Полный текст (1 346 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الْعَرَايَا وَبَيْعِ أُصُولِ الثِّمَارِ
٧٩٨ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ «رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا».
الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ». رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ دُونِ تَفْسِيرٍ لَكِنَّ فِي إسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ أَحْمَدُ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عِنْدِي عَنْهُ وَلَا أَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ لِغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَقَالَ: مُوسَى بْنُ عُتْبَةَ فَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَتَعَجَّبَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ تَصْحِيفِهِ عَلَى الْحَاكِمِ قَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ يَصِحُّ لَكِنَّ إجْمَاعَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ مَرْفُوعٌ، وَالْكَالِئُ مِنْ كَلَأَ الدَّيْنَ كَلُوءًا فَهُوَ كَالِئٌ إذَا تَأَخَّرَ وَكَلَأْتُهُ إذَا أَنْسَأْته وَقَدْ لَا يُهْمَزُ تَخْفِيفًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ شَيْئًا إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَجِدْ مَا يَقْضِي بِهِ فَيَقُولُ بِعْنِيهِ إلَى أَجَلٍ آخَرَ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ فَيَبِيعُهُ وَلَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا تَقَابُضٌ. وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَإِذَا وَقَعَ كَانَ بَاطِلًا.
(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا» التَّرْخِيصُ فِي الْأَصْلِ: التَّسْهِيلُ وَالتَّيْسِيرُ وَفِي عُرْفِ الْمُتَشَرِّعَةِ مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ لِعُذْرٍ مَعَ بَقَاءِ دَلِيلِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ لَوْلَا ذَلِكَ الْعُذْرُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْعَرَايَا مُخَرَّجٌ مِنْ بَيْنِ الْمُحَرَّمَاتِ مَخْصُوصٌ بِالْحُكْمِ، وَقَدْ صُرِّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إلَّا الْعَرَايَا» وَفِي قَوْلِهِ فِي الْعَرَايَا مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ فِي بَيْعِ ثَمَرِ الْعَرَايَا لِأَنَّ الْعَرِيَّةَ هِيَ النَّخْلَةُ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ عَطِيَّةُ ثَمَرِ النَّخْلِ دُونَ الرَّقَبَةِ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَدْبِ يَتَطَوَّعُ أَهْلُ النَّخْلِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا ثَمَرَ لَهُ كَمَا كَانُوا يَتَطَوَّعُونَ بِمَنِيحَةِ الشَّاةِ وَالْإِبِلِ.
стр. 702
٧٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَقَالَ مَالِكٌ: الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ ثُمَّ يَتَأَذَّى الْمُعْرِي بِدُخُولِ الْمُعْرَى عَلَيْهِ فَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا أَيْ رُطَبَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ أَيْ يَابِسٍ وَقَدْ وَقَعَ اتِّفَاقُ الْجُمْهُورِ عَلَى جَوَازِ رُخْصَةِ الْعَرَايَا، وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِقَدْرِ كَيْلِهِ مِنْ التَّمْرِ خَرْصًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ:
٧٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ وَامْتِنَاعِهِ فِيمَا فَوْقَهَا، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِيهَا وَالْأَقْرَبُ تَحْرِيمُهُ فِيهَا لِحَدِيثِ جَابِرٍ سَمِعْت «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ أَذِنَ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِخَرْصِهَا يَقُولُ: الْوَسْقَ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ: الِاحْتِيَاطُ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ فَلِأَنَّ التَّرْخِيصَ إنَّمَا وَقَعَ فِي بَيْعِ مَا ذُكِرَ مَعَ عَدَمِ تَيَقُّنِ التَّسَاوِي فَقَطْ. وَأَمَّا التَّقَابُضُ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ تَرْخِيصٌ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ اعْتِبَارِهِ. وَيَدُلُّ لِاشْتِرَاطِهِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّهُ سَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَقْدَ فِي أَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا وَيَأْكُلُونَ مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولُ قُوتِهِمْ مِنْ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ» وَفِيهِ مَأْخَذٌ لِمَنْ يَشْتَرِطُ التَّقَابُضَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ وُجُودِ التَّمْرِ عِنْدَهُمْ وَجْهٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ، وَأَمَّا شِرَاءُ الرُّطَبِ بَعْدَ قَطْعِهِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ بِجَوَازِهِ كَثِيرٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إلْحَاقًا لَهُ بِمَا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ بِنَاءً عَلَى إلْغَاءِ وَصْفِ كَوْنِهِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ كَمَا بَوَّبَ بِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ لِأَنَّ مَحَلَّ الرُّخْصَةِ هُوَ الرُّطَبُ نَفْسُهُ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ أَوْ قَدْ قَطَعَ فَيَشْمَلُهُ النَّصُّ وَلَا يَكُونُ قِيَاسًا. وَلَا مَنْعَ إذْ قَدْ تَدْعُو حِكْمَةُ التَّرْخِيصِ إلَى شِرَاءِ الرُّطَبِ الْحَاصِلِ فَإِنَّهُ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي الْحَالِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُشْتَرِي تَمْرٌ فَيَأْخُذُهُ بِهِ فَيُدْفَعُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّ أَحَدَ الْمَعَانِي فِي الرُّخْصَةِ أَنْ يَأْكُلَ الرُّطَبَ عَلَى التَّدْرِيجِ طَرِيًّا، وَهَذَا الْقَصْدُ لَا يَحْصُلُ مِمَّا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
стр. 703
٨٠٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «وَكَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا».
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا» وَهِيَ الْآفَةُ وَالْعَيْبُ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يَكْفِي بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي جِنْسِ الثِّمَارِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الصَّلَاحُ مُتَلَاحِقًا وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي جِنْسِ تِلْكَ الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِأَحْمَدَ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الصَّلَاحُ فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ الْمَبِيعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ يَبْدُوَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَكَامُلُهُ فَيَكْفِي زَهْوُ بَعْضِ الثَّمَرَةِ وَبَعْضِ الشَّجَرِ مَعَ حُصُولِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْأَمَانُ مِنْ الْعَاهَةِ، وَقَدْ جَرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ لَا تَطِيبَ الثِّمَارُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِتَطُولَ مُدَّةِ التَّفَكُّهِ بِهَا وَالِانْتِفَاعِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ خُرُوجِهَا لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ، وَكَذَا بَعْدَ خُرُوجِهَا قَبْلَ نَفْعِهَا إلَّا أَنَّهُ رَوَى الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَجَازُوا بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَبَعْدَهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَأَبْطَلُوهُ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ صَلَاحِهَا فَفِيهِ تَفَاصِيلُ فَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ صَحَّ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ كَانَ بَيْعًا فَاسِدًا إنْ جُهِلَتْ الْمُدَّةُ فَإِنْ عُلِمَتْ صَحَّ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَلَا غَرَرَ وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ: لَا يَصِحُّ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَإِنْ أُطْلِقَ صَحَّ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ إذْ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ إذْ هِيَ الظَّاهِرُ إلَّا أَنْ يَجْرِيَ عُرْفٌ بِبَقَائِهِ مُدَّةً مَجْهُولَةً فَيُفْسِدُهُ وَأَفَادَ نَهْيُ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ أَمَّا الْبَائِعُ فَلِئَلَّا يَأْكُلَ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ. وَالْعَاهَةُ هِيَ الْآفَةُ الَّتِي تُصِيبُ الثِّمَارَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ «كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْتَاعُونَ الثِّمَارَ فَإِذَا جَذَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ إنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدَّمَانِ وَهُوَ فَسَادُ الطَّلْعِ وَسَوَادُهُ مُرَاضٌ قُشَامٌ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا
стр. 704
٨٠١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا لَا فَلَا تَبْتَاعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَاتِهِمْ» انْتَهَى، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ كَالْمَشُورَةِ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ كَأَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ السِّيَاقِ وَإِلَّا فَأَصْلُهُ التَّحْرِيمُ، وَكَانَ زَيْدٌ لَا يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا فَيَتَبَيَّنُ الْأَصْفَرَ مِنْ الْأَحْمَرِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا رُفِعَتْ الْعَاهَةُ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ» وَالنَّجْمُ الثُّرَيَّا وَالْمُرَادُ طُلُوعُهَا صَبَاحًا وَهُوَ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الصَّيْفِ وَذَلِكَ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحُرِّ بِبِلَادِ الْحِجَازِ وَابْتِدَاءِ نُضْجِ الثِّمَارِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةً وَطُلُوعُ الثُّرَيَّا عَلَامَةٌ.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ» فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَفَادَ أَنَّ التَّفْسِيرَ مَرْفُوعٌ (وَمَا زَهْوُهَا) بِفَتْحِ الزَّايِ (قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) يُقَالُ: أَزْهَى يُزْهِي إذَا احْمَرَّ وَاصْفَرَّ، وَزَهَا النَّخْلُ يَزْهُو إذَا ظَهَرَتْ ثَمَرَتُهُ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنَى الِاحْمِرَارِ وَالِاصْفِرَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ يَزْهُو وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ يُزْهِي كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: هِيَ الصَّوَابُ وَلَا يُقَالُ فِي النَّخْلِ يَزْهُو إنَّمَا يُقَالُ يُزْهِي لَا غَيْرُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ زَهَا إذَا طَالَ وَاكْتَمَلَ وَأَزْهَى إذَا احْمَرَّ وَاصْفَرَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اللَّوْنَ الْخَالِصَ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ إنَّمَا أَرَادَ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً بِكُمُودَةٍ فَلِذَلِكَ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ قَالَ وَلَوْ أَرَادَ اللَّوْنَ الْخَالِصَ لَقَالَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ ظُهُورَ أَوَائِلِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْضَجَ قَالَ وَإِنَّمَا يُقَالُ يَفْعَالُّ فِي اللَّوْنِ الْمُتَغَيِّرِ إذَا كَانَ يَزُولُ ذَلِكَ وَقِيلَ: لَا فَرْقَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ الْمُرَادِ بِهِ مَا ذُكِرَ بِقَرِينَةِ الْحَدِيثِ الْآتِي:
стр. 705
٨٠٢ - وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ».
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
٨٠٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ»
وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْ أَنَسٍ) قِيَاسُ قَاعِدَتِهِ وَعَنْهُ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) الْمُرَادُ بِاسْوِدَادِ الْعِنَبِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ بُدُوُّ صَلَاحِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ السُّنْبُلِ الْمُشْتَدِّ، وَأَمَّا مَذْهَبُنَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ السُّنْبُلُ شَعِيرًا أَوْ ذُرَةً أَوْ مِمَّا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا تَرَى حَبَّاتِهِ خَارِجَةً صَحَّ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ حِنْطَةً أَوْ نَحْوَهَا مِمَّا تُسْتَرُ حَبَّاتُهُ بِالْقُشُورِ الَّتِي تُزَالُ فِي الدِّيَاسِ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْهِ وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَأَمَّا قَبْلَ الِاشْتِدَادِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَإِذَا بَاعَ الزَّرْعَ قَبْلَ الِاشْتِدَادِ مَعَ الْأَرْضِ بِلَا شَرْطٍ صَحَّ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَكَذَا الثِّمَارُ قَبْلَ الصَّلَاحِ إذَا بِيعَتْ مَعَ الشَّجَرِ جَازَ بِلَا شَرْطٍ تَبَعًا هَكَذَا حُكْمُ الْقَوْلِ فِي الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا دُونَ الزَّرْعِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَفُرُوعُ الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ وَقَدْ نَقَّحْت مَقَاصِدَهَا فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَجَمَعْتُ فِيهَا جُمْلَةً مُسْتَكْثَرَةً وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ» هِيَ آفَةٌ تُصِيبُ الزَّرْعَ «فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» الْجَائِحَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجَوْحِ وَهُوَ الِاسْتِئْصَالُ وَمِنْهُ حَدِيثُ " إنَّ أَبِي يَجْتَاحُ مَالِي " وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثِّمَارَ الَّتِي عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ إذَا بَاعَهَا الْمَالِكُ وَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ أَنْ يَكُونَ تَلَفُهَا
стр. 706
٨٠٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ شَيْئًا. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِيمَا بَاعَهُ بَيْعًا غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَأَنَّهُ وَقَعَ الْبَيْعُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ بُدُوِّهِ، وَيُحْتَمَلُ وُرُودُهُ أَيْ حَدِيثِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ قَبْلَ النَّهْيِ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبْتَاعُ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَسَمِعَ خُصُومَةً فَقَالَ مَا هَذَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا» فَأَفَادَ مَعَ ذِكْرِ سَبَبِ النَّهْيِ تَارِيخَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ حَدِيثُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ مُتَأَخِّرًا فَيُحْمَلُ أَيْ حَدِيثُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ عَلَى الْبَيْعِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ فَذَهَبَ الْأَقَلُّ إلَى أَنَّ الْجَائِحَةَ إذَا أَصَابَتْ الثَّمَرَ جَمِيعَهُ أَنْ يُوضَعَ الثَّمَنُ جَمِيعُهُ وَأَنَّ التَّلَفَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّ التَّلَفَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي وَأَنَّهُ لَا وَضْعَ لِأَجْلِ الْجَائِحَةِ إلَّا نَدْبًا وَاحْتَجُّوا لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَى الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارِهِ» وَسَيَأْتِي. قَالُوا: وَوَجْهُ تَلَفِهِ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ وَقَدْ سَلَّمَهُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَهُ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ «فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا» الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ وَأَنَّهُ تَلَفٌ عَلَى الْبَائِعِ لِقَوْلِهِ مَالُ أَخِيك إذْ يَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهُ الثَّمَنَ، وَأَنَّهُ مَالُ أَخِيهِ لَا مَالُهُ، وَحَدِيثُ التَّصَدُّقِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ لَك وَفَائِدَةُ الْأَمْرِ بِالتَّصَدُّقِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الْوَفَاءِ بِغَرَضَيْنِ جَبْرُ الْبَائِعِ وَتَعْرِيضُ الْمُشْتَرِي لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي آخَرِ الْحَدِيثِ لَمَّا طَلَبُوا الْوَفَاءَ «لَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» فَلَوْ كَانَ لَازِمًا لَأَمَرَهُمْ بِالنَّظِرَةِ إلَى مَيْسَرَةٍ ".
