← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٧٢٤ - وَعَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ ﵂ قَالَتْ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الرُّءُوسِ فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟» الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. فِيهِ شَرْعِيَّةُ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَيْسَتْ خُطْبَةَ الْعِيدِ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ فِي حَجَّتِهِ وَلَا خَطَبَ خُطْبَتَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخُطَبَ الْمَشْرُوعَاتِ فِي الْحَجِّ ثَلَاثٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ الْأُولَى سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ وَالثَّانِيَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَ النَّحْرِ وَزَادَ الشَّافِعِيُّ رَابِعَةً فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَجَعَلَ الثَّالِثَةَ فِي ثَالِثِ النَّحْرِ لَا فِي الثَّانِيَةِ قَالَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّفْرِ وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: إنَّ خُطْبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ لَا تُعَدُّ خُطْبَةً إنَّمَا هِيَ وَصَايَا عَامَّةٌ لَا أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي الْحَجِّ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ سَمَّوْهَا خُطْبَةً وَبِأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَقَاصِدِ الْخُطْبَةِ كَمَا أَفَادَهُ لَفْظُهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قُلْنَا؟ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ ذِي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةُ الْحَرَامُ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْت؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ " فَاشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى تَعْظِيمِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَشَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالنَّهْيِ عَنْ رُجُوعِهِمْ كُفَّارًا وَعَنْ قِتَالِهِمْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالْأَمْرِ بِالْإِبْلَاغِ عَنْهُ وَهَذِهِ مِنْ مَقَاصِدِ الْخُطَبِ وَيَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ خُطْبَةِ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ. (وَعَنْ سَرَّاءَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَمْدُودَةً (بِنْتُ نَبْهَانَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَتْ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الرُّءُوسِ فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ " وَهَذِهِ هِيَ الْخُطْبَةُ الرَّابِعَةُ وَيَوْمُ الرُّءُوسِ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِالِاتِّفَاقِ وَقَوْلُهُ: " أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ " يَحْتَمِلُ أَفْضَلَهَا وَيَحْتَمِلُ الْأَوْسَطَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْهَا، وَلَفْظُ حَدِيثِ «السَّرَّاءِ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالَتْ: وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَدْعُونَهُ يَوْمَ الرُّءُوسِ؟ قَالُوا:

стр. 632

٧٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «طَوَافُك بِالْبَيْتِ وَسَعْيُك بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا أَوْسَطُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ قَالَ: إنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا أَلَا وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا حَتَّى تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلْيُبَلِّغْ أَدْنَاكُمْ أَقْصَاكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْت فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَمْ يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ». (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «طَوَافُك بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيه طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ فَالْأَحَادِيثُ مُتَوَارِدَةٌ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالطَّوَافَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ التَّمَامَ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَطُفْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، وَقَدْ اكْتَفَى ﷺ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ وَكَانَ قَارِنًا كَمَا هُوَ الْحَقُّ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ فِي الْمِيزَانِ: زِيَادُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْهُ رُوِيَ حَدِيثُ «الْقَارِنُ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ» وَاعْلَمْ «أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ قَدْ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ وَلَكِنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اُرْفُضِي عُمْرَتَك» قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى رَفْضِهَا إيَّاهَا رَفْضُ الْعَمَلِ فِيهَا وَإِتْمَامُ أَعْمَالِهَا الَّتِي هِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَتَقْصِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ فَأَمَرَهَا ﷺ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَأَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَتَصِيرُ قَارِنَةً وَتَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَتَفْعَلُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إلَّا الطَّوَافَ فَتُؤَخِّرُهُ حَتَّى تَطْهُرَ. وَمِنْ أَدِلَّةِ أَنَّهَا صَارَتْ قَارِنَةً قَوْلُهُ ﷺ لَهَا: " طَوَافُك بِالْبَيْتِ " الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّهَا كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﷺ : " اُرْفُضِي عُمْرَتَك " بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَلَيْسَ مَعْنَى اُرْفُضِي الْعُمْرَةَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَإِبْطَالِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالتَّحَلُّلِ مِنْهُمَا بَعْدَ فَرَاغِهَا.

стр. 633

٧٢٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. ٧٢٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ٧٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ - أَيْ النُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الرَّمَلُ الَّذِي سَلَفَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ» بِالْمُهْمَلَتَيْنِ فَمُوَحَّدَةٌ بِزِنَةِ مُكْرَمٍ اسْمُ مَفْعُولٍ الشِّعْبُ الَّذِي مَخْرَجُهُ إلَى الْأَبْطَحِ وَهُوَ خِيفَ بَنِي كِنَانَةَ «ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ» أَيْ طَوَافِ الْوَدَاعِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّفْرِ الْآخَرِ، وَهُوَ ثَالِثُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ ﷺ رَمَى الْجِمَارَ يَوْمَ النَّفْرِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَأَخَّرَ صَلَاةَ الظُّهْرِ حَتَّى وَصَلَ الْمُحَصَّبَ ثُمَّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ فِيهِ كَمَا ذُكِرَ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ هَلْ التَّحْصِيبُ سُنَّةٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: سُنَّةٌ، وَقِيلَ: لَا إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ تَأَسِّيًا بِهِ ﷺ وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَإِلَى مِثْلِهِ ذَهَبَتْ عَائِشَةُ كَمَا دَلَّ لَهُ الْحَدِيثُ. ٧٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ - أَيْ النُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَوْلُهُ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ أَيْ النُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ وَتَقُولُ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْ أَسْهَلَ لِخُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي نُزُولِهِ فِيهِ إظْهَارُ نِعْمَةِ اللَّهِ بِاعْتِزَازِ

стр. 634

٧٢٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٧٣٠ - وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ دِينِهِ وَإِظْهَارِ كَلِمَتِهِ وَظُهُورِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ فَإِنَّ هَذَا الْمَحَلَّ هُوَ الَّذِي تَقَاسَمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَى قَطِيعَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَكَتَبُوا صَحِيفَةَ الْقَطِيعَةِ فِي الْقِصَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَإِذَا كَانَتْ الْحِكْمَةُ هِيَ هَذِهِ فَهِيَ نِعْمَةٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَجْمَعِينَ فَيَنْبَغِي نُزُولُهُ لِمَنْ حَجَّ مِنْ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ أُمِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (النَّاسُ) نَائِبُ الْفَاعِلِ «أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْآمِرُ لِلنَّاسِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَذَلِكَ الْمُخَفِّفُ عَنْ الْحَائِضِ وَغَيَّرَ الرَّاوِي الصِّيغَةَ لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَنْصَرِفُ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَخَالَفَ النَّاصِرُ وَمَالِكٌ وَقَالَا: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا خَفَّفَ عَنْ الْحَائِضِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّخْفِيفَ دَلِيلُ الْإِيجَابِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّخْفِيفِ وَالتَّخْفِيفُ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا فَلَا تَنْتَظِرُ الطُّهْرَ وَلَا يَلْزَمُهَا دَمٌ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ سَاقِطٌ عَنْهَا مِنْ أَصْلِهِ. وَوَقْتُ طَوَافِ الْوَدَاعِ مِنْ ثَالِثِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ إجْمَاعًا وَهَلْ يُجْزِئُ قَبْلَهُ وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ إجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْمَنَاسِكَ وَاخْتَلَفُوا إذَا أَقَامَ بَعْدَهُ هَلْ يُعِيدُهُ أَمْ لَا؟ قِيلَ: إذَا بَقِيَ بَعْدَهُ لِشِرَاءِ زَادٍ وَصَلَاةِ جَمَاعَةٍ لَمْ يُعِدْهُ وَقِيلَ: يُعِيدُهُ إذَا قَامَ لِتَمْرِيضٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُعِيدُ وَلَوْ أَقَامَ شَهْرَيْنِ. ثُمَّ هَلْ يَشْرَعُ فِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ؟ قِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْحَجِّ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَمِرِ أَيْضًا وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ.

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄) هُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُرَادُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا) الْإِشَارَةُ تُفِيدُ أَنَّهُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْخِطَابِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ مَا زِيدَ فِيهِ (أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ) وَفِي رِوَايَةٍ خَيْرٌ وَفِي أُخْرَى تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ «فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ زَنْجُوَيْهِ وَابْنِ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ " أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ " أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ). وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا إسْنَادٌ حَسَنٌ. (قُلْت): فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ صَلَاةٍ أَيْ مِنْ صَلَاةِ مَسْجِدِي فَتَكُونُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ فَيَتَوَافَقُ الْحَدِيثَانِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: رَوَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِسَنَدٍ كَالشَّمْسِ فِي الصِّحَّةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ وَقَدْ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَدَدُهُمْ فِيمَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَسَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ. وَهَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ دَالٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمَسْجِدَيْنِ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ مَسَاجِدِ الْأَرْضِ وَعَلَى تَفَاضُلِهِمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَقَدْ اخْتَلَفَتْ أَعْدَادُ الْمُضَاعَفَةِ كَمَا عَرَفْت وَالْأَكْثَرُ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْأَقَلِّ وَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ وَسَبَقَتْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ خَاصَّةً بِالْمَوْجُودِ فِي عَصْرِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ لِقَوْلِهِ فِي مَسْجِدِي فَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ. (قُلْت) وَلِقَوْلِهِ هَذَا وَمِثْلُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ الِاخْتِصَاصِ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ وَقَالَ الْآخَرُونَ: إنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَوْجُودِ حَالَ تَكَلُّمِهِ ﷺ بَلْ كُلُّ مَا زِيدَ فِيهِ دَاخِلٌ فِي الْفَضِيلَةِ وَفَائِدَةُ الْإِضَافَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى اخْتِصَاصِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ مَسَاجِدِ الْمَدِينَةِ لَا أَنَّهَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا يَزِيدُ فِيهِ. (قُلْت): بَلْ فَائِدَةُ الْإِضَافَةِ الْأَمْرَانِ مَعًا قَالَ: مَنْ عَمَّمَ الْفَضِيلَةَ فِيمَا زِيدَ فِيهِ: أَنَّهُ يَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَوْ مُدَّ هَذَا الْمَسْجِدَ إلَى صَنْعَاءَ لَكَانَ مَسْجِدِي» وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ مَرْفُوعًا «هَذَا مَسْجِدِي وَمَا زِيدَ فَهُوَ مِنْهُ» وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ وَهُوَ وَاهٍ، وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ أَيْضًا حَدِيثًا آخَرَ فِي مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ مُعْضِلٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " زَادَ عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَامِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ: لَوْ زِدْنَا فِيهِ

стр. 636

٧٣١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَبَّانَةَ كَانَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ الْمَدَنِيُّ مَتْرُوكٌ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ نُهُوضِ هَذِهِ الْآثَارِ إذْ الْمَرْفُوعُ مُعْضِلٌ وَغَيْرُهُ كَلَامُ صَحَابِيٍّ. ثُمَّ هَلْ تَعُمُّ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ أَوْ تَخُصُّ بِالْأَوَّلِ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهَا تَعُمُّهُمَا وَخَالَفَهُ الطَّحْطَاوِيُّ وَالْمَالِكِيَّةُ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يُمْكِنُ بَقَاءُ حَدِيثِ " أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ " عَلَى عُمُومِهِ فَتَكُونُ النَّافِلَةُ فِي بَيْتِهِ فِي مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهَا فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِهَا وَكَذَا فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ مُطْلَقًا. (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُضَاعَفَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَا فِي الْبُيُوتِ فِي الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ إذَا لَمْ تَرِدْ فِيهِمَا الْمُضَاعَفَةُ بَلْ فِي مَسْجِدَيْهِمَا، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهَا تُضَاعَفُ النَّافِلَةُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَصَلَاتُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ (قُلْت) يَدُلُّ؛ لِأَفْضَلِيَّةِ النَّافِلَةِ فِي الْبُيُوتِ مُطْلَقًا مُحَافَظَتُهُ ﷺ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي بَيْتِهِ وَمَا كَانَ يَخْرُجُ إلَى مَسْجِدِهِ إلَّا لِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ مَعَ قُرْبِ بَيْتِهِ مِنْ مَسْجِدِهِ ثُمَّ هَذَا التَّضْعِيفُ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ بَلْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: كُلُّ عَمَلٍ فِي الْمَدِينَةِ بِأَلْفٍ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَالْجُمُعَةُ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ جُمُعَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَشَهْرُ رَمَضَانَ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَقَرِيبٌ مِنْهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ. بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ الْحَصْرُ الْمَنْعُ قَالَهُ أَكْثَرُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْإِحْصَارُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِالْمَرَضِ وَالْعَجْزِ وَالْخَوْفِ وَنَحْوِهَا وَإِذَا كَانَ بِالْعَدُوِّ قِيلَ لَهُ: الْحَصْرُ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَقَ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِمَاذَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ

стр. 637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَقَالَ الْأَكْثَرُ: يَكُونُ مِنْ كُلِّ حَابِسٍ يَحْبِسُ الْحَاجَّ مِنْ عَدُوٍّ وَمَرَضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا لُدِغَ بِأَنَّهُ مُحْصَرٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَقَالُوا: إنَّهُ يَكُونُ بِالْمَرَضِ وَالْكِبَرِ وَالْخَوْفِ وَهَذِهِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا وَيُقَاسُ عَلَيْهَا سَائِرُ الْأَعْذَارِ الْمَانِعَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الْآيَةَ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا إحْصَارَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعَدُوِّ فَالْعَامُّ لَا يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أُخَرَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا خَاصٌّ بِهِ ﷺ وَأَنَّهُ لَا حَصْرَ بَعْدَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَاصٌّ بِمِثْلِ مَا اتَّفَقَ لَهُ ﷺ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا مَنْ أَحَصَرَهُ عَدُوٌّ كَافِرٌ. الثَّالِثُ أَنَّ الْإِحْصَارَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْعَدُوِّ كَافِرًا كَانَ أَوْ بَاغِيًا وَالْقَوْلُ الْمُصَدَّرُ هُوَ أَقْوَى الْأَقْوَالِ وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ إلَّا آثَارٌ وَفَتَاوَى لِلصَّحَابَةِ. هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «وَأَنَّهُ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ» قَالُوا: وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ كَمَا عَرَفْت وَلَمْ يَقْصِدْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّمَا قَصَدَ وَصْفَ مَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَرْتِيبٍ، وَقَوْلُهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ هُوَ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُ ﷺ هَدْيٌ نَحَرَهُ هُنَالِكَ وَلَا يَدُلُّ كَلَامُهُ عَلَى إيجَابِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى الْمَحْصِرِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى وُجُوبِهِ وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَالَ: لَا يَجِبُ وَالْحَقُّ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ كُلِّ الْمُحْصَرِينَ هَدْيٌ وَهَذَا الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ ﷺ سَاقَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ مُتَنَفِّلًا بِهِ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ الْآيَةَ، لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وَحَقَّقْنَاهُ فِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ حَاشِيَةِ ضَوْءِ النَّهَارِ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا) قِيلَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أُحْصِرَ وَالْمُرَادُ مِنْ أُحْصِرَ عَنْ النَّفْلِ وَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ عَنْ وَاجِبِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا كَلَامَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ إنْ مُنِعَ مِنْ أَدَائِهِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى إيجَابِ الْقَضَاءِ فَإِنَّ ظَاهِرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ ﷺ اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا وَلَا كَلَامَ أَنَّهُ ﷺ اعْتَمَرَ فِي عَامِ الْقَضَاءِ وَلَكِنَّهَا عُمْرَةٌ أُخْرَى لَيْسَتْ قَضَاءً عَنْ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ. أَخْرَجَ مَالِكٌ بَلَاغًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْحُدَيْبِيَةَ فَنَحَرُوا الْهَدْيَ وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ الْهَدْيُ» ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ يَقْضُونَ شَيْئًا وَلَا أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَحَيْثُ أُحْصِرَ ذَبَحَ وَحَلَّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ تَوَاطُؤِ أَحَادِيثِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ رِجَالٌ مُعَرَّفُونَ ثُمَّ اعْتَمَرُوا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ فَتَخَلَّفَ بَعْضُهُمْ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ وَلَوْ لَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ؛ لِأَمْرِهِمْ بِأَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ وَقَالَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةَ لِلْمُقَاضَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ

стр. 638

٧٣٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٧٣٣ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَا: صَدَقَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ لَا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ قَضَاءَ تِلْكَ الْعُمْرَةِ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَنَحَرَ هَدْيَهُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ نَحَرَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أَنَّهُمْ نَحَرُوهُ فِي الْحِلِّ وَفِي مَحَلِّ نَحْرِ الْهَدْيِ لِلْمَحْصَرِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ: لِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَذْبَحُ هَدْيَهُ حَيْثُ يَحِلُّ فِي حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ. الثَّانِي: لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْحَرُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ. الثَّالِثِ: لِابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْبَعْثَ بِهِ إلَى الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ فِي مَحِلِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْبَعْثَ بِهِ إلَى الْحَرَمِ نَحَرَهُ فِي مَحَلِّ إحْصَارِهِ، وَقِيلَ: إنَّهُ نَحَرَهُ فِي طَرَفِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ مِنْ الْحَرَمِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ بِنْتِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَرِيمَةَ رَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا اشْتَرَطَ فِي إحْرَامِهِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الْمَرَضُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ: إنَّ عُذْرَ الْإِحْصَارِ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَرَضُ، قَالَ: يَصِيرُ الْمَرِيضُ مُحْصَرًا لَهُ حُكْمُهُ. وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُحْصَرًا بَلْ يَحِلُّ حَيْثُ حَصَرَهُ الْمَرَضُ وَلَا يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ مِنْ هَدْيٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ وَلَا حُكْمَ لَهُ، قَالُوا: وَحَدِيثُ ضُبَاعَةَ قِصَّةُ عَيْنٍ مَوْقُوفَةٍ مَرْجُوحَةٍ أَوْ مَنْسُوخَةٍ أَوْ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَكُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ وَعَدَمُ النَّسْخِ وَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ وَسَائِرُ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمِدَةِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَدَلَّ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي إحْرَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ وَيَصِيرُ مُحْصَرًا لَهُ حُكْمُ الْمُحْصَرِ عَلَى مَا هُوَ الصَّوَابُ عَلَى أَنَّ الْإِحْصَارَ يَكُونُ بِغَيْرِ الْعَدُوِّ.

стр. 639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَا: صَدَقَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَعَنْ عِكْرِمَةَ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عِكْرِمَةُ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَصْلُهُ مِنْ الْبَرْبَرِ سَمِعَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمْ وَنُسِبَ إلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَقَدْ أَطَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ وَأَطَالَ الذَّهَبِيُّ فِيهِ فِي الْمِيزَانِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى إطْرَاحِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ (عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي غَزِيَّةَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ (الْأَنْصَارِيِّ ﵁ الْمَازِنِيِّ نِسْبَةً إلَى جَدِّهِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثَيْنِ هَذَا أَحَدُهُمَا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كُسِرَ) مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ (أَوْ عَرِجَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ مُحْرِمٌ لِقَوْلِهِ: (فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ) إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ أَتَى بِالْفَرِيضَةِ (قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ ﵄ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ) فِي إخْبَارِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ) وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ فَأَصَابَهُ مَانِعٌ مِنْ مَرَضٍ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ أَوْ غَيَّرَهُ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ ذَلِكَ الْمَانِعِ يَصِيرُ حَلَالًا فَأَفَادَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَخْرُجُ عَنْ إحْرَامِهِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا بِالْإِحْصَارِ بِأَيِّ مَانِعٍ كَانَ، أَوْ بِالِاشْتِرَاطِ، أَوْ بِحُصُولِ مَا ذَكَرَ مِنْ حَادِثِ كَسْرٍ أَوْ عَرَجٍ وَهَذَا فِيمَنْ أُحْصِرَ وَفَاتَهُ الْحَجُّ. وَأَمَّا مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِغَيْرِ إحْصَارٍ فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهِ فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِإِحْرَامِهِ الَّذِي أَحْرَمَهُ لِلْحَجِّ بِعُمْرَةٍ وَعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: " سَأَلْت عُمَرَ عَمَّنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَقَدْ أَحْرَمَ بِهِ فَقَالَ: يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ ثُمَّ لَقِيتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَهُ " أَخْرَجَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَقِيلَ: يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَيَسْتَأْنِفُ لَهَا إحْرَامًا آخَرَ، وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ لِفَوَاتِ الْحَجِّ وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذْ يَشْرَعُ لَهُ التَّحَلُّلُ وَقَدْ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَالْأَظْهَرُ مَا قَالُوا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْإِيجَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 640

كِتَابُ الْبُيُوعِ اعْلَمْ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ غَالِبًا وَصَاحِبُهُ قَدْ لَا يَبْذُلُهُ فَفِي شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ وَسِيلَةٌ إلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ، انْتَهَى. وَإِنَّمَا جَمْعُهُ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَلَفْظُهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْآخَرُ فَهُمَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُتَضَادَّةِ. وَحَقِيقَةُ الْبَيْعِ لُغَةً: تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالٍ وَزَادَ فِيهِ الشَّرْعُ قَيْدَ التَّرَاضِي وَقِيلَ: هُوَ إيجَابٌ وَقَبُولٌ فِي مَالَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا مَعْنَى التَّبَرُّعِ فَتَخْرُجُ الْمُعَاطَاةُ وَقِيلَ: مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ لَا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ فَتَدْخُلُ فِيهِ الْمُعَاطَاةُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ ﷺ «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» وَلَمَّا كَانَ الرِّضَا أَمْرًا خَفِيًّا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ وَجَبَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ الصِّيغَةُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِيغَةِ الْجَزْمِ لَفْظُهَا لِتَتِمَّ مَعْرِفَةُ الرِّضَا وَقَدْ اسْتَثْنَى الْمُحَقَّرَ مِنْ ذَلِكَ لِجَرْيِ عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِالدُّخُولِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَهَذَا عِنْدَ

стр. 641

بَابُ شُرُوطِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ ٧٣٤ - عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ الْجَمَاهِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ كَغَيْرِهِ وَقَدْ اخْتَارَ النَّوَوِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْعَقْدِ فِي الْمُحَقَّرِ. وَالْمُحَقَّرُ مَا دُونَ رُبْعِ الْمِثْقَالِ وَقِيلَ التَّافِهُ مِنْ الْبُقُولِ وَالرُّطَبِ وَالْخُبْزِ، وَقِيلَ مَا دُونَ نِصَابِ الرِّقَةِ وَالْأَشْبَهُ اتِّبَاعُ الْعُرْفِ. ثُمَّ الْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بَلْ حَقِيقَةُ الْبَيْعِ الْمُبَادَلَةُ الصَّادِرَةُ عَنْ تَرَاضٍ كَمَا أَفَادَتْ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ نَعَمْ الرِّضَا أَمْرٌ خَفِيٌّ يُنَاطُ بِقَرَائِنَ مِنْهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَلَا يَنْحَصِرُ فِيهِمَا بَلْ مَتَى انْسَلَخَتْ النَّفْسُ عَنْ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ. وَعَلَى هَذَا مُعَامَلَاتُ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا إلَّا مَنْ عَرَفَ الْمَذَاهِبَ وَخَافَ نَقْضَ الْحَاكِمِ لِلْبَيْعِ لَاحَظَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ. (بَابُ شُرُوطِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ) يَعْنِي بِالشُّرُوطِ شُرُوطَ الْبَيْعِ. وَالشَّرْطُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ حُكْمٍ أَوْ سَبَبٍ سَوَاءٌ عُلِّقَ بِكَلِمَةِ شَرْطٍ أَوْ لَا وَلَهُ فِي عُرْفِ النُّحَاةِ مَعْنًى آخَرُ. وَقَدْ جَعَلُوا شُرُوطَ الْبَيْعِ أَنْوَاعًا مِنْهَا فِي الْعَاقِدِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا وَمِنْهَا فِي الْآلَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَمِنْهَا فِي الْمَحِلِّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَالًا مُتَقَوِّمًا وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ وَمِنْهَا التَّرَاضِي وَمِنْهَا شَرْطُ النَّفَاذِ وَهُوَ الْمِلْكُ أَوْ الْوِلَايَةُ وَقَوْلُهُ (وَمَا نُهِيَ عَنْهُ) أَيْ مِنْ الْبُيُوعِ وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ فِي الَّذِي نُهِيَ عَنْ بَيْعِهِ. (عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) هُوَ زَرَقِيٌّ أَنْصَارِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا وَأَبُوهُ رَافِعٌ أَحَدُ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِسُورَةِ يُوسُفَ وَشَهِدَ رِفَاعَةُ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ

стр. 642

٧٣٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ تُوُفِّيَ أَوَّلَ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ: عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ» هُوَ مَا خَلَصَ عَنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ لِتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ وَعَنْ الْغِشِّ فِي الْمُعَامَلَةِ (رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَرَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَمِثْلُهُ فِي الْمِشْكَاةِ وَعَزَاهُ لِأَحْمَدَ وَأَخْرَجَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ أَيْضًا عَنْ رَافِعٍ ذَكَرَهُ فِي مُسْنَدِهِ قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِرِفَاعَةِ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنُ خَدِيجٍ فَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَعَبَايَةُ هُوَ ابْنُ رِفَاعَةَ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَيَكُونُ سَقَطَ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَقْرِيرِ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الطَّبَائِعُ مِنْ طَلَبِ الْمَكَاسِبِ وَإِنَّمَا سُئِلَ ﷺ عَنْ أَطْيَبِهَا أَيْ أَحَلِّهَا وَأَبْرَكِهَا. وَتَقْدِيمُ عَمَلِ الْيَدِ عَلَى الْبَيْعِ الْمَبْرُورِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ الْأَفْضَلُ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الْآتِي وَدَلَّ عَلَى أَطْيَبِيَّةِ التِّجَارَةِ الْمَوْصُوفَةِ، وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أُصُولُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالصَّنْعَةُ قَالَ: وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَطْيَبَهَا التِّجَارَةُ قَالَ وَالْأَرْجَحُ عِنْدِي أَنَّ أَطْيَبَهَا الزِّرَاعَةُ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ، وَتَعَقَّبَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ مَرْفُوعًا «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ أَطْيَبَ الْمَكَاسِبِ مَا كَانَ بِعَمَلِ الْيَدِ، وَإِنْ كَانَ زِرَاعَةً فَهُوَ أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ عَمَلَ الْيَدِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَكُّلِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْعَامِّ لِلْآدَمِيِّ وَلِلدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَوْقَ ذَلِكَ «مَا يُكْسَبُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مَكْسَبُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَكَاسِبِ» لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى قِيلَ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَسْبِ الْيَدِ.

