Полный текст (1 346 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
٧٦٠ - وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(وَعَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ)
اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ صُورَتَيْنِ مِنْ صُوَرِ الْبَيْعِ (الْأُولَى) النَّهْيُ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ أَيْ الَّذِينَ يَجْلِبُونَ إلَى الْبَلَدِ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ لِلْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانُوا رُكْبَانًا أَوْ مُشَاةً جَمَاعَةً أَوْ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا خَرَجَ الْحَدِيثُ عَلَى الْأَغْلَبِ فِي أَنَّ الْجَالِبَ يَكُونُ عَدَدًا، وَأَمَّا ابْتِدَاءُ التَّلَقِّي فَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ خَارِجِ السُّوقِ الَّذِي تُبَاعُ فِيهِ السِّلْعَةُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمْ الطَّعَامَ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ سُوقَ الطَّعَامِ» وَفِي لَفْظٍ آخَرَ بَيَانٌ أَنَّ التَّلَقِّي لَا يَكُونُ فِي السُّوقِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ إلَى أَعْلَى السُّوقِ لَا يَكُونُ تَلَقِّيًا وَأَنَّ مُنْتَهَى التَّلَقِّي مَا فَوْقَ السُّوقِ وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إنَّهُ لَا يَكُونُ التَّلَقِّي إلَّا خَارِجَ الْبَلَدِ وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِلْمَنْعِ وَهُوَ تَغْرِيرُ الْجَالِبِ، فَإِنَّهُ إذَا قَدِمَ إلَى الْبَلَدِ أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ السِّعْرِ وَطَلَبَ الْحَظَّ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ تَقْصِيرِهِ، وَاعْتَبَرَتْ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ السُّوقَ مُطْلَقًا عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
وَالنَّهْيُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ حَيْثُ كَانَ قَاصِدًا التَّلَقِّي عَالِمًا بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّلَقِّي إذَا لَمْ يَضُرَّ النَّاسَ فَإِنْ ضَرَّ كُرِهَ فَإِنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى صَحَّ الْبَيْعُ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَثَبَتَ الْخِيَارُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلْبَائِعِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ فَإِنْ تَلَقَّاهُ إنْسَانٌ فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إذَا أَتَى السُّوقَ» ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ نَفْعُ الْبَائِعِ وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهُ وَقِيلَ: نَفْعُ أَهْلِ السُّوقِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَا تَلَقُّوا السِّلَعَ حَتَّى تَهْبِطُوا بِهَا السُّوقَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ الْبَيْعُ مَعَهُ صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ فَعِنْدَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا أَنَّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى نَفْسِ
стр. 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْعَقْدِ وَلَا إلَى وَصْفٍ مُلَازِمٍ لَهُ فَلَا يَقْتَضِي النَّهْيُ الْفَسَادَ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَقَدْ اشْتَرَطَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِتَحْرِيمِ التَّلَقِّي شَرَائِطَ فَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَكْذِبَ الْمُتَلَقِّي فِي سِعْرِ الْبَلَدِ وَيَشْتَرِي مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَقِيلَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِكَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّخُولِ وَقِيلَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِكَسَادِ مَا مَعَهُمْ لِيَغْبِنَهُمْ وَهَذِهِ تَقْيِيدَاتٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ بَلْ الْحَدِيثُ أَطْلَقَ النَّهْيَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا بِسِينَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْقَيِّمُ بِالْأَمْرِ وَالْحَافِظُ، ثُمَّ اُشْتُهِرَ فِي مُتَوَلِّي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِغَيْرِهِ بِالْأُجْرَةِ كَذَا قَيَّدَهُ الْبُخَارِيُّ وَجَعَلَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَيَّدًا لِمَا أُطْلِقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ فَأَجَازَهُ، وَظَاهِرُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّهْيَ شَامِلٌ لِمَا كَانَ بِأُجْرَةٍ وَمَا كَانَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ صُورَةَ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بِأَنْ يَجِيءَ لِلْبَلَدِ غَرِيبٌ بِسِلْعَةٍ يُرِيدُ بَيْعَهَا بِسِعْرِ الْوَقْتِ فِي الْحَالِ فَيَأْتِيهِ الْحَاضِرُ فَيَقُولُ ضَعْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ لَك عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَعْلَى مِنْ هَذَا السِّعْرِ ثُمَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِالْبَادِي وَجَعَلَهُ قَيْدًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ الْحَاضِرَ إذَا شَارَكَهُ فِي عَدَمِ مَعْرِفَةِ السِّعْرِ، وَقَالَ ذِكْرُ الْبَادِي فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْأَسْعَارَ فَلَيْسُوا بِدَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ وَأَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ الْمَجْلُوبُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْحَاجَةُ وَأَنْ يَعْرِضَ الْحَضَرِيُّ ذَلِكَ عَلَى الْبَدَوِيِّ فَلَوْ عَرَضَهُ الْبَدْوِيُّ عَلَى الْحَضَرِيِّ لَمْ يُمْنَعْ، وَكُلُّ هَذِهِ الْقُيُودِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ بَلْ اسْتَنْبَطُوهَا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ لِلْحَدِيثِ بِعِلَلٍ مُتَصَيَّدَةٍ مِنْ الْحُكْمِ. ثُمَّ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَإِلَى هُنَا ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ وَإِنَّهُ جَائِزٌ مُطْلَقًا كَتَوْكِيلِهِ وَلِحَدِيثِ النَّصِيحَةِ وَدَعْوَى النَّسْخِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِافْتِقَارِهَا إلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ لِيُعْرَفَ الْمُتَأَخِّرُ وَحَدِيثُ النَّصِيحَةِ «إذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ» مَشْرُوطٌ فِيهِ أَنَّهُ إذَا اسْتَنْصَحَهُ نَصَحَهُ بِالْقَوْلِ لَا أَنَّهُ يَتَوَلَّى لَهُ الْبَيْعَ، وَهَذَا فِي حُكْمِ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الشِّرَاءِ لَهُ فَلَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابٌ لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ الشِّرَاءُ لِلْبَادِي كَالْبَيْعِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ الشِّرَاءُ، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَقِيتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَقُلْت لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ أَمَا نُهِيتُمْ أَنْ تَبِيعُوا أَوْ تَبْتَاعُوا لَهُمْ قَالَ نَعَمْ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ كَانَ يُقَالُ لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَا يَبِيعُ لَهُ شَيْئًا وَلَا يَبْتَاعُ لَهُ شَيْئًا، فَإِنْ قِيلَ قَدْ لُوحِظَ فِي النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الْجَلُوبَةِ عَدَمُ غَبْنِ الْبَادِي، وَلُوحِظَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ
стр. 668
٧٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ. فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٧٦٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَ بِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إنَائِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ «لَا يَسُمْ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ».
لِلْبَادِي الرِّفْقُ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَاعْتُبِرَ فِيهِ غَبْنُ الْبَادِي وَهُوَ كَالتَّنَاقُضِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّارِعَ يُلَاحِظُ مَصْلَحَةَ النَّاسِ وَيُقَدِّمُ مَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ لَا الْوَاحِدَ عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْبَادِي إذَا بَاعَ لِنَفْسِهِ انْتَفَعَ جَمِيعُ أَهْلِ السُّوقِ وَاشْتَرَوْا رَخِيصًا فَانْتَفَعَ بِهِ جَمِيعُ سُكَّانِ الْبَلَدِ - لَاحَظَ الشَّارِعُ نَفْعَ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى نَفْعِ الْبَادِي، وَلَمَّا كَانَ فِي التَّلَقِّي إنَّمَا يُنْتَفَعُ خَاصَّةً وَهُوَ وَاحِدٌ لَمْ يَكُنْ فِي إبَاحَةِ التَّلَقِّي مَصْلَحَةٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ، وَهِيَ لُحُوقُ الضَّرَرِ بِأَهْلِ السُّوقِ فِي انْفِرَادِ التَّلَقِّي عَنْهُمْ فِي الرَّخْصِ وَقَطْعِ الْمَوَارِدِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ الْمُتَلَقِّي - نَظَرَ الشَّارِعُ لَهُمْ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَلْ هُمَا صَحِيحَتَانِ فِي الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقُّوا الْجَلَبَ» بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَجْلُوبِ «فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ شَرَاهُ الْمُتَلَقِّي بِسِعْرِ السُّوقِ فَإِنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ.
(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ» بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَبِضَمِّهَا «أَخِيهِ وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إنَائِهَا» كَفَأْت الْإِنَاءَ كَبَبْته وَقَلَبْته مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «لَا يَسُومُ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ» اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَسَائِلَ مَنْهِيٍّ عَنْهَا. الْأُولَى: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَقَدْ تَقَدَّمَ. الثَّانِيَةُ: مَا يُفِيدُهُ
стр. 669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْلُهُ وَلَا تَنَاجَشُوا وَهُوَ مَعْطُوفٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ نَهَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ النَّجْشِ» الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ يُرْوَى بِرَفْعِ الْمُضَارِعِ عَلَى أَنْ لَا نَافِيَةٌ وَبِجَزْمِهِ عَلَى أَنَّهَا نَاهِيَةٌ وَإِثْبَاتُ الْيَاءِ يُقَوِّي الْأَوَّلَ، وَعَلَى الثَّانِي فَبِأَنَّهُ عُومِلَ الْمَجْزُومُ مُعَامَلَةَ غَيْرِ الْمَجْزُومِ فَتُرِكَتْ الْيَاءُ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِهَا فَلَا إشْكَالَ، وَصُورَةُ الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَ الْبَيْعُ بِالْخِيَارِ فَيَأْتِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ رَجُلٌ فَيَقُولُ لِلْمُشْتَرِي: افْسَخْ هَذَا الْبَيْعَ وَأَنَا أَبِيعُك مِثْلَهُ بِأَرْخَصَ مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَكَذَا الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ هُوَ أَنْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ: افْسَخْ الْبَيْعَ وَأَنَا أَشْتَرِيه مِنْك بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا الثَّمَنِ، وَصُورَةُ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اتَّفَقَ مَالِكُ السِّلْعَةِ وَالرَّاغِبُ فِيهَا عَلَى الْبَيْعِ وَلَمْ يَعْقِدْ فَيَقُولُ آخَرُ لِلْبَائِعِ أَنَا أَشْتَرِيه مِنْك بِأَكْثَرَ بَعْدَ أَنْ كَانَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى الثَّمَنِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَأَنَّ فَاعِلَهَا عَاصٍ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُزَايَدَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ مِمَّنْ يَزِيدُ فَلَيْسَ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ بَابَ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ فَقَالَ رَجُلٌ: آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنْهُ» وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ مِمَّنْ يَزِيدُ اتِّفَاقًا وَقِيلَ إنَّهُ يُكْرَهُ وَاسْتَدَلَّ لِقَائِلِهِ بِحَدِيثٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ» وَلَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ زَادَ فِي مُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ. وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ، وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهَا إذَا كَانَ قَدْ صَرَّحَ بِالْإِجَابَةِ وَلَمْ يَأْذَنْ وَلَمْ يَتْرُكْ، فَإِنْ تَزَوَّجَ وَالْحَالُ هَذِهِ عَصَى اتِّفَاقًا وَصَحَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ دَاوُد يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَنِعْمَ مَا قَالَ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ التَّصْرِيحَ بِالْإِجَابَةِ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإِنَّهَا قَالَتْ: خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خِطْبَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ» بَلْ خَطَبَهَا مَعَ ذَلِكَ لِأُسَامَةَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدُهُمَا بِخِطْبَةِ الْآخَرِ وَأَنَّهُ ﷺ أَشَارَ بِأُسَامَةَ لَا أَنَّهُ خَطَبَ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَقَوْلُهُ أَخِيهِ أَيْ فِي الدِّينِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ أَخٍ كَأَنْ
стр. 670
٧٦٣ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ.
