Полный текст (1 346 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
٨٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً. فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: نَعَمْ»
٨٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً. فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: نَعَمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُ ﷺ كَانَتْ جَارِيَةً بِقَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ «، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا» وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْإِثَابَةِ عَلَى الْهَدِيَّةِ إذْ كَوْنُهُ عَادَةً لَهُ ﷺ مُسْتَمِرَّةً يَقْتَضِي لُزُومَهُ، وَلَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّمَا فَعَلَهُ ﷺ مُسْتَمِرًّا لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ لَا لِوُجُوبِهِ.
وَقَدْ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى وُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ قَالُوا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الْأَعْوَاضُ قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَيَجِبُ تَعْوِيضُهَا حَسَبَ الْعُرْفِ "، وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى الْمِثْلِيُّ مِثْلُهُ، وَالْقِيَمِيُّ قِيمَتُهُ، وَيَجِبُ لَهُ الْإِيصَاءُ بِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ بَاطِلَةٌ لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهَا بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَلِأَنَّ مَوْضِعَ الْهِبَةِ التَّبَرُّعُ فَلَوْ أَوْجَبْنَاهُ لَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ وَالْعُرْفُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ فَمَا يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ قِيلَ: وَكَأَنَّ مَنْ أَجَازَهَا لِلثَّوَابِ جَعَلَ الْعُرْفَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ ثَوَابُ مِثْلِهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ الثَّوَابُ عَلَى الْهِبَةِ إذَا أَطْلَقَ الْوَاهِبُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِثْلُهُ الثَّوَابَ كَالْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ بِخِلَافِ مَا يَهَبُهُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى فَإِذَا لَمْ يَرْضَ الْوَاهِبُ بِالثَّوَابِ فَقِيلَ: تَلْزَمُ الْهِبَةُ إذَا أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْقِيمَةَ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُ إلَّا أَنْ يُرْضِيَهُ، وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ﵀، وَيَرُدُّهُ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَهُوَ: - (٨٧٨) - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً. فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: لَا. فَزَادَهُ، فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ: نَعَمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ رَضِيت؟ قَالَ لَا فَزَادَهُ فَقَالَ: رَضِيت؟ قَالَ لَا فَزَادَهُ فَقَالَ رَضِيت؟ قَالَ نَعَمْ».
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْعِوَضِ كَانَ سِتَّ بِكْرَاتٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ رِضَا الْوَاهِبِ، وَأَنَّهُ إنْ سَلَّمَ إلَيْهِ قَدْرَ مَا وَهَبَ، وَلَمْ يَرْضَ زِيدَ لَهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ قَالُوا فَإِذَا اُشْتُرِطَ فِيهِ الرِّضَا فَلَيْسَ هُنَاكَ بَيْعٌ انْعَقَدَ؟
стр. 772
٨٧٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.، وَلِمُسْلِمٍ «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ». وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا».، وَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ «لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا. فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ».
(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعُمْرَى) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ «لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ»، وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ هِيَ لَك، وَلِعَقِبِك فَأَمَّا إذَا قَالَ هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا».، وَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ».
الْأَصْلُ فِي الْعُمْرَى، وَالرُّقْبَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الدَّارَ، وَيَقُولُ أَعَمَرْتُك إيَّاهَا أَيْ أَبَحْتهَا لَك مُدَّةَ عُمْرِك فَقِيلَ: لَهَا عُمْرَى لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ قِيلَ: لَهَا رُقْبَى لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ الْآخَرِ، وَجَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا، وَأَنَّهَا مُمَلَّكَةٌ لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا رِوَايَةً عَنْ دَاوُد أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَاخْتُلِفَ إلَى مَاذَا يَتَوَجَّهُ التَّمْلِيكُ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إلَى الرُّقْبَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْهِبَاتِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ إلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ، وَتَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُؤَبَّدَةٍ إنْ قَالَ أَبَدًا، وَمُطْلَقَةٍ عِنْدَ عَدَمِ التَّقْيِيدِ، وَمُقَيَّدَةٍ بِأَنْ يَقُولَ مَا عِشْت فَإِذَا مِتَّ رَجَعَتْ إلَيَّ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ، وَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَذَلِكَ لِتَصْرِيحِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهَا لِمَنْ أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ «فَإِذَا قَالَ هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا» فَلِأَنَّهُ بِهَذَا الْقَيْدِ قَدْ شَرَطَ أَنْ تَعُودَ إلَى الْوَاهِبِ
стр. 773
٨٨٠ - «وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ. فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونَ لَهَا حُكْمُ مَا إذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، وَهِيَ كَمَا لَوْ أَعْمَرَهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً فَإِنَّهَا عَارِيَّةٌ إجْمَاعًا، وَقَوْلُهُ «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ»، وَقَوْلُهُ (لَا تُرْقِبُوا) مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْإِرْشَادِ لَهُمْ إلَى حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعْمِرُونَ وَيُرْقِبُونَ، وَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ إذَا مَاتَ مَنْ أَعْمَرُوهُ وَأَرْقَبُوهُ فَجَاءَ الشَّرْعُ بِمُرَاغَمَتِهِمْ، وَصَحَّحَ الْعَقْدَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ الْمُضَادَّ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ أَشْبَهَ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ،.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «الْعُمْرَى لِمَنْ أُعْمِرَهَا، وَالرُّقْبَى لِمَنْ أُرْقِبَهَا، وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»، وَأَمَّا إذَا صَرَّحَ بِالشَّرْطِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ مَا عِشْت فَإِنَّهَا عَارِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ لَا هِبَةٌ، وَمَرَّ حَدِيثُ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»، وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَهُوَ: -
«، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ فَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَمَامُهُ «فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»، وَقَوْلُهُ فَأَضَاعَهُ أَيْ قَصَّرَ فِي مُؤْنَتِهِ، وَحُسْنِ الْقِيَامِ بِهِ، وَقَوْلُهُ لَا تَبْتَعْهُ أَيْ لَا تَشْتَرِيهِ، وَفِي لَفْظٍ «، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك» فَسَمَّى الشِّرَاءَ عَوْدًا فِي الصَّدَقَةِ قِيلَ: لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَامَحَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي فَأَطْلَقَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّسَامُحُ بِهِ رُجُوعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ، وَأَنَّ عَوْدَهَا إلَيْهِ بِالْقِيمَةِ كَالرُّجُوعِ - وَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَوْمٌ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ إنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مُحَرَّمٌ، وَأَنَّهُ الْأَقْوَى دَلِيلًا إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ قَالَ الطَّبَرِيُّ يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، وَمَا إذَا كَانَ الْوَاهِبُ الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ، وَالْهِبَةُ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ وَاَلَّتِي رَدَّهَا الْمِيرَاثُ إلَى الْوَاهِبِ لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ بِاسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ، وَمِمَّا لَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا الصَّدَقَةُ يُرَادُ بِهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ (قُلْت) هَذَا فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَأَمَّا شِرَاؤُهَا، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ فِي الرُّجُوعِ فِيهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِلنَّهْيِ، وَأَصْلُهُ التَّحْرِيمُ.
стр. 774
٨٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
٨٨٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ»
٨٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ)، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَفِي كُلِّ رُوَاتِهِ مَقَالٌ، وَالْمُصَنِّفُ قَدْ حَسَّنَ إسْنَادَهُ، وَكَأَنَّهُ لِشَوَاهِدِهِ الَّتِي مِنْهَا الْحَدِيثُ: - (٨٨٢) - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَهُوَ قَوْلُهُ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ» بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةٍ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ. فِي الْقَامُوسِ: السَّخِيمَةُ وَالسُّخْمَةُ بِالضَّمِّ: الْحِقْدُ (رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) لِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ مَنْ ضُعِّفَ، وَلَهُ طُرُقٌ كُلُّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ «تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» بِفَتْحِ الْوَاوِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الْحِقْدُ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ وَإِنْ لَمْ تَخْلُ عَنْ مَقَالٍ فَإِنَّ لِلْهَدِيَّةِ فِي الْقُلُوبِ مَوْقِعًا لَا يَخْفَى
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ» قَالَ الْقَاضِي الْأَشْهَرُ نَصْبُ النِّسَاءِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى مُضَافٌ إلَى الْمُسْلِمَاتِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا (لَا تَحْقِرَنَّ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ سَاكِنَةٍ، وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا («جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ نُونٌ، وَهُوَ مِنْ الْبَعِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ مِنْ الدَّابَّةِ، وَرُبَّمَا اُسْتُعِيرَ لِلشَّاةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي الْحَدِيثِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا هَدِيَّةً، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَثِّ عَلَى هَدِيَّةِ الْجَارَةِ لِجَارَتِهَا
стр. 775
٨٨٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ - قَوْلُهُ.
لَا حَقِيقَةُ الْفِرْسِنِ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ، وَظَاهِرُهُ النَّهْيُ لِلْمُهْدِي (اسْمُ فَاعِلٍ) عَنْ اسْتِحْقَارِ مَا يُهْدِيه بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْإِهْدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْمُهْدَى إلَيْهِ، وَالْمُرَادُ لَا يَحْقِرَنَّ مَا أُهْدِيَ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا، وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ الْجَمِيعِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّهَادِي سِيَّمَا بَيْنَ الْجِيرَانِ، وَلَوْ بِالشَّيْءِ الْحَقِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ جَلْبِ الْمَحَبَّةِ، وَالتَّأْنِيسِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا». رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الَّتِي لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا، وَعَدَمِ جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الَّتِي أَثَابَ عَلَيْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ، وَفِي حُكْمِ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ، وَالْمُكَافَأَةِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ إنَّ الْفَاعِلَ لَا يَفْعَلُ إلَّا لِغَرَضٍ فَالْهِبَةُ لِلْأَدْنَى كَثِيرًا مَا تَكُونُ كَالصَّدَقَةِ، وَهِيَ غَرَضٌ مُهِمٌّ، وَلِلْمُسَاوِي مُعَاشَرَةٌ لِجَلْبِ الْمَوَدَّةِ، وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَهِيَ مِثْلُ عَطِيَّةِ الْأَدْنَى إلَّا أَنَّ فِي عَطِيَّةِ الْأَدْنَى تَوَهُّمَ الصَّدَقَةِ، وَالْعُرْفُ جَارٍ بِتَخَالُفِ الْهَدَايَا بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الْغَرَضُ الطَّمَعَ وَالتَّحْصِيلَ كَمَا يُهْدِي الْمُتَكَسِّبُ لِلْمَلِكِ يُتْحِفُهُ بِشَيْءٍ يَرْجُو فَضْلَهُ فَلَوْ اقْتَصَرَ الْمَلِكُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهَا لَذُمَّ، وَالذَّمُّ دَلِيلُ الرُّجُوعِ بَلْ إمَّا أَنْ يَرُدَّهَا أَوْ يُعْطِيَهُ خَيْرًا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ غَرَضُ الْمُهْدِي تَحْصِيلَ الِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا، وَالْمُخَالَفَةَ الْحَسَنَةَ، وَتَصْفِيَةَ ذَاتِ الْبَيْنِ أَجْزَأَهُ مِنْ الْمُكَافَأَةِ أَدْنَى شَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَلْ الْأَقَلُّ أَنْسَبُ لِإِشْعَارِهِ بِأَنْ لَيْسَ الْغَرَضُ الْمُعَاوَضَةَ بَلْ تَكْمِيلُ الْمَوَدَّةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَمْلِكُهُ أَنْتَ، وَمَا أَمْلِكُهُ أَنَا.
