← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٣٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثَلَاثًا وَاَللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ»، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ أَيْضًا قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسَوِّينَا فِي الصُّفُوفِ كَمَا يُقَوَّمُ الْقِدْحُ حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَخَذْنَا ذَلِكَ عَنْهُ، وَفَقِهْنَا أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ بِوَجْهِهِ إذَا رَجُلٌ مُنْتَبِذٌ بِصَدْرِهِ فَقَالَ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَالْوَعِيدُ الَّذِي فِيهَا دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا تَسَاهَلَ فِيهِ النَّاسُ كَمَا تَسَاهَلُوا فِيمَا يُفِيدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ عَنْهُ ﷺ «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فَإِنَّك تَرَى النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُونَ لِلْجَمَاعَةِ وَهُمْ لَا يَمْلَئُونَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لَوْ قَامُوا فِيهِ فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يَتَفَرَّقُونَ صُفُوفًا عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى ثَلَاثَةٍ وَنَحْوِهِ. ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قُلْنَا وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُقَدَّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» وَوَرَدَ فِي سَدِّ الْفُرَجِ فِي الصُّفُوفِ أَحَادِيثُ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «مَا مِنْ خُطْوَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ خُطْوَةٍ مَشَاهَا الرَّجُلُ فِي فُرْجَةٍ فِي الصَّفِّ فَسَدَّهَا» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِيهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَ ﷺ «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً فِي صَفٍّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْهُ ﷺ «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ غُفِرَ لَهُ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَيُغْنِي عَنْهُ «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ» الْحَدِيثَ إذْ الْفُرَجُ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ عَدَمِ رَصِّهِمْ الصُّفُوفَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا» أَيْ أَكْثَرُهَا أَجْرًا، وَهُوَ الصَّفُّ الَّذِي تُصَلِّي الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِيهِ كَمَا يَأْتِي (وَشَرُّهَا

стр. 352

٣٨٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. آخِرُهَا) أَقَلُّهَا أَجْرًا «وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْأَوْسَطِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَاسِعَةٌ. أَخْرَجَ أَحْمَدُ - قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ مُوثَقُونَ - وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَى الثَّانِي قَالَ وَعَلَى الثَّانِي»، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ - قَالَ الْهَيْثَمِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ - مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «اسْتَغْفَرَ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ ثَلَاثًا وَلِلثَّانِي مَرَّتَيْنِ وَلِلثَّالِثِ مَرَّةً» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ضَعْفُهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. ثُمَّ قَدْ وَرَدَ فِي مَيْمَنَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَمُسَامَتَةِ الْإِمَامِ، وَأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى الْأَيْسَرِ أَحَادِيثُ فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَكُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَعَنْ يَمِينِهِ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ مَنْ لَمْ أَجِدْ لَهُ ذِكْرًا، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي الْأَوْسَطِ، وَالْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَلَيْكُمْ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ وَعَلَيْكُمْ بِالْمَيْمَنَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالصَّفَّ بَيْنَ السَّوَارِي» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ ضَعِيفٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحَقَّ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أَهْلُ الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَضْعِيفِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِزِيَادَةِ «، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَإِيَّاكُمْ، وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ» ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ غَيْرُهُ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ اصْطِفَافِ النِّسَاءِ صُفُوفًا وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ صَلَاتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ أَوْ مَعَ النِّسَاءِ، وَقَدْ عَلَّلَ خَيْرِيَّةَ آخِرِ صُفُوفِهِنَّ بِأَنَّهُنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَبْعُدْنَ عَنْ الرِّجَالِ وَعَنْ رُؤْيَتِهِمْ وَسَمَاعِ كَلَامِهِمْ إلَّا أَنَّهَا عِلَّةٌ لَا تَتِمُّ إلَّا إذَا كَانَتْ صَلَاتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ، وَأَمَّا إذَا صَلَّيْنَ، وَإِمَامَتُهُنَّ امْرَأَةٌ فَصُفُوفُهَا كَصُفُوفِ الرِّجَالِ أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةِ) هِيَ لَيْلَةُ مَبِيتِهِ عِنْدَهُ الْمَعْرُوفَةُ «فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ».

стр. 353

٣٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُمْت أَنَا وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ ٣٨٧ - «وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّهُ انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : زَادَك اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُد فِيهِ: فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَعَلَى أَنَّ مَوْقِفَ الْوَاحِدِ مَعَ الْإِمَامِ عَنْ يَمِينِهِ بِدَلِيلِ الْإِدَارَةِ إذْ لَوْ كَانَ الْيَسَارُ مَوْقِفًا لَهُ لَمَا أَدَارَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ وَخَالَفَ النَّخَعِيُّ فَقَالَ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَوَاحِدٌ قَامَ الْوَاحِدُ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ أَحَدٌ قَامَ عَنْ يَمِينِهِ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَظِنَّةُ الِاجْتِمَاعِ فَاعْتُبِرَتْ فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُ ذَلِكَ قِيلَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ قَامَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ بِالْإِعَادَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ أَوْ بِأَنَّهُ مَا كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ قَوْلُهُ " فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ " ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَامَ مُسَاوِيًا لَهُ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ " فَقُمْت إلَى جَنْبِهِ " وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ دُونَهُ قَلِيلًا إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ " قَالَ: قُلْنَا لِعَطَاءٍ الرَّجُلُ يُصَلِّي مَعَ الرَّجُلِ أَيْنَ يَكُونُ مِنْهُ قَالَ: إلَى شِقِّهِ قُلْت: أَيُحَاذِيهِ حَتَّى يَصُفَّ مَعَهُ لَا يَفُوتُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: بِحَيْثُ إنْ لَا يَبْعُدَ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ قَالَ: نَعَمْ " وَمِثْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَفَّ مَعَهُ فَقَرَّبَهُ حَتَّى جَعَلَهُ حِذَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُمْت وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ» فِيهِ الْعَطْفُ عَلَى الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ مِنْ دُونِ تَأْكِيدٍ، وَلَا فَصْلٍ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَاسْمُ الْيَتِيمِ ضُمَيْرَةُ وَهُوَ جَدُّ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ (وَأُمُّ سُلَيْمٍ) هِيَ أُمُّ أَنَسٍ وَاسْمُهَا مُلَيْكَةُ مُصَغَّرًا (خَلْفَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى صِحَّةِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّفْلِ، وَعَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّبَرُّكِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ، وَعَلَى أَنَّ مَقَامَ الِاثْنَيْنِ خَلْفَ الْإِمَامِ. وَعَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ يُعْتَدُّ بِوُقُوفِهِ وَيَسُدُّ الْجُنَاحَ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْيَتِيمِ إذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ. وَعَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصُفُّ مَعَ الرِّجَالِ، وَأَنَّهَا تَنْفَرِدُ فِي الصَّفِّ، وَأَنَّ عَدَمَ امْرَأَةٍ تَنْضَمُّ إلَيْهَا عُذْرٌ فِي ذَلِكَ فَإِنْ انْضَمَّتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ أَجْزَأَتْ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إلَّا تَقْرِيرُهَا عَلَى التَّأَخُّرِ، وَأَنَّهُ مَوْقِفُهَا، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَسَادِ صَلَاتِهَا لَوْ صَلَّتْ

стр. 354

٣٨٨ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي فِي غَيْرِهِ. وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهَا تَفْسُدُ عَلَيْهَا وَعَلَى مَنْ خَلْفَهَا وَعَلَى مَنْ فِي صَفِّهَا إنْ عَلِمُوا وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى فَسَادِ صَلَاةِ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْفَسَادِ فِي الصُّورَتَيْنِ. «وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا» أَيْ عَلَى طَلَبِ الْخَيْرِ (وَلَا تَعُدْ ") بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ مِنْ الْعَوْدِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ أَبُو دَاوُد فِيهِ فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ) الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَلَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَصِلَ الصَّفَّ لِقَوْلِهِ ﷺ "، وَلَا تَعُدْ " وَقِيلَ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ لِصَلَاتِهِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّتهَا. قُلْت لَعَلَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا لِلْحُكْمِ، وَالْجَهْلُ عُذْرٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ - قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ - أَنَّهُ قَالَ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ رُكُوعٌ فَلْيَرْكَعْ حِينَ يَدْخُلُ ثُمَّ يَدِبُّ رَاكِعًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّفِّ فَإِنَّ ذَلِكَ السُّنَّةُ " قَالَ عَطَاءٌ قَدْ رَأَيْته يَصْنَعُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَدْ رَأَيْت عَطَاءً يَصْنَعُ ذَلِكَ. قُلْت وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ، وَلَا تُعِدْ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ مِنْ الْإِعَادَةِ أَيْ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا عَلَى طَلَبِ الْخَيْرِ، وَلَا تُعِدْ صَلَاتَك فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَرُوِيَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْعَدْوِ وَتُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ السَّكَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ بِلَفْظِ «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَانْطَلَقْت أَسْعَى حَتَّى دَخَلْت فِي الصَّفِّ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: مَنْ السَّاعِي آنِفًا قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَقُلْت أَنَا قَالَ ﷺ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعْدُ»، وَالْأَقْرَبُ رِوَايَةُ أَنَّهُ لَا تَعُدْ مِنْ الْعَوْدِ أَيْ لَا تَعُدْ سَاعِيًا إلَى الدُّخُولِ قَبْلَ وُصُولِك الصَّفَّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يُشْعِرُ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ حَتَّى يُفْتِيَهُ ﷺ بِأَنَّهُ لَا يُعِيدُهَا بَلْ قَوْلُهُ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا يُشْعِرُ بِإِجْزَائِهَا، أَوْ لَا تَعْدُ مِنْ الْعَدْوِ.

стр. 355

خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ٣٨٩ - وَلَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ " أَلَا دَخَلْت مَعَهُمْ أَوْ اجْتَرَرْت رَجُلًا؟ ". (وَعَنْ وَابِصَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ أَبُو قِرْصَافَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ فَاءٌ ابْنُ مِعْبَدٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ ابْنُ مَالِكٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ الْأَسَدِيِّ نَزَلَ وَابِصَةُ الْكُوفَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْحِيرَةِ وَمَاتَ بِالرَّقَّةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ وَقَدْ قَالَ بِبُطْلَانِهَا النَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَقُلْت بِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يُتَوَقَّى ذَلِكَ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ بُطْلَانِهَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ ﷺ بِالْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّهُ أَتَى بِبَعْضِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ مُنْفَرِدًا قَالُوا فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ هَاهُنَا عَلَى النَّدْبِ قِيلَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ عَلَى الْعُذْرِ، وَهُوَ خَشْيَةُ الْفَوَاتِ مَعَ انْضِمَامِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا لِغَيْرِ عُذْرٍ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ (قُلْت)، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ هَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ بَلْ يُوَافِقُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْ ﷺ أَبَا بَكْرَةَ بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا بِجَهْلِهِ وَيُحْمَلُ أَمْرُهُ بِالْإِعَادَةِ لِمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ بِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ وَيَدُلُّ عَلَى الْبُطْلَانِ أَيْضًا مَا تَضْمَنَّهُ قَوْلُهُ. ٣٨٩ - وَلَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ " أَلَا دَخَلْت مَعَهُمْ أَوْ اجْتَرَرْت رَجُلًا؟ ". (وَلَهُ) أَيْ لِابْنِ حِبَّانَ (عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ) الَّذِي سَلَفَ ذِكْرُهُ «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» فَإِنَّ النَّفْيَ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الصِّحَّةِ (وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ) فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ (أَلَا دَخَلْت) أَيُّهَا الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا عَنْ الصَّفِّ (مَعَهُمْ) أَيْ فِي الصَّفِّ (أَوْ اجْتَرَرْت رَجُلًا) أَيْ مِنْ الصَّفِّ فَيَنْضَمَّ إلَيْك وَتَمَامُ حَدِيثِ الطَّبَرَانِيُّ «إنْ ضَاقَ بِك الْمَكَانُ أَعِدْ صَلَاتَك فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لَك» وَهُوَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى الصَّفِّ