يَكُونَ كَافِرًا فَلَا يَحْرُمُ وَهُوَ حَيْثُ تَكُونُ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً وَكَانَ يَسْتَجِيزُ نِكَاحَهَا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ يَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى خِطْبَةِ الْكَافِرِ. وَالْحَدِيثُ خَرَجَ التَّقْيِيدُ فِيهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا اعْتِبَارَ لِمَفْهُومِهِ. الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ وَلَا تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ يُرْوَى مَرْفُوعًا وَمَجْزُومًا وَعَلَيْهِ بِكَسْرِ اللَّامِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ لَا تَسْأَلُ الرَّجُلَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ وَيَنْكِحُهَا وَيَصِيرُ مَا هُوَ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْعِشْرَةِ لَهَا، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْإِكْفَاءِ لِمَا فِي الصَّحْفَةِ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ كَأَنَّ مَا ذُكِرَ لَمَّا كَانَ مُعَدًّا لِلزَّوْجَةِ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَا قَدْ جَمَعْتَهُ فِي الصَّحْفَةِ لِتَنْتَفِعَ بِهِ فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا فَكَأَنَّمَا قَدْ كُفِئَتْ الصَّحْفَةُ وَخَرَجَ ذَلِكَ عَنْهَا فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ بِالْمُرَكَّبِ الْمَذْكُورِ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُمَا.
(وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ) لِأَنَّ فِيهِ حُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَلَهُ شَاهِدٌ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا قِيلَ إلَى مَتَى قَالَ حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَفِي سَنَدِهِ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْوَاقِفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ كَانَ يَحْسُنُ ضَمُّهُمَا إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَوْ يُؤَخَّرُ هُوَ إلَى هُنَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَظَاهِرُهُ عَامٌّ فِي الْمِلْكِ وَالْجِهَاتِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ ذَهَبَ أَحَدٌ إلَى هَذَا الْعُمُومِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْرِيقِ فِي الْمِلْكِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْآتِي، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا تَحْرِيمُ التَّفْرِيقِ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَّا أَنَّهُ يُقَيَّدُ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ وَفِي الْغَيْثِ أَنَّهُ خَصَّهُ فِي الْكَبِيرِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْعِتْقِ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ حَدِيثُ عُبَادَةَ ثُمَّ الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الْأَرْحَامِ الْمَحَارِمِ بِجَامِعِ الرَّحَامَةِ وَكَذَلِكَ وَرَدَ النَّصُّ فِي الْأُخُوَّةِ وَهُوَ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ.
стр. 671
٧٦٤ - وَعَنْ «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا. فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا»
٧٦٥ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «غَلَا السِّعْرُ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلَا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا. فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ الْقَطَّانِ (وَعَنْ «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ فَبِعْتهمَا فَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا وَلَا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ الْقَطَّانِ) وَحَكَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا سَمِعَهُ الْحَكَمُ مِنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ وَهُوَ يَرْوِيه عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَمَيْمُونٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْبَيْعِ وَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ دَلَّ عَلَى التَّفْرِيقِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِهِ بِالْبَيْعِ وَأَلْحَقُوا بِهِ تَحْرِيمَ التَّفْرِيقِ بِسَائِرِ الْإِنْشَاءَاتِ كَالْهِبَةِ وَالنَّذْرِ وَهُوَ مَا كَانَ بِاخْتِيَارِ الْمُفَرِّقِ، وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بِالْقِسْمَةِ فَلَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ فَإِنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ قَهْرِيٌّ وَهُوَ الْمِيرَاثُ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ قَدْ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ وَلَكِنَّهُ عَارَضَهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْإِخْرَاجِ عَنْ الْمِلْكِ بِالْمَبِيعِ. وَنَحْوُهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعُقُوبَةِ إذْ لَوْ كَانَ لَا يَصِحُّ الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمِلْكِ لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّفْرِيقُ فَلَا عُقُوبَةَ وَلِذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مَعَ الْعِصْيَانِ قَالُوا: وَالْأَمْرُ بِالِارْتِجَاعِ لِلْغُلَامَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بِرِضَا الْمُشْتَرِي.
فَائِدَةٌ: فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبَهِيمَةِ وَوَلَدِهَا وَجْهَانِ لَا يَصِحُّ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ تَعْذِيبِ الْبَهَائِمِ وَيَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى الذَّبْحِ وَهُوَ الْأَوْلَى.
стр. 672
٧٦٦ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ غَلَا السِّعْرُ) الْغَلَاءُ مَمْدُودٌ وَهُوَ ارْتِفَاعُ السِّعْرِ عَلَى مُعْتَادِهِ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَقَالَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ» يَعْنِي يَفْعَلُ ذَلِكَ هُوَ وَحْدَهُ بِإِرَادَتِهِ (الْقَابِضُ) أَيْ الْمُقْتِرُ (الْبَاسِطُ) الْمُوَسِّعُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (الرَّازِقُ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْعِيرَ مَظْلِمَةٌ وَإِذَا كَانَ مَظْلِمَةً فَهُوَ مُحَرَّمٌ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّسْعِيرُ وَلَوْ فِي الْقُوتَيْنِ، وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّسْعِيرِ لِكُلِّ مَتَاعٍ وَإِنْ كَانَ سِيَاقُهُ فِي خَاصٍّ، وَقَالَ الْمَهْدِيُّ إنَّهُ اسْتَحْسَنَ الْأَئِمَّةُ الْمُتَأَخِّرُونَ تَسْعِيرَ مَا عَدَا الْقُوتَيْنِ كَاللَّحْمِ وَالسَّمْنِ وَرِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ وَبَسَطْنَا الْقَوْلَ هُنَاكَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ لَهُ مَعْمَرُ بْنُ أَبِي مَعْمَرٍ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ وَتَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ إلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ هَاجَرَ إلَيْهَا وَسَكَنَ بِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ» بِالْهَمْزَةِ هُوَ الْعَاصِي الْآثِمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ وَفِي النِّهَايَةِ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا قَالَ أَيْ اشْتَرَاهُ وَحَبَسَهُ لِيَقِلَّ فَيَغْلُو وَظَاهِرُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ تَحْرِيمُ الِاحْتِكَارِ لِلطَّعَامِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ احْتَكَرَ إلَّا فِي الطَّعَامِ وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إلَى عُمُومِهِ فَقَالَ: كُلُّ مَا أَضَرَّ بِالنَّاسِ حَبْسُهُ فَهُوَ احْتِكَارٌ وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ ثِيَابًا وَقِيلَ: لَا احْتِكَارَ إلَّا فِي قُوتِ النَّاسِ وَقُوتِ الْبَهَائِمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ الِاحْتِكَارِ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً بِالطَّعَامِ وَمَا كَانَ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يُقَيَّدُ فِيهِ الْمُطْلَقُ بِالْمُقَيَّدِ لِعَدَمِ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا بَلْ يَبْقَى الْمُطْلَقُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَعْمَلُ بِالْمُطْلَقِ فِي مَنْعِ الِاحْتِكَارِ مُطْلَقًا وَلَا يُقَيَّدُ بِالْقُوتَيْنِ إلَّا عَلَى رَأْيِ
стр. 673
٧٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ. فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا. وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ «وَرَدَّهَا مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ» قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ
أَبِي ثَوْرٍ وَقَدْ رَدَّهُ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ وَكَأَنَّ الْجُمْهُورَ خَصُّوهُ بِالْقُوتَيْنِ نَظَرًا إلَى الْحِكْمَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ وَهِيَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ عَامَّةِ النَّاسِ، وَالْأَغْلَبُ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْعَامَّةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقُوتَيْنِ فَقَيَّدُوا الْإِطْلَاقَ بِالْحِكْمَةِ الْمُنَاسِبَةِ أَوْ أَنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي، فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَكِرُ فَقِيلَ لَهُ فَإِنَّك تَحْتَكِرُ فَقَالَ لِأَنَّ مَعْمَرًا رَاوِي الْحَدِيثِ كَانَ يَحْتَكِرُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَا يَحْتَكِرَانِ الزَّيْتَ وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّ سَعِيدًا قَيَّدَ الْإِطْلَاقَ بِعَمَلِ الرَّاوِي، وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَلَا يُعْلَمُ بِمَ قَيَّدَهُ وَلَعَلَّهُ بِالْحِكْمَةِ الْمُنَاسِبَةِ الَّتِي قَيَّدَ بِهَا الْجُمْهُورُ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تُصَرُّوا) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ صَرَّى يُصَرِّي عَلَى الْأَصَحِّ «الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» الرَّأْيَيْنِ «بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا» عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي رَدَّهَا عَلَى تَقْدِيرِ وَيُعْطِي (مِنْ تَمْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ «وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ» قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ أَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ يُقَالُ صَرَّيْتُ الْمَاءَ إذَا حَبَسْته وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ رَبْطُ أَخْلَافِ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ وَتَرْكُ حَلْبِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ لَبَنُهَا فَيَكْثُرُ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ عَادَتُهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ الْبَقَرَ وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ لِحَدِيثِ نُهِيَ عَنْ التَّصْرِيَةِ لِلْحَيَوَانِ إذَا أُرِيدَ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ تَقْيِيدُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ «وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «إذَا بَاعَ أَحَدُكُمْ الشَّاةَ أَوْ اللِّقْحَةُ فَلْيَحْلُبْهَا» وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
стр. 674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِالتَّدْلِيسِ وَالْغَرَرِ كَذَا قِيلَ إلَّا أَنِّي لَمْ أَرَ التَّعْلِيلَ بِهِمَا مَنْصُوصًا، وَأَمَّا التَّصْرِيَةُ لَا لِلْبَيْعِ بَلْ لِيَجْتَمِعَ الْحَلِيبُ لِنَفْعِ الْمَالِكِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إيذَاءٌ لِلْحَيَوَانِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إضْرَارٌ فَيَجُوزُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ إلَّا بَعْدَ الْحَلْبِ وَلَوْ ظَهَرَتْ التَّصْرِيَةُ بِغَيْرِ حَلْبٍ فَالْخِيَارُ ثَابِتٌ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ قَاضٍ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالتَّصْرِيَةِ فَوْرِيٌّ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ تَدُلُّ عَلَى التَّعْقِيبِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لِقَوْلِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ ثَلَاثًا، وَأُجِيبَ مِنْ طَرَفِ الْقَائِلِ بِالْفَوْرِ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ إلَّا فِي الثَّالِثِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لِجَوَازِ النُّقْصَانِ بِاخْتِلَافِ الْعَلَفِ وَنَحْوِهِ، وَلِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّحَاوِيِّ " فَهُوَ بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ بِالْخِيَارِ إلَى أَنْ يَحُوزَهَا أَوْ يَرُدَّهَا " وَأَمَّا ابْتِدَاءُ الثَّلَاثِ فَفِيهِ خِلَافٌ قِيلَ مِنْ بَعْدِ تَبَيُّنِ التَّصْرِيَةِ وَقِيلَ مِنْ عِنْدِ الْعَقْدِ وَقِيلَ مِنْ التَّفَرُّقِ. وَدَلَّ الْحَدِيثُ أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ بِذِكْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ فَقَدْ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ التَّمْرِ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمُشْتَرِي صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: (الْأَوَّلُ) لِلْجُمْهُورِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِإِثْبَاتِ الرَّدِّ لِلْمُصَرَّاةِ وَرَدِّ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ سَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا وَالتَّمْرُ قُوتًا لِأَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ لَا.