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا» هُوَ اسْمُ جِنْسٍ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ نَخْلٌ «بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» وَالتَّأْبِيرُ التَّشْقِيقُ وَالتَّلْقِيحُ وَهُوَ شَقُّ طَلْعِ النَّخْلَةِ الْأُنْثَى لِيُذَرَّ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ النَّخْلَةِ الذَّكَرِ «فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ لِلْبَائِعِ وَهَذَا مَنْطُوقُهُ وَمَفْهُومُهُ إنَّهَا قَبْلَهُ لِلْمُشْتَرِي. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ لِلْبَائِعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ وَبَعْدَهُ فَعَمِلَ بِالْمَنْطُوقِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِالْمَفْهُومِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ مِنْ عَدَمِ الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ
стр. 707
أَبْوَابُ السَّلَمِ وَالْقَرْضِ وَالرَّهْنِ
٨٠٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونِ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي ثَمَرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ " مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ ".
الْمُخَالَفَةِ. وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْفَوَائِدَ الْمُسْتَتِرَةَ تُخَالِفُ الظَّاهِرَةَ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُنْفَصِلَ لَا يَتْبَعُهَا وَالْحَمْلُ يَتْبَعُهَا. وَفِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت الشَّجَرَةَ بِثَمَرَتِهَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لَهُ وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ فَيَخُصُّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطُ هَذَا النَّصِّ فِي النَّخْلِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْأَشْجَارِ.
(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونِ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ» مَنْصُوبَانِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ إلَى السَّنَةِ وَالسَّنَتَيْنِ (فَقَالَ مِنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ) رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُثَلَّثَةِ فَهُوَ بِهَا أَعَمُّ «فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» إذَا كَانَ مِمَّا يُكَالُ (وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) إذَا كَانَ مِمَّا يُوزَنُ (إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلْبُخَارِيِّ مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ) السَّلَفُ بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ السَّلَمُ وَزْنًا وَمَعْنًى قِيلَ وَهُوَ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالسَّلَفُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَحَقِيقَتُهُ شَرْعًا: بَيْعٌ مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلًا وَهُوَ مَشْرُوعٌ إلَّا عِنْدَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ وَعَلَى تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ إلَّا أَنَّهُ أَجَازَ مَالِكٌ تَأْجِيلَ الثَّمَنِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَا بُدَّ أَنَّ مَنْ يُقَدِّرُ بِأَحَدِ الْمِقْدَارَيْنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ، رَوَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَادَّعَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ ذَرْعٌ مَعْلُومٌ فَإِنَّ الْعَدَدَ وَالذَّرْعَ يَلْحَقَانِ بِالْوَزْنِ وَالْكَيْلِ لِلْجَامِعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْجَهَالَةِ بِالْمِقْدَارِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الْكَيْلِ فِيمَا يُسْلَمُ فِيهِ بِالْكَيْلِ كَصَاعِ الْحِجَازِ وَقَفِيزِ الْعِرَاقِ وَإِرْدَبِّ مِصْرَ فَإِذَا أُطْلِقَ انْقَلَبَ إلَى الْأَغْلَبِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا عَقْدُ السَّلَمِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ صِفَةِ الشَّيْءِ
стр. 708
٨٠٦ - «وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ» - وَفِي رِوَايَةٍ: «وَالزَّيْتِ - إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ ذَلِكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
الْمُسْلَمِ فِيهِ صِفَةً تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ بِهِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّأْجِيلَ شَرْطٌ فِي السَّلَمِ فَإِنْ كَانَ حَالًّا لَمْ يَصِحَّ أَوْ كَانَ الْأَجَلُ مَجْهُولًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى عَدَمِ شَرْطِيَّةِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَالِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ إلَّا فِي الْمُؤَجَّلِ، وَإِلْحَاقُ الْحَالِّ بِالْمُؤَجَّلِ قِيَاسٌ عَلَى مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ إذْ هُوَ بَيْعٌ مَعْدُومٌ وَعَقْدُ غَرَرٍ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي شَرْطِيَّةِ الْمَكَانِ الَّذِي يُسْلَمُ فِيهِ، فَأَثْبَتَهُ جَمَاعَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالتَّأْجِيلِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ وَفَصَّلَتْ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالَتْ: إنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مَئُونَةٌ فَيُشْتَرَطُ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ إنْ عُقِدَ حَيْثُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ كَالطَّرِيقِ فَيُشْتَرَطُ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ. وَكُلُّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ مُسْتَنَدُهَا الْعُرْفُ.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ الْخُزَاعِيِّ. سَكَنَ الْكُوفَةَ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ عَلَى خُرَاسَانَ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَصَلَّى خَلْفَهُ.
(قَالَ: «كُنَّا نُصِيبُ الْغَنَائِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ» هُمْ مِنْ الْعَرَبِ دَخَلُوا فِي الْعَجَمِ وَالرُّومِ فَاخْتَلَطَتْ أَنْسَابُهُمْ وَفَسَدَتْ أَلْسِنَتُهُمْ سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِأَنْبَاطِ الْمَاءِ أَيْ اسْتِخْرَاجِهِ «فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَالزَّيْتِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قِيلَ أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ السَّلَفِ فِي حَالِ الْعَقْدِ إذْ لَوْ كَانَ مِنْ شَرْطِهِ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَاسْتَفْصَلُوهُمْ وَقَدْ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَمَالِكٌ وَاشْتَرَطُوا إمْكَانَ وُجُودِهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَا يَضُرُّ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ حُضُورِ الْأَجَلِ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ كَذَا فِي الشَّرْحِ (قُلْت) وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِفِعْلِ الصَّحَابِيِّ أَوْ تَرْكِهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ.
стр. 709
٨٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَحْسَنُ مِنْهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﷺ أَقَرَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى السَّلَمِ سَنَةً وَسَنَتَيْنِ، وَالرُّطَبُ يَنْقَطِعُ فِي ذَلِكَ وَيُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد «وَلَا تُسْلِفُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ كَانَ مُقَيَّدًا لِتَقْرِيرِهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَلَمِ السَّنَةِ وَالسَّنَتَيْنِ وَأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَنْ لَا يُسْلِفُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ النَّخْلِ وَيَقْوَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ النَّاصِرُ وَأَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنْ الْعَقْدِ إلَى الْحُلُولِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) التَّعْبِيرُ بِأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ يَشْمَلُ أَخْذَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ وَأَخْذَهَا لِحِفْظِهَا، وَالْمُرَادُ مِنْ إرَادَتِهِ التَّأْدِيَةَ قَضَاؤُهَا فِي الدُّنْيَا، وَتَأْدِيَةُ اللَّهِ عَنْهَا يَشْمَلُ تَيْسِيرَهُ تَعَالَى لِقَضَائِهَا فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَسُوقَ إلَى الْمُسْتَدِينِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، وَأَدَاؤُهَا عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ بِإِرْضَائِهِ غَرِيمَهُ بِمَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُدَانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَقَوْلُهُ (يُرِيدُ إتْلَافَهَا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهَا بِالِاسْتِدَانَةِ مَثَلًا لَا لِحَاجَةٍ وَلَا لِتِجَارَةٍ بَلْ لَا يُرِيدُ إلَّا إتْلَافَ مَا أَخَذَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَنْوِي قَضَاءَهَا. وَقَوْلُهُ (أَتْلَفَهُ اللَّهُ) الظَّاهِرُ إتْلَافُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا بِإِهْلَاكِهِ وَهُوَ يَشْمَلُ ذَلِكَ وَيَشْمَلُ إتْلَافَ طَيِّبِ عَيْشِهِ وَتَضْيِيقَ أُمُورِهِ وَتَعَسُّرَ مَطَالِبِهِ وَمَحْقَ بَرَكَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ إتْلَافَهُ فِي الْآخِرَةِ بِتَعْذِيبِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ اسْتِئْكَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالتَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ التَّأْدِيَةِ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْمُدَايَنَةِ وَأَنَّ الْجَزَاءَ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ وَأَخَذَ مِنْهُ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَا يُعْتِقَ وَفِيهِ بُعْدٌ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ وَالتَّرْهِيبُ عَنْ خِلَافِهِ وَبَيَانُ أَنَّ مَدَارَ الْأَعْمَالِ عَلَيْهَا وَأَنَّ مَنْ اسْتَدَانَ نَاوِيًا الْإِيفَاءَ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَرْغَبُ فِي الدَّيْنِ فَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ «مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ
стр. 710
٨٠٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بِزٌّ مِنْ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ، فَأَخَذْت مِنْهُ ثَوْبَيْنِ نَسِيئَةً إلَى مَيْسَرَةٍ؟ فَبَعَثَ إلَيْهِ. فَامْتَنَعَ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
٨٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ إلَّا كَانَ لَهُ مِنْ اللَّهِ عَوْنٌ» قَالَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ: فَأَنَا أَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْنَ (فَإِنْ قُلْت) قَدْ ثَبَتَ حَدِيثٌ «إنَّهُ يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ» وَحَدِيثُ «الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ» قَالَهُ لِمَنْ أَدَّى دَيْنًا عَنْ مَيِّتٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ (قُلْت) يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى لَا يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ الدَّيْنُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ حَتَّى يُوفِيَهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بَقَائِهِ عَلَيْهِ أَنْ يُعَاقَبَ بِهِ فِي قَبْرِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ خَلَّصَتْهُ مِنْ بَقَاءِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ اسْتَدَانَ وَلَمْ يَنْوِ الْوَفَاءَ
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنْ الشَّامِ فَلَوْ بَعَثْت إلَيْهِ فَأَخَذْت مِنْهُ ثَوْبَيْنِ نَسِيئَةً إلَى مَيْسَرَةٍ فَبَعَثَ إلَيْهِ فَامْتَنَعَ». أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بَيْعِ النَّسِيئَةِ وَصِحَّةِ التَّأْجِيلِ إلَى مَيْسَرَةٍ وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنْ حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْعِبَادِ وَعَدَمِ إكْرَاهِهِمْ عَلَى الشَّيْءِ وَعَدَمِ الْإِلْحَاحِ عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا مِنْ بَابِ الرَّهْنِ وَهُوَ لُغَةً الِاحْتِبَاسُ مِنْ قَوْلِهِمْ رَهَنَ الشَّيْءَ إذَا دَامَ وَثَبَتَ وَمِنْهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ وَفِي الشَّرْعِ جَعْلُ مَالٍ وَثِيقَةً عَلَى دَيْنٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الظَّهْرُ يُرْكَبُ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَمِثْلُهُ يُشْرَبُ («بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ» بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ اللَّبَنُ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ قِيلَ هُوَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَقِيلَ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ («يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يُرْكَبُ وَيُشْرَبُ النَّفَقَةَ».
