Полный текст (1 346 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِقَطْعِ الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بِعَرَفَاتٍ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ هُنَا عَلَى الرَّجُلِ وَلَا تَلْحَقُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَحَصَّلَ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَنَّهُ يُحَرَّمُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْخُفُّ وَلُبْسُ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ وَالْبَرَانِسِ وَالسَّرَاوِيلِ وَثَوْبٍ مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلُبْسُ الْخُفَّيْنِ إلَّا لِعَدَمِ غَيْرِهِمَا فَيَشُقُّهُمَا وَيَلْبَسُهُمَا وَالطِّيبُ وَالْوَطْءُ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَمِيصِ كُلُّ مَا أَحَاطَ بِالْبَدَنِ مِمَّا كَانَ عَنْ تَفْصِيلٍ وَتَقْطِيعٍ وَبِالْعِمَامَةِ مَا أَحَاطَ بِالرَّأْسِ فَيَلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا مِمَّا يُغَطِّي الرَّأْسَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَ الْبَرَانِسَ وَالْعِمَامَةَ مَعًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ لَا بِالْمُعْتَادِ وَلَا بِالنَّادِرِ كَالْبَرَانِسِ وَهُوَ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مُلْتَزِقًا مِنْ جُبَّةٍ أَوْ دُرَّاعَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَأْتِ بِالْحَدِيثِ فِيمَا يُحَرَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ وَاَلَّذِي يُحَرَّمُ عَلَيْهَا فِي الْأَحَادِيثِ الِانْتِقَابُ أَيْ لُبْسُ النِّقَابِ كَمَا يُحَرَّمُ لُبْسُ الرَّجُلِ الْقَمِيصَ وَالْخُفَّيْنِ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهَا النِّقَابُ وَمِثْلُهُ الْبُرْقُعُ وَهُوَ الَّذِي فُصِّلَ عَلَى قَدْرِ سَتْرِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ كَمَا وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْقَمِيصِ لِلرَّجُلِ مَعَ جَوَازِ سَتْرِ الرَّجُلِ لِبَدَنِهِ بِغَيْرِهِ اتِّفَاقًا فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ تَسْتُرُ وَجْهَهَا بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ كَالْخِمَارِ وَالثَّوْبِ وَمَنْ قَالَ: إنَّ وَجْهَهَا كَرَأْسِ الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ لَا يُغَطَّى شَيْءٌ فَلَا دَلِيلَ مَعَهُ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهَا لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ وَلُبْسُ مَا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ مِنْ الثِّيَابِ وَيُبَاحُ لَهَا مَا أَحَبَّتْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حِلْيَةٍ وَغَيْرِهَا وَالطِّيبُ وَأَمَّا الصَّيْدُ وَحَلْقُ الرَّأْسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُنَّ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ وَمُبَاشَرَةُ الْمُحَمَّلِ بِالرَّأْسِ وَسَتْرُ الرَّأْسِ بِالْيَدِ وَكَذَا وَضْعُهُ عَلَى الْمِخَدَّةِ عِنْدَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا. وَالْخِفَافُ جَمْعُ خُفٍّ وَهُوَ مَا يَكُونُ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَمِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ الْجَوْرَبُ وَهُوَ مَا يَكُونُ إلَى فَوْقِ الرُّكْبَةِ وَقَدْ أُبِيحَ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ إلَّا أَنَّك قَدْ سَمِعْت مَا قَالَهُ فِي الْمُنْتَقَى مِنْ نَسْخِ الْقَطْعِ وَقَدْ رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ بَعْدَ إطَالَةِ الْكَلَامِ بِذِكْرِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ.
وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: تَجِبُ الْفِدْيَةُ وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ مَا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ وَاخْتُلِفَ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا النَّهْيُ هَلْ هِيَ الزِّينَةُ أَوْ الرَّائِحَةُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا الرَّائِحَةُ فَلَوْ صَارَ الثَّوْبُ بِحَيْثُ إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ رَائِحَةٌ جَازَ الْإِحْرَامُ فِيهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ " إلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا " وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَقَالٌ وَلُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُوَرَّسِ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي حَالِ الْحِلِّ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ.
стр. 597
٦٨٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّطَيُّبِ عِنْدَ إرَادَةِ فِعْلِ الْإِحْرَامِ وَجَوَازِ اسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ وَإِنَّمَا يُحَرَّمُ ابْتِدَاؤُهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلَى خِلَافِهِ وَتَكَلَّفُوا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَنَحْوِهَا بِمَا لَا يَتِمُّ بِهِ مُدَّعَاهُمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: " إنَّهُ ﷺ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ فَذَهَبَ الطِّيبُ ".
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ: الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الطِّيبُ لِلْإِحْرَامِ لِقَوْلِهِ: (لِإِحْرَامِهِ) وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ وَلَا يَتِمُّ ثُبُوتُ الْخُصُوصِيَّةِ إلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهَا بَلْ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خِلَافِهَا وَهُوَ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «كُنَّا نَنْضَحُ وُجُوهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ قَبْلَ أَنْ نُحْرِمَ فَنَعْرَقَ وَيَسِيلُ عَلَى وُجُوهِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ بِلَفْظِ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ فَنَنْضَحُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا».
وَلَا يُقَالُ: هَذَا خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِي الطِّيبِ سَوَاءٌ بِالْإِجْمَاعِ فَالطِّيبُ يُحَرَّمُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا قَبْلَهُ وَإِنْ دَامَ حَالُهُ فَإِنَّهُ كَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيهِ وَالنِّكَاحُ إنَّمَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ مِنْ ابْتِدَائِهِ لَا مِنْ اسْتِدَامَتِهِ فَكَذَلِكَ الطِّيبُ، وَلِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ النَّظَافَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ دَفْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ كَمَا يُقْصَدُ بِالنَّظَافَةِ إزَالَةُ مَا يَجْمَعُهُ الشَّعْرُ وَالظُّفْرُ مِنْ الْوَسَخِ وَلِذَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَأْخُذَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ فِي «الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ كَيْفَ يَصْنَعُ فِي عُمْرَتِهِ وَكَانَ الرَّجُلُ قَدْ أَحْرَمَ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالطِّيبِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَهَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَقَالَ ﷺ :. أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِك فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» - الْحَدِيثَ
فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ كَانَا بِالْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقَدْ حَجَّ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ وَاسْتَدَامَ الطِّيبُ وَإِنَّمَا يُؤَخَّرُ الْآخِرُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ وَقَوْلُهَا: (لِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) الْمُرَادُ لِحِلِّهِ الْإِحْلَالَ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ كُلُّ مَحْظُورٍ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَقَدْ كَانَ حَلَّ بَعْضُ الْإِحْلَالِ وَهُوَ بِالرَّمْيِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ الطِّيبُ وَغَيْرُهُ وَلَا يُمْنَعُ بَعْدَهُ إلَّا مِنْ النِّسَاءِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فَعَلَ الْحَلْقَ وَالرَّمْيَ وَبَقِيَ الطَّوَافُ.
стр. 598
٦٨٤ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٦٨٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ - قَالَ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَصْحَابِهِ - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ - هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنْكِحُ) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ أَيْ لَا يَنْكِحُ هُوَ لِنَفْسِهِ (الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ لَا يَعْقِدُ لِغَيْرِهِ (وَلَا يَخْطُبُ) لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُ الْخُطْبَةِ كَذَلِكَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَهُوَ مُحْرِمٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ رِوَايَةَ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا ﷺ وَهُوَ حَلَالٌ» أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ مَيْمُونَةَ وَلِأَنَّهَا رِوَايَةُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَمْ يَرْوِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا مُحْرِمًا إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ وَحْدَهُ حَتَّى قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: ذُهِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنْ كَانَتْ خَالَتُهُ مَا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا بَعْدَمَا حَلَّ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
ثُمَّ ظَاهِرُ النَّهْيِ فِي الثَّلَاثَةِ التَّحْرِيمُ إلَّا أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ النَّهْيَ فِي الْخُطْبَةِ لِلتَّنْزِيهِ وَإِنَّهُ إجْمَاعٌ فَإِنْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ فَذَاكَ وَلَا أَظُنُّ صِحَّتَهُ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ هُوَ التَّحْرِيمُ. ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ هَذَا نَقْلًا عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهَا تُحَرَّمُ الْخُطْبَةُ أَيْضًا قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْجَمِيعِ نَهْيًا وَاحِدًا وَلَمْ يَفْصِلْ وَمُوجَبُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَلَيْسَ مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مِنْ أَثَرٍ أَوْ نَظَرٍ.
«وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَكَانَ ذَلِكَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَصْحَابِهِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ فَقَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَدْ اسْتَشْكَلَ عَدَمُ إحْرَامِ أَبِي قَتَادَةَ وَقَدْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابَهُ لِكَشْفِ عَدُوٍّ لَهُمْ بِالسَّاحِلِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ -
стр. 599
٦٨٦ - وَعَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁. أَنَّهُ «أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا. وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
بَلْ بَعَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَمِنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ الْمَوَاقِيتُ قَدْ وُقِّتَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ لِصَيْدِ الْبَرِّ وَالْمُرَادُ بِهِ إنْ صَادَهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إعَانَةٌ عَلَى قَتْلِهِ بِشَيْءٍ وَهُوَ رَأْيُ الْجَمَاهِيرِ وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِيهِ.
وَقِيلَ: لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إعَانَةٌ عَلَيْهِ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّيْدِ الْمَصِيدُ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ الِاصْطِيَادُ وَلَفْظُ الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ لَكِنْ بَيَّنَ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمُرَادَ وَزَادَهُ بَيَانًا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ مَقَالًا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ الْحَيَوَانُ الَّذِي يُصَادُ فَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الِاصْطِيَادِ مِنْ آيَاتٍ أُخَرَ وَمِنْ أَحَادِيثَ، وَوَقَعَ الْبَيَانُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي الْمُرَادِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ زِيَادَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ : " هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ " وَفِي رِوَايَةٍ «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلَهَا» إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ الشَّيْخَانِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَاسْتَدَلَّ الْمَانِعُ؛ لِأَكْلِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ.