стр. 356

٣٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ وَقَدْ تَمَّ فَلْيَجْذِبْ إلَيْهِ رَجُلًا يُقِيمُهُ إلَى جَنْبِهِ» وَقَالَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَقَالَ لَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ السَّرِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ السَّرِيَّ بْنَ إسْمَاعِيلَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالشَّارِحُ ذَكَرَ أَنَّ السَّرِيَّ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيُّ الَّتِي فِيهَا الزِّيَادَةُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ رِوَايَةِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا «إنْ جَاءَ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا فَلْيَخْتَلِجْ إلَيْهِ رَجُلًا مِنْ الصَّفِّ فَلْيَقُمْ مَعَهُ فَمَا أَعْظَمُ أَجْرِ الْمُخْتَلَجِ»، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْآتِيَ وَقَدْ تَمَّتْ الصُّفُوفُ بِأَنْ يَجْتَذِبَ إلَيْهِ رَجُلًا يُقِيمَهُ إلَى جَنْبِهِ»، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ أَيْ الصَّلَاةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ» قَالَ النَّوَوِيُّ السَّكِينَةُ التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَاتِ وَاجْتِنَابُ الْعَبَثِ (، وَالْوَقَارُ) فِي الْهَيْئَةِ كَغَضِّ الطَّرْفِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَقِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَذَكَرَ الثَّانِي تَأْكِيدًا وَقَدْ نَبَّهَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي شَرْعِيَّةِ هَذَا الْأَدَبِ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة هَذَا " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ " أَيْ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي فَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ مَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي اعْتِمَادُهُ وَاجْتِنَابُ مَا يَنْبَغِي لَهُ اجْتِنَابُهُ (وَلَا تُسْرِعُوا فَمَا أَدْرَكْتُمْ) مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ (فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) فِيهِ الْأَمْرُ بِالْوَقَارِ وَعَدَمِ الْإِسْرَاعِ فِي الْإِتْيَانِ إلَى الصَّلَاةِ وَذَلِكَ لِتَكْثِيرِ الْخُطَى فَيَنَالُ فَضِيلَةَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «إنَّ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إلَى الصَّلَاةِ دَرَجَةً» وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً فَإِذَا أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ فَإِنْ جَاءَ وَقَدْ صَلُّوا بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ فَصَلَّى مَا أَدْرَكَ، وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا كَانَ كَذَلِكَ» وَقَوْلُهُ «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إذَا فَعَلْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ تَرْكِ الْإِسْرَاعِ وَنَحْوِهِ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا. ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ يُدْرِكُهَا، وَلَوْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ

стр. 357

٣٩١ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ فِي أَيْ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ وَلَوْ دُونَ رَكْعَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لَهَا إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ اشْتِرَاطُ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ، وَيُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَوْقَاتِ لَا فِي الْجَمَاعَةِ وَبِأَنَّ الْجُمُعَةَ مَخْصُوصَةٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى صِحَّةِ الدُّخُول مَعَ الْإِمَامِ فِي أَيِّ حَالَةٍ أَدْرَكَهُ عَلَيْهَا وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا «وَمَنْ وَجَدَنِي رَاكِعًا أَوْ قَائِمًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا» قُلْت وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اعْتِدَادِهِ بِمَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا عَلَى إحْرَامِهِ فِي أَيِّ حَالَةٍ أَدْرَكَهُ عَلَيْهَا بَلْ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْكَوْنِ مَعَهُ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِرِجَالٍ مُوثَقِينَ - كَمَا قَالَ الْهَيْثَمِيُّ - عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَا " مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ فَلَا يَعْتَدُّ بِالسَّجْدَةِ "، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي الْكَبِيرِ - قَالَ الْهَيْثَمِيُّ أَيْضًا بِرِجَالٍ مُوَثَّقِينَ - مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ " دَخَلَتْ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ الْمَسْجِدَ، وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَرَكَعْنَا ثُمَّ مَشَيْنَا حَتَّى اسْتَوَيْنَا بِالصَّفِّ فَلَمَّا فَرَغَ الْإِمَامُ قُمْت أَقْضِي فَقَالَ قَدْ أَدْرَكْته "، وَهَذِهِ آثَارٌ مَوْقُوفَةٌ، وَفِي الْآخَرِ دَلِيلٌ - أَيْ مَأْنُوسٌ بِمَا ذَهَبَ وَهُوَ أَحَدُ احْتِمَالَاتِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَإِلَّا فَإِنَّهَا آثَارٌ مَوْقُوفَةٌ لَيْسَتْ بِأَدِلَّةٍ - عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ حَدِيثُ الْبَابِ بِلَفْظِ " فَاقْضُوا " عِوَضَ أَتِمُّوا، وَالْقَضَاءُ يُطْلَقُ عَلَى أَدَاءِ الشَّيْءِ فَهُوَ فِي مَعْنَى أَتِمُّوا فَلَا مُغَايَرَةَ ثُمَّ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يُدْرِكُهُ اللَّاحِقُ مَعَ إمَامِهِ هَلْ هِيَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ أَوْ آخِرُهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهَا أَوَّلُهَا وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَرَكَعَ مَعَهُ هَلْ تَسْقُطُ قِرَاءَةُ تِلْكَ الرَّكْعَةِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْفَاتِحَةَ فَيَعْتَدُّ بِهَا أَوْ لَا تَسْقُطُ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا قِيلَ: يَعْتَدُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ وَقِيلَ لَا يَعْتَدُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ فَاتَتْهُ الْفَاتِحَةُ وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَتَرَجَّحَ عِنْدَنَا الْإِجْزَاءُ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ حَيْثُ رَكَعَ وَهُمْ رُكُوعٌ ثُمَّ أَقَرَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَهَاهُ عَنْ الْعَوْدَةِ إلَى الدُّخُولِ قَبْلَ الِانْتِهَاءِ إلَى الصَّفِّ كَمَا عَرَفْت.

стр. 358

صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ٣٩٢ - «وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ» أَيْ أَكْثَرُ أَجْرًا مِنْ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا «وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ)، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَالْعُقَيْلِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ «صَلَاةُ الرَّجُلَيْنِ يَؤُمُّ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ صَلَاةِ مِائَةٍ تَتْرَى»، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إمَامٌ وَمَأْمُومٌ وَيُوَافِقُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِيهِمَا ضَعْفٌ وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ (بَابُ اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ) وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَجُلٌ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ مَا حَبَسَك يَا فُلَانُ عَنْ الصَّلَاةِ فَذَكَرَ شَيْئًا اعْتَلَّ بِهِ قَالَ فَقَامَ يُصَلِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّي مَعَهُ فَقَامَ رَجُلٌ مَعَهُ» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. (وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالرَّاءِ وَالْقَافِ هِيَ أُمُّ وَرَقَةَ بِنْتُ نَوْفَلٍ الْأَنْصَارِيَّةُ وَقِيلَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُوَيْمِرٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا وَيُسَمِّيهَا الشَّهِيدَةَ وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتْ الْقُرْآنَ وَكَانَتْ تَؤُمُّ أَهْلَ دَارِهَا وَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَك. .. الْحَدِيثَ. وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، وَكَانَ لَهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ فَدَبَّرَتْهُمَا. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْغُلَامَ، وَالْجَارِيَةَ قَامَا إلَيْهَا فِي اللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ هَذَيْنِ أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا فَوُجِدَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَصَلَبَهُمَا وَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا

стр. 359

٣٩٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ أَعْمَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد ٣٩٤ - وَنَحْوُهُ لِابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - ٣٩٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ أَهْلَ دَارِهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ فَإِنَّهُ كَانَ لَهَا مُؤَذِّنٌ وَكَانَ شَيْخًا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّهُ وَغُلَامَهَا وَجَارِيَتَهَا وَذَهَبَ إلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْجَمَاهِيرُ. ، وَأَمَّا إمَامَةُ الرَّجُلِ النِّسَاءَ فَقَطْ فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ «أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَمِلْت اللَّيْلَةَ عَمَلًا قَالَ مَا هُوَ قَالَ نِسْوَةٌ مَعِي فِي الدَّارِ قُلْنَ إنَّك تَقْرَأُ، وَلَا نَقْرَأُ فَصَلِّ بِنَا فَصَلَّيْت ثَمَانِيًا، وَالْوِتْرَ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ فَرَأَيْنَا أَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا» قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي إسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ قَالَ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَتَقَدَّمَ اسْمُهُ فِي الْأَذَانِ (يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد) فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد أَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ يَؤُمُّ النَّاسَ»، وَالْمُرَادُ اسْتِخْلَافُهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَقَدْ عُدَّتْ مَرَّاتُ الِاسْتِخْلَافِ لَهُ فَبَلَغَتْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْأَعْمَى مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةِ ذَلِكَ. (وَنَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ أَنَسٍ (لِابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.

стр. 360

٣٩٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ، وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» أَيْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ «وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ لَا يَثْبُتُ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَالَ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْوَاجِبَاتِ وَذَهَبَ إلَى هَذَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى وَذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى قَاطِعَ الطَّرِيقِ، وَالْبَاغِيَ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ إذَا صُلِبَ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ فَلَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَمِنْهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَيْهِ. وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَقَالَ ﷺ أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ عُمُومَ شَرْعِيَّةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا يُخَصُّ مِنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ. فَأَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ، وَأَنَّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ صَحَّتْ إمَامَتُهُ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ، وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَمُعَاذٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ وَقَالَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا - الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ " لَا أَرَاهُ عَلَى حَالٍ إلَّا كُنْت عَلَيْهَا " وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِانْقِطَاعُ إذْ الظَّاهِرُ أَوْ الرَّاوِي لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ غَيْرُ مُعَاذٍ بَلْ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالِانْقِطَاعُ إنَّمَا اُدُّعِيَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُعَاذٍ قَالُوا؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ وَقَدْ سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَالَ هُنَا " أَصْحَابُنَا "، وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَحِقَ بِالْإِمَامِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ

стр. 361

باب صلاة المسافر والمريض ٣٩٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا فَإِنَّهُ يَعْتَدُّ بِمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ كَمَا سَلَفَ فَإِذَا كَانَ قَاعِدًا أَوْ سَاجِدًا قَعَدَ بِقُعُودِهِ وَسَجَدَ بِسُجُودِهِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ وَتَقَدَّمَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ «مَنْ وَجَدَنِي قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا»، وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مَرْفُوعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا جِئْتُمْ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِيهِ مَرْفُوعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» وَتَرْجَمَ لَهُ (بَابُ ذِكْرِ الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَأْمُومُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ إذَا رَكَعَ إمَامُهُ) وَقَوْلُهُ " فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ " لَيْسَ صَرِيحًا أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بَلْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ إمَّا بِهَا إذَا كَانَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا، فَيُكَبِّرُ اللَّاحِقُ مِنْ قِيَامٍ ثُمَّ يَرْكَعُ أَوْ بِالْكَوْنِ مَعَهُ فَقَطْ وَمَتَى قَامَ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ شَرْعِيَّةَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ حَالَ الْقِيَامِ لِلْمُنْفَرِدِ، وَالْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنْ لَا تُجْزِئَ إلَّا كَذَلِكَ، وَذَلِكَ أَصْرَحُ مِنْ دُخُولِهَا بِالِاحْتِمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ) فِي الْأَعْذَارِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ. أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الْمُنَادِيَ يُنَادِي فَيُنَادِي صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، وَفِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ» وَعَنْ جَابِرٍ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَمُطِرْنَا فَقَالَ لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا فَقَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ " وَعِنْدَ مُسْلِمٍ " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ مُؤَذِّنَهُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ بِنَحْوِهِ "، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يُعَجِّلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ»، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ»، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ " قَالَ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ إقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ ".

