← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

٨٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ، وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَارِيَّةِ. لِأَنَّهَا تَأْسِيسٌ وَلِأَنَّهَا كَثِيرَةٌ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ عَارِيَّةٌ قَدْ ضَمِنَاهَا لَك وَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَلْزَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ كَالْوَعْدِ وَهُوَ بَعِيدٌ فَيَتِمُّ الدَّلِيلُ بِالْحَدِيثِ الْقَائِلِ إنَّهَا تُضْمَنُ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - بِالتَّضْمِينِ إمَّا بِطَلَبِ صَاحِبِهَا لَهُ أَوْ بِتَبَرُّعِ الْمُسْتَعِيرِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَارِيَّةِ) الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا وَأَنَّهُ يَجِبُ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وَقَوْله «وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجَازِي بِالْإِسَاءَةِ مَنْ أَسَاءَ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ عَلَى الْجَوَازِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِمَسْأَلَةِ الظُّفْرِ وَفِيهَا أَقْوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ. هَذَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَالثَّانِي يَجُوزُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿مِثْلُهَا﴾ وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُؤَيَّدِ (وَالثَّالِثُ) لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لِظَاهِرِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وَأُجِيبَ أَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا بِالْبَاطِلِ وَالْحَدِيثُ يُحْمَلُ فِيهِ النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ (الرَّابِعُ) لِابْنِ حَزْمٍ

стр. 737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا هُوَ لَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَيَبِيعُهُ وَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَإِنْ فَضَلَ عَلَى مَا هُوَ لَهُ رَدَّهُ لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ نَقَصَ بَقِيَ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ وَيُبَرِّئَهُ فَهُوَ مَأْجُورٌ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي لَهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَظَفِرَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالٍ مِنْ عِنْدِهِ لَهُ الْحَقُّ أَخَذَهُ فَإِنْ طُولِبَ أَنْكَرَ فَإِنْ اُسْتُحْلِفَ حَلَفَ وَهُوَ مَأْجُورٌ فِي ذَلِكَ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِمَا، وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا كُلُّ مَنْ ظَفِرَ لِظَالِمٍ بِمَالٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَخْذُهُ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِ مِنْهُ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَتَيْنِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ «وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدِك بِالْمَعْرُوفِ» لَمَّا ذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَأَنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَبَنِي فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ جُنَاحٍ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا وَلِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ». وَاسْتَدَلَّ لِكَوْنِهِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ يَكُونُ عَاصِيًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ قَالَ فَمَنْ ظَفِرَ بِمِثْلِ مَا ظُلِمَ فِيهِ هُوَ أَوْ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَلَمْ يُزِلْهُ عَنْ يَدِ الظَّالِمِ وَيَرُدَّ إلَى الْمَظْلُومِ حَقَّهُ فَهُوَ أَحَدُ الظَّالِمِينَ وَلَمْ يُعِنْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بَلْ أَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى قَطْعِ الظُّلْمِ وَكَفِّهِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ عَنْ شَرِيكٍ وَقَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ وَكُلُّهُمْ ضَعِيفٌ. قَالَ وَلَئِنْ صَحَّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ انْتِصَافُ الْمَرْءِ مِنْ حَقِّهِ خِيَانَةً بَلْ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ وَإِنْكَارُ مُنْكَرٍ وَإِنَّمَا الْخِيَانَةُ أَنْ يَخُونَ بِالظُّلْمِ وَالْبَاطِلِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ (قُلْت) وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ حَدِيثُ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَإِنَّ الْأَمْرَ ظَاهِرٌ فِي الْإِيجَابِ وَنَصْرُ الظَّالِمِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ الظُّلْمِ، وَذَلِكَ بِأَخْذِ مَا فِي يَدِهِ لِغَيْرِهِ ظُلْمًا

стр. 738

٨٣٩ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ» ٨٤٠ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) وَيُقَالُ مُنَيَّةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمُثَنَّاةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْمَضْمُونَةُ الَّتِي تُضْمَنُ إنْ تَلِفَتْ بِالْقِيمَةِ، وَالْمُؤَدَّاةُ الَّتِي تَجِبُ تَأْدِيَتُهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ تُضْمَنْ بِالْقِيمَةِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ الْعَارِيَّةُ إلَّا بِالتَّضْمِينِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَوْضَحُ الْأَقْوَالِ (٨٤٠) - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ - وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) قُرَشِيٌّ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَاسْتُؤْمِنَ لَهُ فَعَادَ وَحَضَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَحُسْنُ إسْلَامُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ قَالَ بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَلَفْظُهُ «بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ» وَفِي عَدَدِ الدُّرُوعِ رِوَايَاتٌ فَلِأَبِي دَاوُد كَانَتْ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ كَانَتْ ثَمَانِينَ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ كَانَتْ مِائَةَ دِرْعٍ وَمَا يُصْلِحُهَا، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَضَاعَ بَعْضُهَا فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ فَقَالَ أَنَا الْيَوْمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْغَبُ فِي الْإِسْلَامِ». وَقَوْلُهُ مَضْمُونَةٌ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَأَنَّ

стр. 739

بَابُ الْغَصْبِ ٨٤١ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَصْلَ الْوَصْفِ التَّقْيِيدُ وَأَنَّهُ الْأَكْثَرُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى ضَمَانِهَا بِالتَّضْمِينِ كَمَا أَسْلَفْنَا لَا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَيَكُون مُجْمَلًا كَمَا قِيلَ قَالَهُ الشَّارِحُ. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ» أَيْ مَنْ أَخَذَهُ وَهُوَ أَحَدُ أَلْفَاظِ الصَّحِيحَيْنِ «ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إيَّاهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى التَّطْوِيقِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ يُعَاقَبُ بِالْخَسْفِ إلَى سَبْعِ أَرْضِينَ فَتَكُونُ كُلُّ أَرْضٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ طَوْقًا فِي عُنُقِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ وَقِيلَ يُكَلَّفُ نَقْلَ مَا ظَلَمَهُ مِنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى الْمَحْشَرِ وَيَكُونُ كَالطَّوْقِ فِي عُنُقِهِ لَا أَنَّهُ طَوْقٌ حَقِيقَةً وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ كَلَّفَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرْضِينَ ثُمَّ يُطَوِّقُهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ مَرْفُوعًا. وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إلَى الْمَحْشَرِ» وَفِيهِ قَوْلَانِ آخَرَانِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَالْغَصْبِ وَشِدَّةِ عُقُوبَتِهِ وَإِمْكَانِ غَصْبِ الْأَرْضِ وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَ أَسْفَلَهَا إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ، وَلَهُ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ تَحْتَهَا سَرَبًا أَوْ بِئْرًا وَأَنَّهُ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرَ الْأَرْضِ مَلَكَ بَاطِنَهَا بِمَا فِيهِ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ أَبْنِيَةٍ أَوْ مَعَادِنَ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ بِالْحَفْرِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَضُرَّ مَنْ يُجَاوِرُهُ وَأَنَّ الْأَرْضِينَ السَّبْعَ مُتَرَاكِمَةٌ لَمْ يُفْتَقْ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّهَا لَوْ فُتِقَتْ لَاكْتَفَى فِي حَقِّ هَذَا الْغَاصِبِ بِتَطْوِيقِ الَّتِي غَصَبَهَا لِانْفِصَالِهَا عَمَّا تَحْتَهَا وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَصِيرُ مَغْصُوبَةً بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَهَلْ تُضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ بَعْدَ الْغَصْبِ، فِيهِ خِلَافٌ فَقِيلَ لَا تُضْمَنُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ مَا أَخَذَ لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» قَالُوا وَلَا يُقَاسَ ثُبُوتُ الْيَدِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ عَلَى النَّقْلِ فِي الْمَنْقُولِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ قِيَاسًا عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ يُضْمَنُ بَعْدَ النَّقْلِ بِجَامِعِ الِاسْتِيلَاءِ الْحَاصِلِ فِي نَقْلِ الْمَنْقُولِ وَفِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى غَيْرِ الْمَنْقُولِ بَلْ الْحَقُّ

стр. 740

٨٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ. فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا. فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ. فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: كُلُوا وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» وَصَحَّحَهُ أَنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ اسْتِيلَاءٌ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ يُقَالُ اسْتَوْلَى الْمَلِكُ عَلَى الْبَلَدِ، وَاسْتَوْلَى زَيْدٌ عَلَى أَرْضِ عَمْرٍو. وَقَوْلُهُ شِبْرًا كَذَا مَا فَوْقَهُ بِالْأَوْلَى وَمَا دُونَهُ دَاخِلٌ فِي التَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقَعُ إلَّا نَادِرًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ شَيْئًا عِوَضًا عَنْ شِبْرًا فَعَمَّ. إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ لَهُ قِيمَةٌ فَأَلْزَمُوا أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَأْكُلُ الرَّجُلُ صَاعَ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ عَلَى وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَضْمَنُ فَيَأْكُلُ عُمُرَهُ مِنْ الْمَالِ الْحَرَامِ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ أَثِمَ كَأَكْلِهِ مِنْ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ عَلَى لُقْمَةٍ لُقْمَةٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ عَلَى الْجَمِيعِ. (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ» سَمَّاهَا ابْنُ حَزْمٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ (مَعَ خَادِمٍ لَهَا) قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْخَادِمِ «بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالُوا كُلُوا وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ» - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ وَزَادَ «فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامٌ بِطَعَامٍ وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» وَصَحَّحَهُ) وَاتَّفَقَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ عَائِشَةَ فِي صَحْفَةِ أُمِّ سَلَمَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْرٌ فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ» - الْحَدِيثَ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُهَا لِحَفْصَةَ وَأَنَّ عَائِشَةَ كَسَرَتْ الْإِنَاءَ " وَوَقَعَ مِثْلُهَا لِصَفِيَّةَ مَعَ عَائِشَةَ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا كَانَ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمِثْلِيِّ مِنْ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا فِي الْقِيَمِيِّ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. الْأَوَّلُ لِلشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْمِثْلُ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِهِ. وَالثَّانِي لِلْهَادَوِيَّةِ أَنَّ الْقِيَمِيَّ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْحَنَفِيَّةُ أَمَّا مَا يُكَالُ

