْلِهِ فَلَوْ كَانَ إمَامَةُ الصَّبِيِّ لَا تَصِحُّ لَنَزَلَ الْوَحْيُ بِذَلِكَ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَبُو سَعِيدٍ وَجَابِرٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْزِلُونَ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ وَالْوَفْدُ الَّذِينَ قَدَّمُوا عَمْرًا كَانُوا جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ، وَاحْتِمَالُ أَنَّهُ أَمَّهُمْ فِي نَافِلَةٍ يُبْعِدُهُ سِيَاقُ الْقِصَّةِ فَإِنَّهُ ﷺ عَلَّمَهُمْ الْأَوْقَاتِ لِلْفَرَائِضِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ «إنَّهُ يَؤُمُّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ قَالَ عَمْرٌو فَمَا شَهِدْت مَشْهَدًا فِي جِرْمَ (اسْمُ قَبِيلَةٍ) إلَّا كُنْت إمَامَهُمْ، وَهَذَا يَعُمُّ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ (قُلْت) وَيَحْتَاجُ مَنْ ادَّعَى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَأَنَّهُ تَصِحُّ إمَامَةُ الصَّبِيِّ فِي هَذَا دُونَ ذَلِكَ إلَى دَلِيلٍ. ثُمَّ الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَكْثَرُهُمْ لَهُ حِفْظًا، وَقِيلَ: أَعْلَمُهُمْ بِأَحْكَامِهِ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يُنَاسِبُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ «فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» أَيْ إسْلَامًا، (وَفِي رِوَايَةٍ سِنًّا) عِوَضًا عَنْ سِلْمًا «، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ» بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ: الْفِرَاشُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُبْسَطُ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ وَيَخْتَصُّ بِهِ (إلَّا بِإِذْنِهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ عَلَى الْأَفْقَهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ عَلَى الْأَقْرَأِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ مَضْبُوطٌ وَاَلَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْفِقْهِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، وَقَدْ يَعْرِضُ فِي الصَّلَاةِ أُمُورٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُرَاعَاتِهَا إلَّا كَامِلُ الْفِقْهِ قَالُوا: وَلِهَذَا قَدَّمَ ﷺ أَبَا بَكْرٍ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ قَوْلِهِ أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ قَالُوا: وَالْحَدِيثُ خَرَجَ عَلَى

стр. 349

٣٨٢ - وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ «، وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا»، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ حَالُ الصَّحَابَةِ مِنْ أَنَّ الْأَقْرَأَ هُوَ الْأَفْقَهُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا كُنَّا نَتَجَاوَزُ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى نَعْرِفَ حُكْمَهَا وَأَمْرَهَا وَنَهْيَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُبْعِدُ هَذَا قَوْلُهُ «فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ مُطْلَقًا، وَالْأَقْرَأُ عَلَى مَا فَسَّرُوهُ بِهِ هُوَ الْأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ لَكَانَ الْقِسْمَانِ قِسْمًا وَاحِدًا. وَقَوْلُهُ ": فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً " هُوَ شَامِلٌ لِمَنْ تَقَدَّمَ هِجْرَةً سَوَاءٌ كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ أَوْ بَعْدَهُ كَمَنْ يُهَاجِرُ مِنْ دَارِ الْكُفَّارِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» فَالْمُرَادُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا صَارَا دَارَ إسْلَامٍ وَلَعَلَّهُ يُقَالُ: وَأَوْلَادُ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي التَّقْدِيمِ وَقَوْلُهُ " سِلْمًا " أَيْ مَنْ تَقَدَّمَ إسْلَامُهُ، وَلَعَلَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ، وَكَذَا رِوَايَةُ سِنًّا أَيْ الْأَكْبَرُ فِي السِّنِّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» وَمِنْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ التَّقْدِيمَ قُرَيْشٌ لِحَدِيثِ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا» قَالَ الْحَافِظُ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ قَدْ جَمَعَ طُرُقَهُ فِي جُزْءٍ كَبِيرٍ. وَمِنْهُ الْأَحْسَنُ وَجْهًا لِحَدِيثٍ وَرَدَ بِهِ، وَفِيهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ «، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ تَقْدِيمِ غَيْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ ذُو الْوِلَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ السُّلْطَانَ الْأَعْظَمَ أَوْ نَائِبَهُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ قُرْآنًا، وَفِقْهًا فَيَكُونُ هَذَا خَاصًّا، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ عَامٌّ، وَيَلْحَقُ بِالسُّلْطَانِ صَاحِبُ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي صَاحِبِ الْبَيْتِ حَدِيثٌ بِخُصُوصِهِ بِأَنَّهُ الْأَحَقُّ. أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ " لَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَتَقَدَّمَ صَاحِبُ الْبَيْتِ " قَالَ الْمُصَنِّفُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَأَمَّا إمَامُ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ عَنْ وِلَايَةٍ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ عَامِلِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ السُّلْطَانِ، وَإِنْ كَانَ بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ أَحَقَّ، وَأَنَّهَا وِلَايَةٌ خَاصَّةٌ، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ الْقُعُودِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ السُّلْطَانُ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ الرَّجُلُ مِنْ فِرَاشٍ وَسَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَقْعُدُ فِيهِ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ. (وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ «، وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا»، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ) فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدَوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَالْعَدَوِيُّ اتَّهَمَهُ وَكِيعٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَشَيْخُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ

стр. 350

٣٨٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِسَرِقَةِ الْحَدِيثِ وَتَخْلِيطِ الْأَسَانِيدِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَؤُمُّ الرَّجُلَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَأَجَازَ الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ إمَامَةَ الْمَرْأَةِ، وَأَجَازَ الطَّبَرِيُّ إمَامَتَهَا فِي التَّرَاوِيحِ إذَا لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ وَسَيَأْتِي وَيَحْمِلُونَ هَذَا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ أَوْ يَقُولُونَ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ الْأَعْرَابِيُّ مُهَاجِرًا وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ إذْ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ الْفَاجِرُ وَهُوَ الْمُنْبَعِثُ فِي الْمَعَاصِي مُؤْمِنًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ فَاشْتَرَطُوا عَدَالَةَ مَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ وَقَالُوا لَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْفَاسِقِ. وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى صِحَّةِ إمَامَتِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ وَهِيَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ، وَفَاجِرٍ إلَّا أَنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَقَدْ عَارَضَهَا حَدِيثُ «لَا يَؤُمَّنَّكُمْ ذُو جُرْأَةٍ فِي دِينِهِ» وَنَحْوُهُ وَهِيَ أَيْضًا ضَعِيفَةٌ قَالُوا فَلَمَّا ضُعِّفَتْ الْأَحَادِيثُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ رَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ صَحَّتْ إمَامَتُهُ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ قَالَ " أَدْرَكْت عَشَرَةً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ " وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا حَدِيثُ مُسْلِمٍ «كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا قَالَ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ» فَقَدْ أَذِنَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَجَعَلَهَا نَافِلَةً؛ لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَوْ صَلُّوهَا فِي وَقْتِهَا لَكَانَ مَأْمُورًا بِصَلَاتِهَا خَلْفَهُمْ فَرِيضَةً. (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " رُصُّوا) أَيْ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ رَصَّ الْبِنَاءَ (صُفُوفَكُمْ) بِانْضِمَامِ بَعْضِكُمْ إلَى بَعْضٍ (وَقَارِبُوا بَيْنَهَا) أَيْ بَيْنَ الصُّفُوفِ (وَحَاذُوا) أَيْ يُسَاوِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الصَّفِّ (بِالْأَعْنَاقِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) تَمَامُ الْحَدِيثِ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد «فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَرَى الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ فِي خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ» بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ صِغَارُ الْغَنَمِ، وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ

стр. 351

٣٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثَلَاثًا وَاَللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ»، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ أَيْضًا قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسَوِّينَا فِي الصُّفُوفِ كَمَا يُقَوَّمُ الْقِدْحُ حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَخَذْنَا ذَلِكَ عَنْهُ، وَفَقِهْنَا أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ بِوَجْهِهِ إذَا رَجُلٌ مُنْتَبِذٌ بِصَدْرِهِ فَقَالَ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَالْوَعِيدُ الَّذِي فِيهَا دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا تَسَاهَلَ فِيهِ النَّاسُ كَمَا تَسَاهَلُوا فِيمَا يُفِيدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ عَنْهُ ﷺ «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فَإِنَّك تَرَى النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُونَ لِلْجَمَاعَةِ وَهُمْ لَا يَمْلَئُونَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لَوْ قَامُوا فِيهِ فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يَتَفَرَّقُونَ صُفُوفًا عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى ثَلَاثَةٍ وَنَحْوِهِ. ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قُلْنَا وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُقَدَّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» وَوَرَدَ فِي سَدِّ الْفُرَجِ فِي الصُّفُوفِ أَحَادِيثُ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «مَا مِنْ خُطْوَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ خُطْوَةٍ مَشَاهَا الرَّجُلُ فِي فُرْجَةٍ فِي الصَّفِّ فَسَدَّهَا» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِيهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَ ﷺ «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً فِي صَفٍّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْهُ ﷺ «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ غُفِرَ لَهُ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَيُغْنِي عَنْهُ «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ» الْحَدِيثَ إذْ الْفُرَجُ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ عَدَمِ رَصِّهِمْ الصُّفُوفَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا» أَيْ أَكْثَرُهَا أَجْرًا، وَهُوَ الصَّفُّ الَّذِي تُصَلِّي الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِيهِ كَمَا يَأْتِي (وَشَرُّهَا

стр. 352

٣٨٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. آخِرُهَا) أَقَلُّهَا أَجْرًا «وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْأَوْسَطِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَاسِعَةٌ. أَخْرَجَ أَحْمَدُ - قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ مُوثَقُونَ - وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَى الثَّانِي قَالَ وَعَلَى الثَّانِي»، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ - قَالَ الْهَيْثَمِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ - مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «اسْتَغْفَرَ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ ثَلَاثًا وَلِلثَّانِي مَرَّتَيْنِ وَلِلثَّالِثِ مَرَّةً» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ضَعْفُهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. ثُمَّ قَدْ وَرَدَ فِي مَيْمَنَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَمُسَامَتَةِ الْإِمَامِ، وَأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى الْأَيْسَرِ أَحَادِيثُ فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَكُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَعَنْ يَمِينِهِ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ مَنْ لَمْ أَجِدْ لَهُ ذِكْرًا، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي الْأَوْسَطِ، وَالْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَلَيْكُمْ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ وَعَلَيْكُمْ بِالْمَيْمَنَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالصَّفَّ بَيْنَ السَّوَارِي» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ ضَعِيفٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحَقَّ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أَهْلُ الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَضْعِيفِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِزِيَادَةِ «، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَإِيَّاكُمْ، وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ» ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ غَيْرُهُ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ اصْطِفَافِ النِّسَاءِ صُفُوفًا وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ صَلَاتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ أَوْ مَعَ النِّسَاءِ، وَقَدْ عَلَّلَ خَيْرِيَّةَ آخِرِ صُفُوفِهِنَّ بِأَنَّهُنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَبْعُدْنَ عَنْ الرِّجَالِ وَعَنْ رُؤْيَتِهِمْ وَسَمَاعِ كَلَامِهِمْ إلَّا أَنَّهَا عِلَّةٌ لَا تَتِمُّ إلَّا إذَا كَانَتْ صَلَاتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ، وَأَمَّا إذَا صَلَّيْنَ، وَإِمَامَتُهُنَّ امْرَأَةٌ فَصُفُوفُهَا كَصُفُوفِ الرِّجَالِ أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةِ) هِيَ لَيْلَةُ مَبِيتِهِ عِنْدَهُ الْمَعْرُوفَةُ «فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ».