стр. 362

صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَلِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْأَوَّلِ - زَادَ أَحْمَدُ: إلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإِلَّا الصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ " أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ) مَا عَدَا الْمَغْرِبَ (رَكْعَتَيْنِ) أَيْ حَضَرًا وَسَفَرًا (فَأُقِرَّتْ) أَيْ أَقَرَّ اللَّهُ (صَلَاةَ السَّفَرِ) بِإِبْقَائِهَا رَكْعَتَيْنِ (وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ) مَا عَدَا الْمَغْرِبَ يُرِيدُ فِي الثَّلَاثِ الصَّلَوَاتِ رَكْعَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِأُتِمَّتْ زِيدَ فِيهَا حَتَّى كَانَتْ تَامَّةً بِالنَّظَرِ إلَى صَلَاةِ السَّفَرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلْبُخَارِيِّ) وَحْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ (ثُمَّ هَاجَرَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا) أَيْ صَارَتْ أَرْبَعًا بِزِيَادَةِ اثْنَتَيْنِ (وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ عَلَى الْفَرْضِ الْأَوَّلِ (زَادَ أَحْمَدُ إلَّا الْمَغْرِبَ) أَيْ زَادَهُ مِنْ رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ بَعْدَ قَوْلِهَا " أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ " أَيْ إلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ ثَلَاثًا (فَإِنَّهَا) أَيْ الْمَغْرِبَ (وِتْرُ النَّهَارِ) فَفُرِضَتْ وِتْرًا ثَلَاثًا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ (وَإِلَّا الصُّبْحَ فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ ؛ لِأَنَّ فُرِضَتْ بِمَعْنَى وَجَبَتْ وَوُجُوبُهُ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: إنَّهُ رُخْصَةٌ وَالتَّمَامُ أَفْضَلُ وَقَالُوا فُرِضَتْ بِمَعْنَى قُدِّرَتْ أَوْ فُرِضَتْ لِمَنْ أَرَادَ الْقَصْرَ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ وَبِأَنَّهُ سَافَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْصُرُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُتِمُّ، وَلَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَبِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُتِمُّ وَكَذَلِكَ عَائِشَةُ أَخْرَجَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ وَرَدَّ بِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالُ صَحَابَةٍ لَا حُجَّةَ فِيهَا وَبِأَنَّهُ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا " صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ نَزَلَتَا مِنْ السَّمَاءِ فَإِنْ شِئْتُمْ فَرُدُّوهُمَا " قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ مَوْثُوقُونَ وَهُوَ تَوْقِيفٌ إذْ لَا مَسْرَحَ فِيهِ لِلِاجْتِهَادِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْهُ فِي الْكَبِيرِ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ " صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ "، وَفِي قَوْلِهِ السُّنَّةَ دَلِيلٌ عَلَى رَفْعِهِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: كَانَ يَقْتَصِرُ ﷺ الرُّبَاعِيَّةَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مُسَافِرًا إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَمَّ الرُّبَاعِيَّةَ فِي السَّفَرِ أَلْبَتَّةَ، وَفِي قَوْلِهَا " إلَّا الْمَغْرِبَ " دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ شَرْعِيَّتَهَا فِي الْأَصْلِ ثَلَاثًا لَمْ تَتَغَيَّرْ وَقَوْلُهَا (إنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ) أَيْ صَلَاةُ النَّهَارِ كَانَتْ شَفْعًا، وَالْمَغْرِبُ آخِرُهَا لِوُقُوعِهَا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ فَهِيَ وِتْرٌ لِصَلَاةِ النَّهَارِ كَمَا أَنَّهُ شُرِعَ الْوِتْرُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالْوِتْرُ مَحْبُوبٌ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَقَوْلُهَا " إلَّا الصُّبْحَ " فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ تُرِيدُ

стр. 363

٣٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. إلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ لَا يُقْصَرُ فِي صَلَاتِهَا فَإِنَّهَا رَكْعَتَانِ حَضَرًا وَسَفَرًا؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِيهَا تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ وَلِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهَا فِي الْآيَةِ بِقُرْآنِ الْفَجْرِ لَمَّا كَانَتْ الْقِرَاءَةُ مُعْظَمَ أَرْكَانِهَا لِطُولِهَا فِيهَا فَعُبِّرَ عَنْهَا بِهَا مِنْ إطْلَاقِ الْجُزْءِ الْأَعْظَمِ عَلَى الْكُلِّ. ٣٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. إلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ،، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ» الْأَرْبَعَةُ الْأَفْعَالُ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا، وَهَذَا (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرُوَاتُهُ) مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ (ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا وَقَالَتْ " إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ) وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ فَإِنَّ عُرْوَةَ رَوَى عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ، وَأَنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ كَمَا فِي الصَّحِيحِ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ رِوَايَةٌ لَمْ يَقُلْ عُرْوَةُ إنَّهَا تَأَوَّلَتْ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ خِلَافُ ذَلِكَ ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْبَيْهَقِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ مَعَهُ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ حَتَّى إذَا قَدِمَتْ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَتْمَمْتُ وَقَصَرْتُ، وَأَفْطَرْتُ وَصُمْتُ فَقَالَ أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ وَمَا عَابَ عَلَيَّ» قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَدْ رُوِيَ " كَانَ يَقْصُرُ وَتُتِمُّ " الْأَوَّلُ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَالثَّانِي بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَكَذَلِكَ يُفْطِرُ وَتَصُومُ أَيْ تَأْخُذُ هِيَ بِالْعَزِيمَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَهَذَا بَاطِلٌ مَا كَانَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لِتُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ فَتُصَلِّيَ خِلَافَ صَلَاتِهِمْ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهَا " إنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ " فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهَا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهَا تُصَلِّي خِلَافَ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ. قُلْت وَقَدْ أَتَمَّتْ عَائِشَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ إنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ انْتَهَى هَذَا وَحَدِيثُ الْبَابِ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي اتِّصَالِهِ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ إنَّهُ أَدْرَكَ عَائِشَةَ وَهُوَ مُرَاهِقٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ أُدْخِلَ عَلَيْهَا وَهُوَ صَغِيرٌ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا وَادَّعَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّحَاوِيُّ ثُبُوتَ سَمَاعِهِ مِنْهَا وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ فِي السُّنَنِ إسْنَادُهُ

стр. 364

٣٩٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَفِي رِوَايَةٍ " كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ " ٤٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ حَسَنٌ وَقَالَ فِي الْعِلَلِ الْمُرْسَلُ أَشْبَهُ. هَذَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ وَرَاجَعْت سُنَنَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَرَأَيْته سَاقَهُ وَقَالَ إنَّهُ صَحِيحٌ ثُمَّ فِيهِ الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ كَانَ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ الثِّقَاتِ مِمَّا لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ الْأَثْبَاتِ انْتَهَى. فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِيمَا لَمْ يُوَافِقْ الْأَثْبَاتَ، وَبَطَلَ بِهَذَا ادِّعَاءُ ابْنِ حَزْمٍ جَهَالَتَهُ فَقَدْ عُرِفَ عَيْنًا وَحَالًا وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مَا لَفْظُهُ: وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ يَقُولُ، وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى يُرِيدُ رِوَايَةَ يَقْصُرُ وَيُتِمُّ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ بِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ رُبَاعِيَّةً فِي سَفَرٍ، وَلَا صَامَ فِيهِ فَرْضًا. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَفِي رِوَايَةٍ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ) فُسِّرَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ بِرِضَاهُ وَكَرَاهَتُهُ بِخِلَافِهَا وَعِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ الرُّخْصَةَ مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ لِعُذْرِ، وَالْعَزِيمَةُ مُقَابِلُهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا سَهَّلَهُ لِعِبَادِهِ وَوَسَّعَهُ عِنْدَ الشِّدَّةِ مِنْ تَرْكِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ، وَإِبَاحَةِ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ. ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الرُّخْصَةِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِ الْعَزِيمَةِ كَذَا قِيلَ وَلَيْسَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ بَلْ يَدُلُّ عَلَى مُسَاوَاتِهَا لِلْعَزِيمَةِ، وَالْحَدِيثُ يُوَافِقُ قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخَ

стр. 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ " إذَا خَرَجَ " إذَا كَانَ قَصْدُهُ مَسَافَةَ هَذَا الْقَدْرِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا طَوِيلًا فَلَا يَقْصُرُ إلَّا بَعْدَ هَذِهِ الْمَسَافَةِ وَقَوْلُهُ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَلَيْسَ التَّخْيِيرُ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ شَكَّ فِيهِ شُعْبَةُ قِيلَ فِي حَدِّ الْمِيلِ هُوَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الشَّخْصِ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ فَلَا يَدْرِي أَهُوَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَرِضَةً مُتَعَادِلَةً، وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَرِضَةً مُتَعَادِلَةً، وَقِيلَ: هُوَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ بِقَدَمِ الْإِنْسَانِ وَقِيلَ: هُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ، وَقِيلَ: أَلْفُ خُطْوَةٍ لِلْجَمَلِ وَقِيلَ: ثَلَاثُ آلَافِ ذِرَاعٍ بِالْهَاشِمِيِّ وَهُوَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ أُصْبُعًا، وَهُوَ ذِرَاعُ الْهَادِي ﵇ وَهُوَ الذِّرَاعُ الْعُمَرِيُّ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ فِي صَنْعَاءَ وَبِلَادِهَا. وَأَمَّا الْفَرْسَخُ فَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ قَوْلًا حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ فَذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ إلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: مَسَافَةُ الْقَصْرِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَأُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى التَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ نَعَمْ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى التَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثَةِ الْفَرَاسِخِ إذْ الْأَمْيَالُ دَاخِلَةٌ فِيهَا فَيُؤْخَذُ بِالْأَكْثَرِ، وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ لَكِنْ قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَى التَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثَةِ الْفَرَاسِخِ أَحَدٌ نَعَمْ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ لِلظَّاهِرِيَّةِ بِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا سَافَرَ فَرْسَخًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْفَرْسَخَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا خَرَجْتُ مِيلًا قَصَرْتُ الصَّلَاةَ "، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ دَاوُد وَيَلْحَقُ بِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُ الْبَاقِرِ وَالصَّادِقِ وَأَحْمَدَ بْنِ عِيسَى وَالْهَادِي وَغَيْرِهِمْ: إنَّهُ يَقْصُرُ فِي مَسَافَةِ بَرِيدٍ فَصَاعِدًا مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُسَافِرُ بَرِيدًا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد قَالُوا فَسَمَّى مَسَافَةَ الْبَرِيدِ سَفَرًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى الْأَقَلُّ مِنْ هَذِهِ الْمَسَافَةِ سَفَرًا، وَإِنَّمَا هَذَا تَحْدِيدٌ لِلسَّفَرِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْمَحْرَمُ. وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَمَسَافَةِ وُجُوبِ الْمَحْرَمِ لِجَوَازِ التَّوْسِعَةِ فِي إيجَابِ الْمَحْرَمِ تَخْفِيفًا عَلَى الْعِبَادِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْمُؤَيَّدُ وَغَيْرُهُمَا، وَالْحَنَفِيَّةُ: بَلْ مَسَافَتُهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا لِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ فَوْقَ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ إلَّا مَعَ مَحْرَمٍ» قَالُوا وَسَيْرُ الْإِبِلِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَمَانِيَةُ فَرَاسِخَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَلْ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ» وَسَيَأْتِي، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَبِأَنَّهُ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ " أَنَّهُ سُئِلَ أَتُقْصَرُ الصَّلَاةُ مِنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ قَالَ لَا وَلَكِنْ إلَى

