Полный текст (1 194 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ لِحَاكِمٍ أَمْ لَا، وَقَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَا إذَا طَلَبَ الشُّرَكَاءُ مِنْ الْقَاضِي قِسْمَةَ مَا بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ يَعْتَمِدُهُمْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْيَدِ.
قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ بَاعَ دَارًا فِي يَدِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى الْبَيْعِ الْقَاضِيَ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُطَالِبُهُ بِتَثْبِيتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِسْمَةِ يَسْتَظْهِرُ الْقَاضِي عَلَيَّ الْقَوْلِ بِأَمْرَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنْ يُنَادِيَ: هَلْ مِنْ مُنَازِعٍ، لِيَسْتَدِلَّ بِعَدَمِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمِلْكِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ يُحَلِّفُهُمْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ وَيَنْبَغِي مَجِيءُ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ. نَعَمْ لَوْ أَرَادَ الْقَاضِي شِرَاءَهَا لِيَتِيمٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَسْجِيلَ بَيْعِهِ لَهَا لِغَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ إذَا حَجَرَ عَلَى الْمُفْلِسِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِلْكُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ أَقَرَّ الْمَدِينُ أَنَّهُ مِلْكُهُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ، وَبَيْعُ الْقَاضِي حُكْمٌ بِأَنَّهُ لَهُ. لَكِنْ خَالَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ فَقَالَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ إنَّهُ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِالْيَدِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ مَوْضِعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ مَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ اعْتِرَافٌ بِنَاقِلٍ لِيَخْرُجَ صُوَرٌ فِيهَا خِلَافٌ:
(إحْدَاهَا) : لَوْ اعْتَرَفَ صَاحِبُ الْيَدِ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ مَا
стр. 107
ادَّعَى شِرَاءَهُ فَوَجْهَانِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِسَبْقِ مِلْكِ الْغَيْرِ ثُمَّ ادَّعَى انْتِقَالَهُ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الِانْتِقَالِ فَعَلَى هَذَا يُوقِفُ الْأَمْرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، وَأَصَحُّهُمَا يَصِحُّ إلَّا أَنَّهُ إذَا رَفَعَ ذَلِكَ لِلشُّهُودِ أَوْ الْقَاضِي كَتَبُوا أَنَّهُ وَقَعَ بِإِقْرَارِهِمَا وَتَصَادُقِهِمَا كَذَا حَكَاهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْنِدَ الْمِلْكَ السَّابِقَ إلَى مُعَيَّنٍ أَوْ لَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مُنَازَعَةٌ وَيَنْقَدِحُ الْفَرْقُ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي صُورَةِ النِّكَاحِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ الْمُعَيَّنُ وَنَازَعَهُ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الِانْتِقَالِ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِسَبْقِ الْمِلْكِ بَلْ لَوْ لَمْ يُقِرَّ وَلَكِنْ حَضَرَ مُنَازِعٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهَا وَلَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى فَالظَّاهِرُ انْتِزَاعُهَا فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَإِنْ اعْتَمَدَتْ الظُّهُورَ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الْيَدِ.
(الثَّانِيَةُ) : لَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْخُلُوَّ مِنْ الْمَوَانِعِ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَيَحْتَاطُ بِالْبَيِّنَةِ فِي ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقَنِي زَوْجِي فُلَانٌ وَانْقَضَتْ عِدَّتِي وَطَلَبَتْ مِنْ الْحَاكِمِ تَزْوِيجَهَا فَفِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلدَّبِيلِيِّ إنْ كَانَتْ غَرِيبَةً وَالزَّوْجُ غَائِبٌ
стр. 108
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ فِي الْبَلَدِ وَلَيْسَتْ غَرِيبَةً فَلَا يَعْقِدُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا حَتَّى يُثْبِتَ مَا ادَّعَتْهُ وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ التَّحْلِيلِ قَبُولَهَا قَوْلَهَا عِنْدَ الِاحْتِمَالِ وَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الثَّانِي، وَصَدَقَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَطْءُ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
وَنَقْلَ (قَبْلَ) دَعْوَى النَّسَبِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَاسْتَدْعَتْ تَزْوِيجَهَا مِنْ الرَّجُلِ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةَ فُلَانٍ وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَمْ يُزَوِّجْهَا الْقَاضِي مَا لَمْ تُقِمْ حُجَّةً عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ لِفُلَانٍ.
(الثَّالِثَةُ) : بِيَدِهِ مِلْكٌ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ أَقَرَّ بِأَنَّهُ وَقَفَهُ فُلَانٌ عَلَيْهِ وَعَلَى نَسْلِهِ، هَلْ يَثْبُتُ الْوَقْفُ؟ أَجَابَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَا يَثْبُتُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالْمِلْكِ لِغَيْرِهِ وَادَّعَى انْتِقَالَهُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْوَقْفِ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ صَاحِبُ الْيَدِ اشْتَرَيْت هَذَا مِنْ فُلَانٍ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ لَهُ. أَمَّا إذَا قَالَ هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَيَّ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاقِفًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ بِالْيَدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ لَا شَكَّ أَنَّ الْوَقْفَ يَثْبُتُ لَكِنْ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ أُسْنِدَ إلَيْهِ الْمِلْكُ، حَتَّى لَوْ نَازَعَهُ هُوَ أَوْ وَاحِدٌ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْفَرْقُ
стр. 109
بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَالْمُبْهَمِ.
(قَالَ) وَقَدْ أَشَارَ " الشَّاشِيُّ فِي الْمُسْتَظْهِرِيِّ " إلَى مَا ذَكَرْته وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ فِي (الْإِشْرَافِ) إنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى فُلَانٍ وَلَمْ يَذْكُرْ وَاقِفَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي وَاقِفَهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَلْزَمهُ حُكْمَ إقْرَارِهِ.
وَقَالَ فِي (الْبَحْرِ) قُبَيْلَ كِتَابِ السِّيَرِ: فَرْعٌ: إذَا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِأَبِي وَقَفَهَا عَلَيَّ وَأَنْتَ غَاصِبٌ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ ثُمَّ يَصِيرُ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ قُلْنَا فِي دَعْوَى الْوَقْفِ لَا يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.
وَفِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ عَنْ الْأَوْدَنِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ هَذَا الشَّيْءُ وَقْفٌ لِي وَفِي يَدَيَّ، وَمَنَافِعُهُ لِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ كَالْعَيْنِ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ.
стр. 110
[الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ]
مِنْ فُرُوعِهَا:
مَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا لَزِمَهُ الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ قَالَ فِي (الْأُمِّ) وَتَجِبُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا (فِيهِ) .
(وَمِنْهَا) : لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ أَيَّامًا وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا حَيَوَانًا مَيِّتًا وَمَاؤُهَا دُونَ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ وُقُوعَهُ بَعْدَ آخِرِ وُضُوءٍ تَوَضَّأَ مِنْهَا وَلَا يَقْضِي شَيْئًا.
(وَمِنْهَا) : لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ الْحَامِلِ فَانْفَصَلَ الْوَلَدُ حَيًّا وَبَقِيَ زَمَانًا غَيْرَ مُتَأَلِّمٍ ثُمَّ مَاتَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الضَّارِبِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ عِنْدَ ضَرْبِهِ أَوْ بَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ.
(وَمِنْهَا) : جَرَحَ صَيْدًا حَرَمِيًّا فَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ أَمَاتَ بِجِرَاحَتِهِ أَمْ بِحَادِثٍ هَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ كَامِلٌ أَمْ أَرْشُ الْجُرْحِ فَقَطْ؟ قَوْلَانِ، قَالَ فِي (الرَّوْضَةِ) أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي.
(وَمِنْهَا) : لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَطَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَهُ وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا إحَالَةَ عَلَى اخْتِيَارِ الطَّائِرِ.