стр. 776
بَابُ اللُّقْطَةِ
٨٨٥ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٨٨٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ. فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَك وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(بَابُ اللُّقْطَةِ)
اللُّقَطَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ الْقَافُ سَاكِنَةٌ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَهُوَ اللَّاقِطُ قِيلَ: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ إلَّا أَنَّهُ أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى الْفَتْحِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ. (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) دَلَّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ الَّذِي يُتَسَامَحُ بِهِ، وَلَا يَجِبُ التَّعْرِيفُ بِهِ، وَأَنَّ الْآخِذَ يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ لَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحَقِيرِ، وَإِنْ كَانَ مَالِكُهُ مَعْرُوفًا، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا جُهِلَ، وَأَمَّا إذَا عُلِمَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ كَيْفَ تَرَكَهَا فِي الطَّرِيقِ مَعَ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ حِفْظُ الْمَالِ الضَّائِعِ، وَحِفْظُ مَا كَانَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَصَرْفُهُ فِي مَصَارِفِهِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْخُذْهَا لِلْحِفْظِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ أَكْلَهَا تَوَرُّعًا أَوْ أَنَّهُ تَرَكَهَا عَمْدًا لِيَأْخُذَهَا مَنْ يَمُرُّ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إلَّا حِفْظُ الْمَالِ الَّذِي يَعْلَمُ طَلَبَ صَاحِبِهِ لَهُ لَا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ لِحَقَارَتِهِ. وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّوَرُّعِ عَنْ أَكْلِ مَا يَجُوزُ فِيهِ أَنَّهُ حَرَامٌ.
стр. 777
٨٨٧ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ "
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ أَوْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لَمْ يَقُمْ بُرْهَانٌ عَلَى تَعْيِينِ الرَّجُلِ «فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ» أَيْ عَنْ حُكْمِهَا شَرْعًا («فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَهَا» بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٍ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ صَادٌ مُهْمَلَةٌ: وِعَاءَهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ خِرْقَتَهَا (، وَوِكَاءَهَا) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَمْدُودًا مَا يُرْبَطُ بِهِ «ثُمَّ عَرِّفْهَا بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ» الضَّالَّةُ تُقَالُ عَلَى الْحَيَوَانِ. وَمَا لَيْسَ بِحَيَوَانٍ يُقَالُ لَهُ لُقَطَةً (قَالَ «هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ قَالَ مَا لَك، وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا» أَيْ جَوْفُهَا، وَقِيلَ: عُنُقُهَا (، وَحِذَاؤُهَا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ خُفُّهَا («تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِالْتِقَاطِ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَمْ التَّرْكُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْأَفْضَلُ الِالْتِقَاطُ لِأَنَّ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِ حِفْظَ مَالِ أَخِيهِ، وَمِثْلَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ تَرْكُهُ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ «ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ»، وَلِمَا يُخَالِفُ مِنْ التَّضْمِينِ الدَّيْنَ، وَقَالَ قَوْمٌ بَلْ الِالْتِقَاطُ وَاجِبٌ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ فِيمَنْ أَرَادَ أَخْذَهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ تَعْرِيفِهِ بِهَا هَذَا، وَقَدْ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْأُولَى) فِي حُكْمِ اللُّقَطَةِ، وَهِيَ الضَّائِعَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ ضَالَّةً فَقَدْ أَمَرَ ﷺ الْمُلْتَقِطَ أَنْ يَعْرِفَ وِعَاءَهَا، وَمَا تُشَدُّ بِهِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ وُجُوبُ التَّعَرُّفِ لِمَا ذُكِرَ وَوُجُوبُ التَّعْرِيفِ، وَيُزِيدُ الْأَخِيرَ عَلَيْهِ دَلَالَةً قَوْلُهُ:
٨٨٧ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فَوَصَفَهُ بِالضَّلَالِ إذَا لَمْ يُعَرِّفْ بِهَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي فَائِدَةِ مَعْرِفَتِهِمَا فَقِيلَ: لِتُرَدَّ لِلْوَاصِفِ لَهَا، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ إخْبَارِهِ بِصِفَتِهَا، وَيَجِبُ رَدُّهَا إلَيْهِ كَمَا دَلَّ لَهُ مَا هُنَا، وَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُك بِهَا، وَفِي لَفْظٍ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ»، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ، وَاشْتَرَطَتْ الْمَالِكِيَّةُ زِيَادَةَ صِفَةِ الدَّنَانِيرِ وَالْعَدَدَ قَالُوا لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَقَالُوا لَا يَضُرُّهُ الْجَهْلُ بِالْعَدَدِ إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ
стр. 778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْوِكَاءَ.
فَأَمَّا إذَا عَرَفَ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا مِنْ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، وَجَهِلَ الْأُخْرَى فَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِمَعْرِفَتِهِمَا جَمِيعًا، وَقِيلَ: تُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ الْإِنْظَارِ مُدَّةً ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ تُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ وَصْفِهِ لِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا بِغَيْرِ يَمِينِهِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ فَقِيلَ: تُدْفَعُ إلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ، وَقِيلَ: لَا تُرَدُّ إلَيْهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَقَالَ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيِّنَةَ إنَّ فَائِدَةَ أَمْرِ الْمُلْتَقِطِ بِمَعْرِفَتِهِمَا لِئَلَّا تَلْتَبِسَ بِمَالِهِ لَا لِأَجْلِ رَدِّهَا لِمَنْ وَصَفَهَا فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَيْهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ قَالُوا: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لَا يُسَلَّمْ إلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ.
وَهَذَا أَصْلٌ مُقَرَّرٌ شَرْعًا لَا يُخْرَجُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ وَصْفِ الْمُدَّعِي لِلْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ وُجُوبُ الرَّدِّ بِمُجَرَّدِ الْوَصْفِ فَإِنَّهُ قَالَ ﷺ " فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ "، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مُقَدَّرٌ بَعْدَ قَوْلِهِ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا» أَيْ فَأَعْطِهِ إيَّاهَا، وَإِنَّمَا حُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَحَدِيثُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» لَيْسَتْ الْبَيِّنَةُ مَقْصُورَةً عَلَى الشَّهَادَةِ بَلْ هِيَ عَامَّةٌ لِكُلِّ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْحَقُّ، وَمِنْهَا وَصْفُ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ قَالَ مَنْ اشْتَرَطَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا إذَا ثَبَتَتْ الزِّيَادَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ فَأَعْطِهَا إيَّاهُ كَانَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا وَالزِّيَادَةُ قَدْ صَحَّتْ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، وَيَجِبُ الرَّدُّ بِالْوَصْفِ، وَكَمَا أَوْجَبَ ﷺ التَّعْرِيفَ بِهَا فَقَدْ حَدَّ وَقْتَهُ بِسَنَةٍ فَأَوْجَبَ التَّعْرِيفَ بِهَا سَنَةً.
وَأَمَّا مَا بَعْدَهَا فَقِيلَ: لَا يَجِبُ التَّعْرِيفُ بِهَا بَعْدَ السَّنَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَالدَّلِيلُ مَعَ الْأَوَّلِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُعَرِّفُ بِهَا سَنَةً لَا غَيْرُ حَقِيرَةً كَانَتْ أَوْ عَظِيمَةً ثُمَّ التَّعْرِيفُ يَكُونُ فِي مَظَانِّ اجْتِمَاعِ النَّاسِ مِنْ الْأَسْوَاقِ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَالْمَجَامِعِ الْحَافِلَةِ، قَوْلُهُ «، وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» نُصِبَ شَأْنُك عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ بِهَا، وَهُوَ تَفْوِيضٌ لَهُ فِي حِفْظِهَا أَوْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِ الْمُلْتَقِطِ فِيهَا أَيَّ تَصَرُّفٍ إمَّا بِصَرْفِهَا عَلَى نَفْسِهِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا أَوْ التَّصَدُّقِ بِهَا إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُهَا فَعِنْدَ مُسْلِمٍ «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا كَانَتْ، وَدِيعَةً عِنْدَك»، وَفِي رِوَايَةٍ «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَك فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ».
وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهَا بَعْدَ السَّنَةِ قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: إنَّهُ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّ لَهُ تَمَلُّكَهَا، وَمِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَمِثْلُهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَكَلَهَا ضَمِنَهَا لِصَاحِبِهَا إلَّا أَهْلَ الظَّاهِرِ فَقَالُوا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ السَّنَةِ، وَتَصِيرُ مَالًا مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَضْمَنُهَا إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا (قُلْت)، وَلَا أَدْرِي مَا يَقُولُونَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، وَنَحْوِهِ
стр. 779
٨٨٨ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ.
الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ ضَمَانِهَا، وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَمَنْ مَعَهُ لِأَنَّهُ أَذِنَ ﷺ فِي اسْتِنْفَاقِهِ لَهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا ثُمَّ أَمَرَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الِاسْتِنْفَاقِ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى صَاحِبِهَا إنْ جَاءَ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ، وَذَلِكَ تَضْمِينٌ لَهَا
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِوَاجِدِ الْغَنَمِ فِي الْمَكَانِ الْقَفْرِ الْبَعِيدِ مِنْ الْعُمْرَانِ أَنْ يَأْكُلَهَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْهَلَاكِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهَا أَوْ أَخُوك، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ مِنْ مُلْتَقِطٍ آخَرَ، وَالْمُرَادُ مِنْ الذِّئْبِ جِنْسُ مَا يَأْكُلُ الشَّاةَ مِنْ السِّبَاعِ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى أَخْذِهِ إيَّاهَا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهَا لِصَاحِبِهَا أَوْ لَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ إنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، وَاحْتُجَّ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُلْتَقِطِ وَالذِّئْبِ، وَالذِّئْبُ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يَمْلِكُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْمُلْتَقِطُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا
(وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ، وَقَدْ حُكِمَ ﷺ بِأَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ بَلْ تُتْرَكُ تَرْعَى الشَّجَرَ، وَتَرِدُ الْمِيَاهَ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا قَالُوا: وَقَدْ نَبَّهَ ﷺ عَلَى أَنَّهَا غَنِيَّةٌ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى الْحِفْظِ بِمَا رَكَّبَ اللَّهُ فِي طِبَاعِهَا مِنْ الْجَلَادَةِ عَلَى الْعَطَشِ، وَتَنَاوُلِ الْمَاءِ بِغَيْرِ تَعَبٍ لِطُولِ عُنُقِهَا، وَقُوَّتِهَا عَلَى الْمَشْيِ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى الْمُلْتَقِطِ بِخِلَافِ الْغَنَمِ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ، وَغَيْرُهُمْ الْأَوْلَى الْتِقَاطُهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ:، وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْتِقَاطِ الْإِبِلِ أَنَّ بَقَاءَهَا حَيْثُ ضَلَّتْ أَقْرَبُ إلَى وِجْدَانِ مَالِكِهَا لَهَا مِنْ تَطَلُّبِهِ لَهَا فِي رِحَالِ النَّاسِ.
(وَعَنْ عِيَاضٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ، ابْنِ حِمَارٍ) بِلَفْظِ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ لَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ)
стр. 780
٨٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اللُّقَطَةِ وَالْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، وَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ زِيَادَةَ وُجُوبِ الْإِشْهَادِ بِعَدْلَيْنِ عَلَى الْتِقَاطِهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فَقَالُوا: يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى اللُّقَطَةِ، وَعَلَى أَوْصَافِهَا، وَذَهَبَ الْهَادِي وَمَالِكٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ قَالُوا لِعَدَمِ ذِكْرِ الْإِشْهَادِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى النَّدْبِ، وَقَالَ الْأَوَّلُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ بَعْدَ صِحَّتِهَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا فَيَجِبُ الْإِشْهَادُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ عَدَمُ ذِكْرِهِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَالْحَقُّ وُجُوبُ الْإِشْهَادِ، وَفِي قَوْلِهِ «فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» دَلِيلٌ لِلظَّاهِرِيَّةِ فِي أَنَّهَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُلْتَقِطِ، وَلَا يَضْمَنُهَا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا سَلَفَ مِنْ إيجَابِ الضَّمَانِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحِلُّ انْتِفَاعُهُ بِهَا بَعْدَ مُرُورِ سَنَةِ التَّعْرِيفِ.