стр. 643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ) كَانَ الْفَتْحُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ (وَهُوَ بِمَكَّةَ: " إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ ") وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ هَكَذَا بِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِهِمَا إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا وَتَقَدَّمَ وَجْهُ الْكَلَامِ عَلَى جَمْعِ الضَّمِيرَيْنِ فِي بَابِ الْآنِيَةِ (بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا زَالَتْ عَنْهُ الْحَيَاةُ لَا بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ (وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الصَّنَمُ هُوَ الْوَثَنُ، وَقَالَ غَيْرُهُ الْوَثَنُ مَا لَهُ جُثَّةٌ وَالصَّنَمُ مَا كَانَ مُصَوَّرًا (فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ قَالَ: لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: " قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ أَيْ أَذَابُوهُ (" ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا ذُكِرَ قِيلَ: وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ هِيَ النَّجَاسَةُ وَلَكِنَّ الْأَدِلَّةَ عَلَى نَجَاسَةِ الْخَمْرِ غَيْرُ نَاهِضَةٍ وَكَذَا نَجَاسَةُ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ فَمَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ النَّجَاسَةَ عَدَّى الْحُكْمَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ كُلِّ نَجَسٍ وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الْأَزْبَالِ النَّجِسَةِ وَقِيلَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ لِاحْتِيَاجِ الْمُشْتَرِي دُونَهُ وَهِيَ عِلَّةٌ عَلِيلَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ النَّجَاسَةَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَنْهَضُ دَلِيلٌ عَلَى التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ بَلْ الْعِلَّةُ التَّحْرِيمُ وَلِذَا قَالَ ﷺ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَجَعَلَ الْعِلَّةَ نَفْسَ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَذْكُرْ عِلَّةً: هَذَا وَلَا يَدْخُلُ فِي الْمَيْتَةِ شَعْرُهَا وَصُوفُهَا وَوَبَرُهَا لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّهَا الْحَيَاةُ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمَيْتَةِ وَقِيلَ إنَّ الشُّعُورَ مُتَنَجِّسَةٌ وَتَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَجَوَازُ بَيْعِهَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ إلَّا الثَّلَاثَةَ الَّتِي هِيَ نَجِسَةُ الذَّاتِ. وَأَمَّا عِلَّةُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْأَصْنَامِ فَقِيلَ لِأَنَّهَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا مُبَاحَةً وَقِيلَ إنْ كَانَتْ بِحَيْثُ إذَا كُسِرَتْ اُنْتُفِعَ بِأَكْسَارِهَا جَازَ بَيْعُهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِيَ أَصْنَامٌ لِلنَّهْيِ وَيَجُوزُ بَيْعُ كَسْرِهَا إذْ هِيَ لَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ وَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ بَيْعِ الْأَكْسَارِ أَصْلًا، وَلَمَّا أَطْلَقَ ﷺ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْمَيْتَةِ جَوَّزَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَدْ يَخُصُّ مِنْ الْعَامِّ بَعْضَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ «فَقَالَ السَّائِلُ: أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ وَذَكَرَ لَهَا ثَلَاثَ مَنَافِعَ أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ الشُّحُومِ هَلْ تُخَصُّ مِنْ التَّحْرِيمِ لِنَفْعِهَا أَمْ لَا فَأَجَابَ ﷺ أَنَّهُ حَرَامٌ» فَأَبَانَ لَهُ أَنَّهَا غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ الْحُكْمِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ هُوَ حَرَامٌ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْبَيْعِ أَيْ بَيْعُ الشُّحُومِ حَرَامٌ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لَهُ وَلِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَفِيهِ: فَمَا تَرَى فِي بَيْعِ شُحُومِ الْمَيْتَةِ - الْحَدِيثَ.

стр. 644

٧٣٦ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلِانْتِفَاعِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ إلَى آخِرِهِ وَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَيْهِ فَقَالُوا: لَا يُنْتَفَعُ مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ إلَّا بِجِلْدِهَا إذَا دُبِغَ لِدَلِيلِهِ الَّذِي مَضَى فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَهُوَ يَخُصُّ هَذَا الْعُمُومَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى الِانْتِفَاعِ، وَمَنْ قَالَ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى الْبَيْعِ اسْتَدَلَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ إطْعَامِ الْمَيْتَةِ الْكِلَابَ وَلَوْ كَانَتْ كِلَابَ الصَّيْدِ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْأَقْرَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْبَيْعِ فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالنَّجِسِ مُطْلَقًا وَيَحْرُمُ بَيْعُهُ لِمَا عَرَفْت وَقَدْ يَزِيدُهُ قُوَّةً قَوْلُهُ فِي ذَمِّ الْيَهُودِ: إنَّهُمْ جَمَلُوا الشَّحْمَ ثُمَّ بَاعُوهُ وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي تَوَجُّهِ النَّهْيِ إلَى الْبَيْعِ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَكْلُ الثَّمَنِ وَإِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ لِلْبَيْعِ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ وَالْأَدْهَانِ الْمُتَنَجِّسَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ أَكْلِ الْآدَمِيِّ وَدَهْنِ بَدَنِهِ فَيَحْرُمَانِ كَحُرْمَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالتَّرَطُّبِ بِالنَّجَاسَةِ، وَجَازَ إطْعَامُ شُحُومِ الْمَيْتَةِ الْكِلَابَ وَإِطْعَامُ الْعَسَلِ الْمُتَنَجِّسِ النَّحْلَ وَإِطْعَامُهُ الدَّوَابَّ، وَجَوَازُ جَمِيعِ ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَاللَّيْثِ وَيُؤَيِّدُ جَوَازَ الِانْتِفَاعِ مَا رَوَاهُ الطَّحْطَاوِيُّ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ وَانْتَفِعُوا بِهِ» قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ: إنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ﵁ وَعُمَرُ وَأَبُو مُوسَى، وَمِنْ التَّابِعِينَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهَذَا هُوَ الْوَاضِحُ دَلِيلًا، وَأَمَّا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الِاسْتِهْلَاكَاتِ وَغَيْرِهَا فَلَا دَلِيلَ لَهَا بَلْ هُوَ رَأْيٌ مَحْضٌ، وَأَمَّا الْمُتَنَجِّسُ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ فَلَا كَلَامَ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ فَيَحْرُمُ بَيْعُهُ قَالَتْهُ الْهَادَوِيَّةُ وَابْنُ حَنْبَلٍ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَرُمَ بَيْعُ شَيْءٍ حَرُمَ ثَمَنُهُ وَأَنَّ كُلَّ حِيلَةٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى تَحْلِيلِ مُحَرَّمٍ فَهِيَ بَاطِلَةٌ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي رِوَايَةٍ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ»

стр. 645

٧٣٧ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ يَتَرَادَّانِ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ وَلِأَحْمَدَ: وَالسِّلْعَةُ كَمَا هِيَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ: وَالْمَبِيعُ مُسْتَهْلَكٌ فَهِيَ مُضْعَفَةٌ (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَلِلْعُلَمَاءِ كَلَامٌ كَثِيرٌ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ أَوْ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا عُرِفَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي أَفَادَهُ الْحَدِيثُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لِلْهَادِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ. الثَّانِي لِلْفُقَهَاءِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ الْمَبِيعَ. وَالثَّالِثُ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَفَرْقٌ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ فِي النَّوْعِ أَوْ الْجِنْسِ أَوْ الصِّفَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا وَهُوَ تَفْصِيلٌ بِلَا دَلِيلٍ مُسْتَوْفًى فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، وَنَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ وَيَعْنِي بِالتَّحَالُفِ أَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعُ مَا بِعْت مِنْك كَذَا وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَيْت مِنْك كَذَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْوَجْهُ فِي التَّحَالُفِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ لِنَفْيِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ» وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُطْلَقٌ مُقَيَّدٌ بِأَدِلَّةِ بَابِ الدَّعَاوَى وَسَيَأْتِي. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ» بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أُرِيدَ بِهَا الزَّانِيَةُ (وَحُلْوَانِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (الْكَاهِنِ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَالصَّحَابِيُّ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَيْ أَتَى بِعِبَارَةٍ تُفِيدُ النَّهْيَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ. الْأَوَّلُ تَحْرِيمُ ثَمَنِ الْكَلْبِ بِالنَّصِّ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ بِاللُّزُومِ وَهُوَ عَامٌّ لِكُلِّ كَلْبٍ مِنْ مُعَلَّمٍ وَغَيْرِهِ، وَمَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ يَجُوزُ بَيْعُ كَلْبِ الصَّيْدِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ إلَّا أَنَّهُ طَعَنَ فِي صِحَّتِهِ فَإِنْ صَحَّ خَصَّصَ عُمُومَ النَّهْيِ، وَالثَّانِي تَحْرِيمُ

стр. 646

٧٣٨ - وَعَنْ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا. فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَالَ: بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ قُلْت: لَا. ثُمَّ قَالَ: بِعْنِيهِ فَبِعْته بِأُوقِيَّةٍ، وَاشْتَرَطْت حُمْلَانَهُ إلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْت أَتَيْته بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْت فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي. فَقَالَ: أَتَرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَك؟ خُذْ جَمَلَك وَدَرَاهِمَك. فَهُوَ لَك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ. مَهْرِ الْبَغِيِّ وَهُوَ مَا تَأْخُذُهُ الزَّانِيَةُ فِي مُقَابِلِ الزِّنَى سَمَّاهُ مَهْرًا مَجَازًا فَهَذَا مَالٌ حَرَامٌ وَلِلْفُقَهَاءِ تَفَاصِيلُ فِي حُكْمِهِ تَعُودُ إلَى كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّهُ فِي جَمِيعِ كَيْفِيَّاتِهِ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ وَلَا يُرَدُّ إلَى الدَّافِعِ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ فِي مُقَابِلِ عِوَضٍ لَا يُمْكِنُ صَاحِبُ الْعِوَضِ اسْتِرْجَاعَهُ فَهُوَ كَسْبٌ خَبِيثٌ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ وَلَا يُعَانُ صَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ بِحُصُولِ غَرَضِهِ وَرُجُوعِ مَالِهِ، وَالثَّالِثُ حَلَوَانِ الْكَاهِنِ وَهُوَ مَصْدَرُ حَلَوْتُهُ حُلْوَانًا إذَا أَعْطَيْته، وَأَصْلُهُ مِنْ الْحَلَاوَةِ شُبِّهَ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُؤْخَذُ سَهْلًا بِلَا كُلْفَةٍ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ حَلَوَانِ الْكَاهِنِ، وَالْكَاهِنُ الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ وَيُخْبِرُ النَّاسَ عَنْ الْكَوَائِنِ وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ مِنْ مُنَجِّمٍ وَضَرَّابٍ بِالْحَصْبَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ دَاخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ الْحَدِيثِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ مَا يُعْطَاهُ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَصْدِيقُهُ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ. (وَعَنْ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا أَيْ كَلَّ عَنْ السَّيْرِ فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ قَالَ فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا لِي فَضَرَبَهُ فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ قَالَ: بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ قُلْت: لَا ثُمَّ قَالَ: بِعْنِيهِ فَبِعْته بِأُوقِيَّةٍ وَاشْتَرَطْت حُمْلَانَهُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْحَمْلُ عَلَيْهِ إلَى أَهْلِي فَلَمَّا بَلَغْت أَتَيْته بِالْجَمَلِ فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثُمَّ رَجَعْت فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَقَالَ: أَتُرَانِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ تَظُنُّنِي مَاكَسْتُكَ الْمُمَاكَسَةُ الْمُكَالَمَةُ فِي النَّقْصِ عَنْ الثَّمَنِ لِآخُذَ جَمَلَك خُذْ جَمَلَك وَدَرَاهِمَك فَهُوَ لَك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِطَلَبِ الْبَيْعِ مِنْ الرَّجُلِ لِسِلْعَتِهِ وَلَا بِالْمُمَاكَسَةِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ لِلدَّابَّةِ وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا، وَلَكِنْ عَارَضَهُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا وَسَيَأْتِي وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَلَمَّا تَعَارَضَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لِأَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ وَحَدِيثُ بَيْعِ الثُّنْيَا فِيهِ " إلَّا أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ " وَهَذَا مِنْهُ فَقَدْ عُلِمَتْ الثُّنْيَا

