← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21592

المنثور في القواعد الفقهية

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 194 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَمِنْ الِانْعِطَافِ: التَّعْصِيَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُؤَخِّرِ لِلْحَجِّ حَتَّى مَاتَ يُعْصَى آخِرَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينَ الْإِمْكَانِ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَجْرَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ. كَمَا إذَا تَرَكَ الْمُودِعُ الْوَصِيَّةَ الْوَدِيعَةِ وَتَلِفَتْ فِي الْمَرَضِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ يَضْمَنُ أَخْذًا مِنْ انْعِطَافِ التَّعْصِيَةِ بِتَرْكِ الْحَجِّ عَلَى مَا مَضَى وَفِي هَذَا التَّخْرِيجِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الِانْعِطَافَ عُهِدَ مِثْلُهُ فِي الْعِبَادَاتِ، أَمَّا انْعِطَافُ التَّضْمِينِ إلَى حَالَةٍ لَا يَقْصِدُ فِيهَا فَبَعِيدٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَمْ يَنْعَطِفْ كَمَا لَوْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ غَسْلَ الْوَجْهِ وَلَمْ يَنْوِ قَبْلَهُ لَا يُثَابُ عَلَى سُنَنِ الْوُضُوءِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْأَصَحِّ. (وَمِنْهُ) : الْقُدْوَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَا تَنْعَطِفُ عَلَى الْمَاضِي فِي الْأَصَحِّ. وَلِذَلِكَ فَائِدَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ سَهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَمْ يَتَحَمَّلْ سَهْوَهُ فِي الْأَصَحِّ. (الثَّانِيَةُ) : فِي حُصُولِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ لَهُ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَوْ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ. [الْإِنْشَاءُ] ُ إيقَاعُ لَفْظٍ لِمَعْنًى يُقَارِبُهُ فِي الْوُجُودِ كَإِيقَاعِ الْبَيْعِ بِبِعْت وَالنِّكَاحِ بِتَزَوَّجْت وَالطَّلَاقِ بِطَلَّقْتُ. وَأَمَّا الظِّهَارُ فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي (الْوَجِيزِ) فِي بَابِهِ أَنَّهُ خَبَرٌ وَخَالَفَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَصَرَ

стр. 142

الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إنْشَاءٌ وَقِيلَ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَمَا أَحْدَثَ حُكْمًا. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ خَبَرٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ. وَصَارَتْ الْأَلْفَاظُ ثَلَاثَةً: خَبَرٌ مَحْضٌ كَقَامَ زَيْدٌ، وَإِنْشَاءٌ مَحْضٌ كَبِعْت، وَمَا فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُمَا وَهُوَ الظِّهَارُ. وَمِنْ الْقَوَاعِدِ فِيهِ: أَنَّ إنْشَاءَ التَّعْلِيقِ جَائِزٌ، وَتَعْلِيقَ الْإِنْشَاءِ لَا يَجُوزُ فَلَوْ قَالَ بِعْتُك إنْ شِئْت صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا نَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ (التَّجْرِيدِ) وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ إنْ شِئْت بِعْتُك. وَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِ زَيْنَبَ إنْ شَاءَتْ جَازَ وَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَتْ زَيْنَبُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِهَا لَمْ يَجُزْ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ صَحَّ وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلَّقْتُك فَظَنَّ (التَّاجُ السَّكَنْدَرِيُّ) أَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَخُولِفَ وَقِيلَ لَا يَقَعُ بِدُخُولِهَا لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ وَهُوَ وَعْدٌ مَحْضٌ لَا تَعْلِيقٌ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ (الْكِنْدِيُّ) وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَقَالَ لَا نَقْلَ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنَّ صِنَاعَةَ النَّحْوِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَخُولِفَ فِيهِ بِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ وَيَدُلُّ لَهُ مَا حَكَاهُ (شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ) عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ

стр. 143

طَلَّقْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ وَأَنَّهُ قَاذِفٌ. وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا شَاءَ فُلَانٌ أَمْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَمَشِيئَةُ فُلَانٍ لَا تُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَمِثْلُهُ: النَّذْرُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ كَذَا إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَشَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَصِحَّ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي (شَرْحِ التَّلْخِيصِ) . [أَوَائِلُ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ بِمَا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا] وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْآخَرِ فَإِنْ أَجَازَ فَبِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى وَفِي قَوْلٍ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ وَحَجَرَ عَلَيْهِ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَجِيءُ قَوْلُ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْمَذْهَبِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَغَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَخَرَّجَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاتَّبَعَ فِيهِ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّ أَوَائِلَ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ مِمَّا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا فَلَمَّا دَعَتْ الضَّرُورَةُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِي أَوَّلِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَاقِيَ فِيهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فِي قَوْلٍ حَتَّى لَا يُوقِعَ جَهَالَةً فِي الثَّمَنِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِخِلَافِ اسْتِرْجَاعِ الْبَائِعِ بِفَلَسِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْنِفْ عَقْدًا تَقَعُ

стр. 144

الْجَهَالَةُ) فِي ثَمَنِهِ. [الِائْتِمَانُ عَلَى قِسْمَيْنِ] ِ (أَحَدُهُمَا) : ائْتِمَانُ الْمَالِكِ يُوجِبُ تَصْدِيقَ الْمُؤْتَمَنِ؛ وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَعَامِلُ الْقِرَاضِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْجُعْلِ وَالْمُودِعُ؛ لِائْتِمَانِهِ إيَّاهُ، وَكَذَا الْمُسْتَأْجِرُ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ. (الثَّانِي) ائْتِمَانٌ بِالشَّرْعِ كَأَمِينِ الْأَيْتَامِ وَالْعُمَّالِ وَالْأَوْصِيَاءِ، فَائْتِمَانُ الْحَاكِمِ لَهُمْ لَيْسَ كَائْتِمَانِ الْمَالِكِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُمْ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ فِيمَا يَدَّعُونَهُ. وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ أَنْ يُقَالَ: أَيْدِي الْأُمَنَاءِ ثَلَاثَةٌ: يَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِلْمَالِكِ، وَلَهُ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ مَتَى شَاءَ كَالْوَكِيلِ بِلَا جُعْلٍ وَالْمُودِعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ بِيَمِينِهِ قَطْعًا. وَيَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّدِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَالَ

стр. 145

الْقَفَّالُ: الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْأَمَانَةُ. وَيَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ، وَلِلْمَالِكِ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ مَتَى شَاءَ كَالْوَكِيلِ بِالْجُعْلِ وَالْمُدَّعِي الشَّرِكَةِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: ذَكَرَ هَذَا الضَّابِطَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْوِكَالَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ فَقَوْلُنَا: مَنْ أَخَذَ الْعَيْنَ، يَتَنَاوَلُ يَدَ السَّوْمِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْمُقَارِضِ وَالْوَكِيلِ، وَقَوْلُنَا: لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، احْتِرَازٌ عَنْ الْمُودَعِ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِمَنْفَعَةِ الْمَالِكِ، وَقَوْلُنَا: مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ يُخْرِجُ الْإِجَارَةَ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ لَكِنْ بِاسْتِحْقَاقٍ. وَمَنْ كَانَ أَمِينًا بِائْتِمَانِ الْمَالِكِ كَالْمُودِعِ أَوْ بِائْتِمَانِ الشَّرْعِ كَالْمُلْتَقِطِ لِلْحِفْظِ لَا يَضْمَنُ بِالتَّلَفِ، وَمِنْهُ لَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا لَمْ يَقْبَلْهُ، فَلَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ مِنْهُ، فَأَخَذَهُ حِسْبَةً، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مِنْ جَارِحِهِ لِيُنْقِذَهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اسْتِنْقَاذُهُ؛ وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ قَالَ الْمَرْعَشِيُّ: وَمَا تَلِفَ فِي يَدِ الْأَمِينِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَسْتَسْلِفَ السَّاعِي زَكَاةَ رَجُلٍ قَبْلَ

стр. 146

حَوْلِهَا فَتَتْلَفُ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِلْمَسَاكِينِ مِثْلَ مَا تَلِفَ، إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، أَوْ (قِيمَتَهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ (﵀) نَصًّا. [الْإِيثَارُ ضربان] الْإِيثَارُ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِالشَّيْءِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَعَكْسُهُ الْأَثَرَةُ: وَهِيَ اسْتِئْثَارُهُ عَنْ أَخِيهِ بِمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﷺ «سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً» وَالْإِيثَارُ ضَرْبَانِ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ فِيمَا لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ كَالْمُضْطَرِّ يُؤْثِرُ بِطَعَامِهِ غَيْرَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُسْلِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَالْإِمَامِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَغَيْرِهِمْ لَكِنَّ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي يَقْتَضِي الْمَنْعَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ (الْبُغَاةِ) فِي كَلَامِهِ عَلَى دَفْعِ الصَّائِلِ: إنَّهُ لَوْ كَانَ مُضْطَرًّا، وَوَلَدُهُ مُضْطَرٌّ لَا يَجُوزُ لَهُ بَذْلُ الطَّعَامِ لَهُ انْتَهَى. وَغَيْرُ الْوَلَدِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لَكِنَّهُ قَالَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ وَأَهْلُهُ مُضْطَرِّينَ، وَمَعَهُ طَعَامٌ قَلِيلٌ كَانَ هُوَ أَوْلَى بِالطَّعَامِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَالِكٍ

стр. 147

إذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَمَعَهُ مَاءٌ قَلِيلٌ يَكْفِي غُسْلَ أَحَدِهِمَا كَانَ هُوَ أَوْلَى (بِهِ) انْتَهَى. (وَقَالَ) الْإِمَامُ فِي بَابِ صَوْلِ الْفَحْلِ: لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْإِيثَارِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى هَلَاكِ الْمُؤْثِرِ، وَهُوَ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا اُضْطُرَّ، وَانْتَهَى إلَى الْمَخْمَصَةِ، وَمَعَهُ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَفِي رُفْقَتِهِ مُضْطَرٌّ فَآثَرَهُ بِالطَّعَامِ، فَهُوَ حَسَنٌ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْإِيثَارَاتِ الَّتِي يُتَدَارَكُ بِهَا الْمُهَجُ، قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إيثَارُ الْبَهِيمَةِ، وَكَيْف يُظَنُّ هَذَا، وَيَجِبُ قَتْلُ الْبَهِيمَةِ؛ لِاسْتِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ، وَقَالَ وَالِدُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الْفُرُوقِ: الْمُضْطَرُّ إنْ أَرَادَ الْإِيثَارَ بِمَا مَعَهُ لِاسْتِحْيَاءِ مُهْجَةٍ أُخْرَى كَانَ لَهُ الْإِيثَارُ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ. وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِيثَارُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَا يُسَوَّغُ فِيهِ الْإِيثَارُ، وَالْحَقُّ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ حَقُّهُ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ إلَّا وَاحِدَةً تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَحَسُنَ إيثَارُ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ: وَيُقَوِّي هَذَا الْفَرْقَ مَسْأَلَةُ الْمُدَافَعَةِ وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَصَدَ قَتْلَ غَيْرِهِ ظُلْمًا، وَالْمَقْصُودُ يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ غَيْرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالدَّفْعِ رُبَّمَا يَقْتُلُ الْقَاصِدَ كَانَ لِلْمَقْصُودِ الِاسْتِسْلَامُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ (﵀) فِي ذَلِكَ. انْتَهَى.

стр. 148

وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الصِّيَالِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْغَيْرِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ قَطْعًا (الثَّانِي) : فِي الْقُرُبَاتِ كَمَنْ يُؤْثِرُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ لِغَيْرِهِ وَيَتَأَخَّرُ هُوَ أَوْ يُؤْثِرُ بِقُرْبِهِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ السَّابِقِ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَمَعَهُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ وَالْمُهَجِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ، وَقَالَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: لَا أَعْرِفُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِيثَارُ. وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي (الْقَوَاعِدِ) : لَا إيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ فَلَا إيثَارَ بِمَاءِ الْمُتَيَمِّمِ، وَلَا بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَلَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ، فَمَنْ آثَرَ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ إجْلَالَ الْإِلَهِ وَتَعْظِيمَهُ فَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِأَمْرٍ فَتَرَكَهُ وَقَالَ لِغَيْرِهِ قُمْ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا يُسْتَقْبَحُ عِنْدَ النَّاسِ بِتَبَاعُدِهِ مِنْ إجْلَالِ الْأَمْرِ وَقُرْبِهِ (انْتَهَى) . وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَجَزَمَ بِالْكَرَاهَةِ، فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ (ابْنِ عُمَرَ) : (كَانَ إذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ) ، هَذَا نُوزِعَ

стр. 149

فِيهِ) لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَحْيَا مِنْهُ إنْسَانٌ فَقَامَ لَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ قَلْبِهِ فَسَدَّ ابْنُ عُمَرَ الْبَابَ لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا، (وَالثَّانِي) أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَكَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَرْتَكِبَ أَحَدٌ بِسَبَبِهِ مَكْرُوهًا، أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى بِأَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَيُؤْثِرَ بِهِ وَنَحْوُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا يُحْمَدُ الْإِيثَارُ بِحُظُوظِ النَّفْسِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا دُونَ الْقُرَبِ. انْتَهَى. وَذُكِرَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) : إنَّهُ لَا يُقِيمُ مَنْ جَلَسَ لِيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يُكْرَهْ، فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْإِمَامِ كُرِهَ، قَالَ (الْأَصْحَابُ) : لِأَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ. انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ يُشْكَلُ عَلَيْهِ مَنْ يُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ إذَا جَاءَ الْمُنْفَرِدُ لِيُصَلِّيَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً فَلَهُ أَنْ يَجُرَّ شَخْصًا وَيُسَاعِدَهُ الْمَجْرُورُ، وَمَعَ هَذَا