стр. 111
وَمِنْهَا) : ابْتَاعَ عَبْدًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا وَمَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمَرَضَ يَتَزَايَدُ فَيَحْصُلُ الْمَوْتُ بِالزَّائِدِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إضَافَتُهُ إلَى السَّابِقِ وَمِثْلُهُ الْجِرَاحَةُ السَّارِيَةُ وَالْحَامِلُ تَمُوتُ فِي الطَّلْقِ ثُمَّ عَلَى الْأَصَحِّ يَتَعَيَّنُ الْأَرْشُ إنْ جَهِلَ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ لَحِقَ الْوَلَدُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِشَرْطِ أَنْ يُقِرَّ الزَّوْجُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ مَا لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ بَعْدُ بِالْوَطْءِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْأَصَحِّ لِلُحُوقِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَقِيلَ لَا تَصِيرُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ النِّكَاحِ.
(وَمِنْهَا) : الْبَيِّنَةُ تُثْبِتُ الْحَقَّ قَبْلَ تَمَامِهَا بِأَقَلِّ زَمَنٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ثُبُوتُهُ ضَرُورَةً تَصْدِيقُ الْحُجَّةِ وَلَا تُثْبِتُ الْحَقَّ قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. هَذَا إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنْ أُسْنِدَتْ إلَى زَمَنٍ قَدِيمٍ ثَبَتَ الْحَقُّ مُسْنَدًا إلَيْهِ وَمُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ بِأَقَلِّ زَمَانٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ صِدْقُ الْحُجَّةِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً وَهِيَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَلَا يُقَدِّرُ الِاسْتِحْقَاقَ قَبْلَ تَمَامِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّا لَوْ قَدَّرْنَا ذَلِكَ لَكَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ النَّاقِلَ لَهُ الْمُسْتَحِقَّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ نَقْلِهِ إلَيْهِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ.
стр. 112
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ:
(مِنْهَا) : لَوْ كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا فَتَبَرَّعَ ثُمَّ قَتَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ أَوْ غَرِقَ حُسِبَ تَبَرُّعُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ مَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ حَكَاهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ فَتَوَرَّمَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ بَعْدَ أَيَّامٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (قُبَيْلَ الدِّيَاتِ) عَنْ الْبَغَوِيِّ أَيْضًا.
[الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّحْرِيمُ أَوْ الْوَقْفُ]
أَقْوَالٌ بَنَاهَا الْأُصُولِيُّونَ عَلَى قَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ لِبَيَانِ هَدْمِ الْقَاعِدَةِ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَخْرِيجُ فُرُوعِ الْأَحْكَامِ عَلَى قَاعِدَةٍ مَمْنُوعَةٍ فِي الشَّرْعِ.
وَمَا خَرَّجَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي النَّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَغَيْرِهِ مِنْ صُوَرِ السِّعْرِ الْمَجْهُولِ وَنَحْوِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَصْلِ. وَكَذَا مَا خَرَّجَهُ النَّوَوِيُّ فِي النَّبَاتِ الْمَجْهُولِ سِمَتُهُ وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الْهُجُومُ ابْتِدَاءً أَمْ يَجِبُ الْوَقْفُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ فَإِنْ لَمْ (نَجِدْ) مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمٍ فَهُوَ حَلَالٌ بَعْدَ الشَّرْعِ بِلَا خِلَافٍ.
وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَطْعِمَةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَجْهُولِ أَنَّ مَيْلَ الشَّافِعِيِّ ﵁ إلَى الْحِلِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ إلَى التَّحْرِيمِ وَلَهُ مَأْخَذٌ آخَرُ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي " حَرْفِ الْحَاءِ ".
стр. 113
[الْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ]
فَإِذَا تَقَابَلَ فِي الْمَرْأَةِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ غُلِّبَتْ الْحُرْمَةُ.
وَلِهَذَا امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَصْلُهُنَّ الْإِبَاحَةَ حَتَّى يَتَأَيَّدَ الِاجْتِهَادُ بِاسْتِصْحَابِهِ وَلِهَذَا كَانَتْ مَوَانِعُ النِّكَاحِ تَمْنَعُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ لِتَأَيُّدِهَا وَاعْتِضَادِهَا بِهَذَا الْأَصْلِ.
نَعَمْ لَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمَةٌ بِنِسْوَةٍ غَيْرِ مَحْصُورَاتٍ فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ كَيْ لَا تَتَعَطَّلَ مَصْلَحَةُ النِّكَاحِ وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.
[الْأَصْلِيُّ لَا يُعْتَدُّ مَعَهُ بِالْمُعَارِضِ]
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ لَا يُنْقَضُ سَوَاءٌ انْفَتَحَ تَحْتَ الْمَعِدَةِ أَوْ فَوْقَهَا.
[الْأَصْلُ فِي أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَى الْأَحْكَامِ]
وَقَدْ يَتَقَدَّمُ الْحُكْمُ عَلَى سَبَبِهِ وَذَلِكَ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ
стр. 114
الْبَائِعِ. وَلِهَذَا كَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ قَبْلَ التَّلَفِ لِتَعَذُّرِ اقْتِرَانِهِ بِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّلَفِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِانْفِسَاخِ انْقِلَابُ الْمِلْكَيْنِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَا يَصِحُّ انْقِلَابُ الْمِلْكَيْنِ [بَعْدَ] التَّلَفِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا بَعْدَ هَلَاكِهِ فَتَعَيَّنَ انْقِلَابُهُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ قَبْلَ تَلَفِهِ.
[الْأَصْلُ فِي الْعِوَضِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ]
ِ كَمَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ
فَإِنَّ الْحَاجَةَ اغْتَفَرَتْ الْجَهَالَةَ بِالْعِوَضِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَاثًّا لِلْعَامِلِ عَلَى الْعَمَلِ وَالتَّحْصِيلِ.
وَقَدْ تُغْتَفَرُ الْجَهَالَةُ فِي مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ كَمَا فِي صُورَةِ الصُّلْحِ. وَكَذَلِكَ تَنْفِيلُ الْإِمَامِ مِمَّا سَيُغْنَمُ مِنْ الْوَقْعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا.
[الْأُصُولُ الَّتِي لَهَا أَبْدَالٌ تَنْتَقِلُ إلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ]
ِ فِي ثَانِي الْحَالِ
قَسَّمَهَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ تَعْلِيقِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ كَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ.
стр. 115
وَمِنْهُ الْهَدْيُ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ يَنْتَقِلُ " إلَى الصَّوْمِ " أَوْ كَانَ مَا لَهُ غَائِبًا لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِوَقْتٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ.
قُلْت: وَمِثْلُهُ الْمُحْصَرُ إذَا وَجَدَ الثَّمَنَ وَلَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ يَصُومُ وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ لِلضَّرُورَةِ " وَمِنْهُ الْمَالُ الْغَائِبُ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ كَمَا لَا يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ الزَّكَاةَ.
(الثَّانِي) مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ وَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَأْخِيرُهُ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْيَمِينِ وَالْجِمَاعِ فِي الصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ مِنْهَا إلَى الْبَدَلِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ الْغَائِبِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَجِدَ الرَّقَبَةَ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرَاخِي وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَمُوتَ فَتُؤَدَّى مِنْ تَرِكَتِهِ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ عَنْ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ لَوْ مَاتَ.
(الثَّالِثُ) مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّأْخِيرُ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُضَيَّقَةِ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِي: لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ، لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالتَّأْخِيرِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي إلَى وُجُوبِ الصَّبْرِ وَلَوْ كَانَ وَاجِدًا طُولَ الْحُرَّةِ وَلَا يَجِدُ فِي الْقَرْيَةِ حُرَّةً فَهَلْ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْأَمَةِ، قَالَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ عَلَى الظَّاهِرِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْأَصْحَابُ لَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ غَائِبَةٍ إنْ كَانَ يَخَافُ الْعَنَتَ فِي مُدَّةِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْخُرُوجِ إلَيْهَا فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِلَّا فَلَا.