(وَالثَّانِي) لِلْهَادَوِيَّةِ فَقَالُوا: فَتُرَدُّ الْمُصَرَّاةُ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا بِرَدِّ اللَّبَنِ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا أَوْ مِثْلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا أَوْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الرَّدِّ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ الْمِثْلُ قَالُوا: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ أَنَّ ضَمَانَ الْمُتْلَفِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَبِالْمِثْلِ وَإِنْ كَانَ قِيَمِيًّا فَبِالْقِيمَةِ، وَاللَّبَنُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ضُمِنَ بِمِثْلِهِ وَإِنْ كَانَ قِيَمِيًّا قُوِّمَ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَضُمِنَ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يُضْمَنُ بِالتَّمْرِ أَوْ الطَّعَامِ قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَخْتَلِفَ الضَّمَانُ بِقَدْرِ اللَّبَنِ وَلَا يُقَدَّرُ بِصَاعٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تَضَمَّنَ الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ الْمُتْلَفَاتِ وَهَذَا خَاصٌّ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ. أَمَّا تَقْدِيرُ الصَّاعِ فَإِنَّهُ قَدَّرَهُ الشَّارِعُ لِيَدْفَعَ التَّشَاجُرَ لِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ قَدْرِ اللَّبَنِ لِجَوَازِ اخْتِلَاطِهِ بِحَادِثٍ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَقَطَعَ الشَّارِعُ النِّزَاعَ وَقَدَّرَهُ بِحَدٍّ لَا يَبْعُدُ رَفْعًا لِلْخُصُومَةِ وَقَدَّرَهُ بِأَقْرَبَ شَيْءٍ إلَى اللَّبَنِ فَإِنَّهُمَا كَانَا قُوتًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلِهَذَا الْحُكْمِ نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ وَهُوَ ضَمَانُ الْجِنَايَاتِ كَالْمُوضِحَةِ
стр. 675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ مَعَ اخْتِلَافِهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَفْعُ التَّشَاجُرِ.
(وَالثَّالِثُ) لِلْحَنَفِيَّةِ فَخَالَفُوا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالُوا: لَا يُرَدُّ الْبَيْعُ بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ فَلَا يَجِبُ رَدُّ الصَّاعِ مِنْ التَّمْرِ، وَاعْتَذَرُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَعْذَارٍ كَثِيرَةٍ. بِالْقَدْحِ فِي الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ. وَبِأَنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ وَبِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَبِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وَكُلُّهَا
стр. 676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَعْذَارٌ مَرْدُودَةٌ وَقَالُوا: الْحَدِيثُ خَالَفَ قِيَاسَ الْأُصُولِ مِنْ جِهَاتٍ: (الْأُولَى) مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّبَنَ التَّالِفَ إنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ نَقَصَ جُزْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ وَإِنْ كَانَ حَادِثًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ. وَأُجِيبَ أَوَّلًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ أَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ بِرَأْسِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ خَالَفَ قِيَاسَ الْأُصُولِ.
(وَثَانِيًا) بِأَنَّ النَّقْصَ إنَّمَا يَمْنَعُ الرَّدَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ وَهُوَ هُنَا لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ فَلَا يَمْنَعُ.
(وَالثَّانِيَةُ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ فِيهِ ثَلَاثًا مَعَ أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ وَخِيَارَ الْمَجْلِسِ وَخِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَا يُقَدَّرُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالثَّلَاثِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُصَرَّاةَ انْفَرَدَتْ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ حُكْمُ التَّصْرِيَةِ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا بِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا (وَالثَّالِثَةُ) أَنَّهُ يَلْزَمُ ضَمَانُ الْأَعْيَانِ مَعَ بَقَائِهَا حَيْثُ كَانَ اللَّبَنُ مَوْجُودًا. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ مُتَمَيِّزٌ لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِاللَّبَنِ الْحَادِثِ فَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ بِسَبَبِ الِاخْتِلَاطِ فَيَكُونُ مِثْلَ ضَمَانِ الْعَبْدِ الْآبِقِ الْمَغْصُوبِ.
(وَالرَّابِعَةُ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَلْزَمُ إثْبَاتُ الرَّدِّ بِغَيْرِ عَيْبٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نُقْصَانُ اللَّبَنِ عَيْبًا لَثَبَتَ بِهِ الرَّدُّ مِنْ دُونِ تَصْرِيَةٍ وَلَا اشْتِرَاطٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ الرَّدَّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي حُكْمِ خِيَارِ الشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْمُشْتَرِي لَمَّا رَأَى ضَرْعَهَا مَمْلُوءًا فَكَأَنَّ الْبَائِعَ شَرَطَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ لَهَا وَقَدْ ثَبَتَ لِهَذَا نَظَائِرُ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَلَقِّي
стр. 677
٧٦٨ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ تَمْرٍ.
٧٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا. فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا. فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْجَلُوبَةِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ عِنْدَك ضَعْفُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ عَلِمْت أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْأَوَّلُ وَعَرَفْت أَنَّ الْحَدِيثَ أَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْغِشِّ وَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِمَنْ دَلَّسَ عَلَيْهِ وَفِي أَنَّ التَّدْلِيسَ لَا يُفْسِدُ أَصْلَ الْعَقْدِ وَفِي تَحْرِيمِ التَّصْرِيَةِ لِلْمَبِيعِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ بِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «بَيْعُ الْمُحَفَّلَاتِ خِلَابَةٌ وَلَا تَحِلُّ الْخِلَابَةُ لِمُسْلِمٍ» وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالْمُحَفَّلَاتُ جَمْعُ مُحَفَّلَةٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الَّتِي تُجْمَعُ لَبَنَهَا فِي ضُرُوعِهَا، وَالْخِلَابَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ الْخِدَاعُ.
(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ تَمْرٍ) لَمْ يَرْفَعْهُ الْمُصَنِّفُ بَلْ وَقَفَهُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَرْفَعْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَاهُ مُسْتَوْفًى.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ» الصُّبْرَةُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الْكَوْمَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنْ الطَّعَامِ «مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا جَعَلْته فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ النَّوَوِيُّ كَذَا فِي الْأُصُولِ مِنِّي بِيَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ لَيْسَ مِمَّنْ اهْتَدَى بِهَدْيِي وَاقْتَدَى بِعِلْمِي وَعَمَلِي وَحُسْنِ طَرِيقَتِي، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُكْرَهُ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا وَنَقُولُ نُمْسِكُ عَنْ تَأْوِيلِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ
стр. 678
٧٧٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَبَسَ الْعِنَبَ أَيَّامَ الْقِطَافِ حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا فَقَدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
٧٧١ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ الْقَطَّانِ
فِي النُّفُوسِ وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْغِشِّ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ شَرْعًا مَذْمُومٌ فَاعِلُهُ عَقْلًا
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) هُوَ أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ قَاضِي مَرْوٍ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ (عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَبَسَ الْعِنَبَ أَيَّامَ الْقِطَافِ» الْأَيَّامُ الَّتِي يُقْطَفُ فِيهَا «حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا فَقَدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ» أَيْ عَلَى عِلْمٍ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِدُخُولِهِ (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِزِيَادَةِ «حَتَّى يَبِيعَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا فَقَدْ تَقَحَّمَ فِي النَّارِ عَلَى بَصِيرَةٍ» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا لِوَعِيدِ الْبَائِعِ بِالنَّارِ وَهُوَ مَعَ الْقَصْدِ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ فَقَالَ الْهَادَوِيَّةُ يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَيُؤَوَّلُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ الشَّكِّ فِي جَعْلِهِ خَمْرًا، وَأَمَّا إذَا عَلِمَهُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَيُقَالُ عَلَى ذَلِكَ مَا كَانَ يُسْتَعَانُ بِهِ فِي مَعْصِيَةٍ، وَأَمَّا مَا لَا يُفْعَلُ إلَّا لِمَعْصِيَةٍ كَالْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا إجْمَاعًا وَكَذَلِكَ بَيْعُ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ إذَا كَانُوا يَسْتَعِينُونَ بِهَا عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُبَاعَ بِأَفْضَلَ مِنْهُ جَازَ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ) لِأَنَّ فِيهِ مُسْلِمَ بْنَ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ وَهُوَ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ (وَأَبُو دَاوُد
стр. 679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ الْقَطَّانِ) الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ بِطُولِهِ وَهُوَ «أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى غُلَامًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ عَيْبٍ وَجَدَهُ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَدِّهِ بِالْعَيْبِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: قَدْ اسْتَعْمَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَالْخَرَاجُ هُوَ الْغَلَّةُ وَالْكِرَاءُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ لَهُ دَخْلٌ وَغَلَّةٌ فَإِنَّ مَالِكَ الرَّقَبَةِ الَّذِي هُوَ ضَامِنٌ لَهَا يَمْلِكُ خَرَاجَهَا لِضَمَانِ أَصْلِهَا، فَإِذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ أَرْضًا فَاسْتَعْمَلَهَا أَوْ مَاشِيَةً فَنَتَجَهَا أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا أَوْ عَبْدًا فَاسْتَخْدَمَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الرَّقَبَةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا انْتَفَعَ بِهِ لِأَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ مَا بَيْنَ مُدَّةِ الْفَسْخِ وَالْعَقْدِ لَكَانَتْ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ لَهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَمَا وُجِدَ مِنْ الْفَوَائِدِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ نَاقِصًا عَمَّا أَخَذَهُ.
(الثَّانِي) لِلْهَادَوِيَّةِ أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَوَائِدِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ فَيَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي الْفَرْعِيَّةَ، وَأَمَّا الْأَصْلِيَّةُ فَتَصِيرُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ فَإِنْ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِالْحُكْمِ وَجَبَ الرَّدُّ وَيَضْمَنُ التَّلَفَ وَإِنْ كَانَ بِالتَّرَاضِي لَمْ يَرُدَّهَا.
(الثَّالِثُ) لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُشْتَرِي يَسْتَحِقُّ الْفَوَائِدَ الْفَرْعِيَّةَ كَالْكِرَاءِ، وَأَمَّا الْفَوَائِدُ الْأَصْلِيَّةُ كَالثَّمَرِ فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً رَدَّهَا مَعَ الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً امْتَنَعَ الرَّدُّ وَاسْتَحَقَّ الْأَرْشَ.
(الرَّابِعُ) لِمَالِكٍ أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَوَائِدِ الْأَصْلِيَّةِ كَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ فَيَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَرِي وَالْوَلَدُ يَرُدُّهُ مَعَ أُمِّهِ، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِالْمَبِيعِ وَقْتَ الرَّدِّ فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً وَجَبَ الرَّدُّ لَهَا إجْمَاعًا هَذَا مَا قَالَهُ الْمَذْكُورُونَ. وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَمَّا إذَا وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْأَمَةَ ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا عَيْبًا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ لِأَنَّ الْوَطْءَ جِنَايَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْءُ الْأَمَةِ لِأَصْلِ الْمُشْتَرِي وَلَا لِفَصْلِهِ فَقَدْ عَيَّبَهَا بِذَلِكَ قَالُوا وَكَذَا مُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ بَعْدَهَا لِذَلِكَ قَالُوا: وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ وَقِيلَ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ وَقَدْ اسْتَوْفَى الْخَطَّابِيُّ ذَلِكَ وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ وَالْكُلُّ أَقْوَالٌ عَارِيَّةٌ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ وَدَعْوَى أَنَّ الْوَطْءَ جِنَايَةٌ دَعْوَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ حَرَّمَهَا بِهِ عَلَى أُصُولِهِ وَفُصُولِهِ فَكَانَتْ جِنَايَةَ عَلِيلٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْحَصِرْ الْمُشْتَرِي لَهَا فِيهِمَا.