стр. 150

فَقَدْ فَوَّتَ لِنَفْسِهِ قُرْبَةً، وَهُوَ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ: إنَّ الْإِيثَارَ لَا يَكُونُ فِي الْقُرَبِ بَلْ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ قَدْ أَعْطَى الْمَاءَ مَنْ يُؤَدِّي بِهِ عِبَادَةً، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الصَّفِّ فَقَدْ فَاتَهُ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمُصَلِّي الثَّانِي عَلَى أَجْرِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» ، وَهَذَا، وَإِنْ وَرَدَ فِي الْإِنْفَاقِ لَكِنْ اسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ حَرَامٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى خِلَافٌ، وَأَمَّا الْإِيثَارُ بِحُقُوقِ النَّفْسِ فَمُسْتَحَبٌّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمِنْ هَذَا أَيْضًا الدُّعَاءُ فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﷺ «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى» ، وَمِنْ ذَلِكَ إيثَارُ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ، وَقَدْ حَكَى (الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ) فِي كِتَابِهِ (الْجَامِعِ) عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ كَرِهُوهُ؛ لِأَنَّ

стр. 151

قِرَاءَةَ الْعِلْمِ وَالْمُسَارَعَةَ إلَيْهِ قُرْبَةٌ، وَالْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ. وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِي الْإِيثَارِ بِالشَّيْءِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ قُرْبَةٌ أَوْ لَا، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ صَاعٍ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إخْرَاجِ فِطْرَةِ نَفْسِهِ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَأَقَارِبُ (، وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ وَقِيلَ: زَوْجَتَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَعَلَّ قَائِلَهُ تَلَقَّى مَذْهَبَهُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِيثَارِ فِي النَّفَقَةِ لَمَّا رَأَى الْفِطْرَةَ مُتَلَقَّاةً مِنْ النَّفَقَةِ وَهُوَ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ قُرْبَةٌ، وَلَا إيثَارَ فِي الْقُرَبِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْأَئِمَّةُ فِي إيثَارِ عَائِشَةَ لِعُمَرَ (﵄) بِدَفْنِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِهَا، وَقَوْلِهَا: كُنْت أَعْدَدْتُهُ لِنَفْسِي

стр. 152

وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ إيثَارٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا طَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِيثَارَ بِشَرَابِهِ مِنْ الشَّابِّ الْجَالِسِ عَنْ يَمِينِهِ لِمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ.

стр. 153

[حَرْفُ الْبَاءِ] [ الْبِدْعَةُ] الْبِدْعَةُ قَالَ (ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ) : هِيَ فِي اللُّغَةِ إحْدَاثُ سُنَّةٍ لَمْ تَكُنْ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ بِدْعَةٌ، إذَا كَانَ مُجَاوِزًا فِي حِذْقِهِ، وَجَعَلَ مِنْهُ (ابْنُ فَارِسٍ) فِي (الْمَقَايِيسِ) قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] أَيْ أَوَّلَ فَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْحَادِثِ الْمَذْمُومِ، وَإِذَا أُرِيدَ الْمَمْدُوحُ قُيِّدَتْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَجَازًا شَرْعِيًّا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (﵁) الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ:

стр. 154

أَحَدُهُمَا: مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إجْمَاعًا، فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ. وَالثَّانِي: مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ ﵁ فِي قِيَامِ (رَمَضَانَ) : نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هِيَ يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى انْتَهَى. وَانْظُرْ كَيْفَ تَحَرَّزَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي كَلَامِهِ عَنْ لَفْظِ الْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى لَفْظِ الْمُحْدَثَةِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ عُمَرَ ﵁ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي (التَّتِمَّةِ) فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: الْبِدْعَةُ اسْمٌ لِكُلِّ زِيَادَةٍ فِي الدِّينِ سَوَاءٌ كَانَتْ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً، فَالْبِدْعَةُ بِزِيَادَةِ الطَّاعَةِ، مِثْلُ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ سَوَاءٌ وَافَقَ الشَّرْعَ أَمْ لَا بِأَنْ يَتَعَبَّدَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ قَالَ: وَالْمُبْتَدِعُ بِالْمَعْصِيَةِ كَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةِ أَوْ بِهِ خَلَلٌ فِي الْعَقِيدَةِ فَإِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ بِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَاسِقِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ: وَهَلْ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ (﵁) : إنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَاصِينَ وَحَالُهُ فِي الْمَشِيئَةِ كَحَالِ سَائِرِ الْعُصَاةِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «كُلُّ كَذِبٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» . وَقَالَ

стр. 155

الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: هِيَ فِعْلُ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، فَأَيُّ حُكْمٍ دَخَلَتْ فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ فَمِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ تَعَلُّمُ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ، لِأَنَّ ضَبْطَ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ، وَلَا يَتَأَتَّى ضَبْطُهَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ مَذْهَبُ (الْقَدَرِيَّةِ) ، (وَالْجَبْرِيَّةِ) ، (وَالْمُرْجِئَةِ) ، (وَالْمُجَسِّمَةِ) ، وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَنْدُوبَةِ إحْدَاثُ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَكُلِّ إحْسَانٍ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ. وَمِنْ الْمُبَاحَةِ الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلُبْسُ الطَّيَالِسَةِ وَتَوْسِيعُ الْأَكْمَامِ وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ. [الْبَدَلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ] ُ: الْأَوَّلُ: إنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ، وَلَمْ يَجِدْهُ لَا يَتْرُكُهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ثَمَنِهِ، كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَمَنُ الرَّقَبَةِ وَلَمْ يَجِدْهَا لَا يَنْتَقِلُ إلَى الصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا انْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ، كَالْمُتَمَتِّعِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَالٌ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا يَشْتَرِيهِ، فَعَلَيْهِ الِانْتِقَالُ إلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَقَّتٌ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ، وَكَمَا لَوْ

стр. 156

عَدِمَ الْمَاءَ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلَا يُؤَخِّرُ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَهُ وَكَانَ مَالُهُ غَائِبًا، بِخِلَافِ جَزَاءِ الصَّيْدِ إذَا كَانَ مَالُهُ غَائِبًا يُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ. الثَّانِي: إذَا شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْأَثْنَاءِ هَلْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ نُظِرَ، إنْ كَانَ الْبَدَلُ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ لَيْسَ يُرَادُ لِغَيْرِهِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَكَمَا لَوْ قَدَرَ الْمُتَمَتِّعُ عَلَى الْهَدْيِ بَعْدَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَرُجُوعِهِ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى إتْمَامَ الْعَشَرَةِ، وَلَا أَثَرَ لِوُجُودِ الْهَدْيِ بَعْدُ. وَمِثْلُهُ: إذَا نَكَحَ عَادِمُ الطَّوْلِ الْأَمَةَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْأَمَةِ، وَكَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِشُهُودِ الْفَرْعِ، ثُمَّ ظَهَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ لَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَلَمْ يَجِدْ الْإِبِلَ وَأَعْطَى الْبَدَلَ، ثُمَّ وُجِدَتْ، فَلَا يَسْتَرِدُّ، وَلَوْ غَصَبَ مِثْلِيًّا وَتَلِفَ، وَلَمْ يَجِدْ مِثْلَهُ، فَأَعْطَى الْقِيمَةَ، ثُمَّ وَجَدَهُ فَهَلْ لِلْمَالِكِ رَدُّ الْقِيمَةِ وَطَلَبُ الْمِثْلِ؟ . وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ الْآبِقِ، إنْ عَادَ، وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ؛ لِانْفِصَالِ الْأَمْرِ بِالْبَدَلِ، وَيُخَالِفُ الْإِبَاقَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ عَيْنُ حَقِّهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمِثْلُ بَدَلُهُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَمْكِينِهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى حَقِّهِ التَّمْكِينُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى بَدَلِهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، بَلْ يُرَادُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ، فَمِنْهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ

стр. 157

التَّيَمُّمِ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يُرَادُ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَسْتَقِرُّ حُكْمُهُ، إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَكَذَا إذَا تَحَرَّمَ الْمُتَيَمِّمُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَائِهَا، وَالصَّلَاةُ لَا تَسْقُطُ بِهِ بِخِلَافِ مَا تَسْقُطُ بِهِ، وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الْقَفَّالُ مَا لَوْ تَخَلَّفَ الْمَعْذُورُ فِي الْجُمُعَةِ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ. وَمِنْهُ الْمُعْتَدَّةُ بِالْأَشْهُرِ، إذَا رَأَتْ الدَّمَ لَا تَرْجِعُ لِلْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ اسْتِفَادَةُ النِّكَاحِ وَمِنْهُ لَوْ حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ عِنْدَ شَهَادَةِ شُهُودِ الْفَرْعِ، وَقَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْقَاضِي مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى شَهَادَةِ الْفَرْعِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُرَدُّ شَاهِدُ الْأَصْلِ قَبْلَ الْحُكْمِ لِقُدُومِهِ مِنْ السَّفَرِ، وَقِيلَ: لَا مَنْعَ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ قَرَأَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، مِثْلَ: إنْ أَتَى بِنِصْفِ الذِّكْرِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى قِرَاءَتِهَا بِتَلْقِينٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ النِّصْفِ الْآخَرِ قَطْعًا، وَفِي الْأَوَّلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ وَأَصَحُّهُمَا يَجِبُ، كَمَا لَوْ

стр. 158

وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ تَمَامِ التَّيَمُّمِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ قَدْ تَمَّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّى الْمُكَفِّرُ بِالْبَدَلِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ أَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ، وَصَحَّحَ الرُّويَانِيُّ: وُجُوبَ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَاعِدًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ بِالْمَشَقَّةِ، ثُمَّ رَأَى انْتِفَاءَهَا هَا هُنَا، وَأَيْضًا فَمَنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، فَلَيْسَ لَهُ أَذْكَارٌ قَبْلَهَا وَقِرَاءَةٌ بَعْدَهَا، بِخِلَافِ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ مَصْرُوفٌ بِالنِّيَّةِ إلَيْهَا. وَلَوْ أَتَى بِالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ،، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِرَاءَتُهَا الثَّالِثُ: إذَا فَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُضَيَّقًا، فَقَدْ مَضَى الْأَمْرُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا، وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ الْمَالُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُتَمَتِّعُ، إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ وَصَامَ، ثُمَّ عَادَ الْمَالُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ مُضَيَّقٌ كَالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا، فَقَوْلَانِ، كَمَا لَوْ عَادَ مَالُهُ بَعْدَ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَفِي الْحَجِّ، إذَا وَجَبَ قَبْلَ الْغَصْبِ، أَوْ عَادَ مَالُهُ وَبَقِيَ مُدَّةً، وَقَدْ لَزِمَهُ، فَإِنْ مَاتَ حُجَّ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ وُجُوبُهُ وَلَا قُدِّرَ فِيهِ الرُّجُوعُ

стр. 159

(فَوَجْهَانِ) ، وَلَوْ أَعْتَقَ شِرْكًا فَلَا (يُقَوَّمُ فِي الْحَالِ) ، وَهَلْ يُقَوَّمُ إذَا رَجَعَ مَالُهُ؟ وَجْهَانِ: كُلُّهُ مِنْ (الِاسْتِذْكَارِ) لِلدَّارِمِيِّ. وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ، ثُمَّ نَزَعَهُ وَهُوَ بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ، فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ غَسْلُ قَدَمَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ فَاتَتْ (الْمُوَالَاةُ) ، وَلَوْ ضَلَّتْ الشَّاةُ الْمَنْذُورَةُ بِتَقْصِيرِهِ، وَلَمْ يَجِدْهَا انْفَكَّتْ وَعَادَتْ إلَى مِلْكِهِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ التَّضْعِيفُ، وَإِنْ وَجَدَ الضَّالَّةَ بَعْدَ التَّعْيِينِ وَقَبْلَ الذَّبْحِ، فَالْأَصَحُّ يُضَحِّي بِالضَّالَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَالثَّانِي بِالْبَدَلِ، وَالثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ وَالرَّابِعُ يَجِبُ، ذَبْحُهُمَا لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِمَا. وَلَوْ أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ الدَّرَاهِمَ لِفَقْدِ الْإِبِلِ، ثُمَّ وُجِدَتْ قَالَ الرَّافِعِيُّ حِكَايَةً عَنْ الْأَصْحَابِ: لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّهُ يَرُدُّ الدَّرَاهِمَ وَيَرْجِعُ إلَى الْإِبِلِ بِخِلَافِ مَا إذَا غَرِمَ قِيمَةَ الْمِثْلِ ثُمَّ وَجَدَهُ فَفِي الرُّجُوعِ إلَى الْمِثْلِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ لَا. الرَّابِعُ: الْبَدَلُ مَعَ مُبْدَلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

стр. 160

تَارَةً يَتَعَيَّنُ الِابْتِدَاءُ بِالْمُبْدَلِ، وَتَارَةً يَتَعَيَّنُ الِابْتِدَاءُ بِالْبَدَلِ، وَتَارَةً يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَتَارَةً يَتَخَيَّرُ، فَمِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْغَالِبُ (التَّيَمُّمُ) مَعَ الْوُضُوءِ وَإِبْدَالُ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ مَعَ (الْجُبْرَانِ) ، وَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ وَقِيلَ: لَيْسَ كُلُّ خَصْلَةٍ بَدَلًا عَمَّا قَبْلَهَا بَلْ هِيَ خِصَالٌ مُسْتَقِلَّاتٌ. وَمِنْ الثَّانِي: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إذْ قِيلَ: إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَمِنْ الثَّالِثِ: وَاجِدُ بَعْضِ الْمَاءِ أَوْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ لِأَجْلِ الْجِرَاحَةِ مَعَ التَّيَمُّمِ، إذَا قِيلَ بِأَنَّ الْأَعْضَاءَ فِي طَهَارَتِهِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَعَدَّ مِنْهُ الْإِطْعَامَ مَعَ الصَّوْمِ فِيمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِطْعَامَ جُبْرَانٌ لِلتَّأْخِيرِ لَا بَدَلٌ عَنْ الصَّوْمِ. وَمِنْ الرَّابِعِ مَسْحُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ، إذَا قُلْنَا: إنَّ الشَّعْرَ بَدَلٌ عَنْ الْبَشَرَةِ حَتَّى لَوْ مَسَحَ عَلَى الشَّعْرِ ثُمَّ حَلَقَهُ اسْتَأْنَفَ الْمَسْحَ عَلَى الْبَشَرَةِ كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ ظَهَرَتْ الرِّجْلُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَصْلٌ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ مَسْحَ الْخُفِّ مَعَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَصْلٌ، وَإِنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ كَمَا قَالَهُ