стр. 366

٤٠١ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ. فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. ٤٠٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ : تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ»، وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: سَبْعَ عَشْرَةَ، وَفِي أُخْرَى: خَمْسَ عَشْرَةَ عُسْفَانَ، وَإِلَى جُدَّةَ، وَإِلَى الطَّائِفِ "، وَهَذِهِ الْأَمْكِنَةُ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَالْأَقْوَالُ مُتَعَارِضَةٌ كَمَا سَمِعْتَ، وَالْأَدِلَّةُ مُتَقَاوِمَةٌ قَالَ فِي زَادِ الْمَعَادِ: وَلَمْ يَحُدَّ ﷺ لِأُمَّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ، وَالْفِطْرِ بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ كَمَا أَطْلَقَ لَهُمْ التَّيَمُّمَ فِي كُلِّ سَفَرٍ، وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مِنْ التَّحْدِيدِ بِالْيَوْمِ، وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِيهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَجَوَازُ الْقَصْرِ، وَالْجَمْعِ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ. (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ وَكَانَ يُصَلِّي أَيْ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» أَيْ كُلَّ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَيْنِ (حَتَّى رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي سَفَرِهِ فِي عَامِ الْفَتْحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إلَّا أَنَّ فِيهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد زِيَادَةً " أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَنَسٍ هَلْ أَقَمْتُمْ بِهَا شَيْئًا قَالَ أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا " وَيَأْتِي أَنَّهُمْ أَقَامُوا فِي الْفَتْحِ زِيَادَةً عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد أَنَّ هَذَا أَيْ خَمْسَ عَشْرَةَ وَنَحْوَهَا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ. ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ مَعَ إقَامَتِهِ فِي مَكَّةَ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ يَقْتَضِي الْقَصْرَ وَلَوْ لَمْ يُجَاوِزْ مِنْ الْبَلَدِ مِيلًا، وَلَا أَقَلَّ، وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ يَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ الْبَلَدَ، وَلَوْ صَلَّى وَبُيُوتُهَا بِمَرْأًى مِنْهُ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ». وَفِي لَفْظٍ) تَعْيِينُ مَحَلِّ الْإِقَامَةِ، وَأَنَّهُ (بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد)

стр. 367

٤٠٣ - وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ٤٠٤ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ؛ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (سَبْعَ عَشْرَةَ) بِالتَّذْكِيرِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مُمَيِّزَهُ يَوْمًا، وَهُوَ مُذَكَّرٌ وَبِالتَّأْنِيثِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد؛ لِأَنَّهُ حَذَفَ مُمَيِّزَهُ وَتَقْدِيرُهُ لَيْلَةً، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد عَنْهُ تِسْعَةَ عَشَرَ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى (وَفِي أُخْرَى) أَيْ لِأَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (خَمْسَ عَشْرَةَ وَلَهُ) أَيْ لِأَبِي دَاوُد - وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ) وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُد «شَهِدْت مَعَهُ الْفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» (وَلَهُ) أَيْ لِأَبِي دَاوُد. (عَنْ جَابِرٍ «أَقَامَ أَيْ النَّبِيُّ ﵌ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ) فَوَصَلَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَبُو دَاوُد: غَيْرُ مَعْمَرٍ لَا يُسْنِدُهُ فَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ بِالْإِرْسَالِ وَالِانْقِطَاعِ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ " بِضْعَ عَشْرَةَ ". وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا دَاوُد تَرْجَمَ لِبَابِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ (بَابُ: مَتَى يُتِمُّ الْمُسَافِرُ) ثُمَّ سَاقَهَا ، وَفِيهَا كَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ " مَنْ أَقَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ قَصَرَ وَمَنْ أَقَامَ أَكْثَرَ أَتَمَّ " وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَدْرِ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ الَّتِي إذَا عَزَمَ الْمُسَافِرُ عَلَى إقَامَتِهَا أَتَمَّ فِيهَا الصَّلَاةَ عَلَى أَقْوَالٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ: إنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵇ " إذَا أَقَمْت عَشْرًا فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ " أَخْرَجَهُ الْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ مِنْ طُرُقٍ فِيهَا ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْرِيبِ: إنَّهُ غَيْرُ ثِقَةٍ قَالُوا: وَهُوَ تَوْقِيفٌ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُسْتَدِلِّينَ بِإِحْدَى رِوَايَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِقَوْلِهِ وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " إذَا قَدِمْت بَلْدَةً، وَأَنْتَ مُسَافِرٌ، وَفِي نَفْسِك أَنْ تُقِيمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَكْمِلْ الصَّلَاةَ " وَذَهَبَتْ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ أَقَلَّهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ يَوْمِ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَنْعِهِ ﷺ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ مُضِيِّ النُّسُكِ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي مَكَّةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَيَّامِ يَصِيرُ مُقِيمًا وَثَمَّ أَقْوَالٌ أُخَرُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ

стр. 368

٤٠٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ارْتَحَلَ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ فِي الْأَرْبَعِينَ: بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ. وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ: «كَانَ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَزَالَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ» دَخَلَ الْبَلَدَ عَازِمًا عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ تَرَدَّدَ فِي الْإِقَامَةِ، وَلَمْ يَعْزِمْ فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا. فَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ يَقْصُرُ إلَى شَهْرٍ لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵇ " إنَّهُ مَنْ يَقُولُ الْيَوْمَ أَخْرُجُ غَدًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ شَهْرًا " وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ بِهِ الْإِمَامُ يَحْيَى إنَّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا إذْ الْأَصْلُ السَّفَرُ وَلِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِأَذَرْبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَقَامَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَقَامُوا بِرَامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ وَسَبْعَةَ عَشَرَ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَتْ الرِّوَايَاتُ فِي مُدَّةِ إقَامَتِهِ ﷺ فِي مَكَّةَ وَتَبُوكَ، وَأَنَّهُ بَعْدَمَا يُجَاوِزُ مُدَّةَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي قَصَرَ فِيهَا عَلَى نَفْيِ الْقَصْرِ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَقْصُرُ كَمَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بِالْبَقَاءِ مَعَ التَّرَدُّدِ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْإِقَامَةِ وَالرَّحِيلِ مُقِيمًا، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ بِتَبُوكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ لِلصَّلَاةِ» ثُمَّ قَالَ تَفَرَّدَ بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَارَةَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ارْتَحَلَ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَيْ قَبْلَ الزَّوَالِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ» أَيْ وَحْدَهُ، وَلَا يَضُمُّ إلَيْهِ الْعَصْرَ (ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ تَأْخِيرًا وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا تَقْدِيمًا لِقَوْلِهِ " صَلَّى الظُّهْرَ " إذْ لَوْ جَازَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ لَضَمَّ إلَيْهِ الْعَصْرَ، وَهَذَا الْفِعْلُ مِنْهُ ﷺ يُخَصِّصُ أَحَادِيثَ التَّوْقِيتِ الَّتِي مَضَتْ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ إلَى جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمُسَافِرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّأْخِيرِ

стр. 369

٤٠٦ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَبِمَا يَأْتِي فِي التَّقْدِيمِ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ جَمْعُ التَّأْخِيرِ فَقَطْ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ وَذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لَا تَقْدِيمًا، وَلَا تَأْخِيرًا لِلْمُسَافِرِ وَتَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِنْ جَمْعِهِ ﷺ بِأَنَّهُ جَمْعٌ صُورِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَقَدَّمَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَمِثْلُهُ الْعِشَاءُ، وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ، وَإِنْ تَمَشَّى لَهُمْ هَذَا فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ لَمْ يَتِمَّ لَهُمْ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ فِي الْأَرْبَعِينَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ) أَيْ إذَا زَاغَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الْفَرِيضَتَيْنِ مَعًا (ثُمَّ رَكِبَ) فَإِنَّهَا أَفَادَتْ ثُبُوتَ جَمْعِ التَّقْدِيمِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ . وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْجَمْعُ الصُّورِيُّ (وَ) مِثْلُهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي (لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ) أَيْ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ. «كَانَ أَيْ النَّبِيُّ ﷺ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ» فَقَدْ أَفَادَتْ رِوَايَةُ الْحَاكِمِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ ثُبُوتَ جَمْعِ التَّقْدِيمِ أَيْضًا وَهُمَا رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ كَمَا قَالَ فِي الْمُصَنَّفِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ حَسَّنَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَحَ فِيهَا وَجَعَلَهَا مَوْضُوعَةً وَهُوَ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ حَكَمَ بِوَضْعِهَا ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْحَاكِمِ فِي بَيَانِ وَضْعِ الْحَدِيثِ ثُمَّ رَدَّهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، وَسُكُوتُ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَيْهِ وَجَزْمُهُ بِأَنَّهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَى رَدِّهِ لِكَلَامِ الْحَاكِمِ، وَيُؤَيِّدُ صِحَّتَهُ قَوْلُهُ. ٤٠٦ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) إلَّا أَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِجَمْعِ التَّأْخِيرِ لَا غَيْرَ، أَوْ لَهُ وَلِجَمْعِ التَّقْدِيمِ وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ «كَانَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا» فَهُوَ كَالتَّفْصِيلِ لِمُجْمَلِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ قُتَيْبَةُ لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ اللَّيْثِ غَيْرَهُ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدِيثُ مُعَاذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعَاذٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ

стр. 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ» انْتَهَى إذَا عَرَفَتْ هَذَا فَجَمْعُ التَّقْدِيمِ فِي ثُبُوتِ رِوَايَتِهِ مَقَالٌ إلَّا رِوَايَةَ الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ لَا مَقَالَ فِيهَا وَقَدْ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ لِثُبُوتِ الرِّوَايَةِ بِهِ لَا جَمْعُ التَّقْدِيمِ وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ لِلْمُسَافِرِ هَلْ الْجَمْعُ أَوْ التَّوْقِيتُ فَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ تَرْكُ الْجَمْعِ أَفْضَلُ وَقَالَ مَالِكٌ إنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَهُ عُذْرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ لَمْ يَكُنْ ﷺ يَجْمَعُ رَاتِبًا فِي سَفَرِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، وَلَا يَجْمَعُ حَالَ نُزُولِهِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَجْمَعُ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، وَإِذَا سَارَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ كَمَا فِي أَحَادِيثِ تَبُوكَ، وَأَمَّا جَمْعُهُ وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ مُسَافِرٍ فَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُ إلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ لِأَجْلِ اتِّصَالِ الْوُقُوفِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَشَيْخُنَا وَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ تَمَامِ النُّسُكِ، وَأَنَّهُ سَبَبٌ وَقَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: إنَّ سَبَبَ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ السَّفَرُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ فِي الْحَضَرِ فَقَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ ذِكْرِ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهِ فِيهِ: إنَّهُ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي الْحَضَرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُبَيِّنَةِ لِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلِمَا تَوَاتَرَ مِنْ مُحَافَظَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَوْقَاتِهَا حَتَّى قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «مَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا»، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ» قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا أَرَادَ إلَى ذَلِكَ قَالَ أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيِّنٍ لِجَمْعِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَتَعْيِينُ وَاحِدٍ مِنْهَا تَحَكُّمٌ فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَدِيثِ الْأَوْقَاتِ لِلْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، وَتَخْصِيصُ الْمُسَافِرِ لِثُبُوتِ الْمُخَصَّصِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْحَاسِمُ. وَأَمَّا مَا يُرْوَى مِنْ الْآثَارِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَغَيْرُ حُجَّةٍ إذْ لِلِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ مَسْرَحٌ وَقَدْ أَوَّلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْجَمْعِ الصُّورِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَرَجَّحَهُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالطَّحَاوِيُّ وَقَوَّاهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ لِمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ - رَاوِي الْحَدِيثِ - عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ " قُلْت يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ قَالَ، وَأَنَا أَظُنُّهُ " قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَدْرَى بِالْمُرَادِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ أَبُو الشَّعْثَاءِ بِذَلِكَ. ، وَأَقُولُ إنَّمَا هُوَ ظَنٌّ مِنْ الرَّاوِي وَاَلَّذِي يُقَالُ فِيهِ: أَدْرَى بِمَا رَوَى إنَّمَا يَجْرِي تَفْسِيرُهُ لِلَّفْظِ مَثَلًا. عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى نَظَرًا فَإِنَّ

стр. 371

٤٠٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ قَوْلَهُ ﷺ «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» يَرُدُّ عُمُومَهَا نَعَمْ يَتَعَيَّنُ هَذَا التَّأْوِيلُ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ النَّسَائِيّ فِي أَصْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمْعًا وَسَبْعًا جَمْعًا أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ»، وَالْعَجَبُ مِنْ النَّوَوِيِّ كَيْفَ ضَعَّفَ هَذَا التَّأْوِيلَ وَغَفَلَ عَنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ، وَالْمُطْلَقُ فِي رِوَايَةٍ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إذَا كَانَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي هَذَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ قَوْلَهُ " أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ " يُضَعِّفُ هَذَا الْجَمْعِ الصُّورِيَّ لِوُجُودِ الْحَرَجِ فِيهِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ ذَلِكَ أَيْسَرُ مِنْ التَّوْقِيتِ إذْ يَكْفِي لِلصَّلَاتَيْنِ تَأَهُّبٌ وَاحِدٌ وَقَصْدٌ وَاحِدٌ إلَى الْمَسْجِدِ وَوُضُوءٌ وَاحِدٌ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ بِخِلَافِ الْوَقْتَيْنِ فَالْحَرَجُ فِي هَذَا الْجَمْعِ لَا شَكَّ أَخَفُّ. وَأَمَّا قِيَاسُ الْحَاضِرِ عَلَى الْمُسَافِرِ كَمَا قِيلَ فَوَهْمٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ هِيَ السَّفَرُ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِثْلُهُ فِي الْقَصْرِ، وَالْفِطْرِ انْتَهَى. قُلْت وَهُوَ كَلَامٌ رَصِينٌ وَقَدْ كُنَّا ذَكَرْنَا مَا يُلَاقِيهِ فِي رِسَالَتِنَا الْيَوَاقِيتِ فِي الْمَوَاقِيتِ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ ﵀ وَجَزَاهُ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ جَمْعَ التَّقْدِيمِ فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ كَمَنْ صَلَّى الصَّلَاةَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَيَكُونُ حَالُ الْفَاعِلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الْآيَةَ مِنْ ابْتِدَائِهَا، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ الْمُقَدَّمَةُ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا بِمَنْطُوقٍ، وَلَا مَفْهُومٍ، وَلَا عُمُومٍ، وَلَا خُصُوصٍ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ نَسَبَهُ الثَّوْرِيُّ إلَى الْكَذِبِ، وَقَالَ الْأَزْدِيُّ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ) أَيْ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَكِنْ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسْرَحٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ رَأْيِهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي التَّحْدِيدِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.

стр. 372

٤٠٨ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِينَ إذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصُرُوا، وَأَفْطَرُوا» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَهُوَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصَرًا ٤٠٩ - وَعَنْ «عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ٤١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «عَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: صَلِّ عَلَى الْأَرْضِ إنْ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِينَ إذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصُرُوا، وَأَفْطَرُوا» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَهُوَ فِي مُرْسَلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصَرًا) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ، وَالْفِطْرَ أَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ مِنْ خِلَافِهِمَا، وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ تَرْكُ الْجَمْعِ أَفْضَلُ فَقِيَاسُ هَذَا أَنْ يَقُولُوا التَّمَامُ أَفْضَلُ وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ لِضَعْفِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ أَعَادَ هُنَا حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَحَدِيثَ جَابِرٍ وَهُمَا قَوْلُهُ. وَعَنْ «عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ» هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَلَفَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فَقَالَ «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) هُوَ كَمَا قَالَ وَلَمْ يَنْسُبْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ إلَى أَحَدٍ وَقَدْ بَيَّنَّا مَنْ رَوَاهُ غَيْرَ الْبُخَارِيِّ وَمَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ. (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «عَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى

стр. 373

٤١١ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ باب الجمعة ٤١٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ - «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَا وَقَالَ صَلِّ عَلَى الْأَرْضِ إنْ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ) زَادَ فِيمَا مَضَى أَنَّهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي آخِرِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ بِلَفْظِهِمَا وَشَرَحْنَاهُمَا هُنَالِكَ فَتَرَكْنَا شَرْحَهُمَا هُنَا لِذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ هُنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِهِ وَشَرَحَهُ الشَّارِحُ وَقَالَ هُنَا: صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَهُنَا قَالَ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ: (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﵌ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ لَا مِنْ أَحَادِيثِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، وَقَدْ أَتَى بِهِ فِيمَا سَلَفَ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِفَةِ قُعُودِ الْمُصَلِّي إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ عَنْ الْقِيَامِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي تَقَدَّمَ. الْجُمُعَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفِيهَا الْإِسْكَانُ، وَالْفَتْحُ مِثْلُ هُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَكَانَتْ تُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْعَرُوبَةَ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ». (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ)

стр. 374

٤١٣ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: كُنَّا نَجْمَعُ مَعَهُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ أَيْ مِنْبَرِهِ الَّذِي مِنْ عُودٍ لَا عَلَى الَّذِي كَانَ مِنْ الطِّينِ، وَلَا عَلَى الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ، وَهَذَا الْمِنْبَرُ عُمِلَ لَهُ ﷺ سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ عَمِلَهُ لَهُ غُلَامُ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ نَجَّارًا وَاسْمُهُ عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ مَيْمُونٌ كَانَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجٍ وَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ حَتَّى زَادَهُ مَرْوَانُ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ سِتَّ دَرَجٍ مِنْ أَسْفَلِهِ وَلَهُ قِصَّةٌ فِي زِيَادَتِهِ وَهِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى دِمَشْقَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُلِعَ فَأَظْلَمَتْ الْمَدِينَةُ فَخَرَجَ مَرْوَانُ فَخَطَبَ فَقَالَ إنَّمَا أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَرْفَعَهُ، وَقَالَ إنَّمَا زِدْت عَلَيْهِ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى احْتَرَقَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَاحْتَرَقَ (" لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَرْكِهِمْ (الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الْخَتْمُ الِاسْتِيثَاقُ مِنْ الشَّيْءِ بِضَرْبِ الْخَاتَمِ عَلَيْهِ كَتْمًا لَهُ وَتَغْطِيَةً لِئَلَّا يُتَوَصَّلَ إلَيْهِ، وَلَا يُطَّلَعَ عَلَيْهِ شُبِّهَتْ الْقُلُوبُ بِسَبَبِ إعْرَاضِهِمْ عَنْ الْحَقِّ وَاسْتِكْبَارِهِمْ عَنْ قَبُولِهِ وَعَدَمِ نُفُوذِ الْحَقِّ إلَيْهَا بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي اُسْتُوْثِقَ عَلَيْهَا بِالْخَتْمِ فَلَا يَنْفُذُ إلَى بَاطِنِهَا شَيْءٌ، وَهَذِهِ عُقُوبَةٌ عَلَى عَدَمِ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَدَمِ إتْيَانِ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابِ تَيْسِيرِ الْعُسْرَى (ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ) بَعْدَ خَتَمَهُ - تَعَالَى - عَلَى قُلُوبِهِمْ فَيَغْفُلُونَ عَنْ اكْتِسَابِ مَا يَنْفَعُهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ وَعَنْ تَرْكِ مَا يَضُرُّهُمْ مِنْهَا. ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْظَمِ الزَّوَاجِرِ عَنْ تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهَا، وَفِيهِ إخْبَارٌ بِأَنَّ تَرْكَهَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْخِذْلَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ وَقَالَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ) أَيْ مِنْ رِوَايَةِ سَلَمَةَ (كُنَّا نَجْمَعُ مَعَهُ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ (إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ

стр. 375

٤١٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَذَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَوَّلِ زَوَالِ الشَّمْسِ وَالنَّفْيُ فِي قَوْلِهِ " وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ " مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقَيْدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " إنَّهُ يُسْتَظَلُّ بِهِ " لَا نَفْيٌ لِأَصْلِ الظِّلِّ حَتَّى يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ هُوَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقْتُهَا صَلَاةُ الْعِيدِ، وَقَبْلَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، وَأَجَازَ مَالِكٌ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ دُونَ الصَّلَاةِ وَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمَا بَعْدَهُ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَذْهَبُ إلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ يَعْنِي النَّوَاضِحَ»، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ " شَهِدْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ الْجُمُعَةَ فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ شَهِدْتهَا مَعَ عُمَرَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ شَهِدْتهَا مَعَ عُثْمَانَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ زَالَ النَّهَارُ فَمَا رَأَيْت أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ، وَلَا أَنْكَرَهُ " وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَسَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ " أَنَّهُمْ صَلُّوا قَبْلَ الزَّوَالِ وَدَلَالَةُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَاضِحَةٌ وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي سَبَقَ مِنْ الْجُمْهُورِ يَدْفَعُهُ أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ قِرَاءَتِهِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ وَخُطْبَتَهُ لَوْ كَانَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمَا ذَهَبُوا مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا وَلِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَحَقَّقْنَا فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ أَنَّ وَقْتَهَا الزَّوَالُ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ. - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَذَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ سَهْلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ الْخَزْرَجِيُّ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيُّ قِيلَ: كَانَ اسْمُهُ حَزَنًا فَسَمَّاهُ ﷺ سَهْلًا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إحْدَى وَسَبْعِينَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ (قَالَ مَا كُنَّا نَقِيلُ) مِنْ الْقَيْلُولَةِ (وَلَا نَتَغَذَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) فِي النِّهَايَةِ الْمَقِيلُ، وَالْقَيْلُولَةُ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا

стр. 376

٤١٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنْ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٤١٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ نَوْمٌ فَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ أَحْمَدَ، وَإِنَّمَا أَتَى الْمُصَنِّفُ ﵀ بِلَفْظِ رِوَايَةِ " عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " لِئَلَّا يَقُولَ قَائِلٌ إنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ الرَّاوِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَتَقْرِيرِهِ فَدَفَعَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي أَثْبَتَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي الْمَدِينَةِ فِي عَهْدِهِ سِوَاهُ فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ صَلَاتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ لَا يُقِيلُونَ، وَلَا يَتَغَدَّوْنَ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ نَعَمْ كَانَ ﷺ يُسَارِعُ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الزَّوَالِ بِخِلَافِ الظُّهْرِ فَقَدْ كَانَ يُؤَخِّرُهُ بَعْدَهُ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ. (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا فَجَاءَتْ عِيرٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَرَاءٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْعِيرُ الْإِبِلُ بِأَحْمَالِهَا (مِنْ الشَّامِ فَانْفَتَلَ) بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ أَيْ انْصَرَفَ (النَّاسُ إلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ (إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ فِي الْخُطْبَةِ أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا عَدَدٌ مُعَيَّنٌ كَمَا قِيلَ: إنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَلَا مَا قِيلَ: إنَّ أَقَلَّ مَا تَنْعَقِدُ بِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ. ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ هِيَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا الْآيَةُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّهُ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ " أَنَّ خُطْبَتَهُ ﷺ الَّتِي انْفَضُّوا عَنْهَا إنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي الِانْفِضَاضِ عَنْ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ " قَالَ الْقَاضِي، وَهَذَا أَشْبَهُ بِحَالِ أَصْحَابِهِ، وَالْمَظْنُونُ بِهِمْ مَا كَانُوا يَدَعُونَ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنَّهُمْ ظَنُّوا جَوَازَ الِانْصِرَافِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ.

стр. 377

رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَوَّى أَبُو حَاتِمٍ إرْسَالَهُ ٤١٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَك أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا أَيْ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى» فِي الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا يُضِيفُ إلَيْهَا مَا بَقِيَ مِنْ رَكْعَةٍ، وَأَكْثَرَ (وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ " رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لَكِنْ قَوَّى أَبُو حَاتِمٍ إرْسَالَهُ) الْحَدِيثُ أَخْرَجُوهُ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. .. الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ: تَفَرَّدَ بِهِ بَقِيَّةُ عَنْ يُونُسَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ: هَذَا خَطَأٌ فِي الْمَتْنِ، وَالْإِسْنَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا»، وَأَمَّا قَوْلُهُ " مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ " فَوَهْمٌ وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ طَرِيقًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي جَمِيعِهَا مَقَالٌ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ لِلَّاحِقِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الْخُطْبَةِ شَيْئًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْمُؤَيَّدُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّ إدْرَاكَ شَيْءٍ مِنْ الْخُطْبَةِ شَرْطٌ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ بِدُونِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَالٌ لَكِنَّ كَثْرَةَ طُرُقِهِ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ أَحَدُهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ فِيهَا عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ الْأَصْلُ عَدَمُ الشَّرْطِ حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ الْقِيَامُ حَالَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالْجُلُوسِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ الْقِيَامَ، وَالْقُعُودَ سُنَّةٌ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ

стр. 378

٤١٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَطَبَ، احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ - فَإِنْ تَرَكَهُ أَسَاءَ وَصَحَّتْ الْخُطْبَةُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ قِيَامٍ لِمَنْ أَطَاقَهُ وَاحْتَجُّوا بِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ جَابِرٌ " فَمَنْ أَنْبَأَكَ إلَى آخِرِهِ " وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ وَتَلَا عَلَيْهِ ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ " مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطُّ إمَامًا يَؤُمُّ الْمُسْلِمِينَ يَخْطُبُ وَهُوَ جَالِسٌ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ "، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَاوُسٍ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَأَوَّلُ مَنْ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ مُعَاوِيَةُ»، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ " أَنَّ مُعَاوِيَةَ إنَّمَا خَطَبَ قَاعِدًا لَمَّا كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ وَلَحْمِهِ "، وَهَذَا إبَانَةٌ لِلْعُذْرِ فَإِنَّهُ مَعَ الْعُذْرِ فِي حُكْمِ الْمُتَّفَقِ عَلَى جَوَازِ الْقُعُودِ فِي الْخُطْبَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ» فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ، وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ تَقْضِي بِشَرْعِيَّةِ الْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ. وَأَمَّا الْوُجُوبُ وَكَوْنُهُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا فَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ دَلِيلُ وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَفِعْلُهُ فِي الْجُمُعَةِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الصَّلَاةِ مُبَيِّنٌ لِآيَةِ الْجُمُعَةِ فَمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ كَانَ فِي التَّرْكِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَإِنْ صَحَّ أَنَّ قُعُودَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَانَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ كَانَ الْأَقْوَى الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتُ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ الثَّانِي. (فَائِدَةٌ) تَسْلِيمُ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى النَّاسِ فِيهِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ بِسَنَدِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» الْحَدِيثَ وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا دَنَا مِنْ مِنْبَرِهِ سَلَّمَ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ صَعِدَ فَإِذَا اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ سَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ» إلَّا أَنَّهُ ضَعَّفَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِعِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ وَضَعَّفَهُ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ.

стр. 379

وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ». وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» وَلِلنَّسَائِيِّ «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ» قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ بِضَمِّ الْهَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ فِيهِمَا وَبِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ فِيهِمَا، وَفَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ عَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ بِالطَّرِيقِ أَيْ أَحْسَنَ الطَّرِيقِ طَرِيقُ مُحَمَّدٍ وَعَلَى رِوَايَةِ الضَّمِّ مَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ، وَالْإِرْشَادُ وَهُوَ الَّذِي يُضَافُ إلَى الرُّسُلِ، وَإِلَى الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي﴾ وَقَدْ يُضَافُ إلَيْهِ - تَعَالَى - وَهُوَ بِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالتَّوْفِيقِ، وَالْعِصْمَةِ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الْآيَةَ. «وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا» الْمُرَادُ بِالْمُحْدَثَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِشَرْعٍ مِنْ اللَّهِ، وَلَا مِنْ رَسُولِهِ «وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» الْبِدْعَةُ لُغَةً مَا عُمِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا عُمِلَ مِنْ دُونِ أَنْ يَسْبِقَ لَهُ شَرْعِيَّةٌ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الْبِدْعَةَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ وَاجِبَةٌ: كَحِفْظِ الْعُلُومِ بِالتَّدْوِينِ، وَالرَّدِّ عَلَى الْمَلَاحِدَةِ بِإِقَامَةِ الْأَدِلَّةِ. وَمَنْدُوبَةٌ: كَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ. وَمُبَاحَةٌ: كَالتَّوْسِعَةِ فِي أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ، وَفَاخِرِ الثِّيَابِ. وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ: وَهُمَا ظَاهِرَانِ فَقَوْلُهُ: كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَرْفَعَ بِالْخُطْبَةِ صَوْتَهُ وَيُجْزِلَ كَلَامَهُ وَيَأْتِيَ بِجَوَامِع الْكَلِمِ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَيَأْتِيَ بِقَوْلِهِ (أَمَّا بَعْدُ) وَقَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيُّ بَابًا فِي اسْتِحْبَابِهَا، وَذَكَرَ فِيهِ جُمْلَةً مِنْ الْأَحَادِيثِ وَقَدْ جَمَعَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ " أَمَّا بَعْدُ " لِبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَخْرَجَهَا عَنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُلَازِمُهَا فِي جَمِيعِ خُطَبِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ وَالتَّشَهُّدِ كَمَا تُفِيدُهُ الرِّوَايَةُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ» حُذِفَ الْمَقُولُ اتِّكَالًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ " إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ اخْتِصَارًا؛ لِثُبُوتِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَقَدْ

стр. 380

٤١٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَزْمَاءِ»، وَفِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ «وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي» وَكَانَ يَذْكُرُ فِي تَشَهُّدِهِ نَفْسَهُ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» أَيْ: أَنَّهُ يَأْتِي بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بَعْدَ أَمَّا بَعْدُ (وَلِلنَّسَائِيِّ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» كَمَا هُوَ فِي النَّسَائِيّ وَاخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمُرَادُ صَاحِبُهَا. وَكَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ فِي خُطْبَتِهِ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فِي خُطْبَتِهِ إذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ كَمَا أَمَرَ الدَّاخِلَ، وَهُوَ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَذْكُرُ مَعَالِمَ الشَّرَائِعِ فِي الْخُطْبَةِ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَالْمَعَادَ وَيَأْمُرُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَيُحَذِّرُ مِنْ غَضَبِهِ وَيُرَغِّبُ فِي مُوجِبَاتِ رِضَاهُ وَقَدْ وَرَدَ قِرَاءَةُ آيَةٍ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ وَيُحَذِّرُ»؛ وَظَاهِرُهُ مُحَافَظَتُهُ ﷺ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْخُطْبَةِ وَوُجُوبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي آيَةِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ: لَا يَجِبُ فِي الْخُطْبَةِ إلَّا الْحَمْدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَتَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْفِي سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ إلَّا مَا سُمِّيَ خُطْبَةً. وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ» بِفَتْحِ الْمِيمِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ عَلَامَةٌ (مِنْ فِقْهِهِ) أَيْ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ فِقْهُ الرَّجُلِ، وَكُلُّ شَيْءٍ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ مَئِنَّةٌ لَهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَإِنَّمَا كَانَ قِصَرُ الْخُطْبَةِ عَلَامَةً عَلَى فِقْهِ الرَّجُلِ ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى حَقَائِقِ الْمَعَانِي وَجَوَامِعِ الْأَلْفَاظِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْعِبَارَةِ الْجَزْلَةِ الْمُفِيدَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْحَدِيثِ «فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» فَشَبَّهَ الْكَلَامَ الْعَامِلَ فِي الْقُلُوبِ الْجَاذِبَ لِلْعُقُولِ بِالسِّحْرِ؛ لِأَجْلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَالَةِ وَتَنَاسُقِ الدَّلَالَةِ، وَإِفَادَةِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ، وَوُقُوعِهِ فِي مَجَازِهِ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ فَقِهَ فِي الْمَعَانِي

стр. 381

٤٢٠ - «وَعَنْ أُمِّ هِشَامِ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ﵂ قَالَتْ: مَا أَخَذْت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٤٢١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وَاَلَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا وَتَنَاسُقِ دَلَالَتِهَا فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ فَإِنَّهُ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ. ، وَالْمُرَادُ مِنْ طُولِ الصَّلَاةِ الطُّولُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ فَاعِلُهُ تَحْتَ النَّهْيِ وَقَدْ كَانَ يُصَلِّي ﷺ الْجُمُعَةَ بِالْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ وَذَلِكَ طُولٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى خُطْبَتِهِ وَلَيْسَ بِالتَّطْوِيلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. (وَعَنْ أُمِّ هِشَامِ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ﵂ هِيَ الْأَنْصَارِيَّةُ رَوَى عَنْهَا حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَّافٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ أُمُّ هِشَامِ بِنْتُ حَارِثَةَ بَايَعَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَهَا وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْرِيبِ وَلَمْ يُسَمِّهَا أَيْضًا، وَإِنَّمَا قَالَ صَحَابِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ (قَالَتْ «مَا أَخَذْت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ قِرَاءَةِ سُورَةِ (قِ) فِي الْخُطْبَةِ كُلَّ جُمُعَةٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَسَبَبُ اخْتِيَارِهِ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الْبَعْثِ، وَالْمَوْتِ، وَالْمَوَاعِظِ الشَّدِيدَةِ وَالزَّوَاجِرِ الْأَكِيدَةِ. ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا بَعْضِهَا فِي الْخُطْبَةِ وَكَانَتْ مُحَافَظَتُهُ عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ اخْتِيَارًا مِنْهُ لِمَا هُوَ الْأَحْسَنُ فِي الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَرْدِيدِ الْوَعْظِ فِي الْخُطْبَةِ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ

стр. 382

٤٢٢ - «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وَاَلَّذِي يَقُولُ لَهُ أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ) وَلَهُ شَاهِدٌ قَوِيٌّ فِي جَامِعِ حَمَّادٍ مُرْسَلٌ (وَهُوَ) أَيْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (يُفَسِّرُ) الْحَدِيثَ. ٤٢٢ - «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» فِي قَوْلِهِ " يَوْمَ الْجُمُعَةِ " دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ خُطْبَةَ غَيْرِ الْجُمُعَةِ لَيْسَتْ مِثْلَهَا يُنْهَى عَنْ الْكَلَامِ حَالَهَا، وَقَوْلُهُ " وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ النَّهْيُ بِحَالِ الْخُطْبَةِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُنْهَى عَنْ الْكَلَامِ مِنْ حَالِ خُرُوجِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ عِنْدَ جُلُوسِهِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَهُوَ غَيْرُ خَاطِبٍ فَلَا يُنْهَى عَنْ الْكَلَامِ. وَقِيلَ: هُوَ وَقْتٌ يَسِيرٌ يُشَبَّهُ بِالسُّكُوتِ لِلتَّنَفُّسِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْخَاطِبِ. وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا؛ لِأَنَّهُ فَاتَهُ الِانْتِفَاعُ بِأَبْلَغِ نَافِعٍ، وَقَدْ تَكَلَّفَ الْمَشَقَّةَ، وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي حُضُورِ الْجُمُعَةِ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ كَذَلِكَ فَاتَهُ الِانْتِفَاعُ بِأَبْلَغِ نَافِعٍ مَعَ تَحَمُّلِ التَّعَبِ فِي اسْتِصْحَابِهِ، وَفِي قَوْلِهِ " لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْجُمُعَةِ الصَّلَاةُ إلَّا أَنَّهَا تُجْزِئُهُ إجْمَاعًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ هَذَا بِأَنَّهُ نَفْيٌ لِلْفَضِيلَةِ الَّتِي يَحُوزُهَا مَنْ أَنْصَتَ وَهُوَ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ «مَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا.» قَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ: مَعْنَاهُ أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ وَحُرِمَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ احْتَجَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِحُرْمَةِ الْكَلَامِ حَالَ الْخُطْبَةِ وَهُمْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَرِوَايَةٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ تَشْبِيهَهُ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ الْمُسْتَنْكَرِ، وَمُلَاحَظَةُ وَجْهِ الشَّبَهِ يَدُلُّ عَلَى قُبْحِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ نِسْبَتُهُ إلَى فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْجُمُعَةِ مَا ذَاكَ إلَّا لِمَا يَلْحَقُ الْمُتَكَلِّمَ مِنْ الْوِزْرِ الَّذِي يُقَاوِمُ الْفَضِيلَةَ فَيَصِيرُ مُحْبِطًا لَهَا، وَذَهَبَ الْقَاسِمُ وَابْنَا الْهَادِي، وَأَحَدُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ إلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ، وَمَنْ لَا يَسْمَعُهَا. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ يَسْمَعُ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ إلَّا عَنْ قَلِيلٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَقَوْلُهُ «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ» تَأْكِيدٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُدَّ مِنْ اللَّغْوِ، وَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ فَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْإِشَارَةِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالْإِنْصَاتِ قِيلَ: مِنْ مُكَالَمَةِ النَّاسِ فَيَجُوزُ عَلَى هَذَا الذِّكْرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِلْجَمِيعِ، وَمَنْ فَرَّقَ فَعَلَيْهِ دَلِيلٌ فَمِثْلُ جَوَابِ التَّحِيَّةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ ذِكْرِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا قَدْ تَعَارَضَ فِيهِ عُمُومُ

стр. 383

٤٢٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ. فَقَالَ: صَلَّيْتَ؟ قَالَ لَا. قَالَ: قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ النَّهْيِ هُنَا وَعُمُومُ الْوُجُوبِ فِيهِمَا وَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا لِعُمُومِ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ مِنْ دُونِ مُرَجِّحٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ " لَغَوْتَ "، وَالْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ اللَّغْوَ مَا لَا يَحْسُنُ وَقِيلَ: بَطَلَتْ فَضِيلَةُ جُمُعَتِك وَصَارَتْ ظُهْرًا (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: صَلَّيْتَ قَالَ: لَا، قَالَ: قُمْ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الرَّجُلُ هُوَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ سَمَّاهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَقِيلَ: غَيْرُهُ وَحُذِفَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ قَوْلِهِ " صَلَّيْتَ "، وَأَصْلُهُ أَصَلَّيْتَ. وَفِي مُسْلِمٍ قَالَ لَهُ: " أَصَلَّيْتَ "، وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ. وَسُلَيْكٌ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ اللَّامِ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُصَغَّرُ (الْغَطَفَانِيُّ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، فَطَاءٌ مُهْمَلَةٌ بَعْدَهَا فَاءٌ، وَقَوْلُهُ " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ " وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَصَفَهُمَا بِخَفِيفَتَيْنِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ (بَابُ: مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تُصَلَّى حَالَ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ الْآلِ، وَالْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ وَيُخَفِّفُ لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ إلَى عَدَمِ شَرْعِيَّتِهِمَا حَالَ الْخُطْبَةِ. وَالْحَدِيثُ هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تَأَوَّلُوهُ بِأَحَدَ عَشَرَ تَأْوِيلًا كُلِّهَا مَرْدُودَةٍ سَرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِرُدُودِهَا، وَنَقَلَ ذَلِكَ الشَّارِحُ ﵀ فِي الشَّرْحِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ وَذَلِكَ عَامٌّ؛ وَلِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ قُرْآنًا وَبِأَنَّهُ ﵌ نَهَى الرَّجُلَ أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ، وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ: أَنْصِتْ، وَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ. وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا أَمْرُ الشَّارِعِ، وَهَذَا أَمْرُ الشَّارِعِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ أَمْرَيْهِ بَلْ الْقَاعِدُ يُنْصِتُ وَالدَّاخِلُ يَرْكَعُ التَّحِيَّةَ. وَبِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ عَلَى مَنْعِ النَّافِلَةِ حَالَ الْخُطْبَةِ وَهَذَا الدَّلِيلُ لِلْمَالِكِيَّةِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً لَوْ أَجْمَعُوا كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ دَعْوَى إجْمَاعِهِمْ فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ أَنَّ «أَبَا سَعِيدٍ أَتَى وَمَرْوَانُ يَخْطُبُ فَصَلَّاهُمَا فَأَرَادَ حَرَسُ مَرْوَانَ أَنْ يَمْنَعُوهُ فَأَبَى حَتَّى صَلَّاهُمَا ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ لَأَدَعُهُمَا بَعْدَ أَنْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِهِمَا». ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا صَلَاةَ

стр. 384

٤٢٤ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٤٢٥ - وَلَهُ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ: بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ». وَلَا كَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ» فَفِيهِ أَيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ مَتْرُوكٌ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَقَالَ يُخْطِئُ. ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَقْطَعَ الْخُطْبَةَ بِالْيَسِيرِ مِنْ الْكَلَامِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ ﷺ مِنْ جُمْلَةِ الْأَوَامِرِ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا الْخُطْبَةُ، وَأَمْرُهُ ﷺ بِهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبَعْضُ، وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ فِي غَيْرِ حَالِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ الطَّوَافُ فَإِنَّهُ تَحِيَّتُهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَبِ لَا يَقْعُدُ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. وَأَمَّا صَلَاتُهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ فِي جَبَّانَةٍ غَيْرِ مُسَبَّلَةٍ فَلَا يُشْرَعُ لَهَا التَّحِيَّةُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَسْجِدٍ فَتُشْرَعُ. ، وَأَمَّا كَوْنُهُ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إلَى صَلَاتِهِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا شَيْئًا فَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَالَ قُدُومِهِ اشْتَغَلَ بِالدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي الْجَبَّانَةِ وَلَمْ يُصَلِّهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي مَسْجِدِهِ ﷺ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِيدُ فِي مَسْجِدٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ» فِي الْأُولَى (وَالْمُنَافِقِينَ) فِي الثَّانِيَةِ أَيْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِيهِمَا لِمَا عُلِمَ مِنْ غَيْرِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِهِمَا لِمَا فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ مِنْ الْحَثِّ عَلَى حُضُورِهَا وَالسَّعْيِ إلَيْهِمَا وَبَيَانِ فَضِيلَةِ بِعْثَتِهِ ﷺ وَذِكْرِ الْأَرْبَعِ الْحِكَمِ فِي بِعْثَتِهِ مِنْ أَنَّهُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ، وَالْحِكْمَةَ، وَالْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ. وَلِمَا فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ تَوْبِيخِ أَهْلِ النِّفَاقِ وَحَثِّهِمْ عَلَى التَّوْبَةِ وَدُعَائِهِمْ إلَى طَلَبِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَكْثُرُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي صَلَاتِهَا؛ وَلِمَا فِي آخِرِهَا مِنْ الْوَعْظِ، وَالْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ. (وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ كَانَ يَقْرَأُ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فِي الْعِيدَيْنِ) الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى أَيْ فِي صَلَاتِهِمَا (وَفِي الْجُمُعَةِ) أَيْ فِي صَلَاتِهَا

стр. 385

٤٢٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (وَهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) أَيْ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا وَكَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ تَارَةً وَمَا ذَكَرَهُ النُّعْمَانُ تَارَةً، وَفِي سُورَةِ سَبِّحْ، وَالْغَاشِيَةِ مِنْ التَّذْكِيرِ بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ، وَالْوَعْدِ، وَالْوَعِيدِ مَا يُنَاسِبُ قِرَاءَتَهُمَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ الْجَامِعَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْعِيدَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِقَافٍ وَاقْتَرَبَتْ. (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِيدَ) فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ (ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ) أَيْ فِي صَلَاتِهَا (ثُمَّ قَالَ: " مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ) أَيْ الْجُمُعَةَ (فَلْيُصَلِّ ") هَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ رَخَّصَ، وَإِعْلَامٌ بِأَنَّهُ كَانَ التَّرْخِيصُ بِهَذَا اللَّفْظِ (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ»، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، وَفِي إسْنَادِهِ بَقِيَّةٌ، وَصَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ إرْسَالَهُ، وَفِي الْبَابِ «عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ». ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ تَصِيرُ رُخْصَةً يَجُوزُ فِعْلُهَا وَتَرْكُهَا، وَهُوَ خَاصٌّ بِمَنْ صَلَّى الْعِيدَ دُونَ مَنْ لَمْ يُصَلِّهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْهَادِي وَجَمَاعَةٌ إلَّا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَثَلَاثَةٌ مَعَهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ رُخْصَةً مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ دَلِيلَ وُجُوبِهَا عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَيَّامِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَالْآثَارِ لَا يَقْوَى عَلَى تَخْصِيصِهَا لِمَا فِي أَسَانِيدِهَا مِنْ الْمَقَالِ (قُلْت): حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَلَمْ يَطْعَنْ غَيْرُهُ فِيهِ فَهُوَ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ يُخَصُّ الْعَامُّ بِالْآحَادِ، وَذَهَبَ عَطَاءٌ إلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا عَنْ الْجَمِيعِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ» وَلِفِعْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ فِي يَوْمِ عِيدٍ صَلَاةَ الْعِيدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جِئْنَا إلَى الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْنَا فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الطَّائِفِ فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُ الظُّهْرِ وَلَا يُصَلِّي إلَّا الْعَصْرَ. ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ

стр. 386

٤٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُمَا فَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ " وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ الْأَصْلُ فِي يَوْمِهَا، وَالظُّهْرَ بَدَلٌ فَهُوَ يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ وُجُوبُ الْأَصْلِ مَعَ إمْكَانِ أَدَائِهِ سَقَطَ الْبَدَلُ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا حَيْثُ رَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ مَعَ تَقْدِيرِ إسْقَاطِ الْجُمُعَةِ لِلظُّهْرِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَأَيَّدَ الشَّارِحُ مَذْهَبَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. (قُلْت): وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَطَاءً أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ فَالْجَزْمُ بِأَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الزُّبَيْرِ سُقُوطُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَكُونُ عِيدًا عَلَى مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ بَلْ فِي قَوْلِ عَطَاءٍ إنَّهُمْ صَلَّوْا وُحْدَانًا أَيْ الظُّهْرَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِسُقُوطِهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مُرَادَهُ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ وُحْدَانًا فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا جَمَاعَةً إجْمَاعًا ثُمَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ بَلْ الظُّهْرُ هُوَ الْفَرْضُ الْأَصْلِيُّ الْمَفْرُوضُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَالْجُمُعَةُ مُتَأَخِّرٌ فَرْضُهَا، ثُمَّ إذَا فَاتَتْ وَجَبَ الظُّهْرُ إجْمَاعًا فَهِيَ الْبَدَلُ عَنْهُ. وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَالْأَمْرُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبَ إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْهُ مَا، وَقَعَ فِي لَفْظِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الصَّبَّاحِ «مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالْأَرْبَعُ أَفْضَلُ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ؛ لِوُقُوعِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ وَكَثْرَةِ فِعْلِهِ لَهَا ﷺ قَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: «وَكَانَ ﷺ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سُنَّتَهَا، وَأَمَرَ مَنْ صَلَّاهَا أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قُلْت: وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ «كَانَ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ « ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ».

стр. 387

٤٢٨ - وَعَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ لَهُ: «إذَا صَلَّيْت الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا نَصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٤٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁) هُوَ أَبُو يَزِيدَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ فِي الْأَشْهَرِ وُلِدَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَحَضَرَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ «أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ إذَا صَلَّيْت الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا» بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ عَنْ الْوَصْلِ (بِصَلَاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ) أَيْ مِنْ الْمَسْجِدِ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» أَنَّ وَمَا بَعْدَهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مِنْ ذَلِكَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ فَصْلِ النَّافِلَةِ عَنْ الْفَرِيضَةِ، وَأَنْ لَا تُوصَلَ بِهَا، وَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ الرَّاوِي عَلَى تَخْصِيصِهِ بِذِكْرِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِحَدِيثٍ يَعُمُّهَا وَغَيْرَهَا قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ الْفَرْضُ بِالنَّافِلَةِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّحَوُّلُ لِلنَّافِلَةِ مِنْ مَوْضِعِ الْفَرِيضَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى بَيْتِهِ فَإِنَّ فِعْلَ النَّوَافِلِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَإِلَى مَوْضِعٍ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ تَكْثِيرٌ لِمَوَاضِعِ السُّجُودِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي السُّبْحَةَ» وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ» وَلَمْ يَصِحَّ النَّهْيُ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ اغْتَسَلَ) أَيْ لِلْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» أَوْ مُطْلَقًا (ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أَيْ الْمَوْضِعَ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ (فَصَلَّى) مِنْ النَّوَافِلِ (مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ

стр. 388

٤٣٠ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ: يُقَلِّلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ " الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ) أَيْ زِيَادَةُ (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. " رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي إحْرَازِهِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَجْرِ مِنْ الِاغْتِسَالِ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ»، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّافِلَةِ حَسْبَمَا يُمْكِنُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْهَا بِحَدٍّ فَيَتِمُّ لَهُ هَذَا الْأَجْرُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَقَوْلُهُ: " أَنْصَتَ " مِنْ الْإِنْصَاتِ، وَهُوَ السُّكُوتُ، وَهُوَ غَيْرُ الِاسْتِمَاعِ إذْ هُوَ الْإِصْغَاءُ لِسَمَاعِ الشَّيْءِ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ هَلْ الْإِنْصَاتُ يَجِبُ أَوْ لَا. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ حَالَ الْخُطْبَةِ لَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، وَلَوْ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا نَهْيَ عَنْهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ " حَتَّى "، وَقَوْلُهُ: " غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ " أَيْ مَا بَيْنَ صَلَاتِهَا وَخُطْبَتِهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى يَكُونَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ أَيْ غُفِرَتْ لَهُ الْخَطَايَا الْكَائِنَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَغُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ السَّبْعِ حَتَّى تَكُونَ عَشْرَةٌ وَهَلْ الْمَغْفُورُ الْكَبَائِرُ؟ الْجُمْهُورُ عَلَى الْآخَرِ، وَأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يَغْفِرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ. (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ» جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوْ صِفَةُ الْعَبْدِ، وَالْوَاوُ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ (يُصَلِّي) حَالٌ ثَانٍ (يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى) حَالٌ ثَالِثٌ (شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا ") يُحَقِّرُ وَقْتَهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) هُوَ الَّذِي أَفَادَهُ لَفْظُ يُقَلِّلُهَا فِي الْأُولَى، وَفِيهِ إبْهَامُ السَّاعَةِ وَيَأْتِي تَعْيِينُهَا وَمَعْنَى " قَائِمٌ " أَيْ مُقِيمٌ لَهَا مُتَلَبِّسٌ بِأَرْكَانِهِ لَا بِمَعْنَى حَالِ الْقِيَامِ فَقَطْ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحُفَّاظِ وَأُسْقِطَتْ فِي رِوَايَةِ آخَرِينَ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِحَذْفِهَا مِنْ الْحَدِيثِ وَكَأَنَّهُ اسْتَشْكَلَ الصَّلَاةَ إذْ وَقْتَ تِلْكَ السَّاعَةِ إذَا كَانَ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ فَهُوَ وَقْتُ كَرَاهَةٍ لِلصَّلَاةِ، وَكَذَا إذَا كَانَ مِنْ حَالِ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى انْصِرَافِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلْتُ هَذِهِ

стр. 389

٤٣١ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ ٤٣٢ و ٤٣٣ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْجُمْلَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ، وَالْمُنْتَظِرُ لِلصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْمُشِيرَ بِيَدِهِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ " فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ " وَقِيلَ: الْمُشِيرُ بَعْضُ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِشَارَةِ فَهُوَ أَنَّهُ وَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى، وَالْخِنْصَرِ يُبَيِّنُ قِلَّتَهَا، وَقَدْ أُطْلِقَ السُّؤَالُ هُنَا، وَقَيَّدَهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ " مَا لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ إثْمًا " وَعِنْدَ أَحْمَدَ " مَا لَمْ يَسْأَلْ إثْمًا أَوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ ". (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو بُرْدَةَ مِنْ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا ﵁ وَابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُمْ (عَنْ أَبِيهِ) أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: هِيَ) أَيْ سَاعَةُ الْجُمُعَةِ (مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ) أَيْ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ) ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ الْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةً، وَأَرْبَعِينَ قَوْلًا وَسَيُشِيرُ إلَيْهَا وَسَرَدَهَا الشَّارِحُ ﵀ فِي الشَّرْحِ، وَهَذَا الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَحَدُهَا وَرَجَّحَهُ مُسْلِمٌ عَلَى مَا رَوَى عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: هُوَ أَجْوَدُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَصَحُّهُ، وَقَالَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الْوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ بَلْ تَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ لِقَوْلِهِ " يُقَلِّلُهَا "، وَقَوْلُهُ " خَفِيفَةٌ "، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْوَقْتِ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِيهَا فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ مَظِنَّتِهَا ابْتِدَاءَ الْخُطْبَةِ مَثَلًا، وَانْتِهَاؤُهَا انْتِهَاءَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ رَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ فَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَرْفُوعًا فَإِنَّهُ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِي تَعْيِينِ أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ، وَيَأْتِي مَا أَعَلَّهُ بِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ قَرِيبًا.

стр. 390

أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ». وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ». وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. (وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ هُوَ أَبِي يُوسُفَ بْنُ سَلَامٍ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعِ إسْرَائِيلِيٌّ مِنْ وَلَدِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ﵇، وَهُوَ أَحَدُ الْأَحْبَارِ، وَأَحَدُ مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ يُوسُفُ وَمُحَمَّدٌ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعِينَ وَسَلَامٌ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ قَالَ الْمُبَرِّدُ: لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ سَلَامٌ بِالتَّخْفِيفِ غَيْرُهُ (عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ) لَفْظُهُ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «قُلْت وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ: إنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَعْنِي التَّوْرَاةَ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا قَضَى اللَّهُ لَهُ حَاجَتَهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَأَشَارَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ قُلْت: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ قُلْت: أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ قُلْت: إنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إذَا صَلَّى ثُمَّ جَلَسَ لَا يُجْلِسُهُ إلَّا الصَّلَاةُ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» انْتَهَى. (وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ) قَوْلُهُ أَنَّهَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ إلَى آخِرِهِ وَرَجَّحَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا الْقَوْلَ رَوَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ نَاسًا مِنْ الصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا سَاعَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ افْتَرَقُوا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» وَرَجَّحَهُ إِسْحَاقُ وَغَيْرُهُ وَحَكَى أَنَّهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا فَإِنَّهُ تَرْجِيحٌ لِغَيْرِ مَا فِي الصَّحِيحِ عَلَى مَا فِيهِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا أَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ حَدِيثٌ لَمْ يَكُنْ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مِمَّا انْتَقَدَهُ الْحُفَّاظُ كَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى هَذَا الَّذِي فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ قَدْ أُعِلَّ بِالِانْقِطَاعِ وَالِاضْطِرَابِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مَخْرَمَةَ ابْنِ بُكَيْرٍ، وَقَدْ صَرَّحَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فَلَيْسَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ أَخْرَجُوهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَأَبُو بُرْدَةَ كُوفِيٌّ، وَأَهْلُ بَلْدَتِهِ أَعْلَمُ بِحَدِيثِهِ مِنْ بُكَيْرٍ فَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَبِي بُرْدَةَ لَمْ يَقِفُوهُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ الْمَوْقُوفَ هُوَ الصَّوَابُ. وَجَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ سَلَامٍ بِأَنَّ السَّاعَةَ تَنْحَصِرُ فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ) تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ فَقِيلَ: قَدْ رُفِعَتْ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَقِيلَ: هِيَ بَاقِيَةٌ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا ثُمَّ
следующие страницы →