стр. 353

٣٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُمْت أَنَا وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ ٣٨٧ - «وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّهُ انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : زَادَك اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُد فِيهِ: فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَعَلَى أَنَّ مَوْقِفَ الْوَاحِدِ مَعَ الْإِمَامِ عَنْ يَمِينِهِ بِدَلِيلِ الْإِدَارَةِ إذْ لَوْ كَانَ الْيَسَارُ مَوْقِفًا لَهُ لَمَا أَدَارَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ وَخَالَفَ النَّخَعِيُّ فَقَالَ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَوَاحِدٌ قَامَ الْوَاحِدُ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ أَحَدٌ قَامَ عَنْ يَمِينِهِ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَظِنَّةُ الِاجْتِمَاعِ فَاعْتُبِرَتْ فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُ ذَلِكَ قِيلَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ قَامَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ بِالْإِعَادَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ أَوْ بِأَنَّهُ مَا كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ قَوْلُهُ " فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ " ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَامَ مُسَاوِيًا لَهُ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ " فَقُمْت إلَى جَنْبِهِ " وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ دُونَهُ قَلِيلًا إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ " قَالَ: قُلْنَا لِعَطَاءٍ الرَّجُلُ يُصَلِّي مَعَ الرَّجُلِ أَيْنَ يَكُونُ مِنْهُ قَالَ: إلَى شِقِّهِ قُلْت: أَيُحَاذِيهِ حَتَّى يَصُفَّ مَعَهُ لَا يَفُوتُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: بِحَيْثُ إنْ لَا يَبْعُدَ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ قَالَ: نَعَمْ " وَمِثْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَفَّ مَعَهُ فَقَرَّبَهُ حَتَّى جَعَلَهُ حِذَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُمْت وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ» فِيهِ الْعَطْفُ عَلَى الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ مِنْ دُونِ تَأْكِيدٍ، وَلَا فَصْلٍ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَاسْمُ الْيَتِيمِ ضُمَيْرَةُ وَهُوَ جَدُّ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ (وَأُمُّ سُلَيْمٍ) هِيَ أُمُّ أَنَسٍ وَاسْمُهَا مُلَيْكَةُ مُصَغَّرًا (خَلْفَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى صِحَّةِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّفْلِ، وَعَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّبَرُّكِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ، وَعَلَى أَنَّ مَقَامَ الِاثْنَيْنِ خَلْفَ الْإِمَامِ. وَعَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ يُعْتَدُّ بِوُقُوفِهِ وَيَسُدُّ الْجُنَاحَ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْيَتِيمِ إذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ. وَعَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصُفُّ مَعَ الرِّجَالِ، وَأَنَّهَا تَنْفَرِدُ فِي الصَّفِّ، وَأَنَّ عَدَمَ امْرَأَةٍ تَنْضَمُّ إلَيْهَا عُذْرٌ فِي ذَلِكَ فَإِنْ انْضَمَّتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ أَجْزَأَتْ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إلَّا تَقْرِيرُهَا عَلَى التَّأَخُّرِ، وَأَنَّهُ مَوْقِفُهَا، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَسَادِ صَلَاتِهَا لَوْ صَلَّتْ