стр. 741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَوْ يُوزَنُ فَمِثْلُهُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْعَرُوضِ وَالْحَيَوَانَاتِ فَالْقِيمَةُ وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ مَعَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَاءٌ بِإِنَاءٍ وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» وَبِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ «مَنْ كَسَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ» زَادَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فَصَارَتْ قَضِيَّةً. أَيْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ حُكْمًا عَامًّا لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَانْدَفَعَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُهُ ﷺ «طَعَامٌ بِطَعَامٍ وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» كَافِيًا فِي الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُ لِلطَّعَامِ وَاضِحٌ فِي التَّشْرِيعِ الْعَامِّ لِأَنَّهُ لَا غَرَامَةَ هُنَا لِلطَّعَامِ بَلْ الْغَرَامَةُ لِلْإِنَاءِ، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَهُوَ هَدِيَّةٌ لَهُ ﷺ فَإِنْ عَدِمَ الْمِثْلَ فَالْمَضْمُونُ لَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْهِلَهُ حَتَّى يَجِدَ الْمِثْلَ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ. وَاسْتَدَلَّ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْقِيمَةِ بِأَنَّهُ ﷺ قَضَى عَلَى مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ لِشَرِيكِهِ قَالُوا: فَقَضَى ﷺ بِالْقِيمَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُعْتِقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ لَمْ يَسْتَهْلِكْ شَيْئًا وَلَا غَصَبَ شَيْئًا وَلَا تَعَدَّى أَصْلًا بَلْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ عِتْقَهَا، ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَهْلِكَ بِزَعْمِ الْمُسْتَدِلِّ هُنَا هُوَ الشِّقْصُ مِنْ الْعَبْدِ، وَمُنَاظَرَةُ شِقْصٍ لِشِقْصٍ تَبْعُدُ فَيَكُونُ النَّقْدُ أَقْرَبُ وَأَبْعَدُ مِنْ الشِّجَارِ عَلَى أَنَّ التَّقْوِيمَ لُغَةً يَشْمَلُ التَّقْدِيرَ بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا خُصَّ اصْطِلَاحًا بِالْقِيمَةِ، وَكَلَامُ الشَّارِعِ يُفَسَّرُ بِاللُّغَةِ لَا بِالِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ، وَاسْتَدَلَّ بِإِمْسَاكِهِ ﷺ أَكْسَارَ الْقَصْعَةِ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ إذَا زَالَ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ اسْمُهَا وَمُعْظَمُ نَفْعِهَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّهُ لَيْسَ فِي تَعْلِيمِ الظَّلَمَةِ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَيُقَالُ لِكُلِّ فَاسِقٍ إذَا أَرَدْت أَخْذَ قَمْحِ يَتِيمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أَكْلَ غَنَمِهِ أَوْ اسْتِحْلَالَ ثِيَابِهِ، فَقَطِّعْهَا ثِيَابًا عَلَى رَغْمِهِ وَاذْبَحْ غَنَمَهُ وَاطْبُخْهَا وَخُذْ الْحِنْطَةَ وَاطْحَنْهَا، وَكُلْ ذَلِكَ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَيْسَ عَلَيْك إلَّا قِيمَةُ مَا أَخَذْت وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ فِي نَهْيِهِ تَعَالَى أَنْ تُؤْكَلَ أَمْوَالُ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَخِلَافُ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَضِيَّةِ الْقَصْعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا وَاحْتَجُّوا بِخَبَرِ الشَّاةِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ أَنَّ «امْرَأَةً دَعَتْهُ ﷺ إلَى طَعَامٍ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَرَادَتْ ابْتِيَاعَ شَاةٍ فَلَمْ تَجِدْهَا فَأَرْسَلَتْ إلَى جَارَةٍ لَهَا أَنْ ابْعَثِي لِي الشَّاةَ الَّتِي لِزَوْجِك فَبَعَثَتْ بِهَا إلَيْهَا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشَّاةِ أَنْ تُطْعَمَ الْأَسَارَى» قَالُوا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الشَّاةِ قَدْ سَقَطَ عَنْهَا إذَا شُوِيَتْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَصِحُّ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِمْ إذْ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ اللَّحْمُ فِي مِلْكِ الَّتِي أَخَذَتْهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا وَهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لِلْغَاصِبِ وَقَدْ تَصَدَّقَ بِهَا ﷺ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَخَبَرُ شَاةِ الْأَسَارَى قَدْ بَحَثْنَا فِيهِ فِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ.

стр. 742

٨٤٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَيُقَالُ إنْ الْبُخَارِيَّ ضَعَّفَهُ ٨٤٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا وَالْأَرْضُ لِلْآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ وَقَالَ: لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ - وَآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِينِ صَحَابِيِّهِ. (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَيُقَالُ إنَّ الْبُخَارِيَّ ضَعَّفَهُ) هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الْبُخَارِيِّ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَخَالَفَهُ التِّرْمِذِيُّ فَنَقَلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ تَحْسِينَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ لَمْ يَسْمَعْ ابْنَ أَبِي رَبَاحٍ مِنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْحُفَّاظُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَلَهُ شَوَاهِدُ تُقَوِّيهِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَاصِبَ الْأَرْضِ إذَا زَرَعَ الْأَرْضَ لَا يَمْلِكُ الزَّرْعَ وَأَنَّهُ لِمَالِكِهَا، وَلَهُ مَا غَرِمَ عَلَى الزَّرْعِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْبَذْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَمَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَالْقَاسِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٌ بْنُ حَزْمٍ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَسَيَأْتِي إذْ الْمُرَادُ بِهِ مِنْ غَرْسٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا شُبْهَةٍ؛ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ إلَى أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ «الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ وَإِنْ كَانَ غَاصِبًا» إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ قَالَ فِي الْمَنَارِ، وَقَدْ بَحَثْت عَنْهُ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَالشَّارِحُ نَقَلَهُ وَبَيَّضَ لِمُخَرِّجِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَيَأْتِي وَهُوَ لِأَهْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَظْهَرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ. (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 743

٨٤٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: إنْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» «إنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَرْضٍ غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا، وَالْأَرْضُ لِلْآخَرِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ وَقَالَ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ» بِالْإِضَافَةِ وَالتَّوْصِيفِ وَأَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ الْإِضَافَةَ (حَقٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ وَفِي تَعْيِينِ صَحَابِيِّهِ) فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ مُرْسَلًا وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مُتَّصِلًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَقَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ أَبُو سَعِيدٍ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَعَنْ سَمُرَةَ عِنْد أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ عُبَادَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ عِرْقٍ ظَالِمٍ فَقِيلَ هُوَ أَنْ يَغْرِسَ الرَّجُلُ فِي أَرْضٍ فَيَسْتَحِقُّهَا بِذَلِكَ، وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا أَخَذَ وَاحْتَفَرَ غَرْسٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَالَ رَبِيعَةُ الْعِرْقُ لِلظَّالِمِ يَكُونُ ظَاهِرًا وَيَكُونُ بَاطِنًا فَالْبَاطِن مَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ مِنْ الْآبَارِ وَاسْتَخْرَجَهُ مِنْ الْمَعَادِنِ، وَالظَّاهِرُ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ، وَقِيلَ الظَّالِمُ مَنْ بَنَى أَوْ زَرَعَ أَوْ حَفَرَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا شُبْهَةَ. وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفَاسِيرِ مُتَقَارِبٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّارِعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ظَالِمٌ وَلَا حَقَّ لَهُ بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَ إخْرَاجِ مَا غَرَسَهُ وَأَخْذِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ زَرْعٍ وَشَجَرٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ حَمْلٌ لَهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ، وَكَيْفَ يَقُولُ الشَّارِعُ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ وَيُسَمِّيهِ ظَالِمًا وَيَنْفِي عَنْهُ الْحَقَّ وَنَقُولُ بَلْ الْحَقُّ لَهُ. ٨٤٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: إنْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى إنَّ دِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ وَاضِحٌ وَإِجْمَاعٌ وَلَوْ بَدَأَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْغَصْبِ لَكَانَ أَلْيَقَ أَسَاسًا وَأَحْسَنَ افْتِتَاحًا

стр. 744

باب الشفعة ٨٤٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ - وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ -» وَفِي لَفْظٍ: «لَا يَحِلُّ - أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ» - وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ» وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. الشُّفْعَةُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ. فِي اشْتِقَاقِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ مِنْ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوْجُ وَقِيلَ مِنْ الزِّيَادَةِ وَقِيلَ مِنْ الْإِعَانَةِ وَهِيَ شَرْعًا انْتِقَالُ حِصَّةٍ إلَى حِصَّةٍ بِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ كَانَتْ انْتَقَلَتْ إلَى أَجْنَبِيٍّ بِمِثْلِ الْعِوَضِ الْمُسَمَّى؛ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إنَّهَا وَارِدَةٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ كُرْهًا، وَلِأَنَّ الْأَذِيَّةَ لَا تُدْفَعُ عَنْ وَاحِدٍ بِضَرَرِ آخَرَ، وَقِيلَ خَالَفَتْ هَذَا الْقِيَاسَ وَوَافَقَتْ قِيَاسَاتٍ أُخَرَ يُدْفَعُ فِيهَا ضَرَرُ الْغَيْرِ بِضَرَرِ آخَرَ، ثُمَّ يُؤْخَذُ حَقُّهُ كُرْهًا كَبَيْعِ الْحَاكِمِ عَنْ الْمُتَمَرِّدِ وَالْمُفْلِسِ وَنَحْوِهِمَا. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ» بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فَفَاءٍ مَعْنَاهُ بُيِّنَتْ مَصَارِفُ (الطُّرُقِ) وَشَوَارِعُهَا (فَلَا شُفْعَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ» أَيْ مُشْتَرَكٍ «فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ» بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الدَّارُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَرْضِ «أَوْ حَائِطٍ لَا يَصْلُحُ وَفِي لَفْظٍ لَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَ» الْخَلِيطَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ «حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ» وَفِي رِوَايَةِ

стр. 745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الطَّحَاوِيُّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ» وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) الْأَلْفَاظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ تَضَافَرَتْ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لَلشَّرِيكِ فِي الدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالْبَسَاتِينِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِمَّا يُقْسَمْ، وَفِيمَا لَا يُقْسَمْ كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ خِلَافٌ. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ - وَفِي الْبَحْرِ الْعِتْرَةُ - إلَى صِحَّةِ الشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الطَّحَاوِيِّ، وَمِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» وَإِنْ قِيلَ إنَّ رَفْعَهُ خَطَأٌ فَقَدْ ثَبَتَ إرْسَالُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ شَاهِدٌ لِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ إذَا صَحَّتْ إلَيْهِ الرِّوَايَةُ حُجَّةٌ، وَعَنْ الْمَنْصُورِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ فَأُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا وَهُوَ إسْقَاطُ حَقِّ الْجِوَارِ وَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ الضَّرَرُ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى عَدَمِ ثُبُوتِهَا فِي الْمَنْقُولِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْعَقَارِ وَتَلْحَقُ بِهِ الدَّارُ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ " أَوْ رَبْعٍ " قَالُوا وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْمَنْقُولِ نَادِرٌ وَأُجِيبَ بِأَنْ ذِكْرَ حُكْمِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يَقْصِرُهُ عَلَيْهِ؛ قَالُوا وَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ الْحَصْرِ فِيهِمَا. الْأَوَّلُ «وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ»، وَلَفْظُ الثَّانِي «لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي دَارٍ أَوْ عَقَارٍ» إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ سِيَاقِهِ لَهُ: الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لَوْ ثَبَتَتْ لَكَانَتْ مَفَاهِيمُ وَلَا يُقَاوِمُ مَنْطُوقَ " فِي كُلِّ شَيْءٍ " وَمِنْهُمْ مِنْ اسْتَثْنَى مَنْ الْمَنْقُولِ الثِّيَابَ فَقَالُوا تَصِحُّ فِيهَا الشُّفْعَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَيَوَانَ فَقَالَ تَصِحُّ فِيهِ شُفْعَةٌ. وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَلشَّرِيكِ بَيْعُ حِصَّتِهِ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ الْبَيْعُ قَبْلَ عَرْضِهِ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَهُوَ حَمْلٌ عَلَى خِلَافِ أَصْلِ النَّهْيِ بِلَا دَلِيلٍ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ لِلشَّرِيكِ الشُّفْعَةُ بَعْدَ أَنْ آذَنَهُ شَرِيكُهُ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا تَقَدُّمُ إيذَانِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي حَاشِيَةِ ضَوْءِ النَّهَارِ، وَفِي قَوْلِهِ أَنْ يَبِيعَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ فِيمَا كَانَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِي غَيْرِهِ خِلَافٌ. وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَشْمَلُ الشُّفْعَةَ فِي الْإِجَارَةِ وَقَدْ مَنَعَهَا الْهَادَوِيَّةُ وَقَالُوا إنَّمَا تَكُونُ فِي عَيْنٍ لَا مَنْفَعَةٍ، وَضَعُفَ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُسَمَّى شَيْئًا وَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً فَشَمِلَهَا " فِي كُلِّ شِرْكٍ " أَيْضًا إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا وَلَا مُشْتَرَكَةً لَمَا صَحَّ التَّأْجِيرُ فِيهَا وَلَا الْقِسْمَةُ بِالْمُهَايَأَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهِيَ بَيْعٌ مَخْصُوصٌ فَيَشْمَلُهَا «لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ» فَالْحَقُّ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِيهَا لِشُمُولِ الدَّلِيلِ لَهَا وَلِوُجُودِ عِلَّةِ الشُّفْعَةِ فِيهَا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (فِي كُلِّ شِرْكٍ) أَيْ مُشْتَرَكٍ ثُبُوتُهَا لِلذِّمِّيِّ فِي الْمُسْلِمِ