стр. 680
٧٧٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ضِمْنِ حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ.
(وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً أَوْ شَاةً فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيثٍ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَأَوْرَدَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو حَمَّادٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالنَّوَوِيُّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي إسْنَادِهِ مُبْهَمٌ وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُرْوَةَ شَرَى مَا لَمْ يُوكَلْ بِشِرَائِهِ وَبَاعَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِشِرَاءِ أُضْحِيَّةٍ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَمْرِ لَشَرَى بِبَعْضِ الدِّينَارِ الْأُضْحِيَّةَ وَرَدَّ الْبَعْضَ وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ هُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ الَّذِي يَنْفُذُ بِالْإِجَازَةِ وَقَدْ وَقَعَتْ هُنَا وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ وَذَهَبَ إلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْهَادَوِيَّةِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ إنَّ الْإِجَازَةَ لَا تُصَحِّحُهُ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمَعْدُومِ وَمِلْكِ الْغَيْرِ وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي صِحَّةِ حَدِيثِ عُرْوَةَ وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّتِهِ.
(وَالثَّالِثُ) التَّفْصِيلُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: يَجُوزُ الْبَيْعُ لَا الشِّرَاءُ وَكَأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْبَيْعَ إخْرَاجٌ عَنْ مِلْكِ الْمَالِكِ وَلِلْمَالِكِ حَقٌّ فِي اسْتِبْقَاءِ مِلْكِهِ فَإِذَا أَجَازَ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ إثْبَاتٌ لِمِلْكٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوَلِّي الْمَالِكِ لِذَلِكَ.
(وَالرَّابِعُ) لِمَالِكٍ وَهُوَ عَكْسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ حَدِيثِ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك وَحَدِيثِ عُرْوَةَ فَيُعْمَلُ بِهِ مَا لَمْ يُعَارَضْ.
(وَالْخَامِسُ) أَنَّهُ يَصِحُّ إذَا وُكِّلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ فَيَشْتَرِي بَعْضَهُ وَهُوَ لِلْجَصَّاصِ وَإِذَا صَحَّ حَدِيثُ عُرْوَةَ فَالْعَمَلُ بِهِ هُوَ الرَّاجِحُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْأُضْحِيَّةِ وَإِنْ
стр. 681
٧٧٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
٧٧٤ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ غَرَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ.
تَعَيَّنَتْ بِالشِّرَاءِ لِإِبْدَالِ الْمِثْلِ وَلَا تَطِيبُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ وَلِذَا أَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا وَفِي دُعَائِهِ ﷺ لَهُ بِالْبَرَكَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شُكْرَ الصَّنِيعِ لِمَنْ فَعَلَ الْمَعْرُوفَ وَمُكَافَأَتَهُ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَوْ بِالدُّعَاءِ.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ. وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضَرْعِهَا. وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ. وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ. وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ. وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَشَهْرٌ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ كَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ عَدِيٍّ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ شَهْرٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَقَوِيٌّ أَمْرُهُ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ مَا أَحْسَنَ حَدِيثَهُ.
وَالْحَدِيثُ اشْتَمَلَ عَلَى سِتِّ صُوَرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا: (الْأُولَى) بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ الْحَيَوَانِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
(وَالثَّانِيَةُ) اللَّبَنُ فِي الضُّرُوعِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(وَالثَّالِثَةُ) الْعَبْدُ الْآبِقُ وَذَلِكَ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ.
(وَالرَّابِعَةُ) شِرَاءُ الْمَغَانِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْمِلْكِ.
(وَالْخَامِسَةُ) شِرَاءُ الصَّدَقَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ بَيْعَ الْمُصَدِّقِ لِلصَّدَقَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّخْلِيَةَ كَالْقَبْضِ فِي حَقِّهِ.
(السَّادِسَةُ) ضَرْبَةُ الْغَائِصِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَغُوصُ فِي الْبَحْرِ غَوْصَةً بِكَذَا فَمَا خَرَجَ فَهُوَ لَك وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْغَرَرُ.
(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ -
стр. 682
٧٧٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ لِعِكْرِمَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
«لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ) وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَقَدْ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ غَرَرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَخْفَى فِي الْمَاءِ حَقِيقَتُهُ وَيُرَى الصَّغِيرُ كَبِيرًا وَعَكْسُهُ، وَظَاهِرُهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَفَصَّلَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا إنْ كَانَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِتَصَيُّدٍ، وَيَجُوزُ عَدَمُ أَخْذِهِ فَالْبَيْعُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ فِي مَاءٍ لَا يَفُوتُ فِيهِ وَيُؤْخَذُ بِتَصَيُّدٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَصَيُّدٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ يُؤْخَذُ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَالتَّعْلِيلُ الْمُقْتَضِي لِلْإِلْحَاقِ يُخَصِّصُ عُمُومَ النَّهْيِ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعِمَ» بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ يَبْدُو صَلَاحُهَا «وَلَا يُبَاعُ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ لِعِكْرِمَةَ) وَهُوَ الرَّاجِحُ (وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ) وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ. اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ: (الْأُولَى) النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَيَطِيبَ أَكْلُهَا وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
(وَالثَّانِيَةُ) النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَيَقَعُ الْإِضْرَارُ بِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ فَيَصِحُّ كَمَا صَحَّ مِنْ الْمَذْبُوحِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ قَالُوا: وَالْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَالْحَدِيثُ قَدْ تَعَاضَدَ فِيهِ الْمُرْسَلُ وَالْمَوْقُوفُ وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ الْغَرَرِ وَالْغَرَرُ حَاصِلٌ فِيهِ
стр. 683
٧٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
٧٧٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
(وَالثَّالِثَةُ) النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إلَى جَوَازِهِ قَالَ لِأَنَّهُ ﵌ سَمَّى الضَّرْعَ خِزَانَةً فِي قَوْلِهِ فِيمَنْ يَحْلُبُ شَاةَ أَخِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إلَى خِزَانَةِ أَخِيهِ وَيَأْخُذُ مَا فِيهَا» وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ خِزَانَةً مَجَازٌ وَلَئِنْ سَلَّمَ فَبَيْعُ مَا فِي الْخِزَانَةِ بَيْعُ غَرَرٍ وَلَا يَدْرِي بِكَمِّيَّتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ» الْمُرَادُ بِهِمَا مَا فِي بُطُونِ الْإِبِلِ (وَالمَلَاقِيحُ) هُوَ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ (رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ) لِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ صَالِحَ بْنَ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلًا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَوَصَلَهُ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ الصَّحِيحُ وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَهُوَ إجْمَاعٌ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) وَهُوَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ «مَنْ
стр. 684
٧٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ: هُوَ عَلَى شَرْطِهِمَا وَفِي الْبَابِ مَا يَشُدُّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ الْإِقَالَةِ وَحَقِيقَتُهَا شَرْعًا رَفْعُ الْعَقْدِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ إجْمَالًا، وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا وَهُوَ أَقَلْت، أَوْ مَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ عُرْفًا، وَلِلْإِقَالَةِ شَرَائِطُ ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ لِقَوْلِهِ بَيْعَتَهُ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمُقَالِ مُسْلِمًا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ حُكْمًا أَغْلَبِيًّا وَإِلَّا فَثَوَابُ الْإِقَالَةِ ثَابِتٌ فِي إقَالَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ.
بَابُ الْخِيَارِ
الْخِيَارُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ اسْمٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ أَوْ التَّخْيِيرِ وَهُوَ طَلَبُ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخِهِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ خِيَارَ الشَّرْطِ وَخِيَارَ الْمَجْلِسِ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ» أَيْ أَوْقَعَا الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا لَا تَسَاوُمًا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ «فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» وَفِي لَفْظٍ يَفْتَرِقَا وَالْمُرَادُ بِالْأَبْدَانِ (وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ) مِنْ التَّخْيِيرِ (أَحَدُهُمَا الْآخَرَ) فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَيْ إذَا اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَإِنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْقَضِي بِالتَّفَرُّقِ بَلْ يَبْقَى حَتَّى تَمْضِي مُدَّةُ الْخِيَارِ الَّتِي شَرَطَهَا وَقِيلَ: الْمُرَادُ إذَا اخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ وَبَطَلَ اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» أَيْ نَفَذَ وَتَمَّ (وَإِنْ تَفَرَّقَا) بِالْأَبْدَانِ (بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا) أَيْ عَقَدَا عَقْدَ الْبَيْعِ «وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ وَأَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يَحْصُلَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ وَقَدْ اخْتَلَفَ
стр. 685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْعُلَمَاءُ فِي ثُبُوتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ ثُبُوتُهُ وَهُوَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ﵇ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْإِمَامُ يَحْيَى قَالُوا: وَالتَّفَرُّقُ الَّذِي يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ مَا يُسَمَّى عَادَةً تَفَرُّقًا فَفِي الْمَنْزِلِ الصَّغِيرِ بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا وَفِي الْكَبِيرِ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَجْلِسِهِ إلَى آخَرَ بِخُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا تَفَرُّقٌ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ، فَإِنْ قَامَا مَعًا أَوْ ذَهَبَا مَعًا فَالْخِيَارُ بَاقٍ وَهَذَا الْمَذْهَبُ دَلِيلُهُ هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ.