стр. 647

٧٣٩ - وَعَنْهُ قَالَ: «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ. فَدَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَبَاعَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٧٤٠ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ فَصَحَّ الْبَيْعُ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ فِيهِ مَقَالٌ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ الشَّرْطَ الْمَجْهُولَ. وَالثَّانِي لِمَالِكٍ أَنَّهُ يَصِحُّ إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ قَرِيبَةً وَحْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَحُمِلَ حَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى هَذَا. الثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَحَدِيثُ جَابِرٍ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ قِصَّةٌ مَوْقُوفَةٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالَاتُ قَالُوا وَلِأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ: قَالُوا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ فَلَعَلَّهُ كَانَ سَابِقًا فَلَمْ يُؤَثِّرْ ثُمَّ تَبَرَّعَ ﷺ بِإِرْكَابِهِ وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ وَهُوَ صِحَّةُ مِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ وَكُلِّ شَرْطٍ يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ كَإِيصَالِ الْمَبِيعِ إلَى الْمَنْزِلِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَسُكْنَى الدَّارِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ بَاعَ دَارًا وَاسْتَثْنَى سُكْنَاهَا شَهْرًا. ذَكَرَهُ فِي الشِّفَاءِ. (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ (قَالَ: «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا أَيْ مِنْ الْأَنْصَارِ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَدَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَبَاعَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا وَسَمَّيَا فِيهِ الْعَبْدَ وَالرَّجُلَ وَلَفْظُهُ " عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَذْكُورٍ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو يَعْقُوبَ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَدَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِيه فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ النُّحَامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ» زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِقْرَاضِ فَقَالَ: مَنْ بَاعَ مَالَ الْمُفْلِسِ وَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ حَتَّى يُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَشَارَ إلَى عِلَّةِ بَيْعِهِ وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ إلَى ثَمَنِهِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى مَنْعِ الْمُفْلِسِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَعَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ عَنْهُ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَبْحَاثِهِ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ فِيهِ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ) دَلَّ أَمْرُهُ ﷺ بِإِلْقَاءِ مَا حَوْلَهَا وَهُوَ مَا لَامَسَتْهُ مِنْ السَّمْنِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا حَوْلَهَا مَا لَاقَاهَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: لَمْ يَأْتِ فِي طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ تَحْدِيدُ مَا يُلْقَى لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءٍ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ الْكَفِّ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ لَوْلَا إرْسَالُهُ. وَدَلَّ مَفْهُومُ قَوْلِهِ جَامِدًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَائِعًا لَنَجَسَ كُلُّهُ لِعَدَمِ تَمَيُّزِ مَا لَاقَاهَا مِمَّا لَمْ يُلَاقِهَا وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِالدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ فِي شَيْءٍ مِنْ الِانْتِفَاعَاتِ إلَّا أَنَّهُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَدُهْنِ الْآدَمِيِّ فَيُحْمَلُ هَذَا وَمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ فَلَا تَقْرَبُوهُ عَلَى الْأَكْلِ وَالدُّهْنِ لِلْآدَمِيِّ جَمْعًا بَيْنَ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ نَعَمْ، وَأَمَّا مُبَاشَرَةُ النَّجَاسَةِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ إلَّا لِإِزَالَتِهَا عَمَّا وَجَبَ أَوْ نَدَبَ إزَالَتُهَا عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِأَنَّهُ لِدَفْعِ مَفْسَدَتِهَا، وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي مُبَاشَرَتِهَا لِتَسْجِيرِ التَّنُّورِ وَإِصْلَاحِ الْأَرْضِ بِهَا فَقِيلَ هُوَ طَلَبُ مَصْلَحَتِهَا وَأَنَّهُ يُقَاسُ جَوَازُ الْمُبَاشَرَةِ لَهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ لِإِزَالَةِ مَفْسَدَتِهَا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا تَدْخُلُ إزَالَةُ مَفْسَدَتِهَا تَحْتَ جَلْبِ مَصْلَحَتِهَا فَتَسْجِيرُ التَّنُّورِ بِهَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرَانِ إزَالَةُ مَفْسَدَةٍ بَقَاءُ عَيْنِهَا وَجَلْبُ الْمَصْلَحَةِ لِنَفْعِهَا فِي التَّسْجِيرِ، وَحِينَئِذٍ فَجَوَازُ الْمُبَاشَرَةِ لِلِانْتِفَاعِ لَا إشْكَالَ فِيهِ.

стр. 648

النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا. فَقَالَ: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: فِي سَمْنٍ جَامِدٍ - ٧٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِالْوَهْمِ. ٧٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِالْوَهْمِ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْت الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: هُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ -

стр. 649

٧٤٢ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: «سَأَلْت جَابِرًا ﵁ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ فَقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ. عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ فَرَأَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ مَيْمُونَةَ فَحَكَمَ بِالْوَهْمِ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إنَّمَا هُوَ لِتَصْحِيحِ اللَّفْظِ الْوَارِدِ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَهُوَ ثَابِتٌ، وَإِنْ طَرَحَهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَالِانْتِفَاعُ بِالْبَاقِي لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِدِ وَهُوَ ثَابِتٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ «خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الذَّائِبَ يُلْقَى جَمِيعُهُ إذْ الْعِلَّةُ مُبَاشَرَةُ الْمَيْتَةِ وَلَا اخْتِصَاصَ فِي الذَّائِبِ بِالْمُبَاشَرَةِ وَتَمَيُّزِ الْبَعْضِ عَنْ الْبَعْضِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ السَّمْنَ الْمَائِعَ، وَلَوْ كَانَ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الطَّحَاوِيِّ. فَائِدَةٌ: تَمْكِينُ الْمُكَلِّفِ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالْكَلْبِ وَالْهِرِّ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا جَائِزٌ وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى وَقَوَّاهُ الْمَهْدِيُّ وَقَالَ إذْ لَمْ يُعْهَدْ عَنْ السَّلَفِ مَنْعُهَا انْتَهَى. قُلْت: بَلْ وَاجِبٌ إنْ لَمْ يُطْعِمْهُ غَيْرَهَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ» وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهَا لَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَتْرُكْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَفِي خَشَاشِ الْأَرْضِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ، فَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ إطْعَامُهَا أَوْ تَرْكُهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ وَاجِبٌ وَبِسَبَبِ تَرْكِهِ عُذِّبَتْ الْمَرْأَةُ، وَخَشَاشُ الْأَرْضِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ فَشِينٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ أَلِفٌ فَشِينٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ هَوَامُّ الْأَرْضِ وَحَشَرَاتُهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ. (وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) هُوَ أَبُو الزُّبَيْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ تَابِعِيٌّ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَثِيرًا (قَالَ: سَأَلْت جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ هُوَ الْهِرُّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (وَالْكَلْبِ فَقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَزَادَ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَتِهِ اسْتِثْنَاءَ كَلْبِ الصَّيْدِ ثُمَّ قَالَ هَذَا مُنْكَرٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ: إنَّهُ وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ انْتَهَى: وَرِوَايَةُ جَابِرٍ هَذِهِ رَوَاهَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَفِيهَا اسْتِثْنَاءُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُتَعَقِّبًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنَّ رِجَالَهَا ثِقَاتٌ بِأَنَّهُ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِيهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ. قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْءٍ وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ هَذَا الْخَبَرُ بِهَذَا اللَّفْظِ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. نَعَمْ الثَّابِتُ

стр. 650

٧٤٣ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ. فَقَالَتْ: إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْت: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ. فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ﵂، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ - وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ» جَوَازُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مِنْ عَمَلِ مَنْ اقْتَنَاهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» قِيلَ: قِيرَاطٌ مِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ وَقِيرَاطٌ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ وَقِيلَ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ. هَذَا وَالنَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةِ النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، وَأَصْلُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْكَلْبِ مُطْلَقًا وَاخْتَلَفُوا فِي السِّنَّوْرِ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ السِّنَّوْرِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى جَوَازِ بَيْعِهِ إذَا كَانَ لَهُ نَفْعٌ وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ بِإِخْرَاجِ مُسْلِمٍ لَهُ وَغَيْرِهِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَرْدُودٌ أَيْضًا بِأَنَّهُ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَهَذَانِ ثِقَتَانِ رَوَيَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَهُوَ ثِقَةٌ أَيْضًا. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَرَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مَوْلَاةٌ لِعَائِشَةَ (فَقَالَتْ: إنِّي كَاتَبْت) مِنْ الْمُكَاتَبَةِ وَهِيَ الْعَقْدُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ (أَهْلِي) هُمْ نَاسٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَمَا هُوَ عِنْدَ النَّسَائِيّ (عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ

стр. 651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَأَعِينِينِي) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْمُؤَنَّثِ مِنْ الْإِعَانَةِ فَقُلْت: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُك لِي فَعَلْت فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﵌ جَالِسٌ فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ عَرَضْت ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْوَلَاءُ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﵌ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ» قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُزَنِيُّ يَعْنِي اشْتَرِطِي عَلَيْهِمْ فَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى «الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﵌ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ» أَيْ فِي شَرْعِهِ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَحُكْمُهُ أَعَمُّ مِنْ ثُبُوتِهِ بِالْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ «فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ» بِالِاتِّبَاعِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُخَالِفَةِ لِحُكْمِ اللَّهِ «وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكِتَابَةِ وَهِيَ عَقْدٌ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُتُبِ وَهُوَ الْفَرْضُ وَالْحُكْمُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ وَقَالَ عَطَاءٌ وَدَاوُد: وَاجِبَةٌ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ قُلْت إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى قَيَّدَ الْوُجُوبَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ نَعَمْ بَعْدَ عِلْمِ الْخَيْرِ فِيهِمْ تَجِبُ الْكِتَابَةُ وَفِي تَفْسِيرِ الْخَيْرِ أَقْوَالٌ لِلسَّلَفِ: الْأَوَّلُ: مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ وَمَرْفُوعٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ ﷺ : «إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً وَلَا تُرْسِلُوهُمْ كَلًّا عَلَى النَّاسِ». وَالثَّانِي: لِابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَيْرًا الْمَالُ. الثَّالِثُ: عَنْهُ أَمَانَةً وَوَفَاءً. الرَّابِعُ: عَنْهُ إنْ عَلِمْت أَنَّ مَكَاتِبَك يَقْضِيك وَقَوْلُهَا فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ وَفِي تَقْرِيرِهِ ﵌ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّنْجِيمِ لَا عَلَى تَحَتُّمِهِ وَشَرْطِيَّتِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْهَادِي وَغَيْرُهُمَا، وَقَالُوا التَّنْجِيمُ فِي الْكِتَابَةِ شَرْطٌ وَأَقَلُّهُ نَجْمَانِ. وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَاتٍ عَنْ السَّلَفِ لَا تَنْهَضُ دَلِيلًا وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ إلَى جَوَازِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ عَلَى نَجْمٍ لِقَوْلِهِ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ وَلَمْ يُفَصِّلْ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ قَيَّدَ إطْلَاقَهَا الْآثَارَ عَنْ السَّلَفِ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَتَقْيِيدُ الْآيَاتِ بِآرَاءِ الْعُلَمَاءِ بَاطِلٌ. وَدَلَّ قَوْلُهُ ﵌ " خُذِيهَا " عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَ تَعَسُّرِ الْإِيفَاءِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: جَوَازُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ ﷺ -