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ) هُوَ قُرَشِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ صَحَابِيٌّ، وَقِيلَ إنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَلَيْسَتْ لَهُ رُؤْيَةٌ، وَأَسْلَمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ عَنْ الْتِقَاطِ الرَّجُلِ مَا ضَاعَ لِلْحَاجِّ، وَالْمُرَادُ مَا ضَاعَ فِي مَكَّةَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ حَمْلُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْتِقَاطِهَا لِلتَّمَلُّكِ لَا لِلتَّعْرِيفِ بِهَا فَإِنَّهُ يَحِلُّ قَالُوا: وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ لُقَطَةُ الْحَاجِّ بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ إيصَالِهَا إلَى أَرْبَابِهَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِمَكِّيٍّ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِآفَاقِيٍّ فَلَا يَخْلُو أُفُقٌ فِي الْغَالِبِ مِنْ وَارِدٍ مِنْهُ إلَيْهَا فَإِذَا عَرَّفَهَا وَاجِدُهَا فِي كُلِّ عَامٍ سَهُلَ التَّوَصُّلُ إلَى مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ، وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ مَكَّةُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّ الْحَاجَّ يَرْجِعُ إلَى بَلَدِهِ، وَقَدْ لَا يَعُودُ فَاحْتَاجَ الْمُلْتَقِطُ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ بِهَا، وَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَأَنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ هَذَا مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْتِقَاطُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ فَاَلَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ لُقَطَةُ مَكَّةَ أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ إلَّا لِلتَّعْرِيفِ بِهَا أَبَدًا فَلَا تَجُوزُ لِلتَّمَلُّكِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي لُقَطَةِ الْحَاجِّ
стр. 781
٨٩٠ - وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
مُطْلَقًا فِي مَكَّةَ، وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ هُنَا مُطْلَقٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهَا فِي مَكَّةَ.
(وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا ذُكِرَ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَذُكِرَ الْحَدِيثُ هُنَا لِقَوْلِهِ «، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللُّقَطَةَ مِنْ مَالِهِ كَاللُّقَطَةِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْتِقَاطِهَا مِنْ مَحَلٍّ غَالِبُ أَهْلِهِ أَوْ كُلُّهُمْ ذِمِّيُّونَ، وَإِلَّا فَاللُّقَطَةُ لَا تُعْرَفُ مِنْ مَالِ أَيِّ إنْسَانٍ عِنْدَ الْتِقَاطِهَا. وَقَوْلُهُ: «إلَّا أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا» مُؤَوَّلٌ بِالْحَقِيرِ كَمَا سَلَفَ فِي التَّمْرَةِ، وَنَحْوِهَا أَوْ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِهَا كَمَا سَلَفَ أَيْضًا، وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِغْنَاءِ لِأَنَّهُ سَبَبُ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ فِي الْأَغْلَبِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهَا لَبَالَغَ فِي طَلَبِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ مَرَّ بِبُسْتَانٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ فَيَأْخُذُ، وَيُغَرَّمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبُسْتَانِ حَائِطٌ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، وَفِي الْأُخْرَى إذَا احْتَاجَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ، وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَمْ يَصِحَّ، وَجَاءَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ غَيْرِ قَوِيَّةٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْحَقُّ أَنَّ مَجْمُوعَهَا لَا يَقْصُرُ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ احْتَجُّوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِمَا هُوَ دُونَهَا، وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي كِتَابِي " الْمِنْحَةِ فِيمَا عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى الصِّحَّةِ " اهـ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، وَأَقَاوِيلُ كَثِيرَةٌ قَدْ نَقَلَهَا الشَّارِحُ عَنْ الْمُهَذَّبِ، وَلَمْ يَتَلَخَّصْ الْبَحْثُ لِتَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ فِي الْإِبَاحَةِ وَالنَّهْيِ فَلَمْ يَقْوَ نَقْلُ أَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ عَلَى نَقْلِ الْأَصْلِ، وَهُوَ حُرْمَةُ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ أَكَّدَتْ ذَلِكَ الْأَصْلَ.
стр. 782
بَابُ الْفَرَائِضِ
٨٩١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ الْفَرْضِ، وَهُوَ الْقَطْعُ، وَخُصَّتْ الْمَوَارِيثُ بِاسْمِ الْفَرَائِضِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أَيْ مِقْدَارًا مَعْلُومًا، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِ عِلْمِ الْفَرَائِضِ، وَوَرَدَ أَنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ.
(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» وَالْمُرَادُ بِهَا السِّتُّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا، وَعَلَى أَهْلِهَا فِي الْقُرْآنِ «فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» اُخْتُلِفَ فِي فَائِدَةِ وَصْفِ الرَّجُلِ بِالذَّكَرِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَنَقَلَ فِي الشَّرْحِ كَلَامًا كَثِيرًا، وَفَائِدَتُهُ قَلِيلَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْفَرَائِضُ الْمَنْصُوصَةُ فِي الْقُرْآنِ سِتٌّ النِّصْفُ وَنِصْفُهُ وَنِصْفُ نِصْفِهِ وَالثُّلُثَانِ وَنِصْفُهُمَا وَنِصْفُ نِصْفِهِمَا، وَالْمُرَادُ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِأَوْلَى رَجُلٍ أَنَّ الرِّجَالَ مِنْ الْعَصَبَةِ بَعْدَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ إذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ اسْتَحَقَّ دُونَ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ فَإِنْ اسْتَوَوْا اشْتَرَكُوا، وَلَمْ يُقْصَدْ مَنْ يُدْلِي بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ مَثَلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْمَنْزِلَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِهِ الْعَمَّةُ مَعَ الْعَمِّ، وَبِنْتُ الْأَخِ مَعَ ابْنِ الْأَخِ، وَبِنْتُ الْعَمِّ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ، وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْأَخُ، وَالْأُخْتُ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ بِنَصِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ الْبَنُونَ ثُمَّ بَنُوهُمْ، وَإِنْ سَفَلُوا ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ، وَإِنْ عَلَا، وَتَفَاصِيلُ الْعَصَبَاتِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْفَرَائِضِ مُسْتَوْفًى فِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ، وَالْحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُودِ عَصَبَةٍ مِنْ الرِّجَالِ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ عَصَبَةٌ مِنْ الرِّجَالِ أُعْطِيَ بَقِيَّةُ الْمِيرَاثُ مَنْ لَا فَرْضَ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ كَمَا يَأْتِي فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ.
стр. 783
٨٩٢ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٨٩٣ - «وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ - فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ - تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ - وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
(وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْمُسْلِمُ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ فَاعِلٌ، وَالْكَافِرُ مَفْعُولٌ، وَفِي آخِرِهِ بِالْعَكْسِ، وَإِلَى مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ، وَرُوِيَ خِلَافُهُ عَنْ مُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ وَمَسْرُوقٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامِيَّةُ وَالنَّاصِرُ قَالُوا: إنَّهُ يَرِثُ الْمُسْلِمُ مِنْ الْكَافِرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَاحْتَجَّ مُعَاذٌ بِأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسَدَّدٌ أَنَّهُ اخْتَصَمَ إلَى مُعَاذٍ أَخَوَانِ: مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ مَاتَ أَبُوهُمَا يَهُودِيًّا فَحَازَ ابْنُهُ الْيَهُودِيُّ مِيرَاثَهُ فَنَازَعَهُ الْمُسْلِمُ فَوَرَّثَ مُعَاذٌ الْمُسْلِمَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: مَا رَأَيْت قَضَاءً أَحْسَنَ مِنْ قَضَاءِ مُعَاوِيَةَ نَرِثُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا يَرِثُونَنَا كَمَا يَحِلُّ لَنَا النِّكَاحُ مِنْهُمْ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنَّا. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ نَصٌّ فِي مَنْعِ التَّوْرِيثِ، وَحَدِيثَ مُعَاذٍ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الْمِيرَاثِ إنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ يَفْضُلُ غَيْرَهُ مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَلَا يَزَالُ يَزْدَادُ، وَلَا يَنْقُصُ.
«وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ قَضَى النَّبِيُّ ﷺ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ عَصَبَةٌ تُعْطَى بَقِيَّةَ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ مَجْمُوعٌ عَلَى أَنَّ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ، وَقَدْ كَانَ أَفْتَى أَبُو مُوسَى أَنَّ لِلْأُخْتِ النِّصْفَ ثُمَّ أَمَرَ السَّائِلَ أَنْ يَسْأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَضَى ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو مُوسَى لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ. ضَبَطَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ الْحَبْرَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا، وَرِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ جَمِيعًا
стр. 784
٨٩٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ، وَرَوَى النَّسَائِيّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ
٨٩٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ: لَك السُّدُسُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: لَك سُدُسٌ آخَرُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ. فَقَالَ: إنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ
لَهُ بِفَتْحِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ الْعَالِمُ بِتَحْبِيرِ الْكَلَامِ وَتَحْسِينِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ حَبْرًا لِمَا يَبْقَى مِنْ أَثَرِ عُلُومِهِ زَادَ الرَّاغِبُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَمِنْ آثَارِ أَفْعَالِهِ الْحَسَنَةِ الْمُقْتَدَى بِهَا.
(وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ، وَرَوَى النَّسَائِيّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ) وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالْكُفْرِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّتَيْنِ الْكُفْرُ وَالْإِسْلَامُ فَيَكُونُ كَحَدِيثِ «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» - الْحَدِيثَ قَالُوا: وَأَمَّا تَوْرِيثُ مِلَلِ الْكُفْرِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ، وَلَمْ يَقُلْ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ لِلْمِلَلِ كُلِّهَا إلَّا الْأَوْزَاعِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَرِثُ الْيَهُودِيُّ مِنْ النَّصْرَانِيِّ، وَلَا عَكْسُهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمِلَلِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَدِيثِ مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ، وَالْحَدِيثُ مُخَصِّصٌ لِلْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي الْأَوْلَادِ فَيُخَصُّ مِنْهُ الْوَلَدُ الْكَافِرُ بِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ، وَالْقُرْآنُ يُخَصُّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ.
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ قَالَ لَك السُّدُسُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: لَك سُدُسٌ آخَرُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ
стр. 785
٨٩٦ - وَعَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ
٨٩٧ - وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ
فَقَالَ إنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ) قَالَ قَتَادَةُ لَا أَدْرِي مَعَ أَيِّ شَيْءٍ وَرِثَهُ، وَقَالَ أَقَلُّ شَيْءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدُسُ، وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَيِّتُ بِنْتَيْنِ، وَهَذَا السَّائِلُ، وَهُوَ الْجَدُّ فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَبَقِيَ ثُلُثٌ فَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى السَّائِلِ السُّدُسَ بِالْفَرْضِ لِأَنَّهُ فَرْضُ الْجَدِّ هُنَا، وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ السُّدُسَ الْآخَرَ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّ فَرْضَهُ الثُّلُثُ، وَتَرَكَهُ حَتَّى وَلَّى أَيْ ذَهَبَ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَك سُدُسٌ آخَرُ، وَهُوَ بَقِيَّةُ التَّرِكَةِ فَلَمَّا ذَهَبَ دَعَاهُ فَقَالَ إنَّ الْآخِرَ - بِكَسْرِ الْخَاءِ - طُعْمَةٌ أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى الْفَرِيضَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ إعْلَامُهُ بِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْفَرْضِ الَّذِي لَهُ فَلَهُ سُدُسٌ فَرْضًا، وَالْبَاقِي تَعْصِيبًا.
(وَعَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنْ أَبِيهِ ﵁ هُوَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ) فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِيرَاثَ الْجَدَّةِ السُّدُسُ سَوَاءٌ كَانَتْ أُمَّ أُمٍّ أَوْ أُمَّ أَبٍ، وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْجَدَّتَانِ فَأَكْثَرُ إذَا اسْتَوَيْنَ فَإِنْ اخْتَلَفْنَ سَقَطَتْ الْبُعْدَى مِنْ الْجِهَتَيْنِ بِالْقُرْبَى، وَلَا يُسْقِطُهُنَّ إلَّا الْأُمُّ وَالْأَبُ يُسْقِطُ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ.
(وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَوْرِيثِ الْخَالِ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ يَرِثُ مِنْ الْعَصَبَةِ، وَذَوِي السِّهَامِ
стр. 786
٨٩٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ»
وَالْخَالُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْآلِ وَغَيْرِهِمْ إلَى تَوْرِيثِهِمْ فَمَنْ خَلَّفَ عَمَّتَهُ وَخَالَتَهُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا كَانَ لِلْعَمَّةِ الثُّلُثَانِ، وَلِلْخَالَةِ الثُّلُثُ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وَخَالَفَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَقَالُوا: لَا يَثْبُتُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ مِيرَاثٌ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ أَوْ إجْمَاعٍ، وَالْكُلُّ مَفْقُودٌ هُنَا، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْخَالِ لَا فِي غَيْرِهِ، وَالْآيَةُ مُجْمَلَةٌ، وَمُسَمَّى أُولِي الْأَرْحَامِ فِيهِمَا غَيْرُ مُسَمَّاهُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ بِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِلْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَقَالٌ لَكِنَّهَا مُعْتَضِدَةٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمِيرَاثِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ النَّاهِضُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ يَقُولُونَ: يَكُونُ مَالُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ مُنْتَظِمًا، وَهُوَ إذَا كَانَ فِي يَدِ إمَامٍ عَادِلٍ يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ أَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ قَائِمٌ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ دُفِعَ إلَيْهِ لِيَصْرِفَهُ فِيهَا، وَتَفَاصِيلُ بَقِيَّةِ مَوَارِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ مُسْتَوْفَاةٌ فِي كُتُبِ هَذَا الْفَنِّ فَلَا نُطَوِّل بِهَا.
٨٩٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُد، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ﵁ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُد، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْخَالِ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ السُّلْطَانُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ «أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَعْقِلُ عَنْهُ، وَأَرِثُهُ» فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الدَّالَّيْنِ عَلَى ثُبُوتِ مِيرَاثِ الْخَالِ حَيْثُ لَا وَارِثَ لَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ ﷺ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فِي جَمِيعِ الْجِهَاتِ مِنْ الْعَصَبَاتِ، وَذَوِي السِّهَامِ، وَالْخَالِ، وَالْمُرَادُ مِنْ إرْثِهِ ﷺ أَنَّهُ يَصِيرُ الْمَالُ لِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ
стр. 787
٨٩٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وُرِّثَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
٩٠٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيّ، وَالصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى عَمْرٍو.
وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ الْمَالُ لِبَيْتِ الْمَالِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ جَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْخَالِ وَغَيْرِهِ.
(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وُرِّثَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَالِاسْتِهْلَالُ رُوِيَ فِي تَفْسِيرِهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ضَعِيفٌ «الِاسْتِهْلَالُ الْعُطَاسُ» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ إذَا بَكَى عِنْدَ وِلَادَتِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ وِلَادَتِهِ حَيًّا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ بَلْ وُجِدَتْ مِنْهُ أَمَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَهَلَّ السُّقْطُ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ غَيْرِهِ فِي أَنَّهُ يَرِثُ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ قَتْلِهِ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكْفِي فِي الْإِخْبَارِ بِاسْتِهْلَالِهِ عَدْلَةٌ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ عَدْلَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ الْأَوَّلُ لِلْهَادَوِيَّةِ، وَالثَّانِي لِلْهَادِي، وَالثَّالِثُ لِلشَّافِعِيِّ، وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِعَوْرَاتِ النِّسَاءِ، وَأَفَادَ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ لَا يُحْكَمُ بِحَيَاتِهِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيّ، وَالصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى عَمْرٍو) وَالْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ لَا تَقْصُرُ عَنْ الْعَمَلِ بِمَجْمُوعِهَا، وَإِلَى مَا أَفَادَهُ مِنْ عَدَمِ إرْثِ الْقَاتِلِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قَالُوا لَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ، وَلَا مِنْ الْمَالِ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَمَالِكٌ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الْقَتْلُ
стр. 788
٩٠١ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَوْ الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ
خَطَأً، وَرِثَ مِنْ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ، وَلَا يَتِمُّ لَهُمْ دَلِيلٌ نَاهِضٌ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ بَلْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ رَجُلًا رَمَى بِحَجَرٍ فَأَصَابَ أُمَّهُ فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ فَأَرَادَ نَصِيبَهُ مِنْ مِيرَاثِهَا فَقَالَ لَهُ إخْوَتُهُ لَا حَقَّ لَك فَارْتَفَعُوا إلَى عَلِيٍّ ﵇ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵇ حَقُّك مِنْ مِيرَاثِهَا الْحَجَرُ فَأَغْرَمَهُ الدِّيَةَ، وَلَمْ يُعْطِهِ مِنْ مِيرَاثِهَا شَيْئًا، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ " أَيُّمَا رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً مِمَّنْ يَرِثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهُمَا، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُمَا "، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَالْقَوَدُ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ فَإِنْ عَفُوًّا فَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْ عَقْلِهِ، وَلَا مِنْ مَالِهِ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيٌّ وَشُرَيْحٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَوْ الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) الْمُرَادُ بِإِحْرَازِ الْوَالِدِ أَوْ الْوَلَدِ أَنَّ مَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُمَا مِنْ الْحُقُوقِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَصَبَةِ مِيرَاثًا. وَالْحَدِيثُ فِيهِ قِصَّةٌ، وَلَفْظُهُ فِي السُّنَنِ «أَنَّ رِئَابَ بْنَ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ فَوَرِثُوهَا رِبَاعَهَا وَوَلَاءَ مَوَالِيهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَصَبَةَ بَنِيهَا فَأَخْرَجَهُمْ إلَى الشَّامِ فَمَاتُوا فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا وَتَرَكَ مَالًا فَخَاصَمَهُ إخْوَتُهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » مَا أَحْرَزَ - الْحَدِيثَ قَالَ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ "، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ رَجُلٌ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَتَرَكَ أَخَوَيْنِ أَوْ ابْنَيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ، وَتَرَكَ ابْنًا أَوْ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ، وَتَرَكَ ابْنًا فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّوْرِيثِ مِيرَاثُهُ بَيْنَ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ أَوْ الْأَخِ وَابْنِ الْأَخِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهِ يَكُونُ لِلِابْنِ وَحْدَهُ.
стр. 789
٩٠٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ
٩٠٣ - وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفَرْضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ) وَلِلْعُلَمَاءِ كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَصِحَّتِهِ، وَعَدَمِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُكْتَسَبُ بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا سَائِرُ التَّمْلِيكَاتِ مِنْ النَّذْرِ، وَالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ كَالنَّسَبِ، وَالنَّسَبُ لَا يَنْتَقِلُ بِعِوَضٍ، وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ.
(وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ بَعْدَ أَلِفِهِ مُوَحَّدَةٌ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفَرْضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ) بِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَنَسٍ، وَإِنْ كَانَ سَمَاعُهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَنْ أَنَسٍ ثَابِتًا، وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ قِطْعَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ طَوِيلٌ فِيهِ ذُكِرَ سَبْعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَخْتَصُّ كُلٌّ مِنْهُمْ بِخَصْلَةِ خَيْرٍ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِبَابِ الْفَرَائِضِ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ الْمُخَاطَبِينَ بِالْمَوَارِيثِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَيْهِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، وَاعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْفَرَائِضِ وَرَجَّحَهُ عَلَى غَيْرِهِ.
стр. 790
بَابُ الْوَصَايَا
٩٠٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَهَدَايَا وَهَدِيَّةٍ، وَهِيَ شَرْعًا عَهْدٌ خَاصٌّ يُضَافُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) كَلِمَةُ " مَا " نَافِيَةٌ بِمَعْنَى لَيْسَ، " وَحَقُّ " اسْمُهَا، وَخَبَرُهَا مَا بَعْدَ إلَّا، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ فِي الْخَبَرِ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بِإِلَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَاهُ مَا الْحَزْمُ، وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُسْلِمِ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ إذَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى تَأْتِيهِ مَنِيَّتُهُ فَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْحَقُّ لُغَةً الشَّيْءُ الثَّابِتُ، وَيُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُبَاحِ بِقِلَّةٍ فَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ " عَلَى "، وَنَحْوِهِ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ، وَفِي قَوْلِهِ " يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ إرَادَتِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَمْ لَا فَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَذَهَبَ دَاوُد، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى وُجُوبِهَا، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا مُسْتَدِلًّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصِ لَقُسِمَ جَمِيعُ مَالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لَأُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ سَهْمٌ يَنُوبُ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَالْأَقْرَبُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ مِنْ وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ يَخْشَى أَنْ يَضِيعَ إنْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَوَدِيعَةٍ، وَدَيْنٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ فِيمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَمَعَهُ مَالٌ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَخْلِيصُهُ إلَّا إذَا أَوْصَى بِهِ، وَمَا انْتَفَى فِيهِ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا وُجُوبَ، وَقَوْلُهُ " لَيْلَتَيْنِ " لِلتَّقْرِيبِ لَا لِلتَّحْدِيدِ، وَإِلَّا فَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثَ لَيَالٍ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي تَخْصِيصِ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ تَسَامُحٌ فِي إرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيتَ زَمَانًا، وَقَدْ سَامَحْنَاهُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ أَبِتْ لَيْلَةً إلَّا
стр. 791
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَوَصِيَّتِي مَكْتُوبَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قِيلَ: لِابْنِ عُمَرَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَلَا تُوصِي قَالَ أَمَّا مَالِي فَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا كُنْت أَصْنَعُ فِيهِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَيَتَعَاهَدُهَا، وَيُنَجِّزُ مَا كَانَ يُوصِي بِهِ حَتَّى وَفَدَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ، وَفِي قَوْلِهِ " أَمَّا مَالِي فَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا كُنْت أَصْنَعُ فِيهِ " مَا يَدُلُّ لِهَذَا الْجَمْعِ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ " مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِشَهَادَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْوَصِيَّةِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْخَطِّ فِيهَا مِنْ دُونِ شَهَادَةٍ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ فِيهَا، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا أَمَرَ الشَّارِعُ بِهَا، وَهِيَ تَكُونُ مِمَّا يَلْزَمُ مِنْ حُقُوقٍ وَلَوَازِمَ كَانَ حَقُّهَا أَنْ تُجَدَّدَ فِي الْأَوْقَاتِ، وَاسْتِصْحَابُ الْإِشْهَادِ فِي كُلِّ لَازِمٍ يُرِيدُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ خَشْيَةَ مُفَاجَأَةِ الْأَجَلِ مُتَعَسِّرٌ بَلْ مُتَعَذِّرٌ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ أَوْ شَرْعِيَّتِهَا بِالْكِتَابَةِ مِنْ دُونِ شَهَادَةٍ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ بِهَا فَدَلَّ عَلَى قَبُولِهَا مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ، وَقَالَ الْجَمَاهِيرُ: الْمُرَادُ مَكْتُوبَةٌ بِشَرْطِهَا، وَهُوَ الشَّهَادَةُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِشْهَادِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْإِشْهَادِ فِي الْآيَةِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَّا بِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَعْرِفَةُ الْخَطُّ فَإِذَا عُرِفَ خَطُّ الْمُوصِي عُمِلَ بِهِ، وَمِثْلُهُ خَطُّ الْحَاكِمِ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ الْكُتُبَ يَدْعُو فِيهَا الْعِبَادَ إلَى اللَّهِ، وَتَقُومُ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَكْتُبُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فِي الْمُهِمَّاتِ مِنْ الدِّينِيَّاتِ وَالدُّنْيَوِيَّات، وَيَعْمَلُونَ بِهَا، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالْوِجَادَةِ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ دُونِ إشْهَادٍ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِيصَاءِ بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْحُقُوقِ، وَنَحْوِهَا لِقَوْلِهِ «لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ»، وَأَمَّا كَتْبُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ فَلَا يُعْرَفُ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.
وَإِنَّمَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا قَالَ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ، وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وَضَمِيرُ " كَانُوا " عَائِدٌ إلَى الصَّحَابَةِ إذْ الْمُخْبِرُ صَحَابِيٌّ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَمْ يُوصِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ لَمْ يُوصِ قَالُوا لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكُ مَالًا، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَقَدْ كَانَ سَبَّلَهَا، وَأَمَّا السِّلَاحُ وَالْبَغْلَةُ فَقَدْ كَانَ أَخْبَرَ أَنَّهَا لَا تُورَثُ كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ
стр. 792
٩٠٥ - وَعَنْ «سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا قُلْت: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا قُلْت: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّك إنْ تَذَرْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ «أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُوصِ عِنْدَ مَوْتِهِ إلَّا بِثَلَاثٍ لِكُلٍّ مِنْ الدَّارِسِينَ، وَالرَّهَاوِيِّينَ، وَالْأَشْعَرِيِّينَ بِجَادِّ مِائَةِ وَسْقٍ مِنْ خَيْبَرَ، وَأَنْ لَا يُتْرَكَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ، وَأَنْ يُنْفَذَ بَعْثُ أُسَامَةَ»، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَوْصَى ﷺ بِثَلَاثٍ أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِمِثْلِ مَا كُنْت أُجِيزُهُمْ» - الْحَدِيثَ "، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَوْفَى بِكِتَابِ اللَّهِ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ «كَانَتْ وَصِيَّتُهُ ﷺ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»، وَقَدْ ثَبَتَتْ وَصِيَّتُهُ بِالْأَنْصَارِ، وَبِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَرُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ فِي مَرَضِهِ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا، وَهُوَ وَصِيَّتُهُ لِلْأَمَةِ إلَّا أَنَّهُ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَعَنْ «سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا ذُو مَالٍ» وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: كَثِيرٍ «وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ: لَا قُلْت: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِ مَالِي قَالَ لَا قُلْت أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّك إنْ» يُرْوَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا فَالْفَتْحُ عَلَى تَقْدِيرِ لَامِ التَّعْلِيلِ، وَالْكَسْرُ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَجَوَابُهُ خَيْرٌ عَلَى تَقْدِيرِ فَهُوَ خَيْرٌ («تَذَرْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً» جَمْعَ عَائِلٍ هُوَ الْفَقِيرُ (يَتَكَفَّفُونَ) يَسْأَلُونَ (النَّاسَ) بِأَكُفِّهِمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اُخْتُلِفَ مَتَى وَقَعَ هَذَا الْحُكْمُ فَقِيلَ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ مَرِضَ سَعْدٌ فَعَادَهُ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، وَقِيلَ: فِي فَتْحِ مَكَّةَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ أَنَّهُ وَهْمٌ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمَرَّتَيْنِ مَعًا، وَأُخِذَ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ " كَثِيرٍ " أَنَّهُ لَا يُوصَى مِنْ مَالٍ قَلِيلٍ رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ، وَقَوْلُهُ «لَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي» أَيْ لَا يَرِثُنِي مِنْ
стр. 793
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْأَوْلَادِ، وَإِلَّا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَهُمْ عَصَبَتُهُ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ الذُّكُورُ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ وُلِدَ لِسَعْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَمِنْ الْبَنَاتِ اثْنَتَا عَشْرَةَ بِنْتًا، وَقَوْلُهُ (أَفَأَتَصَدَّقُ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي تَنْجِيزِ ذَلِكَ فِي الْحَالِ أَوْ أَرَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَّا أَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ أُوصِي، وَهِيَ نَصٌّ فِي الثَّانِي فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ (بِشَطْرِ مَالِي) أَرَادَ بِهِ النِّصْفَ، وَقَوْلُهُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ يُرْوَى بِالْمُثَلَّثَةِ، وَبِالْمُوَحَّدَةِ عَلَى أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَمِثْلُهُ وَقَعَ فِي النَّسَائِيّ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَوَصْفُ الثُّلُثِ بِالْكَثْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهُ، وَفِي فَائِدَةِ وَصْفِهِ بِذَلِكَ احْتِمَالَانِ: الْأَوَّلُ بَيَانُ أَنَّ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَفَهِمَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: وَدِدْت أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إلَى الرُّبْعِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالثَّانِي بَيَانُ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالثُّلُثِ هُوَ الْأَكْمَلُ أَيْ كَثِيرٌ أَجْرُهُ، وَيَكُونُ مِنْ الْوَصْفِ بِحَالِ الْمُتَعَلِّقِ، وَفِي الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ، وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُسْتَحَبُّ الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مَا دُونَ الثُّلُثِ لِقَوْلِهِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ قَالَ قَتَادَةُ أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ، وَأَوْصَى عُمَرُ بِالرُّبْعِ وَالْخُمْسُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الثُّلُثُ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَكُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ»، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِيمَنْ لَهُ وَارِثٌ فَأَمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ مِثْلُ مَنْ لَهُ وَارِثٌ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَأَجَازَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ لَهُ الْوَصِيَّةَ بِالْمَالِ كُلِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَوْ أَجَازَ الْوَارِثُ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ نَفَذَتْ لِإِسْقَاطِهِمْ حَقَّهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَخَالَفَتْ الظَّاهِرِيَّةُ وَالْمُزَنِيُّ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ»، وَأَنَّهُ حَسَنٌ يُعْمَلُ بِهِ. نَعَمْ فَلَوْ رَجَعَ الْوَرَثَةُ عَنْ الْإِجَازَةِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُمْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَلَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقِيلَ: إنْ رَجَعُوا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ يَتَجَدَّدُ لَهُمْ الْحَقُّ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّك إنْ تَذَرْ إلَى آخِرِهِ» هَلْ يُفْهَمُ مِنْهُ عِلَّةُ الْمَنْعِ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ رِعَايَةُ حَقِّ الْوَارِثِ، وَأَنَّهُ إذَا انْتَفَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْمَنْعِ أَوْ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَتَعَدَّى الْحُكْمَ أَوْ يُجْعَلُ الْمُسْلِمُونَ بِمَنْزِلَةِ الْوَرَثَةِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْعِلَّةَ مُتَعَدِّيَةٌ، وَأَنَّهُ يَنْتَفِي الْحُكْمُ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ.
стр. 794
٩٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ
٩٠٧ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ - وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَزَادَ فِي آخِرِهِ «إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ»، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا) جَاءَ مُبَيَّنًا أَنَّهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ («أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ» بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَ الْفَاءِ السَّاكِنَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ (نَفْسُهَا) أُخِذَتْ فَلْتَةً «، وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَلَهَا أَجْرٌ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا قَالَ: نَعَمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةِ مِنْ الْوَلَدِ تَلْحَقُ الْمَيِّتَ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ لِثُبُوتِ حَدِيثِ «إنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»، وَنَحْوِهِ فَوَلَدُهُ مِنْ سَعْيِهِ، وَثُبُوتِ «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ «إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ»، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ) وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْد ابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَهُ أَيْضًا، وَقَالَ الصَّوَابُ إرْسَالُهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَا يَخْلُو إسْنَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يَنْهَضُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَلْ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ
стр. 795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ مُتَوَاتِرٌ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّهُ نَقْلُ كَافَّةٍ عَنْ كَافَّةٍ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ نَقْلِ وَاحِدٍ (قُلْت) الْأَقْرَبُ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَلِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ نَازَعَ فِي تَوَاتُرِهِ الْفَخْرُ الرَّازِيّ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ مِنْ الْأَمَةِ كَمَا عُرِفَ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ: بَابُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى شَرْطِهِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ، وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ بَعْدَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَلَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَذَهَبَ الْهَادِي، وَجَمَاعَةٌ إلَى جَوَازِهَا مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الْآيَةَ قَالُوا، وَنَسْخُ الْوُجُوبِ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الْجَوَازِ قُلْنَا نَعَمْ لَوْ لَمْ يَرِدْ هَذَا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ نَافٍ لِجَوَازِهَا إذْ وُجُوبُهَا قَدْ عُلِمَ نَسْخُهُ مِنْ آيَةِ الْمَوَارِيثِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ، وَقَوْلُهُ «إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» دَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَصِحُّ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي إجَازَةِ الْوَرَثَةِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ هَلْ يَنْفُذُ بِهَا أَوْ لَا، وَأَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ ذَهَبَتْ إلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِإِجَازَتِهِمْ، وَالظَّاهِرُ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا نَهَى عَنْ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ قَيَّدَهَا بِقَوْلِهِ «إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ»، وَأَطْلَقَ لَمَّا مَنَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَيْسَ لَنَا تَقْيِيدُ مَا أَطْلَقَهُ، وَمَنْ قَيَّدَ هُنَالِكَ قَالَ إنَّهُ يُؤْخَذُ الْقَيْدُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ (إنَّك إنْ تَذَرْ إلَخْ) فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ كَانَ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِنْ أَجَازُوا سَقَطَ حَقُّهُمْ، وَلَا يَخْلُو عَنْ قُوَّةٍ. هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ. وَاخْتَلَفُوا إذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِلْوَارِثِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَجَمَاعَةٍ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ مُطْلَقًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ بَعْدَ الْمَنْعِ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا إقْرَارًا، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِمَا يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ فَقَالَ إنَّ التُّهْمَةَ فِي حَقِّ الْمُحْتَضَرِ بَعِيدَةٌ، وَبِأَنَّهُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِوَارِثٍ آخَرَ صَحَّ إقْرَارُهُ مَعَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالْمَالِ، وَبِأَنَّ مَدَارَ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ فَلَا يُتْرَكُ إقْرَارُهُ لِلظَّنِّ الْمُحْتَمَلِ فَإِنَّ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ (قُلْت) وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى دَلِيلًا، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مَا إذَا أَقَرَّ لَبِنْتِهِ، وَمَعَهَا مَنْ يُشَارِكُهَا مِنْ غَيْرِ الْوَلَدِ كَابْنِ الْعَمِّ قَالَ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ يَزِيدُ لِابْنَتِهِ، وَيُنْقِصُ ابْنَ الْعَمِّ، وَكَذَلِكَ اسْتَثْنَى مَا إذَا أَقَرَّ لِزَوْجَتِهِ الْمَعْرُوفُ بِمَحَبَّتِهِ لَهَا، وَمَيْلِهِ إلَيْهَا، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا تَبَاعُدٌ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ (قُلْت)، وَالْأَحْسَنُ مَا قِيلَ: عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَدَارَ الْأَمْرِ عَلَى التُّهْمَةِ وَعَدَمِهَا فَإِنْ فُقِدَتْ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهِيَ تُعْرَفُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَغَيْرِهَا، وَعَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ إلَّا لِلزَّوْجَةِ بِمَهْرِهَا.