(الْقَوْلُ الثَّانِي) لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ وَالْإِمَامِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ خَيْرُ الْمَجْلِسِ بَلْ مَتَى تَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ بِالْقَوْلِ فَلَا خِيَارَ إلَّا مَا شُرِطَ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ قَالُوا: وَالْإِشْهَادُ إنْ وَقَعَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لَمْ يُطَابِقْ الْأَمْرَ، وَإِنْ وَقَعَ قَبْلَهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ، وَحَدِيثُ «إذَا اخْتَلَفَ الْبَيْعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ» وَلَمْ يُفَصِّلْ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ مُطْلَقَةٌ قُيِّدَتْ بِالْحَدِيثِ، وَكَخِيَارِ الْمَجْلِسِ كَمَا لَا يُنَافِيهِ سَائِرُ الْخِيَارَاتِ قَالُوا: وَالْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَالْخِيَارُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ يُفِيدُ الشَّرْطَ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النُّسَخِ وَلَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ قَالُوا وَلِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُخَالِفَةَ الرَّاوِي لَا تُوجِبُ عَدَمَ الْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ لِأَنَّ عَمَلَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ مَا هُوَ أَرْجَحُ عِنْدَهُ مِمَّا رَوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرْجَحُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَالُوا: وَحَدِيثُ الْبَابِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُتَسَاوِمَيْنِ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الْبَائِعِ فِي الْمُسَاوِمِ شَائِعٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وَعُورِضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَيْضًا حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِيِّ، عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ هُوَ بَعْدَ تَمَامِ الصِّيغَةِ وَقَدْ مَضَى فَهُوَ مَجَازٌ فِي الْمَاضِي، وَرُدَّتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْمَاضِي بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ بِخِلَافِ الْمُسْتَقْبِلِ فَمَجَازٌ اتِّفَاقًا قَالُوا: الْمُرَادُ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّفَرُّقِ فِيهَا هُوَ مَا بَيْنَ قَوْلِ الْبَائِعِ بِعْتُكَ بِكَذَا أَوْ قَوْلِ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت قَالُوا: فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي قَوْلِهِ اشْتَرَيْت أَوْ تَرْكِهِ، وَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ إلَى أَنْ يُوجِبَ
стр. 686
٧٧٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ»
الْمُشْتَرِي، وَلَا يَخْفَى رَكَاكَةُ هَذَا الْقَوْلِ وَبُطْلَانُهُ فَإِنَّهُ إلْغَاءٌ لِلْحَدِيثِ عَنْ الْفَائِدَةِ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ يَقِينًا أَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْخِيَارِ إذْ لَا عَقْدَ بَيْنَهُمَا، فَالْإِخْبَارُ بِهِ لَاغٍ عَنْ الْإِفَادَةِ، وَيَرُدُّهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ كَمَا لَا يَخْفَى فَالْحَقُّ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا مُعَارَضَةُ حَدِيثِ الْبَابِ بِالْحَدِيثِ الْآتِي:
٧٧٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَفِي رِوَايَةٍ «حَتَّى يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا» وَهُوَ قَوْلُهُ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَفِي الرِّوَايَةِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا وَبِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَمْرٍو وَبِلَفْظِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» قَالُوا: فَقَوْلُهُ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ دَالٌّ عَلَى نُفُوذِ الْبَيْعِ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْفَسْخُ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الِاسْتِقَالَةُ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ لِلْمُفَارِقَةِ مَعْنًى فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى الْفَسْخِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخَ الْمَبِيعِ، فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِقَالَةِ فَسْخُ النَّادِمِ وَحَمَلُوا نَفْيَ الْحِلِّ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَةِ الْمُسْلِمِ لَا أَنَّ اخْتِيَارَ الْفُسَخِ حَرَامٌ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ أَنْ يُتِمَّ بَيْعَتَهُ قَامَ يَمْشِي هُنَيْهَةً فَرَجَعَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ حَمْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو هَذَا عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَقْوَالِ تَذْهَبُ مَعَهُ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مَعَهُ حِلُّ التَّفَرُّقِ سَوَاءٌ خَشِيَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ أَوْ لَا لِأَنَّ الْإِقَالَةَ تَصِحُّ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَبَعْدَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ أَكْثَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ مِنْ الْكَلَامِ بِرَدِّ الْحَدِيثِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ وَأَكْثَرُهُ
стр. 687
٧٨٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ: إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا ثَبَتَ لَفْظُ مَكَانِهِمْ لَمْ يَبْقَ لِلتَّأْوِيلِ مَجَالٌ، وَبَطَلَ بُطْلَانًا ظَاهِرًا حَمْلُهُ عَلَى تَفَرُّقِ الْأَقْوَالِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ ذَكَرَ رَجُلٌ) هُوَ حِبَّانُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ابْنُ مُنْقِذٍ (لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ «إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ» بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ بِمُوَحَّدَةٍ: أَيْ لَا خَدِيعَةَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ وَعَبْدِ الْأَعْلَى عَنْهُ «ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ فَبَقِيَ ذَلِكَ الرَّجُلُ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَانَ عُثْمَانَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَكَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ، فَكَانَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ غُبِنْت فِيهِ رَجَعَ فَيَشْهَدُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثًا، فَيَرُدُّ لَهُ دَرَاهِمَهُ»، وَالْحَدِيثُ.
دَلِيلٌ عَلَى خِيَارِ الْغَبْنِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إذَا حَصَلَ الْغَبْنُ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ بِالْغَبْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْغَبْنُ فَاحِشًا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ يَبْلُغَ الْغَبْنُ ثُلُثَ الْقِيمَةِ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا التَّقْيِيدَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ مُطْلَقِ الْغَبْنِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي الْعَادَةِ وَأَنَّهُ مَنْ رَضِيَ بِالْغَبْنِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى غَبْنًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّسَاهُلِ فِي الْبَيْعِ الَّذِي أَثْنَى ﷺ عَلَى فَاعِلِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرَّجُلَ سَهْلَ الْبَيْعِ سَهْلَ الشِّرَاءِ.
وَذَهَبَتْ الْجَمَاهِيرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى عَدَمِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِالْغَبْنِ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الْبَيْعِ وَنُفُوذِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْغَبْنِ أَوَّلًا قَالُوا: وَحَدِيثُ الْبَابِ إنَّمَا كَانَ الْخِيَارُ فِيهِ لِضَعْفِ عَقْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ إلَّا أَنَّهُ ضَعْفٌ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ حَدِّ التَّمْيِيزِ فَتَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ مَعَ الْغَبْنِ قُلْتُ: وَيَدُلُّ لِضَعْفِ عَقْلِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ " أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُبَايِعُ وَكَانَ فِي عَقْلِهِ " أَيْ أَدْرَكَهُ " ضَعْفٌ " وَلِأَنَّهُ لَقَّنَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ لَا خِلَابَةَ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الْخِدَاعِ فَكَانَ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْخِدَاعِ لِيَكُونَ مِنْ بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّ الْخَدِيعَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي الْغَيْبِ أَوْ فِي الْمِلْكِ أَوْ فِي الثَّمَنِ أَوْ فِي الْغَبْنِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي الْغَبْنِ بِخُصُوصِهِ، وَهِيَ قِصَّةٌ
стр. 688
٧٨١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ - وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ (عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ)
خَاصَّةٌ لَا عُمُومَ فِيهَا.
قُلْت فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ إنَّهُ شَكَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا يَلْقَى مِنْ الْغَبْنِ وَهِيَ تَرُدُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ إذَا قَالَ الرَّجُلُ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي لَا خِلَابَةَ ثَبَتَ الْخِيَارُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَبْنٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ يُغْبَنُ وَأَثْبَتَ الْهَادَوِيَّةُ الْخِيَارَ بِالْغَبْنِ فِي صُورَتَيْنِ الْأُولَى مَنْ تَصَرَّفَ عَنْ الْغَيْرِ، وَالثَّانِيَةُ فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ مُحْتَجِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ دَلِيلٌ لَهُمْ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ فِي عَقْلِهِ ضَعْفٌ دُونَ الْأُولَى.
بَابُ الرِّبَا
الرِّبَا بِكَسْرِ الرَّاءِ مَقْصُورَةٍ مِنْ رَبَا يَرْبُو وَيُقَالُ الرَّمَاءُ بِالْمِيمِ وَالْمَدِّ بِمَعْنَاهُ، وَالرُّبْيَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ وَيُطْلَقُ الرِّبَا عَلَى كُلِّ بَيْعٍ مُحَرَّمٍ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيلِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ وَذَمِّ فَاعِلِهِ وَمَنْ أَعَانَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَوَرَدَتْ بِلَعْنِهِ وَمِنْهَا.
(عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ) أَيْ دَعَا عَلَى الْمَذْكُورِينَ بِالْإِبْعَادِ عَنْ الرَّحْمَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى إثْمِ مَنْ ذَكَرَ وَتَحْرِيمِ مَا تَعَاطَوْهُ وَخَصَّ الْأَكْلَ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ فِي الِانْتِفَاعِ، وَغَيْرُهُ مِثْلُهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ مُوكِلِهِ الَّذِي أَعْطَى الرِّبَا لِأَنَّهُ مَا تَحَصَّلَ الرِّبَا إلَّا مِنْهُ فَكَانَ دَاخِلًا فِي الْإِثْمِ. وَإِثْمُ الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدَيْنِ لِإِعَانَتِهِمْ عَلَى الْمَحْظُورِ، وَذَلِكَ إذَا قَصَدَا وَعَرَفَا بِالرِّبَا وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ لَعْنُ الشَّاهِدِ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إرَادَةِ الْجِنْسِ. فَإِنْ قُلْتَ حَدِيثُ «اللَّهُمَّ مَا لَعَنْت مِنْ لَعْنَةٍ فَاجْعَلْهَا رَحْمَةً» أَوْ نَحْوُهُ وَفِي لَفْظٍ " مَا لَعَنْت فَعَلَى
стр. 689
٧٨٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا، وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَصَحَّحَهُ.
٧٨٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مَنْ لَعَنْت " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ اللَّعْنُ مِنْهُ ﷺ عَلَى التَّحْرِيمِ وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَ قُلْت: ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ مَنْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَ غَيْرَ فَاعِلٍ لِمُحَرَّمٍ مَعْلُومٍ أَوْ كَانَ اللَّعْنُ فِي حَالِ غَضَبٍ مِنْهُ ﷺ .
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا فِي الْإِثْمِ مِثْلَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَصَحَّحَهُ) وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ، وَقَدْ فَسَّرَ الرِّبَا فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ: السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ الرِّبَا عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا الْمَعْرُوفَةِ وَتَشْبِيهُ أَيْسَرِ الرِّبَا بِإِتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِقْبَاحِ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْلِ.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا» بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ فَفَاءٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ لَا تُفَضِّلُوا «بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» بِالْجِيمِ وَالزَّايِ أَيْ حَاضِرٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا
стр. 690
٧٨٤ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
لِقَوْلِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَبِيعُوا ذَلِكَ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَيْ مُتَسَاوِيَيْنِ قَدْرًا وَزَادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ وَلَا تُشِفُّوا أَيْ لَا تُفَاضِلُوا وَهُوَ مِنْ الشِّفِّ بِكَسْرِ الشِّينِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ هُنَا. وَإِلَى مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ ذَهَبَتْ الْجُلَّةُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعِتْرَةِ وَالْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيمَا ذَكَرَ غَائِبًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الرِّبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ مُسْتَدِلِّينَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا رِبَا أَشَدُّ إلَّا فِي النَّسِيئَةِ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ الْكَمَالِ لَا نَفْيُ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ مَفْهُومٌ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مَنْطُوقٌ وَلَا يُقَاوِمُ الْمَفْهُومُ الْمَنْطُوقَ فَإِنَّهُ مُطْرَحٌ مَعَ الْمَنْطُوقِ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَيْ بِأَنَّهُ لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ.
وَلَفْظُ الذَّهَبِ عَامٌّ لِجَمِيعِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَضْرُوبٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْوَرِقِ وَقَوْلُهُ لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ الْمُرَادُ بِالْغَائِبِ مَا غَابَ عَنْ مَجْلِسِ الْبَيْعِ مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ لَا وَالنَّاجِزُ الْحَاضِرُ.
(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) لَا يَخْفَى مَا أَفَادَهُ مِنْ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَسَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيمَا اتَّفَقَا جِنْسًا مِنْ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا النَّصُّ. وَإِلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا ذَهَبَتْ الْأُمَّةُ كَافَّةً وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى ثُبُوتِهِ فِيمَا عَدَاهَا مِمَّا شَارَكَهَا فِي الْعِلَّةِ وَلَكِنْ لَمْ يَجِدُوا عِلَّةً مَنْصُوصَةً اخْتَلَفُوا فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا يَقْوَى لِلنَّاظِرِ الْعَارِفِ أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الظَّاهِرِيَّةُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجْرِي الرِّبَا إلَّا فِي السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَقَدْ أَفْرَدْنَا
стр. 691
٧٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ. وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٧٨٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَفْعَلْ، بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ " وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ ".
الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ سَمَّيْتُهَا (الْقَوْلَ الْمُجْتَبَى) وَاعْلَمْ أَنَّهُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ رِبَوِيٍّ بِرِبَوِيٍّ لَا يُشَارِكُهُ فِي الْجِنْسِ مُؤَجَّلًا وَمُتَفَاضِلًا كَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْحِنْطَةِ وَالْفِضَّةِ بِالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَكِيلِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ وَأَحَدُهُمَا مُؤَجَّلٌ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ «مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِ التَّقْدِيرِ بِالْوَزْنِ لَا بِالْخَرْصِ وَالتَّخْمِينِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ الَّذِي يَحْصُلُ بِالْوَزْنِ وَقَوْلُهُ فَمَنْ زَادَ أَيْ أَعْطَى الزِّيَادَةَ أَوْ اسْتَزَادَ أَيْ طَلَبَ الزِّيَادَةَ فَقَدْ أَرْبَى أَيْ فَعَلَ الرِّبَا الْمُحَرَّمَ وَاشْتَرَكَ فِي إثْمِهِ الْآخِذُ وَالْمُعْطِي.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا» اسْمُهُ سَوَادُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ ابْنُ غَزِيَّةَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بِزِنَةِ عَطِيَّةَ وَهُوَ مِنْ الْأَنْصَارِ «عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ» بِالْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ وَالنُّونِ بِزِنَةِ عَظِيمٍ يَأْتِي بَيَانُ مَعْنَاهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ» بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ التَّمْرُ الرَّدِيءُ (بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ
стр. 692
٧٨٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
جَنِيبًا وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ) الْجَنِيبُ قِيلَ الطَّيِّبُ، وَقِيلَ الصُّلْبُ وَقِيلَ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ حَشَفُهُ وَرَدِيئُهُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ، وَقَدْ فُسِّرَ الْجَمْعُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا وَفَسَّرَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِأَنَّهُ الْخَلْطُ مِنْ التَّمْرِ وَمَعْنَاهُ مَجْمُوعٌ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْجِنْسِ بِجِنْسِهِ يَجِبُ فِيهِ التَّسَاوِي سَوَاءٌ اتَّفَقَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ أَوْ اخْتَلَفَا وَأَنَّ الْكُلَّ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَقَوْلُهُ: وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْ قَالَ فِيمَا كَانَ يُوزَنُ إذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ مِثْلَ مَا قَالَ فِي الْمَكِيلِ إنَّهُ لَا يُبَاعُ مُتَفَاضِلًا، وَإِذَا أُرِيدَ مِثْلُ ذَلِكَ بِيعَ بِالدَّرَاهِمِ وَشُرِيَ مَا يُرَادُ بِهَا، وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ. وَاحْتَجَّتْ الْحَنَفِيَّةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ مَكِيلًا لَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ بِالْوَزْنِ مُتَسَاوِيًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ كَيْلِهِ وَتَسَاوِيهِ كَيْلًا، وَكَذَلِكَ الْوَزْنُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَا كَانَ أَصْلُهُ الْوَزْنَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُبَاعَ بِالْكَيْلِ، بِخِلَافِ مَا كَانَ أَصْلُهُ الْكَيْلَ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُجِيزُ فِيهِ الْوَزْنَ وَيَقُولُ: إنَّ الْمُمَاثَلَةَ تُدْرَكُ بِالْوَزْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَغَيْرُهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ بِعَادَةِ الْبَلَدِ، وَلَوْ خَالَفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعَادَةُ اُعْتُبِرَ بِالْأَغْلَبِ، فَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمَكِيلِ إذَا بِيعَ بِالْكَيْلِ، وَإِنْ بِيعَ بِالْوَزْنِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمَوْزُونِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ بِرَدِّ الْبَيْعِ بَلْ ظَاهِرُهَا أَنَّهُ قَرَّرَهُ وَإِنَّمَا أَعْلَمَهُ بِالْحُكْمِ وَعَذَرَهُ لِلْجَهْلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ سُكُوتَ الرَّاوِي عَنْ رِوَايَةِ فَسْخِ الْعَقْدِ وَرَدَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَصْرَةَ عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ: هَذَا الرِّبَا فَرَدَّهُ قَالَ وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَأَنَّ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا الرَّدُّ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّرْفِيهِ عَلَى النَّفْسِ بِاخْتِيَارِ الْأَفْضَلِ
٧٨٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ» بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: الطَّعَامُ الْمُجْتَمِعِ «مِنْ التَّمْرِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّسَاوِي بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ وَتَقَدَّمَ اشْتِرَاطُهُ وَهُوَ وَجْهُ النَّهْيِ.
стр. 693
٧٨٨ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: إنِّي كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٧٨٩ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: «اشْتَرَيْت يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ. فَفَصَلْتهَا فَوَجَدْت فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ إنِّي كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ظَاهِرُ لَفْظِ الطَّعَامِ أَنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ مَطْعُومٍ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ مُتَفَاضِلًا وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ أَحَدٌ بِالْعُمُومِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّ مَعْمَرًا خَصَّ الطَّعَامَ بِالشَّعِيرِ وَهَذَا مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْعَادَةِ الْفِعْلِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يَغْلِبْ الِاسْمُ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى التَّخْصِيصِ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ. وَالْجُمْهُورُ لَا يُخَصِّصُونَ بِهَا إلَّا إذَا اقْتَضَتْ غَلَبَةُ الِاسْمِ وَإِلَّا حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى الْعُمُومِ، وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» بَعْدَ عَدِّهِ لِلْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا صِنْفَانِ وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَقَالُوا: هُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ مُتَفَاضِلًا، وَسَبَقَهُمْ إلَى ذَلِكَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَاوِي الْحَدِيثِ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْهُ أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ فَقَالَ بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ لِمَ فَعَلَتْ ذَلِكَ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ وَلَا تَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فَقِيلَ لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ فَقَالَ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ اجْتِهَادٌ مِنْهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَنَصُّ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُ وَهُمَا يَدًا بِيَدٍ».
(وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: «اشْتَرَيْت يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ فَفَصَلْتهَا فَوَجَدْت فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ
стр. 694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ﷺ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يُوجِبُ ضَعْفًا بَلْ النَّصُّ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ مَحْفُوظٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُفْصَلْ، وَأَمَّا جِنْسُهَا وَقَدْرُ ثَمَنِهَا فَلَا يَتَلَقَّ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَا يُوجِبُ الِاضْطِرَابَ وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي التَّرْجِيحُ بَيْنَ رُوَاتِهَا وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ ثِقَاتٍ فَيُحْكَمُ بِصِحَّةِ رِوَايَةِ أَحْفَظِهِمْ وَأَضْبَطِهِمْ فَتَكُونُ رِوَايَةُ الْبَاقِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ شَاذَّةً وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ يُجَابُ بِهِ فِيمَا يُشَابِهُ هَذَا، مِثْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقِصَّةُ جَمَلِهِ وَمِقْدَارُ ثَمَنِهِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ مَعَ غَيْرِهِ بِذَهَبٍ حَتَّى يُفْصَلَ وَيُبَاعَ الذَّهَبُ بِوَزْنِهِ ذَهَبًا، وَيُبَاعَ الْآخَرُ بِمَا زَادَ، وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ» فَصَرَّحَ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّدَارُكُ لَهُ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ إلَى الْعَمَلِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ وَقَالُوا بِجَوَازِ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ وَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِدُونِهِ قَالُوا: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَصَلَ الذَّهَبُ فِي مُقَابَلَةِ الذَّهَبِ، وَالزَّائِدُ مِنْ الذَّهَبِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُصَاحِبِ لَهُ فَصَحَّ الْعَقْدُ، قَالُوا: لِأَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ الْعَقْدُ وَجْهَ صِحَّةٍ وَبُطْلَانٍ حُمِلَ عَلَى الصِّحَّةِ قَالُوا: وَحَدِيثُ الْقِلَادَةِ الذَّهَبُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا (لِأَنَّهَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ فِي مُسْلِمٍ وَصَحَّحَهَا أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ) وَلَفْظُهَا قِلَادَةٌ فِيهَا اثْنَا عَشَرَ دِينَارًا وَهِيَ أَيْضًا كَرِوَايَةِ الْأَكْثَرِ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الْمُصَاحِبِ لِيَكُونَ مَا زَادَ مِنْ الْمُنْفَرِدِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُصَاحِبِ. وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عِلَّةِ النَّهْيِ وَهُوَ عَدَمُ الْفَصْلِ حَيْثُ قَالَ لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ فِي الْمُسَاوِي وَغَيْرِهِ، فَالْحَقُّ مَعَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَلَعَلَّ وَجْهَ حِكْمَةِ النَّهْيِ هُوَ سَدُّ الذَّرِيعَةِ إلَى وُقُوعِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الرِّبَوِيِّ وَلَا يَكُونُ إلَّا بِتَمْيِيزِهِ بِفَصْلٍ وَاخْتِيَارِ الْمُسَاوَاةِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ وَعَدَمِ الْكِفَايَةِ بِالظَّنِّ فِي التَّغْلِيبِ وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالذَّهَبِ إذَا كَانَ الذَّهَبُ فِي الْبَيْعِ تَابِعًا لِغَيْرِهِ وَقَدَّرَهُ بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ، وَعَلَّلَ لِقَوْلِهِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْجِنْسُ الْمُقَابَلُ بِجِنْسِهِ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ فَهُوَ مَغْلُوبٌ وَمَكْثُورٌ لِلْجِنْسِ الْمُخَالِفِ، وَالْأَكْثَرُ يُنَزَّلُ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ مَنْزِلَةَ الْكُلِّ
стр. 695
٧٩٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْجَارُودِ
فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ ذَلِكَ الْجِنْسَ بِجِنْسِهِ، وَلَا تَخْفَى رِكَّتُهُ وَضَعْفُهُ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ الْقَوْلُ الرَّابِعُ وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِهِ بِالذَّهَبِ مُطْلَقًا مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَلَعَلَّ قَائِلَهُ مَا عَرَفَ حَدِيثَ الْقِلَادَةِ.
(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْجَارُودِ) وَأَخْرُجهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ رَجَّحُوا إرْسَالَهُ لِمَا فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ مِنْ النِّزَاعِ لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ إرْسَالَهُ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَالطَّحَاوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ يُعَضِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ رِوَايَةُ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَعِيرًا بِكْرًا وَقَضَى رُبَاعِيًّا» وَسَيَأْتِي فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَمُرَةَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ أَنْ يَكُونَ نَسِيئَةً مِنْ الطَّرَفَيْنِ مَعًا فَيَكُونُ مِنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنْهُ وَقَدْ أَمْكَنَ بِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ آثَارٌ عَنْ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ قَالَ اشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوفِيهَا صَاحِبُهَا بِالرَّبَذَةِ، وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ وَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا وَقَالَ آتِيكَ بِالْآخِرِ غَدًا وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لَا رِبَا فِي الْبَعِيرِ بِالْبَعِيرَيْنِ وَالشَّاةِ بِالشَّاتَيْنِ إلَى أَجْلٍ وَاعْلَمْ أَنَّ الْهَادَوِيَّةَ يُعَلِّلُونَ مَنْعَ بَيْعِ الْحَيَوَانِ الْمَوْجُودِ بِالْحَيَوَانِ الْمَفْقُودِ بِأَنَّ الْمَبِيعَ الْقِيَمِيَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ لَهُ، وَالْحَيَوَانُ قِيَمِيُّ مَبِيعٌ مُطْلَقًا فَيَجِبُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا مَجْلِسَ الْعَقْدِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَمَيِّزًا عِنْدَ الْبَائِعِ إمَّا بِإِشَارَةٍ أَوْ لَقَبٍ أَوْ وَصْفٍ، وَكَذَلِكَ عَلَّلُوا مَنْعَ قَرْضِ الْحَيَوَانِ
стр. 696
٧٩١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.