стр. 711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) فَاعِلُ يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ هُوَ الْمُرْتَهِنُ بِقَرِينَةِ الْعِوَضِ وَهُوَ الرُّكُوبُ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ الرَّاهِنُ إلَّا أَنَّهُ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَازِمَةٌ لَهُ فَإِنَّ الْمَرْهُونَ مِلْكُهُ وَقَدْ جُعِلَتْ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الرَّاكِبِ وَالشَّارِبِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَالِكِ إذْ النَّفَقَةُ لَازِمَةٌ لِلْمَالِكِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُرْتَهِنُ الِانْتِفَاعَ بِالرَّهْنِ فِي مُقَابَلَةِ نَفَقَتِهِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى الْعَمَلِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَخَصُّوا ذَلِكَ بِالرُّكُوبِ وَالدَّرِّ فَقَالُوا يَنْتَفِعُ بِهِمَا بِقَدْرِ قِيمَةِ النَّفَقَةِ وَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُمَا عَلَيْهِمَا.
(وَالثَّانِي) لِلْجُمْهُورِ قَالُوا لَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءٍ قَالُوا وَالْحَدِيثُ خَالَفَ الْقِيَاسَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَوَّلُهُمَا تَجْوِيزُ الرُّكُوبِ وَالشُّرْبِ لِغَيْرِ الْمَالِكِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَثَانِيهمَا تَضْمِينُهُ ذَلِكَ بِالنَّفَقَةِ لَا بِالْقِيمَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ تَرُدُّهُ أُصُولٌ مُجْتَمِعَةٌ وَآثَارٌ ثَابِتَةٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «لَا تُحْلَبُ مَاشِيَةُ امْرِئٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَبْوَابِ الْمَظَالِمِ (قُلْت) أَمَّا النَّسْخُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَلَا تَعَذُّرَ هُنَا إذْ يَخُصُّ عُمُومَ النَّهْيِ بِالْمَرْهُونَةِ، وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ فَلَيْسَتْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مُطَّرِدَةً عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ بَلْ الْأَدِلَّةُ تُفَرِّقُ بَيْنَهَا فِي الْأَحْكَامِ، وَالشَّارِعُ حَكَمَ هُنَا بِرُكُوبِ الْمَرْهُونِ وَشُرْبِ لَبَنِهِ وَجَعَلِهِ قِيمَةَ النَّفَقَةِ وَقَدْ حَكَمَ الشَّارِعُ بِبَيْعِ الْحَاكِمِ عَنْ الْمُتَمَرِّدِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَجَعَلَ صَاعَ التَّمْرِ عِوَضًا عَنْ اللَّبَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ ظَهْرِهَا وَدَرِّهَا فَجَعَلَ الْفَاعِلَ الرَّاهِنَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ الْمُرْتَهِنِ فَتَعَيَّنَ الْفَاعِلُ.
(وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ) لِلْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمَرْهُونِ فَيُبَاحُ حِينَئِذٍ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْحَيَوَانِ حِفْظًا لِحَيَاتِهِ وَجَعَلَ لَهُ فِي مُقَابِلِ النَّفَقَةِ الِانْتِفَاعَ بِالرُّكُوبِ أَوْ شُرْبِ اللَّبَنِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ قَدْرُ ذَلِكَ أَوْ قِيمَتُهُ عَلَى قَدْرِ عَلَفِهِ، وَقَوَّى هَذَا الْقَوْلَ فِي الشَّرْحِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْحَدِيثِ بِمَا لَمْ يُقَيِّدْ بِهِ الشَّارِعُ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالضَّابِطِ الْمُتَصَيَّدِ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ فِي يَدِهِ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَالِكِ وَلَهُ أَنْ يُؤْجِرَهَا أَوْ يَتَصَرَّفَ فِي لَبَنِهَا فِي قِيمَةِ الْعَلَفِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فَلَا رُجُوعَ بِمَا أَنْفَقَ وَيَلْزَمُهُ غَرَامَةُ الْمَنْفَعَةِ وَاللَّبَنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ أَوْ كَانَ يَتَضَرَّرُ الْحَيَوَانُ بِمُدَّةِ الرُّجُوعِ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ وَيَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّهَا قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ فَتُخَصُّ بِحَدِيثِ الْكِتَابِ.
стр. 712
٨١٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَغْلِقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّ الْمَحْفُوظَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ إرْسَالُهُ
٨١١ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ إلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: أَعْطِهِ إيَّاهُ. فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ بَابِ الْقَرْضِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَغْلِقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّ الْمَحْفُوظَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ إرْسَالُهُ (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْلِقُ» بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَةٍ وَقَافٍ يُقَالُ غَلَقَ الرَّهْنُ إذَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنْ أَدَاءِ مَا رَهَنَهُ فِيهِ وَكَانَ هَذَا عَادَةَ الْعَرَبِ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ( ﷺ «الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ» زِيَادَتُهُ (وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) هَلَاكُهُ وَنَفَقَتُهُ (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ الْمَحْفُوظَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ إرْسَالُهُ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ فَقِيلَ هِيَ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ وَرَفَعَهَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَمَعْمَرٌ وَغَيْرُهُمَا مَعَ كَوْنِهِمْ أَرْسَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى اخْتِلَافِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَوَقَفَهَا غَيْرُهُمْ وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ فَجَوَّدَهُ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَكَذَا أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ قَوَّى أَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِ وَمَعْنَى يَغْلِقُ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُرْتَهِنُ إذَا عَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ فَكِّهِ، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ لِإِبْطَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ غَلْقِ الرَّهْنِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَبَيَانِ أَنَّ زِيَادَتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِ كَمَا سَلَفَ فِيمَا قَبْلَهُ وَهُوَ مِنْ بَابِ الْقَرْضِ وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ.
(وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا» بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ الصَّغِيرِ مِنْ الْإِبِلِ («فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلُ بَكْرَهُ قَالَ لَا
стр. 713
٨١٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا»
أَجِدُ إلَّا خِيَارًا رُبَاعِيًّا» هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَتَبْقَى رُبَاعِيَّتُهُ «فَقَالَ أَعْطِهِ إيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَرْضِ الْحَيَوَانِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَرُدَّ أَجْوَدَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ عُرْفًا وَشَرْعًا وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَرْضِ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا مِنْ الْمُقْرِضِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَبَرُّعٌ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ، وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ لِلزِّيَادَةِ عَدَدًا أَوْ صِفَةً، وَقَالَ مَالِكٌ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ لَا تَحِلُّ.
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا» رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ) لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ الْهَمْدَانِيُّ الْمُؤَذِّنُ الْأَعْمَى وَهُوَ مَتْرُوكٌ (وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ) أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ بِلَفْظِ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا» (وَآخَرُ مَوْقُوفٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ) لَمْ أَجِدْهُ فِي الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الِاسْتِقْرَاضِ وَلَا نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ إلَى الْبُخَارِيِّ بَلْ قَالَ إنَّهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ انْتَهَى، فَلَوْ كَانَ فِي الْبُخَارِيِّ لَمَا أَهْمَلَ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ فِي التَّلْخِيصِ وَالْحَدِيثُ بَعْدَ صِحَّتِهِ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَشْرُوطَةٌ مِنْ الْمُقْرِضِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمَشْرُوطَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ تَبَرُّعًا مِنْ الْمُقْتَرِضِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ خَيْرًا مِمَّا أَخَذَهُ
بَابُ التَّفْلِيسِ وَالْحَجْرِ
هُوَ لُغَةً: مَصْدَرٌ فَلَّسْته نِسْبَتُهُ إلَى الْإِفْلَاسِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ أَفْلَسَ أَيْ صَارَ إلَى حَالَةٍ لَا يَمْلِكُ فِيهَا فَلْسًا (وَالْحَجْرُ) لُغَةً: مَصْدَرُ حَجَرَ أَيْ مَنَعَ وَضَيَّقَ وَشَرْعًا قَوْلُ الْحَاكِمِ لِلْمَدْيُونِ حَجَرْت عَلَيْكَ التَّصَرُّفَ فِي مَالِكِ.
стр. 714
٨١٣ - عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا بِلَفْظِ «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَضَعَّفَهُ تَبَعًا لِأَبِي دَاوُد. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ قَالَ: «أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، وَضَعَّفَ أَيْضًا هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ قَاضِي الْمَدِينَةِ تَابِعِيٍّ سَمِعَ عَائِشَةَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ» لَمْ يَتَغَيَّرْ بِصِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ وَلَا بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ «عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا)، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِيهَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ الشَّامِيِّينَ، وَرِوَايَتُهُ عَنْهُمْ صَحِيحَةٌ (بِلَفْظِ «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ تَبَعًا لِأَبِي دَاوُد) رَاجَعْنَا سُنَنَ أَبِي دَاوُد فَلَمْ نَجِدَ فِيهَا تَضْعِيفًا لِلرِّوَايَةِ هَذِهِ بَلْ قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَعْدَ إخْرَاجِهِ لَهَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ.
وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَصَحُّ يُرِيدُ أَنَّهُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّتِي سَاقَهَا أَبُو دَاوُد وَفِيهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ وَعِنْدَهُ سِلْعَةُ رَجُلٍ بِعَيْنِهَا لَمْ يَقْضِ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا» وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الشَّارِحُ ﵀ عَلَى هَذَا بِشَيْءٍ (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ
стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ (قَالَ: «أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ فَقَالَ لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد وَضَعَّفَ أَيْضًا هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ) سَكَتَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَقَدْ رَاجَعْتَ سُنَنَ أَبِي دَاوُد فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا تَضْعِيفًا لِرِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ بَلْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي سَاقَ لَفْظَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا بِلَفْظِ أَيُّمَا رَجُلٍ إلَى آخِرِهِ إنَّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ هَذِهِ قَالَ لِأَنَّهَا مَوْصُولَةٌ جَمَعَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْإِفْلَاسِ قَالَ وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ يُرِيدُ بِهِ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَةِ مُنْقَطِعٌ وَسَاقَ فِي ذَلِكَ كَلَامًا كَثِيرًا يُرَجِّحُ بِهِ رِوَايَةَ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ فَلْيُنْظَرْ هَذَا الْحَدِيثُ اشْتَمَلَ عَلَى مَسَائِلَ:.