стр. 161

الرَّافِعِيُّ وَتَابَعَهُ (الْحَاوِي الصَّغِيرُ) ، وَمِثْلُهُ الْأَحْجَارُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَلَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الْمَاءِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا. (الْخَامِسُ) : مَا عُلِّقَ جَوَازُ الْبَدَلِ فِيهِ عَلَى فِقْدَانِ الْمُبْدَلِ عِنْدَ الْإِيجَابِ، فَإِذَا فُقِدَا مَعًا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْبَدَلِ كَمَا لَوْ وَجَدَ، أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْبَدَلُ صَارَ وَاجِدًا لَهُ دُونَ الْمُبْدَلِ، فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ عَدَلَ إلَى ابْنِ لَبُونٍ، فَإِنْ فُقِدَا مَعًا فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا شَاءَ، وَالْحَانِي يَتَعَيَّنُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَمِنْهَا: الْحَقُّ هَلْ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ بَدَلًا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ، إذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ أَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهَا فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَمِنْهَا: مَنْ مَلَكَ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ، وَعِنْدَهُ الْحِقَاقُ وَبَنَاتُ لَبُونٍ، وَقُلْنَا بِالْجَدِيدِ: إنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ الْأَغْبَطِ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَوْ كَانَا مَفْقُودَيْنِ عِنْدَهُ، فَهَلْ يَجِبُ شِرَاءُ الْأَغْبَطِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. (السَّادِسُ) : قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ: الْأَبْدَالُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ فِي وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ مُبْدَلَاتِهَا فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، فَإِنَّ الْأَجْرَ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ، وَلَيْسَ الصَّوْمُ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْإِعْتَاقِ، وَلَا الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ التَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ إذْ لَوْ تَسَاوَتْ الْأَبْدَالُ وَالْمُبْدَلَاتُ لَمَا شُرِطَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ فَقْدُ الْمُبْدَلِ انْتَهَى.

стр. 162

وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ: (مِنْهَا) الْجُمُعَةُ بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ مَعَ أَنَّ حُكْمَهَا عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ، فَإِنَّهُ هُنَا أَعَنَى فِي الْجُمُعَةِ لَا يُعْدَلُ إلَى الْمُبْدَلِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْبَدَلِ فَمِنْ لَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ هَا هُنَا أَفْضَلَ مِنْ الْمُبْدَلِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْدَلُ عَنْ شَرْعِيَّةِ الشَّيْءِ إلَى آخَرَ لِأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى مَا إذَا كَانَ سَبَبُ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مُتَّحِدًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ، أَوْ عَلَى الْغَالِبِ، أَوْ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَدَلُ أَخَصَّ مِنْ الْمُبْدَلِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، قِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْوُضُوءِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا الْغَسْلُ وَإِمَّا الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا. (ضَابِطٌ) : الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِ الْأَصْلِ إنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْمُسْتَعْمَلِ سَقَطَ حُكْمُ الْمَوْجُودِ مِنْهُ كَوِجْدَانِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ فِي نَفْسِ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ الْمَقْدُورِ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ جَرِيحًا، وَكَانَ

стр. 163

يُكَفِّرُ الْمُبَعَّضَ بِالْمَالِ ذَكَرَهُ (الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ) . تَنْبِيهٌ: كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ لَهَا بَدَلًا فَيُتَسَامَحُ فِيهَا بِالْمَسْكَنِ وَالْعَبْدِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ قَالَ (ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ) ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لَيْسَ بِالْمَتِينِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَبْدَالِ وَتَجْوِيزَ الْعُدُولِ إلَيْهَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأُصُولِ، وَالشَّأْنُ فِي تَعَذُّرِ الْأُصُولِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ حَتَّى تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ، وَمُجَرَّدُ كَوْنِ الشَّيْءِ لَهُ بَدَلٌ لَا يَقْتَضِي الْمُسَامَحَةَ بِأَصْلِهِ إلَّا عَلَى مُلَاحَظَةِ قَاعِدَةِ (الِاسْتِحْسَانِ) الضَّعِيفَةِ. [الْبَعْضُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ هَلْ يَجِبُ] ُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) مَا يَجِبُ قَطْعًا كَمَا إذَا قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ لَزِمَهُ قَطْعًا وَهَلْ يُضِيفُ

стр. 164

إلَيْهَا مِنْ الذِّكْرِ مَا يُتِمُّ بِهِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ، أَوْ يُكَرِّرُهَا سَبْعًا؟ قَوْلَانِ وَلَمْ يَحْكُوا قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا كَمَا فِي بَعْضِ الْمَاءِ وَنَظَائِرِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كُلُّ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ تَجِبُ قِرَاءَتُهَا بِنَفْسِهَا، فَلَا يَأْتِي بِبَدَلِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَسْتُرُ بِهِ الْعَوْرَةَ لَزِمَهُ قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ غَسْلُ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِفَوَاتِهَا، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ الْقِيَامِ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ الِانْحِنَاءِ لَزِمَهُ الْقِيَامُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (﵀) وَكَمَنْ انْتَهَى فِي التَّكْفِيرِ إلَى الْإِطْعَامِ فَقَدَرَ عَلَى إطْعَامِ ثَلَاثِينَ، فَيَتَعَيَّنُ إطْعَامُهُمْ قَطْعًا، وَكَمَا إذَا كَانَ مُحْدِثًا، وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ إلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا بَدَلٌ، وَلِلطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ بَدَلٌ وَخَصَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا قَالَ: وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَغَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ أَوْلَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ غَسَلَ النَّجَاسَةَ أَوْ تَوَضَّأَ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ النَّجَاسَةِ أَشَدُّ مُنَافَاةً مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مِنْ الطَّعَامِ مَا يَسُدُّ بِهِ بَعْضَ رَمَقِهِ لَزِمَهُ تَنَاوُلُهُ وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الْمَيْتَةِ، وَالْمُحْرِمُ إذَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ طِيبٌ، وَهُوَ مُحْدِثٌ وَمَعَهُ مَا يَكْفِي لِغُسْلِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ بِهِ وَغَسْلُ