بِعَدَمِ إمْكَانِ ضَبْطِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ يَزْعُمُونَ نَسْخَهُ وَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ وَالتِّسْعِينَ وَالسَّبْعِمِائَةِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ: إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ» بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ «وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا» بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْكَسْرِ الِاسْتِهَانَةُ وَالضَّعْفُ «لَا يَنْزِعُهُ شَيْءٌ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ) لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيَّ اسْمُهُ إِسْحَاقُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ: هَذَا مِنْ مَنَاكِيرِهِ (وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَعِنْدِي أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مَعْلُولٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءٍ وَعَطَاءٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ فَيَكُونُ مِنْ تَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ بِإِسْقَاطِ نَافِعٍ بَيْنَ عَطَاءٍ وَابْنِ عُمَرَ فَيُرْجَعُ إلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ اهـ، وَالْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ عَدِيدَةٌ عَقَدَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بَابًا وَبَيَّنَ عِلَلَهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْعَ الْعِينَةِ هُوَ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْ الْمُشْتَرِي بِأَقَلَّ لِيَبْقَى الْكَثِيرُ فِي ذِمَّتِهِ، وَسُمِّيَتْ عِينَةً لِحُصُولِ الْعَيْنِ أَيْ النَّقْدِ فِيهَا وَلِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْبَائِعِ عَيْنُ مَالِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا الْبَيْعِ. وَذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ قَالُوا: وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَقْصَدِ الشَّارِعِ مِنْ الْمَنْعِ عَنْ الرِّبَا، وَسَدُّ الذَّرَائِعِ مَقْصُودٌ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِأَنَّ بَعْضَ صُوَرِ هَذَا الْبَيْعِ تُؤَدِّي إلَى بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا وَيَكُونُ الثَّمَنُ لَغْوًا، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بِجَوَازِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ «بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» قَالَ فَإِنَّهُ
стр. 697
٧٩٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
دَالٌّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْعِينَةِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ الْبَائِعُ لَهُ وَيَعُودُ لَهُ عَيْنُ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَفْصِلْ ذَلِكَ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ. وَأُيِّدَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ قَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ الْبَائِعِ بَعْدَ مُدَّةٍ لَا لِأَجْلِ التَّوَصُّلِ إلَى عَوْدِهِ إلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ. وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ: يَجُوزُ الْبَيْعُ مِنْ الْبَائِعِ إذَا كَانَ غَيْرَ حِيلَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيلِ وَبِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ وُجُودُ الشَّرْطِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَعَدَمِهِ، فَإِذَا كَانَ مَشْرُوطًا عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى عَوْدِهِ إلَى الْبَائِعِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ أَوْ بَاطِلٌ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ مُضْمَرًا غَيْرَ مَشْرُوطٍ فَهُوَ صَحِيحٌ وَلَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ: حَدِيثُ الْعِينَةِ فِيهِ مَقَالٌ فَلَا يَنْهَضُ دَلِيلًا عَلَى التَّحْرِيمِ. وَقَوْلُهُ «وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ» كِنَايَةٌ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْجِهَادِ بِالْحَرْثِ. وَالرِّضَا بِالزَّرْعِ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قَدْ صَارَ هَمُّهُمْ وَهِمَّتُهُمْ. وَتَسْلِيطُ اللَّهِ كِنَايَةٌ عَنْ جَعْلِهِمْ أَذِلَّاءَ بِالتَّسْلِيطِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ، وَقَوْلُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ أَيْ تَرْجِعُوا إلَى الِاشْتِغَالِ بِأَعْمَالِ الدَّيْنِ، وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَةُ زَجْرٌ بَالِغٌ وَتَقْرِيعٌ شَدِيدٌ حَتَّى جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْجِهَادِ.
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ فِي مُقَابَلَةِ الشَّفَاعَةِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءُ كَانَ قَاصِدًا لِذَلِكَ عِنْدَ الشَّفَاعَةِ أَوْ غَيْرَ قَاصِدٍ لَهَا وَتَسْمِيَتُهُ رِبًا مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَالِ مِنْ الْغَيْرِ لَا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ وَهَذَا مِثْلُهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَتْ الشَّفَاعَةُ فِي وَاجِبٍ كَالشَّفَاعَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فِي إنْقَاذِ الْمَظْلُومِ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ أَوْ كَانَتْ فِي مَحْظُورٍ كَالشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ فِي تَوْلِيَةِ ظَالِمٍ عَلَى الرَّعِيَّةِ فَإِنَّهَا فِي الْأُولَى وَاجِبَةٌ فَأَخْذُ الْهَدِيَّةِ فِي مُقَابِلِهَا مُحَرَّمٌ، وَالثَّانِيَةُ مَحْظُورَةٌ فَقَبْضُهَا فِي مُقَابِلِهَا مَحْظُورٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الشَّفَاعَةُ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ فَلَعَلَّهُ
стр. 698
٧٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
٧٩٤ - وَعَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا. فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: فَكُنْت آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
جَائِزٌ أَخْذُ الْهَدِيَّةِ لِأَنَّهَا مُكَافَأَةٌ عَلَى إحْسَانٍ غَيْرِ وَاجِبٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا تَحْرُمُ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ مُكَافَأَةٌ. وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ لِأَنَّهُ رَوَاهُ الْقَاسِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَاهُمْ الْأُمَوِيُّ الشَّامِيُّ فِيهِ مَقَالٌ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (قُلْت) فِي الْمِيزَانِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ أَعَاجِيبَ وَمَا أَرَاهَا إلَّا مِنْ قِبَلِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ كَانَ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُعْضِلَاتِ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثِقَةٌ انْتَهَى.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْقَضَاءِ وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْأَحْكَامِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَبْوَابِ الرِّبَا لِأَنَّهُ أَفَادَ لَعْنَ مَنْ ذَكَرَ لِأَجْلِ أَخْذِ الْمَالِ الَّذِي يُشْبِهُ الرِّبَا كَذَلِكَ أَخْذُ الرِّبَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَعْنُ آخِذِهِ أَوَّلَ الْبَابِ، وَحَقِيقَةُ اللَّعْنِ الْبَعْدُ عَنْ مَظَانِّ الرَّحْمَةِ وَمَوَاطِنِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ اللَّعْنُ عَنْهُ ﷺ لِأَصْنَافٍ كَثِيرَةٍ تَزِيدُ عَلَى الْعِشْرِينَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ لَعْنِ الْعُصَاةِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ «الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ» فَالْمُرَادُ بِهِ لَعْنُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ مِمَّنْ لَمْ يَلْعَنْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ أَوْ لَيْسَ بِالْكَثِيرِ اللَّعْنِ كَمَا تُفِيدُهُ صِيغَةُ فَعَّالٍ وَالرَّاشِي هُوَ الَّذِي يَبْذُلُ الْمَالَ لِيَتَوَصَّلَ إلَى الْبَاطِلِ مَأْخُوذٌ مِنْ الرِّشَاءِ وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْمَاءِ فِي الْبِئْرِ، فَعَلَى هَذَا بَذْلُ الْمَالِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى الْحَقِّ لَا يَكُونُ رِشْوَةً وَالْمُرْتَشِي آخِذُ الرِّشْوَةِ وَهُوَ الْحَاكِمُ، وَاسْتَحَقَّا اللَّعْنَةَ جَمِيعًا لِتَوَصُّلِ الرَّاشِي بِمَالِهِ إلَى الْبَاطِلِ وَالْمُرْتَشِي لِلْحُكْمِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ زِيَادَةٌ، وَالرَّائِشُ وَهُوَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا.
стр. 699
٧٩٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَمْرٍو «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفَذَتْ الْإِبِلُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ قَالَ فَكُنْت آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لَهُ هُنَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ أَنْ لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانَاتِ وَإِلَّا فَبَابُهُ الْقَرْضُ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ وَفِيهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: (الْأَوَّلُ) جَوَازُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ ذَلِكَ إلَّا جَارِيَةً لِمَنْ يَمْلِكُ وَطْأَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَيَجُوزُ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا كَمَحَارِمِهَا وَالْمَرْأَةِ.
(الثَّانِي) يَجُوزُ مُطْلَقًا لِلْجَارِيَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ لِابْنِ جَرِيرٍ وَدَاوُد.
(الثَّالِثُ) لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَرْضُ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ وَتَقَدَّمَ دَعْوَاهُمْ النَّسْخَ وَعَدَمُ صِحَّتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الشَّرْحِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو فِي قَرْضِ الْحَيَوَانِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَرَاجَعْنَا كُتُبَ الْحَدِيثِ فَوَجَدْنَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ مَا لَفْظُهُ بَعُدَ سِيَاقِهِ بِإِسْنَادِهِ «قَالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْشٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إنَّا بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ أَفَأَبِيعُ الْبَقَرَةَ بِالْبَقَرَتَيْنِ وَالْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ وَالشَّاةَ بِالشَّاتَيْنِ فَقَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُجَهِّزَ جَيْشًا» - الْحَدِيثَ الْمَصْدَرُ فِي الْكِتَابِ، وَفِي لَفْظٍ «فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَ ظَهْرًا إلَى خُرُوجِ الْمُصَدِّقِ» فَسِيَاقُ الْأَوَّلِ وَاضِحٌ أَنَّهُ فِي بَيْعٍ، وَلَفْظُ الثَّانِي صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، إذَا عَرَفْتَ هَذَا فَحَمْلُهُ عَلَى الْقَرْضِ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّبْعِمِائَةِ وَالتِّسْعِينَ، وَقَدْ عَلِمْت مَا قِيلَ فِيهِ، وَالْأَقْرَبُ مِنْ بَابِ التَّرْجِيحِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: إنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَرْضُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ قَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ جَوَازُهُ أَيْضًا.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄) وَكَانَ قِيَاسُ قَاعِدَةِ الْمُصَنِّفِ وَعَنْهُ (قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ» وَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ «أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ».
стр. 700
٧٩٦ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ. فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
٧٩٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، يَعْنِي الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ». رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُزَابَنَةِ وَاشْتِقَاقِهَا وَوَجْهِ التَّسْمِيَةِ، وَقَوْلُهُ ثَمَرٌ بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ فَشَمِلَ الرُّطَبَ وَغَيْرَهُ وَالْمُرَادُ مَا كَانَ فِي أَصْلِهِ رُطَبًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَرَادَ بِالْكَرْمِ الْعِنَبَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْمُزَابَنَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهَا مَا فَسَّرَهَا بِهِ الصَّحَابِيُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ وَإِلَّا فَهُوَ أَعْرَفُ بِمُرَادِ الرَّسُولِ ﷺ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مُزَابَنَةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِلْحَاقِ فِي الْحُكْمِ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالتَّسَاوِي مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي الْجِنْسِ وَالتَّقْدِيرِ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ مَا أُلْحِقَ مُزَابَنَةً فَهُوَ إلْحَاقٌ فِي الِاسْمِ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ أَثْبَتَ اللُّغَةَ بِالْقِيَاسِ.
(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ قَالُوا نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) وَإِنَّمَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ عَلَّقَهُ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُسَيْنِ لِأَنَّ مَالِكًا لَقِيَ شَيْخَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنْ دَاوُد ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى التَّحْدِيثِ بِهِ عَنْ شَيْخِهِ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ. إنَّ وَالِدَهُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ بِتَعْلِيقِهِ عَنْ دَاوُد إلَّا أَنَّ سَمَاعَ وَالِدِهِ عَنْ مَالِكٍ قَدِيمٌ ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ مَالِكٌ عَنْ شَيْخِهِ فَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَمَنْ أَعَلَّهُ بِجَهَالَةِ خَالِدٍ أَبِي عَيَّاشٍ فَقَدْ رُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ إنَّهُ ثَبَتَ ثِقَةً، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَدْ رَوَى عَنْهُ ثِقَاتٌ وَقَدْ اعْتَمَدَهُ مَالِكٌ مَعَ شِدَّةِ نَقْدِهِ قَالَ الْحَاكِمُ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا طَعَنَ فِيهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِعَدَمِ التَّسَاوِي كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ يَعْنِي
стр. 701
بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الْعَرَايَا وَبَيْعِ أُصُولِ الثِّمَارِ
٧٩٨ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ «رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا».
الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ». رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ دُونِ تَفْسِيرٍ لَكِنَّ فِي إسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ أَحْمَدُ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عِنْدِي عَنْهُ وَلَا أَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ لِغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَقَالَ: مُوسَى بْنُ عُتْبَةَ فَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَتَعَجَّبَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ تَصْحِيفِهِ عَلَى الْحَاكِمِ قَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ يَصِحُّ لَكِنَّ إجْمَاعَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ مَرْفُوعٌ، وَالْكَالِئُ مِنْ كَلَأَ الدَّيْنَ كَلُوءًا فَهُوَ كَالِئٌ إذَا تَأَخَّرَ وَكَلَأْتُهُ إذَا أَنْسَأْته وَقَدْ لَا يُهْمَزُ تَخْفِيفًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ شَيْئًا إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَجِدْ مَا يَقْضِي بِهِ فَيَقُولُ بِعْنِيهِ إلَى أَجَلٍ آخَرَ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ فَيَبِيعُهُ وَلَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا تَقَابُضٌ. وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَإِذَا وَقَعَ كَانَ بَاطِلًا.
(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا» التَّرْخِيصُ فِي الْأَصْلِ: التَّسْهِيلُ وَالتَّيْسِيرُ وَفِي عُرْفِ الْمُتَشَرِّعَةِ مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ لِعُذْرٍ مَعَ بَقَاءِ دَلِيلِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ لَوْلَا ذَلِكَ الْعُذْرُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْعَرَايَا مُخَرَّجٌ مِنْ بَيْنِ الْمُحَرَّمَاتِ مَخْصُوصٌ بِالْحُكْمِ، وَقَدْ صُرِّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إلَّا الْعَرَايَا» وَفِي قَوْلِهِ فِي الْعَرَايَا مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ فِي بَيْعِ ثَمَرِ الْعَرَايَا لِأَنَّ الْعَرِيَّةَ هِيَ النَّخْلَةُ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ عَطِيَّةُ ثَمَرِ النَّخْلِ دُونَ الرَّقَبَةِ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَدْبِ يَتَطَوَّعُ أَهْلُ النَّخْلِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا ثَمَرَ لَهُ كَمَا كَانُوا يَتَطَوَّعُونَ بِمَنِيحَةِ الشَّاةِ وَالْإِبِلِ.
стр. 702
٧٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَقَالَ مَالِكٌ: الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ ثُمَّ يَتَأَذَّى الْمُعْرِي بِدُخُولِ الْمُعْرَى عَلَيْهِ فَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا أَيْ رُطَبَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ أَيْ يَابِسٍ وَقَدْ وَقَعَ اتِّفَاقُ الْجُمْهُورِ عَلَى جَوَازِ رُخْصَةِ الْعَرَايَا، وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِقَدْرِ كَيْلِهِ مِنْ التَّمْرِ خَرْصًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ:
٧٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ وَامْتِنَاعِهِ فِيمَا فَوْقَهَا، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِيهَا وَالْأَقْرَبُ تَحْرِيمُهُ فِيهَا لِحَدِيثِ جَابِرٍ سَمِعْت «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ أَذِنَ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِخَرْصِهَا يَقُولُ: الْوَسْقَ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ: الِاحْتِيَاطُ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ فَلِأَنَّ التَّرْخِيصَ إنَّمَا وَقَعَ فِي بَيْعِ مَا ذُكِرَ مَعَ عَدَمِ تَيَقُّنِ التَّسَاوِي فَقَطْ. وَأَمَّا التَّقَابُضُ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ تَرْخِيصٌ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ اعْتِبَارِهِ. وَيَدُلُّ لِاشْتِرَاطِهِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّهُ سَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَقْدَ فِي أَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا وَيَأْكُلُونَ مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولُ قُوتِهِمْ مِنْ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ» وَفِيهِ مَأْخَذٌ لِمَنْ يَشْتَرِطُ التَّقَابُضَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ وُجُودِ التَّمْرِ عِنْدَهُمْ وَجْهٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ، وَأَمَّا شِرَاءُ الرُّطَبِ بَعْدَ قَطْعِهِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ بِجَوَازِهِ كَثِيرٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إلْحَاقًا لَهُ بِمَا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ بِنَاءً عَلَى إلْغَاءِ وَصْفِ كَوْنِهِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ كَمَا بَوَّبَ بِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ لِأَنَّ مَحَلَّ الرُّخْصَةِ هُوَ الرُّطَبُ نَفْسُهُ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ أَوْ قَدْ قَطَعَ فَيَشْمَلُهُ النَّصُّ وَلَا يَكُونُ قِيَاسًا. وَلَا مَنْعَ إذْ قَدْ تَدْعُو حِكْمَةُ التَّرْخِيصِ إلَى شِرَاءِ الرُّطَبِ الْحَاصِلِ فَإِنَّهُ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي الْحَالِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُشْتَرِي تَمْرٌ فَيَأْخُذُهُ بِهِ فَيُدْفَعُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّ أَحَدَ الْمَعَانِي فِي الرُّخْصَةِ أَنْ يَأْكُلَ الرُّطَبَ عَلَى التَّدْرِيجِ طَرِيًّا، وَهَذَا الْقَصْدُ لَا يَحْصُلُ مِمَّا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
стр. 703
٨٠٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «وَكَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا».
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا» وَهِيَ الْآفَةُ وَالْعَيْبُ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يَكْفِي بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي جِنْسِ الثِّمَارِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الصَّلَاحُ مُتَلَاحِقًا وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي جِنْسِ تِلْكَ الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِأَحْمَدَ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الصَّلَاحُ فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ الْمَبِيعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ يَبْدُوَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَكَامُلُهُ فَيَكْفِي زَهْوُ بَعْضِ الثَّمَرَةِ وَبَعْضِ الشَّجَرِ مَعَ حُصُولِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْأَمَانُ مِنْ الْعَاهَةِ، وَقَدْ جَرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ لَا تَطِيبَ الثِّمَارُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِتَطُولَ مُدَّةِ التَّفَكُّهِ بِهَا وَالِانْتِفَاعِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ خُرُوجِهَا لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ، وَكَذَا بَعْدَ خُرُوجِهَا قَبْلَ نَفْعِهَا إلَّا أَنَّهُ رَوَى الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَجَازُوا بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَبَعْدَهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَأَبْطَلُوهُ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ صَلَاحِهَا فَفِيهِ تَفَاصِيلُ فَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ صَحَّ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ كَانَ بَيْعًا فَاسِدًا إنْ جُهِلَتْ الْمُدَّةُ فَإِنْ عُلِمَتْ صَحَّ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَلَا غَرَرَ وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ: لَا يَصِحُّ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَإِنْ أُطْلِقَ صَحَّ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ إذْ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ إذْ هِيَ الظَّاهِرُ إلَّا أَنْ يَجْرِيَ عُرْفٌ بِبَقَائِهِ مُدَّةً مَجْهُولَةً فَيُفْسِدُهُ وَأَفَادَ نَهْيُ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ أَمَّا الْبَائِعُ فَلِئَلَّا يَأْكُلَ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ. وَالْعَاهَةُ هِيَ الْآفَةُ الَّتِي تُصِيبُ الثِّمَارَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ «كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْتَاعُونَ الثِّمَارَ فَإِذَا جَذَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ إنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدَّمَانِ وَهُوَ فَسَادُ الطَّلْعِ وَسَوَادُهُ مُرَاضٌ قُشَامٌ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا
стр. 704
٨٠١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا لَا فَلَا تَبْتَاعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَاتِهِمْ» انْتَهَى، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ كَالْمَشُورَةِ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ كَأَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ السِّيَاقِ وَإِلَّا فَأَصْلُهُ التَّحْرِيمُ، وَكَانَ زَيْدٌ لَا يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا فَيَتَبَيَّنُ الْأَصْفَرَ مِنْ الْأَحْمَرِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا رُفِعَتْ الْعَاهَةُ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ» وَالنَّجْمُ الثُّرَيَّا وَالْمُرَادُ طُلُوعُهَا صَبَاحًا وَهُوَ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الصَّيْفِ وَذَلِكَ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحُرِّ بِبِلَادِ الْحِجَازِ وَابْتِدَاءِ نُضْجِ الثِّمَارِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةً وَطُلُوعُ الثُّرَيَّا عَلَامَةٌ.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ» فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَفَادَ أَنَّ التَّفْسِيرَ مَرْفُوعٌ (وَمَا زَهْوُهَا) بِفَتْحِ الزَّايِ (قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) يُقَالُ: أَزْهَى يُزْهِي إذَا احْمَرَّ وَاصْفَرَّ، وَزَهَا النَّخْلُ يَزْهُو إذَا ظَهَرَتْ ثَمَرَتُهُ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنَى الِاحْمِرَارِ وَالِاصْفِرَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ يَزْهُو وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ يُزْهِي كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: هِيَ الصَّوَابُ وَلَا يُقَالُ فِي النَّخْلِ يَزْهُو إنَّمَا يُقَالُ يُزْهِي لَا غَيْرُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ زَهَا إذَا طَالَ وَاكْتَمَلَ وَأَزْهَى إذَا احْمَرَّ وَاصْفَرَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اللَّوْنَ الْخَالِصَ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ إنَّمَا أَرَادَ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً بِكُمُودَةٍ فَلِذَلِكَ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ قَالَ وَلَوْ أَرَادَ اللَّوْنَ الْخَالِصَ لَقَالَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ ظُهُورَ أَوَائِلِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْضَجَ قَالَ وَإِنَّمَا يُقَالُ يَفْعَالُّ فِي اللَّوْنِ الْمُتَغَيِّرِ إذَا كَانَ يَزُولُ ذَلِكَ وَقِيلَ: لَا فَرْقَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ الْمُرَادِ بِهِ مَا ذُكِرَ بِقَرِينَةِ الْحَدِيثِ الْآتِي:
стр. 705
٨٠٢ - وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ».
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
٨٠٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ»
وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْ أَنَسٍ) قِيَاسُ قَاعِدَتِهِ وَعَنْهُ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) الْمُرَادُ بِاسْوِدَادِ الْعِنَبِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ بُدُوُّ صَلَاحِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ السُّنْبُلِ الْمُشْتَدِّ، وَأَمَّا مَذْهَبُنَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ السُّنْبُلُ شَعِيرًا أَوْ ذُرَةً أَوْ مِمَّا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا تَرَى حَبَّاتِهِ خَارِجَةً صَحَّ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ حِنْطَةً أَوْ نَحْوَهَا مِمَّا تُسْتَرُ حَبَّاتُهُ بِالْقُشُورِ الَّتِي تُزَالُ فِي الدِّيَاسِ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْهِ وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَأَمَّا قَبْلَ الِاشْتِدَادِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَإِذَا بَاعَ الزَّرْعَ قَبْلَ الِاشْتِدَادِ مَعَ الْأَرْضِ بِلَا شَرْطٍ صَحَّ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَكَذَا الثِّمَارُ قَبْلَ الصَّلَاحِ إذَا بِيعَتْ مَعَ الشَّجَرِ جَازَ بِلَا شَرْطٍ تَبَعًا هَكَذَا حُكْمُ الْقَوْلِ فِي الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا دُونَ الزَّرْعِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَفُرُوعُ الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ وَقَدْ نَقَّحْت مَقَاصِدَهَا فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَجَمَعْتُ فِيهَا جُمْلَةً مُسْتَكْثَرَةً وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ» هِيَ آفَةٌ تُصِيبُ الزَّرْعَ «فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» الْجَائِحَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجَوْحِ وَهُوَ الِاسْتِئْصَالُ وَمِنْهُ حَدِيثُ " إنَّ أَبِي يَجْتَاحُ مَالِي " وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثِّمَارَ الَّتِي عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ إذَا بَاعَهَا الْمَالِكُ وَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ أَنْ يَكُونَ تَلَفُهَا
следующие страницы →