٦٨٦ - وَعَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁. أَنَّهُ «أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا. وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ الصَّعْبِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٍ (ابْنِ جَثَّامَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ «أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا» وَفِي رِوَايَةٍ حِمَارَ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا وَفِي أُخْرَى لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ وَفِي أُخْرَى عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَضُدًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ كُلِّهَا فِي مُسْلِمٍ (وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ) بِالْمُوَحَّدَةِ مَمْدُودَةً (أَوْ بِوَدَّانَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ) بِفَتْحِ الدَّالِ رَوَاهُ الْمُحَدِّثُونَ وَأَنْكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: صَوَابُهُ ضَمُّهَا؛ لِأَنَّهُ الْقَاعِدَةُ فِي تَحْرِيكِ السَّاكِنِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ ضَمِيرُ الْمُذَكَّرِ الْغَائِبِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي رَدِّهِ وَنَحْوِهِ لِلْمُذَكَّرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَوْضَحُهَا الضَّمُّ وَالثَّانِي
стр. 600
٦٨٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ وَالْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الْكَسْرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالثَّالِثُ الْفَتْحُ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ نَحْوُ رَدَّهَا فَإِنَّهُ بِالْفَتْحِ (عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ مُحْرِمُونَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَحْمُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ ﷺ رَدَّهُ لِكَوْنِهِ مُحْرِمًا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ صَادَهُ؛ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا فَدَلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ مُطْلَقًا وَأَجَابَ مَنْ جَوَّزَهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ؛ لِأَجْلِهِ ﷺ فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ إذَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ إطْرَاحِ بَعْضِهَا، وَقَدْ دَلَّ لِهَذَا أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْمَاضِي عِنْد أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «إنَّمَا صِدْته لَهُ وَأَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَأْكُلُونَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْته أَنِّي اصْطَدْته لَهُ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ: قَوْلُهُ: اصْطَدْته لَك وَأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْمَرٍ (قُلْت): مَعْمَرٌ ثِقَةٌ لَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ وَيَشْهَدُ لِلزِّيَادَةِ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَإِبَانَةُ الْمَانِعِ مِنْ قَبُولِهَا إذَا رَدَّهَا وَاعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى النَّبِيَّ ﷺ الْحِمَارَ حَيًّا فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَحْمَ حِمَارٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ قَدْ فَهِمَ أَنَّهُ صَادَهُ؛ لِأَجْلِهِ وَأَمَّا رِوَايَةُ «أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ مِنْهُ» الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ فَقَدْ ضَعَّفَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ ثُمَّ إنَّهُ اسْتَقْوَى مِنْ الرِّوَايَاتِ رِوَايَةَ لَحْمِ حِمَارٍ قَالَ: لِأَنَّهَا لَا تُنَافِي رِوَايَةَ مَنْ رَوَى حِمَارًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسَمَّى الْجُزْءُ بِاسْمِ الْكُلِّ وَهُوَ شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ اتَّفَقَتْ أَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِ الْحِمَارِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَهَا فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدَى مِنْ الشِّقِّ الَّذِي فِيهِ الْعَجُزُ الَّذِي فِيهِ رِجْلُهُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ» بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ (وَالْعَقْرَبُ) يُقَالُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَقَدْ يُقَالُ: عَقْرَبَةٌ (وَالْفَأْرَةُ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا أَلِفًا (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ زِيَادَةً ذَكَرَ الْحَيَّةَ
стр. 601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَكَانَتْ سِتًّا وَقَدْ أَخْرَجَهَا بِلَفْظِ سِتٍّ أَبُو عَوَانَةَ وَسَرَدَ الْخَمْسَ مَعَ الْحَيَّةِ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد زِيَادَةُ السَّبُعِ الْعَادِي فَكَانَتْ سَبْعًا وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ زِيَادَةُ الذِّئْبِ وَالنَّمِرِ فَكَانَتْ تِسْعًا إلَّا أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُمَا فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَوَقَعَ ذِكْرُ الذِّئْبِ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا الْأَمْرَ لِلْمُحْرِمِ بِقَتْلِ الذِّئْبِ وَفِيهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَاتُ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ قَوْلِهِ: " خَمْسٌ " وَالدَّوَابُّ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ جَمْعُ دَابَّةٍ وَهُوَ مَا دَبَّ مِنْ الْحَيَوَانِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسَمَّى الطَّائِرَ دَابَّةً وَهُوَ يُطَابِقُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ وَقِيلَ: يَخْرُجُ الطَّائِرُ مِنْ لَفْظِ الدَّابَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ وَلَا حُجَّةَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ هَذَا وَقَدْ اُخْتُصَّ فِي الْعُرْفِ لَفْظُ الدَّابَّةِ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْقَوَائِمِ وَتَسْمِيَتُهَا فَوَاسِقُ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لُغَةً الْخُرُوجُ وَمِنْهُ ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أَيْ خَرَجَ وَيُسَمَّى الْعَاصِي فَاسِقًا لِخُرُوجِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ وَوُصِفَتْ الْمَذْكُورَةُ بِذَلِكَ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الْمُحْرِمِ لَهَا، وَقِيلَ: لِخُرُوجِهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ فِي حِلِّ أَكْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فَسَمَّى مَا لَا يُؤْكَلُ فِسْقًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وَقِيلَ: لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ غَيْرِهَا بِالْإِيذَاءِ وَالْإِفْسَادِ وَعَدَمِ الِانْتِفَاعِ فَهَذِهِ ثَلَاثُ عِلَلٍ اسْتَخْرَجَهَا الْعُلَمَاءُ فِي حِلِّ قَتْلِ هَذِهِ الْخَمْسِ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْفَتْوَى فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَلْحَقَ بِالْخَمْسِ كُلَّ مَا جَازَ قَتْلُهُ لِلْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي أَلْحَقَ كُلَّ مَا لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ. وَهَذَا قَدْ يُجَامِعُ الْأَوَّلَ وَمَنْ قَالَ بِالثَّالِثِ خَصَّ الْإِلْحَاقَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْإِفْسَادُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي (قُلْت): وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَلَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا فَيَبْعُدُ الْإِلْحَاقُ لِغَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِهَا وَالْأَحْوَطُ عَدَمُ الْإِلْحَاقِ وَبِهِ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَّا أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا الْحَيَّةَ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ وَالذِّئْبَ لِمُشَارَكَتِهِ لِلْكَلْبِ فِي الْكَلْبِيَّةِ وَأَلْحَقُوا بِذَلِكَ مَنْ ابْتَدَأَ بِالْعُدْوَانِ وَالْأَذَى مِنْ غَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالتَّعَدِّيَةُ بِمَعْنَى الْأَذَى إلَى كُلِّ مُؤْذٍ قَوِيٍّ بِالنَّظَرِ إلَى تَصَرُّفِ أَهْلِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْإِيمَاءِ بِالتَّعْلِيلِ بِالْفِسْقِ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْحَدِّ. انْتَهَى (قُلْت): وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ فِسْقِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ كَمَا عَرَفْت فَلَا يَتِمُّ تَعْيِينُ وَاحِدٍ مِنْهَا عِلَّةً بِالْإِيمَاءِ فَلَا يَتِمُّ الْإِلْحَاقُ بِهِ وَإِذَا جَازَ قَتْلُهُنَّ لِلْمُحْرِمِ جَازَ لِلْحَلَالِ بِالْأَوْلَى وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ " يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ " عِنْدَ مُسْلِمٍ وَفِي لَفْظِ «لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ» فَدَلَّ أَنَّهُ يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ فِي الْحَرَمِ وَفِي
стр. 602
٦٨٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْحِلِّ بِالْأَوْلَى وَقَوْلُهُ: (يَقْتُلْنَ) إخْبَارٌ بِحِلِّ قَتْلِهَا وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَبِلَفْظِ نَفْيِ الْجُنَاحِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ عَلَى قَاتِلِهِنَّ فَدَلَّ عَلَى حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَأَطْلَقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَفْظَ الْغُرَابِ وَقَيَّدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِالْأَبْقَعِ وَهُوَ الَّذِي فِي ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ بَيَاضٌ فَذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ إلَى تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ بِهَذَا وَهِيَ الْقَاعِدَةُ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ. وَالْقَدْحُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِالشُّذُوذِ وَتَدْلِيسُ الرَّاوِي مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ صَرَّحَ الرَّاوِي بِالسَّمَاعِ فَلَا تَدْلِيسَ وَبِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ ثِقَةٍ حَافِظٍ فَلَا شُذُوذَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إخْرَاجِ الْغُرَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَيُقَالُ لَهُ: غُرَابُ الزَّرْعِ وَقَدْ احْتَجُّوا بِجَوَازِ أَكْلِهِ فَبَقَّى مَا عَدَاهُ مِنْ الْغِرْبَانِ مُلْحَقًا بِالْأَبْقَعِ. وَالْمُرَادُ بِالْكَلْبِ هُوَ الْمَعْرُوفُ وَتَقْيِيدُهُ بِالْعَقُورِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ غَيْرُ الْعَقُورِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَفْسِيرُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ بِالْأَسَدِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ تَفْسِيرُهُ بِالْحَيَّةِ، وَعَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ الذِّئْبُ خَاصَّةً، وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا عَقَرَ النَّاسَ وَأَخَافَهُمْ وَعَدَا عَلَيْهِمْ مِثْلُ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ، وَالذِّئْبُ هُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ وَنُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك، فَقَتَلَهُ الْأَسَدُ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَحَلٍّ يُقَالُ لَهُ لُحَيٌّ جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْحَجَّامَةِ لِلْمُحْرِمِ وَهُوَ إجْمَاعٌ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ فَإِنْ قَلَعَ مِنْ الشَّعْرِ شَيْئًا كَانَ عَلَيْهِ فِدْيَةُ الْحَلْقِ وَإِنْ لَمْ يَقْلَعْ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْحِجَامَةُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ حُرِّمَتْ إنْ قُطِعَ مَعَهَا شَعْرٌ لِحُرْمَةِ قَطْعِ الشَّعْرِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ لَا شَعْرَ فِيهِ فَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَا فِدْيَةَ وَكَرِهَهَا قَوْمٌ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِيهَا الْفِدْيَةُ وَقَدْ نَبَّهَ الْحَدِيثُ عَلَى قَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْحَلْقِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِمَا تُبَاحُ لِلْحَاجَةِ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فَمَنْ احْتَاجَ إلَى حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ أَوْ لُبْسِ قَمِيصِهِ مَثَلًا لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَعَلَيْهِ دَلَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الْآيَةَ وَبَيَّنَ قَدْرَ الْفِدْيَةِ الْحَدِيثُ.
стр. 603
٦٨٩ - «وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: حُمِلْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْت أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِك مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ قُلْت: لَا. قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٦٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، إنَّهَا لَمْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنَّهَا لَنْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى
وَهُوَ قَوْلُهُ وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالرَّاءِ وَكَعْبٌ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ (قَالَ: حُمِلْت) مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ (إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: مَا كُنْت أُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ (الْوَجَعَ بَلَغَ بِك مَا أَرَى) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ الرُّؤْيَةِ (أَتَجِدُ شَاةً قُلْت: لَا. قَالَ: تَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا فَقَالَ: أَتُؤْذِيك هَوَامُّك. قُلْت: نَعَمْ قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَك» - الْحَدِيثُ " وَفِيهِ فَقَالَ نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الْآيَةَ وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ عَدِيدَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ النُّسُكِ عَلَى النَّوْعَيْنِ الْآخَرَيْنِ إذَا وُجِدَ وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَسَائِرِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الثَّلَاثِ جَمِيعًا، وَلِذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْكَفَّارَاتِ: «خَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى «عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: إنْ شِئْت فَانْسُكْ نَسِيكَةً وَإِنْ شِئْت فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ شِئْت فَأَطْعِمْ» - الْحَدِيثَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّخْيِيرَ إجْمَاعٌ وَقَوْلُهُ: " نِصْفُ صَاعٍ " أَخَذَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ بِظَاهِرِهِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَصَاعُ مِنْ غَيْرِهَا.
стр. 604
شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إلَّا الْإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ) أَرَادَ فَتْحَ مَكَّةَ وَأَطْلَقَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ) أَيْ خَاطِبًا وَكَانَ قِيَامُهُ ثَانِيَ الْفَتْحِ «فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ» تَعْرِيفًا لَهُمْ بِالْمِنَّةِ الَّتِي مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْهِمْ وَهِيَ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ (وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ) فَفَتَحُوهَا عَنْوَةً «وَأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» هِيَ سَاعَةُ دُخُولِهِ إيَّاهَا «وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ؛ لِأَحَدٍ بَعْدِي فَلَا يُنَفَّرُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ صَيْدُهَا» أَيْ لَا يُزْعِجُهُ أَحَدٌ وَلَا يُنَحِّيهِ عَنْ مَوْضِعِهِ (وَلَا يُخْتَلَى) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ أَيْضًا (شَوْكُهَا) أَيْ لَا يُؤْخَذُ وَيُقْطَعُ (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا) أَيْ لُقَطَتُهَا وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي رِوَايَةٍ (إلَّا لِمُنْشِدٍ) أَيْ مُعَرِّفٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ: مُنْشِدٌ وَطَالِبُهَا نَاشِدٌ «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» أَمَّا أَخْذُ الدِّيَةِ أَوْ قَتْلُ الْقَاتِلِ «فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ «فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَتْحَ مَكَّةَ عَنْوَةً لِقَوْلِهِ (لَمْ تَحِلَّ) وَقَوْلُهُ (سَلَّطَ) عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ (لَا تَحِلُّ) وَعَلَى ذَلِكَ الْجَمَاهِيرُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُقَسِّمْهَا عَلَى الْغَانِمِينَ كَمَا قَسَّمَ خَيْبَرَ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ ﷺ مَنَّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَجَعَلَهُمْ الطُّلَقَاءَ وَصَانَهُمْ عَنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ لِلنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَاغْتِنَامِ الْأَمْوَالِ إفْضَالًا مِنْهُ عَلَى قَرَابَتِهِ وَعَشِيرَتِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ؛ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ ﷺ بِمَكَّةَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مِنْ خَصَائِصِ الْحَرَمِ أَنَّهُ لَا يُحَارَبُ أَهْلُهُ وَإِنْ بَغَوْا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِجَوَازِهِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ. وَتَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهَا هُوَ الظَّاهِرُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ ﷺ بِالْقِتَالِ لِاعْتِذَارِهِ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مَعَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا إذْ ذَاكَ مُسْتَحَقِّينَ لِلْقِتَالِ لِصَدِّهِمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِ مِنْهُ وَكُفْرِهِمْ وَقَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَتَأَكَّدُ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لِغَيْرِهِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلَهُ ﷺ : «فَإِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» فَدَلَّ أَنَّ حِلَّ الْقِتَالِ فِيهَا مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ . وَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ تَنْفِيرِ صَيْدِهَا وَبِالْأَوْلَى تَحْرِيمُ قَتْلِهِ وَعَلَى تَحْرِيمِ قَطْعِ شَوْكِهَا وَيُفِيدُ تَحْرِيمُ قَطْعِ مَا لَا يُؤْذِي بِالْأَوْلَى.