стр. 652

٧٤٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ. فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ. «الْمُكَاتَبُ رِقٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِرِضَاهُ إلَى مَنْ يُعْتِقُهُ مُحْتَجِّينَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنْ قَالُوا: إنَّ بَرِيرَةَ عَجَزَتْ نَفْسُهَا وَفَسَخُوا عَقْدَ كِتَابَتِهَا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَاقِعِ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ وَإِنَّمَا كَانَ الْوَاقِعُ كَذَلِكَ فَمِنْ أَيْنَ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ بَيْعَهُ يُوجِبُ سُقُوطَ حَقِّ اللَّهِ فَجَوَابُهُ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مَا ثَبَتَ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِيفَاءِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ «وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ» إنْ جُعِلَتْ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَلَا إشْكَالَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ اشْتِرَاطُهُمْ لَهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ. وَقِيلَ أَرَادَ بِذَلِكَ الزَّجْرَ وَالتَّوْبِيخَ لَهُمْ لِأَنَّهُ ﵌ كَانَ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَ الْوَلَاءِ، وَأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَحِلُّ فَلَمَّا ظَهَرَتْ مِنْهُمْ الْمُخَالَفَةُ قَالَ لِعَائِشَةَ ذَلِكَ. وَمَعْنَاهُ لَا تُبَالِي لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ مُخَالِفٌ لِلْحَقِّ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْإِبَاحَةِ بَلْ الْمَقْصُودُ الْإِهَانَةُ وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِالِاشْتِرَاطِ وَأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ، وَبَعْدَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَالتَّأْوِيلِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ بِأَنَّهُ كَيْفَ وَقَعَ مِنْهُ ﵌ الْإِذْنُ لِعَائِشَةَ بِالشَّرْطِ لَهُمْ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ خِدَاعٌ وَغَرَرٌ لِلْبَائِعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْتَقِدُ عِنْدَ الْبَيْعِ أَنَّهُ بَقِيَ لَهُ بَعْضُ الْمَنَافِعِ وَانْكَشَفَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَكِنْ بَعْدَ تَحَقُّقِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ يَذْهَبُ الْإِشْكَالُ وَفِي قَوْلِهِ «وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» دَلِيلٌ عَلَى حَصْرِ الْوَلَاءِ فِيمَنْ أَعْتَقَ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ) وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ وَمِثْلُهُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ قَالَ صَاحِبُ الْإِلْمَامِ: الْمَعْرُوفُ فِيهِ الْوَقْفُ وَاَلَّذِي رَفَعَهُ ثِقَةٌ وَفِي الْبَابِ آثَارٌ

стр. 653

٧٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِينَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ، لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا» عَنْ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ إذْ سَمِعَ صَائِحَةً قَالَ يَا يَرْفَأُ اُنْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ فَنَظَرَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ جَارِيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ تُبَاعُ أُمُّهَا فَقَالَ عُمَرُ: اُدْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ فَلَمْ يَمْكُثْ سَاعَةً حَتَّى امْتَلَأَتْ الدَّارُ وَالْحُجْرَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَهَلْ كَانَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﵌ الْقَطِيعَةُ قَالُوا لَا قَالَ: فَإِنَّهَا قَدْ أَصْبَحَتْ فِيكُمْ فَاشِيَةً ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ وَأَيُّ قَطِيعَةٍ أَقْطَعُ مِنْ أَنْ تُبَاعَ أُمُّ امْرِئِ مِنْكُمْ وَقَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ لَكُمْ، قَالُوا فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك فَكَتَبَ إلَى الْآفَاقِ: أَنْ لَا تُبَاعَ أُمُّ حُرٍّ فَإِنَّهَا قَطِيعَةٌ وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ الْآثَارِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إذَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا حَرُمَ بَيْعُهَا سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ بَاقِيًا أَوْ لَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَفَادَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ قَالَ: وَتَلَخَّصَ لِي عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَفِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاصِرُ وَالْإِمَامِيَّةُ وَدَاوُد إلَى جَوَازِ بَيْعِهَا لِمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي. ٧٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِينَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ، لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِينَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالنَّبِيُّ ﵌ حَيٌّ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَزَادَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَفِيهِ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ أَنَّهُ ﵌ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَتَرُدُّهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ الَّتِي فِيهَا وَالنَّبِيُّ ﵌ حَيٌّ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا: وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ بَيْعِهَا أَيْضًا بِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَحْرِيمِ بَيْعِهَا إلَى جَوَازِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ

стр. 654

٧٤٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ. الْمُرَادُ قَالَ سَمِعْت عَلِيًّا يَقُولُ: اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُبَعْنَ - الْحَدِيثَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، وَأَجَابَ فِي الشَّرْحِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَأَنَّ مَا ذُكِرَ نَاسِخٌ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى التَّقْرِيرِ وَمَا ذُكِرَ قَوْلٌ وَعِنْدَ التَّعَارُضِ الْقَوْلُ أَرْجَحُ قُلْت: وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْجَوَابِ لِأَنَّهُ لَا نَسْخَ بِالِاحْتِمَالِ فَلِلْقَائِلِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا أَنْ يَقْلِبَ الِاسْتِدْلَالَ وَيَقُولَ يُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَإِنْ كَانَ احْتِمَالًا بَعِيدًا ثُمَّ قَوْلُهُ إنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ رَاجِعٌ إلَى التَّقْرِيرِ وَحَدِيثَ ابْنٍ عُمَرَ قَوْلٌ وَالْقَوْلُ أَرْجَحُ عِنْدَ التَّعَارُضِ يُقَالُ عَلَيْهِ: الْقَوْلُ لَمْ يَصِحَّ رَفْعُهُ بَلْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَفْعَهُ وَهْمٌ وَلَيْسَ فِي مَنْعِ بَيْعِهَا إلَّا رَأْيُ عُمَرَ ﵁ لَا غَيْرُ، وَمَنْ شَاوَرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ لَمَا احْتَاجَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ إلَى الرَّأْيِ. (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ) وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ إيَاسِ بْنِ عَبْدٍ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ: هُوَ عَلَى شَرْطِهِمَا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فَضَلَ مِنْ الْمَاءِ عَنْ كِفَايَةِ صَاحِبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَنْبُعَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَيُسْقَى الْأَعْلَى ثُمَّ يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ، وَكَذَا إذَا اتَّخَذَ حُفْرَةً فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ يَجْمَعُ فِيهَا الْمَاءَ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَيَسْقِي مِنْهُ وَيَسْقِي أَرْضَهُ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا فَضَلَ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ مَا فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِ لِشُرْبٍ أَوْ طُهُورٍ أَوْ سَقْيِ زَرْعٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْعُمُومِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ وَقَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لِأَخْذِ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي ذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُهُ اسْتِعْمَالُ مِلْكِ الْغَيْرِ وَقَالَ: إنَّهُ نَصُّ أَحْمَدَ عَلَى جَوَازِ الرَّعْيِ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مُبَاحَةٍ لِلرَّاعِي وَإِلَى مِثْلِهِ ذَهَبَ الْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ وَالْإِمَامُ يَحْيَى فِي الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِإِذْنِ صَاحِبِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الدُّخُولِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُهُ فَلَا يَتَوَقَّفُ دُخُولُهُ عَلَى الْإِذْنِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ فِي الدَّارِ

стр. 655

٧٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ» إذَا كَانَ فِيهَا سَكَنٌ لِوُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا سَكَنٌ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ وَمَنْ احْتَفَرَ بِئْرًا أَوْ نَهْرًا فَهُوَ أَحَقُّ بِمَائِهِ وَلَا يَمْنَعُ الْفَضْلَةَ عَنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ الْمَاءَ حَقٌّ لِلْحَافِرِ لَا مِلْكَ كَمَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ قُلْنَا هُوَ مِلْكٌ فَإِنَّ عَلَيْهِ بَذْلَ الْفَضْلَةِ لِغَيْرِهِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ قَالَ الْمَاءُ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ قَالَ الْمِلْحُ» وَأَفَادَ أَنَّ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْمِلْحَ وَمَا شَاكَلَهُ وَمِثْلُهُ الْكَلَأُ فَمَنْ سَبَقَ بِدَوَابِّهِ إلَى أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فِيهَا عُشْبٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَعْيِهِ مَا دَامَتْ فِيهِ دَوَابُّهُ فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ. هَذَا وَأَمَّا الْمُحَرَّزُ فِي الْأَسْقِيَةِ وَالظُّرُوفِ فَهُوَ مُخَصَّصٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَطَبِ فَقَدْ قَالَ ﷺ «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ ذَلِكَ فَيَكْفِ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِيَ أَوْ مُنِعَ» فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَجِبُ بَذْلُهُ إلَّا لِمُضْطَرٍّ وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ أَنْفُسِهِمَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ فَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يُوَسِّعُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ» وَالْقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ وَقَوْلُهُ " وَعَنْ ضِرَابِ الْجَمَلِ " أَيْ وَنَهَى عَنْ أُجْرَةِ ضِرَابِ الْجَمَلِ وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعَسْبِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي. ٧٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ» وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَفِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِئْجَارِ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ وَالْأُجْرَةُ حَرَامٌ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهُ لِلضِّرَابِ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ تَكُونُ الضَّرَبَاتُ مَعْلُومَةً قَالُوا لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَهِيَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَهُوَ خِلَافُ أَصْلِهِ.

стр. 656

٧٤٨ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَبْتَاعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ» بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فِيهِمَا (وَكَانَ بَيْعًا يَبْتَاعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ) وَفَسَّرَهُ قَوْلُهُ (كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الزَّايِ أَيْ الْبَعِيرَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤَنَّثٌ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى مُذَكَّرٍ تَقُولُ هَذَا الْجَزُورُ (إلَى أَنْ تُنْتَجَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ أَيْ تَلِدَ النَّاقَةُ وَهَذَا الْفِعْلُ لَمْ يَأْتِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إلَّا عَلَى بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ (ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا) وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِهِ وَكَانَ بَيْعًا إلَخْ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ وَقِيلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ حَمْلُ وَلَدِ النَّاقَةِ مِنْ دُونِ اشْتِرَاطِ الْإِنْتَاجِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ دُونِ أَنْ يَكُونَ نِتَاجُهَا قَدْ حُمِلَ أَوْ أُنْتِجَ، وَالْحَبَلُ مَصْدَرُ حَبِلَتْ تَحْبَلُ سُمِّيَ بِهِ الْمَحْبُولُ، وَالْحَبَلَةُ جَمْعُ حَابِلٍ مِثْلُ ظَلَمَةٌ فِي ظَالِمٍ وَكَتَبَةٌ فِي كَاتِبٍ، وَيُقَالُ حَابِلٌ وَحَابِلَةٌ بِالتَّاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَمْ يَرِدْ الْحَبَلُ فِي غَيْرِ الْآدَمِيَّاتِ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا الْبَيْعِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ هَلْ هُوَ مِنْ حَيْثُ يُؤَجَّلُ بِثَمَنِ الْجَزُورِ إلَى أَنْ يَحِلَّ النِّتَاجُ الْمَذْكُورُ أَوْ أَنَّهُ يَبِيعُ مِنْهُ النِّتَاجَ. ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا: وَعِلَّةُ النَّهْيِ جَهَالَةُ الْأَجَلِ، وَذَهَبَ إلَى الثَّانِي أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَبِهِ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ قَالُوا وَعِلَّةُ النَّهْيِ هُوَ كَوْنُهُ بَيْعَ مَعْدُومٍ وَمَجْهُولٍ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا الْبُخَارِيُّ حَيْثُ صَدَّرَ الْبَابَ بِبَيْعِ الْغَرَرِ وَأَشَارَ إلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَرَجَّحَهُ أَيْضًا فِي بَابِ تَفْسِيرِ السَّلَمِ بِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ مُوَافِقًا لِلثَّانِي، نَعَمْ وَيَتَحَصَّلُ مِنْ الْخِلَافِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لِأَنَّهُ يُقَالُ هَلْ الْمُرَادُ الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ أَوْ بَيْعُ الْجَنِينِ وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ وِلَادَةُ الْأُمِّ أَوْ وِلَادَةُ وَلَدِهَا، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ الْمُرَادُ بَيْعُ الْجَنِينِ الْأَوَّلِ أَوْ جَنِينِ الْجَنِينِ فَصَارَتْ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ. هَذَا وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ كَيْسَانَ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمُبَرَّدِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبَلَةِ الْكَرْمَةُ وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يَصْلُحَ فَأَصْلُهُ عَلَى هَذَا بِسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ لَكِنَّ الرِّوَايَاتِ بِالتَّحْرِيكِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ حُكِيَ فِي الْحَبَلَةِ بِمَعْنَى الْكَرْمَةِ فَتْحُهَا.