стр. 116
[الِاصْطِلَاحُ الْخَاصُّ هَلْ يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ]
وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَغْيِيرُ اللُّغَةِ بِالِاصْطِلَاحِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُصْطَلِحِينَ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ أَصْلِ الْمَعْنَى وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ تَخْصِيصِهِ فِيهِ؟
قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَالْمُخْتَارُ الثَّانِي.
وَمِنْ فُرُوعِهَا: لَوْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى أَلْفٍ وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ الْأَلْفِ فِي الْعَلَانِيَةِ بِأَلْفَيْنِ فَالْأَظْهَرُ: وُجُوبُ أَلْفَيْنِ لِجَرَيَانِ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِهِ وَالثَّانِي: الْوَاجِبُ أَلْفٌ عَمَلًا بِاصْطِلَاحِهِمَا. قَالَ الْإِمَامُ: وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْمُتَلَقَّاةُ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ: إذَا قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا غَرَضِي أَنْ تَقُومِي وَتَقْعُدِي، أَوْ أُرِيدُ بِالثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ وَقِيلَ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَوَافَقَا عَلَيْهِ حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الصَّدَاقِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَوْ عَمّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ الْخَلَاصِ وَالِانْطِلَاقِ ثُمَّ أَرَادَ الزَّوْجُ حَمْلَ
стр. 117
الطَّلَاقِ فِي مُخَاطَبَتِهِ زَوْجَتَهُ عَلَى مَعْنَى التَّخَلُّصِ وَحَلِّ الْوِثَاقِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْعُرْفُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي إزَالَةِ الْإِبْهَامِ لَا فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ مَتَى قُلْت لِامْرَأَتِي أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنِّي أُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ ثُمَّ قَالَ لَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحُلُّ مَحَلَّ الطَّلَاقِ لِكَلَامِهِ السَّابِقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ نِيَّتَهُ تَغَيَّرَتْ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ لَهُ أَمَةٌ فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ أُلَقِّبَهَا بِالْحُرَّةِ وَأَجْعَلَ ذَلِكَ اسْمَهَا ثُمَّ قَالَ: يَا حُرَّةُ فَفِي الْبَسِيطِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَعْتِقُ إذَا قَصَدَ النِّدَاءَ.
وَمِنْهَا: إذَا قَالَ أُرِيدُ أَنْ أُقِرَّ بِمَا لَيْسَ عَلَيَّ، لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ: لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) الصَّحِيحُ لُزُومُهُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِي.
وَمِنْهَا: لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَكُنْ إقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ وَقِيلَ لَا يُحَلِّفُهُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا.
وَمِنْهَا: مَسْأَلَةٌ جَدَلِيَّةٌ حَكَاهَا الْخُوَارِيُّ فِي " النِّهَايَةِ " أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي
стр. 118
اللَّفْظِ احْتِمَالٌ أَصْلًا وَعَنَى الْمُسْتَدِلُّ بِهِ شَيْئًا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا تُسْمَعُ " الْغَايَةُ "، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْكَلَامِ؟ .
قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُسْمَعُ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ نَاطِقٌ بِلُغَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَلَكِنْ بَعْدَهَا عَرَّفَ الْمُرَادَ وَعَرَّفَ اللُّغَةَ فَلَا يُلْجَأُ إلَى الْمُنَاظَرَةِ بِالْمَعْرُوفَةِ.
[الْأَصَابِعُ فِي الصَّلَاةِ لَهَا سِتُّ حَالَاتٍ]
إحْدَاهَا: حَالَةُ الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ فِيهَا.
الثَّانِيَةُ: حَالَةُ الْقِيَامِ وَالِاعْتِدَالِ فَلَا تَفْرِيقَ.
الثَّالِثَةُ: حَالَةُ الرُّكُوعِ يُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُهَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ.
الرَّابِعَةُ: حَالَةُ السُّجُودِ يُسْتَحَبُّ ضَمُّهَا وَتَوْجِيهُهَا إلَى الْقِبْلَةِ.
الْخَامِسَةُ: حَالَةُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِيهَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَالسُّجُودِ، وَالثَّانِي: تَرْكُهَا عَلَى هَيْئَتِهَا.
السَّادِسَةُ: التَّشَهُّدُ فَالْيُمْنَى مَضْمُومَةُ الْأَصَابِعِ إلَّا فِي الْمُسَبِّحَةِ
стр. 119
وَفِي الْإِبْهَامِ خِلَافٌ وَالْيُسْرَى مَبْسُوطَةٌ. وَفِيهَا الْوَجْهَانِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ ضَمُّهَا.
[إعْمَالُ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ]
وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ مِنْ طُبُولِهِ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلُ حَرْبٍ صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى الْجَائِزِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَأَلْحَقَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ مَا لَوْ كَانَ لَهُ زِقَّانِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ وَالْآخَرُ خَلٌّ فَقَالَ أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَحَدِهِمَا يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْخَلِّ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَحِمَارٍ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا وَلِأَجْنَبِيَّةٍ، وَقَصَدَ الْأَجْنَبِيَّةَ يُقْبَلُ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَبُولِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ حُمِلَ عَلَيْهِمْ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِهْمَالِ. وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ زَوْجَاتِي طَوَالِقُ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَجْعِيَّاتٌ طُلِّقْنَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِي دُخُولِهَا فِيهِنَّ مَعَ وُجُودِ مَنْ هِيَ حِيَالُهُ خِلَافٌ.
[الْإِعْرَاضُ عَنْ الْمِلْكِ أَوْ حَقِّ الْمِلْكِ]
ضَابِطُهُ: أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لَازِمًا لَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ
стр. 120
ابْنَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: تَرَكْت نَصِيبِي مِنْ الْمِيرَاثِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَا يُتْرَكُ بِالتَّرْكِ، بَلْ إنْ كَانَ عَيْنًا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَمْلِيكٍ وَقَبُولٍ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَلَا بُدَّ مِنْ إبْرَاءٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ، أَوْ رَبُّ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ تَرَكْت الدَّيْنَ إلَيْك، لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَرَكْت الْخُصُومَةَ قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) فِي بَابِ الصُّلْحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّمْلِيكِ صَحَّ كَإِعْرَاضِ الْغَانِمِ عَنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِأَنْ يَقُولَ أَسْقَطْت حَقِّي مِنْ الْقِسْمَةِ وَكَذَا قَبْلَ فَرْزِ الْخُمُسِ وَقَبْلَ قِسْمَةِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْ الْأَوَّلِ: إعْرَاضُ ذَوِي الْقُرْبَى، لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لَهُ كَالْمِيرَاثِ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ تَعَبٍ.
وَمِثْلُهُ إعْرَاضُ السَّالِبِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَصِحُّ إعْرَاضُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ عَنْ الرَّضْخِ وَلَا إعْرَاضُ السَّفِيهِ عَنْ السَّهْمِ وَيَصِحُّ إعْرَاضُ الْمُفْلِسِ عَنْ السَّهْمِ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ عَنْ الرَّضْخِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: فِي بَابِ الْفَيْءِ إنَّ أَحَدَ الْمُرْتَزِقَةِ إذَا أَعْرَضَ بَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ وَانْقِضَاءِ الْحَرْبِ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ.