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّهُ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى جَوَازِ
стр. 605
٦٩١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا؛ لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْت فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَطْعِ الشَّوْكِ مِنْ فُرُوعِ الشَّجَرِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو ثَوْرٍ وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُ وَمِنْهُمْ الْهَادَوِيَّةُ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُؤْذِي فَأَشْبَهَ الْفَوَاسِقَ (قُلْت): وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى النَّصِّ وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى أَنَّك عَرَفْت أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ قَتْلِ الْفَوَاسِقِ هُوَ الْأَذِيَّةُ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ قَطْعِ أَشْجَارِهَا الَّتِي لَمْ يُنْبِتْهَا الْآدَمِيُّونَ فِي الْعَادَةِ وَعَلَى تَحْرِيمِ قَطْعِ خَلَاهَا وَهُوَ الرَّطْبُ مِنْ الْكَلَأِ فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ الْحَشِيشُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ. وَأَفَادَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمَنْ يَعْرِفُ بِهَا أَبَدًا وَلَا يَتَمَلَّكُهَا وَهُوَ خَاصٌّ بِلُقَطَةِ مَكَّةَ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَقِطَهَا بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِهَا سُنَّةً وَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ اللُّقَطَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي قَوْلِهِ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لِلْوَلِيِّ وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ.
وَقَوْلُهُ: (نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا) أَيْ نَسُدُّ بِهِ خَلَلَ الْحِجَارَةِ الَّتِي تُجْعَلُ عَلَى اللَّحْدِ وَفِي الْبُيُوتِ كَذَلِكَ يُجْعَلُ فِيمَا بَيْنَ الْخَشَبِ عَلَى السُّقُوفِ. وَكَلَامُ الْعَبَّاسِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَفَاعَةٌ إلَيْهِ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا اجْتِهَادٌ مِنْهُ لَمَّا عَلِمَ مِنْ أَنَّ الْعُمُومَ غَالَبَهُ التَّخْصِيصُ كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذَا مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ وَقَدْ عَهِدَ مِنْ الشَّرْعِيَّةِ عَدَمَ الْحَرَجِ فَقَرَّرَ ﷺ كَلَامَهُ. وَاسْتِثْنَاؤُهُ إمَّا بِوَحْيٍ أَوْ اجْتِهَادٍ مِنْهُ ﷺ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ» وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ» وَلَا مُنَافَاةَ فَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ بِحُرْمَتِهَا وَإِبْرَاهِيمُ أَظْهَرَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْعِبَادِ (وَدَعَا لِأَهْلِهَا) حَيْثُ قَالَ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ وَغَيْرَهَا مِنْ الْآيَاتِ «وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ» هِيَ عِلْمٌ بِالْغَلَبَةِ لِمَدِينَتِهِ ﷺ الَّتِي هَاجَرَ إلَيْهَا فَلَا يَتَبَادَرُ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهَا إلَّا هِيَ «كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَإِنِّي دَعَوْت فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا» أَيْ فِيمَا يُكَالُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِكْيَالَانِ مَعْرُوفَانِ «بِمِثْلِ مَا دَعَا إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْمُرَادُ مِنْ تَحْرِيمِ مَكَّةَ تَأْمِينُ أَهْلِهَا مِنْ أَنْ يُقَاتَلُوا وَتَحْرِيمُ مَنْ يَدْخُلُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وَتَحْرِيمُ صَيْدِهَا وَقَطْعِ شَجَرِهَا وَعَضْدِ
стр. 606
٦٩٢ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ
٦٩٣ - «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَّ فَخَرَجْنَا
شَوْكِهَا وَالْمُرَادُ مِنْ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ تَحْرِيمُ صَيْدِهَا وَقَطْعُ شَجَرِهَا وَلَا يَحْدُثُ فِيهَا حَدَثٌ. وَفِي تَحْدِيدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ خِلَافٌ وَرَدَ تَحْدِيدُهُ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ وَرُجِّحَتْ رِوَايَةُ " مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَلَيْهَا.
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَرَاءٌ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ إلَى ثَوْرٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ثَوْرٌ بِالْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ رَاءٌ فِي الْقَامُوسِ إنَّهُ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: وَفِيهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَكَابِرِ الْأَعْلَامِ إنَّ هَذَا تَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ إلَى أُحُدٍ؛ لِأَنَّ ثَوْرًا إنَّمَا هُوَ بِمَكَّةَ فَغَيْرُ جَيِّدٍ لِمَا أَخْبَرَنِي الشُّجَاعُ الثَّعْلَبِيُّ الشَّيْخُ الزَّاهِدُ عَنْ الْحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ حِذَاءَ أُحُدٍ جَانِحًا إلَى وَرَائِهِ جَبَلًا صَغِيرًا يُقَالُ لَهُ: ثَوْرٌ وَتَكَرَّرَ سُؤَالِي عَنْهُ طَوَائِفَ مِنْ الْعَرَبِ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الْأَرْضِ فَكُلٌّ أَخْبَرَنِي أَنَّ اسْمَهُ ثَوْرٌ وَلَمَّا كَتَبَ إلَيَّ الشَّيْخُ عَفِيفُ الدِّينِ الْمَطَرِيُّ عَنْ وَالِدِهِ الْحَافِظِ الثِّقَةِ قَالَ: إنَّ خَلْفَ أُحُدٍ عَنْ شِمَالِهِ جَبَلًا صَغِيرًا مُدَوَّرًا يُسَمَّى ثَوْرًا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ. انْتَهَى.
وَهُوَ لَا يُنَافِي حَدِيثَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا؛ لِأَنَّهُمَا حُرَّتَانِ يَكْتَنِفَانِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَعَيْرٌ وَثَوْرٌ مُكْتَنِفَانِ الْمَدِينَةِ فَحَدِيثُ " عَيْرٍ وَثَوْرٍ " يُفَسِّرُ اللَّابَتَيْنِ
(بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ (أَرَادَ بِهِ بَيَانَ الْمَنَاسِكِ وَالْإِتْيَانَ بِهَا مُرَتَّبَةً وَكَيْفِيَّةَ وُقُوعِهَا وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ وَهُوَ وَافٍ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
стр. 607
مَعَهُ، حَتَّى إذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَقَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَرَقَى الصَّفَا، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ:
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى، وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لِيُصِيبَ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ " وَكُلَّمَا أَتَى جَبَلًا مِنْ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 608
الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَّ) عَبَّرَ بِالْمَاضِي؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ بَعْدَ تَقْضِي الْحَجَّ حِينَ سَأَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (فَخَرَجْنَا مَعَهُ) أَيْ مِنْ الْمَدِينَةِ «حَتَّى إذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ امْرَأَةُ أَبِي بَكْرٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَيْ النَّبِيُّ ﷺ اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي» بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ ثُمَّ رَاءٍ هُوَ شَدُّ الْمَرْأَةِ عَلَى وَسَطِهَا شَيْئًا ثُمَّ تَأْخُذُ خِرْقَةً عَرِيضَةً تَجْعَلُهَا فِي مَحَلِّ الدَّمِ وَتَشُدُّ طَرَفَيْهَا مِنْ وَرَائِهَا وَمِنْ قُدَّامِهَا إلَى ذَلِكَ الَّذِي شَدَّتْهُ فِي وَسَطِهَا وَقَوْلُهُ (بِثَوْبٍ) بَيَانٌ لِمَا تَسْتَثْفِرُ بِهِ (وَأَحْرِمِي) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ النِّفَاسُ صِحَّةَ عَقْدِ الْإِحْرَامِ (وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ صَلَاةَ الْفَجْرِ كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاَلَّذِي فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ الْخَامِسَةُ هِيَ الظُّهْرُ وَسَافَرَ بَعْدَهَا (فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) بِفَتْحِ الْقَافِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ فَوَاوٍ فَأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ - وَقِيلَ: بِضَمِّ الْقَافِ مَقْصُورٍ وَخَطِئَ مَنْ قَالَهُ - لَقَبٌ لِنَاقَتِهِ ﷺ (حَتَّى إذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ) اسْمُ مَحَلٍّ (أَهَلَّ) رَفَعَ صَوْتَهُ (بِالتَّوْحِيدِ) أَيْ إفْرَادُ التَّلْبِيَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِقَوْلِهِ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ» وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ: إلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ (أَنَّ الْحَمْدَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُوَ التَّعْلِيلُ «وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ» أَيْ مَسَحَهُ بِيَدِهِ وَأَرَادَ بِهِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ.
وَأَطْلَقَ الرُّكْنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْيَمَانِيِّ (فَرَمَلَ) أَيْ فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ أَيْ أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مُهَرْوِلًا (ثَلَاثًا) أَيْ مَرَّاتٍ (وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ فَصَلَّى) رَكْعَتِي الطَّوَافِ (وَرَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ) أَيْ بَابِ الْحَرَمِ (إلَى الصَّفَا فَلَمَّا دَنَا) أَيْ قَرُبَ مِنْ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. «ابْدَءُوا فِي الْأَخْذِ فِي السَّعْيِ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَرَقَى
стр. 609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِفَتْحِ الْقَافِ الصَّفَا حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ أَنْجَزَ وَعْدَهُ» بِإِظْهَارِهِ تَعَالَى لِلدِّينِ (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) يُرِيدُ بِهِ نَفْسَهُ (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ) فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ (وَحْدَهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ قِتَالِ الْآدَمِيِّينَ وَلَا سَبَبَ لِانْهِزَامِهِمْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ أَوْ الْمُرَادُ كُلُّ مَنْ تَحَزَّبَ لِحَرْبِهِ ﷺ فَإِنَّهُ هَزَمَهُمْ (ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) دَلَّ أَنَّهُ كَرَّرَ الذِّكْرَ الْمَذْكُورَ ثَلَاثَةً (ثُمَّ نَزَلَ مِنْ الصَّفَا) مُنْتَهِيًا (إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي) قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ إسْقَاطُ لَفْظَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا وَهِيَ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فَرْمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي فَسَقَطَ لَفْظُ " رَمَلَ " قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَكَذَا ذَكَرَهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (حَتَّى إذَا صَعِدَ) مِنْ بَطْنِ الْوَادِي (مَشَى إلَى الْمَرْوَةِ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) مِنْ اسْتِقْبَالِهِ الْقِبْلَةَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ.
(فَذَكَرَ) أَيْ جَابِرٌ (الْحَدِيثَ) بِتَمَامِهِ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَحَلِّ الْحَاجَةِ (وَفِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فَرَاءٍ وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَرَوَّوْنَ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِعَرَفَةَ مَاءٌ «تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى وَرَكِبَ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ» بِفَتْحِ الْكَافِّ ثُمَّ مُثَلَّثِهِ لَبِثَ (قَلِيلًا) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ (حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَجَازَ) أَيْ جَاوَزَ الْمُزْدَلِفَةَ وَلَمْ يَقِفْ بِهَا.
(حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ) أَيْ قَرُبَ مِنْهَا لَا أَنَّهُ دَخَلَهَا بِدَلِيلٍ (فَوَجَدَ الْقُبَّةَ) خَيْمَةٌ صَغِيرَةٌ (قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ فَرَاءٍ فَتَاءِ تَأْنِيثٍ، مَحَلٌّ مَعْرُوفٌ (فَنَزَلَ بِهَا) فَإِنَّ نَمِرَةَ لَيْسَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ (حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ) مُغَيِّرٌ صِيغَةً مُخَفِّفٌ الْحَاءَ الْمُهْمَلَةَ أَيْ وَضَعَ عَلَيْهَا رَحْلَهَا «فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي وَادِي عَرَفَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ جَمْعًا مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ» وَجَعَلَ حَبْلَ فِيهِ ضَبْطَانِ بِالْجِيمِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ إمَّا مَفْتُوحَةٌ أَوْ سَاكِنَةٌ (الْمُشَاةِ) وَبِهَا ذِكْرُهُ فِي النِّهَايَةِ وَفَسَّرَهُ بِطَرِيقِهِمْ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ فِي الرَّمَلِ وَقِيلَ: أَرَادَ صَفَّهُمْ وَمُجْتَمَعَهُمْ فِي مَشْيِهِمْ تَشْبِيهًا بِحَبْلِ الرَّمَلِ (بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ).
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ قَالَ: قِيلَ: صَوَابُهُ حِينَ غَابَ الْقُرْصُ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ بَيَانًا لِقَوْلِهِ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ فَإِنَّ هَذِهِ قَدْ تُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى مَغِيبِ مُعْظَمِ الْقُرْصِ
стр. 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَأَزَالَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ بِقَوْلِهِ: حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ (وَدَفَعَ وَقَدْ شَنَقَ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ ضَمَّ وَضَيَّقَ (لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لِيُصِيبَ مَوْرِكَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (رَحْلِهِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَثْنِي الرَّاكِبُ رِجْلَهُ عَلَيْهِ قُدَّامَ وَسَطِ الرَّحْلِ إذَا مَلَّ مِنْ الرُّكُوبِ (وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) أَيْ يُشِيرُ بِهَا قَائِلًا «يَا أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» بِالنَّصْبِ أَيْ أَلْزَمُوا (كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا) بِالْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ حِبَالِ الرَّمَلِ وَحَبْلُ الرَّمَلِ مَا طَالَ مِنْهُ وَضَخُمَ (أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَضَمِّهَا، يُقَالُ: صَعِدَ وَأَصْعَدَ (حَتَّى إذَا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ) أَيْ لَمْ يُصَلِّ (بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أَيْ نَافِلَةً «ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ» وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ فِي الْمُزْدَلِفَةِ يُقَالُ لَهُ: قُزَحٌ، بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ «فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ» أَيْ الْفَجْرُ (جِدًّا) بِكَسْرِ الْجِيمِ إسْفَارًا بَلِيغًا «فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الْفِيلِ حُسِرَ فِيهِ أَيْ كَلَّ وَأَعْيَا (فَحَرَّكَ قَلِيلًا) أَيْ حَرَّكَ لِدَابَّتِهِ لَتُسْرِعَ فِي الْمَشْيِ وَذَلِكَ مَسَافَةٌ مِقْدَارَ رَمْيَةِ حَجَرٍ (ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى) وَهِيَ غَيْرُ الطَّرِيقِ الَّتِي ذَهَبَ فِيهَا إلَى عَرَفَاتٍ (الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ (حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ) وَهِيَ حَدٌّ لِمِنًى وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَالْجَمْرَةُ اسْمٌ لِمُجْتَمَعِ الْحَصَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ يُقَالُ: أَجْمَرَ بَنُو فُلَانٍ إذَا اجْتَمَعُوا (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ) وَقَدْرُهُ مِثْلُ حَبَّةِ الْبَاقِلَاءِ (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) بَيَانٌ لِمَحِلِّ الرَّمْيِ.
«ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» فِيهِ حَذْفٌ أَيْ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ وَهَذَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى» وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ صَلَّى بِمَكَّةَ ثُمَّ أَعَادَهُ بِأَصْحَابِهِ جَمَاعَةً بِمِنًى لِيَنَالُوا فَضْلَ الْجَمَاعَةِ خَلْفَهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا) وَفِيهِ زِيَادَاتٌ حَذَفَهَا الْمُصَنِّفُ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَحَلِّ الْحَاجَةِ هُنَا.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى جُمَلٍ مِنْ الْفَوَائِدِ وَنَفَائِسُ مِنْ مُهِمَّاتِ الْقَوَاعِدِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ وَأَكْثَرُوا، وَصَنَّفَ فِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ جُزْءًا كَبِيرًا أَخْرَجَ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ مِائَةً وَنَيِّفًا وَخَمْسِينَ نَوْعًا قَالَ وَلَوْ تَقَصَّى لَزِيدَ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ (قُلْت) وَلِيَعْلَمَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ فَعَلَهُ ﷺ فِي حَجِّهِ الْوُجُوبُ؛ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَفْعَالَهُ فِي الْحَجِّ بَيَانٌ لِلْحَجِّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَالْأَفْعَالُ فِي بَيَانِ الْوُجُوبِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ.
وَالثَّانِي:
стр. 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلُهُ ﷺ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَمَنْ ادَّعَى عَدَمَ وُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ فِي الْحَجِّ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَلِنَذْكُرْ مَا يَحْتَمِلُهُ الْمُخْتَصَرُ مِنْ فَوَائِدِهِ وَدَلَائِلِهِ: فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ لِلنُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ وَلِغَيْرِهِمَا بِالْأَوْلَى وَعَلَى اسْتِثْفَارِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَعَلَى صِحَّةِ إحْرَامِهِمَا وَأَنْ يَكُونَ الْإِحْرَامُ عَقِيبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَهَّلَ بَعْدَهُمَا فَرِيضَةَ الْفَجْرِ وَأَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَيُسْتَحَبُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ زَادَ فَلَا بَأْسَ فَقَدْ زَادَ عُمَرُ ﵁ " لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحُسْنِ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا مِنْك وَمَرْغُوبًا إلَيْك) وَابْنُ عُمَرَ ﵁ " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ " وَأَنَسٌ ﵁ " لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا " وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَاجِّ الْقُدُومُ أَوَّلًا مَكَّةَ لِيَطُوفَ طَوَافَ الْقُدُومِ وَأَنَّهُ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ قَبْلَ طَوَافِهِ ثُمَّ يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَشْوَاطِ الْأُوَلِ وَالرَّمَلُ إسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا وَهُوَ الْخَبَبُ ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعًا عَلَى عَادَتِهِ وَأَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ تَمَامِ طَوَافِهِ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ وَيَتْلُو ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ثُمَّ يَجْعَلُ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ طَائِفٍ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا وَاجِبَتَانِ أَمْ لَا فَقِيلَ بِالْوُجُوبِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الطَّوَافُ وَاجِبًا وَجَبَتَا وَإِلَّا فَسُنَّةٌ وَهَلْ يَجِبَانِ خَلْفَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ حَتْمًا أَوْ يُجْزِئَانِ فِي غَيْرِهِ، فَقِيلَ: يَجِبَانِ خَلْفَهُ، وَقِيلَ: يُنْدَبَانِ خَلْفَهُ، وَلَوْ صَلَّاهُمَا فِي الْحَجَرِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ فِي أَيِّ مَحَلٍّ مِنْ مَكَّةَ جَازَ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ.
وَوَرَدَ فِي الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ الْكَافِرُونَ وَالثَّانِيَةِ بَعْدَهَا الصَّمَدُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَشْرَعُ لَهُ الِاسْتِلَامُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا فَعَلَهُ عِنْدَ الدُّخُولِ وَاتَّفَقُوا أَنَّ الِاسْتِلَامَ سُنَّةٌ وَأَنَّهُ يَسْعَى بَعْدَ الطَّوَافِ وَيَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَرْقَى إلَى أَعْلَاهُ وَيَقِفُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى بِهَذَا الذِّكْرِ وَيَدْعُو ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَفِي الْمُوَطَّإِ «حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى» وَقَدْ قَدَّمْنَا لَك أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ سَقْطًا فَدَلَّتْ رِوَايَةُ الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ يَرْمُلُ فِي بَطْنِ الْوَادِي وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ بِهِ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ السَّبْعَةِ الْأَشْوَاطِ لَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ كَمَا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ بِالْبَيْتِ. وَأَنَّهُ يَرْقَى أَيْضًا عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا رَقَى عَلَى الصَّفَا وَيَذْكُرُ وَيَدْعُو وَبِتَمَامِ ذَلِكَ تَتِمُّ عُمْرَتُهُ فَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ صَارَ حَلَالًا وَهَكَذَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ ﷺ بِفَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ قَارِنًا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِقُ وَلَا يُقَصِّرُ وَيَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ.
ثُمَّ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ يُحْرِمُ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ مِمَّنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَيَطْلُعُ هُوَ وَمَنْ كَانَ قَارِنًا إلَى مِنًى كَمَا قَالَ جَابِرٌ «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى» أَيْ تَوَجَّهَ مَنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إحْرَامِهِ لِتَمَامِ حَجِّهِ وَمَنْ كَانَ قَدْ صَارَ حَلَالًا أَحْرَمَ
стр. 612
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَتَوَجَّهَ إلَى مِنًى.