(الْأُولَى) أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْبَائِعُ مَتَاعَهُ عِنْدَ مَنْ شَرَاهُ مِنْهُ وَقَدْ أَفْلَسَ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ فَيَأْخُذُهُ إذَا كَانَ لَهُ غُرَمَاءُ وَعُمُومُ قَوْلِهِ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ يَعُمُّ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ عِنْدَ الْآخَرِ بِقَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُصَرِّحَةٌ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ «إذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ سِلْعَةً ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ» فَقَدْ عُرِفَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْخَاصَّ الْمُوَافِقَ لِلْعَامِّ لَا يُخَصِّصُ الْعَامَّ إلَّا عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ وَقَدْ زَيَّفُوا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّ الْمُقْرِضَ أَوْلَى بِمَالِهِ فِي الْقَرْضِ كَمَا أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ فِي الْبَيْعِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ لَكِنْ قَدْ عَرَفْت أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخُصُّ عُمُومَ حَدِيثِ الْبَابِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَفَادَ قَوْلُهُ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَهُ، وَقَدْ تَغَيَّرَ بِصِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ أَوْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ صَاحِبُهُ أَوْلَى بِهِ بَلْ يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِعَيْبٍ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ وَلَا أَرْشَ لَهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ كَانَ لِلْمُشْتَرِيَّ غَرَامَةُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَهِيَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ حَتَّى حَصَلَتْ وَكَذَلِكَ الْفَوَائِدُ لِلْمُشْتَرِي وَلَوْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً لِأَنَّهَا إنَّمَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ وَيَلْزَمُ لَهُ قِيمَةُ مَا لَا حَدَّ لِبَقَائِهِ كَالشَّجَرَةِ إذَا غَرَسَهَا، وَإِبْقَاءُ مَا لَهُ حَدٌّ بِلَا أُجْرَةٍ كَالزَّرْعِ، وَكَذَلِكَ إذَا نَقَصَتْ الْعَيْنُ فَلَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْحَدِيثُ يَتَنَاوَلُهُ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مَبِيعٌ بَاقٍ بِعَيْنِهِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) دَلَّ لَفْظُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرْسَلِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا كَانَ قَدْ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي اسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ بَلْ يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَبِهَذَا أَخَذَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَهُوَ رَاجِحُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يَصِيرُ الْبَائِعُ بِقَبْضِ بَعْضِ ثَمَنِهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ بَلْ الْبَائِعُ أَوْلَى بِهِ، وَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَهَبَ إلَى هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ بَلْ قَالَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ فَمَنْ قَالَ
стр. 716
٨١٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ مَوْصُولٌ قَالَ بِمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَمَنْ لَا فَلَا. وَفِي وَصْلِهِ وَعَدَمِهِ خِلَافٌ مِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ إرْسَالَهُ وَهُمْ أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ «فَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَمَتَاعُ صَاحِبِ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ وَهَذَا دَالٌّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْإِفْلَاسِ وَإِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ عَمَلًا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالُوا: لِأَنَّ الْمَيِّتَ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ مَحَلٌّ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فَاسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ وَسَوَاءٌ خَلَّفَ الْمَيِّتُ وَفَاءً أَوْ لَا وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ إذَا خَلَّفَ وَفَاءً فَلَيْسَ الْبَائِعُ أَوْلَى بِمَتَاعِهِ بَلْ يُسَلِّمُ الْوَرَثَةُ الثَّمَنَ مِنْ التَّرِكَةِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ زِيَادَةُ لَفْظِ " إلَّا إنْ تَرَكَ صَاحِبُهَا وَفَاءً " لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ يُحْتَمَلُ أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ رَأْيِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَرِينَةُ الِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ عَنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا قَضِيَّةَ الْمَوْتِ وَكَذَلِكَ الَّذِينَ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْإِفْلَاسِ وَأَنَّ صَاحِبَ الْمَتَاعِ أَوْلَى بِمَتَاعِهِ عَمَلًا بِعُمُومِ «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ» - الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ " قَالَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْإِفْلَاسِ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَوْلُهُ فِيهَا فَإِنْ مَاتَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ لَمْ يَصِحَّ وَصْلُهُ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ بَلْ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْإِفْلَاسِ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ.
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ﵁ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ تَابِعِيٌّ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ عَنْ أَبِيهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُّ) بِفَتْحِ اللَّامِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ مَصْدَرُ لَوَى يَلْوِي أَيْ مَطَلَ أُضِيفَ إلَى فَاعِلِهِ وَهُوَ (الْوَاجِدُ) بِالْجِيمِ يَعْنِي مِنْ الْوُجْدِ بِالضَّمِّ أَيْ الْقُدْرَةِ (يُحِلُّ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ (عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفَسَّرَ الْبُخَارِيُّ حِلَّ الْعَرْضِ بِمَا عَلَّقَهُ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ يَقُولُ مَطَلَنِي وَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ وَهُوَ دَلِيلٌ لِزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ
стр. 717
٨١٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَأَفْلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ. وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٨١٦ - وَعَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ. وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ،
أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ الْحَجْرَ وَبَيْعَ الْحَاكِمِ عِنْدَ مَالِهِ وَهَذَا أَيْضًا دَاخِلٌ تَحْتَ لَفْظِ عُقُوبَتِهِ لَا سِيَّمَا وَتَفْسِيرُهَا بِالْحَبْسِ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ. وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ مَطْلِ الْوَاجِدِ وَلِذَا أُبِيحَتْ عُقُوبَتُهُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَبْلُغُ إلَى حَدِّ الْكَبِيرَةِ فَيَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَطْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ لَا؟ فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا يَفْسُقُ بِهِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ إنَّهُ يَفْسُقُ بِمَطْلِ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ فَمَا فَوْقُ قِيَاسًا عَلَى نِصَابِ السَّرِقَةِ وَفِي كَلَامِ الْهَادِي ﵇ مَا يَقْضِي بِأَنَّهُ يَفْسُقُ بِدُونِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ذَهَبَتْ إلَى هَذَا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَّا أَنَّهُمْ تَرَدَّدُوا فِي اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اشْتِرَاطُهُ ثُمَّ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ مَطْلَ غَيْرِ الْوَاجِدِ وَهُوَ الْمُعْسِرُ لَا يُحِلُّ عِرْضَهُ وَلَا عُقُوبَتَهُ، وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ «أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ جَابِرٍ وَقَوْلُهُ «فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ» بِأَنَّ هَذَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَالْحَثِّ عَلَى جَبْرِ مَنْ حَدَثَ عَلَيْهِ حَادِثٌ. وَيَدُلُّ أَيْضًا قَوْلُهُ «وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ إذْ لَوْ كَانَتْ مَضْمُونَةً لَقَالَ وَمَا بَقِيَ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ أَوْ نَحْوَهُ إذْ الدَّيْنُ لَا يَسْقُطُ بِإِعْسَارِ الْمَدِينِ، وَإِنَّمَا تَتَأَخَّرُ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ فِي الْحَالِ وَمَتَى أَيْسَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
стр. 718
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مُرْسَلًا، وَرَجَّحَ إرْسَالَهُ
(وَعَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمَّاهُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ (عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَبَاعَهُ عَنْ دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مُرْسَلًا وَرَجَّحَ إرْسَالَهُ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الْمُرْسَلُ أَصَحُّ مِنْ الْمُتَّصِلِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْأَحْكَامِ هُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ. كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَجَعَلَ لِغُرَمَائِهِ خَمْسَةَ أَسْبَاعِ حُقُوقِهِمْ «فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِعْهُ لَنَا فَقَالَ لَيْسَ لَكُمْ إلَيْهِ سَبِيلٌ».
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ وَزَادَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْيَمَنِ لِيَجْبُرَهُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْجُرُ الْحَاكِمُ عَلَى الْمَدِينِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ وَيَبِيعُهُ عَنْهُ لِقَضَاءِ غُرَمَائِهِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ غَيْرِ صَحِيحٍ فَإِنَّ هَذَا فِعْلٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَقْوَالٍ تَصْدُرُ عَنْهُ ﷺ يَحْجُرُ بِهَا تَصَرُّفَهُ وَأَلْفَاظٍ يَبِيعُ بِهَا مَالَهُ وَأَلْفَاظٍ يَقْضِي بِهَا غُرَمَاءَهُ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يُقَالُ إنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ إنَّمَا حِكَايَةُ الْفِعْلِ مِثْلُ حَدِيثِ خَلْعِ نَعْلِهِ فَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ كَمَا لَا يَخْفَى ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَالَهُ كَانَ مُسْتَغْرَقًا بِالدَّيْنِ فَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ مِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ مَالُهُ فِي الْحَجْرِ وَالْبَيْعِ عَنْهُ كَالْوَاجِدِ إذَا مَطَلَ.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ جُمْهُورُ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيُّ إنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ وَيُبَاعُ مَالُهُ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ الْمُسَارَعَةِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْحَنَفِيَّةُ إنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُبَاعُ عَنْهُ بَلْ يَجِبُ حَبْسُهُ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ لِحَدِيثِ إنَّهُ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ» لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ وَمُقْتَضَى الْحَجْرِ وَالْبَيْعِ إخْرَاجُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ طِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا رِضَا (وَالْجَوَابُ) عَنْهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ وَالْآيَةَ عَامَّانِ خُصِّصَا بِحَدِيثِ مُعَاذٍ لَا يَتِمُّ لِأَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ لَيْسَ إلَّا فِي الْمُسْتَغْرَقِ مَالُهُ بِدَيْنِهِ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَاجِدُ الْمَاطِلُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُمَا خُصِّصَا بِقِيَاسِ الْمَاطِلِ الْوَاجِدِ عَلَى مَنْ اسْتَغْرَقَ دِينُهُ مَالَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَدَمُ نُهُوضِ الْقِيَاسِ.
نَعَمْ فِي حَدِيثِ «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَيُبَاعُ عَنْهُ مَالُهُ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ مَفْهُومِ الْعُقُوبَةِ، وَتَفْسِيرُهَا بِالْحَبْسِ فَقَطْ مُجَرَّدُ رَأْيٍ مِنْ قَائِلِهِ. هَذَا وَقَدْ حَكَمَ عُمَرُ فِي أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ كَحُكْمِهِ ﷺ فِي مُعَاذٍ فَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ فَيُغَالِي فِيهَا فَيُسْرِعُ الْمَسِيرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ فَأَفْلَسَ فَرُفِعَ أَمْرُهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الْأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ قَدْ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ أَنْ يُقَالَ
стр. 719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَبَقَ الْحَاجَّ وَفِيهِ إلَّا أَنَّهُ أُدَانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ وَقَدْ دِينَ بِهِ - أَيْ أَحَاطَ بِهِ الدَّيْنُ - فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلِيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ فَنَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنْ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ " انْتَهَى.
وَأَمَّا قِصَّةُ جَابِرٍ مَعَ غُرَمَاءِ أَبِيهِ وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ فِي أُحُدٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَلَمْ يُعْطِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطِي وَقَالَ: سَنَغْدُو عَلَيْك فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ فَجَذَذْتهَا فَقَضَيْتهمْ وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا» فَإِنَّ فِيهَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ انْتِظَارَ الْغَلَّةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْهَا لَا يُعَدُّ مَطْلًا قِيلَ وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ دَخْلٌ يُنْظَرُ إلَى دَخْلِهِ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَالْقَصِيرَةِ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَمَنْ لَا دَخْلَ لَهُ لَا يُنْظَرُ وَيَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَهُ لِأَهْلِ الدَّيْنِ نَعَمْ
وَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَى الْبَالِغِ لِسَفَهٍ وَسُوءِ تَصَرُّفٍ فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ وَبَوَّبَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بَابُ الْحَجْرِ عَلَى الْبَالِغِينَ بِالسَّفَهِ وَذَكَرَ فِيهِ بِسَنَدِهِ " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ اشْتَرَى أَرْضًا بِسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَهَمَّ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ أَنْ يَحْجُرَا عَلَيْهِ قَالَ فَلَقِيت الزُّبَيْرَ فَقَالَ مَا اشْتَرَى أَحَدٌ بَيْعًا أَرْخَصَ مِمَّا اشْتَرَيْت قَالَ فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْحَجْرَ قَالَ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَالًا لَشَارَكْتُك قَالَ فَإِنِّي أُقْرِضُك نِصْفَ الْمَالِ قَالَ فَإِنِّي شَرِيكُك فَأَتَاهُمَا عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَهُمَا يَتَرَاوَضَانِ قَالَا مَا تَرَاوَضَانِ فَذَكَرَا لَهُ الْحَجْرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ أَتَحْجُرَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَا شَرِيكُهُ قَالَ لَا لَعَمْرِي قَالَ فَإِنِّي شَرِيكُهُ ".
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ عُثْمَانُ " كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ فِي بَيْعٍ شَرِيكُهُ فِيهِ الزُّبَيْرُ " قَالَ الشَّافِعِيُّ فَعَلِيٌّ لَا يَطْلُبُ الْحَجْرَ إلَّا وَهُوَ يَرَاهُ وَالزُّبَيْرُ لَوْ كَانَ الْحَجْرُ بَاطِلًا لَقَالَ لَا يُحْجَرُ عَلَى بَالِغٍ وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ بَلْ كُلُّهُمْ يَعْرِفُ الْحَجْرَ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَإِرَادَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَجْرَ عَلَيْهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ مِنْ أَفْعَالِ السَّلَفِ، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ فَإِنَّ السَّفِيهَ يُضِيعُهُ بِسُوءِ تَصَرُّفِهِ فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِحَجْرِهِ عَنْهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّغِيرُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ حُكْمُ الْيُتْمِ بِمُجَرَّدِ عُلُوِّ السِّنِّ وَلَا بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ الرُّشْدُ فِي دِينِهِ وَمَالِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يَجِبُ تَسْلِيمُ مَالِهِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ضَابِطٍ.