стр. 121
وَلَوْ قَالَ عَامِلُ الْقِرَاضِ تَرَكْت حَقِّي مِنْ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ، قَالَ الْإِمَامُ إنْ قُلْنَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِالْإِسْقَاطِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ التَّمْلِيكُ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ فَفِي سُقُوطِ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا رَبِّ الْمَالِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِأَنَّهُ حَقُّ تَمَلُّكٍ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةِ مِلْكٍ يَسْقُطُ كَمَا يَسْقُطُ حَقُّ الْغَانِمِ بِالتَّرْكِ وَالْإِعْرَاضِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
(وَالثَّانِي) : لَا يَسْقُطُ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَأَكَّدَ وَلَيْسَ عَقْدًا يُفْسَخُ وَلَيْسَ كَالْغَنِيمَةِ فَإِنَّ الْغَنَائِمَ لَيْسَ مَقْصُودَ الْغُزَاةِ وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ عَلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَوْ اشْتَرَى دَابَّةً وَأَنْعَلَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِهَا عَيْبًا قَدِيمًا وَفِي نَزْعِهِ تَعْيِيبٌ فَرَدَّهَا مَعَ النَّعْلِ أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى الْقَبُولِ، وَهَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ لَوْ سَقَطَ أَوْ مُجَرَّدُ إعْرَاضٍ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
(وَمِثْلُهُ) : بَيْعُ الْأَرْضِ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْتهَا لِلْمُشْتَرِي.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ يَزُولُ الْمِلْكُ فِيهَا بِالْإِعْرَاضِ:
(أَحَدُهَا) : فِي الْمُحَقَّرَاتِ كَمَا إذَا أَعْرَضَ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ فَهَلْ يَمْلِكُهَا مَنْ
стр. 122
أَخَذَهَا فِيهِ؟ وَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا فِي (الرَّوْضَةِ) . نَعَمْ قَالَ وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَحْوَالِ السَّلَفِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ هَذَا الْخِلَافُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ، وَمَا فَعَلَهُ، إبَاحَةٌ لِلطَّاعِمِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
(الثَّانِيَةُ) : لَوْ الْتَقَطَ حَقِيرًا يَمْلِكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ زَمَنًا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا.
(الثَّالِثَةُ) : خُرُوجُهُ عَنْ الْمَالِيَّةِ كَمَا لَوْ أَرَاقَ الْخَمْرَ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ فَتَخَلَّلَتْ عِنْدَهُ أَوْ أَلْقَى جِلْدَ الْمَيْتَةِ فَأَخَذَهُ آخِذٌ " فَدَبَغَهُ مَلَكَهُ وَلَيْسَ لِلْمُعْرِضِ اسْتِرْدَادُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي " زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ " فِي بَابِ الْغَصْبِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ وَالِاخْتِصَاصُ الْمُجَرَّدُ يَضْعُفُ بِالْإِعْرَاضِ وَالْوَجْهَانِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ فِي أَنَّ مَنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ يَكُونُ الْجِلْدُ لِلْمَالِكِ فَإِنْ قُلْنَا لِلْغَاصِبِ مَلَكَهُ الْآخِذُ هُنَا قَطْعًا.
وَلَوْ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ الَّتِي أَعْيَتْ بِمَكَانٍ، رَغْبَةً عَنْهَا فَأَخَذَهَا رَجُلٌ وَعَالَجَهَا حَتَّى صَلَحَتْ فَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لِمَنْ أَحْيَاهَا. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: لِصَاحِبِهَا وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ
стр. 123
- ﵀ أَنَّهَا لِلْمَالِكِ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَزُولُ بِالْإِعْرَاضِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَقْدَمِينَ مِنْ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ.
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ هَذِهِ الْحِجَارَةُ الْمُلْقَاةُ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ هَلْ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْذُهَا وَالْبِنَاءُ بِهَا؟ نَعَمْ يَجُوزُ إنْ كَانَتْ تُرِكَتْ رَغْبَةً عَنْهَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَوْ تَسَاقَطَتْ مِنْ الْبِنَاءِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَالِكُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا أَوْ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ مِلْكِ يَتِيمٍ أَوْ وَقْفٍ لَا يَجُوزُ.
[الْإِقْرَارُ]
[إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ]
قَالَ (ابْنُ خَيْرَانِ) فِي (اللَّطِيفِ) إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولٌ وَعَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ إذَا أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِوَارِثٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَحِقَ بِمَنْ أَقَرُّوا عَلَيْهِ. (قَالَ) وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَضُرُّ بِهِ غَيْرَهُ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَتَلَ أَوْ قَطَعَ أَوْ سَرَقَ فَإِنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ضَرَرَ سَيِّدِهِ وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ إلَّا فِيمَا كَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ (الْمَرْعَشِيُّ) فِي " التَّرْتِيبِ " لَفْظَتَانِ إذَا أَقَرَّ بِهِمَا صَاحِبُ الْحَقِّ
стр. 124
اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا إنْ قَالَ بَرِئْت إلَيَّ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ وَإِنْ قَالَ قَدْ أَبْرَأْتُك فَلَيْسَ فِيهِ إقْرَارٌ بِقَبْضٍ وَهُوَ إبْرَاءٌ. وَهَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ مِنْ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ مُخْتَلِفَتَانِ فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا الْمَطْلُوبُ قَدْ بَرِئَ إلَيَّ كَانَ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ أَبْرَأْتُك لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْمَالِ.
[الْإِكْرَاهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ
رُخْصَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا يُبَاحُ لَهُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَالْإِفْطَارُ وَإِتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ وَالْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا يَنْعَقِدُ يَمِينُ الْمُكْرَهِ وَلَا يَحْنَثُ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَ عَقْدِهَا اخْتِيَارًا فِي الْأَظْهَرِ. وَحَيْثُ أُبِيحَ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْبَقَاءَ عَلَى الْإِيمَانٍ حَالَةَ التَّلَفُّظِ بِالْكُفْرِ أَوْ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ؟ وَجْهَانِ.
وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي الْبَسِيطِ خَمْسَ مَسَائِلَ: (إحْدَاهَا) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ لَا يُبِيحُهُ وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَظْهَرِ
стр. 125
(الثَّانِيَةُ) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الزِّنَى إنْ قُلْنَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِهِ وَإِنْ أَسْقَطَ الْحَدَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالْكُفْرِ لَا يُوجِبُ وُقُوعَ مَفْسَدَةِ الْكُفْرِ إذْ الْكُفْرُ الَّذِي يُوجِبُ الْمَفْسَدَةَ إنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بِالْقَلْبِ بِخِلَافِ الزِّنَى وَالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمَفْسَدَةَ.
(الثَّالِثَةُ) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِرْضَاعِ يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ.
(الرَّابِعَةُ) : إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ عَلَى الْإِسْلَامِ يَصِحُّ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ.
(الْخَامِسَةُ) : تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فِي وَجْهٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ، وَإِلَى الْقَتْلِ عَلَى قَوْلٍ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَيُشْبِهُ عَدَمَ تَصَوُّرِ الْإِكْرَاهِ أَوْ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْقَصْدِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى الْحَصْرِ إكْرَاهَ الصَّائِمِ عَلَى الْأَكْلِ لَا يُفْطِرُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِكْرَاهَ الْمُصَلِّي عَلَى الْكَلَامِ يُبْطِلُ فِي الْأَصَحِّ وَإِكْرَاهَ الْمُصَلِّي حَتَّى فَعَلَ أَفْعَالًا كَثِيرَةً تُبْطِلُ صَلَاتَهُ قَطْعًا وَالْإِكْرَاهُ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْقَدْرِ فَصَلَّى قَاعِدًا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ.
стр. 126
قُلْت: وَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْحَدَثِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ (الْحَنَّاطِيِّ) وَجْهَيْنِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ نَاسِيًا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ بِجَرَيَانِهِمَا مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ فِي الضَّابِطِ: لَا أَثَرَ لِقَوْلِ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) أَوْ بَيْعِ مَالِهِ أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ فَفَعَلَ صَحَّ.