وَتَوَجَّهَ ﷺ إلَيْهَا رَاكِبًا فَنَزَلَ بِهَا وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ. وَفِيهِ أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ وَفِي الطَّرِيقِ أَيْضًا، وَفِيهِ خِلَافٌ وَدَلِيلُ الْأَفْضَلِيَّةِ فِعْلُهُ ﷺ . وَأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمِنًى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَأَنْ يَبِيتَ بِهَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَهِيَ لَيْلَةُ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَخْرُجُوا يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ مِنًى إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَدْخُلُوا عَرَفَاتٍ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ. وَأَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِعَرَفَاتٍ فَإِنَّهُ ﷺ نَزَلَ بِنَمِرَةَ وَلَيْسَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ وَلَمْ يَدْخُلْ إلَى الْمَوْقِفِ إلَّا بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا وَأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ النَّاسَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعَصْرَيْنِ وَهَذِهِ إحْدَى الْأَرْبَعِ الْخُطَبِ الْمَسْنُونَةِ وَالثَّانِيَةُ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يَخْطُبُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالثَّالِثَةُ يَوْمَ النَّحْرِ وَالرَّابِعَةُ يَوْمَ النَّفْرِ وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَفِي قَوْلِهِ «ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ إلَى آخِرِهِ» سُنَنٌ وَآدَابٌ مِنْهَا أَنَّهُ يَجْعَلُ الذَّهَابَ إلَى الْمَوْقِفِ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْوُقُوفَ رَاكِبًا أَفْضَلُ. وَمِنْهَا أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَهِيَ صَخَرَاتٌ مُفْتَرَشَاتٌ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ. وَمِنْهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْوُقُوفِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَبْقَى فِي الْمَوْقِفِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ وَيَكُونُ فِي وُقُوفِهِ دَاعِيًا «فَإِنَّهُ ﷺ وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ رَاكِبًا يَدْعُو اللَّهَ وَكَانَ فِي دُعَائِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ إلَى صَدْرِهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ خَيْرَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَذَكَرَ مِنْ دُعَائِهِ فِي الْمَوْقِفِ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ كَاَلَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ اللَّهُمَّ لَك صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وَإِلَيْك مَآبِي وَبِك تُرَاثِي اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَاسِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الْأَمْرِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَمِنْهَا أَنْ يَدْفَعَ بَعْدَ تَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِالسَّكِينَةِ وَيَأْمُرُ بِهَا النَّاسَ إنْ كَانَ مُطَاعًا وَيَضُمُّ زِمَامَ مَرْكُوبِهِ لِئَلَّا يُسْرِعَ فِي الْمَشْيِ إلَّا إذَا أَتَى جَبَلًا مِنْ جِبَالِ الرِّمَالِ أَرْخَاهُ قَلِيلًا لِيَخِفَّ عَلَى مَرْكُوبِهِ صُعُودَهُ فَإِذَا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ بِهَا وَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَهَذَا الْجَمْعُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِهِ فَقِيلَ: لِأَنَّهُ نُسُكٌ، وَقِيلَ: لِأَجْلِ أَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَيْنَهُمَا شَيْئًا. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرَ) فِيهِ سُنَنٌ نَبَوِيَّةٌ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ نُسُكٌ إنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ وَالْأَصْلُ فِيمَا فَعَلَهُ ﷺ فِي حُجَّتِهِ الْوُجُوبُ كَمَا عَرَفْت وَأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ثُمَّ يَدْفَعَ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَيَقِفُ بِهِ وَيَدْعُو وَالْوُقُوفُ عِنْدَهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ ثُمَّ يَدْفَعُ مِنْهُ عِنْدَ إسْفَارِ الْفَجْرِ إسْفَارًا بَلِيغًا فَيَأْتِي بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَيُسْرِعُ السَّيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ غَضَبِ اللَّهِ فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ الْفِيلِ فَلَا يَنْبَغِي الْأَنَاةُ فِيهِ وَلَا الْبَقَاءُ بِهِ فَإِذَا أَتَى الْجَمْرَةَ - وَهِيَ
стр. 613
٦٩٤ - وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
٦٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَحَرْت هَا هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْت
جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ - نَزَلَ بِبَطْنِ الْوَادِي وَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ كُلُّ حَصَاةٍ كَحَبَّةِ الْبَاقِلَا يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ. ثُمَّ يَنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْمَنْحَرِ فَيَنْحَرُ إنْ كَانَتْ عِنْدَهُ بَدَنٌ يُرِيدُ نَحْرَهَا وَأَمَّا هُوَ ﷺ فَإِنَّهُ نَحَرَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَكَانَ مَعَهُ مِائَةُ بَدَنَةٍ فَأَمَرَ عَلِيًّا ﵇ بِنَحْرِ بَاقِيهَا ثُمَّ رَكِبَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَمِنْ بَعْدِهِ يَحِلُّ لَهُ كُلَّ مَا حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ حَتَّى وَطْءَ النِّسَاءِ وَأَمَّا إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَلَمْ يَطُفْ هَذَا الطَّوَافَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مَا عَدَا النِّسَاءِ فَهَذِهِ الْجُمَلُ مِنْ السُّنَنِ وَالْآدَابِ الَّتِي أَفَادَهَا هَذَا الْحَدِيثُ الْجَلِيلُ مِنْ أَفْعَالِهِ ﷺ تُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَفِي كَثِيرٍ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ الْجَلِيلُ مِمَّا سُقْنَاهُ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كَثِيرٌ فِي وُجُوبِهِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ وَفِي لُزُومِ الدَّمِ بِتَرْكِهِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ وَفِي صِحَّةِ الْحَجِّ إنْ تَرَكَ مِنْهُ شَيْئًا وَعَدَمِ صِحَّتِهِ وَقَدْ طُوِّلَ بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ وَاقْتَصَرْنَا عَلَى مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُمْتَثِلُ لِقَوْلِهِ ﷺ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَالْمُقْتَدَى بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ.
(وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) سَقَطَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ نُسْخَةِ الشَّارِحِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّ فِيهِ صَالِحَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ ضَعَّفُوهُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ كُلِّ تَلْبِيَةٍ يُلَبِّيهَا الْمُحْرِمُ فِي أَيِّ حِينٍ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا انْتِهَاءُ وَقْتِ مَشْرُوعِيَّتِهَا وَهُوَ عِنْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ.
стр. 614
هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٦٩٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَحَرْت هَا هُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ» جَمْعُ رَحْلٍ وَهُوَ الْمَنْزِلُ «وَوَقَفْت هَا هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» وَحَدُّ عَرَفَةَ مَا خَرَجَ عَنْ وَادِي عَرَفَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ مِمَّا يَلِي بَسَاتِينَ بَنِي عَامِرٍ «وَوَقَفْت هَا هُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَفَادَ ﷺ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى أَحَدٍ نَحْرُهُ حَيْثُ نَحَرَ وَلَا وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ وَلَا جَمْعٍ حَيْثُ وَقَفَ بَلْ ذَلِكَ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَحَرُوا فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ مِنًى فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمْ وَفِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ وَقَفُوا أَجْزَأَ وَهَذِهِ زِيَادَاتٌ فِي بَيَانِ التَّخْفِيفِ عَلَيْهِمْ وَقَدْ كَانَ ﷺ أَفَادَ تَقْرِيرُهُ لِمَنْ حَجَّ مَعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَقِفْ فِي مَوْقِفِهِ وَلَمْ يَنْحَرْ فِي مَنْحَرِهِ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ حَجَّ مَعَهُ أُمَمٌ لَا تُحْصَى وَلَا يَتَّسِعُ لَهَا مَكَانُ وُقُوفِهِ وَنَحْرِهِ هَذَا وَالدَّمُ الَّذِي مَحَلُّهُ مِنًى هُوَ دَمُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْإِحْصَارِ وَالْإِفْسَادِ وَالتَّطَوُّعِ بِالْهَدْيِ، وَأَمَّا الَّذِي يَلْزَمُ الْمُعْتَمِرَ فَمَحَلُّهُ مَكَّةُ وَأَمَّا سَائِرُ الدِّمَاءِ اللَّازِمَةِ مِنْ الْجَزَاءَاتِ فَمَحَلُّهَا الْحَرَمُ الْمُحَرَّمُ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هَذَا إخْبَارٌ عَنْ دُخُولِهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَإِنَّهُ دَخَلَهَا مِنْ مَحَلٍّ يُقَالُ لَهُ كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِّ وَالْمَدُّ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَهِيَ الثَّنِيَّةُ الَّتِي يَنْزِلُ مِنْهَا إلَى الْمُعَلَّاةِ مَقْبَرَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَكَانَتْ صَعْبَةَ الْمُرْتَقَى فَسَهَّلَهَا مُعَاوِيَةُ ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ ثُمَّ سُهِّلَتْ كُلُّهَا فِي زَمَنِ سُلْطَانِ مِصْرَ الْمُؤَيَّدِ فِي حُدُودِ عِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَأَسْفَلُ مَكَّةَ هِيَ الثَّنِيَّةُ السُّفْلَى يُقَالُ لَهَا كَذَا بِضَمِّ الْكَافِّ وَالْقَصْرُ عِنْدَ بَابِ الشَّبِيكَةِ، وَيَقُولُ أَهْلُ مَكَّةَ: افْتَحْ وَادْخُلْ وَضُمَّ وَاخْرُجْ وَوَجْهُ دُخُولِهِ ﷺ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَا أُسْلِمُ حَتَّى أَرَى الْخَيْلَ تَطْلُعُ مِنْ كَدَاءَ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: مَا هَذَا قَالَ: شَيْءٌ طَلَعَ بِقَلْبِي وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُطْلِعُ الْخَيْلَ مِنْ هُنَالِكَ أَبَدًا قَالَ الْعَبَّاسُ فَذَكَّرْت أَبَا سُفْيَانَ بِذَلِكَ لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا».
стр. 615
٦٩٧ - «وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ »، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٦٩٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا وَالْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا.
وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْف قَالَ حَسَّانُ فَأَنْشَدَهُ شِعْرًا.
عَدِمْت بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءَ
فَتَبَسَّمَ ﷺ وَقَالَ: اُدْخُلُوهَا مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ».
وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِحْبَابِ الدُّخُولِ مِنْ حَيْثُ دَخَلَ ﷺ وَالْخُرُوجِ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ فَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ وَأَنَّهُ يَعْدِلُ إلَيْهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَيْهِ وَقَالَ الْبَعْضُ: إنَّمَا فَعَلَهُ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الثَّنِيَّةَ الْعُلْيَا الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى الْأَبْطُحِ وَالْمَقَابِرِ إذَا دَخَلَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يَأْتِي مِنْ وُجْهَةِ الْبَلَدِ وَالْكَعْبَةِ وَيَسْتَقْبِلُهَا اسْتِقْبَالًا مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ بِخِلَافِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْ النَّاحِيَةِ السُّفْلَى؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْبِرُ الْبَلَدَ وَالْكَعْبَةَ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ مَا يَلِيه مِنْهَا مُؤَخَّرًا لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَ وَجْهَهَا.
«وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ لَيْلَةَ قُدُومِهِ بِذِي طُوًى» فِي الْقَامُوسِ مُثَلَّثَةُ الطَّاءِ وَيُنَوَّنُ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ (حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ أَنَّهُ فَعَلَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ سَوَاءٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ لِدُخُولِهِ مَكَّةَ
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ
стр. 616
٦٩٩ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: «أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ : أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٧٠٠ - «وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلُ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا وَالْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا) وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ وَقَدْ رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ بِسَنَدِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ " رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ مُرَجِّلًا رَأْسَهُ فَقَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا " وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ «قَالَ: رَأَيْت مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنَ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَقَالَ: رَأَيْت خَالِي ابْنَ عَبَّاسٍ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ وَقَالَ: رَأَيْت عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ وَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِك حَفِيًّا» يُؤَيِّدُ هَذَا فَفِيهِ شَرْعِيَّةُ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَالسُّجُودِ عَلَيْهِ.
(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ (أَنْ يَرْمُلُوا) بِضَمِّ الْمِيمِ (ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ) أَيْ يُهَرْوِلُونَ فِيهَا فِي الطَّوَافِ (وَيَمْشُوا أَرْبَعًا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
٧٠٠ - «وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلُ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدُمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَأَصْلُ ذَلِكَ وَوَجْهُ حِكْمَتِهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأَمَرَ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ
стр. 617
٧٠١ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٧٠٢ - «وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ إنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ جَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ وَإِنَّهُمْ حِينَ رَأَوْهُمْ يَرْمُلُونَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى وَهَنَتْهُمْ أَنَّهُمْ لَأَجْلَدَ مِنْ كَذَا وَكَذَا» وَفِي لَفْظٍ لِغَيْرِهِ " إنْ هُمْ إلَّا كَالْغِزْلَانِ " فَكَانَ هَذَا أَصْلَ الرَّمَلِ وَسَبَبُهُ إغَاظَةُ الْمُشْرِكِينَ وَرَدُّ قَوْلِهِمْ وَكَانَ هَذَا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ صَارَ سُنَّةً فَفَعَلَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ وَإِسْلَامِ مَنْ فِي مَكَّةَ وَإِنَّمَا لَمْ يَرْمُلُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْحَجَرِ عِنْدَ قُعَيْقِعَانَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ مَنْ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَصْدِ إغَاظَةِ الْأَعْدَاءِ بِالْعِبَادَةِ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي إخْلَاصَ الْعَمَلِ بَلْ هُوَ إضَافَةُ طَاعَةٍ إلَى طَاعَةٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾.
(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) اعْلَمْ أَنَّ لِلْبَيْتِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ، ثُمَّ الْيَمَانِي وَيُقَالُ لَهُمَا: الْيَمَانِيَانِ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَقَدْ تُشَدَّدُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمَا: الْيَمَانِيَانِ تَغْلِيبًا كَالْأَبَوَيْنِ وَالْقَمَرَيْنِ، وَالرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ يُقَالُ لَهُمَا الشَّامِيَّانِ وَفِي الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فَضِيلَتَانِ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَالثَّانِيَةُ كَوْنُهُ فِي الْحَجَرِ وَأَمَّا الْيَمَانِيُّ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَأَمَّا الشَّامِيَّانِ فَلَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْفَضِيلَتَيْنِ فَلِهَذَا خُصَّ الْأَسْوَدُ بِسُنَّتَيْ التَّقْبِيلِ وَالِاسْتِلَامِ لِلْفَضِيلَتَيْنِ، وَأَمَّا الْيَمَانِيُّ فَيَسْتَلِمُهُ مَنْ يَطُوفُ وَلَا يُقَبِّلُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَاحِدَةً وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ الطَّائِفُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي وَكَانَ فِيهِ - أَيْ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ - خِلَافٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَانْقَرَضَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَسْتَلِمَانِ وَعَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ.