стр. 746

٨٤٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَهُ عِلَّةٌ. ٨٤٨ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْحَاكِمُ وَفِيهِ قِصَّةٌ إذَا كَانَ شَرِيكًا لَهُ فِي الْمِلْكِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَظْهَرُ ثُبُوتُهَا لِلذِّمِّيِّ فِي غَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ الْبَقَاءِ فِيهَا (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَهُ عِلَّةٌ) وَهِيَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ أَئِمَّةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، وَآخَرُونَ أَخْرَجُوهُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالُوا وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ وَقِيلَ هُمَا صَحِيحَانِ جَمِيعًا قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَهُوَ الْأَوْلَى وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ عِلَّةٌ فَالْحَدِيثُ الْآتِي صَحِيحٌ. ٨٤٨ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْحَاكِمُ وَفِيهِ قِصَّةٌ. وَهُوَ قَوْلُهُ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً وَفَتْحِ الْقَافِ الْقُرْبُ (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهِ قِصَّةٌ) وَهِيَ أَنَّهُ «قَالَ أَبُو رَافِعٍ لِلْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَلَا تَأْمُرُ هَذَا يُشِيرُ إلَى سَعْدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتَيْ اللَّذَيْنِ فِي دَارِهِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ، وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُك عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ مُقَطَّعَةٍ أَوْ مُنَجَّمَةٍ فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ مَنَعْتُهُمَا مِنْ خَمْسِمِائَةٍ نَقْدًا فَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ مَا بِعْتُك» وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ ذَكَرَهُ أَبُو رَافِعٍ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ يَعُمُّ الشُّفْعَةَ فَذَهَبَ إلَى ثُبُوتِهَا الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلِغَيْرِهَا كَحَدِيثِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرْضٌ لِي لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا قِسْمٌ إلَّا الْجِوَارَ قَالَ الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ الشَّرِيدِ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْآتِي، وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِالْجَارِ فِي الْأَحَادِيثِ الشَّرِيكُ قَالُوا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فَإِنَّهُ سَمَّى الْخَلِيطَ جَارًا وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَأَعْرَفُ بِالْمُرَادِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ فِي اللُّغَةِ تَسْمِيَةَ الشَّرِيكِ جَارًا غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَارَبَ شَيْئًا فَهُوَ

стр. 747

٨٤٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يَنْتَظِرُ بِهَا - وَإِنْ كَانَ غَائِبًا - إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» جَارٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ غَيْرُ شَرِيكٍ لِسَعْدٍ بَلْ جَارٌ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ بَيْتَيْنِ فِي دَارِ سَعْدٍ لَا أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ شِقْصًا شَائِعًا مِنْ مَنْزِلِ سَعْدٍ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا سَلَفَ مِنْ أَحَادِيثِ الشُّفْعَةِ لَلشَّرِيكِ وَقَوْلُهُ «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» وَنَحْوُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا حَصْرُ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَأُجِيبَ عَنْهَا بِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهَا إثْبَاتُ الشُّفْعَةِ لَلشَّرِيكِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْجَارِ لَا بِمَنْطُوقٍ وَلَا مَفْهُومٍ. وَمَفْهُومُ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ (إنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّفْعَةَ - الْحَدِيثَ) إنَّمَا هُوَ فِيمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِلْمَبِيعِ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالشَّرِيكِ فَمَدْلُولُهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ تُبْطِلُ الشُّفْعَةَ وَهُوَ صَرِيحٌ رِوَايَةً «وَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ» وَأَحَادِيثُ إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلْخَلِيطِ لَا تُبْطِلُ ثُبُوتَهَا لِلْجَارِ بَعْدَ قِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهَا الَّتِي مِنْهَا مَا سَلَفَ وَمِنْهَا الْحَدِيثُ الْآتِي: - (٨٤٩) - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يَنْتَظِرُ بِهَا - وَإِنْ كَانَ غَائِبًا - إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يَنْتَظِرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) أَحْسَنَ الْمُصَنِّفُ بِتَوْثِيقِ رِجَالِهِ وَعَدَمِ إعْلَالِهِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ «إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيُّ (قُلْتُ) وَعَبْدُ الْمَلِكِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ لَا يَضُرُّ انْفِرَادُهُ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَعُلُومِ الْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ شُفْعَةِ الْجَارِ إلَّا أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ «إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» وَقَدْ ذَهَبَ إلَى اشْتِرَاطِ هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَائِلًا بِأَنَّهَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْجَارِ إذَا اشْتَرَكَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَلَا يَبْعُدُ اعْتِبَارُهُ. أَمَّا مِنْ حَدِيثِ الدَّلِيلِ فَلِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُخْتَلِفًا فَلَا شُفْعَةَ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّعْلِيلُ فَلِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الشُّفْعَةِ لِمُنَاسَبَةِ دَفْعِ الضَّرَرِ، وَالضَّرَرُ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ شِدَّةِ الِاخْتِلَاطِ وَشُبْهَةِ الِانْتِفَاعِ وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَعَ الشَّرِيكِ فِي الْأَصْلِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ، وَيَنْدُرُ الضَّرَرُ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْجَارِ الشَّرِيكَ فَلَا فَائِدَةَ لِاشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّرِيقِ وَاحِدًا (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ آلَ الْكَلَامُ إلَى الْخَلِيطِ لِأَنَّهُ مَعَ اتِّحَادِ الطَّرِيقِ تَكُونُ الشُّفْعَةُ لِلْخُلْطَةِ

стр. 748

٨٥٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَزَادَ «وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ فِيهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ فِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ حَاشِيَةِ ضَوْءِ النَّهَارِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بْنِ تَيْمِيَّةَ: وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا صَرِيحٌ فِيهِ، فَإِنَّهُ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ مَعَ اتِّحَادِ الطَّرِيقِ وَنَفَاهَا بِهِ فِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ مَعَ اخْتِلَافِهَا حَيْثُ قَالَ «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» فَمَفْهُومُ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ مَنْطُوقُ حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَأَحَدُهُمَا يُصَدِّقُ الْآخَرَ وَيُوَافِقُهُ لَا يُعَارِضُهُ وَلَا يُنَاقِضُهُ، وَجَابِرٌ رَوَى اللَّفْظَيْنِ فَتَوَافَقَتْ السُّنَنُ وَائْتَلَفَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ انْتَهَى بِمَعْنَاهُ، وَقَوْلُهُ يَنْتَظِرُ بِهَا دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ شُفْعَةُ الْغَائِبِ وَإِنْ تَرَاخَى وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّيْرُ حِينَ يَبْلُغُهُ الشِّرَاءُ لِأَجْلِهَا، وَأَمَّا الْحَدِيث الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَزَّارُ وَزَادَ «وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ» وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) فَإِنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِمَا سَتَعْرِفُهُ وَلَفْظُهُ مِنْ رِوَايَتِهِمَا «لَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ وَلَا لِصَغِيرٍ، وَالشُّفْعَةُ كَحَلِّ عِقَالٍ» وَضَعَّفَهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ مُنْكَرٌ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ كُلُّهَا لَا أَصْلَ لَهَا. اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ وَلَهُمْ تَقَادِيرُ فِي زَمَانِ الْفَوْرِ لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ وَجْهُ شَرْعِيَّتِهَا دَفْعُ الضَّرَرِ فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ الْفَوْرِيَّةَ لِأَنَّهُ يُقَالُ كَيْفَ يُبَالِغُ فِي دَفْعِ ضَرَرِ الشَّفِيعِ، وَيُبَالِغُ فِي ضَرَرِ الْمُشْتَرِي بِبَقَاءِ مُشْتَرَاهُ مُعَلَّقًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ وَإِثْبَاتُهَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ، وَقَدْ عَقَدَ الْبَيْهَقِيُّ بَابًا فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى لِأَلْفَاظٍ مُنْكَرَةٍ يَذْكُرُهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَعَدَّ مِنْهَا الشُّفْعَةَ كَحَلِّ عِقَالٍ وَلَا شُفْعَةَ لِصَبِيٍّ وَلَا لِغَائِبٍ، وَالشُّفْعَةُ لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَالصَّبِيُّ عَلَى شُفْعَتِهِ حَتَّى يُدْرِكَ، وَلَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ، وَلَيْسَ لِلْيَهُودِيِّ وَلَا لِلنَّصْرَانِيِّ شُفْعَةٌ؛ فَعَدَّ مِنْهَا حَدِيثَ الْكِتَابِ

стр. 749

باب القراض ٨٥١ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ، الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ، لَا لِلْبَيْعِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. ٨٥٢ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا أَعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً: أَنْ لَا تَجْعَلَ مَالِي فِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ فِي بَطْنٍ مَسِيلٍ، فَإِنْ فَعَلْت شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَمِنْت مَالِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: إنَّهُ عَمِلَ فِي مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ الْقِرَاضُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ مُعَامَلَةُ الْعَامِلِ بِنَصِيبٍ مِنْ الرِّبْحِ وَهَذِهِ تَسْمِيَتُهُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَتُسَمَّى مُضَارَبَةً مَأْخُوذَةً مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ لَمَّا كَانَ الرِّبْحُ يَحْصُلُ فِي الْغَالِبِ بِالسَّفَرِ أَوْ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْمَالِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ. (عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ وَالْمُقَارَضَةُ وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لَا لِلْبَيْعِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) وَإِنَّمَا كَانَتْ الْبَرَكَةُ فِي ثَلَاثٍ لِمَا فِي الْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ وَالْإِعَانَةِ لِلْغَرِيمِ بِالتَّأْجِيلِ وَفِي الْمُقَارَضَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ انْتِفَاعِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ قُوتًا لَا لِلْبَيْعِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ غَرَرٌ وَغِشٌّ. (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا أَعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً أَنْ لَا تَجْعَلَ مَالِي فِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ وَلَا تَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ وَلَا تَنْزِلَ بِهِ فِي بَطْنِ مَسِيلٍ فَإِنْ فَعَلَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَمِنْت مَالِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ

стр. 750

بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ ٨٥٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ إنَّهُ عَمِلَ فِي مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ) لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِ الْقِرَاضِ وَأَنَّهُ مِمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِجَارَةِ إلَّا أَنَّهُ عُفِيَ فِيهَا عَنْ جَهَالَةِ الْأَجْرِ، وَكَانَتْ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الرِّفْقَ بِالنَّاسِ وَلَهَا أَرْكَانٌ وَشُرُوطٌ فَأَرْكَانُهَا الْعَقْدُ بِالْإِيجَابِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ وَالْقَبُولِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ، وَهُوَ الِامْتِثَالُ بَيْنَ جَائِزِي التَّصَرُّفِ إلَّا مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ عَلَى مَالٍ نَقْدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ وَلَهَا أَحْكَامٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنْهَا أَنَّ الْجَهَالَةَ مُغْتَفِرَةٌ فِيهَا وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ، وَاخْتَلَفُوا إذَا كَانَ دَيْنًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهِ قِيلَ لِتَجْوِيزِ إعْسَارِ الْعَامِلِ بِالدَّيْنِ فَيَكُونُ مِنْ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ لِأَجْلِ الرِّبْحِ فَيَكُونُ مِنْ الرِّبَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَقِيلَ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ يَتَحَوَّلُ عَنْ الضَّمَانَةِ وَيَصِيرُ أَمَانَةً وَقِيلَ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَ بِحَاضِرٍ حَقِيقَةً فَلَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ، وَمِنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَالٍ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ اتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا مِنْ الرِّبْحِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا زَائِدًا مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَيَلْغُو. وَدَلَّ حَدِيثُ حَكِيمٍ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَالِكِ الْمَالِ أَنْ يَحْجُرَ الْعَامِلَ عَمَّا شَاءَ فَإِنْ خَالَفَ ضَمِنَ إذَا تَلِفَ الْمَالُ وَإِنْ سَلِمَ الْمَالُ فَالْمُضَارَبَةُ بَاقِيَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ يَرْجِعُ إلَى الْحِفْظِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الِاشْتِرَاطُ لَا يَرْجِعُ إلَى الْحِفْظِ بَلْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى التِّجَارَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْهَاهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ نَوْعًا مُعَيَّنًا، وَلَا يَبِيعُ مِنْ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ فُضُولِيًّا إذَا خَالَفَ، فَإِنْ أَجَازَ الْمَالِكُ نَفَذَ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يَنْفُذْ.

стр. 751

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوهُ عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ التَّمْرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁». وَلِمُسْلِمٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا» (عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا «فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁». وَلِمُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵇ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَحْمَدَ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ إنَّهُمَا تَجُوزَانِ مُجْتَمِعَتَيْنِ وَتَجُوزُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُنْفَرِدَةً وَالْمُسْلِمُونَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمُزَارَعَةِ. وَقَوْلُهُ مَا شِئْنَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ مَجْهُولَةً، وَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ إلَّا فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَالْإِجَارَةِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ " مَا شِئْنَا " عَلَى مُدَّةِ الْعَهْدِ وَأَنَّ الْمُرَادَ نُمَكِّنُكُمْ مِنْ الْمُقَامِ فِي خَيْبَرَ مَا شِئْنَا ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ إذَا شِئْنَا لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَازِمًا عَلَى إخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَة الْعَرَبِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّ مُدَّتَهَا مَعْلُومَةٌ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ: فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِجُزْءٍ مِنْ الْغَلَّةِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ فَإِنَّهُ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إلَى حِينِ وَفَاتِهِ وَلَمْ يُنْسَخْ أَلْبَتَّةَ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُؤَاجَرَةِ فِي شَيْءٍ بَلْ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ وَهُوَ نَظِيرُ الْمُضَارَبَةِ سَوَاءً فَمَنْ أَبَاحَ الْمُضَارَبَةَ وَحَرَّمَ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ، فَإِنَّهُ ﷺ دَفَعَ إلَيْهِمْ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِمْ الْبَذْرَ وَلَا كَانَ يَحْمِلُ إلَيْهِمْ الْبَذْرَ مِنْ الْمَدِينَةِ قَطْعًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَدْيَهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامِلِ وَهَذَا كَانَ هَدْيَهُ ﷺ وَهَدْيَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ هُوَ الْمَنْقُولُ فَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقِيَاسِ فَإِنَّ الْأَرْضَ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَالْبَذْرُ يَجْرِي مَجْرَى سَقْيِ الْمَاءِ، وَلِهَذَا يَمُوتُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ لَاشْتَرَطَ عَوْدَهُ إلَى صَاحِبِهِ وَهَذَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقِيَاسَ

стр. 752

٨٥٤ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ إطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ الصَّحِيحَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ انْتَهَى. وَقَدْ أَشَارَ فِي كَلَامِهِ إلَى مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْهَادَوِيَّةُ مِنْ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ لَا تَصِحُّ وَهِيَ فَاسِدَةٌ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَكَانَ أَهْلُهُ عَبِيدًا لَهُ ﷺ فَمَا أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ وَمَا تَرَكَهُ فَهُوَ لَهُ، وَهُوَ كَلَامٌ مَرْدُودٌ لَا يَحْسُنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. (وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ﵁) هُوَ الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (قَالَ: «سَأَلْت رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ» بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ أَلِفٍ وَنُونٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ هِيَ مَسَايِلُ الْمِيَاهِ وَقِيلَ مَا يَنْبُتُ حَوْلَ السَّوَاقِي (وَأَقْبَالُ الْجَدَاوِلِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَقَافٍ فَمُوَحَّدَةٍ أَوَائِلُ الْجَدَاوِلِ «وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ إطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ) مَضْمُونُ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَقَوِّمَةِ وَيَجُوزُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَدْ عَلِمْت «أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُكْرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَشَيْءٌ مِنْ التِّبْنِ لَا أَدْرِي مَا هُوَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ «كَانَ يُعْطِي أَرْضَهُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ ثُمَّ تَرَكَهُ» وَيَأْتِي مَا يُعَارِضُهُ، وَقَوْلُهُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ جَمْعُ رَبِيعٍ وَهِيَ السَّاقِيَةُ الصَّغِيرَةُ، وَمَعْنَاهُ هُوَ وَحَدِيثُ الْبَابِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْفَعُونَ الْأَرْضَ إلَى مِنْ يَزْرَعُهَا بِبَذْرٍ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ مَا يَنْبُتُ عَلَى مَسَايِلِ

стр. 753

٨٥٥ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا الْمِيَاهِ وَرُءُوسِ الْجَدَاوِلِ أَوْ هَذِهِ الْقِطْعَةِ وَالْبَاقِي لِلْعَامِلِ فَنُهُوا مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ فَرُبَّمَا هَلَكَ ذَا دُونَ ذَاكَ (وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنَّ «عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ خَدِيجٍ مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَالَ رَافِعٌ لِعَبْدِ اللَّهِ سَمِعْت عَمَّيْ وَكَانَا شَاهَدَا بَدْرًا يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَقَدْ كُنْت أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فَتَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ» وَفِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَارَعَةِ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِهَا بِوُجُوهٍ أَحْسَنُهَا أَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَكَوْنِ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ لَهُمْ أَرْضٌ فَأَمَرَ الْأَنْصَارَ بِالتَّكَرُّمِ بِالْمُوَاسَاةِ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ لِرِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فُضُولُ أَرْضٍ وَكَانُوا يُكْرُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْهَا» وَهَذَا كَمَا نُهُوا عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأُضْحِيَّةِ لِيَتَصَدَّقُوا بِذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ تَوَسُّعِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ زَالَ الِاحْتِيَاجُ فَأُبِيحَ لَهُمْ الْمُزَارَعَةُ وَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ إجَارَةٍ وَغَيْرِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ الْمُزَارَعَةِ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَمِنْ الْبَعِيدِ غَفْلَتُهُمْ عَنْ النَّهْيِ وَتَرْكِ إشَاعَةِ رَافِعٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَذِكْرِهِ فِي آخَرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ عَقَلَ الْمَعْنَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيمَ الْمُزَارَعَةِ بِشَطْرِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَتَمَانَحُوا وَأَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ انْتَهَى. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعٍ أَنَا وَاَللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ إنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ اخْتَلَفَا فَقَالَ إنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ " كَأَنَّ زَيْدًا يَقُولُ إنَّ رَافِعًا اقْتَطَعَ الْحَدِيثَ فَرَوَى النَّهْيَ غَيْرَ رَاوٍ أَوَّلَهُ فَأَخَلَّ بِالْمَقْصُودِ، وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ عَنْ جَهَالَةِ الْأُجْرَةِ فَقَدْ صَحَّ فِي الْمُرْضِعَةِ بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ مَعَ الْجَهَالَةِ قَدْرًا وَلِأَنَّهُ كَالْمَعْلُومِ جُمْلَةً لِأَنَّ الْغَالِبَ تَقَارُبُ حَالِ

стр. 754

٨٥٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ. وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ٨٥٧ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْحَاصِلِ وَقَدْ حُدَّ بِجِهَةِ الْكَمِّيَّةِ أَعْنِي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ، وَجَاءَ النَّصُّ فَقَطَعَ التَّكَلُّفَاتِ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أُجْرَةً وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَفِي لَفْظٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ وَهَذَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إعْطَاءُ الْحَجَّامِ أَجَرْتَهُ وَأَنَّهُ حَرَامٌ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أُجْرَةِ الْحَجَّامِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ حَلَالٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا هُوَ كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى النَّسْخَ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ أُبِيحَ وَهُوَ صَحِيحٌ إذَا عَرَفَ التَّارِيخَ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْحُرِّ الِاحْتِرَافُ بِالْحِجَامَةِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أُجْرَتِهَا وَيَجُوزُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَحُجَّتُهُمْ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَيِّصَةَ أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ اعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ» وَأَبَاحُوهُ لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا. وَفِيهِ جَوَازُ التَّدَاوِي بِإِخْرَاجِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ إجْمَاعٌ. (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْخَبِيثُ ضِدُّ الطَّيِّبِ وَهَلْ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ لَهُ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ فَسَمَّى رُذَالَ الْمَالِ خَبِيثًا وَلَمْ يُحَرِّمْهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ «مِنْ السُّحْتِ كَسْبُ الْحَجَّامِ» فَقَدْ فَسَّرَهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَأَنَّهُ أُرِيدَ بِالسُّحْتِ عَدَمُ الطَّيِّبِ

стр. 755

٨٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا، فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٨٥٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَيَّدَ ذَلِكَ إعْطَاؤُهُ ﷺ الْحَجَّامَ أَجَرْته قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إعْطَائِهِ ﷺ الْحَجَّامَ أَجَرْته بِأَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ مَا إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَمَحَلُّ الزَّجْرِ مَا إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ (قُلْت) هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنْ مَا يَأْخُذُهُ حَرَامٌ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّمَا كُرِهَتْ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ إعَانَتُهُ بِهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ فَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شِدَّةِ جُرْمِ مَنْ ذَكَرَ وَأَنَّهُ تَعَالَى يَخْصِمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نِيَابَةً عَمَّنْ ظَلَمُوهُ، وَقَوْلُهُ أَعْطَى بِي أَيْ حَلَفَ بِاسْمِي وَعَاهَدَ أَوْ أَعْطَى الْأَمَانَ بِاسْمِي وَبِمَا شَرَعْتُهُ مِنْ دِينِي، وَتَحْرِيمُ الْغَدْرِ وَالنَّكْثِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا بَيْعُ الْحُرِّ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَقَوْلُهُ اسْتَوْفَى مِنْهُ أَيْ اسْتَكْمَلَ مِنْهُ الْعَمَلَ وَلَمْ يُعْطِهِ الْأُجْرَةَ فَهُوَ أَكْلٌ لِمَالِهِ بِالْبَاطِلِ مَعَ تَعَبِهِ وَكَدِّهِ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) وَقَدْ عَارَضَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَلَفْظُهُ «عَلَّمْت نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ فَأَهْدَى إلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْت لَيْسَتْ لِي بِمَالٍ فَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَتَيْته فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ أَهْدَى