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْإِحْرَامِ.
وَلَوْ قَالَ اقْذِفْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَفَعَلَ لَا يُحَدُّ كَمَا لَوْ قَالَ اقْطَعْ يَدَيَّ قَالَ فِي " التَّهْذِيبِ " وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ أَوْ قَطْعِهِ وَلَا يُسْتَعَانُ بِالْغَيْرِ فِي الْقَذْفِ فَيُجْعَلُ الْقَاذِفُ مُتَعَدِّيًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالصَّوَابُ لَا حَدَّ وَلَا أَثَرَ لِفِعْلِهِ إلَّا فِي الرَّضَاعِ وَالْحَدَثِ وَالتَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَالْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَكَذَا الْقَتْلُ فِي الْأَصَحِّ. وَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ أَكَلَهُ يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ الْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرِهِ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا الْمُودِع يُكْرَهُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ يَضْمَنُهَا فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَكْرَهَ مَجُوسِيٌّ
стр. 127
مُسْلِمًا عَلَى ذَبْحِ شَاةٍ أَوْ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى ذَبْحِ صَيْدٍ فَذَبَحَاهُ حَلَّ. وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ فَفَعَلَ. وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ تَفَقُّهًا أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَلَى الذَّبْحِ إنْ اعْتَبَرْنَا فِعْلَهُ وَعَلَّقْنَا بِهِ الْقِصَاصَ حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ. قَالَ: وَكَذَا إنْ جَعَلْنَاهُ آلَةً لَهُ أَيْضًا. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّا إذَا جَعَلْنَاهُ آلَةً لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ صُورَتَيْ إكْرَاهِ الْمَجُوسِيِّ الْمُسْلِمَ وَالْمُحْرِمِ الْحَلَالَ.
وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ نَظَرٌ وَالْمَأْخَذُ مُخْتَلِفٌ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُكْرِهُ الْمَجُوسِيُّ وَالْمُحْرِمُ عَجَمِيًّا يَرَى طَاعَةَ أَمْرِهِ حَتْمًا أَنْ لَا تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ قَطْعًا لِأَنَّهُ آلَةٌ لَا مَحَالَةَ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أُكْرِهَ الْمُحْرِمُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ أَوْ عَلَى الرَّمْيِ أَوْ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَنَحْوِهِ فِيمَا يَظْهَرُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ أُكْرِهَ عَلَى غَشَيَانِ أَمَتِهِ، فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَلَحِقَهُ النَّسَبُ وَكَذَا عَلَى وَطْءِ زَوْجَتِهِ حَصَلَ الْإِحْصَانُ وَاسْتَقَرَّ بِهِ الْمَهْرُ وَأَحَلَّهَا لِلْمُطَلِّقِ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، أَوْ عَلَى الزِّنَا وَقُلْنَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ فِيهِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَلُحُوقُ النَّسَبِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى وَطْءِ زَوْجَةِ ابْنِهِ فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ ابْنِهِ فِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُهُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْمَجْنُونِ يَطَأُ زَوْجَةَ ابْنِهِ أَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَأَحْبَلَهَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ لِشَرِيكِهِ الْمُكْرِهِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ الْحَامِلُ لَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ
стр. 128
(وَمِنْهَا) : الْإِكْرَاهُ عَلَى فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ فَلَوْ أُكْرِهْ عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ صَحَّ أَشَارَ إلَيْهِ (الْفُورَانِيُّ) فِي الْعَمْدِ فِي كِتَابِ السِّيَرِ قَالَ وَلَا أُجْرَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَهُ، وَذَكَرَ فِي (زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ) فِي آخِرِ بَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِأَنَّ غُسْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِذَا فَعَلَهُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ وَلَوْ أَكْرَهَهُ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ فَلَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْإِمَامُ أَحَدَ الرَّعِيَّةِ لِدَفْنِ مَيِّتٍ وَتَجْهِيزِهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مُتَّسَعٌ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُسْلِمُ عَلَى الْجِهَادِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ يَسْتَحِقُّ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ إلَى حِينِ حُضُورِ الصَّفِّ وَاسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ.
وَلَوْ أُكْرِهَ الْعَبْدُ فَلِسَيِّدِهِ الْأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ الْإِخْرَاجِ إلَى يَوْمِ رُجُوعِهِ إلَى سَيِّدِهِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي بِنَاؤُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ أَمْ لَا، إنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ الْتَحَقَ
стр. 129
بِالْحُرِّ. وَلَوْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ عَلَى الْجِهَادِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَإِنْ حَضَرَ وَلَمْ يُقَاتِلْ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمْ تَحْصُلْ وَلَوْ خَلَّى الْإِمَامُ سُبُلَ الْمَقْهُورِينَ مِنْ قَبْلِ الصَّفِّ فَلَا أُجْرَةَ لَهُمْ فِي الْأَصَحِّ لِلْمُضِيِّ وَلَا لِلْعَوْدَةِ، وَإِنْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُمْ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ إنَّمَا تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ وَالِاسْتِيفَاءِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى غَسْلِ نَجَاسَةٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ طَهُرَ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَا تَخْلِيلُ الْخَمْرِ بِلَا عَيْنٍ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ أُكْرِهَ الْمَعْذُورُ بِتَرْكِ الْجِهَادِ عَلَى الْخُرُوجِ فَخَرَجَ مُكْرَهًا وَحَضَرَ الْوَقْعَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ أَوْ يُرْضَخُ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ أُكْرِهَ الْمُتَصَارِفَانِ عَلَى التَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الْعَقْدُ قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ فِي (الْإِيضَاحِ) وَقِيَاسُهُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ كَذَلِكَ، وَهَذَا بِخِلَافِ إكْرَاهِ، أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمُفَارَقَةِ مِنْ مَجْلِسِ الْخِيَارِ لَا يَنْقَطِعُ فِي الْأَصَحِّ.
(الثَّانِي) : هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْفِعْلَ وَأَتَى بِهِ لِدَاعِيَةِ الْإِكْرَاهِ قَالَ (الْمَحَامِلِيُّ) فِي
стр. 130
الْمَجْمُوعِ الْإِكْرَاهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ مَعَ الْإِكْرَاهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اللَّفْظَ فَيَقَعُ إطْلَاقُهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْإِيقَاعَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ إرَادَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ وَحَكَى الْأَصْحَابُ فِيمَا لَوْ قَصَدَ الْمُكْرَهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ قِيلَ لَا يَقَعُ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ أَسْقَطَ أَثَرَ اللَّفْظِ وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا تَدُلُّ وَالْأَصَحُّ الْوُقُوعُ إذْ لَا يَبْعُدُ اخْتِيَارُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، فَعَلَى هَذَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ عِنْد الْإِكْرَاهِ كَالْكِنَايَةِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ إنْ نَوَى وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا.
(الثَّالِثُ) : مَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ فِي حَالِ الطَّوَاعِيَةِ يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَمَا لَا فَلَا وَإِنْ شِئْت فَقُلْ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ بِحَقٍّ صَحَّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا.
وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ إكْرَاهُ الْإِمَامِ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَيَقَعُ الْمَوْقِعَ وَصَحَّ إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَصِحَّ إكْرَاهُ الذِّمِّيِّ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ بِالْجِزْيَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا نَطَقَ الْحَرْبِيُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ تَحْتَ السَّيْفِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ. اُتُّفِقَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْغُمُوضِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَإِنَّ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ نَازِلَتَانِ فِي الْإِعْرَابِ عَنْ الضَّمِيرِ مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ
стр. 131
وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إخْبَارِهِ.
قَالَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " لَوْ أُكْرِهَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ فَأَقَرَّ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إكْرَاهُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يَجِبُ إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ عَلَى إنْشَاءِ الْإِسْلَامِ.