стр. 618
٧٠٣ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ». رَوَاهُ مُسْلِمٍ.
«وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْت عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ وَقَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِك حَفِيًّا» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ فَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ: أَرَأَيْت إنْ غُلِبْت فَقَالَ: دَعْ أَرَأَيْت بِالْيَمَنِ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ» وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ حَدِيثَ عُمَرَ بِزِيَادَةٍ وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵇: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ؛ قَالَ وَأَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي كُتُبِ اللَّهِ؛ قَالَ: وَأَيْنَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قَالَ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ فَقَرَّرَهُمْ أَنَّهُ الرَّبُّ وَهُمْ الْعَبِيدُ ثُمَّ كَتَبَ مِيثَاقَهُمْ فِي رِقٍّ وَكَانَ لِهَذَا الْحَجَرِ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ فَقَالَ لَهُ افْتَحْ فَاك فَأَلْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ وَجَعَلَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَالَ: تَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاك بِالْإِيمَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الرَّاوِي: فَقَالَ عُمَرُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَعِيشَ فِي قَوْمٍ لَسْت فِيهِمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ " قَالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَخَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَفْهَمُوا أَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ بَعْضِ الْأَحْجَارِ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُعْلِمَ النَّاسَ أَنَّ اسْتِلَامَهُ اتِّبَاعٌ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا لِأَنَّ الْحَجَرَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِذَاتِهِ كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ فِي الْأَوْثَانِ.
٧٠٣ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ». رَوَاهُ مُسْلِمٍ (وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ هِيَ عَصًا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ مَعَهُ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَأْتِي هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 619
٧٠٤ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ وَيَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " قَالَ: إنَّ هَذَا الرُّكْنَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ مُصَافَحَةَ الرَّجُلِ أَخَاهُ " وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْهُ " الرُّكْنُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ وَاَلَّذِي نَفْسُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسْأَلُ اللَّهَ عِنْدَهُ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ " وَحَدِيثُ أَبِي الطُّفَيْلِ دَالٌ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ اسْتِلَامِهِ بِالْيَدِ اسْتِلَامُهُ بِآلَةٍ وَيُقَبِّلُ الْآلَةَ كَالْمِحْجَنِ وَالْعَصَا وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ قَبَّلَ يَدَهُ، فَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ " أَنَّهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِعَطَاءٍ: هَلْ رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ رَأَيْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا سَعِيدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ إذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ " فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِلَامُهُ؛ لِأَجْلِ الزَّحْمَةِ قَامَ حِيَالَهُ وَرَفَعَ يَدَهُ وَكَبَّرَ؛ لِمَا رَوَى «أَنَّهُ ﷺ قَالَ: يَا عُمَرُ إنَّك رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمُ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِي الضُّعَفَاءَ إنْ وَجَدَتْ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَزْرَقِيُّ وَإِذَا أَشَارَ بِيَدِهِ فَلَا يُقَبِّلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَبِّلُ إلَّا الْحَجَرَ أَوْ مَا مَسَّ الْحَجَرَ.
(وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) الِاضْطِبَاعُ افْتِعَالٌ مِنْ الضَّبُعِ وَهُوَ الْعُضْوُ وَيُسَمَّى التَّأَبُّطَ؛ لِأَنَّهُ يُجْعَلُ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ الْإِبِطِ وَيُبْدِي ضَبْعَهُ الْأَيْمَنَ وَقِيلَ: يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِزَارَ أَوْ الْبُرْدَ وَيَجْعَلُهُ تَحْتَ إبْطِهِ الْأَيْمَنِ وَيُلْقِي طَرَفَيْهِ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ جِهَتَيْ صَدْرِهِ وَظَهْرِهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " اضْطَبَعَ فَكَبَّرَ وَاسْتَلَمَ وَكَبَّرَ ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطَوَافً كَانُوا إذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَتَغَيَّبُوا مِنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا ثُمَّ يَطْلُعُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُلُونَ تَقُولُ قُرَيْشُ كَأَنَّهُمْ الْغِزْلَانُ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ سُنَّةً وَأَوَّلُ مَا اضْطَبَعُوا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لِيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلَى الرَّمَلِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَهُمْ ثُمَّ صَارَ سُنَّةً وَيَضْطَبِعُ
стр. 620
٧٠٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٧٠٦ - «وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ، أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ فَإِذَا قَضَى طَوَافَهُ سَوَّى ثِيَابَهُ وَلَمْ يَضْطَبِعْ فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَقِيلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُولَى لَا غَيْرُ.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِهْلَالَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَأَوَّلُ وَقْتِهِ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ إلَى الشُّرُوعِ فِي الْإِحْلَالِ وَهُوَ فِي الْحَجِّ إلَى أَنْ يَأْخُذَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَفِي الْعُمْرَةِ إلَى الطَّوَافِ. وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ مَنْ كَبَّرَ مَكَانَ التَّلْبِيَةِ فَلَا نَكِيرَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَسًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ فَيُقِرُّ كُلًّا عَلَى مَا قَالَهُ إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي صِفَةِ غُدُوِّهِمْ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بَعْدَ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ.
«وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ» بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَهُوَ مَتَاعُ الْمُسَافِرِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي (مِنْ جَمْعٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ عَلَى الْمُزْدَلِفَةِ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ لَمَّا أَهَبَطَا اجْتَمَعَا بِهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ (بِلَيْلٍ) وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمَبِيتِ بِجَمْعٍ وَأَنَّهُ لَا يُفِيضُ مَنْ بَاتَ بِهَا إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِهَا ثُمَّ يَقِفُ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَلَا يَدْفَعُ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ إسْفَارِ الْفَجْرِ جِدًّا وَيَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَدْ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ، فَخَالَفَهُمْ ﷺ إلَّا أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَنَحْوَهُ دَلَّ عَلَى الرُّخْصَةِ لِلضَّعَفَةِ فِي عَدَمِ اسْتِكْمَالِ الْمَبِيتِ. وَالنِّسَاءُ كَالضَّعَفَةِ أَيْضًا لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» بِضَمِّ الظَّاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ
стр. 621
٧٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبْطَةً - تَعْنِي ثَقِيلَةً - فَأَذِنَ لَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٧٠٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ
وَسُكُونِهَا جَمْعُ ظَعِينَةٍ وَهِيَ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى الْهَوْدَجِ بِلَا امْرَأَةٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ وَكَانَتْ ثَبْطَةً بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَسَّرَهَا قَوْلُهُ تَعْنِي ثَقِيلَةً فَأَذِنَ لَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَكِنْ لِلْعُذْرِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ (وَكَانَتْ ثَبْطَةً) وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَيَلْزَمُ مَنْ تَرَكَهُ دَمٌ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ إنْ تَرَكَهُ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ وَيَبِيتُ أَكْثَرَ اللَّيْلِ وَقِيلَ: سَاعَةً مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي فَعَلَهُ ﷺ الْمَبِيتَ بِهَا إلَى أَنْ صَلَّى الْفَجْرَ، وَقَدْ قَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْحَسَنَ الْعُرَنِيَّ بَجَلِيٌّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُنْقَطِعٌ قَالَ أَحْمَدُ: الْحَسَنُ الْعُرَنِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَإِنْ كَانَ الرَّامِي مِمَّنْ أُبِيحَ لَهُ التَّقَدُّمُ إلَى مِنًى وَأُذِنَ لَهُ فِي عَدَمِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
(الْأَوَّلُ) جَوَازُ الرَّمْيِ مِنْ بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ قَالَهُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ.
(الثَّانِي) لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
(الثَّالِثُ) لَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلِمَنْ لَهُ عُذْرٌ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ.
(وَالرَّابِعُ) لِلثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْقَادِرِ وَهَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا وَأَرْجَحُهَا قِيلًا.
стр. 622
٧٠٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
٧١٠ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ - يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ - فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ﷺ ذَلِكَ فَقَرَّرَهُ وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ الْفَجْرِ لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا عُذْرَ لَهُ وَهَذَا قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ لِلْقَادِرِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوا لِلْقَادِرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى جَوَازِ الرَّمْيِ مِنْ بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لَا رَمْيَ إلَّا مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلْقَادِرِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ لَهُ فِعْلُهُ ﷺ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ انْقِطَاعٌ فَقَدْ عَضَّدَهُ فِعْلُهُ مَعَ قَوْلِهِ " خُذُوا عَنِّي " الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ.
(وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، كُوفِيٌّ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَصَدْرُ حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْقِفِ يَعْنِي جَمْعًا فَقُلْت: جِئْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ فَأَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْت نَفْسِي وَاَللَّهِ مَا تَرَكْت مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ» ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ هَذِهِ يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ فَوَقَفَ مَعَنَا أَيْ فِي مُزْدَلِفَةَ حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ
стр. 623
٧١١ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «إنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِشُهُودِ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِمُزْدَلِفَةَ وَالْوُقُوفِ بِهَا حَتَّى يَدْفَعَ الْإِمَامُ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. وَدَلَّ عَلَى إجْزَاءِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي نَهَارِ يَوْمِ عَرَفَةَ إذَا كَانَ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ أَوْ فِي لَيْلَةِ الْأَضْحَى وَأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَضَى تَفَثَهُ وَهُوَ قَضَاءُ الْمَنَاسِكِ، وَقِيلَ: إذْهَابُ الشَّعْرِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ.
فَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا بِمُزْدَلِفَةَ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَتِمُّ الْحَجَّ وَإِنْ فَاتَهُ وَيَلْزَمُ فِيهِ دَمٌ وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى أَنَّهُ رُكْنٌ كَعَرَفَةَ وَهَذَا مَفْهُومٌ دَلِيلُهُ وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ «وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا فَلَا حَجَّ لَهُ» وقَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وَفِعْلُهُ ﷺ وَقَوْلُهُ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ مِنْ فِعْلِ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَأَتَى بِالْكَمَالِ مِنْ الْحَجِّ وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ أَتَاهُ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَاتٍ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَقَالُوا: كَيْف الْحَجُّ؟ فَقَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وَفِي رِوَايَةٍ؛ لِأَبِي دَاوُد «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» وَمِنْ رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ «الْحَجُّ عَرَفَةَ الْحَجُّ عَرَفَةَ» قَالُوا: فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمُرَادِ وَأَجَابُوا عَنْ زِيَادَةٍ «وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا فَلَا حَجَّ لَهُ» بِاحْتِمَالِهَا التَّأْوِيلَ أَيْ فَلَا حَجَّ كَامِلَ الْفَضِيلَةِ وَبِأَنَّهَا رِوَايَةٌ أَنْكَرَهَا أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ وَأَلَّفَ فِي إنْكَارِهَا جُزْءًا وَعَنْ الْآيَةِ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ لَا عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ وَبِأَنَّهُ فَعَلَهُ ﷺ بَيَانًا لِلْوَاجِبِ الْمُسْتَكْمِلِ الْفَضِيلَةِ.
(وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: إنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَفِيضُونَ) أَيْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ الْإِشْرَاقِ أَيْ اُدْخُلْ فِي الشُّرُوقِ (ثَبِيرُ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَرَاءٍ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى مِنًى وَهُوَ أَعْظَمُ جِبَالِ مَكَّةَ «وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةٍ " كَيْمَا نُغَيِّرُ " أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ
стр. 624
٧١٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵃ قَالَا: «لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٧١٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّهُ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مِنْ الْإِغَارَةِ الْإِسْرَاعِ فِي عَدْوِ الْفَرَسِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَشْرَعُ الدَّفْعَ وَهُوَ الْإِفَاضَةُ قَبْلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ " حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا ".