стр. 756

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْت أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ وَلَيْسَتْ لِي بِمَالٍ فَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ: إنْ كُنْت تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثَيْنِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَعَلِّمُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَلَوْ تَعَيَّنَ تَعْلِيمُهُ عَلَى الْمُعَلِّمِ عَمَلًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ مِنْ جَعْلِهِ ﷺ تَعْلِيمَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ الْقُرْآنَ مَهْرًا لَهَا قَالُوا وَحَدِيثُ عُبَادَةَ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ إذْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ وَحَدِيثُ عُبَادَةَ فِي رِوَايَةِ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَاسْتَنْكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَهُ وَفِيهِ الْأَسْوَدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ فِيهِ مَقَالٌ فَلَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ الثَّابِتَ. قَالُوا وَلَوْ صَحَّ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ عُبَادَةَ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالْإِحْسَانِ وَبِالتَّعْلِيمِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِأَخْذِ الْأُجْرَةِ فَحَذَّرَهُ ﷺ مِنْ إبْطَالِ أَجْرِهِ وَتَوَعَّدَهُ، وَفِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ بِخُصُوصِهِمْ كَرَاهَةٌ وَدَنَاءَةٌ لِأَنَّهُمْ نَاسٌ فُقَرَاءُ كَانُوا يَعِيشُونَ بِصَدَقَةِ النَّاسِ فَأَخْذُ الْمَالِ مِنْهُمْ مَكْرُوهٌ، وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا إلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ وَفِيهِ مَا عَرَفْت فِيهِ قَرِيبًا نَعَمْ اسْتَطْرَدَ الْبُخَارِيُّ ذَكَرَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَأَخْرَجَ مِنْ «حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي رُقْيَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِبَعْضِ الْعَرَبِ وَأَنَّهُ لَمْ يَرْقِهِ حَتَّى شَرَطَ عَلَيْهِ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ فَتَفَلَ عَلَيْهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلْبَةٌ أَيْ عِلَّةٌ، فَأَوْفَاهُ مَا شَرَطَ وَلَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ قَدْ أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا». وَذِكْرُ الْبُخَارِيُّ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَإِنَّمَا فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِتَأْيِيدِ جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ تَعْلِيمًا أَوْ غَيْرَهُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قِرَاءَتِهِ لِلتَّعْلِيمِ وَقِرَاءَتِهِ لِلطِّبِّ

стр. 757

٨٦٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيِّ، وَجَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ، وَكُلُّهَا ضِعَافٌ. ٨٦١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيِّ وَجَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ، وَكُلُّهَا ضِعَافٌ) لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ شَرْقِيُّ بْنُ قَطَامِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيِّ، وَتَمَامُهُ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ «وَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ وَهُوَ فِي عَمَلِهِ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَقِيبَ سِيَاقِهِ بِإِسْنَادِهِ: وَهَذَا ضَعِيفٌ (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ». رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَذَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَذَا فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقِيلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى نَدْبِ تَسْمِيَةِ أُجْرَةِ الْأَجِيرِ عَلَى عَمَلِهِ لِئَلَّا تَكُونَ مَجْهُولَةً فَتُؤَدِّي إلَى الشِّجَارِ وَالْخِصَامِ

стр. 758

بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ ٨٦٢ - عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» قَالَ عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ الْمَوَاتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الْخَفِيفَةِ الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تَعْمُرُ شُبِّهَتْ الْعِمَارَةُ بِالْحَيَاةِ وَتَعْطِيلُهَا بِعَدَمِ الْحَيَاةِ وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِحْيَاءَ وَرَدَ عَنْ الشَّارِعِ مُطْلَقًا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ لِأَنَّهُ قَدْ يُبَيِّنُ مُطْلَقَاتِ الشَّارِعِ كَمَا فِي قَبْضِ الْمَبِيعَاتِ وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ الْعُرْفُ، وَاَلَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْيَاءُ فِي الْعُرْفِ أَحَدُ خَمْسَةِ أَسْبَابٍ تَبْيِيضُ الْأَرْضِ وَتَنْقِيَتُهَا لِلزَّرْعِ، وَبِنَاءُ الْحَائِطِ عَلَى الْأَرْضِ وَحَفْرُ الْخَنْدَقِ الْقَعِيرِ الَّذِي لَا يَطْلُعُ مَنْ نَزَلَهُ إلَّا بِمَطْلَعٍ، هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ يَحْيَى. (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا» بِالْفِعْلِ الْمَاضِي وَوَقَعَ أَعْمَرَ فِي رِوَايَةٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ «لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» قَالَ عُرْوَةُ وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِحْيَاءَ تَمَلُّكٌ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ مَلَكَهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ ثَبَتَ فِيهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ إذْنُ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ وَالْقِيَاسُ عَلَى مَاءِ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَمَا صِيدَ مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوَانٍ وَأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إذْنُ الْإِمَامِ، وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ يَدٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْهَادَوِيَّةِ، وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهَا بِحَالٍ لِجَرْيِهَا مَجْرَى الْأَمْلَاكِ لِتَعَلُّقِ سُيُولِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا إذْ هِيَ مَجْرَى السُّيُولِ وَقَالَ الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ - وَهُوَ قَوِيٌّ - فَإِنْ تَحَوَّلَ عَنْهَا جَرْيُ الْمَاءِ جَازَ إحْيَاؤُهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِانْقِطَاعِ الْحَقِّ وَعَدَمِ تَعَيُّنِ أَهْلِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ الْإِذْنُ مَعَ ذَلِكَ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ الْإِذْنُ لِكَافِرٍ بِالْإِحْيَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ «عَارِي الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» وَالْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ وَقَضَى بِهِ عُمَرُ قِيلَ هُوَ مُرْسَلٌ لِأَنَّ عُرْوَةَ وُلِدَ فِي آخَرِ خِلَافَةِ عُمَرَ.

стр. 759

٨٦٣ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» ٨٦٤ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: رُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّهِ، فَقِيلَ: جَابِرٌ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ. (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ رُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ كَمَا قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّهِ) أَيْ فِي رَاوِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ (فَقِيلَ جَابِرٌ وَقِيلَ عَائِشَةُ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الرَّاجِحُ) مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَقْوَالِ (الْأَوَّلُ) وَفِيهِ أَنَّ «رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا تُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤُوسِ وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمُّ حَتَّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا» وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فِقْهِهِ وَأَنَّهُ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٌ ابْنُ جَثَّامَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ فَمُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ (أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْحِمَى يُقْصَرُ وَيُمَدُّ وَالْقَصْرُ أَكْثَرُ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمَحْمِيُّ وَهُوَ خِلَافُ الْمُبَاحِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَمْنَعَ الْإِمَامُ الرَّعْيَ فِي أَرْضٍ مَخْصُوصَةٍ لِتَخْتَصَّ بِرَعْيِهَا إبِلُ الصَّدَقَةِ مَثَلًا، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: إذَا أَرَادَ الرَّئِيسُ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ مَحَلٍّ يُرِيدُ اخْتِصَاصُهُ اسْتَعْوَى كَلْبًا مِنْ مَكَان عَالٍ فَإِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي صَوْتُهُ حِمَاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَرْعَاهُ غَيْرُهُ وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فَأَبْطَلَ الْإِسْلَامُ ذَلِكَ وَأَثْبَتَ الْحِمَى لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِيَ لِلْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالْآخَرُ مَعْنَاهُ إلَّا عَلَى مِثْلِ مَا حَمَاهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاةِ بَعْدَهُ أَنْ يَحْمِيَ

стр. 760

٨٦٥ - وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ مُرْسَلٌ وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ الْحِمَى بِمَنْ قَامَ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ خَاصَّةً وَرُجِّحَ هَذَا الثَّانِي بِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ تَعْلِيقًا أَنَّ عُمَرَ حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ حَمَى الرَّبْذَةَ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ. وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وُلَاةَ الْأَقَالِيمِ فِي أَنَّهُمْ يَحْمُونَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْمِي الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَا يَحْمِي إلَّا لِمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ فَقَالَ الْمَهْدِيُّ كَانَ لَهُ ﷺ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ لِنَفْسِهِ مَا يَحْمِي لِأَجْلِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى وَالْفَرِيقَانِ لَا يَحْمِي إلَّا لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَحْمِي لِنَفْسِهِ وَيَحْمِي لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَلِمَنْ ضَعُفَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الِانْتِجَاعِ لِقَوْلِهِ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ» الْحَدِيثَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَمَّا قِصَّةُ عُمَرَ فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَلَفْظُهَا فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ شَيْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُسَمَّى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ لَهُ يَا هُنَيُّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ. وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ وَإِيَّاكَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ فَإِنَّهُمَا إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِينِي بِبَيِّنَةٍ يَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَك. فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَأَيْمُ اللَّهِ إنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنِّي ظَلَمْتهمْ وَإِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت عَلَى النَّاسِ فِي بِلَادِهِمْ انْتَهَى هَذَا صَرِيحٌ أَنَّهُ لَا يَحْمِي الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَهُ) أَيْ لِابْنِ مَاجَهْ (مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ

стр. 761

٨٦٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ مُرْسَلٌ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا بِزِيَادَةٍ «مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللَّهُ وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ»، وَأَخْرَجَهُ بِهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَفِيهِ زِيَادَةٌ «وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَضَعَ خَشَبَتَهُ فِي حَائِطِ جَارِهِ، وَالطَّرِيقُ الْمِيتَاءُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ» وَقَوْلُهُ لَا ضَرَرَ، الضَّرَرُ ضِدُّ النَّفْعِ يُقَالُ ضَرَّهُ يَضُرُّهُ ضُرًّا وَضِرَارًا وَأَضَرَّ بِهِ يَضُرُّ إضْرَارًا، وَمَعْنَاهُ لَا يَضُرُّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَيُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ، وَالضِّرَارُ فِعَالٌ مِنْ الضُّرِّ أَيْ لَا يُجَازِيهِ بِإِضْرَارٍ بِإِدْخَالِ الضُّرِّ عَلَيْهِ فَالضُّرُّ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ وَالضِّرَارُ الْجَزَاءُ عَلَيْهِ (قُلْت) يُبْعِدُهُ جَوَازُ الِانْتِصَارِ لِمَنْ ظُلِمَ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الْآيَةَ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَقِيلَ الضَّرَرُ مَا تَضُرُّ بِهِ صَاحِبَكَ وَتَنْتَفِعُ أَنْتَ بِهِ، وَالضِّرَارُ أَنْ تَضُرَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْتَفِعَ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى، وَتَكْرَارُهُمَا لِلتَّأْكِيدِ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرَرِ لِأَنَّهُ إذَا نَفَى ذَاتَهُ دَلَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ لِأَنَّ النَّهْيَ لِطَلَبِ الْكَفِّ عَنْ الْفِعْلِ وَهُوَ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ ذَاتِ الْفِعْلِ فَاسْتَعْمَلَ اللَّازِمَ فِي الْمَلْزُومِ، وَتَحْرِيمُ الضَّرَرِ مَعْلُومٌ عَقْلًا وَشَرْعًا إلَّا مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى إبَاحَتِهِ رِعَايَةً لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَرْبُو عَلَى الْمَفْسَدَةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا وَذَلِكَ مَعْلُومٌ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُسَمَّى الْحُدُودُ مِنْ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ ضَرَرًا مِنْ فَاعِلِهَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا امْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ لَهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْعَاصِي فَهُوَ عُقُوبَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا أَنَّهُ إنْزَالُ ضَرَرٍ مِنْ الْفَاعِلِ، وَلِذَا لَا يُذَمُّ الْفَاعِلُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بَلْ يُمْدَحُ عَلَى ذَلِكَ. (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهِيَ لَهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ بَيَّنَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِمَارَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْأَرْضِ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهَا لِأَحَدٍ كَمَا سَلَفَ.