стр. 657

٧٤٩ - وَعَنْهُ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٧٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ» بِفَتْحِ الْوَاوِ (وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْوَلَاءُ هُوَ وَلَاءُ الْعِتْقِ أَيْ وَهُوَ إذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ مُعْتِقُهُ كَانَتْ الْعَرَبُ تَهَبُهُ وَتَبِيعُهُ فَنَهَى عَنْهُ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ لَا يَزُولُ بِالْإِزَالَةِ. ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ صُورَتَيْنِ مِنْ صُوَرِ الْبَيْعِ (الْأُولَى) بَيْعُ الْحَصَاةِ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ بَيْعِ الْحَصَاةِ قِيلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ ارْمِ بِهَذِهِ الْحَصَاةِ فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَك بِدِرْهَمٍ وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ أَرْضِهِ قَدْرَ مَا انْتَهَتْ إلَيْهِ رَمْيَةُ الْحَصَاةِ وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى كَفٍّ مِنْ حَصَا وَيَقُولُ لِي بِعَدَدِ مَا خَرَجَ فِي الْقَبْضَةِ مِنْ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ، أَوْ يَبِيعُهُ سِلْعَةً وَيَقْبِضُ عَلَى كَفٍّ مِنْ حَصَا وَيَقُولُ لِي بِكُلِّ حَصَاةٍ دِرْهَمٌ. وَقِيلَ أَنْ يَمْسِكَ أَحَدُهُمَا حَصَاةً بِيَدِهِ وَيَقُولُ أَيُّ وَقْتٍ سَقَطَتْ الْحَصَاةُ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَعْتَرِضَ الْقَطِيعَ مِنْ الْغَنَمِ فَيَأْخُذُ حَصَاةً وَيَقُولُ أَيُّ شَاةٍ أَصَابَتْهَا فَهِيَ لَك بِكَذَا، وَكُلُّ هَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْغَرَرِ لِمَا فِي الثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ مِنْ الْجَهَالَةِ وَلَفْظُ الْغَرَرِ يَشْمَلُهَا وَإِنَّمَا أُفْرِدَتْ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مِمَّا يَبْتَاعُهَا الْجَاهِلِيَّةُ فَنَهَى ﷺ عَنْهَا، وَأُضِيفَ الْبَيْعُ إلَى الْحَصَاةِ لِلْمُلَابَسَةِ لِاعْتِبَارِ الْحَصَاةِ فِيهِ. (وَالثَّانِيَةُ) بَيْعُ الْغَرَرِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَغْرُورٍ اسْمُ مَفْعُولٍ وَإِضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَيْهِ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمَفْعُولِ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ هَذَا وَمَعْنَاهُ الْخِدَاعُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ أَنْ لَا رِضَا بِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ فَيَكُونُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَيَتَحَقَّقُ فِي صُوَرٍ إمَّا بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْفَرَسِ النَّافِرِ أَوْ بِكَوْنِهِ مَعْدُومًا أَوْ مَجْهُولًا أَوْ لَا يَتِمُّ مِلْكُ الْبَائِعِ لَهُ كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ بِبَعْضِ الْغَرَرِ فَيَصِحُّ مَعَهُ الْبَيْعُ إذَا دَعَتْ إلَيْهِ الْحَاجَةُ كَالْجَهْلِ بِأَسَاسِ الدَّارِ وَكَبَيْعِ الْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ وَإِنْ لَمْ يَرَ حَشْوَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَكَذَا عَلَى جَوَازِ إجَارَةِ الدَّارِ وَالدَّابَّةِ شَهْرًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّهْرُ

стр. 658

٧٥١ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَعَلَى دُخُولِ الْحَمَّامِ بِالْأُجْرَةِ مَعَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ الْمَاءَ وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ، وَعَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ فِي السِّقَاءِ بِالْعِوَضِ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْأَجِنَّةِ فِي الْبُطُونِ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا كُتُبُ الْفُرُوعِ. (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَقَدْ وَرَدَ فِي الطَّعَامِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ مَنْ اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَوَرَدَ فِي أَعَمَّ مِنْ الطَّعَامِ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ عَلَيَّ قَالَ: «إذَا اشْتَرَيْت شَيْئًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ» وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلْعَةُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ» وَأَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مِثْلَهُ، فَدَلَّتْ الْأَحَادِيثُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَيِّ سِلْعَةٍ شُرِيَتْ إلَّا بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ لَهَا وَاسْتِيفَائِهَا. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالطَّعَامِ لَا غَيْرِهِ مِنْ الْمَبِيعَاتِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَنْقُولِ دُونَ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ فِي السِّلَعِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذِكْرَ حُكْمِ الْخَاصِّ لَا يُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ، وَحَدِيثُ حَكِيمٍ عَامٌّ فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي دَلَّ لَهُ حَدِيثُ حَكِيمٍ وَاسْتَنْبَطَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. (فَائِدَةٌ) أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي» وَنَحْوَهُ لِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الشَّيْءَ مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ عَطَاءٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ، وَلَعَلَّ عِلَّةَ الْأَمْرِ بِالْكَيْلِ ثَانِيًا لِتَحَقُّقِ مَا يَجُوزُ مِنْ النَّقْصِ بِإِعَادَةِ الْكَيْلِ لِإِذْهَابِ الْخِدَاعِ، وَحَدِيثُ الصَّاعَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزَافِ إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ

стр. 659

٧٥٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ - وَلِأَبِي دَاوُد «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا». ٧٥٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ. أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ جُزَافًا وَلَفْظُهُ «كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ» أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ يَجُوزُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ بَيْعِ الْجُزَافِ حُمِلَ حَدِيثُ الصَّاعَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الطَّعَامَ كَيْلًا وَأُرِيدَ بَيْعُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ كَيْلِهِ لِلْمُشْتَرِي. (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَلِأَبِي دَاوُد) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا» قَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ بِعْتُك بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً وَبِأَلْفٍ نَقْدًا فَأَيُّهُمَا شِئْتَ أَخَذْت بِهِ، وَهَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ إيهَامٌ وَتَعْلِيقٌ. وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ عَبْدِي عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي فَرَسَكَ انْتَهَى. وَعِلَّةُ النَّهْيِ عَلَى الْأَوَّلِ عَدَمُ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ وَلُزُومُ الرِّبَا عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ بَيْعِ الشَّيْءِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِعْرِ يَوْمِهِ لِأَجْلِ النَّسَاءِ وَعَلَى الثَّانِي لِتَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ يَجُوزُ وُقُوعُهُ وَعَدَمُ وُقُوعِهِ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمِلْكُ وَقَوْلُهُ " فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا " يَعْنِي أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا الْأَوْكَسُ الَّذِي هُوَ أَخْذُ الْأَقَلِّ أَوْ الرِّبَا، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ. وَأَخْرَجَهُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ: نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَهُوَ غَرِيبٌ.

стр. 660

٧٥٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ» رَوَاهُ مَالِكٌ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَخَرَّجَهُ) أَيْ الْحَاكِمُ (فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ) يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَهُوَ غَرِيبٌ) وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ وَاسْتَغْرَبَهُ النَّوَوِيُّ. وَالْحَدِيثُ اشْتَمَلَ عَلَى أَرْبَعِ صُوَرِ نَهْيٍ عَنْ الْبَيْعِ عَلَى صِفَتِهَا: الْأُولَى: سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَصُورَةُ ذَلِكَ حَيْثُ يُرِيدُ الشَّخْصُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا لِأَجْلِ النِّسَاءِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَيَحْتَالُ بِأَنْ يَسْتَقْرِضَ الثَّمَنَ مِنْ الْبَائِعِ لِيُعَجِّلَهُ إلَيْهِ حِيلَةً. وَالثَّانِيَةُ: شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِمَا فَقِيلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْت هَذَا نَقْدًا بِكَذَا وَبِكَذَا نَسِيئَةً، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَشْرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَبِيعَ السِّلْعَةَ وَلَا يَهَبَهَا، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعنِي السِّلْعَةَ الْفُلَانِيَّةَ بِكَذَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ نَقْلًا عَنْ الْغَيْثِ وَفِي النِّهَايَةِ لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ هُوَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي أَلْفًا فِي مَتَاعٍ أَوْ عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي أَلْفًا لِأَنَّهُ يُقْرِضَهُ لَيُحَابِيهِ فِي الثَّمَنِ فَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْجَهَالَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا، وَلِأَنَّ فِي الْعَقْدِ شَرْطًا وَلَا يَصِحُّ، وَقَوْلُهُ «وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» فَسَّرَهُ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ كَقَوْلِك بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِدِينَارٍ وَنَسِيئَةً بِدِينَارَيْنِ وَهُوَ كَالْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. وَالثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ وَلَا رِبْحٍ مَا لَمْ يَضْمَنْ قِيلَ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَمْلِكْ وَذَلِكَ هُوَ الْغَصْبُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مِلْكٍ لِلْغَاصِبِ، فَإِذَا بَاعَهُ وَرَبِحَ فِي ثَمَنِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الرِّبْحُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ لِأَنَّ السِّلْعَةَ قَبْلَ قَبْضِهَا لَيْسَتْ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إذَا تَلِفَتْ تَلِفَتْ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ. وَالرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ «وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك» قَدْ فَسَّرَهَا حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْمَبِيعَ لَيْسَ عِنْدِي فَأَبْتَاعُ لَهُ مِنْ السُّوقِ قَالَ «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُ الشَّيْءِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ. (وَعَنْهُ) أَيْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ» بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُقَالُ: أُرْبَان، وَيُقَالُ عُرْبُون (رَوَاهُ مَالِكٌ قَالَ:

стр. 661

٧٥٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ابْتَعْت زَيْتًا فِي السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا. فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ. فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْته حَتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِك، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ، حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ وَسُمِّيَ فِي رِوَايَةٍ فَإِذَا هُوَ ضَعِيفٌ وَلَهُ طُرُقٌ لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ، فَبَيْعُ الْعُرْبَانِ فَسَّرَهُ مَالِكٌ قَالَ هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ أَوْ يَكْتَرِيَ ثُمَّ يَقُولَ لِلَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ اكْتَرَى مِنْهُ: أَعْطَيْتُك دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا عَلَى أَنِّي إنْ أَخَذْت السِّلْعَةَ فَهُوَ مِنْ ثَمَنِهَا وَإِلَّا فَهُوَ لَك: وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ فَأَبْطَلَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لِهَذَا النَّهْيِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَالْغَرَرِ وَدُخُولِهِ فِي أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَأَحْمَدَ جَوَازُهُ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ابْتَعْت زَيْتًا فِي السُّوقِ فَلَمَّا اسْتَوْجَبْته لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا فَأَرَدْت أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ) يَعْنِي يَعْقِدَ لَهُ الْبَيْعَ (فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْته حَتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِكَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَاهُ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ إلَى رَحْلِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقَبْضُ لَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ لِمَا كَانَ غَالِبُ قَبْضِ الْمُشْتَرِي الْحِيَازَةَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ، وَأَمَّا نَقْلُهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان لَا يَخْتَصُّ بِهِ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ ذَلِكَ قَبْضٌ وَفَصَّلَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: إنْ كَانَ مِمَّا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالدَّرَاهِمِ وَالثَّوْبِ فَقَبْضُهُ نَقْلٌ وَمَا يُنْقَلُ فِي الْعَادَةِ كَالْأَخْشَابِ وَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ فَقَبْضُهُ بِالنَّقْلِ إلَى مَكَان آخَرَ، وَمَا كَانَ لَا يُنْقَلُ كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ فَقَبْضُهُ بِالتَّخْلِيَةِ قَوْلُهُ "، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ " فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد اسْتَوْفَيْته

стр. 662

٧٥٦ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ بِالدَّنَانِيرِ، آخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. ٧٥٧ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ النَّجْشِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّهُ قَبَضَهُ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ حَازَهُ إلَى رَحْلِهِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلْعَةُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ. (وَعَنْهُ) أَيْ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ بِالدَّنَانِيرِ آخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا وَأُعْطِي هَذَا مِنْ هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ الذَّهَبِ الْفِضَّةَ وَعَنْ الْفِضَّةِ الذَّهَبَ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ فِي ذِمَّتِهِ لَهُ دَنَانِيرُ وَهِيَ الثَّمَنُ ثُمَّ يَقْبِضُ عَنْهَا الدَّرَاهِمَ وَبِالْعَكْسِ، وَبَوَّبَ أَبُو دَاوُد بَابَ اقْتِضَاءِ الذَّهَبِ عَنْ الْوَرِقِ، وَلَفْظُهُ «كُنْت أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ وَأَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّقْدَيْنِ جَمِيعًا غَيْرُ حَاضِرَيْنِ وَالْحَاضِرُ أَحَدُهُمَا فَبَيَّنَ ﷺ الْحُكْمَ بِأَنَّهُمَا إذَا فَعَلَا ذَلِكَ فَحَقُّهُ أَنْ لَا يَفْتَرِقَا إلَّا وَقَدْ قَبَضَ مَا هُوَ لَازِمُ عِوَضِ مَا فِي الذِّمَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ الْبَعْضَ مِنْ الذَّهَبِ وَيُبْقِيَ الْبَعْضَ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ عِوَضًا عَنْهَا وَلَا الْعَكْسُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الصَّرْفِ وَالشَّرْطُ فِيهِ أَنْ لَا يَفْتَرِقَا وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد بِسِعْرِ يَوْمِهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا أَغْلَبِيًّا فِي الْوَاقِعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».