انْتَهَى.
وَمِنْ هَذَا لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْأَسِيرِ لِمَنْ أَسَرَهُ وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَعَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ أَمَانُ الْمُكْرَهِ عَلَيْنَا فَفِي نُفُوذِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَجْهَانِ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: نَعَمْ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ اغْتِيَالُهُمْ كَمَا لَوْ دَخَلَ تَاجِرًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا وَالْأَصَحُّ فِي " الرَّوْضَةِ " الْمَنْعُ، لِأَنَّ التَّاجِرَ يُخَلَّى مِنْ أَيْدِيهِمْ بِخِلَافِ هَذَا. وَيُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فِي صُوَرٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ.
(مِنْهَا) مَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ إعْتَاقِهِ فَأُكْرِهَ حَتَّى أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ قَالَهُ فِي (الْبَحْرِ) وَجَعَلَهُ مِنْ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ. وَمِثْلُهُ مَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَقُلْنَا: الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى.
(وَمِنْهَا) الْمَوْلَى إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ وَالطَّلَاقِ وَقُلْنَا الْقَاضِي لَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ فَأَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّلَاقِ وَقَعَ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ كَذَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي قَالَ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ طَلْقَةٌ فَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَقُلْنَا الْإِمَامُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَحُكْمُ الزَّائِدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْ فَيَلْغُو وَإِنْ قُلْنَا يَنْعَزِلُ أَوْ كَانَ الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي أَكْرَهَهُ
стр. 132
فَهُوَ كَمَنْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ، (لِأَنَّ) إكْرَاهَهُ إنَّمَا لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ مَا دَامَ بِالْحَقِّ فَإِذَا انْعَزَلَ لَمْ تَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ.
وَاسْتَشْكَلَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الصُّورَةَ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمَوْلَى إكْرَاهٌ يَمْنَعُ مِثْلَهُ الطَّلَاقَ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ عَلَى التَّعْيِينِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ.
(وَمِنْهَا) إذَا امْتَنَعَ الْمَدِينُ مِنْ الْوَفَاءِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدْ يَنْفُذُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفَ كَمَا لَوْ قَالَ طَلِّقْ زَوْجَتِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَطَلَّقَهَا وَقَعَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ وَقِيلَ لَا يَقَعُ لِسُقُوطِ حُكْمِ اللَّفْظِ بِالْإِكْرَاهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَجْنُونٍ طَلِّقْهَا فَطَلَّقَهَا.
الرَّابِعُ: الْإِكْرَاهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمُبَاحِ وَكَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَنْدُوبِ وَإِنَّمَا يَجِيءُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِي فِعْلِ الْحَرَامِ كَالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَالشُّرْبِ. وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي إيقَاعِ الْوَاجِبِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أُكْرِهَ حَتَّى وَطِئَ زَوْجَتَهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ كُلُّ الْمَهْرِ
стр. 133
وَيَسْقُطُ بِهِ الْوُجُوبُ إذَا قُلْنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ مَرَّةً وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُضْطَرُّ حَتَّى أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ. وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ حَتَّى بَاعَ مَالَهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ أَوْ أُكْرِهَ حَتَّى عَتَقَ الْعَبْدَ الَّذِي نَذَرَ عِتْقَهُ وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَشْرُوطُ عِتْقُهُ فِي الْبَيْعِ.
الْخَامِسُ: كُلُّ قَرِينَةٍ إذَا ادَّعَاهَا الْمُخْتَار يُدَيَّنُ بِهَا فِي الْبَاطِنِ، إذَا ادَّعَاهَا الْمُكْرَهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ظَاهِرًا.
فَمِنْهُ: إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ وَشَرَطْنَا الْفَوْرِيَّةَ فَقَالَ: فَاطِمَةُ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت فَاطِمَةَ أُخْرَى غَيْرَ زَوْجَتِي أَوْ نَوَى طَلَاقًا مِنْ وَثَاقٍ لَمْ يَقَعْ ظَاهِرًا قَطْعًا بِخِلَافِ الْمُخْتَارِ يَنْوِي ذَلِكَ لَا يُصَدَّقُ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ.
وَمِنْهُ: أَنَّ الْمُخْتَارَ إذَا أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ كَاذِبًا لَمْ تَطْلُقْ بَاطِنًا.
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَذَبَ فِي إقْرَارِهِ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا صُدِّقَ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْإِقْرَارِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فِي دَعْوَى الْكَذِبِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الضَّابِطِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى نَظَرٍ، وَهِيَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا الْمُكْرَهُ وَقَالَ فِي نَفْسِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ الْمُخْتَارِ بَلْ يَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
стр. 134
السَّادِسُ:
قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُكْرَهِ عَقْدٌ وَلَا حَلٌّ فِي الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهَا وَيَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا فِي الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ وَغَيْرِهِمَا فِيهِ قَوْلَا الْمُكْرَهِ. وَهَذَا غَيْرُ مَا جَزَمُوا فِيهِ. وَمَوْضِعُ الْجَزْمِ مَا يُوقِعُهُ الْمُكْرَهُ تَنْجِيزًا حَالَةَ الْإِكْرَاهِ وَمَوْضِعُ الْقَوْلِ الْإِكْرَاهُ عَلَى إيقَاعِ فِعْلٍ سَبَقَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ كَأَنْ يَقُولَ فِي حَالَةِ اخْتِيَارِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ يُكْرَهُ عَلَى دُخُولِهَا.
السَّابِعُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرَهِ فِعْلٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ قَطْعًا غَالِبًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ فَقَوْلَانِ. وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَوْجَرَ الصَّائِمُ الطَّعَامَ لَمْ يُفْطِرْ قَطْعًا وَأَغْرَبَ الْحَنَّاطِيُّ بِحِكَايَةِ خِلَافٍ، وَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ فَقَوْلَانِ. وَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينِهَا لَمْ تُفْطِرْ وَإِنْ ضَرَبَهَا حَتَّى مَكَّنَتْ فَقَوْلَانِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَحُمِلَ وَأُدْخِلَهَا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ ضُرِبَ حَتَّى دَخَلَهَا فَقَوْلَانِ: وَلَوْ أَكْرَهَ الْمُودِعُ لِصٌّ مُتَغَلِّبٌ عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ وَأَخَذَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى تَنَاوُلِهَا وَدَفْعِهَا إلَيْهِ أَوْ دَلَّهُ عَلَيْهَا فَوَجْهَانِ: بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي إكْرَاهِ الصَّائِمِ عَلَى تَنَاوُلِ الْمُفْطِرِ بِنَفْسِهِ قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي (الْمُقْنِعِ) وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي (الْحَاوِي) وَغَيْرِهِمَا.
стр. 135
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ فَأُوجِرَ فِي حَلْقِهِ حَتَّى صَارَ فِي جَوْفِهِ لَمْ يَحْنَثْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ أُكْرِهَ حَتَّى تَنَاوَلَهُ فَقَوْلَانِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَطْعِ فِيمَا لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ صُورَتَانِ:
(إحْدَاهُمَا) إذَا تَعَلَّقَ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ كَمَا إذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَأُوجِرَ مُعَالَجَةً وَإِصْلَاحًا لَهُ وَقُلْنَا لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْإِغْمَاءِ فَفِي بُطْلَانِهِ بِهَذَا الْإِيجَارِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا يُفْطِرُ. قَالَ: الرَّافِعِيُّ وَنَظِيرُهُ إذَا عُولِجَ الْمُحْرِمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ هَلْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ؟ .