стр. 762

٨٦٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا» بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ فَنُونٍ. فِي الْقَامُوسِ الْعَطَنُ مُحَرَّكَةٌ، وَطَنُ الْإِبِلِ وَمَبْرَكُهَا حَوْلَ الْحَوْضِ (لِمَاشِيَتِهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) لِأَنَّ فِيهِ إسْمَاعِيلَ بْنَ سَلْمٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ عَنْ الْحَسَنِ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ «حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيءُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَحَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِي خَمْسُونَ ذِرَاعًا» وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْهُ وَأَعَلَّهُ بِالْإِرْسَالِ وَقَالَ: مَنْ أَسْنَدَهُ فَقَدْ وَهِمَ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْمُقْرِي شَيْخُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِالْوَضْعِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا وَزَادَ فِيهِ «وَحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا» وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا، وَالْمَوْصُولُ فِيهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ ضَعِيفٌ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحَرِيمِ لِلْبِئْرِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَرِيمِ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْمُحْيِي وَالْمُحْتَفَرُ لِإِضْرَارِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ سُمِّيَ بِالْحَرِيمِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ هِيَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ صَاحِبُ الْبِئْرِ عِنْدَ سَقْيِ إبِلِهِ لِاجْتِمَاعِهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبِئْرُ لِئَلَّا تَحْصُلَ الْمَضَرَّةُ عَلَيْهَا بِقُرْبِ الْإِحْيَاءِ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْحَالُ فِي الْبَدْءِ وَالْعَادِي، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ يُنْظَرُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إمَّا لِأَجْلِ السَّقْيِ لِلْمَاشِيَةِ أَوْ لِأَجْلِ الْبِئْرِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الْهَادِي وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ حَرِيمَ الْبِئْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَرْبَعُونَ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ الْحَرِيمَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ. وَأَمَّا الْعُيُونُ فَذَهَبَ الْهَادِي إلَى أَنَّ حَرِيمَ الْعَيْنِ الْكَبِيرَةِ الْفَوَّارَةِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ اسْتِحْسَانًا قِيلَ: وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَرْضٍ رِخْوَةٍ تَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَأَمَّا الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ فَدُونَ ذَلِكَ وَالدَّارُ الْمُنْفَرِدَةُ حَرِيمُهَا فِنَاؤُهَا وَهُوَ مِقْدَارُ طُولِ جِدَارِ الدَّارِ وَقِيلَ: مَا تَصِلُ إلَيْهِ الْحِجَارَةُ إذَا انْهَدَمَتْ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ، وَحَرِيمُ النَّهْرِ قَدْرُ مَا يُلْقَى مِنْ كَسْحِهِ، وَقِيلَ مِثْلُ نِصْفِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَقِيلَ بَلْ بِقَدْرِ أَرْضِ النَّهْرِ جَمِيعًا وَحَرِيمُ الْأَرْضِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَقْتَ عَمَلِهَا وَإِلْقَاءُ كَسْحِهَا، وَكَذَا الْمَسِيلُ

стр. 763

٨٦٨ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ٨٦٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ. فَقَالَ أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِيهِ ضَعْفٌ حَرِيمُهُ مِثْلُ الْبِئْرِ عَلَى الْخِلَافِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قِيَاسٌ عَلَى الْبِئْرِ بِجَامِعِ الْحَاجَةِ وَهَذَا فِي الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ، وَأَمَّا الْأَرْضُ الْمَمْلُوكَةُ فَلَا حَرِيمَ فِي ذَلِكَ بَلْ كُلٌّ يَعْمَلُ فِي مِلْكِهِ مَا شَاءَ. (وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ خَصَّهُ بِبَعْضِ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ فَيَخْتَصُّ بِهَا، وَيَصِيرُ أَوْلَى بِهَا بِإِحْيَائِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهَا بِالْإِحْيَاءِ، وَاخْتِصَاصُ الْإِحْيَاءِ بِالْمَوَاتِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْهَادَوِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْإِقْطَاعَ تَسْوِيغُ الْإِمَامِ مِنْ مَالِ اللَّهِ شَيْئًا لِمَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِذَلِكَ قَالَ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا لِمَنْ يَرَاهُ مَا يَحُوزُهُ إمَّا بِأَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهُ فَيُعَمِّرُهُ وَإِمَّا بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ غَلَّتَهَا مُدَّةً قَالَ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي يُسَمَّى فِي زَمَانِنَا هَذَا إقْطَاعًا وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ، وَتَخْرِيجُهُ عَلَى طَرِيقَةِ فِقْهِيَّةٍ مُشْكِلٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لِلْمُقْطِعِ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ كَاخْتِصَاصِ الْمُتَحَجِّرِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ بِذَلِكَ انْتَهَى وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَادَّعَى الْأَوْزَاعِيُّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْإِمَامِ بَعْضَ الْجُنْدِ بِغَلَّةِ أَرْضٍ إذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ قَالَ ابْنُ التِّينِ إنَّمَا يُسَمَّى إقْطَاعًا إذَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ وَإِنَّمَا يُقْطَعُ مِنْ الْفَيْءِ وَلَا يُقْطَعُ مِنْ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ قَالَ وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْطَاعُ تَمْلِيكًا وَغَيْرَ تَمْلِيكٍ، وَأَمَّا مَا يُقْطَعُ فِي أَرْضٍ الْيَمَنِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنْ إقْطَاعِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الْآلِ قُرَى مِنْ الْبِلَادِ الْعُشْرِيَّةِ يَأْخُذُونَ زَكَاتَهَا وَيُنْفِقُونَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَعَ غِنَاهُمْ فَهَذَا شَيْءٌ مُحَرَّمٌ لَمْ تَأْتِ بِهِ الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ بَلْ أَتَتْ بِخِلَافِهِ وَهُوَ تَحْرِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَتَحْرِيمُهَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنْ الْأُمَّةِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.

стр. 764

٨٧٠ - وَعَنْ «رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْكَلَأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ» بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فَرَاءٍ (فَرَسِهِ) أَيْ ارْتِفَاعَ الْفَرَسِ فِي عَدْوِهِ «فَأَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ فَقَالَ أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيهِ ضَعْفٌ) لِأَنَّهُ فِيهِ الْعُمَرِيُّ الْمُكَبِّرُ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِيهِ مَقَالٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَفِيهِ أَنَّ الْإِقْطَاعَ كَانَ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ الْمَوَاتِ لِإِقْطَاعِ النَّبِيِّ ﷺ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ وَلِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. (وَعَنْ «رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ غَزَوْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْته يَقُولُ النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ الْكَلَأُ» مَهْمُوزٌ وَمَقْصُورٌ «وَالْمَاءُ وَالنَّارُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثٌ لَا يُمْنَعْنَ الْكَلَأُ وَالْمَاءُ وَالنَّارُ» وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَفِي الْبَابِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ لَا تَخْلُو مِنْ مَقَالٍ وَلَكِنَّ الْكُلَّ يَنْهَضُ عَلَى الْحُجِّيَّةِ وَيَدُلُّ لِلْمَاءِ بِنُصُوصِهِ أَحَادِيثُ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَالْكَلَأُ النَّبَاتُ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا، وَأَمَّا الْحَشِيشُ وَالْهَشِيمُ فَمُخْتَصٌّ بِالْيَابِسِ، وَأَمَّا الْخَلَا مَقْصُورٌ غَيْرُ مَهْمُوزٍ فَيَخْتَصُّ بِالرَّطْبِ وَمِثْلُهُ الْعُشْبُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ إجْمَاعٌ فِي الْكَلَأِ فِي الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ وَالْجِبَالِ الَّتِي لَمْ يُحْرِزْهَا أَحَدٌ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِ كَلَئِهَا أَحَدٌ إلَّا مَا حَمَاهُ الْإِمَامُ كَمَا سَلَفَ، وَأَمَّا النَّابِتُ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمُتَحَجِّرَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ ذَلِكَ مُبَاحٌ أَيْضًا وَعُمُومُ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لَهُمْ، وَأَمَّا النَّارُ فَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَا فَقِيلَ أُرِيدَ بِهَا الْحَطَبُ الَّذِي يَحْطِبُهُ النَّاسُ وَقِيلَ أُرِيدَ بِهَا الِاسْتِصْبَاحُ مِنْهَا وَالِاسْتِضَاءَةُ بِضَوْئِهَا وَقِيلَ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُورَى مِنْهَا النَّارُ إذَا كَانَتْ فِي مَوَاتٍ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا النَّارُ حَقِيقَةً، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَطَبٍ مَمْلُوكٍ فَقِيلَ حُكْمُهَا حُكْمُ أَصْلِهَا وَقِيلَ

стр. 765

باب الوقف ٨٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَأْتِي فِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَاءِ وَذَلِكَ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ وَتَسَامُحِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمَاءُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ مَنْعُ الْمِيَاهِ الْمُجْتَمِعَةِ مِنْ الْأَمْطَارِ فِي أَرْضِ مُبَاحَةٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا لِقُرْبِ أَرْضِهِ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ أَحَقُّ بِهِ يَسْقِيهَا وَيَسْقِي مَاشِيَتَهُ وَيَجِبُ بَذْلُهُ لِمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ فِي أَرْضِهِ أَوْ دَارِهِ عَيْنٌ نَابِعَةٌ أَوْ بِئْرٌ احْتَفَرَهَا فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمَاءَ بَلْ حَقُّهُ فِيهِ تَقْدِيمُهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلِلْغَيْرِ دُخُولُ أَرْضِهِ كَمَا سَلَفَ فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ نَفْسِهِمَا؟ قِيلَ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ لِأَنَّ النَّهْيَ وَارِدٌ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لَا الْبِئْرِ وَالْعُيُونُ فِي قَرَارِهِمَا فَلَا نَهْيَ عَنْ بَيْعِهِمَا وَالْمُشْتَرِي لَهُمَا أَحَقُّ بِمَائِهِمَا بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ وَقَدْ ثَبَتَ شِرَاءُ عُثْمَانَ لِبِئْرِ رُومَةَ مِنْ الْيَهُودِيِّ بِأَمْرِهِ ﷺ وَسَبَّلَهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْمَاءُ لَا يُمْلَكُ فَكَيْفَ تَحَجَّزَ الْيَهُودِيُّ الْبِئْرَ حَتَّى بَاعَهَا مِنْ عُثْمَانَ؟ قِيلَ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَقَبْلَ تَقَرُّرِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَبْقَاهُمْ أَوَّلَ الْأَمْرِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَقَرَّرَهُمْ عَلَى مَا تَحْتَ أَيْدِيهمْ. الْوَقْفُ لُغَةً الْحَبْسُ يُقَالُ وَقَفْت كَذَا أَيْ حَبَسْته وَهُوَ شَرْعًا حَبْسُ مَالٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ بِقَطْعِ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهِ عَلَى مَصْرِفٍ مُبَاحٍ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ذَكَرَهُ