стр. 720
٨١٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْت. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
٨١٨ - وَعَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ. فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَكُنْت مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخَلَّى سَبِيلِي». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ «فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْت» وَصَحَّحَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ) وَجْهُ ذِكْرِ الْحَدِيثِ هُنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يُجِزْنِي لَمْ يَجْعَلْ لِي حُكْمَ الرِّجَالِ الْمُتَقَاتِلِينَ فِي إيجَابِ الْجِهَادِ عَلَيَّ وَخُرُوجِي مَعَهُ وَقَوْلُهُ فَأَجَازَنِي أَيْ رَآنِي فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ وَيُؤْذَنُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً صَارَ مُكَلَّفًا بَالِغًا لَهُ أَحْكَامُ الرِّجَالِ وَمَنْ كَانَ دُونَهَا فَلَا وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ «فَلَمْ يَرَنِي بَلَغْت» وَنَاقَشَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْبُلُوغِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَائِلًا إنَّ الْإِذْنَ فِي الْخُرُوجِ لِلْحَرْبِ يَدُورُ عَلَى الْجَلَادَةِ وَالْأَهْلِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُ فِي رَدِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لِأَجْلِ عَدَمِ الْبُلُوغِ، وَفَهْمُ ابْنُ عُمَرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ (قُلْت) وَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ وَالصَّحَابِيُّ أَعْرَفُ بِمَا رَوَاهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا سَنَةُ خَمْسٍ يَرُدُّهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَلِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ
(وَعَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ ﵁) بِضَمِّ الْقَافِ فَرَاءٍ نِسْبَةٌ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ (قَالَ «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خَلَّى سَبِيلَهُ فَكُنْت مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخَلَّى سَبِيلِي». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ
стр. 721
٨١٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» وَفِي لَفْظٍ «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
٨٢٠ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الشَّيْخَيْنِ) وَهُوَ كَمَا قَالَ إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُخَرِّجَا لِعَطِيَّةِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْإِنْبَاتِ الْبُلُوغُ فَتَجْرِي عَلَى مَنْ أَنْبَتَ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ وَلَعَلَّهُ إجْمَاعٌ.
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» وَفِي لَفْظٍ «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ حَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَاسْتِطَابَةِ النَّفْسِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الرَّشِيدَةِ وَقَدْ ثَبَتَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلنِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ وَبِلَالٌ يَتَلَقَّاهُ بِرِدَائِهِ وَهَذِهِ عَطِيَّةٌ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ» انْتَهَى وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مُسْتَدِلِّينَ بِمَفْهُومَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يَذْهَبْ إلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ إلَّا طَاوُسٌ فَقَالَ إنَّ الْمَرْأَةَ مَحْجُورَةٌ عَنْ مَالِهَا إذَا كَانَتْ مُزَوَّجَةً إلَّا فِيمَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ الزَّوْجُ وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ تَصَرُّفَهَا مِنْ الثُّلُثِ.
(وَعَنْ قَبِيصَةَ بِفَتْحِ الْقَافِ فَمُوَحَّدَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ ابْنُ مُخَارِقٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فِرَاءٍ مَكْسُورَةٍ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً» بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ «فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا
стр. 722
٨٢١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا. وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ
ثُمَّ يُمْسِكَ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ. وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ. لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَدْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِهِ فِي بَابِ قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ وَلَعَلَّ إعَادَتَهُ هُنَا أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي تَحَمَّلَ حَمَالَةً قَدْ لَزِمَهُ دَيْنٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمُفْلِسِ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ بَلْ يُتْرَكُ حَتَّى يَسْأَلَ النَّاسَ فَيَقْضِي دَيْنَهُ وَهَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الْقَوَاعِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ ضَمِنَ ذَلِكَ الْمَالَ.
بَابُ الصُّلْحِ
قَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الصُّلْحَ أَقْسَامًا، صُلْحُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ، وَالصُّلْحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَالصُّلْحُ بَيْنَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَالْعَادِلَةِ وَالصُّلْحُ بَيْنَ الْمُتَقَاضِيَيْنِ وَالصُّلْحُ فِي الْجِرَاحِ كَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْأَمْلَاكِ وَالْحُقُوقِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الصُّلْحِ.
٨٢١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا. وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ، وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ» وَفِي لَفْظِ أَبِي دَاوُد «وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا».
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ) كَذَّبَهُ الشَّافِعِيُّ وَتَرَكَهُ أَحْمَدُ وَفِي الْمِيزَانِ عَنْ ابْنِ حِبَّانَ لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
стр. 723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأَبُو دَاوُد هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ وَاعْتَذَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التِّرْمِذِيِّ بِقَوْلِهِ (وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى فِي أَحْكَامِ الصُّلْحِ وَهُوَ أَنَّ وَضْعَهُ مَشْرُوطٌ فِيهِ الْمُرَاضَاةُ لِقَوْلِهِ جَائِزٌ أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لَازِمٍ يَقْضِي بِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْخَصْمُ وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكُفَّارِ فَتُعْتَبَرُ أَحْكَامُ الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ.
وَإِنَّمَا خُصَّ الْمُسْلِمُونَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ الْمُعْتَبَرُونَ فِي الْخِطَابِ الْمُنْقَادُونَ لِأَحْكَامِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ وَظَاهِرُهُ عُمُومُ صِحَّةِ الصُّلْحِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ اتِّضَاحِ الْحَقِّ لِلْخَصْمِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قِصَّةُ الزُّبَيْرِ وَالْأَنْصَارِيِّ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَبَانَ لِلزُّبَيْرِ مَا اسْتَحَقَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى جِهَةِ الْإِصْلَاحِ فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلْ الْأَنْصَارِيُّ الصُّلْحَ وَطَلَبَ الْحَقَّ أَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ كَذَا قَالَ الشَّارِحُ، وَالثَّابِتُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الصُّلْحِ مَعَ الْإِنْكَارِ بَلْ مِنْ الصُّلْحِ مَعَ سُكُوتِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الزُّبَيْرَ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْحَقِّ الَّذِي لَهُ حَتَّى يَدَّعِهِ بِالصُّلْحِ بَلْ هَذَا أَوَّلُ التَّشْرِيعِ فِي قَدْرِ السُّقْيَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الصُّلْحُ إلَّا هَكَذَا.
وَأَمَّا بَعْدَ إبَانَةِ الْحَقِّ لِلْخَصْمِ فَإِنَّمَا يَطْلُبُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ أَوْ يَتْرُكُ لِخَصْمِهِ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ. وَإِلَى جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالُوا لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ مَعَ الْإِنْكَارِ وَمَعْنَى عَدَمِ صِحَّتِهِ أَنْ لَا يَطِيبَ مَالُ الْخَصْمِ مَعَ إنْكَارِ الْمَصَالِحِ وَذَلِكَ حَيْثُ يَدَّعِي عَلَيْهِ آخَرُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا فَيُصَالِحُ بِبَعْضِ الْعَيْنِ أَوْ الدَّيْنِ مَعَ إنْكَارِ خَصْمِهِ فَإِنَّ الْبَاقِيَ لَا يَطِيبُ لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ» وقَوْله تَعَالَى ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا قَدْ وَقَعَتْ طِيبَةُ النَّفْسِ بِالرِّضَا بِالصُّلْحِ وَعَقْدُ الصُّلْحِ قَدْ صَارَ فِي حُكْمِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَيَحِلُّ لَهُ مَا بَقِيَ (قُلْت) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ حَقًّا عِنْدَ خَصْمِهِ جَازَ لَهُ قَبْضُ مَا صُولِحَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ خَصْمُهُ مُنْكِرًا، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي بَاطِلًا فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ الدَّعْوَى وَأَخْذُ مَا صُولِحَ بِهِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ عِنْدَهُ حَقٌّ يَعْلَمْهُ وَإِنَّمَا يُنْكِرُ لِغَرَضٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ مَا صُولِحَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ حَقٌّ جَازَ لَهُ إعْطَاءُ جُزْءٍ مِنْ مَالِهِ فِي دَفْعِ شِجَارِ غَرِيمٍ وَأَذِيَّتِهِ، وَحُرِّمَ عَلَى الْمُدَّعِي أَخْذُهُ وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ فَلَا يُقَالُ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ لَا يَصِحُّ وَلَا أَنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ يُفْصَلُ فِيهِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَا أَفَادَهَا قَوْلُهُ «وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» - أَيْ ثَابِتُونَ عَلَيْهَا وَاقِفُونَ عِنْدَهَا، وَفِي تَعْدِيَتِهِ بِعَلَى وَوَصْفِهِمْ بِالْإِسْلَامِ أَوْ الْإِيمَانِ دَلَالَةٌ عَلَى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يُخِلُّونَ بِشُرُوطِهِمْ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى لُزُومِ الشَّرْطِ إذَا شَرَطَهُ الْمُسْلِمُ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ. وَلِلْمُفَرِّعِينَ تَفَاصِيلُ فِي الشُّرُوطِ وَتَقَاسِيمُ مِنْهَا مَا يَصِحُّ وَيَلْزَمُ حُكْمُهُ وَمِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ وَلَا
стр. 724
٨٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
يَلْزَمُ وَمِنْهَا مَا يَصِحُّ وَيَلْزَمُ مِنْهُ فَسَادُ الْعَقْدِ وَهِيَ هُنَالِكَ مَبْسُوطَةٌ بِعِلَلٍ وَمُنَاسِبَاتٍ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ تَفَاصِيلُ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَقَوْلُهُ «إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا» وَذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ الْبَائِعِ أَنْ لَا يَطَأَ الْأَمَةَ أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ وَطْءَ الْأَمَةِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَطْأَهَا.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا يَمْنَعُ) يُرْوَى بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ وَالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ (جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً) بِالْإِفْرَادِ وَفِي لَفْظٍ خَشَبَهُ بِالْجَمْعِ (فِي جِدَارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهُمَا مُعْرِضِينَ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) بِالتَّاءِ جَمْعُ كَتِفٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ وَلِأَحْمَدَ حِينَ حَدَّثَهُمْ بِذَلِكَ فَطَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ وَالْمُرَادُ الْمُخَاطَبُونَ وَهَذَا قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيَّامَ إمَارَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَخْلِفُهُ فِيهَا فَالْمُخَاطَبُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنَّهُمْ جَاهِلُونَ بِذَلِكَ وَلَيْسُوا بِصَحَابَةٍ.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي حَائِطِ جَارِهِ» وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِنْ وَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى جِدَارِهِ وَأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أُجْبِرَ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِجَارِهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا عَمَلًا بِالْحَدِيثِ، وَذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي أَيَّامِ وُفُورِ الصَّحَابَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ عُمَرَ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ: وَهُوَ فِيمَا.
رَوَاهُ مَالِكٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنْ يَسُوقَ خَلِيجًا لَهُ فَيُجْرِيهِ فِي أَرْضٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَامْتَنَعَ فَكَلَّمَهُ عُمَرُ فِي ذَلِكَ فَأَبَى فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَتَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ: وَهَذَا نَظِيرُ قِصَّةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمَّمَهُ عُمَرُ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ الْجَارُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ دَارِ جَارِهِ وَأَرْضِهِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً إلَّا بِإِذْنِ جَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَمْ يَجُزْ. قَالُوا لِأَنَّ أَدِلَّةَ أَنَّهُ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ» تَمْنَعُ هَذَا الْحُكْمَ فَهُوَ لِلتَّنْزِيهِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ نَجِدْ فِي السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذَا الْحُكْمَ إلَّا عُمُومَاتٍ لَا يُنْكِرُ أَنْ يَخُصَّهَا، وَقَدْ حَمَلَهَا الرَّاوِي عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ " فَإِنَّهُ اسْتِنْكَارٌ لِإِعْرَاضِهِمْ دَالٌّ
стр. 725
٨٢٣ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلتَّحْرِيمِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ " بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ " إنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذَا الْحُكْمَ وَتَعْمَلُوا بِهِ رَاضِينَ لَأَجْعَلَنَّهَا أَيْ الْخَشَبَةَ عَلَى رِقَابِكُمْ كَارِهِينَ: قَالَ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ (قُلْت) وَاَلَّذِي يَتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا أَيْ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمَأْمُورِ بِهَا بَيْنَكُمْ بَلَاغًا لِمَا تَحَمَّلْته مِنْهَا وَخُرُوجًا عَنْ كَتْمِهَا وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ بِهَا.
(وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا) وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي مَعْنَاهُ، أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ «لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ «لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا» وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَالِ الْمُسْلِمِ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ وَإِنْ قَلَّ. وَالْإِجْمَاعُ وَاقِعٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ عَقِيبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إشَارَةً إلَى تَأْوِيلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّأْوِيلِ إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ بِالتَّخْصِيصِ، فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصٌّ وَتِلْكَ الْأَدِلَّةُ عَامَّةٌ كَمَا عَرَفْتَ وَقَدْ أُخْرِجَ مِنْ عُمُومِهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ كَأَخْذِ الزَّكَاةِ كُرْهًا وَكَالشُّفْعَةِ وَإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ وَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ الْمُعْسِرِ وَالزَّوْجَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي لَا يُخْرِجُهَا الْمَالِكُ بِرِضَاهُ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ كُرْهًا، وَغَرْزُ الْخَشَبَةِ مِنْهَا عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ انْتِفَاعٍ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ.
باب الحوالة والضمان
الْحَوَالَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ. حَقِيقَتُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ نَقْلُ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ رُخِّصَ فِيهِ وَأُخْرِجَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ أَوْ هِيَ اسْتِيفَاءٌ، وَقِيلَ هِيَ عَقْدُ إرْفَاقٍ مُسْتَقِلٍّ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا لَفْظُهَا وَرِضَا الْمُحِيلِ بِلَا خِلَافٍ وَالْمُحَالِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ
стр. 726
٨٢٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيُتْبَعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ «وَمَنْ أُحِيلَ فَلْيَحْتَلْ».
وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَتَمَاثُلُ الصِّفَاتِ وَأَنْ تَكُونَ فِي الشَّيْءِ الْمَعْلُومِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهَا بِمَا دُونَ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَطْلُ الْغَنِيِّ) إضَافَةٌ لِلْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ أَيْ مَطْلُ الْغَنِيِّ غَرِيمَهُ، وَقِيلَ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ مَطْلُ الْغَرِيمِ لِلْغَنِيِّ (ظُلْمٌ) وَبِالْأَوْلَى مَطْلُهُ الْفَقِيرَ (وَإِذَا أُتْبِعَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ) مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُلَاءِ بِالْهَمْزَةِ يُقَالُ مَلُؤَ الرَّجُلُ أَيْ صَارَ مَلِيئًا (فَلْيُتْبَعْ) بِإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْضًا مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ كَالْأَوَّلِ أَيْ إذَا أُحِيلَ فَلْيَحْتَلْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَطْلِ مِنْ الْغَنِيِّ، وَالْمَطْلُ هُوَ الْمُدَافَعَةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَأْخِيرُ مَا اُسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْأَدَاءِ وَالْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْغَنِيِّ الْقَادِرِ أَنْ يَمْطُلَ بِالدَّيْنِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ. وَمَعْنَاهُ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي أَنَّهُ يَجِبُ وَفَاءُ الدَّيْنِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقُّهُ غَنِيًّا فَلَا يَكُونُ غِنَاهُ سَبَبًا لِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ فَفِي حَقِّ الْفَقِيرِ أَوْلَى. وَدَلَّ الْأَمْرُ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ الْإِحَالَةِ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَلَا أَدْرِي مَا الْحَامِلُ عَلَى صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَعَلَى الْوُجُوبِ حَمَلَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي أَنَّ الْمَطْلَ كَبِيرَةٌ يَفْسُقُ صَاحِبُهُ فَلَا نُكَرِّرُهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَفْسُقُ قَبْلَ الطَّلَبِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْهُ وَاَلَّذِي يُشْعِرُ بِهِ الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الطَّلَبِ لِأَنَّ الْمَطْلَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَهُ، وَيَشْمَلُ الْمَطْلُ كُلَّ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ كَالزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَالسَّيِّدُ فِي نَفَقَةِ عَبْدِهِ. وَدَلَّ الْحَدِيثُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ مَطْلَ الْعَاجِزِ عَنْ الْأَدَاءِ لَا يَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ وَمَنْ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ يَقُولُ لَا يُسَمَّى الْعَاجِزُ مَاطِلًا، وَالْغَنِيُّ الْغَائِبُ عَنْهُ مَالُهُ كَالْمَعْدُومِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يُطَالَبُ حَتَّى يُوسِرَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ جَازَتْ مُؤَاخَذَتُهُ لَكَانَ ظَالِمًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ بِظَالِمٍ لِعَجْزِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ لِفَقْرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ
стр. 727
٨٢٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا. فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْنَا تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقُلْنَا: دِينَارَانِ. فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ. فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَقَّ الْغَرِيمِ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
عَلَى الْمُحِيلِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْغِنَى فَائِدَةٌ فَلَمَّا شَرَطَهُ الشَّارِعُ عُلِمَ أَنَّهُ انْتَقَلَ انْتِقَالًا لَا رُجُوعَ لَهُ كَمَا لَوْ عُوِّضَ فِي دَيْنِهِ بِعِوَضٍ ثُمَّ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي يَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ يَرْجِعُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَشَبَّهُوا الْحَوَالَةَ بِالضَّمَانِ، وَأَمَّا إذَا جَهِلَ الْإِفْلَاسَ حَالَ الْحَوَالَةِ فَلَهُ الرُّجُوعُ
(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا تُصَلِّي عَلَيْهِ، فَخَطَا خُطًى ثُمَّ قَالَ: عَلَيْهِ دَيْنٌ: قُلْنَا: دِينَارَانِ فَانْصَرَفَ» أَيْ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ «فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الدِّينَارَانِ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقَّ الْغَرِيمِ» مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ الدِّينَارَانِ عَلَيَّ أَيْ حَقَّ عَلَيْكَ الْحَقُّ وَثَبَتَ عَلَيْك وَكُنْتَ غَرِيمًا «وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ».
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِهِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ دِينَارَانِ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْكِتَابِ أَنَّهُمَا كَانَا دِينَارَيْنِ وَشَطْرًا فَمَنْ قَالَ ثَلَاثَةٌ جَبَرَ الْكَسْرَ وَمَنْ قَالَ دِينَارَانِ أَلْغَاهُ أَوْ كَانَ الْأَصْلُ ثَلَاثَةً فَقَضَى قَبْلَ مَوْتِهِ دِينَارًا فَمَنْ قَالَ ثَلَاثَةٌ اعْتَبَرَ أَصْلَ الدَّيْنِ وَمَنْ قَالَ دِينَارَانِ اعْتَبَرَ الْبَاقِيَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا.
وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ ﷺ جَعَلَ إذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: «مَا صَنَعَتْ الدِّينَارَانِ حَتَّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ قَالَ قَضَيْتهمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ» وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أُتِيَ بِجِنَازَةٍ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الرَّجُلِ وَيَسْأَلُ عَنْ دَيْنِهِ فَإِنْ قِيلَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَفَّ وَإِنْ قِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَلَّى، فَأُتِيَ بِجِنَازَةٍ فَلَمَّا قَامَ لِيُكَبِّرَ سَأَلَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالُوا دِينَارَانِ فَعَدَلَ عَنْهُ فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَفَكَّ اللَّهُ رِهَانَكَ» - الْحَدِيثَ
стр. 728
٨٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟ فَإِنْ حَدَثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً».
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْكَفَالَةِ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَحْتَمِلَ الْوَاجِبَ غَيْرُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ أَمْرِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ ﷺ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ وَشَفَاعَتُهُ مَقْبُولَةٌ لَا تُرَدُّ، وَالدَّيْنُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالتَّأْدِيَةِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِالظَّاهِرِ مِنْ اللَّفْظِ بَلْ لَا بُدَّ لِلْحَاكِمِ فِي الْإِلْزَامِ بِالْحَقِّ مِنْ تَحَقُّقِ أَلْفَاظِ الْعُقُودِ وَالْإِقْرَارَاتِ وَأَنَّهُ إذَا ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْحُكُومَةُ أَنَّهُ قَصَدَ بِاللَّفْظِ مَعْنًى يَحْتَمِلُ، وَإِنْ بَعُدَ الِاحْتِمَالُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَعَطَفَ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطُ (٨٢٦) - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟ فَإِنْ حَدَثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً».
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ فَإِنْ حَدَثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ وَإِلَّا قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً) إيرَادُ الْمُصَنِّفِ لَهُ عَقِيبَ الَّذِي قَبْلَهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ ﷺ نُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ لَمَّا فُتِحَ عَلَيْهِ ﷺ وَاتَّسَعَ الْحَالُ بِتَحَمُّلِهِ الدُّيُونَ عَنْ الْأَمْوَاتِ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهَلْ هُوَ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ مُحْتَمَلٌ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهَكَذَا يَلْزَمُ الْمُتَوَلِّي لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَر الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَى كُلِّ إمَامٍ بَعْدَكَ: قَالَ وَعَلَى كُلِّ إمَامٍ بَعْدِي»: وَقَدْ وَقَعَ مَعْنَاهُ فِي الطَّبَرَانِيُّ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَفْدِيَ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَنُعْطِيَ سَائِلَهُمْ. ثُمَّ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ وَعَلَى الْوُلَاةِ مِنْ بَعْدِي فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ» وَفِيهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ وَمُتَّهَمٌ.
стр. 729
٨٢٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
بَابُ الشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ
٨٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) وَقَالَ إنَّهُ مُنْكَرٌ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ فِي الْحَدِّ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَا تَجُوزُ الضَّمَانَةُ بِالْوَجْهِ أَصْلًا لَا فِي مَالٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَهُوَ طَرِيقُ النَّظَرِ أَنْ نَسْأَلَ مَنْ قَالَ بِصِحَّتِهِ عَمَّنْ تَكَفَّلَ بِالْوَجْهِ فَقَطْ فَغَابَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ مَاذَا تَصْنَعُونَ بِالضَّامِنِ بِوَجْهِهِ أَتُلْزِمُونَهُ غَرَامَةَ مَا عَلَى الْمَضْمُونِ فَهَذَا جَوْرٌ وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ قَطُّ. أَمْ تَتْرُكُونَهُ فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ الضَّمَانَ بِالْوَجْهِ. أَمْ تُكَلِّفُونَهُ طَلَبَهُ فَهَذَا تَكْلِيفُ الْحَرَجِ وَمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ وَمَا لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ إيَّاهُ قَطُّ. وَأَجَازَ الْكَفَالَةَ بِالْوَجْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ ﷺ كِفْلٌ فِي تُهْمَةٍ. قَالَ وَهُوَ خَبَرٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ خَيْثَمِ بْنِ عِرَاكٍ وَهُوَ وَأَبُوهُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ آثَارًا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَدَّهَا كُلَّهَا بِأَنَّهَا لَا حُجَّةَ فِيهَا إذْ الْحُجَّةُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا غَيْرُهُ، وَهَذِهِ الْآثَارُ قَدْ سَرَدَهَا فِي الشَّرْحِ.
(بَابُ الشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ) الشَّرِكَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِهِ مَعَ سُكُونِهَا وَهِيَ بِضَمِّ الشِّينِ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الْمُشْتَرَكِ. وَالشَّرِكَةُ الْحَالَةُ الَّتِي تَحْدُثُ بِالِاخْتِيَارِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَإِنْ أُرِيدَ الشَّرِكَةُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْمَالِ الْمَوْرُوثِ حُذِفَتْ بِالِاخْتِيَارِ. " وَالْوَكَالَةُ " بِفَتْحِ الْوَاوِ وَقَدْ تُكْسَرُ مَصْدَرُ وَكَّلَ مُشَدَّدًا بِمَعْنَى التَّفْوِيضِ وَالْحِفْظِ، وَتُخَفَّفُ فَتَكُونُ بِمَعْنَى التَّفْوِيضِ وَهِيَ شَرْعًا إقَامَةُ الشَّخْصِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا
стр. 730
٨٢٩ - وَعَنْ «السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. فَجَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
٨٣٠ - وَعَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: اشْتَرَكْت أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِذَا خَانَ خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِالْجَهْلِ بِحَالِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ وَلَدُهُ أَبُو حَيَّانَ بْنُ سَعِيدٍ لَكِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَذَكَرَ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ الْحَارِثُ بْنُ شَرِيدٍ إلَّا أَنَّهُ أَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالْإِرْسَالِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَ إنَّهُ الصَّوَابُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُمَا أَيْ فِي الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ وَالْإِمْدَادِ بِمَعُونَتِهِمَا فِي مَالِهِمَا وَإِنْزَالِ الْبَرَكَةِ فِي تِجَارَتِهِمَا فَإِذَا حَصَلَتْ الْخِيَانَةُ نُزِعَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ مَالِهِمَا وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّشَارُكِ مَعَ عَدَمِ الْخِيَانَةِ وَتَحْذِيرٌ مِنْهُ مَعَهَا.