стр. 165

الطِّيبِ بِهِ فَعَلَ، وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ الطِّيبِ بِهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ لَهَا بَدَلٌ، بِخِلَافِ الطِّيبِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَطِيبٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَلَمْ يَجِدْ، إلَّا مَا يَغْسِلُ بِهِ أَحَدَهُمَا غَسَلَ النَّجَاسَةَ لِغِلَظِهَا. الثَّانِي: مَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ هَذَا، إذَا قَدَرَ عَلَى الْبَدَلِ وَهُوَ التُّرَابُ، فَإِنْ فَقَدَهُ اسْتَعْمَلَ الْمَيْسُورَ قَطْعًا لِعَدَمِ الْبَدَلِ، وَقِيلَ يَطَّرِدُ الْقَوْلَانِ، وَلَوْ كَانَ بِجَسَدِهِ جِرَاحَاتٌ تَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيعَابِ الْمَاءِ فَالْمَذْهَبُ غَسْلُ الصَّحِيحِ، وَالتَّيَمُّمُ عَنْ الْجَرِيحِ. (وَالثَّانِي) عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ غَسْلُ وَجْهِهِ، فَإِنَّ فِي وُجُوبِ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ رَأْسِهِ وَرَقَبَتِهِ وَهُوَ مَا كَانَ يَغْسِلُهُ مَعَ وَجْهِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ غَسْلَ ذَلِكَ مَعَ الْوَجْهِ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، أَوْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ فِي (الِاسْتِذْكَارِ) ، (وَمِثْلُهُ) مَا لَوْ قُطِعَ مِنْ الْمِرْفَقِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِ الْعَظْمِ الْعَضُدِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَاتٌ، وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بَعْضَهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ. وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ الصَّاعِ مِنْ الْفِطْرَةِ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ مَلَكَ مِائَةً نَقْدًا وَمِائَةً

стр. 166

مُؤَجَّلَةً عَلَى مَلِيءٍ، وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ إخْرَاجُ الْجَمِيعِ فِي الْحَالِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ حِصَّةِ النَّقْدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا لِنُقْصَانِ هَذَا الْقَدْرِ عَنْ النِّصَابِ، وَأَصَحُّهُمَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ. وَلَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِبَعْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْرِي إلَى الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ مُوسِرٌ بِهِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الِاسْتِقْلَالُ وَثُبُوتُ أَحْكَامِ الْأَحْرَارِ، وَلَوْ مَاتَ فِي بِئْرٍ أَوْ مَعْدِنٍ انْهَدَمَ عَلَيْهِ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ حَكَاهُ الشَّيْخُ (أَبُو مُحَمَّدٍ) فِي الْفُرُوقِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمُسَاعِدَةُ النَّوَوِيِّ لَهُ وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ السُّتْرَةَ صَلَّى قَائِمًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَإِنَّ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لَا يَتِمُّ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ: قَالَ الْإِمَامُ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْعُرْيَ، إذَا عَمَّ فِي قَوْمٍ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ، بِأَنَّهُمْ يُتِمُّونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَإِنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِهِمْ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ عُرَاةً، فَيُصَلُّونَ كَذَلِكَ، وَلَا يَقْضُونَ قَطْعًا. الثَّالِثُ: مَا لَا يَجِبُ قَطْعًا، كَمَا إذَا وَجَدَ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ بَعْضَ الرَّقَبَةِ، لَا يَجِبُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصْدُهُ تَكْمِيلَ الْعِتْقِ مَا أَمْكَنَ؛ وَلِهَذَا شُرِعَتْ السِّرَايَةُ،

стр. 167

وَيَنْتَقِلُ لِلْبَدَلِ؛ وَلِأَنَّ إيجَابَ بَعْضِ الرَّقَبَةِ مَعَ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَصِيَامُ شَهْرٍ مَعَ عِتْقِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِيهِ تَبْعِيضُ الْكَفَّارَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ وَجَدَ بَعْضَ رَقَبَةٍ بَاقِيهَا حُرًّا، يَجِبُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ شِقْصًا؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمِنْهُ: إذَا أَوْصَى أَنْ يَشْتَرُوا بِثُلُثِهِ رَقَبَةً وَيُعْتِقُونَهَا، فَلَمْ تُوجَدْ كَامِلَةً، فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي شِقْصًا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ قَطْعًا وَمِنْهَا: الشَّفِيعُ، إذَا وَجَدَ بَعْضَ ثَمَنِ الشِّقْصِ لَا يَأْخُذُ قِسْطَهُ مِنْ الْمُثَمَّنِ وَكَصَوْمِ بَعْضِ الْيَوْمِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهِ. الرَّابِعُ: مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُحْدِثُ الْفَاقِدُ لِلْمَاءِ ثَلْجًا، أَوْ بَرَدًا وَتَعَذَّرَتْ إذَابَتُهُ، فَلَا يَجِبُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ هَذَا فِي الرَّأْسِ قَبْلَ التَّيْمِيمِ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ تَيَمَّمَ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلرِّجْلَيْنِ، وَمِنْهَا الْوَاجِبُ فِي السُّجُودِ التَّنْكِيسُ، فَلَوْ تَعَذَّرَ لِمَرَضٍ وَغَيْرِهِ فَهَلْ يَجِبُ وَضْعُ وِسَادَةٍ لِيَضَعَ الْجَبْهَةَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ؛

стр. 168

لِأَنَّ السَّاجِدَ يَلْزَمُهُ هَيْئَةُ التَّنْكِيسِ، وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَتَى بِالثَّانِي مُحَافَظَةً عَلَى الْوَاجِبِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ السُّجُودِ فَاتَتْ، وَمِنْهَا لَوْ كَانَ عُرْيَانًا وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْتَتِرَ فِي الْمَاءِ وَيَسْجُدَ عَلَى الشَّطِّ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ: لَكِنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى (التَّطْيِينِ) لَزِمَهُ. (وَمِنْهَا) الْأَخْرَسُ يَقِفُ فِي الصَّلَاةِ سَاكِتًا، وَقِيلَ: يُحَرِّكُ لِسَانَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ وَحُكِيَ عَنْ النَّصِّ وَبِهِ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ: يُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَتَضَمَّنُ نُطْقًا وَتَحْرِيكَ اللِّسَانِ، فَلَا يَسْقُطُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ ضَابِطًا لِبَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ، فَقَالَ: كُلُّ أَصْلٍ ذِي بَدَلٍ فَالْقُدْرَةُ عَلَى بَعْضِ الْأَصْلِ، لَا حُكْمَ لَهَا وَسَبِيلُ الْقَادِرِ عَلَى الْبَعْضِ كَسَبِيلِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكُلِّ، إلَّا فِي الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ، أَوْ الْقَادِرِ عَلَى إطْعَامِ بَعْضِ الْمَسَاكِينِ إذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الْإِطْعَامِ، وَإِنْ كَانَ لَا بَدَلَ لَهُ كَالْفِطْرَةِ لَزِمَهُ الْمَيْسُورُ مِنْهُمَا وَكَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، إذَا وَجَدَ بَعْضَ السَّاتِرِ يَجِبُ الْمَقْدُورُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إذَا انْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ بِانْتِقَاضِ بَعْضِ الْمَحَلِّ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالْإِتْيَانِ بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ يَعْنِي، كَمَا لَوْ قَطَعَ بَعْضَ يَدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْبَاقِي، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافًا بَعِيدًا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ التَّرَدُّدِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَعْنِي مِنْ الْفِطْرَةِ.