стр. 766

٨٧٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَصَابَ عُمَرُ ﵁ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْت أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ. قَالَ: إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، فِي بَابِ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ بِالْوَقْفِ وَكَانَ أَوَّلُ وَقْفٍ فِي الْإِسْلَامِ وَقْفَ عُمَرَ ﵁ الْآتِي حَدِيثُهُ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَوَّلَ حَبْسٍ فِي الْإِسْلَامِ صَدَقَةُ عُمَرَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ خِلَافًا فِي جَوَازِ وَقْفِ الْأَرْضِينَ، وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ لَا يُعْلَمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَلْفَاظُهُ وَقَفْت وَحَبَسْت وَسَبَّلْت وَأَبَّدْت فَهَذِهِ صَرَائِحُ أَلْفَاظِهِ، وَكِنَايَتُهُ تَصَدَّقْت، وَاخْتُلِفَ فِي حَرَّمْت فَقِيلَ صَرِيحٌ وَقِيلَ غَيْرُ صَرِيحٍ. وَقَوْلُهُ أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ الْمُرَادُ النَّفْعُ الْأُخْرَوِيُّ فَيَخْرُجُ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَعِلْمِ النُّجُومِ مِنْ حَيْثُ أَحْكَامُ السَّعَادَةِ وَضِدِّهَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَلَّفَ عِلْمًا نَافِعًا أَوْ نَشَرَهُ فَبَقِيَ مَنْ يَرْوِيه عَنْهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ، أَوْ كَتَبَ عِلْمًا نَافِعًا وَلَوْ بِالْأُجْرَةِ مَعَ النِّيَّةِ أَوْ وَقَفَ كُتُبًا، وَلَفْظُ الْوَلَدِ شَامِلٌ لِلْأُنْثَى وَالذَّكَرِ، وَشَرْطُ صَلَاحِهِ لِيَكُونَ الدُّعَاءُ مُجَابًا، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْقَطِعُ أَجْرُ كُلِّ عَمَلٍ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ فَإِنَّهُ يَجْرِي أَجْرُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَتَجَدَّدُ ثَوَابُهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ الْوَلَدِ لِأَبَوَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَلْحَقُهُمَا، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الدُّعَاءِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ زِيدَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ «أَنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا نَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» وَوَرَدَتْ خِصَالٌ أُخَرُ تُبْلِغُهَا عَشْرًا وَنَظَمَهَا الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ لَيْسَ يَجْرِي … عَلَيْهِ مِنْ فِعَالٍ غَيْرِ عَشْرِ عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلٍ … وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتِ تَجْرِي وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرٍ … وَحَفْرُ الْبِئْرِ أَوْ إجْرَاءُ نَهْرِ وَبَيْتٌ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي … إلَيْهِ أَوْ بِنَاءُ مَحَلِّ ذِكْرِ

стр. 767

وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ: «تَصَدَّقَ بِأَصْلِهَا: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ». ٨٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ «فَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ» فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ أَنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ مِائَةُ رَأْسٍ فَاشْتَرَى بِهَا مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ «فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْت أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَقَالَ إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ وَأَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى» أَيْ ذَوِي قُرْبَى عُمَرَ «وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صِدِّيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «تَصَدَّقَ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ» أَفَادَتْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ كَوْنَهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ وَأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْوَقْفِ وَهُوَ يَدْفَعُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِجَوَازِ بَيْعِ الْوَقْفِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إنَّهُ لَوْ بَلَغَ أَبَا حَنِيفَةَ هَذَا الْحَدِيثَ لَقَالَ بِهِ وَرَجَعَ عَنْ بَيْعِ الْوَقْفِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَدُّ الْوَقْفِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ «أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا مَنْ وَلِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الْعَامِلَ يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَةِ الْوَقْفِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ لَاسْتُقْبِحَ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْرُ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَقِيلَ الْقَدْرُ الَّذِي يَدْفَعُ الشَّهْوَةَ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ) أَيْ غَيْرَ مُتَّخِذٍ مِنْهَا مَالًا أَيْ مِلْكًا وَالْمُرَادُ لَا يَتَمَلَّكُ شَيْئًا مِنْ رِقَابِهَا وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَلَّتِهَا مَا يَشْتَرِي بَدَلَهُ مِلْكًا بَلْ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا يُنْفِقُهُ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ عُمَرَ أَوْصَى بِهَا إلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ إلَى الْأَكَابِرِ مِنْ آلِ عُمَرَ وَنَحْوُهُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ.

стр. 768

بَابُ الْهِبَةِ، وَالْعُمْرَى، وَالرُّقْبَى ٨٧٤ - «عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَارْجِعْهُ» وَفِي لَفْظٍ: «فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي. فَقَالَ: أَفَعَلْت هَذَا بِوَلَدِك كُلِّهِمْ؟ قَالَ لَا. قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فَرَجَعَ أَبِي. فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا لَك فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَلَا إذَنْ» (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ» - الْحَدِيثَ - وَفِيهِ «وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْأَعْتَادِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْعَيْنِ عَنْ الزَّكَاةِ وَأَنَّهُ يَأْخُذُ بِزَكَاتِهِ آلَاتٍ لِلْحَرْبِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ وَقْفُ الْعَرُوضِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْعُرُوضَ تَبَدُّلٌ وَتَغَيُّرٌ وَالْوَقْفُ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّأْبِيدِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْحَيَوَانِ لِأَنَّهَا قَدْ فُسِّرَتْ الْأَعْتَادُ بِالْخَيْلِ وَعَلَى جَوَازِ صَرْفِ الزَّكَاةِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ، وَتَعَقَّبَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ بِأَنَّ الْقِصَّةَ مُحْتَمِلَةٌ لِمَا ذُكِرَ وَلِغَيْرِهِ فَلَا يَنْتَهِضُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْبِيسُ خَالِدٍ إرْصَادًا وَعَدَمَ تَصَرُّفٍ وَلَا يَكُونُ وَقْفًا (بَابُ الْهِبَةِ، وَالْعُمْرَى، وَالرُّقْبَى) الْهِبَةُ - بِكَسْرِ الْهَاءِ مَصْدَرُ وَهَبْت وَهِيَ شَرْعًا تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِعَقْدٍ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ مَعْلُومٍ فِي الْحَيَاةِ وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ وَيُطْلَقُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ. «عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟ فَقَالَ لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَرْجِعْهُ». وَفِي لَفْظٍ «فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ أَفَعَلْت

стр. 769

٨٧٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ» هَذَا بِوَلَدِك كُلِّهِمْ قَالَ لَا. قَالَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا لَك فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَلَا إذَنْ» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالثَّوْرِيِّ وَآخَرِينَ وَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ مَعَ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ وَهُوَ الَّذِي تُفِيدُهُ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ بِإِرْجَاعِهِ وَمِنْ قَوْلِهِ «اتَّقُوا اللَّهَ، وَقَوْلِهِ اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، وَقَوْلِهِ «فَلَا إذَنْ»، وَقَوْلِهِ «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّسْوِيَةِ فَقِيلَ بِأَنْ تَكُونَ عَطِيَّةُ الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى سَوَاءً، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عِنْدَ النَّسَائِيّ «أَلَا سَوَّيْت بَيْنَهُمْ»، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ «سَوُّوا بَيْنَهُمْ»، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ فَلَوْ كُنْت مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْت النِّسَاءَ» أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقِيلَ: بَلْ التَّسْوِيَةُ أَنْ يُجْعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى حَسِبَ التَّوْرِيثِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَلْ تُنْدَبُ، وَأَطَالُوا فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الْحَدِيثِ، وَذُكِرَ فِي الشَّرْحِ عَشَرَةُ أَعْذَارٍ كُلُّهَا غَيْرُ نَاهِضَةٍ، وَقَدْ كَتَبْنَا فِي ذَلِكَ رِسَالَةً جَوَابَ سُؤَالٍ أَوْضَحْنَا فِيهَا قُوَّةَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ، وَأَنَّ الْهِبَةَ مَعَ عَدَمِهَا بَاطِلَةٌ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السُّوءِ. الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ» فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَبَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ. بَابُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَصَدَقَتِهِ، وَقَدْ اسْتَثْنَى الْجُمْهُورُ مَا يَأْتِي مِنْ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ، وَنَحْوِهِ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى حِلِّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ دُونَ الصَّدَقَةِ إلَّا الْهِبَةَ لِذِي رَحِمٍ قَالُوا: وَالْحَدِيثُ الْمُرَادُ بِهِ التَّغْلِيظُ فِي الْكَرَاهَةِ قَالَ

стр. 770

٨٧٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ،، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَا: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» ٨٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ الطَّحْطَاوِيُّ قَوْلُهُ «كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»، وَإِنْ اقْتَضَى التَّحْرِيمَ لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ كَالْكَلْبِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْكَلْبَ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ فَالْقَيْءُ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ التَّنَزُّهُ عَنْ فِعْلٍ يُشْبِهُ فِعْلَ الْكَلْبِ، وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ التَّأْوِيلِ، وَمُنَافِرَةِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَهُ، وَعُرْفُ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الزَّجْرُ الشَّدِيدُ كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ إقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَنَقْرِ الْغُرَابِ، وَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ، وَنَحْوِهِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَقَامِ إلَّا التَّحْرِيمُ، وَالتَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَهُوَ: - (٨٧٦) - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ،، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَا: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ) فَإِنَّ قَوْلَهُ «لَا يَحِلُّ» ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ الْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَقَوْلُهُ «إلَّا الْوَالِدَ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيمَا، وَهَبَهُ لِابْنِهِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، وَاخْتَصَّهُ الْهَادَوِيَّةُ بِالطِّفْلِ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَفَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ يَحِلُّ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ دُونَ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ فَرْقٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الْحُكْمِ، وَحُكْمُ الْأُمِّ حُكْمُ الْأَبِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (نَعَمْ) وَخَصَّ الْهَادِي مَا وَهَبَتْهُ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا مِنْ صَدَاقِهَا بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ النَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَعْلِيقًا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُرَدُّ إلَيْهَا إنْ كَانَ خَدَعَهَا.، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ «إنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْطَتْ زَوْجَهَا فَشَاءَتْ أَنْ تَرْجِعَ رَجَعَتْ». (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا».