стр. 796
٩٠٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. - وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا)، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ، وَشَيْخَهُ عُتْبَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْمَيِّتُ، وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَمَنْ قَلَّ مَالُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ يُقَيِّدُهُ مَا سَلَفَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ مِنْهُ فَلَا تَنْفُذُ لِلْوَارِثِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى نُفُوذِهَا لِلْوَارِثِ، وَادَّعَى فِيهِ إجْمَاعَ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُخْرَجُ الدَّيْنُ، وَالْوَصِيَّةُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ عَلَى سَوَاءٍ فَتُشَارِكُ الْوَصِيَّةُ الدَّيْنَ إذَا اسْتَغْرَقَ الْمَالَ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ إخْرَاجُ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْهُ قَالَ «قَضَى مُحَمَّدٌ ﷺ أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ» وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ لِاعْتِضَادِهِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ شَاهِدًا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا فَلِمَ قُدِّمَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْآيَةِ (قُلْت) أَجَابَ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ تَقَعُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَالدَّيْنُ يَقَعُ بِتَعَدِّي الْمَيِّتِ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ بَدَأَ بِالْوَصِيَّةِ لِكَوْنِهَا أَفْضَلَ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّهَا إنَّمَا قُدِّمَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهَا شَيْءٌ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالدَّيْنُ يُؤْخَذُ بِعِوَضٍ فَكَانَ إخْرَاجُ الْوَصِيَّةِ أَشَقَّ عَلَى الْوُرَّاثِ مِنْ إخْرَاجِ الدَّيْنِ، وَكَانَ أَدَاؤُهَا مَظِنَّةَ التَّفْرِيطِ بِخِلَافِ
стр. 797
بَابُ الْوَدِيعَةِ
٩٠٩ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَبَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الزَّكَاةِ.
وَبَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ يَأْتِي عَقِبَ الْجِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الدَّيْنِ فَقُدِّمَتْ الْوَصِيَّةُ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا حَظُّ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكَيْنِ غَالِبًا، وَالدَّيْنُ حَظُّ الْغَرِيمِ يَطْلُبُهُ بِقُوَّةٍ، وَلَهُ مَقَالٌ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يُنْشِئُهَا الْمُوصِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَقُدِّمَتْ تَحْرِيضًا عَلَى الْعَمَلِ بِهَا بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْهُ ذَكَرَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ أَوْ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُمْكِنَةٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ إمَّا نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا فَيَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الْمُخَاطِبِينَ، وَتَقَعُ بِالْمَالِ وَبِالْعَمَلِ، وَقَلَّ مَنْ يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَمَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ أَهَمُّ بِأَنْ يُذْكَرَ أَوَّلًا مِمَّا يَقِلُّ وُقُوعُهُ
الْوَدِيعَةُ هِيَ الْعَيْنُ الَّتِي يَضَعُهَا مَالِكُهَا أَوْ نَائِبُهُ عِنْدَ آخَرِ لِيَحْفَظَهَا، وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ إذَا وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالْأَمَانَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ «، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لَهَا غَيْرَهُ، وَخَافَ الْهَلَاكَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَقْبَلْهَا.
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ)، وَذَلِكَ أَنَّ فِي رُوَاتِهِ الْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ، وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ»، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعِيفَانِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَفُسِّرَ الْمُغِلُّ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِالْخَائِنِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُسْتَغِلُّ. وَفِي الْبَابِ آثَارٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ، وَفِي بَعْضِهَا مَقَالٌ، وَيُغْنِي عَنْ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ فَإِنَّهُ وَقَعَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوَدِيعَةِ ضَمَانٌ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
стр. 798
كِتَابُ النِّكَاحِ
٩١٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ. فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَقَدْ تُؤَوَّلُ بِأَنَّهُ مَعَ التَّفْرِيطِ، الْوَدِيعَةُ قَدْ تَكُونُ بِاللَّفْظِ كَاسْتَوْدَعْتُكَ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِحْفَاظِ، وَيَكْفِي الْقَبُولُ لَفْظًا، وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ لَفْظٍ كَأَنْ يَضَعَ فِي حَانُوتِهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ غَيْرُ مُصَلٍّ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ الْكَرَاهَةِ. وَفِي بَابِ الْوَدِيعَةِ تَفَاصِيلُ فِي الْفُرُوعِ كَثِيرَةٌ. قَوْلُهُ (وَبَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ) بَيْنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الزَّكَاةِ) وَهُوَ أَلْيَقُ بِالِاتِّصَالِ بِهِ (وَبَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ يَأْتِي عَقِبَ الْجِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) وَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَلِيَ الْجِهَادَ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا لِأَنَّهَا جَرَتْ عَادَةُ كُتُبِ فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى جَعْلِ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ قُبَيْلَ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْمُصَنِّفُ خَالَفَهُمْ فَأَلْحَقَهُمَا بِمَا هُوَ أَلْيَقُ بِهِمَا.
(كِتَابُ النِّكَاحِ) النِّكَاحُ لُغَةً الضَّمُّ وَالتَّدَاخُلُ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْوَطْءِ، وَفِي الْعَقْدِ قِيلَ: مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَقِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ قَالَ إنَّهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعَقْدِ فَقِيلَ: إنَّهُ فِيهِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ إلَّا فِي الْعَقْدِ. (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ» بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ «فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْجِيمِ وَالْمَدِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقَعَ الْخِطَابُ مِنْهُ لِلشَّبَابِ لِأَنَّهُمْ مَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ لِلنِّسَاءِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْبَاءَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجِمَاعُ فَتَقْدِيرُهُ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤْنَةِ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاعَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤْنَتِهِ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِدَفْعِ شَهْوَتِهِ، وَيَقْطَعَ شَرَّ مَائِهِ كَمَا يَقْطَعُهُ الْوِجَاءُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مُدْرِجًا تَفْسِيرَهُ الْوِجَاءَ بِأَنَّهُ الْإِخْصَاءُ، وَقِيلَ:
стр. 799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْوِجَاءُ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ، وَالْإِخْصَاءُ سَلْبُهُمَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ الصَّوْمَ كَالْوِجَاءِ، وَالْأَمْرُ بِالتَّزَوُّجِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِ مُؤْنَتِهِ، وَإِلَى الْوُجُوبِ ذَهَبَ دَاوُد، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ عَلَى الْوَطْءِ إنْ وَجَدَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيُكْثِرْ مِنْ الصَّوْمِ، وَقَالَ إنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّهُ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ التَّزَوُّجِ وَالتَّسَرِّي بِقَوْلِهِ ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَالتَّسَرِّي لَا يَجِبُ إجْمَاعًا فَكَذَا النِّكَاحُ لِأَنَّهُ لَا تَخْيِيرَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ إلَّا أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِخِلَافِ دَاوُد وَابْنِ حَزْمٍ، وَذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ عَلَى مَنْ خَافَ الْعَنَتَ، وَقَدَرَ عَلَى النِّكَاحِ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّسَرِّي، وَكَذَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا إلَّا بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ، وَيُنْدَبُ لَهُ، وَيُبَاحُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ يُخِلُّ بِالزَّوْجَةِ فِي الْوَطْءِ، وَالْإِنْفَاقِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَتَوَقَانِهِ إلَيْهِ، وَيُكْرَهُ فِي حَقِّ مِثْلِ هَذَا حَيْثُ لَا إضْرَارَ بِالزَّوْجَةِ، وَالْإِبَاحَةُ فِيمَا إذَا انْتَفَتْ الدَّوَاعِي وَالْمَوَانِعُ، وَيُنْدَبُ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ يُرْجَى مِنْهُ النَّسْلُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْوَطْءِ شَهْوَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» وَلِظَوَاهِرِ الْحَثِّ عَلَى النِّكَاحِ، وَالْأَمْرِ بِهِ، وَقَوْلُهُ «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» إغْرَاءٌ بِلُزُومِ الصَّوْمِ، وَضَمِيرُ " عَلَيْهِ " يَعُودُ إلَى مَنْ هُوَ مُخَاطَبٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا جُعِلَ الصَّوْمُ وِجَاءٌ لِأَنَّهُ بِتَقْلِيلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ انْكِسَارٌ عَنْ الشَّهْوَةِ، وَلِسِرٍّ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّوْمِ فَلَا يَنْفَعُ تَقْلِيلُ الطَّعَامِ وَحْدَهُ مِنْ دُونِ صَوْمٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ التَّدَاوِي لِقَطْعِ الشَّهْوَةِ بِالْأَدْوِيَةِ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى دَوَاءٍ يُسَكِّنُ الشَّهْوَةَ، وَلَا يَقْطَعُهَا بِالْأَصَالَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْوَى عَلَى وِجْدَانِ مُؤَنِ النِّكَاحِ بَلْ قَدْ وَعَدَ اللَّهُ مَنْ يَسْتَعِفُّ أَنْ يُغْنِيَهُ مِنْ فَضْلِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِغْنَاءَ غَايَةً لِلِاسْتِعْفَافِ، وَلِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ الْجَبِّ وَالْإِخْصَاءِ فَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَحْصِيلِ مَا يَغُضُّ بِهِ الْبَصَرَ، وَيُحْصِنُ الْفَرْجَ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّفُ لِلنِّكَاحِ بِغَيْرِ الْمُمْكِنِ كَالِاسْتِدَانَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْعِرَاقِيُّ عَلَى أَنَّ التَّشْرِيكَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الرِّيَاءِ لَكِنَّهُ يُقَالُ إنْ كَانَ الْمُشَرَّكُ عِبَادَةً كَالْمُشَرَّكِ فِيهِ فَلَا يَضُرُّ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِالصَّوْمِ تَحْصِينُ الْفَرْجِ، وَغَضُّ الْبَصَرِ، وَأَمَّا تَشْرِيكُ الْمُبَاحِ كَمَا لَوْ دَخَلَ إلَى الصَّلَاةِ لِتَرْكِ خِطَابِ مَنْ يَحِلُّ خِطَابُهُ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ يَحْتَمِلُ الْقِيَاسَ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَيَحْتَمِلُ عَدَمَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ نَعَمْ إنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لِتَرْكِ الْخَوْضِ فِي الْبَاطِلِ
стр. 800
٩١١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي، وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
أَوْ الْغِيبَةِ، وَسَمَاعِهَا كَانَ مَقْصِدًا صَحِيحًا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُبَاحًا لَأَرْشَدَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ، وَقَدْ أَبَاحَ الِاسْتِمْنَاءُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ.
(وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَلِلْحَدِيثِ سَبَبٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ أَنَسٌ «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﷺ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: وَأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: وَأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ - الْحَدِيثَ»، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الِاقْتِصَادُ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الِانْهِمَاكِ وَالْإِضْرَارِ بِالنَّفْسِ، وَهَجْرِ الْمَأْلُوفَاتِ كُلِّهَا، وَأَنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ شَرِيعَتُهَا عَلَى الِاقْتِصَادِ وَالتَّسْهِيلِ وَالتَّيْسِيرِ وَعَدَمِ التَّعْسِيرِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي الْحَدِيثِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَ الْحَلَالِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ مَأْكَلًا وَمَلْبَسًا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى مَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمِنْهُمْ مِنْ عَكَسَ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْآيَةَ فِي الْكُفَّارِ، وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْأَمْرَيْنِ، وَالْأَوْلَى التَّوَسُّطُ فِي الْأُمُورِ، وَعَدَمُ الْإِفْرَاطِ فِي مُلَازَمَةِ الطَّيِّبَاتِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّرَفُّهِ وَالْبَطَرِ، وَلَا يَأْمَنُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ فَإِنَّ مَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ قَدْ لَا يَجِدُهُ أَحْيَانًا فَلَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَنْهُ فَيَقَعُ فِي الْمَحْظُورِ كَمَا أَنَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ تَنَاوُلِ ذَلِكَ أَحْيَانًا قَدْ يُفْضِي بِهِ إلَى التَّنَطُّعِ، وَهُوَ التَّكَلُّفُ الْمُؤَدِّي إلَى الْخُرُوجِ عَنْ السُّنَّةِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ كَمَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ يُؤَدِّي إلَى الْمَلَلِ الْقَاطِعِ لِأَصْلِهَا، وَمُلَازَمَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْفَرَائِضِ مَثَلًا، وَتَرْكُ النَّفْلِ يُفْضِي إلَى الْبَطَالَةِ، وَعَدَمِ النَّشَاطِ إلَى الْعِبَادَةِ
стр. 801
٩١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ. فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ
٩١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ
وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، وَأَرَادَ ﷺ بِقَوْلِهِ «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي» عَنْ طَرِيقَتِي فَلَيْسَ مِنِّي " أَيْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَنَفِيَّةِ السَّهْلَةِ بَلْ الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ لِيَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ وَيَنَامَ لِيَقْوَى عَلَى الْقِيَامَ، وَيَنْكِحَ النِّسَاءَ لِيُعِفَّ نَظَرَهُ وَفَرْجَهُ، وَقِيلَ: إنْ أَرَادَ مَنْ خَالَفَ هَدْيَهُ ﷺ ، وَطَرِيقَتَهُ أَنَّ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ أَرْجَحُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ فَمَعْنَى لَيْسَ مِنِّي أَيْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِي لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ.