стр. 663

٧٥٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ النَّجْشِ» بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) النَّجْشُ لُغَةً: تَنْفِيرُ الصَّيْدِ وَاسْتِثَارَتُهُ مِنْ مَكَانِهِ لِيُصَادَ، وَفِي الشَّرْعِ الزِّيَادَةُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْبَيْعِ لَا لِيَشْتَرِيَهَا بَلْ لِيَغُرَّ بِذَلِكَ غَيْرَهُ، وَسَمَّى النَّاجِشَ فِي السِّلْعَةِ نَاجِشًا لِأَنَّهُ يُثِيرُ الرَّغْبَةَ فِيهَا وَيَرْفَعُ ثَمَنَهَا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّاجِشَ عَاصٍ بِفِعْلِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَيْعِ إذَا وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْبَيْعُ فَاسِدٌ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَقُولُونَ بِفَسَادِهِ إنْ كَانَ مُوَاطَأَةً مِنْ الْبَائِعِ أَوْ مِنْهُ وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ وَهُوَ قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْمُصَرَّاةِ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَالُوا: لِأَنَّ النَّهْيَ عَائِدٌ إلَى أَمْرٍ مُفَارِقٍ لِلْبَيْعِ وَهُوَ قَصْدُ الْخِدَاعِ فَلَمْ يَقْتَضِ الْفَسَادَ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فَوْقَ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَأَى سِلْعَةً تُبَاعُ بِدُونِ قِيمَتِهَا فَزَادَ فِيهَا لِتَنْتَهِي إلَى قِيمَتِهَا لَمْ يَكُنْ نَاجِشًا عَاصِيًا بَلْ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ قَالُوا: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ النَّصِيحَةِ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ النَّصِيحَةَ تَحْصُلُ بِغَيْرِ إيهَامِ أَنَّهُ يُرِيدُ الشِّرَاءَ، وَأَمَّا مَعَ هَذَا فَهُوَ خِدَاعٌ وَغَرَرٌ وَبِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي سَبَبِ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الْآيَةَ قَالَ أَقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ وَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ فَنَزَلَتْ قَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ فَجَعَلَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى مَنْ أَخْبَرَ بِأَكْثَرَ مِمَّنْ اشْتَرَى بِهِ أَنَّهُ نَاجِشٌ لِمُشَارَكَتِهِ لِمَنْ يُزِيدُ فِي السِّلْعَةِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا فِي ضَرَرِ الْغَيْرِ فَاشْتَرَكَا فِي الْحُكْمِ لِذَلِكَ وَحَيْثُ كَانَ النَّاجِشُ غَيْرَ الْبَائِعِ فَقَدْ يَكُونُ آكِلُ رِبًا إذَا جَعَلَ لِلْبَائِعِ جُعْلًا. وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُحَاقَلَةِ» مُفَاعَلَةٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ (وَالْمُزَابَنَةِ) بِزِنَتِهَا بِالزَّايِ بَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ فَنُونٌ (وَالْمُخَابَرَةِ) بِزِنَتِهَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَأَلِفٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَرَاءٍ (وَعَنْ الثُّنْيَا) بِالْمُثَلَّثَةِ مَضْمُومَةً فَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بِزِنَةِ ثُرَيَّا

стр. 664

٧٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الِاسْتِثْنَاءُ (إلَّا أَنْ تُعْلَمَ ") عَائِدٌ إلَى الْأَخِيرِ (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى أَرْبَعِ صُوَرٍ نَهَى الشَّارِعُ عَنْهَا: الْأُولَى: الْمُحَاقَلَةُ وَفَسَّرَهَا جَابِرٌ رَاوِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهَا بَيْعُ الرَّجُلِ مِنْ الرَّجُلِ الزَّرْعَ بِمِائَةِ فَرَقٍ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَفَسَّرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّهَا بَيْعُ الطَّعَامِ فِي سُنْبُلِهِ، وَفَسَّرَهَا مَالِكٌ بِأَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِبَعْضِ مَا تُنْبِتُ وَهَذِهِ هِيَ الْمُخَابَرَةُ وَيُبْعِدُ هَذَا التَّفْسِيرَ عَطْفُهَا عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَبِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَعْرَفُ بِتَفْسِيرِ مَا رَوَى، وَقَدْ فَسَّرَهَا جَابِرٌ بِمَا عَرَفَ كَمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ. وَالثَّانِيَةُ: الْمُزَابَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الزَّبْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ الْآخَرَ عَنْ حَقِّهِ، وَفَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ بِبَيْعِ التَّمْرِ أَيْ رُطَبًا بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَقَالَ تَفْسِيرُ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْصُوصًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِمَّنْ رَوَاهُ، وَالْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ هُوَ الرِّبَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّسَاوِي. وَالثَّالِثَةُ: الْمُخَابَرَةُ وَهِيَ مِنْ الْمُزَارَعَةِ وَهِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ الزَّرْعِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْمُزَارَعَةِ. وَالرَّابِعَةُ: الثُّنْيَا فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا وَيَسْتَثْنِيَ بَعْضَهُ وَلَكِنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مَعْلُومًا صَحَّتْ نَحْوَ أَنْ يَبِيعَ أَشْجَارًا أَوْ أَعْنَابًا وَيَسْتَثْنِيَ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ اتِّفَاقًا قَالُوا لَوْ قَالَ إلَّا بَعْضَهَا فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَجْهُولٌ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْقَدْرَ الْمُسْتَثْنَى صَحَّ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَثْنَى مَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ. هَذَا وَالْوَجْهُ فِي النَّهْيِ عَنْ الثُّنْيَا هُوَ الْجَهَالَةُ وَمَا كَانَ مَعْلُومًا فَقَدْ انْتَفَتْ الْعِلَّةُ فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ النَّهْيِ وَقَدْ نَبَّهَ النَّصُّ عَنْ الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ " إلَّا أَنْ تُعْلَمَ ". وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَاضَرَةِ» بِالْخَاءِ وَالضَّادِ مُعْجَمَتَيْنِ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْخُضْرَةِ (وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (وَالْمُزَابَنَةِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى خَمْسِ صُوَرٍ مِنْ صُوَرِ الْبَيْعِ مَنْهِيٍّ عَنْهَا: الْأُولَى الْمُحَاقَلَةُ

стр. 665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا. وَالثَّانِيَةُ الْمُخَاضَرَةُ وَهِيَ بَيْعُ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ فَقَالَ طَائِفَةٌ إذَا كَانَ قَدْ بَلَغَ حَدًّا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخَذَ الثَّمَرُ أَلْوَانَهُ وَاشْتَدَّ الْحَبُّ صَحَّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَأَمَّا إذَا شُرِطَ الْبَقَاءُ فَلَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ شُغْلٌ لِمِلْكِ الْبَائِعِ أَوْ لِأَنَّهُ صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ وَهُوَ إعَارَةٌ أَوْ إجَارَةٌ وَبَيْعٌ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَ حَدَّ الصَّلَاحِ فَاشْتَدَّ الْحَبُّ وَأَخَذَ الثَّمَرُ أَلْوَانَهُ فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ وِفَاقًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي بَقَاءَهُ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَقِيلَ يَصِحُّ وَقِيلَ إنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً صَحَّ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَمْ يَصِحَّ، فَلَوْ كَانَ قَدْ صَلَحَ بَعْضٌ مِنْهُ دُونَ بَعْضٍ فَبَيْعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَفَاصِيلُ لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ. وَالثَّالِثَةُ الْمُلَامَسَةُ وَبَيَّنَهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا لَمْسُ الرَّجُلِ الثَّوْبَ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. هِيَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَبِيعُك ثَوْبِي بِثَوْبِك وَلَا يَنْظُرُ أَحَدٌ مِنْهُمَا إلَى ثَوْبِ الْآخَرِ وَلَكِنَّهُ يَلْمِسُهُ لِمَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ الْمُلَامَسَةُ أَنْ يَلْمِسَ الثَّوْبَ بِيَدِهِ وَلَا يَنْشُرَهُ وَلَا يُقَلِّبَهُ إذَا مَسَّهُ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ. وَالرَّابِعَةُ الْمُنَابَذَةُ فَسَّرَهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ الْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولَ أَلْقِ إلَيَّ مَا مَعَك وَأُلْقِي إلَيْك مَا مَعِي، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ يَقُولَ أَنْبِذُ مَا مَعِي وَتَنْبِذُ مَا مَعَك وَيَشْتَرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَلَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمْ مَعَ الْآخَرِ، وَأَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ الْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولَ إذَا نَبَذْت هَذَا الثَّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إلَى الْآخَرِ لَمْ يَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ وَعَلِمْت مِنْ قَوْلِهِ (فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ) أَنَّ بَيْعَ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ جُعِلَ فِيهِ نَفْسُ اللَّمْسِ وَالنَّبْذِ بَيْعًا بِغَيْرِ صِيغَتِهِ، وَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَلِلْفُقَهَاءِ تَفَاصِيلُ فِي هَذَا لَا تَلِيقُ بِهَذَا الْمُخْتَصَرِ. فَائِدَةٌ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَلِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ وَهُوَ لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالثَّالِثُ إنْ وَصَفَهُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَآخَرِينَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِ الْأَعْمَى، وَفِيهِ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ بُطْلَانُهُ وَهُوَ قَوْلُ مُعْظَمِ الشَّافِعِيَّةِ حَتَّى مَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ بَيْعَ الْغَائِبِ لِكَوْنِ الْأَعْمَى لَا يَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالثَّانِي يَصِحُّ إنْ وَصَفَ لَهُ، وَالثَّالِثُ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَهُوَ لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ.