(الثَّانِيَةُ) لَوْ أَوْجَرَ الْمَالِكُ طَعَامَهُ الْمُضْطَرَّ قَهْرًا أَوْ أَوْجَرَهُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ؟ ؟ وَجْهَانِ: أَحْسَنُهُمَا عِنْدَ الرَّافِعِيِّ نَعَمْ، لِأَنَّهُ خَصَّهُ مِنْ الْهَلَاكِ فَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ.
الثَّامِنُ: إيجَابُ الشَّرْعِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ.
وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَصُومِي غَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَاضَتْ فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُكْرَهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
نَعَمْ لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ يَمِينًا مُغَلَّظَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ، وَقُلْنَا بِوُجُودِ التَّغْلِيظِ حَلَفَ وَحَنِثَ
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ مُقَيَّدٌ فَحَلَفَ بِعِتْقِهِ أَنَّ فِي قَيْدِهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَحَلَفَ بِعِتْقِهِ لَا يَحُلُّهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي شَاهِدَانِ أَنَّ قَيْدَهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِعِتْقِهِ ثُمَّ حَلَّ الْقَيْدَ فَوَجَدَ فِيهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَا شَيْءَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، لِأَنَّ
стр. 136
الْعِتْقَ حَصَلَ بِحَلِّ الْقَيْدِ دُونَ الشَّهَادَةِ لِتَحَقُّقِ كَذِبِهِمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَاخِرِ (كِتَابِ) الْعِتْقِ.
التَّاسِعُ الْإِكْرَاهُ هَلْ يَكُونُ إذْنًا مُؤَكَّدًا أَوْ لَا؟ قَالُوا فِيمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ الْمُكْرِهِ فَطَلَّقَ وَقَعَ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ إذْنٌ وَزِيَادَةٌ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ صَحَّ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ثُمَّ أُكْرِهَ الْوَكِيلُ عَلَى الْإِيقَاعِ فَفِي (الْبَحْرِ) فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: يَقَعُ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُخْتَارٌ (وَأَصَحُّهُمَا) لَا، لِعَدَمِ اخْتِيَارِ الْمُبَاشِرِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّلَاقِ عَنْ (أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ) لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَخْرَجَهَا هُوَ هَلْ يَكُونُ إذْنًا؟ الْقِيَاسُ الْمَنْعُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهَا وَهِيَ مُخْتَارَةٌ: وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الْإِذْنَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ
стр. 137
لَفْظٍ أَمَّا إذَا أَكْرَهَهَا، فَإِنْ أَوْقَعْنَا طَلَاقَ الْمُكْرِهِ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقِينَ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ وَإِنَّمَا أُخْرِجَتْ.
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ أَخَذْت حَقَّك مِنِّي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ حَتَّى أَعْطَى بِنَفْسِهِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي فِعْلِ الْمُكْرَهِ. وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْحِنْثِ وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ فِيمَا إذَا أَكْرَهَ شَخْصًا عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ يَكُونُ إذْنًا فِي الْقَتْلِ حَتَّى لَا يَجِبَ بِهِ الْقِصَاصُ.
[الْإِمَامُ هَلْ يَلْحَقُ بِالْوَلِيِّ الْخَاصِّ]
ِّ قَدْ نَزَّلُوهُ مَنْزِلَتَهُ فِيمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْذُوفِ الْمَيِّتِ وَارِثٌ خَاصٌّ، فَإِنَّهُ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ. وَهَلْ لَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ كَالْوَارِثِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ. وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِلْحَاقِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ وَكَأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ بِتَوْرِيثِ بَيْتِ الْمَالِ، وَيُتَّجَهُ مِثْلُهُ فِي إجَازَةِ الْإِمَامِ وَصِيَّةَ مَنْ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ وَلَمْ يُنَزِّلُوهُ مَنْزِلَتَهُ فِيمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي
стр. 138
تَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ.
[إمْكَانُ الْأَدَاءِ شَرْطٌ فِي اسْتِقْرَارِ الْوَاجِبَاتِ فِي الذِّمَّةِ]
فَلَا يُحْكَمُ بِالْوُجُوبِ قَبْلَهُ وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ فَلَوْ طَرَأَ عُذْرٌ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ لَمْ يَثْبُتْ الظَّهْرُ فِي ذِمَّتِهِ. خِلَافًا لِلْبَلْخِيِّ.
وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ. لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مُفْطِرًا فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَسْلَمَ فِيهِ كَافِرًا أَوْ طَهُرَتْ فِيهِ حَائِضٌ لَا يَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ لَوْ دَامَ عُذْرُ الْمَرِيضِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُكَفَّرْ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ الْحَجُّ إمْكَانُ السَّيْرِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ السَّيْرُ قَبْلَ فِعْلِ الْحَجِّ فَلَوْ أَيْسَرَ وَضَاقَ الْوَقْتُ ثُمَّ مَاتَ لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ.
стр. 139
وَخَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الزَّكَاةُ فَالْجَدِيدُ أَنَّ الْإِمْكَانَ فِيهَا مِنْ شَرَائِطِ الضَّمَانِ خَاصَّةً لَا الْوُجُوبَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ وَلَوْ لِلْوُجُوبِ لَسَقَطَتْ كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْحَوْلِ. وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اعْتَذَرَ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ مَالِيٌّ فَوُجُوبُهَا أَوْسَعُ، وَبِأَنَّا نَقُولُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ بِالزَّوَالِ وَلَكِنْ لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِالْإِمْكَانِ وَالزَّكَاةُ حِينَئِذٍ مِثْلُهُ وَالْإِمْكَانُ شَرْطٌ فِي اسْتِقْرَارِهَا وَلَا فَائِدَةَ فِي وُجُوبِهَا إلَّا فِعْلُهَا فَإِذَا تَعَذَّرَ الْفِعْلُ لَمْ تَجِبْ.
أَمَّا الزَّكَاةُ إذَا أَوْجَبْنَاهَا قَبْلَ إمْكَانِ الْفِعْلِ فَفِيهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ مُشَارَكَةُ الْمَسَاكِينِ لَهُ فِي النِّصَابِ وَحُصُولُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ. هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا عَلَّقْنَا الزَّكَاةَ بِالْعَيْنِ، فَإِنْ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ صَارَتْ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
[الِانْعِطَافُ عَلَى مَا قَبْلَهُ إنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ]
الِانْعِطَافُ عَلَى مَا قَبْلَهُ
إنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ انْعَطَفَ كَمَا فِي صَوْمِ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ يَكُونُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ حَتَّى يَنَالَ ثَوَابَ جَمِيعِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ يَكُونُ مُدْرِكًا لِثَوَابِ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ.
وَقِيلَ إنَّمَا يُثَابُ مِنْ وَقْتِ
стр. 140
النِّيَّةِ وَكَانَ (الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ) يُرَجِّحُهُ وَيَقُولُ مَا رَجَّحُوهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ) وَكَمَا لَوْ أَكَلَ مِنْ بَعْضِ الْأُضْحِيَّةِ وَتَصَدَّقَ بِبَعْضِهَا هَلْ يُثَابُ عَلَى الْكُلِّ أَوْ عَلَى مَا تَصَدَّقَ بِهِ فِيهِ؟ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ضَحْوَةً هَلْ يُثَابُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ مِنْ وَقْتِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهُ ثَوَابُ التَّضْحِيَةِ بِالْكُلِّ وَالتَّصَدُّقِ بِالْبَعْضِ.
وَمِنْ الِانْعِطَافِ: مَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ الْوُقُوفِ أَجْزَأَتْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهَلْ يَقَعُ حَجُّهُمَا فَرْضًا ابْتِدَاءً (بِالتَّبَيُّنِ) أَوْ نَفْلًا ثُمَّ انْقَلَبَ فَرْضًا؟ وَجْهَانِ.