(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ (قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) التَّبَتُّلُ الِانْقِطَاعُ عَنْ النِّسَاءِ، وَتَرْكُ النِّكَاحِ انْقِطَاعًا إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْبَتْلِ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ قِيلَ: لِمَرْيَمَ الْبَتُولُ، وَلِفَاطِمَةَ ﵍ الْبَتُولُ لِانْقِطَاعِهِمَا عَنْ نِسَاءِ زَمَانِهِمَا دِينًا وَفَضْلًا وَرَغْبَةً فِي الْآخِرَةِ.، وَالْمَرْأَةُ الْوَلُودُ كَثِيرَةُ الْوِلَادَةِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الْبِكْرِ بِحَالِ قَرَابَتِهَا، وَالْوَدُودُ الْمَحْبُوبَةُ بِكَثْرَةِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَالتَّحَبُّبِ إلَى زَوْجِهَا. وَالْمُكَاثِرَةُ الْمُفَاخَرَةُ، وَفِيهِ جَوَازُهَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أُمَّتُهُ أَكْثَرُ فَثَوَابُهُ أَكْثَرُ لِأَنَّ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ تَبِعَهُ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ) أَيْ الَّذِي يُرْغَبُ
стр. 802
٩١٤ - وَعَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَّأَ إنْسَانًا إذَا تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ
فِي نِكَاحِهَا، وَيَدْعُو إلَيْهِ خِصَالٌ أَرْبَعٌ «لِمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ (مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ) الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ الْحَدِيثُ إخْبَارٌ أَنَّ الَّذِي يَدْعُو الرِّجَالَ إلَى التَّزَوُّجِ أَحَدُ هَذِهِ الْأَرْبَعِ، وَآخِرُهَا عِنْدَهُمْ ذَاتُ الدِّينِ فَأَمَرَهُمْ ﷺ أَنَّهُمْ إذَا وَجَدُوا ذَاتَ الدِّينِ فَلَا يَعْدِلُوا عَنْهَا، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ دِينِهَا فَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «لَا تَنْكِحُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَلَعَلَّهُ يُرْدِيهِنَّ، وَلَا لِمَالِهِنَّ فَلَعَلَّهُ يُطْغِيهِنَّ، وَانْكِحُوهُنَّ لِلدِّينِ، وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْقَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ» وَوَرَدَ فِي صِفَةِ خَيْرِ النِّسَاءِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إنْ نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إنْ أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ»، وَالْحَسَبُ هُوَ الْفِعْلُ الْجَمِيلُ لِلرَّجُلِ وَآبَائِهِ، وَقَدْ فُسِّرَ الْحَسَبُ بِالْمَالِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى» إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ الْمَالُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لِذِكْرِهِ بِجَنْبِهِ فَالْمُرَادُ فِيهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُصَاحَبَةَ أَهْلِ الدِّينِ فِي كُلِّ شَيْءٍ هِيَ الْأَوْلَى لِأَنَّ مُصَاحِبَهُمْ يَسْتَفِيدُ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ، وَبَرَكَتِهِمْ، وَطَرَائِقِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا الزَّوْجَةُ فَهِيَ مَنْ يُعْتَبَرُ دِينُهُ لِأَنَّهَا ضَجِيعَتُهُ، وَأُمُّ أَوْلَادِهِ، وَأَمِينَتُهُ عَلَى مَالِهِ وَمَنْزِلِهِ وَعَلَى نَفْسِهَا، وَقَوْلُهُ «تَرِبَتْ يَدَاك» أَيْ الْتَصَقَتْ بِالتُّرَابِ مِنْ الْفَقْرِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ خَارِجَةٌ مَخْرَجَ مَا يَعْتَادُهُ النَّاسُ فِي الْمُخَاطَبَاتِ لَا أَنَّهُ ﷺ قَصَدَ بِهَا الدُّعَاءَ.
(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَّا» بِالرَّاءِ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ فَأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ «إنْسَانًا إذَا تَزَوَّجَ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ) الرِّفَاءُ الْمُوَافَقَةُ، وَحُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ
стр. 803
٩١٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ
وَهُوَ مِنْ رَفَأَ الثَّوْبَ، وَقِيلَ: مِنْ رَفَوْت الرَّجُلَ إذَا سَكَّنْت مَا بِهِ مِنْ رَوْعٍ فَالْمُرَادُ إذَا دَعَا ﷺ لِلْمُتَزَوِّجِ بِالْمُوَافَقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ بَيْنَهُمَا قَالَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ كُنَّا نَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ فَعَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قُولُوا. .. » الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ تَزَوَّجْت قَالَ نَعَمْ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَك»، وَزَادَ الدَّارِمِيُّ «، وَبَارَكَ عَلَيْك»، وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُتَزَوِّجِ سُنَّةٌ، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَيَدْعُوَ بِمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا أَفَادَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ» زَادَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ فِي النِّكَاحِ، وَغَيْرِهِ («إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ)، وَالْآيَاتُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلَى ﴿رَقِيبًا﴾ وَالثَّانِيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ - إلَى آخِرِهَا، وَالثَّالِثَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿عَظِيمًا﴾ كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَفِي الْإِرْشَادِ لِابْنِ كَثِيرٍ عَدَّ الْآيَاتِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ " فِي الْحَاجَةِ "
стр. 804
٩١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ - وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: أَنَظَرْتَ إلَيْهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إلَيْهَا».
عَامٌّ لِكُلِّ حَاجَةٍ، وَمِنْهَا النِّكَاحُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ قَالَ شُعْبَةُ قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ هَذِهِ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي كُلِّ حَاجَةٍ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى سُنِّيَّةِ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَيَخْطُبُ بِهَا الْعَاقِدُ بِنَفْسِهِ حَالَ الْعَقْدِ، وَهِيَ مِنْ السُّنَنِ الْمَهْجُورَةِ. وَذَهَبَتْ الظَّاهِرِيَّةُ إلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَوَافَقَهُمْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو عَوَانَةَ، وَتَرْجَمَ فِي صَحِيحِهِ " بَابُ وُجُوبِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ " وَيَأْتِي فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّامِنَ عَشَرَ بَعْدَ التِّسْعِمِائَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.
(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ» (وَتَمَامُهُ قَالَ جَابِرٌ فَخَطَبْت جَارِيَةً فَكُنْت أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْت مِنْهَا مَا دَعَانِي إلَى نِكَاحِهَا فَتَزَوَّجْتهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ) وَلَفْظُهُ أَنَّهُ «قَالَ لَهُ، وَقَدْ خَطَبَ امْرَأَةً اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً» أَيْ أَرَادَ ذَلِكَ «أَنَظَرْتَ إلَيْهَا قَالَ لَا قَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إلَيْهَا» دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ تَقْدِيمُ النَّظَرِ إلَى مَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَالنَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِالْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ أَوْ ضِدَّهُ، وَالْكَفَّيْنِ عَلَى خُصُوبَةِ الْبَدَنِ أَوْ عَدَمِهَا، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَنْظُرُ إلَى مَوَاضِعِ اللَّحْمِ، وَقَالَ دَاوُد يَنْظُرُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا، وَالْحَدِيثُ
стр. 805
٩١٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ
مُطْلَقٌ فَيَنْظُرُ إلَى مَا يَحْصُلُ لَهُ الْمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَّ عُمَرَ كَشَفَ عَنْ سَاقِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ لَمَّا بَعَثَ بِهَا عَلِيٌّ إلَيْهِ لِيَنْظُرَهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ النَّظَرِ بَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى غَفْلَتِهَا كَمَا فَعَلَهُ جَابِرٌ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَظَرَ إلَيْهَا قَبْلَ الْخِطْبَةِ حَتَّى إنْ كَرِهَهَا تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ إيذَاءٍ بِخِلَافِهِ بَعْدَ الْخِطْبَةِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ النَّظَرُ إلَيْهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ امْرَأَةً يَثِقُ بِهَا تَنْظُرُ إلَيْهَا، وَتُخْبِرُهُ بِصِفَتِهَا فَقَدْ رَوَى أَنَسٌ «أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ أُمَّ سُلَيْمٍ إلَى امْرَأَةٍ فَقَالَ اُنْظُرِي إلَى عُرْقُوبِهَا، وَشُمِّي مَعَاطِفَهَا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَفِي رِوَايَةٍ " شُمِّي عَوَارِضَهَا " وَهِيَ الْأَسْنَانُ الَّتِي فِي عَرْضِ الْفَمِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الثَّنَايَا وَالْأَضْرَاسِ وَاحِدُهَا عَارِضٌ، وَالْمُرَادُ اخْتِبَارُ رَائِحَةِ النَّكْهَةِ، وَأَمَّا الْمَعَاطِفُ فَهِيَ نَاحِيَتَا الْعُنُقِ، وَيَثْبُتُ مِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَنْظُرُ إلَى خَاطِبِهَا فَإِنَّهُ يُعْجِبُهَا مِنْهُ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا كَذَا قِيلَ: وَلَمْ يَرِدْ بِهِ حَدِيثٌ، وَالْأَصْلُ تَحْرِيمُ نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ وَالْأَجْنَبِيَّةِ إلَّا بِدَلِيلٍ كَالدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ لِمَنْ يُرِيدُ خِطْبَتَهَا.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» تَقَدَّمَ أَنَّهَا بِكَسْرِ الْخَاءِ «حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) النَّهْيُ أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ إلَّا لِدَلِيلٍ يَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَادَّعَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّهْيُ لِلتَّأْدِيبِ، وَلَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ سَوَاءٌ أُجِيبَ الْخَاطِبُ أَمْ لَا، وَقَدَّمْنَا فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا بَعْدَ الْإِجَابَةِ، وَالدَّلِيلُ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَتَقَدَّمَ، وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ بَعْدَ الْإِجَابَةِ، وَالْإِجَابَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْمُكَلَّفَةِ فِي الْكُفْءِ، وَمِنْ وَلِيِّ الصَّغِيرَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْكُفْءِ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْوَلِيِّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لَهُ الْمَنْعُ، وَهَذَا فِي الْإِجَابَةِ الصَّرِيحَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ صَرِيحَةٍ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ التَّحْرِيمِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ رَدٌّ وَلَا إجَابَةٌ، وَنَصَّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ سُكُوتَ الْبِكْرِ رِضًا بِالْخَاطِبِ فَهُوَ إجَابَةٌ، وَأَمَّا الْعَقْدُ مَعَ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ يَصِحُّ، وَقَالَ دَاوُد يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ «أَوْ يَأْذَنَ لَهُ» دَلَّ
стр. 806
٩١٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي، فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. قَالَ: فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى أَهْلِك، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اُنْظُرْ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك؟ إنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ، فَقَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ».
عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْخِطْبَةُ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَجَوَازُهَا لِلْمَأْذُونِ لَهُ بِالنَّصِّ، وَلِغَيْرِهِ بِالْإِلْحَاقِ لِأَنَّ إذْنَهُ قَدْ دَلَّ عَلَى إضْرَابِهِ فَتَجُوزُ خِطْبَتُهَا لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ أَخِيهِ، وَأَنَّهُ أَفَادَ التَّحْرِيمَ عَلَى خِطْبَةِ الْمُسْلِمِ لَا عَلَى خِطْبَةِ الْكَافِرِ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَاطِبُ فَاسِقًا فَهَلْ يَجُوزُ لِلْعَفِيفِ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ قَالَ الْأَمِيرُ الْحُسَيْنُ فِي الشِّفَاءِ إنَّهُ يَجُوزُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْفَاسِقِ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَهُوَ قَرِيبٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَخْطُوبَةُ عَفِيفَةً فَيَكُونُ الْفَاسِقُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهَا فَتَكُونُ خِطْبَتُهُ كَلَا خِطْبَةٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْجُمْهُورُ بِذَلِكَ إذَا صَدَرَتْ عَنْهَا عَلَامَةُ الْقَبُولِ.
стр. 807
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» -، وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا تَحْفَظُ؟ قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَاَلَّتِي تَلِيهَا. قَالَ: قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً»
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا «إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي» أَيْ أَمْرَ نَفْسِي لِأَنَّ الْحُرَّ لَا تُمْلَكُ رَقَبَتُهُ «فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ» فِي النِّهَايَةِ: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فَصَعَّدَ فِي النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ أَيْ نَظَرَ أَعْلَايَ وَأَسْفَلِي وَتَأَمَّلَنِي، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ جَوَازِ النَّظَرِ إلَى مَنْ يُرِيدُ زَوَاجَهَا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ تَحَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى الْمُؤْمِنَاتِ الْأَجْنَبِيَّاتِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ «ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ» قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ «فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اذْهَبْ إلَى أَهْلِك فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُنْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا» أَيْ وَلَوْ نَظَرْت خَاتَمًا «مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» أَيْ مَوْجُودٌ فَخَاتَمُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ «وَلَكِنْ هَذَا إزَارِي قَالَ» سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ الرَّاوِي «مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك إنْ لَبِسَتْهُ» أَيْ كُلَّهُ «لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسْتَهُ» أَيْ كُلَّهُ «لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ»، وَلَعَلَّهُ بِهَذَا الْجَوَابِ بَيَّنَ لَهُ أَنَّ قِسْمَةَ الرِّدَاءِ لَا تَنْفَعُهُ، وَلَا تَنْفَعُ الْمَرْأَةَ («فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا فَدَعَا بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا فَقَالَ تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ»، وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا تَحْفَظُ قَالَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا قَالَ قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً» دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ تَتَبَّعَهَا ابْنُ التِّينِ، وَقَالَ هَذِهِ إحْدَى وَعِشْرُونَ فَائِدَةً بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَكْثَرِهَا. قُلْت، وَلْنَأْتِ بِأَنْفَسِهَا وَأَوْضَحِهَا (الْأُولَى) جَوَازُ عَرْضِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَجَوَازُ النَّظَرِ مِنْ الرَّجُلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَاطِبًا لِإِرَادَةِ
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّزَوُّجِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ جَوَازُ النَّظَرِ خَاصًّا لِلْخَاطِبِ بَلْ يَجُوزُ لِمَنْ تَخْطُبُهُ الْمَرْأَةُ فَإِنَّ نَظَرَهُ ﷺ إلَيْهَا دَلِيلٌ أَنَّهُ أَرَادَ زَوَاجَهَا بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَيْهِ نَفْسَهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ تُعْجِبْهُ فَأَضْرَبَ عَنْهَا (وَالثَّانِيَةُ) وِلَايَةُ الْإِمَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا قَرِيبَ لَهَا إذَا أَذِنَتْ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا فَوَّضَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ، وَذَلِكَ تَوْكِيلٌ، وَأَنَّهُ يَعْقِدُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ عَنْ وَلِيِّهَا هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ لَا حَاضِرٌ أَوْ لَا، وَلَا سُؤَالِهَا هَلْ هِيَ فِي عِصْمَةِ رَجُلٍ أَوْ عَدَمِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَعِنْدُ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهَا تَحْلِفُ الْغَرِيبَةُ احْتِيَاطًا (الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبُولِ (الرَّابِعَةُ) أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَسِيرًا فَإِنَّ قَوْلَهُ «وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» مُبَالَغَةٌ فِي تَقْلِيلِهِ فَيَصِحُّ بِكُلِّ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ أَوْ مَنْ إلَيْهِ وِلَايَةُ الْعَقْدِ مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قِيمَةً وَثَمَنًا لِشَيْءٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلَا يَحِلُّ بِهِ النِّكَاحُ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ يَصِحُّ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى شَيْئًا، وَلَوْ حَبَّةً مِنْ شَعِيرٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «هَلْ تَجِدُ شَيْئًا»، وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» مُبَالَغَةٌ فِي التَّقْلِيلِ وَلَهُ قِيمَةٌ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ» دَلَّ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَسْتَطِيعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ، وَحَبَّةُ الشَّعِيرِ مُسْتَطَاعَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ دَالٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ فِي الصَّدَاقِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ أَقَلُّهُ خَمْسُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ التَّقَادِيرُ لَا دَلِيلَ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِخُصُوصِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِمَا يَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ تَحَقَّرَتْ، وَالْأَحَادِيثُ، وَالْآيَاتُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ الرِّضَا هُنَا مِنْ الزَّوْجَةِ إلَّا بِكَوْنِهِ مَالًا لَهُ صُورَةٌ، وَلَا يُطِيقُ كُلُّ أَحَدٍ تَحْصِيلَهُ (الْخَامِسَةُ) أَنَّهُ يَنْبَغِي ذِكْرُ الصَّدَاقِ فِي الْعَقْدِ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ فَلَوْ عُقِدَ بِغَيْرِ ذِكْرِ صَدَاقٍ صَحَّ الْعَقْدُ، وَوَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْمَهْرِ (السَّادِسَةُ) أَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى مَا يَظُنُّهُ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ «اذْهَبْ إلَى أَهْلِك فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا» فَدَلَّ أَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ عَلَى ظَنِّهِ، وَلَوْ كَانَتْ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِذَهَابِهِ إلَى أَهْلِهِ فَائِدَةٌ (السَّابِعَةُ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مِلْكِهِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَاَلَّذِي يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ يَسُدُّ خَلَّتَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِأَنَّهُ ﷺ عَلَّلَ مَنْعَهُ عَنْ قِسْمَةِ ثَوْبِهِ بِقَوْلِهِ إنْ لَبِسْته لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ (الثَّامِنَةُ) اخْتِبَارُ مُدَّعِي الْإِعْسَارِ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي أَوَّلِ دَعْوَاهُ الْإِعْسَارَ حَتَّى ظَهَرَ لَهُ قَرَائِنُ صِدْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ الْيَمِينُ مِنْ مُدَّعِي الْإِعْسَارِ حَتَّى تَظْهَرَ قَرَائِنُ إعْسَارِهِ (التَّاسِعَةُ) أَنَّهَا لَا تَجِبُ الْخُطْبَةُ لِلْعَقْدِ لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ تَقُولُ بِوُجُوبِهَا، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَهُمْ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مَنْفَعَةً كَالتَّعْلِيمِ فَإِنَّهُ مَنْفَعَةٌ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ مُوسَى مَعَ شُعَيْبٍ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ كَوْنِهِ مَنْفَعَةً الْهَادَوِيَّةُ، وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ، وَتُكَلَّفُوا لِتَأْوِيلِ الْحَدِيثِ، وَادَّعَوْا أَنَّ التَّزَوُّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ مِنْ خَوَاصِّهِ ﷺ ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ (الْعَاشِرَةُ) قَوْلُهُ «بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» يَحْتَمِلُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجْهَيْنِ أَظْهَرُهُمَا أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْهُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ صَدَاقًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ «فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ»، وَفِي بَعْضِهَا تَعْيِينُ عَشْرٍ مِنْ الْآيَاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْلِيلِ، وَأَنَّهُ زَوَّجَهُ بِهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ إكْرَامًا لَهُ لِكَوْنِهِ حَافِظًا لِبَعْضٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ قِصَّةُ أُمِّ سُلَيْمٍ مَعَ أَبِي سُلَيْمٌ، وَذَلِكَ " أَنَّهُ خَطَبَهَا فَقَالَتْ، وَاَللَّهِ مَا مِثْلُك يُرَدُّ، وَلَكِنَّك كَافِرٌ، وَأَنَا مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَك فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرُك، وَلَا أَسْأَلُك غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيّ " بَابُ التَّزْوِيجِ عَلَى الْإِسْلَامِ " وَتَرْجَمَ عَلَى حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا بِقَوْلِهِ بَابُ التَّزْوِيجِ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ مِنْهُ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لِثُبُوتِ رِوَايَةِ فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا قَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَلْفَاظُ فِي الْحَدِيثِ فَرُوِيَ بِالتَّمْلِيكِ وَبِالتَّزْوِيجِ وَبِالْإِمْكَانِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ اخْتَلَفَتْ مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لَفْظٌ وَاحِدٌ فَالْمَرْجِعُ فِي هَذَا إلَى التَّرْجِيحِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى قَدْ زَوَّجْتُكَهَا، وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ، وَأَطَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَلْفَاظِ ثُمَّ قَالَ فَرِوَايَةُ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ أَرْجَحُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ التِّينِ إنَّهُ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ رِوَايَةُ زَوَّجْتُكَهَا، وَأَنَّ رِوَايَةَ مَلَّكْتُكَهَا وَهِمَ فِيهِ فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّ ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ مِنْهُ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ عَلَى وَفْقِ قَوْلِ الْخَاطِبِ زَوِّجْنِيهَا إذْ هُوَ الْغَالِبُ فِي لَفْظِ الْعُقُودِ إذْ قَلَّمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ لَفْظُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى جَوَازِ الْعَقْدِ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنَاهُ إذَا قُرِنَ بِهِ الصَّدَاقُ أَوْ قُصِدَ بِهِ النِّكَاحُ كَالتَّمْلِيكِ، وَنَحْوِهِ وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ.
стр. 810
٩١٩ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
٩٢٠ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ - وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ مَرْفُوعًا «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ».
(وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) عَامِرٌ تَابِعِيٌّ سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ» أَيْ الدُّفِّ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رُوَاتِهِ عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ إيَاسٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قَالَ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ وَلْيُولِمْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِشَاةٍ فَإِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً، وَقَدْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فَلْيُعْلِمْهَا لَا يَغُرَّهَا» دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى الْأَمْرِ بِإِعْلَانِ النِّكَاحِ، وَالْإِعْلَانُ خِلَافُ الْإِسْرَارِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِضَرْبِ الْغِرْبَالِ وَفَسَّرَهُ بِالدُّفِّ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ وَاسِعَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهَا مَقَالٌ إلَّا أَنَّهَا يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ ضَرْبِ الدُّفِّ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَانِ مِنْ عَدَمِهِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَلَعَلَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ فَيَكُونُ مَسْنُونًا، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصْحَبَهُ مُحَرَّمٌ مِنْ التَّغَنِّي بِصَوْتٍ رَخِيمٍ مِنْ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِشِعْرٍ فِيهِ مَدْحُ الْقُدُودِ وَالْخُدُودِ بَلْ يُنْظَرُ الْأُسْلُوبُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي كَانَ فِي عَصْرِهِ ﷺ فَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَأَمَّا مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا كَلَامَ فِي أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ يَقْتَرِنُ بِمُحَرَّمَاتٍ كَثِيرَةٌ فَيَحْرُمُ لِذَلِكَ لَا لِنَفْسِهِ.
وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ».
следующие страницы →