(وَعَنْ «السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَجَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ السَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَمِمَّنْ حَسَنُ إسْلَامُهُ وَكَانَ مِنْ الْمُعَمِّرِينَ عَاشَ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فِي التِّجَارَةِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ «مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي كَانَ لَا يُمَارِي وَلَا يُدَارِي». وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ". وَلِابْنِ مَاجَهْ: «كُنْت شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ»: وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَرَّرَهَا الشَّارِعُ عَلَى مَا كَانَتْ
(وَعَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: اشْتَرَكْت أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ - بَدْرٍ» - الْحَدِيثَ) تَمَامُهُ «فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ» (رَوَاهُ النَّسَائِيّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِي الْمَكَاسِبِ وَتُسَمَّى شَرِكَةَ الْأَبَدَانِ وَحَقِيقَتُهَا أَنَّ
стр. 731
٨٣١ - وَعَنْ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إذَا أَتَيْت وَكِيلِي بِخَيْبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ
يُوَكِّلَ كُلٌّ صَاحِبَهُ أَنْ يَتَقَبَّلَ وَيَعْمَلَ عَنْهُ فِي قَدْرٍ مَعْلُومٍ وَيُعَيِّنَانِ الصَّنْعَةَ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى صِحَّتِهَا الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى عَدَمِ صِحَّتِهَا لِبِنَائِهَا عَلَى الْغَرَرِ إذْ لَا يَقْطَعَانِ بِحُصُولِ الرِّبْحِ لِتَجْوِيزِ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ وَبِقَوْلِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ حَزْمٍ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْأَبْدَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَصْلًا فَإِنْ وَقَعَتْ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لَا تَلْزَمُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا كَسَبَ فَإِنْ اقْتَسَمَاهُ وَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ لَهُ مَا أَخَذَ وَإِلَّا بَدَّلَهُ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ وَلَدِهِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَذْكُرْ عَنْ أَبِيهِ شَيْئًا فَقَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ قُلْت لِأَبِي عُبَيْدَةَ أَتَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ شَيْئًا قَالَ لَا وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَى مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ قَائِلٍ مَعَنَا وَمَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إنَّ هَذِهِ شَرِكَةٌ لَا تَجُوزُ وَإِنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِمَا يُصِيبُ دُونَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ إلَّا السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ عَلَى الْخِلَافِ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ غُلُولٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَلِأَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ لَوْ صَحَّ حَدِيثُهَا فَقَدْ أَبْطَلَهَا اللَّهُ وَأَنْزَلَ ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ فَأَبْطَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَسَّمَهَا وَهُوَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ. ثُمَّ إنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يُجِيزُونَ الشَّرِكَةَ فِي الِاصْطِيَادِ وَلَا يُجِيزُهَا الْمَالِكِيَّةُ فِي الْعَمَلِ فِي مَكَانَيْنِ فَهَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي الْحَدِيثِ لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ اهـ هَذَا وَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الشَّرِكَةَ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَطَالُوا فِيهَا وَفِي فُرُوعِهَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ فَلَا نُطِيلُ بِهَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ الصَّحِيحَةَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِثْلَ مَا أَخْرَجَ صَاحِبُهُ ثُمَّ يَخْلِطُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ ثُمَّ يَتَصَرَّفَا جَمِيعًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ مَقَامَ نَفْسِهِ وَهَذِهِ تُسَمَّى شَرِكَةَ الْعِنَانِ، وَتَصِحُّ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا أَقَلَّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ الْمَالِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَيَا سِلْعَةً بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ ابْتَاعَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ مِنْهُمَا فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ كُلٌّ مِنْ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ بِمِقْدَارِ مَا أَعْطَى مِنْ الثَّمَنِ، وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إذَا خَلَطَا الْمَالَيْنِ فَقَدْ صَارَتْ تِلْكَ الْجُمْلَةُ مُشَاعَةً بَيْنَهُمَا فَمَا ابْتَاعَا بِهَا فَمُشَاعٌ بَيْنَهُمَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَثَمَنُهُ وَرِبْحُهُ وَخُسْرَانُهُ مُشَاعٌ بَيْنَهُمَا وَمِثْلُهُ السِّلْعَةُ الَّتِي اشْتَرَيَاهَا فَإِنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الثَّمَنِ.
стр. 732
٨٣٢ - وَعَنْ «عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ
٨٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ» الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إذَا أَتَيْت وَكِيلِي بِخَيْبَرَ فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ) تَمَامُ الْحَدِيثِ: «فَإِنْ ابْتَغَى مِنْك آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ»: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْوَكَالَةِ. وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ. وَتَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ بِالْوَكِيلِ. وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقَرِينَةِ فِي مَالِ الْغَيْرِ وَأَنَّهُ يُصَدَّقُ بِهَا الرَّسُولُ لِقَبْضِ الْعَيْنِ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِي الْقَبْضِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَيَّدَهُ الْمَهْدِيُّ فِي الْغَيْثِ: مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّ صِدْقِهِ. وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ لِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ فَلَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ فِيهِ وَقِيلَ عَنْهُمْ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الظَّنُّ بِصِدْقِ الرَّسُولِ جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ.
(وَعَنْ «عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً». الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ) أَيْ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ.
«وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ» الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَمَامُهُ «فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا. قَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا» وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ عُمَرَ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ، وَابْنُ جَمِيلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ مُنَافِقًا ثُمَّ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ جَمِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَقَوْلُهُ (مَا يَنْقِمُ) بِكَسْرِ الْقَافِ مَا يُنْكِرُ (إلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ) وَهُوَ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ إلَّا مَا ذَكَرَ فَلَا عُذْرَ لَهُ وَفِيهِ التَّعْرِيضُ بِكُفْرَانِ النِّعْمَةِ وَالتَّقْرِيعِ بِسُوءِ الصَّنِيعِ، وَقَوْلُهُ أَعْتَادَهُ جَمَعَ عَتَدٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَقِيلَ
стр. 733
٨٣٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ أَنْ يَذْبَحَ الْبَاقِيَ» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٨٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْعَسِيف، «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا. فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الْخَيْلُ خَاصَّةً، وَحَمَلَ الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَهَا زَكَاةَ مَالِهِ وَصَرَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ عَنْ الزَّكَاةِ وَقَوْلُهُ (فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) يُفِيدُ أَنَّهُ ﷺ تَحَمَّلَهَا عَنْ الْعَبَّاسِ تَبَرُّعًا وَفِيهِ صِحَّةُ تَبَرُّعِ الْغَيْرِ بِالزَّكَاةِ وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي تَبَرُّعِهِ بِتَحَمُّلِ الدَّيْنِ عَنْ الْمَيِّتِ وَهَذَا أَقْرَبُ الِاحْتِمَالَاتِ وَقَدْ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ أُخَرَ تَحْتَمِلُ احْتِمَالَاتٍ كَثِيرَةً. وَقَدْ بَسَطَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ تَعَجَّلَ مِنْهُ زَكَاةَ عَامَيْنِ فَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ لَمْ يَسْلَمْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَوْكِيلِ الْإِمَامِ لِلْعَامِلِ فِي قَبْضِ الزَّكَاةِ وَلِأَجْلِ هَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِيهِ أَنَّ بَعْثَ الْعُمَّالِ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ؛ وَفِيهِ أَنَّهُ يُذَكِّرُ الْغَافِلَ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِإِغْنَائِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فَقِيرًا لِيَقُومَ بِحَقِّ اللَّهِ. وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ مَنْ مَنَعَ الْوَاجِبَ فِي غِيبَتِهِ بِمَا يَنْقُصُهُ وَفِيهِ تَحَمُّلُ الْإِمَامِ عَنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَالِاعْتِذَارُ عَنْ الْبَعْضِ وَحُسْنُ التَّأْوِيلِ.
(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ أَنْ يَذْبَحَ الْبَاقِيَ» - الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي نَحْرِ الْهَدْيِ وَهُوَ إجْمَاعٌ إذَا كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا فَإِنْ كَانَ كَافِرًا كِتَابِيًّا صَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ صَاحِبُ الْهَدْيِ عَنْهُ دَفْعَهُ إلَيْهِ أَوْ عِنْدَ ذَبْحِهِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ) بِعَيْنٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَفَاءٍ الْأَجِيرُ وَزْنًا وَمَعْنًى «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» - الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) سَيَأْتِي فِي الْحُدُودِ مُسْتَوْفًى. وَذُكِرَ هُنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ وَكِيلٌ عَنْ الْإِمَامِ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ) وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ وَغَيْرَهُ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ وَالْإِمَامُ لَمَّا لَمْ يَتَوَلَّ إقَامَةَ الْحَدِّ بِنَفْسِهِ وَوَلَّاهُ غَيْرَهُ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَوْكِيلِهِ لِلْغَيْرِ.
стр. 734
بَابِ الْإِقْرَارِ
٨٣٦ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : قُلْ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ
الْإِقْرَارُ لُغَةً الْإِثْبَاتُ، وَفِي الشَّرْعِ إخْبَارُ الْإِنْسَانِ بِمَا عَلَيْهِ وَهُوَ ضِدُّ الْجُحُودِ.
(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ) سَاقَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَفِيهِ وَصَايَا نَبَوِيَّةٌ. وَلَفْظُهُ: قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْظُرَ إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنِّي وَلَا أَنْظُرُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَنْ أُحِبَّ الْمَسَاكِينَ، وَأَنْ أَدْنُوَ مِنْهُمْ، وَأَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْ قَطَعُونِي وَجُفُونِي، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا، وَأَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» وَقَوْلُهُ قُلْ الْحَقَّ يَشْمَلُ قَوْلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ وَمِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ وَبِاعْتِبَارِ شُمُولِهِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اعْتِبَارِ إقْرَارِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَهُوَ أَمْرٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ لِأَنَّ قَوْلَ الْحَقِّ عَلَى النَّفْسِ هُوَ الْإِخْبَارُ بِمَا عَلَيْهَا مِمَّا يَلْزَمُهَا التَّخَلُّصُ مِنْهُ بِمَالٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ عِرْضٍ وَقَوْلُهُ " وَلَوْ كَانَ مُرًّا " مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ يَصْعُبُ إجْرَاؤُهُ عَلَى النَّفْسِ كَمَا يَصْعُبُ عَلَيْهَا إسَاغَةُ الْمُرِّ لِمَرَارَتِهِ وَيَأْتِي فِي بَابِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَحَادِيثُ فِي الْإِقْرَارِ.
باب العارية
الْعَارِيَّةُ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَتَخْفِيفِهَا وَيُقَالُ عَارَةٌ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَارَ الْفَرَسُ إذَا ذَهَبَ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَذْهَبُ مِنْ يَدِ الْمُعِيرِ أَوْ مِنْ الْعَارِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعِيرُ أَحَدٌ إلَّا وَبِهِ عَارٌ وَحَاجَةٌ وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إبَاحَةِ الْمَنَافِعِ مِنْ دُونِ مِلْكِ الْعَيْنِ.