стр. 666

٧٦٠ - وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ صُورَتَيْنِ مِنْ صُوَرِ الْبَيْعِ (الْأُولَى) النَّهْيُ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ أَيْ الَّذِينَ يَجْلِبُونَ إلَى الْبَلَدِ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ لِلْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانُوا رُكْبَانًا أَوْ مُشَاةً جَمَاعَةً أَوْ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا خَرَجَ الْحَدِيثُ عَلَى الْأَغْلَبِ فِي أَنَّ الْجَالِبَ يَكُونُ عَدَدًا، وَأَمَّا ابْتِدَاءُ التَّلَقِّي فَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ خَارِجِ السُّوقِ الَّذِي تُبَاعُ فِيهِ السِّلْعَةُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمْ الطَّعَامَ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ سُوقَ الطَّعَامِ» وَفِي لَفْظٍ آخَرَ بَيَانٌ أَنَّ التَّلَقِّي لَا يَكُونُ فِي السُّوقِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ إلَى أَعْلَى السُّوقِ لَا يَكُونُ تَلَقِّيًا وَأَنَّ مُنْتَهَى التَّلَقِّي مَا فَوْقَ السُّوقِ وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إنَّهُ لَا يَكُونُ التَّلَقِّي إلَّا خَارِجَ الْبَلَدِ وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِلْمَنْعِ وَهُوَ تَغْرِيرُ الْجَالِبِ، فَإِنَّهُ إذَا قَدِمَ إلَى الْبَلَدِ أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ السِّعْرِ وَطَلَبَ الْحَظَّ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ تَقْصِيرِهِ، وَاعْتَبَرَتْ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ السُّوقَ مُطْلَقًا عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَالنَّهْيُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ حَيْثُ كَانَ قَاصِدًا التَّلَقِّي عَالِمًا بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّلَقِّي إذَا لَمْ يَضُرَّ النَّاسَ فَإِنْ ضَرَّ كُرِهَ فَإِنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى صَحَّ الْبَيْعُ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَثَبَتَ الْخِيَارُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلْبَائِعِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ فَإِنْ تَلَقَّاهُ إنْسَانٌ فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إذَا أَتَى السُّوقَ» ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ نَفْعُ الْبَائِعِ وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهُ وَقِيلَ: نَفْعُ أَهْلِ السُّوقِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَا تَلَقُّوا السِّلَعَ حَتَّى تَهْبِطُوا بِهَا السُّوقَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ الْبَيْعُ مَعَهُ صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ فَعِنْدَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا أَنَّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى نَفْسِ

стр. 667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الْعَقْدِ وَلَا إلَى وَصْفٍ مُلَازِمٍ لَهُ فَلَا يَقْتَضِي النَّهْيُ الْفَسَادَ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَقَدْ اشْتَرَطَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِتَحْرِيمِ التَّلَقِّي شَرَائِطَ فَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَكْذِبَ الْمُتَلَقِّي فِي سِعْرِ الْبَلَدِ وَيَشْتَرِي مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَقِيلَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِكَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّخُولِ وَقِيلَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِكَسَادِ مَا مَعَهُمْ لِيَغْبِنَهُمْ وَهَذِهِ تَقْيِيدَاتٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ بَلْ الْحَدِيثُ أَطْلَقَ النَّهْيَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا بِسِينَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْقَيِّمُ بِالْأَمْرِ وَالْحَافِظُ، ثُمَّ اُشْتُهِرَ فِي مُتَوَلِّي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِغَيْرِهِ بِالْأُجْرَةِ كَذَا قَيَّدَهُ الْبُخَارِيُّ وَجَعَلَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَيَّدًا لِمَا أُطْلِقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ فَأَجَازَهُ، وَظَاهِرُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِمَا كَانَ بِأُجْرَةٍ وَمَا كَانَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ صُورَةَ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بِأَنْ يَجِيءَ لِلْبَلَدِ غَرِيبٌ بِسِلْعَةٍ يُرِيدُ بَيْعَهَا بِسِعْرِ الْوَقْتِ فِي الْحَالِ فَيَأْتِيهِ الْحَاضِرُ فَيَقُولُ ضَعْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ لَك عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَعْلَى مِنْ هَذَا السِّعْرِ ثُمَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِالْبَادِي وَجَعَلَهُ قَيْدًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ الْحَاضِرَ إذَا شَارَكَهُ فِي عَدَمِ مَعْرِفَةِ السِّعْرِ، وَقَالَ ذِكْرُ الْبَادِي فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْأَسْعَارَ فَلَيْسُوا بِدَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ وَأَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ الْمَجْلُوبُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْحَاجَةُ وَأَنْ يَعْرِضَ الْحَضَرِيُّ ذَلِكَ عَلَى الْبَدَوِيِّ فَلَوْ عَرَضَهُ الْبَدْوِيُّ عَلَى الْحَضَرِيِّ لَمْ يُمْنَعْ، وَكُلُّ هَذِهِ الْقُيُودِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ بَلْ اسْتَنْبَطُوهَا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ لِلْحَدِيثِ بِعِلَلٍ مُتَصَيَّدَةٍ مِنْ الْحُكْمِ. ثُمَّ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَإِلَى هُنَا ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ وَإِنَّهُ جَائِزٌ مُطْلَقًا كَتَوْكِيلِهِ وَلِحَدِيثِ النَّصِيحَةِ وَدَعْوَى النَّسْخِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِافْتِقَارِهَا إلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ لِيُعْرَفَ الْمُتَأَخِّرُ وَحَدِيثُ النَّصِيحَةِ «إذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ» مَشْرُوطٌ فِيهِ أَنَّهُ إذَا اسْتَنْصَحَهُ نَصَحَهُ بِالْقَوْلِ لَا أَنَّهُ يَتَوَلَّى لَهُ الْبَيْعَ، وَهَذَا فِي حُكْمِ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الشِّرَاءِ لَهُ فَلَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابٌ لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ الشِّرَاءُ لِلْبَادِي كَالْبَيْعِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ الشِّرَاءُ، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَقِيتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَقُلْت لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ أَمَا نُهِيتُمْ أَنْ تَبِيعُوا أَوْ تَبْتَاعُوا لَهُمْ قَالَ نَعَمْ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ كَانَ يُقَالُ لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَا يَبِيعُ لَهُ شَيْئًا وَلَا يَبْتَاعُ لَهُ شَيْئًا، فَإِنْ قِيلَ قَدْ لُوحِظَ فِي النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الْجَلُوبَةِ عَدَمُ غَبْنِ الْبَادِي، وَلُوحِظَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ

стр. 668

٧٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ. فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٧٦٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَ بِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إنَائِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ «لَا يَسُمْ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ». لِلْبَادِي الرِّفْقُ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَاعْتُبِرَ فِيهِ غَبْنُ الْبَادِي وَهُوَ كَالتَّنَاقُضِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّارِعَ يُلَاحِظُ مَصْلَحَةَ النَّاسِ وَيُقَدِّمُ مَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ لَا الْوَاحِدَ عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْبَادِي إذَا بَاعَ لِنَفْسِهِ انْتَفَعَ جَمِيعُ أَهْلِ السُّوقِ وَاشْتَرَوْا رَخِيصًا فَانْتَفَعَ بِهِ جَمِيعُ سُكَّانِ الْبَلَدِ - لَاحَظَ الشَّارِعُ نَفْعَ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى نَفْعِ الْبَادِي، وَلَمَّا كَانَ فِي التَّلَقِّي إنَّمَا يُنْتَفَعُ خَاصَّةً وَهُوَ وَاحِدٌ لَمْ يَكُنْ فِي إبَاحَةِ التَّلَقِّي مَصْلَحَةٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ، وَهِيَ لُحُوقُ الضَّرَرِ بِأَهْلِ السُّوقِ فِي انْفِرَادِ التَّلَقِّي عَنْهُمْ فِي الرَّخْصِ وَقَطْعِ الْمَوَارِدِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ الْمُتَلَقِّي - نَظَرَ الشَّارِعُ لَهُمْ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَلْ هُمَا صَحِيحَتَانِ فِي الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ» بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَجْلُوبِ «فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ شَرَاهُ الْمُتَلَقِّي بِسِعْرِ السُّوقِ فَإِنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ. (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ» بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَبِضَمِّهَا «أَخِيهِ وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إنَائِهَا» كَفَأْت الْإِنَاءَ كَبَبْته وَقَلَبْته مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «لَا يَسُومُ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ» اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَسَائِلَ مَنْهِيٍّ عَنْهَا. الْأُولَى: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَقَدْ تَقَدَّمَ. الثَّانِيَةُ: مَا يُفِيدُهُ

стр. 669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَوْلُهُ وَلَا تَنَاجَشُوا وَهُوَ مَعْطُوفٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ نَهَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ النَّجْشِ» الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ يُرْوَى بِرَفْعِ الْمُضَارِعِ عَلَى أَنْ لَا نَافِيَةٌ وَبِجَزْمِهِ عَلَى أَنَّهَا نَاهِيَةٌ وَإِثْبَاتُ الْيَاءِ يُقَوِّي الْأَوَّلَ، وَعَلَى الثَّانِي فَبِأَنَّهُ عُومِلَ الْمَجْزُومُ مُعَامَلَةَ غَيْرِ الْمَجْزُومِ فَتُرِكَتْ الْيَاءُ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِهَا فَلَا إشْكَالَ، وَصُورَةُ الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَ الْبَيْعُ بِالْخِيَارِ فَيَأْتِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ رَجُلٌ فَيَقُولُ لِلْمُشْتَرِي: افْسَخْ هَذَا الْبَيْعَ وَأَنَا أَبِيعُك مِثْلَهُ بِأَرْخَصَ مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَكَذَا الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ هُوَ أَنْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ: افْسَخْ الْبَيْعَ وَأَنَا أَشْتَرِيه مِنْك بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا الثَّمَنِ، وَصُورَةُ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اتَّفَقَ مَالِكُ السِّلْعَةِ وَالرَّاغِبُ فِيهَا عَلَى الْبَيْعِ وَلَمْ يَعْقِدْ فَيَقُولُ آخَرُ لِلْبَائِعِ أَنَا أَشْتَرِيه مِنْك بِأَكْثَرَ بَعْدَ أَنْ كَانَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى الثَّمَنِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَأَنَّ فَاعِلَهَا عَاصٍ. وَأَمَّا بَيْعُ الْمُزَايَدَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ مِمَّنْ يَزِيدُ فَلَيْسَ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ بَابَ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ فَقَالَ رَجُلٌ: آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنْهُ» وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ مِمَّنْ يَزِيدُ اتِّفَاقًا وَقِيلَ إنَّهُ يُكْرَهُ وَاسْتَدَلَّ لِقَائِلِهِ بِحَدِيثٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ» وَلَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ زَادَ فِي مُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ. وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ، وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهَا إذَا كَانَ قَدْ صَرَّحَ بِالْإِجَابَةِ وَلَمْ يَأْذَنْ وَلَمْ يَتْرُكْ، فَإِنْ تَزَوَّجَ وَالْحَالُ هَذِهِ عَصَى اتِّفَاقًا وَصَحَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ دَاوُد يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَنِعْمَ مَا قَالَ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ التَّصْرِيحَ بِالْإِجَابَةِ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإِنَّهَا قَالَتْ: خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خِطْبَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ» بَلْ خَطَبَهَا مَعَ ذَلِكَ لِأُسَامَةَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدُهُمَا بِخِطْبَةِ الْآخَرِ وَأَنَّهُ ﷺ أَشَارَ بِأُسَامَةَ لَا أَنَّهُ خَطَبَ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَقَوْلُهُ أَخِيهِ أَيْ فِي الدِّينِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ أَخٍ كَأَنْ

стр. 670

٧٦٣ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ. يَكُونَ كَافِرًا فَلَا يَحْرُمُ وَهُوَ حَيْثُ تَكُونُ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً وَكَانَ يَسْتَجِيزُ نِكَاحَهَا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ يَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى خِطْبَةِ الْكَافِرِ. وَالْحَدِيثُ خَرَجَ التَّقْيِيدُ فِيهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا اعْتِبَارَ لِمَفْهُومِهِ. الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ وَلَا تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ يُرْوَى مَرْفُوعًا وَمَجْزُومًا وَعَلَيْهِ بِكَسْرِ اللَّامِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ لَا تَسْأَلُ الرَّجُلَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ وَيَنْكِحُهَا وَيَصِيرُ مَا هُوَ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْعِشْرَةِ لَهَا، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْإِكْفَاءِ لِمَا فِي الصَّحْفَةِ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ كَأَنَّ مَا ذُكِرَ لَمَّا كَانَ مُعَدًّا لِلزَّوْجَةِ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَا قَدْ جَمَعْتَهُ فِي الصَّحْفَةِ لِتَنْتَفِعَ بِهِ فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا فَكَأَنَّمَا قَدْ كُفِئَتْ الصَّحْفَةُ وَخَرَجَ ذَلِكَ عَنْهَا فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ بِالْمُرَكَّبِ الْمَذْكُورِ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُمَا. (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ) لِأَنَّ فِيهِ حُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَلَهُ شَاهِدٌ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا قِيلَ إلَى مَتَى قَالَ حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَفِي سَنَدِهِ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْوَاقِفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ كَانَ يَحْسُنُ ضَمُّهُمَا إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَوْ يُؤَخَّرُ هُوَ إلَى هُنَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَظَاهِرُهُ عَامٌّ فِي الْمِلْكِ وَالْجِهَاتِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ ذَهَبَ أَحَدٌ إلَى هَذَا الْعُمُومِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْرِيقِ فِي الْمِلْكِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْآتِي، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا تَحْرِيمُ التَّفْرِيقِ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَّا أَنَّهُ يُقَيَّدُ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ وَفِي الْغَيْثِ أَنَّهُ خَصَّهُ فِي الْكَبِيرِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْعِتْقِ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ حَدِيثُ عُبَادَةَ ثُمَّ الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الْأَرْحَامِ الْمَحَارِمِ بِجَامِعِ الرَّحَامَةِ وَكَذَلِكَ وَرَدَ النَّصُّ فِي الْأُخُوَّةِ وَهُوَ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ.
следующие страницы →