стр. 141
وَمِنْ الِانْعِطَافِ: التَّعْصِيَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُؤَخِّرِ لِلْحَجِّ حَتَّى مَاتَ يُعْصَى آخِرَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينَ الْإِمْكَانِ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَجْرَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ. كَمَا إذَا تَرَكَ الْمُودِعُ الْوَصِيَّةَ الْوَدِيعَةِ وَتَلِفَتْ فِي الْمَرَضِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ يَضْمَنُ أَخْذًا مِنْ انْعِطَافِ التَّعْصِيَةِ بِتَرْكِ الْحَجِّ عَلَى مَا مَضَى وَفِي هَذَا التَّخْرِيجِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الِانْعِطَافَ عُهِدَ مِثْلُهُ فِي الْعِبَادَاتِ، أَمَّا انْعِطَافُ التَّضْمِينِ إلَى حَالَةٍ لَا يَقْصِدُ فِيهَا فَبَعِيدٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَمْ يَنْعَطِفْ كَمَا لَوْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ غَسْلَ الْوَجْهِ وَلَمْ يَنْوِ قَبْلَهُ لَا يُثَابُ عَلَى سُنَنِ الْوُضُوءِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَمِنْهُ) : الْقُدْوَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَا تَنْعَطِفُ عَلَى الْمَاضِي فِي الْأَصَحِّ. وَلِذَلِكَ فَائِدَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ سَهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَمْ يَتَحَمَّلْ سَهْوَهُ فِي الْأَصَحِّ.
(الثَّانِيَةُ) : فِي حُصُولِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ لَهُ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَوْ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ.
[الْإِنْشَاءُ]
ُ إيقَاعُ لَفْظٍ لِمَعْنًى يُقَارِبُهُ فِي الْوُجُودِ كَإِيقَاعِ الْبَيْعِ بِبِعْت وَالنِّكَاحِ بِتَزَوَّجْت وَالطَّلَاقِ بِطَلَّقْتُ.
وَأَمَّا الظِّهَارُ فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي (الْوَجِيزِ) فِي بَابِهِ أَنَّهُ خَبَرٌ وَخَالَفَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَصَرَ
стр. 142
الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إنْشَاءٌ وَقِيلَ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَمَا أَحْدَثَ حُكْمًا.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ خَبَرٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ. وَصَارَتْ الْأَلْفَاظُ ثَلَاثَةً: خَبَرٌ مَحْضٌ كَقَامَ زَيْدٌ، وَإِنْشَاءٌ مَحْضٌ كَبِعْت، وَمَا فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُمَا وَهُوَ الظِّهَارُ.
وَمِنْ الْقَوَاعِدِ فِيهِ: أَنَّ إنْشَاءَ التَّعْلِيقِ جَائِزٌ، وَتَعْلِيقَ الْإِنْشَاءِ لَا يَجُوزُ فَلَوْ قَالَ بِعْتُك إنْ شِئْت صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا نَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ (التَّجْرِيدِ) وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ إنْ شِئْت بِعْتُك.
وَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِ زَيْنَبَ إنْ شَاءَتْ جَازَ وَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَتْ زَيْنَبُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِهَا لَمْ يَجُزْ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ صَحَّ وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلَّقْتُك فَظَنَّ (التَّاجُ السَّكَنْدَرِيُّ) أَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَخُولِفَ وَقِيلَ لَا يَقَعُ بِدُخُولِهَا لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ وَهُوَ وَعْدٌ مَحْضٌ لَا تَعْلِيقٌ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ (الْكِنْدِيُّ) وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَقَالَ لَا نَقْلَ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنَّ صِنَاعَةَ النَّحْوِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَخُولِفَ فِيهِ بِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ وَيَدُلُّ لَهُ مَا حَكَاهُ (شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ) عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ
стр. 143
طَلَّقْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ وَأَنَّهُ قَاذِفٌ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا شَاءَ فُلَانٌ أَمْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَمَشِيئَةُ فُلَانٍ لَا تُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَمِثْلُهُ: النَّذْرُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ كَذَا إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَشَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَصِحَّ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي (شَرْحِ التَّلْخِيصِ) .
[أَوَائِلُ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ بِمَا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا]
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْآخَرِ فَإِنْ أَجَازَ فَبِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى وَفِي قَوْلٍ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ وَحَجَرَ عَلَيْهِ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَجِيءُ قَوْلُ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَغَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَخَرَّجَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاتَّبَعَ فِيهِ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّ أَوَائِلَ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ مِمَّا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا فَلَمَّا دَعَتْ الضَّرُورَةُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِي أَوَّلِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَاقِيَ فِيهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فِي قَوْلٍ حَتَّى لَا يُوقِعَ جَهَالَةً فِي الثَّمَنِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِخِلَافِ اسْتِرْجَاعِ الْبَائِعِ بِفَلَسِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْنِفْ عَقْدًا تَقَعُ
стр. 144
الْجَهَالَةُ) فِي ثَمَنِهِ.
[الِائْتِمَانُ عَلَى قِسْمَيْنِ]
ِ (أَحَدُهُمَا) :
ائْتِمَانُ الْمَالِكِ يُوجِبُ تَصْدِيقَ الْمُؤْتَمَنِ؛ وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَعَامِلُ الْقِرَاضِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْجُعْلِ وَالْمُودِعُ؛ لِائْتِمَانِهِ إيَّاهُ، وَكَذَا الْمُسْتَأْجِرُ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ. (الثَّانِي) ائْتِمَانٌ بِالشَّرْعِ كَأَمِينِ الْأَيْتَامِ وَالْعُمَّالِ وَالْأَوْصِيَاءِ، فَائْتِمَانُ الْحَاكِمِ لَهُمْ لَيْسَ كَائْتِمَانِ الْمَالِكِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُمْ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ فِيمَا يَدَّعُونَهُ.
وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ أَنْ يُقَالَ: أَيْدِي الْأُمَنَاءِ ثَلَاثَةٌ: يَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِلْمَالِكِ، وَلَهُ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ مَتَى شَاءَ كَالْوَكِيلِ بِلَا جُعْلٍ وَالْمُودِعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ بِيَمِينِهِ قَطْعًا.
وَيَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّدِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَالَ
стр. 145
الْقَفَّالُ: الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْأَمَانَةُ.
وَيَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ، وَلِلْمَالِكِ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ مَتَى شَاءَ كَالْوَكِيلِ بِالْجُعْلِ وَالْمُدَّعِي الشَّرِكَةِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: ذَكَرَ هَذَا الضَّابِطَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْوِكَالَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ فَقَوْلُنَا: مَنْ أَخَذَ الْعَيْنَ، يَتَنَاوَلُ يَدَ السَّوْمِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْمُقَارِضِ وَالْوَكِيلِ، وَقَوْلُنَا: لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، احْتِرَازٌ عَنْ الْمُودَعِ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِمَنْفَعَةِ الْمَالِكِ، وَقَوْلُنَا: مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ يُخْرِجُ الْإِجَارَةَ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ لَكِنْ بِاسْتِحْقَاقٍ.
وَمَنْ كَانَ أَمِينًا بِائْتِمَانِ الْمَالِكِ كَالْمُودِعِ أَوْ بِائْتِمَانِ الشَّرْعِ كَالْمُلْتَقِطِ لِلْحِفْظِ لَا يَضْمَنُ بِالتَّلَفِ، وَمِنْهُ لَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا لَمْ يَقْبَلْهُ، فَلَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ مِنْهُ، فَأَخَذَهُ حِسْبَةً، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مِنْ جَارِحِهِ لِيُنْقِذَهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اسْتِنْقَاذُهُ؛ وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ قَالَ الْمَرْعَشِيُّ: وَمَا تَلِفَ فِي يَدِ الْأَمِينِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَسْتَسْلِفَ السَّاعِي زَكَاةَ رَجُلٍ قَبْلَ
следующие страницы →