стр. 169

قُلْت: وَيُرَدُّ عَلَى الْحَصْرِ فِيمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ صُورَةِ الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ، مَا سَبَقَ مِنْ الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ يَجِبُ، وَإِنْ كَانَ لَهَا بَدَلٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ أَنْ يُقَالَ، إنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ مَقْصُودًا مِنْ الْعِبَادَةِ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لَمْ يَجِبْ قَطْعًا كَإِمْرَارِ مُوسَى عَلَى الرَّأْسِ فِي الْحَلْقِ وَالْخِتَانِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ لِقَصْدِ الْحَلْقِ وَالْقَطْعِ، وَقَدْ سَقَطَ الْمَقْصُودُ فَسَقَطَ الْوَسِيلَةُ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِي تَحْرِيكِ اللِّسَانِ مِنْ الْأَخْرَسِ، وَنَظَائِرُهُ لِلْخِلَافِ فِي أَنَّهُ وَجَبَ وُجُوبُ الْمَقَاصِدِ، أَوْ الْوَسَائِلِ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ وَجَبَ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ اسْمُ الْمَأْمُورِ بِهِ يَصْدُقُ عَلَى بَعْضِهِ وَجَبَ أَيْضًا كَالْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْدُقُ لَمْ يَجِبْ كَبَعْضِ الرَّقَبَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى رَقَبَةً وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي وَلَا يُخَافُ فَوَاتُهُ لَمْ يَجِبْ كَالْكَفَّارَةِ، وَإِلَّا وَجَبَ.

стр. 170

[حَرْفُ التَّاءِ] [ التَّابِعُ لَا يُفْرَدُ] التَّابِعُ لَا يُفْرَدُ مِنْ فُرُوعِهِ: إنَّ مَنْ أَحْيَا شَيْئًا لَهُ حَرِيمُ مِلْكِ الْحَرِيمِ عَلَى الْأَصَحِّ تَبَعًا، كَمَا يَمْلِكُ عَرْصَةَ الدَّارِ بِبِنَاءِ الدَّارِ فَلَوْ بَاعَ حَرِيمَ مِلْكِهِ دُونَ الْمِلْكِ لَمْ يَصِحَّ قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِرْبَ الْمَاءِ وَحْدَهُ، وَمِنْهُ: يَدْخُلُ الْحَمْلُ فِي بَيْعِ الْأُمِّ، وَلَوْ بَاعَ الْحَمْلَ لَمْ يَصِحَّ. نَعَمْ لَوْ أَعْتَقَهُ صَحَّ وَلَمْ تَعْتِقْ الْأُمُّ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتْبَعُهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَمِنْهُ: الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ فِي الطَّعَامِ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مَعَهُ تَبَعًا لَا مُنْفَرِدًا فِي الْأَصَحِّ: وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهُدْنَةِ عَنْ ابْنِ كَجٍّ: إنَّهُ لَوْ نَقَضَ السُّوقَةُ الْعَهْدَ وَلَمْ يَعْلَمْ الرَّئِيسُ وَالْأَشْرَافُ، فَفِي انْتِقَاضِ الْعَهْدِ فِي حَقِّ السُّوقَةِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِعَهْدِهِمْ.

стр. 171

[التَّابِعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ] ِ كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ أَيَّامِ الْجُنُونِ لَا يُسْتَحَبُّ (لَهُ قَضَاءُ رَوَاتِبِهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ وَكَذَلِكَ) مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَلَا يَتَحَلَّلُ بِالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ الْوُقُوفِ، وَقَدْ سَقَطَ فَيَسْقُطُ التَّابِعُ، أَمَّا إذَا كَانَ التَّابِعُ مَقْصُودًا لَمْ يَسْقُطْ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ كَغَسْلِ الْعَضُدِ يُشْرَعُ مَعَ قَطْعِ الْيَدِ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ، لِأَنَّ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ بَدَأَ بِهِ قَبْلَ غَسْلِ الْمِرْفَقِ وَالسَّاعِدِ جَازَ قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَيَنْبَغِي مَجِيءُ خِلَافٍ فِيهِ فَكَمَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ أَنَّهُ هَلْ وَجَبَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ مَا يُغْسَلُ مِنْ الرَّأْسِ، لِأَجْلِ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ، إذَا سَقَطَ غَسْلُ الْوَجْهِ لِعِلَّةٍ أَوْ عُذْرٍ وَلَعَلَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ تَبَعًا، فَإِنْ قُلْنَا: وَجَبَ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَسْقُطْ، كَمَا فِي الْعَضُدِ، وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: فِيمَا قَالَهُ الْإِمَامُ نَظَرٌ، فَإِنَّ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ مُسْتَحَبٌّ وَالتَّحْجِيلُ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يَبْعُدُ إذَا كَانَ الْإِمْسَاسُ مُسْتَحَبًّا لِلتَّحْجِيلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا مُسْتَحَبًّا فِي الْوَجْهِ لِأَجْلِ الْغُرَّةِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الِاسْتِحْبَابَ فِي الْعَضُدِ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ مُتَغَايِرٌ. وَهُوَ اسْتِحْبَابُ الْعَضُدِ وَوُجُوبُ الْغَسْلِ فِي السَّاعِدِ، بِخِلَافِ تَطْوِيلِ الْغُرَّةِ، فَإِنَّهُ تَابِعٌ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْكُلُّ وَاجِبًا أَيْ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ،

стр. 172

وَإِذَا سَقَطَ الْمَتْبُوعُ سَقَطَ التَّابِعُ وَأَيْضًا، فَإِنَّ فَرْضَ هَذَا الْعُضْوِ أَعْنِي الرَّأْسَ، وَهُوَ الْمَسْحُ، بَاقٍ عِنْدَ تَعَذُّرِ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ، فَلَا يَفُوتُ شَيْءٌ. بِخِلَافِهِ ثُمَّ، فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ بِاسْتِحْبَابِ غَسْلِ الْعَضُدِ لَفَاتَتْ سُنَّةُ التَّحْجِيلِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا إلَى بَدَلٍ، وَمِنْهَا: إذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ، لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ فِي الْأَصَحِّ، وَمِنْهَا: نَصَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيِّ (﵁) عَلَى أَنَّ الْفَارِسَ، إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَرْبِ سَقَطَ سَهْمُهُ. وَلَوْ مَاتَ الْفَرَسُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَرَسِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَارِسَ مَتْبُوعٌ، فَإِذَا فَاتَ فَاتَ الْأَصْلُ، وَالْفَرَسُ تَابِعٌ، فَإِذَا مَاتَ جَازَ أَنْ يَقَعَ سَهْمُهُ لِلْمَتْبُوعِ، وَإِذَا مَاتَ الْغَازِي صُرِفَ لِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْجِهَادِ وَفِي قَوْلٍ لَا، لِأَنَّ تَبَعِيَّتَهُمْ زَالَتْ بِمَوْتِ الْمَتْبُوعِ. [التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ] ِ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْبَيَاضِ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ جَائِزَةٌ تَبَعًا لَهَا بِشُرُوطٍ: مِنْهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ، فَلَوْ قَدَّمَ الْمُزَارَعَةَ، فَقَالَ: زَارَعْتُكَ عَلَى الْبَيَاضِ وَسَاقَيْتُك عَلَى النَّخِيلِ عَلَى كَذَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ،