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵃ قَالَا: «لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِمْرَارِ فِي التَّلْبِيَةِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةِ. وَهَلْ يَقْطَعُهُ عِنْدَ الرَّمْيِ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ أَوْ مَعَ فَرَاغِهِ مِنْهَا؟ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى الْأَوَّلِ وَأَحْمَدُ إلَى الثَّانِي وَدَلَّ لَهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ «فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ فَلَمَّا رَجَعَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ» وَمَا رَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ «الْفَضْلِ أَنَّهُ قَالَ: أَفَضْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَيُكَبِّرْ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ» وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: " حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ " أَيْ أَتَمَّ رَمْيَهَا وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَدْ بَيَّنَتْ وَقْتَ تَرْكِهِ ﷺ لَهَا.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ جَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ) عِنْدَ رَمْيِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَإِنَّمَا هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَهَذَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَدًّا عَلَى مَنْ يَرْمِيهَا مِنْ فَوْقِهَا وَاتَّفَقُوا أَنَّ سَائِرَ الْجِمَارِ تُرْمَى مِنْ فَوْقِهَا وَخَصَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَعْمَالِ الْحَجِّ مَذْكُورَةٌ فِيهَا أَوْ لِأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى أَكْثَرِ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَفِيهِ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يُكْرَهُ وَلَا دَلِيلَ لَهُ.
стр. 625
٧١٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٧١٥ - «وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى وَقْتِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ رَمْيِ الثَّلَاثِ الْجِمَارِ مِنْ بَعْدِ زَوَالِ الشَّمْسِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.
«وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا» بِضَمِّ الدَّالِ وَبِكَسْرِهَا أَيْ الدَّانِيَةِ إلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَهِيَ أَوَّلُ الْجَمَرَاتِ الَّتِي تُرْمَى ثَانِي النَّحْرِ «بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يُسْهِلُ» بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَقْصِدُ السَّهْلَ مِنْ الْأَرْضِ (فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ) أَيْ يَمْشِي إلَى جِهَةِ شِمَالِهِ لِيَقِفَ دَاعِيًا فِي مَقَامٍ لَا يُصِيبُهُ الرَّمْيُ فَيُسْهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
فِيهِ مَا قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الْمَاضِيَةُ مِنْ الرَّمْيِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ لِكُلِّ جَمْرَةٍ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ. وَفِيهِ زِيَادَةٌ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ الرَّمْيِ لِلْجَمْرَتَيْنِ وَيَقُومُ طَوِيلًا يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى، وَقَدْ فَسَّرَ مِقْدَارَ الْقِيَامِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُومُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ بِمِقْدَارِ مَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَأَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الدُّعَاءِ " قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ
стр. 626
٧١٦ - وَعَنْهُ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مَالِكٌ " أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الدُّعَاءِ " وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ لِخِلَافِ مَا قَالَ مَالِكٌ.
(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ» أَيْ الَّذِينَ حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ عِنْدَ الْإِحْلَالِ مِنْهَا (قَالُوا): يَعْنِي السَّامِعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: إنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ عَلَى الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ عَنْهُ (وَالْمُقَصِّرِينَ) هُوَ مِنْ عَطْفِ التَّلْقِينِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْآيَةِ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَارْحَمْ الْمُقَصِّرِينَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: " وَالْمُقَصِّرِينَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ وَعَطَفَ الْمُقَصِّرِينَ فِي الثَّالِثَةِ وَفِي رِوَايَاتٍ أَنَّهُ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا ثُمَّ عَطَفَ الْمُقَصِّرِينَ ثُمَّ إنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ مَتَى كَانَ مِنْهُ ﷺ فَقِيلَ: فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَجَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقِيلَ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ ذَلِكَ وَبِمِثْلِهِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِتَظَافُرِ الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ هَذَا وَيَجِبُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ اسْتِكْمَالُ حَلْقِهِ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقِيلَ: هُوَ الْأَفْضَلُ وَيُجْزِئُ الْأَقَلُّ فَقِيلَ: الرُّبْعُ، وَقِيلَ: النِّصْفُ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مَا يَجِبُ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَقِيلَ: شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْخِلَافُ فِي التَّقْصِيرِ فِي التَّفْضِيلِ مِثْلُ هَذَا وَأَمَّا مِقْدَارُهُ فَيَكُونُ مِقْدَارَ أُنْمُلَةٍ، وَقِيلَ: إذَا اقْتَصَرَ عَلَى دُونِهَا أَجْزَأَ وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ ثُمَّ هُوَ أَيْ تَفْضِيلُ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ أَيْضًا فِي حَقِّ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ، وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ فَإِنَّهُ ﷺ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ " ثُمَّ يَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا " وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ وَفَصَّلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ فَقَالَ: إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَطْلُعُ شَعْرُهُ فَالْأَوْلَى لَهُ الْحَلْقُ وَإِلَّا فَالتَّقْصِيرُ لِيَقَعَ الْحَلْقُ فِي الْحَجِّ وَبَيَّنَ وَجْهَ التَّفْصِيلِ فِي الْفَتْحِ.
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْمَشْرُوعُ فِي حَقِّهِنَّ التَّقْصِيرُ إجْمَاعًا وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَإِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ -
стр. 627
٧١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا وَهَلْ يُجْزِئُ لَوْ حَلَقَتْ؟ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُجْزِئُ وَيُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) أَيْ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَخْطُبُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ (فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ رَجُلٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ (لَمْ أَشْعُرْ) أَيْ لَمْ أَفَطِنْ وَلَمْ أَعْلَمْ (فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ: اذْبَحْ) أَيْ الْهَدْيَ، وَالذَّبْحُ مَا يَكُون فِي الْحَلْقِ (وَلَا حَرَجَ) أَيْ لَا إثْمَ (وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُر فَنَحَرْت) النَّحْرَ مَا يَكُونُ فِي اللَّبَّةِ (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ «قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ اعْلَمْ أَنَّ الْوَظَائِفَ عَلَى الْحَاجِّ يَوْمَ النَّحْرِ أَرْبَعٌ الرَّمْيُ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ نَحْرُ الْهَدْيِ أَوْ ذَبْحُهُ ثُمَّ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ هَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الْمَشْرُوعُ فِيهَا وَهَكَذَا فَعَلَ ﷺ فِي حَجَّتِهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى فَنَحَرَ وَقَالَ لِلْحَالِقِ: خُذْ» وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا لِلْحَاجِّ مُطْلَقًا وَنَازَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْقَارِنِ فَقَالَ: لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ بَعْضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَأْخِيرِهَا وَأَنَّهُ لَا ضِيقَ وَلَا إثْمَ عَلَى مَنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْعُلَمَاءُ إلَى الْجَوَازِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّمُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ لِلسَّائِلِ (وَلَا حَرَجَ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ مَعًا؛ لِأَنَّ اسْمَ الضَّيِّقِ يَشْمَلُهَا قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُسْقِطْ النَّبِيُّ ﷺ الْحَرَجَ إلَّا وَقَدْ أَجْزَأَ الْفِعْلَ إذْ لَوْ لَمْ يُجْزِئْهُ لَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَضَعَانِ عَنْ الْمُكَلَّفِ الْحُكْمَ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي الْحَجِّ كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ بِتَرْكِهِ نَاسِيًا
стр. 628
٧١٨ - وَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
أَوْ جَاهِلًا لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَالْأَظْهَرُ سُقُوطُهَا عَنْ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَعَدَمِ سُقُوطِهَا عَنْ الْعَالَمِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْقَوْلُ بِسُقُوطِ الدَّمِ عَنْ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي دُونَ الْعَامِدِ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ بِقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَهَذِهِ السُّؤَالَاتُ الْمُرَخَّصَةُ بِالتَّقْدِيمِ لَمَّا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ إنَّمَا قُرِنَتْ بِقَوْلِ السَّائِلِ (لَمْ أَشْعُرْ) فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ لَا حَرَجَ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ وَالدَّمِ مَعًا فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَيَبْقَى الْعَامِدُ عَلَى أَصْلِ وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْقَائِلُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ قَدْ مَشَى أَيْضًا عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أَنَّ الْحُكْمَ إذَا رُتِّبَ عَلَى وَصْفٍ يُمْكِنُ بِأَنْ يَكُونَ مُعْتَبِرًا لَمْ يَجُزْ إطْرَاحُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَمَ الشُّعُورِ وَصْفٌ مُنَاسِبٌ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ وَالْمُؤَاخَذَةِ وَالْحُكْمُ عُلِّقَ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ إطْرَاحُهُ بِإِلْحَاقِ الْعَامِدِ بِهِ إذْ لَا يُسَاوِيه قَالَ: وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِ الرَّاوِي (فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ) إلَى آخِرِهِ لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا غَيْرُ مُرَاعًى فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِي الْأَخْبَارَ مِنْ الرَّاوِي تَتَعَلَّقُ بِمَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَهُوَ مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِّ السَّائِلِ وَالْمُطْلَقِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْخَاصِّينَ بِعَيْنِهِ فَلَا تَبْقَى حُجَّةٌ فِي حَالِ الْعَمْدِ.
٧١٨ - وَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَعَنْ الْمِسْوَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ فَرَاءٍ (ابْنُ مَخْرَمَةَ ﵁) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ زُهْرِيٌّ قُرَشِيٌّ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ وَسَمِعَ مِنْهُ وَحَفِظَ عَنْهُ انْتَقَلَ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ قَتَلَ عُثْمَانَ إلَى مَكَّةَ وَلَمْ يَزَلْ بِهَا إلَى أَنْ حَاصَرَهَا عَسْكَرُ يَزِيدَ فَقَتَلَهُ حَجَرٌ مِنْ حِجَارِ الْمَنْجَنِيقِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ النَّحْرِ قَبْلَ الْحَلْقِ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ الْمَشْرُوعَ تَقْدِيمُ الْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ فَقِيلَ: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ هَذَا إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ فِعْلِهِ ﵌ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ حَيْثُ أُحْصِرَ فَتَحَلَّلَ ﵌ بِالذَّبْحِ وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ (بَابَ النَّحْرِ قَبْلَ الْحَلْقِ فِي الْحَصْرِ) وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ يَخْتَصُّ بِالْمُحْصَرِ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ بِمَعْنَاهُ هَذَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ
стр. 629
٧١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
٧٢٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
٧٢١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الشُّرُوطِ وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ؛ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا» وَفِيهِ «قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ لَهُ ﷺ اُخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمُ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بَدَنَك فَخَرَجَ فَنَحَرَ بَدَنَهُ ثُمَّ دَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ» الْحَدِيثَ وَكَانَ الْأَحْسَنُ تَأْخِيرَ الْمُصَنِّفِ لَهُ إلَى بَابِ الْإِحْصَارِ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَلَهُ طُرُقٌ أُخَرُ مَدَارُهَا عَلَيْهِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقُ يَحِلُّ كُلَّ مُحْرِمٍ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَّا النِّسَاءَ فَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهُنَّ إلَّا بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى حَلِّ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ إلَّا الْوَطْءَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا الْحُكْمِ فِي الشَّرْحِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَقِّهِنَّ الْحَلْقُ فَإِنْ حَلَقْنَ أَجْزَأَ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» وَهِيَ مَاءُ زَمْزَمَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَغْتَرِفُونَهُ بِاللَّيْلِ
стр. 630
٧٢٢ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
٧٢٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ». الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَيَجْعَلُونَهُ فِي الْحِيَاضِ سَبِيلًا (فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ ثَانِي النَّحْرِ وَثَالِثِهِ إلَّا لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ وَهَذَا يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ.