стр. 354

٣٨٨ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي فِي غَيْرِهِ. وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهَا تَفْسُدُ عَلَيْهَا وَعَلَى مَنْ خَلْفَهَا وَعَلَى مَنْ فِي صَفِّهَا إنْ عَلِمُوا وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى فَسَادِ صَلَاةِ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْفَسَادِ فِي الصُّورَتَيْنِ. «وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا» أَيْ عَلَى طَلَبِ الْخَيْرِ (وَلَا تَعُدْ ") بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ مِنْ الْعَوْدِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ أَبُو دَاوُد فِيهِ فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ) الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَلَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَصِلَ الصَّفَّ لِقَوْلِهِ ﷺ "، وَلَا تَعُدْ " وَقِيلَ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ لِصَلَاتِهِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّتهَا. قُلْت لَعَلَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا لِلْحُكْمِ، وَالْجَهْلُ عُذْرٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ - قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ قَالَ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ رُكُوعٌ فَلْيَرْكَعْ حِينَ يَدْخُلُ ثُمَّ يَدِبُّ رَاكِعًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّفِّ فَإِنَّ ذَلِكَ السُّنَّةُ " قَالَ عَطَاءٌ قَدْ رَأَيْته يَصْنَعُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَدْ رَأَيْت عَطَاءً يَصْنَعُ ذَلِكَ. قُلْت وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ، وَلَا تُعِدْ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ مِنْ الْإِعَادَةِ أَيْ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا عَلَى طَلَبِ الْخَيْرِ، وَلَا تُعِدْ صَلَاتَك فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَرُوِيَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْعَدْوِ وَتُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ السَّكَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ بِلَفْظِ «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَانْطَلَقْت أَسْعَى حَتَّى دَخَلْت فِي الصَّفِّ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: مَنْ السَّاعِي آنِفًا قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَقُلْت أَنَا قَالَ ﷺ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعْدُ»، وَالْأَقْرَبُ رِوَايَةُ أَنَّهُ لَا تَعُدْ مِنْ الْعَوْدِ أَيْ لَا تَعُدْ سَاعِيًا إلَى الدُّخُولِ قَبْلَ وُصُولِك الصَّفَّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يُشْعِرُ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ حَتَّى يُفْتِيَهُ ﷺ بِأَنَّهُ لَا يُعِيدُهَا بَلْ قَوْلُهُ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا يُشْعِرُ بِإِجْزَائِهَا، أَوْ لَا تَعْدُ مِنْ الْعَدْوِ.

стр. 355

خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ٣٨٩ - وَلَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ " أَلَا دَخَلْت مَعَهُمْ أَوْ اجْتَرَرْت رَجُلًا؟ ". (وَعَنْ وَابِصَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ أَبُو قِرْصَافَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ فَاءٌ ابْنُ مِعْبَدٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ ابْنُ مَالِكٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ الْأَسَدِيِّ نَزَلَ وَابِصَةُ الْكُوفَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْحِيرَةِ وَمَاتَ بِالرَّقَّةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ وَقَدْ قَالَ بِبُطْلَانِهَا النَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَقُلْت بِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يُتَوَقَّى ذَلِكَ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ بُطْلَانِهَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ ﷺ بِالْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّهُ أَتَى بِبَعْضِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ مُنْفَرِدًا قَالُوا فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ هَاهُنَا عَلَى النَّدْبِ قِيلَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ عَلَى الْعُذْرِ، وَهُوَ خَشْيَةُ الْفَوَاتِ مَعَ انْضِمَامِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا لِغَيْرِ عُذْرٍ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ (قُلْت)، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ هَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ بَلْ يُوَافِقُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْ ﷺ أَبَا بَكْرَةَ بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا بِجَهْلِهِ وَيُحْمَلُ أَمْرُهُ بِالْإِعَادَةِ لِمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ بِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ وَيَدُلُّ عَلَى الْبُطْلَانِ أَيْضًا مَا تَضْمَنَّهُ قَوْلُهُ. ٣٨٩ - وَلَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ " أَلَا دَخَلْت مَعَهُمْ أَوْ اجْتَرَرْت رَجُلًا؟ ". (وَلَهُ) أَيْ لِابْنِ حِبَّانَ (عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ) الَّذِي سَلَفَ ذِكْرُهُ «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» فَإِنَّ النَّفْيَ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الصِّحَّةِ (وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ) فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ (أَلَا دَخَلْت) أَيُّهَا الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا عَنْ الصَّفِّ (مَعَهُمْ) أَيْ فِي الصَّفِّ (أَوْ اجْتَرَرْت رَجُلًا) أَيْ مِنْ الصَّفِّ فَيَنْضَمَّ إلَيْك وَتَمَامُ حَدِيثِ الطَّبَرَانِيُّ «إنْ ضَاقَ بِك الْمَكَانُ أَعِدْ صَلَاتَك فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لَك» وَهُوَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى الصَّفِّ
следующие страницы →