стр. 771

٨٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً. فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: نَعَمْ» ٨٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً. فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: نَعَمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُ ﷺ كَانَتْ جَارِيَةً بِقَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ «، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا» وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْإِثَابَةِ عَلَى الْهَدِيَّةِ إذْ كَوْنُهُ عَادَةً لَهُ ﷺ مُسْتَمِرَّةً يَقْتَضِي لُزُومَهُ، وَلَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّمَا فَعَلَهُ ﷺ مُسْتَمِرًّا لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ لَا لِوُجُوبِهِ. وَقَدْ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى وُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ قَالُوا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الْأَعْوَاضُ قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَيَجِبُ تَعْوِيضُهَا حَسَبَ الْعُرْفِ "، وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى الْمِثْلِيُّ مِثْلُهُ، وَالْقِيَمِيُّ قِيمَتُهُ، وَيَجِبُ لَهُ الْإِيصَاءُ بِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ بَاطِلَةٌ لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهَا بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَلِأَنَّ مَوْضِعَ الْهِبَةِ التَّبَرُّعُ فَلَوْ أَوْجَبْنَاهُ لَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ وَالْعُرْفُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ فَمَا يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ قِيلَ: وَكَأَنَّ مَنْ أَجَازَهَا لِلثَّوَابِ جَعَلَ الْعُرْفَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ ثَوَابُ مِثْلِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ الثَّوَابُ عَلَى الْهِبَةِ إذَا أَطْلَقَ الْوَاهِبُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِثْلُهُ الثَّوَابَ كَالْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ بِخِلَافِ مَا يَهَبُهُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى فَإِذَا لَمْ يَرْضَ الْوَاهِبُ بِالثَّوَابِ فَقِيلَ: تَلْزَمُ الْهِبَةُ إذَا أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْقِيمَةَ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُ إلَّا أَنْ يُرْضِيَهُ، وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ﵀، وَيَرُدُّهُ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَهُوَ: - (٨٧٨) - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً. فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: نَعَمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ رَضِيت؟ قَالَ لَا فَزَادَهُ فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ لَا فَزَادَهُ فَقَالَ رَضِيت؟ قَالَ نَعَمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْعِوَضِ كَانَ سِتَّ بِكْرَاتٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ رِضَا الْوَاهِبِ، وَأَنَّهُ إنْ سَلَّمَ إلَيْهِ قَدْرَ مَا وَهَبَ، وَلَمْ يَرْضَ زِيدَ لَهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ قَالُوا فَإِذَا اُشْتُرِطَ فِيهِ الرِّضَا فَلَيْسَ هُنَاكَ بَيْعٌ انْعَقَدَ؟

стр. 772

٨٧٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.، وَلِمُسْلِمٍ «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ». وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا».، وَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ «لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا. فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ». (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعُمْرَى) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ «لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ»، وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ هِيَ لَك، وَلِعَقِبِك فَأَمَّا إذَا قَالَ هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا».، وَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ». الْأَصْلُ فِي الْعُمْرَى، وَالرُّقْبَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الدَّارَ، وَيَقُولُ أَعَمَرْتُك إيَّاهَا أَيْ أَبَحْتهَا لَك مُدَّةَ عُمْرِك فَقِيلَ: لَهَا عُمْرَى لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ قِيلَ: لَهَا رُقْبَى لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ الْآخَرِ، وَجَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا، وَأَنَّهَا مُمَلَّكَةٌ لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا رِوَايَةً عَنْ دَاوُد أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَاخْتُلِفَ إلَى مَاذَا يَتَوَجَّهُ التَّمْلِيكُ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إلَى الرُّقْبَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْهِبَاتِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ إلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ، وَتَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُؤَبَّدَةٍ إنْ قَالَ أَبَدًا، وَمُطْلَقَةٍ عِنْدَ عَدَمِ التَّقْيِيدِ، وَمُقَيَّدَةٍ بِأَنْ يَقُولَ مَا عِشْت فَإِذَا مِتَّ رَجَعَتْ إلَيَّ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ، وَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَذَلِكَ لِتَصْرِيحِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهَا لِمَنْ أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ «فَإِذَا قَالَ هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا» فَلِأَنَّهُ بِهَذَا الْقَيْدِ قَدْ شَرَطَ أَنْ تَعُودَ إلَى الْوَاهِبِ

стр. 773

٨٨٠ - «وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ. فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونَ لَهَا حُكْمُ مَا إذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، وَهِيَ كَمَا لَوْ أَعْمَرَهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً فَإِنَّهَا عَارِيَّةٌ إجْمَاعًا، وَقَوْلُهُ «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ»، وَقَوْلُهُ (لَا تُرْقِبُوا) مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْإِرْشَادِ لَهُمْ إلَى حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعْمِرُونَ وَيُرْقِبُونَ، وَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ إذَا مَاتَ مَنْ أَعْمَرُوهُ وَأَرْقَبُوهُ فَجَاءَ الشَّرْعُ بِمُرَاغَمَتِهِمْ، وَصَحَّحَ الْعَقْدَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ الْمُضَادَّ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ أَشْبَهَ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ،. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «الْعُمْرَى لِمَنْ أُعْمِرَهَا، وَالرُّقْبَى لِمَنْ أُرْقِبَهَا، وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»، وَأَمَّا إذَا صَرَّحَ بِالشَّرْطِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ مَا عِشْت فَإِنَّهَا عَارِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ لَا هِبَةٌ، وَمَرَّ حَدِيثُ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»، وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَهُوَ: - «، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ فَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَمَامُهُ «فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»، وَقَوْلُهُ فَأَضَاعَهُ أَيْ قَصَّرَ فِي مُؤْنَتِهِ، وَحُسْنِ الْقِيَامِ بِهِ، وَقَوْلُهُ لَا تَبْتَعْهُ أَيْ لَا تَشْتَرِيهِ، وَفِي لَفْظٍ «، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك» فَسَمَّى الشِّرَاءَ عَوْدًا فِي الصَّدَقَةِ قِيلَ: لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَامَحَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي فَأَطْلَقَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّسَامُحُ بِهِ رُجُوعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ، وَأَنَّ عَوْدَهَا إلَيْهِ بِالْقِيمَةِ كَالرُّجُوعِ - وَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَوْمٌ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ إنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مُحَرَّمٌ، وَأَنَّهُ الْأَقْوَى دَلِيلًا إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ قَالَ الطَّبَرِيُّ يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، وَمَا إذَا كَانَ الْوَاهِبُ الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ، وَالْهِبَةُ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ وَاَلَّتِي رَدَّهَا الْمِيرَاثُ إلَى الْوَاهِبِ لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ بِاسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ، وَمِمَّا لَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا الصَّدَقَةُ يُرَادُ بِهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ (قُلْت) هَذَا فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَأَمَّا شِرَاؤُهَا، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ فِي الرُّجُوعِ فِيهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِلنَّهْيِ، وَأَصْلُهُ التَّحْرِيمُ.

стр. 774

٨٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ٨٨٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ» ٨٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ)، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَفِي كُلِّ رُوَاتِهِ مَقَالٌ، وَالْمُصَنِّفُ قَدْ حَسَّنَ إسْنَادَهُ، وَكَأَنَّهُ لِشَوَاهِدِهِ الَّتِي مِنْهَا الْحَدِيثُ: - (٨٨٢) - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَهُوَ قَوْلُهُ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ» بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةٍ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ. فِي الْقَامُوسِ: السَّخِيمَةُ وَالسُّخْمَةُ بِالضَّمِّ: الْحِقْدُ (رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) لِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ مَنْ ضُعِّفَ، وَلَهُ طُرُقٌ كُلُّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ «تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» بِفَتْحِ الْوَاوِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الْحِقْدُ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ وَإِنْ لَمْ تَخْلُ عَنْ مَقَالٍ فَإِنَّ لِلْهَدِيَّةِ فِي الْقُلُوبِ مَوْقِعًا لَا يَخْفَى (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ» قَالَ الْقَاضِي الْأَشْهَرُ نَصْبُ النِّسَاءِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى مُضَافٌ إلَى الْمُسْلِمَاتِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا (لَا تَحْقِرَنَّ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ سَاكِنَةٍ، وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا («جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ نُونٌ، وَهُوَ مِنْ الْبَعِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ مِنْ الدَّابَّةِ، وَرُبَّمَا اُسْتُعِيرَ لِلشَّاةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي الْحَدِيثِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا هَدِيَّةً، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَثِّ عَلَى هَدِيَّةِ الْجَارَةِ لِجَارَتِهَا

стр. 775

٨٨٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ - قَوْلُهُ. لَا حَقِيقَةُ الْفِرْسِنِ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ، وَظَاهِرُهُ النَّهْيُ لِلْمُهْدِي (اسْمُ فَاعِلٍ) عَنْ اسْتِحْقَارِ مَا يُهْدِيه بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْإِهْدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْمُهْدَى إلَيْهِ، وَالْمُرَادُ لَا يَحْقِرَنَّ مَا أُهْدِيَ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا، وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ الْجَمِيعِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّهَادِي سِيَّمَا بَيْنَ الْجِيرَانِ، وَلَوْ بِالشَّيْءِ الْحَقِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ جَلْبِ الْمَحَبَّةِ، وَالتَّأْنِيسِ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا». رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الَّتِي لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا، وَعَدَمِ جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الَّتِي أَثَابَ عَلَيْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ، وَفِي حُكْمِ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ، وَالْمُكَافَأَةِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ إنَّ الْفَاعِلَ لَا يَفْعَلُ إلَّا لِغَرَضٍ فَالْهِبَةُ لِلْأَدْنَى كَثِيرًا مَا تَكُونُ كَالصَّدَقَةِ، وَهِيَ غَرَضٌ مُهِمٌّ، وَلِلْمُسَاوِي مُعَاشَرَةٌ لِجَلْبِ الْمَوَدَّةِ، وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَهِيَ مِثْلُ عَطِيَّةِ الْأَدْنَى إلَّا أَنَّ فِي عَطِيَّةِ الْأَدْنَى تَوَهُّمَ الصَّدَقَةِ، وَالْعُرْفُ جَارٍ بِتَخَالُفِ الْهَدَايَا بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الْغَرَضُ الطَّمَعَ وَالتَّحْصِيلَ كَمَا يُهْدِي الْمُتَكَسِّبُ لِلْمَلِكِ يُتْحِفُهُ بِشَيْءٍ يَرْجُو فَضْلَهُ فَلَوْ اقْتَصَرَ الْمَلِكُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهَا لَذُمَّ، وَالذَّمُّ دَلِيلُ الرُّجُوعِ بَلْ إمَّا أَنْ يَرُدَّهَا أَوْ يُعْطِيَهُ خَيْرًا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ غَرَضُ الْمُهْدِي تَحْصِيلَ الِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا، وَالْمُخَالَفَةَ الْحَسَنَةَ، وَتَصْفِيَةَ ذَاتِ الْبَيْنِ أَجْزَأَهُ مِنْ الْمُكَافَأَةِ أَدْنَى شَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَلْ الْأَقَلُّ أَنْسَبُ لِإِشْعَارِهِ بِأَنْ لَيْسَ الْغَرَضُ الْمُعَاوَضَةَ بَلْ تَكْمِيلُ الْمَوَدَّةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَمْلِكُهُ أَنْتَ، وَمَا أَمْلِكُهُ أَنَا.
следующие страницы →