وَالْحَنَفِيَّةُ قَالَتْ: إنَّهُ سُنَّةٌ قِيلَ: إنَّهُ يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالْعَبَّاسِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ: بَلْ وَبِمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي سِقَايَتِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ لَهُ وَحْدَهُ إعْدَادُ الْمَاءِ لِلشَّارِبِينَ وَهَلْ يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ أَوْ يَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا حِفْظُ مَالِهِ وَعِلَاجُ مَرِيضِهِ وَهَذَا الْإِلْحَاقُ رَأْيُ الشَّافِعِيِّ وَيَدُلُّ لِلْإِلْحَاقِ الْحَدِيثُ:
وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ﵁) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوْ عُمَرُ أَوْ عَمْرٌو حَلِيفُ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنْ الْأَنْصَارِ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدُ بَعْدَهَا وَقِيلَ: لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا وَإِنَّمَا خَرَجَ إلَيْهَا مَعَهُ ﷺ فَرَدَّهُ إلَى أَهْلِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ وَضَرَبَ لَهُ سَهْمَهُ وَأَجَّرَهُ فَكَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ بَلَغَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِرُعَاةِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ» جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ يَنْفِرُونَ وَلَا يَبِيتُونَ بِمِنًى (ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَيْنِ) أَيْ يَرْمُونَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمُ الَّذِي فَاتَهُمْ الرَّمْيُ فِيهِ هُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي (ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ) أَيْ الْيَوْمَ الرَّابِعَ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلُوا (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ) فَإِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ عَدَمُ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَأَنَّهُ غَيْرُ خَاصٍّ بِالْعَبَّاسِ وَلَا بِسِقَايَتِهِ وَأَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ أَحَدٌ سِقَايَةً جَازَ لَهُ مَا جَازَ؛ لِأَهْلِ سِقَايَةِ زَمْزَمَ.
(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
стр. 631
٧٢٤ - وَعَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ ﵂ قَالَتْ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الرُّءُوسِ فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟» الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
فِيهِ شَرْعِيَّةُ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَيْسَتْ خُطْبَةَ الْعِيدِ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ فِي حَجَّتِهِ وَلَا خَطَبَ خُطْبَتَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخُطَبَ الْمَشْرُوعَاتِ فِي الْحَجِّ ثَلَاثٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ الْأُولَى سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ وَالثَّانِيَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَ النَّحْرِ وَزَادَ الشَّافِعِيُّ رَابِعَةً فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَجَعَلَ الثَّالِثَةَ فِي ثَالِثِ النَّحْرِ لَا فِي الثَّانِيَةِ قَالَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّفْرِ وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: إنَّ خُطْبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ لَا تُعَدُّ خُطْبَةً إنَّمَا هِيَ وَصَايَا عَامَّةٌ لَا أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي الْحَجِّ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ سَمَّوْهَا خُطْبَةً وَبِأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَقَاصِدِ الْخُطْبَةِ كَمَا أَفَادَهُ لَفْظُهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قُلْنَا؟ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ ذِي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةُ الْحَرَامُ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْت؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ " فَاشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى تَعْظِيمِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَشَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالنَّهْيِ عَنْ رُجُوعِهِمْ كُفَّارًا وَعَنْ قِتَالِهِمْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالْأَمْرِ بِالْإِبْلَاغِ عَنْهُ وَهَذِهِ مِنْ مَقَاصِدِ الْخُطَبِ وَيَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ خُطْبَةِ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ.
(وَعَنْ سَرَّاءَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَمْدُودَةً (بِنْتُ نَبْهَانَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَتْ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الرُّءُوسِ فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ " وَهَذِهِ هِيَ الْخُطْبَةُ الرَّابِعَةُ وَيَوْمُ الرُّءُوسِ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِالِاتِّفَاقِ وَقَوْلُهُ: " أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ " يَحْتَمِلُ أَفْضَلَهَا وَيَحْتَمِلُ الْأَوْسَطَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْهَا، وَلَفْظُ حَدِيثِ «السَّرَّاءِ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالَتْ: وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَدْعُونَهُ يَوْمَ الرُّءُوسِ؟ قَالُوا:
стр. 632
٧٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «طَوَافُك بِالْبَيْتِ وَسَعْيُك بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا أَوْسَطُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ قَالَ: إنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا أَلَا وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا حَتَّى تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلْيُبَلِّغْ أَدْنَاكُمْ أَقْصَاكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْت فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَمْ يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ».
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «طَوَافُك بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيه طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ فَالْأَحَادِيثُ مُتَوَارِدَةٌ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالطَّوَافَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ التَّمَامَ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَطُفْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، وَقَدْ اكْتَفَى ﷺ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ وَكَانَ قَارِنًا كَمَا هُوَ الْحَقُّ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ فِي الْمِيزَانِ: زِيَادُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْهُ رُوِيَ حَدِيثُ «الْقَارِنُ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ» وَاعْلَمْ «أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ قَدْ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ وَلَكِنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اُرْفُضِي عُمْرَتَك» قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى رَفْضِهَا إيَّاهَا رَفْضُ الْعَمَلِ فِيهَا وَإِتْمَامُ أَعْمَالِهَا الَّتِي هِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَتَقْصِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ فَأَمَرَهَا ﷺ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَأَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَتَصِيرُ قَارِنَةً وَتَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَتَفْعَلُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إلَّا الطَّوَافَ فَتُؤَخِّرُهُ حَتَّى تَطْهُرَ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ أَنَّهَا صَارَتْ قَارِنَةً قَوْلُهُ ﷺ لَهَا: " طَوَافُك بِالْبَيْتِ " الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّهَا كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﷺ : " اُرْفُضِي عُمْرَتَك " بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَلَيْسَ مَعْنَى اُرْفُضِي الْعُمْرَةَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَإِبْطَالِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالتَّحَلُّلِ مِنْهُمَا بَعْدَ فَرَاغِهَا.
стр. 633
٧٢٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
٧٢٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
٧٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ - أَيْ النُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الرَّمَلُ الَّذِي سَلَفَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ» بِالْمُهْمَلَتَيْنِ فَمُوَحَّدَةٌ بِزِنَةِ مُكْرَمٍ اسْمُ مَفْعُولٍ الشِّعْبُ الَّذِي مَخْرَجُهُ إلَى الْأَبْطَحِ وَهُوَ خِيفَ بَنِي كِنَانَةَ «ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ» أَيْ طَوَافِ الْوَدَاعِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّفْرِ الْآخَرِ، وَهُوَ ثَالِثُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ ﷺ رَمَى الْجِمَارَ يَوْمَ النَّفْرِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَأَخَّرَ صَلَاةَ الظُّهْرِ حَتَّى وَصَلَ الْمُحَصَّبَ ثُمَّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ فِيهِ كَمَا ذُكِرَ.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ هَلْ التَّحْصِيبُ سُنَّةٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: سُنَّةٌ، وَقِيلَ: لَا إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ تَأَسِّيًا بِهِ ﷺ وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَإِلَى مِثْلِهِ ذَهَبَتْ عَائِشَةُ كَمَا دَلَّ لَهُ الْحَدِيثُ.
٧٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ - أَيْ النُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَوْلُهُ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ أَيْ النُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ وَتَقُولُ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْ أَسْهَلَ لِخُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي نُزُولِهِ فِيهِ إظْهَارُ نِعْمَةِ اللَّهِ بِاعْتِزَازِ
стр. 634
٧٢٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٧٣٠ - وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
دِينِهِ وَإِظْهَارِ كَلِمَتِهِ وَظُهُورِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ فَإِنَّ هَذَا الْمَحَلَّ هُوَ الَّذِي تَقَاسَمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَى قَطِيعَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَكَتَبُوا صَحِيفَةَ الْقَطِيعَةِ فِي الْقِصَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَإِذَا كَانَتْ الْحِكْمَةُ هِيَ هَذِهِ فَهِيَ نِعْمَةٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَجْمَعِينَ فَيَنْبَغِي نُزُولُهُ لِمَنْ حَجَّ مِنْ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ أُمِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (النَّاسُ) نَائِبُ الْفَاعِلِ «أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْآمِرُ لِلنَّاسِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَذَلِكَ الْمُخَفِّفُ عَنْ الْحَائِضِ وَغَيَّرَ الرَّاوِي الصِّيغَةَ لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَنْصَرِفُ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَخَالَفَ النَّاصِرُ وَمَالِكٌ وَقَالَا: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا خَفَّفَ عَنْ الْحَائِضِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّخْفِيفَ دَلِيلُ الْإِيجَابِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّخْفِيفِ وَالتَّخْفِيفُ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا فَلَا تَنْتَظِرُ الطُّهْرَ وَلَا يَلْزَمُهَا دَمٌ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ سَاقِطٌ عَنْهَا مِنْ أَصْلِهِ. وَوَقْتُ طَوَافِ الْوَدَاعِ مِنْ ثَالِثِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ إجْمَاعًا وَهَلْ يُجْزِئُ قَبْلَهُ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ إجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْمَنَاسِكَ وَاخْتَلَفُوا إذَا أَقَامَ بَعْدَهُ هَلْ يُعِيدُهُ أَمْ لَا؟ قِيلَ: إذَا بَقِيَ بَعْدَهُ لِشِرَاءِ زَادٍ وَصَلَاةِ جَمَاعَةٍ لَمْ يُعِدْهُ وَقِيلَ: يُعِيدُهُ إذَا قَامَ لِتَمْرِيضٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُعِيدُ وَلَوْ أَقَامَ شَهْرَيْنِ. ثُمَّ هَلْ يَشْرَعُ فِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ؟ قِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْحَجِّ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَمِرِ أَيْضًا وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ.
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄) هُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُرَادُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا) الْإِشَارَةُ تُفِيدُ أَنَّهُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْخِطَابِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ مَا زِيدَ فِيهِ (أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ) وَفِي رِوَايَةٍ خَيْرٌ وَفِي أُخْرَى تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ «فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ زَنْجُوَيْهِ وَابْنِ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ " أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ " أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ).
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا إسْنَادٌ حَسَنٌ.
(قُلْت): فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ صَلَاةٍ أَيْ مِنْ صَلَاةِ مَسْجِدِي فَتَكُونُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ فَيَتَوَافَقُ الْحَدِيثَانِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: رَوَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِسَنَدٍ كَالشَّمْسِ فِي الصِّحَّةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ وَقَدْ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَدَدُهُمْ فِيمَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَسَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ دَالٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمَسْجِدَيْنِ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ مَسَاجِدِ الْأَرْضِ وَعَلَى تَفَاضُلِهِمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَقَدْ اخْتَلَفَتْ أَعْدَادُ الْمُضَاعَفَةِ كَمَا عَرَفْت وَالْأَكْثَرُ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْأَقَلِّ وَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ وَسَبَقَتْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ خَاصَّةً بِالْمَوْجُودِ فِي عَصْرِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ لِقَوْلِهِ فِي مَسْجِدِي فَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ.
(قُلْت) وَلِقَوْلِهِ هَذَا وَمِثْلُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ الِاخْتِصَاصِ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ وَقَالَ الْآخَرُونَ: إنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَوْجُودِ حَالَ تَكَلُّمِهِ ﷺ بَلْ كُلُّ مَا زِيدَ فِيهِ دَاخِلٌ فِي الْفَضِيلَةِ وَفَائِدَةُ الْإِضَافَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى اخْتِصَاصِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ مَسَاجِدِ الْمَدِينَةِ لَا أَنَّهَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا يَزِيدُ فِيهِ.
(قُلْت): بَلْ فَائِدَةُ الْإِضَافَةِ الْأَمْرَانِ مَعًا قَالَ: مَنْ عَمَّمَ الْفَضِيلَةَ فِيمَا زِيدَ فِيهِ: أَنَّهُ يَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَوْ مُدَّ هَذَا الْمَسْجِدَ إلَى صَنْعَاءَ لَكَانَ مَسْجِدِي» وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ مَرْفُوعًا «هَذَا مَسْجِدِي وَمَا زِيدَ فَهُوَ مِنْهُ» وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ وَهُوَ وَاهٍ، وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ أَيْضًا حَدِيثًا آخَرَ فِي مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ مُعْضِلٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " زَادَ عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَامِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ: لَوْ زِدْنَا فِيهِ
следующие страницы →