стр. 735
٨٣٧ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
(عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) بِنَاءً مِنْهُ عَلَى سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَلِلْحَافِظِ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ سُمِعَ مِنْهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ. وَالثَّانِي لَا مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَابْنِ حِبَّانَ. وَالثَّالِثُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إلَّا حَدِيثُ الْعَقِيقَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ النَّسَائِيّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَادَّعَى عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ رَدِّ مَا قَبَضَهُ الْمَرْءُ وَهُوَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ وَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِمَصِيرِهِ إلَى مَالِكِهِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لِقَوْلِهِ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ وَلَا تَتَحَقَّقُ التَّأْدِيَةُ إلَّا بِذَلِكَ وَهُوَ عَامٌّ فِي الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَذَكَرَهُ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ لِشُمُولِهِ لَهَا، وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ مُطْلَقًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَا يَأْتِي مِمَّا يُفِيدُ مَعْنَاهُ، وَالثَّانِي لِلْهَادِي وَآخَرِينَ مَعَهُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا يَجِبُ ضَمَانُهَا إلَّا إذَا شُرِطَ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ لِلْحَسَنِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَآخَرِينَ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ وَإِنْ ضُمِنَتْ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرُ الْمُغَلِّ وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرُ الْمُغَلِّ ضَمَانٌ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَضَعَّفَاهُ وَصَحَّحَا وَقْفَهُ عَلَى شُرَيْحٍ. وَقَوْلُهُ الْمُغَلُّ بِضَمِّ الْمِيمِ فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ إذَا لَمْ يَخُنْ فِي الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِغْلَالِ وَهُوَ الْخِيَانَةُ وَقِيلَ الْمُغِلُّ الْمُسْتَغِلُّ وَأَرَادَ بِهِ الْقَابِضَ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ يَكُونُ مُسْتَغِلًّا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَحِينَئِذٍ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. عَلَى أَنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَلَوْ صَحَّ رَفْعُهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُسْتَعِيرٌ لِأَنَّهُ لَوْ الْتَزَمَ الضَّمَانَ لَلَزِمَهُ.
وَحَدِيثُ الْبَابِ كَثِيرًا مَا يُسْتَدَلُّونَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» عَلَى التَّضْمِينِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ صَرِيحًا فَإِنَّ الْيَدَ الْأَمِينَةَ أَيْضًا عَلَيْهَا مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ وَلِذَلِكَ قُلْنَا وَرُبَّمَا يُفْهَمُ وَلَمْ يَبْقَ دَلِيلٌ عَلَى تَضْمِينِ الْعَارِيَّةِ إلَّا قَوْلُهُ ﷺ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ فَإِنَّ وَصْفَهَا بِمَضْمُونَةٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ شَأْنِهَا الضَّمَانُ فَيَدُلُّ عَلَى ضَمَانِهَا مُطْلَقًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا صِفَةٌ لِلتَّقْيِيدِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ
стр. 736
٨٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ، وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَارِيَّةِ.
لِأَنَّهَا تَأْسِيسٌ وَلِأَنَّهَا كَثِيرَةٌ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ عَارِيَّةٌ قَدْ ضَمِنَاهَا لَك وَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَلْزَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ كَالْوَعْدِ وَهُوَ بَعِيدٌ فَيَتِمُّ الدَّلِيلُ بِالْحَدِيثِ الْقَائِلِ إنَّهَا تُضْمَنُ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - بِالتَّضْمِينِ إمَّا بِطَلَبِ صَاحِبِهَا لَهُ أَوْ بِتَبَرُّعِ الْمُسْتَعِيرِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَارِيَّةِ) الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا وَأَنَّهُ يَجِبُ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وَقَوْله «وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجَازِي بِالْإِسَاءَةِ مَنْ أَسَاءَ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ عَلَى الْجَوَازِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِمَسْأَلَةِ الظُّفْرِ وَفِيهَا أَقْوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ.
هَذَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَالثَّانِي يَجُوزُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿مِثْلُهَا﴾ وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُؤَيَّدِ (وَالثَّالِثُ) لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لِظَاهِرِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وَأُجِيبَ أَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا بِالْبَاطِلِ وَالْحَدِيثُ يُحْمَلُ فِيهِ النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ (الرَّابِعُ) لِابْنِ حَزْمٍ
стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا هُوَ لَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَيَبِيعُهُ وَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَإِنْ فَضَلَ عَلَى مَا هُوَ لَهُ رَدَّهُ لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ.
وَإِنْ نَقَصَ بَقِيَ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ وَيُبَرِّئَهُ فَهُوَ مَأْجُورٌ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي لَهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَظَفِرَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالٍ مِنْ عِنْدِهِ لَهُ الْحَقُّ أَخَذَهُ فَإِنْ طُولِبَ أَنْكَرَ فَإِنْ اُسْتُحْلِفَ حَلَفَ وَهُوَ مَأْجُورٌ فِي ذَلِكَ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِمَا، وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا كُلُّ مَنْ ظَفِرَ لِظَالِمٍ بِمَالٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَخْذُهُ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِ مِنْهُ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَتَيْنِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ «وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدِك بِالْمَعْرُوفِ» لَمَّا ذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَأَنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَبَنِي فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ جُنَاحٍ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا وَلِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ».
وَاسْتَدَلَّ لِكَوْنِهِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ يَكُونُ عَاصِيًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ قَالَ فَمَنْ ظَفِرَ بِمِثْلِ مَا ظُلِمَ فِيهِ هُوَ أَوْ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَلَمْ يُزِلْهُ عَنْ يَدِ الظَّالِمِ وَيَرُدَّ إلَى الْمَظْلُومِ حَقَّهُ فَهُوَ أَحَدُ الظَّالِمِينَ وَلَمْ يُعِنْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بَلْ أَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى قَطْعِ الظُّلْمِ وَكَفِّهِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ عَنْ شَرِيكٍ وَقَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ وَكُلُّهُمْ ضَعِيفٌ.
قَالَ وَلَئِنْ صَحَّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ انْتِصَافُ الْمَرْءِ مِنْ حَقِّهِ خِيَانَةً بَلْ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ وَإِنْكَارُ مُنْكَرٍ وَإِنَّمَا الْخِيَانَةُ أَنْ يَخُونَ بِالظُّلْمِ وَالْبَاطِلِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ (قُلْت) وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ حَدِيثُ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَإِنَّ الْأَمْرَ ظَاهِرٌ فِي الْإِيجَابِ وَنَصْرُ الظَّالِمِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ الظُّلْمِ، وَذَلِكَ بِأَخْذِ مَا فِي يَدِهِ لِغَيْرِهِ ظُلْمًا
стр. 738
٨٣٩ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ»
٨٤٠ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ»
وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ».
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) وَيُقَالُ مُنَيَّةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمُثَنَّاةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْمَضْمُونَةُ الَّتِي تُضْمَنُ إنْ تَلِفَتْ بِالْقِيمَةِ، وَالْمُؤَدَّاةُ الَّتِي تَجِبُ تَأْدِيَتُهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ تُضْمَنْ بِالْقِيمَةِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ الْعَارِيَّةُ إلَّا بِالتَّضْمِينِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَوْضَحُ الْأَقْوَالِ (٨٤٠) - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ - وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
(وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) قُرَشِيٌّ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَاسْتُؤْمِنَ لَهُ فَعَادَ وَحَضَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَحُسْنُ إسْلَامُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ قَالَ بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَلَفْظُهُ «بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ» وَفِي عَدَدِ الدُّرُوعِ رِوَايَاتٌ فَلِأَبِي دَاوُد كَانَتْ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ كَانَتْ ثَمَانِينَ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ كَانَتْ مِائَةَ دِرْعٍ وَمَا يُصْلِحُهَا، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَضَاعَ بَعْضُهَا فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ فَقَالَ أَنَا الْيَوْمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْغَبُ فِي الْإِسْلَامِ». وَقَوْلُهُ مَضْمُونَةٌ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَأَنَّ
стр. 739
بَابُ الْغَصْبِ
٨٤١ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
أَصْلَ الْوَصْفِ التَّقْيِيدُ وَأَنَّهُ الْأَكْثَرُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى ضَمَانِهَا بِالتَّضْمِينِ كَمَا أَسْلَفْنَا لَا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَيَكُون مُجْمَلًا كَمَا قِيلَ قَالَهُ الشَّارِحُ.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ» أَيْ مَنْ أَخَذَهُ وَهُوَ أَحَدُ أَلْفَاظِ الصَّحِيحَيْنِ «ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إيَّاهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى التَّطْوِيقِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ يُعَاقَبُ بِالْخَسْفِ إلَى سَبْعِ أَرْضِينَ فَتَكُونُ كُلُّ أَرْضٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ طَوْقًا فِي عُنُقِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ وَقِيلَ يُكَلَّفُ نَقْلَ مَا ظَلَمَهُ مِنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى الْمَحْشَرِ وَيَكُونُ كَالطَّوْقِ فِي عُنُقِهِ لَا أَنَّهُ طَوْقٌ حَقِيقَةً وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ كَلَّفَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرْضِينَ ثُمَّ يُطَوِّقُهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ».
أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ مَرْفُوعًا. وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إلَى الْمَحْشَرِ» وَفِيهِ قَوْلَانِ آخَرَانِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَالْغَصْبِ وَشِدَّةِ عُقُوبَتِهِ وَإِمْكَانِ غَصْبِ الْأَرْضِ وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَ أَسْفَلَهَا إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ، وَلَهُ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ تَحْتَهَا سَرَبًا أَوْ بِئْرًا وَأَنَّهُ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرَ الْأَرْضِ مَلَكَ بَاطِنَهَا بِمَا فِيهِ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ أَبْنِيَةٍ أَوْ مَعَادِنَ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ بِالْحَفْرِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَضُرَّ مَنْ يُجَاوِرُهُ وَأَنَّ الْأَرْضِينَ السَّبْعَ مُتَرَاكِمَةٌ لَمْ يُفْتَقْ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّهَا لَوْ فُتِقَتْ لَاكْتَفَى فِي حَقِّ هَذَا الْغَاصِبِ بِتَطْوِيقِ الَّتِي غَصَبَهَا لِانْفِصَالِهَا عَمَّا تَحْتَهَا وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَصِيرُ مَغْصُوبَةً بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَهَلْ تُضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ بَعْدَ الْغَصْبِ، فِيهِ خِلَافٌ فَقِيلَ لَا تُضْمَنُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ مَا أَخَذَ لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» قَالُوا وَلَا يُقَاسَ ثُبُوتُ الْيَدِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ عَلَى النَّقْلِ فِي الْمَنْقُولِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ قِيَاسًا عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ يُضْمَنُ بَعْدَ النَّقْلِ بِجَامِعِ الِاسْتِيلَاءِ الْحَاصِلِ فِي نَقْلِ الْمَنْقُولِ وَفِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى غَيْرِ الْمَنْقُولِ بَلْ الْحَقُّ
стр. 740
٨٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ. فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا. فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ. فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: كُلُوا وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» وَصَحَّحَهُ
أَنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ اسْتِيلَاءٌ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ يُقَالُ اسْتَوْلَى الْمَلِكُ عَلَى الْبَلَدِ، وَاسْتَوْلَى زَيْدٌ عَلَى أَرْضِ عَمْرٍو. وَقَوْلُهُ شِبْرًا كَذَا مَا فَوْقَهُ بِالْأَوْلَى وَمَا دُونَهُ دَاخِلٌ فِي التَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقَعُ إلَّا نَادِرًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ شَيْئًا عِوَضًا عَنْ شِبْرًا فَعَمَّ. إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ لَهُ قِيمَةٌ فَأَلْزَمُوا أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَأْكُلُ الرَّجُلُ صَاعَ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ عَلَى وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَضْمَنُ فَيَأْكُلُ عُمُرَهُ مِنْ الْمَالِ الْحَرَامِ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ أَثِمَ كَأَكْلِهِ مِنْ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ عَلَى لُقْمَةٍ لُقْمَةٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ عَلَى الْجَمِيعِ.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ» سَمَّاهَا ابْنُ حَزْمٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ (مَعَ خَادِمٍ لَهَا) قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْخَادِمِ «بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالُوا كُلُوا وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ» - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ وَزَادَ «فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامٌ بِطَعَامٍ وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» وَصَحَّحَهُ) وَاتَّفَقَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ عَائِشَةَ فِي صَحْفَةِ أُمِّ سَلَمَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْرٌ فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ» - الْحَدِيثَ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُهَا لِحَفْصَةَ وَأَنَّ عَائِشَةَ كَسَرَتْ الْإِنَاءَ " وَوَقَعَ مِثْلُهَا لِصَفِيَّةَ مَعَ عَائِشَةَ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا كَانَ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمِثْلِيِّ مِنْ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا فِي الْقِيَمِيِّ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. الْأَوَّلُ لِلشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْمِثْلُ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِهِ. وَالثَّانِي لِلْهَادَوِيَّةِ أَنَّ الْقِيَمِيَّ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْحَنَفِيَّةُ أَمَّا مَا يُكَالُ
следующие страницы →