стр. 173

كَمَا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ، فَقَدَّمَ لَفْظَ الرَّهْنِ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ. [التَّابِعُ هَلْ يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ] ٌ، لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ وَحْدَهَا، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فَإِنْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْكُوعِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ الدِّيَةِ، وَيُجْعَلُ الْكَفُّ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ، وَإِنْ قَطَعَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ تَبَعًا، بَلْ يَلْزَمُهُ لِلزِّيَادَةِ حُكُومَةٌ عَلَى قَدْرِهَا؛ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ، كَذَا عَلَّلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْمَاسَرْجِسِيِّ، وَمِنْهَا: إذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ فِي الْوُضُوءِ، فَعَنْ الرُّويَانِيِّ يَمْسَحُهُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمَيْلُ الْأَكْثَرِينَ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُهُ بِالْبَلَلِ الْبَاقِي، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَسْعُودِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْقَفَا فِي الْمَسْحِ، وَالْقَفَا تَابِعٌ لِلرَّأْسِ، لِتَطْوِيلِ الْغُرَّةِ. وَمِنْهَا: هَلْ يُسَنُّ تَكْبِيرُ الْعِيدِ خَلْفَ النَّوَافِلِ، فِيهِ خِلَافٌ قَالَ فِي

стр. 174

الْبَيَانِ: وَالْأَصَحُّ لَا يُسَنُّ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَابِعٌ لِلْفَرَائِضِ، وَالتَّابِعُ لَا يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ، وَمِنْهَا: يُقَالُ أَيْضًا: لَيْسَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ سُنَّةٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَالنَّافِلَةُ لَا أَتْبَاعَ لَهَا، وَمِنْهَا: لَوْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ، فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُمْ، إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ، كَمَا فِي أَهْلِ الْكَمَالِ مَعَ الْإِمَامِ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِمْ التَّقَدُّمُ فِي الْأَفْعَالِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، بَلْ الْقَصْدُ الِانْعِقَادُ فِي الِابْتِدَاءِ خَاصَّةً وَلِهَذَا لَوْ خَطَبَ بِأَرْبَعِينَ وَأَحْرَمَ بِهِمْ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ أَرْبَعُونَ، وَأَحْرَمُوا مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ انْفَضَّ السَّابِقُونَ جَمِيعُهُمْ، وَبَقِيَ الْأَرْبَعُونَ اللَّاحِقُونَ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ بِهِمْ، وَلَوْ لُوحِظَ مَا ذَكَرَهُ لَبَطَلَتْ الْجُمُعَةُ، وَمِنْهَا: لَوْ تَبَاعَدَ الْمَأْمُومُ عَنْ (الْإِمَامِ) أَبْعَدَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَخْصٌ يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّصَالُ صَحَّ بِشَرْطِ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا. [التَّبَعِيَّةُ ضَرْبَانِ] ِ: أَحَدُهُمَا: مَعَ الِاتِّصَالِ بِالْمَتْبُوعِ فَيَلْتَحِقُ بِهِ لِتَعَذُّرِ انْفِرَادِهِ عَنْهُ كَذَكَاةِ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِذَبْحِ الْأُمِّ حِلَّ الْجَنِينِ بِشَرْطِهِ، وَكَذَلِكَ تَبَعِيَّةُ الْحَمْلِ فِي الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَتَبَعِيَّةُ الْمُغْرِسِ لِلْأَشْجَارِ وَالْأُسِّ لِلدَّارِ قَالَ الْإِمَامُ وَيَدْخُلُ الْحَمْلُ

стр. 175

وَالثَّمَرَةُ فِي كُلِّ عَقْدٍ اخْتِيَارِيٍّ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ، وَأَمَّا الْقَهْرِيَّةُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَفِي الْفَلْسِ إلَى بَيْعِ الرَّهْنِ قَهْرًا فَلَا يَدْخُلَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ عُقُودَ الِاخْتِيَارِ مَصُونَةٌ عَنْ الْغَرَرِ بِخِلَافِ التَّصَرُّفِ الْقَهْرِيِّ، وَلَمَّا نُقِصَتْ الْهِبَةُ عَنْ تَعَبُّدَاتِ الْبَيْعِ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَدِيدِ، فَقَالَ لَا يَدْخُلَانِ فِيهَا وَأَلْحَقَهَا فِي الْقَدِيمِ بِالْبَيْعِ، وَالثَّانِي: بَعْدَ الِانْفِصَالِ كَالصَّبِيِّ إذَا أُسِرَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُهُمَا فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَا مَعْدُومَيْنِ تَبِعَ السَّابِيَ قَطْعًا، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُسْلِمِ يَتْبَعُهُ، إذَا كَانَتْ أُمُّهُ كَافِرَةً، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الذِّمِّيِّ يَتْبَعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَالِغًا؛ وَلِهَذَا لَوْ بَلَغَ جُعِلَتْ جِزْيَتُهُ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ عَلَى وَجْهٍ تَبَعًا وَمِمَّا يَثْبُتُ تَبَعًا لَا ابْتِدَاءً، إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ فَفِي الْإِفْطَارِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ ابْتِدَاءً فِي هِلَالِ شَوَّالٍ لَمَا كَفَى، وَأَصَحُّهُمَا ثُبُوتُهُ ضِمْنًا كَشَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الْوِلَادَةِ ثَبَتَتْ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا، وَلَوْ شَهِدَتْ بِهِ ابْتِدَاءً لَمْ يُسْمَعْ.

стр. 176

[التَّبْعِيضُ وَالتَّجْزِئَة إذَا لَمْ يُمْكِنْ كَالثَّلَاثَةِ] ِ نُصِّفَتْ عَلَى مَا يُمْكِنُ مَعَ الِاحْتِيَاطِ وَهُوَ اثْنَانِ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ لِلْعَبْدِ جُعِلَ لَهُ طَلْقَتَانِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ، وَكَذَلِكَ الْأَقْرَاءُ فِي الْأَمَةِ قُرْءَانِ وَكَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الثَّلَاثَةُ فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ وَهُوَ الْحَلْقُ وَالرَّمْيُ وَالطَّوَافُ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ مِنْهَا. [التَّأْقِيتُ] ُ كُلُّ عَقْدٍ كَانَتْ الْمُدَّةُ رُكْنًا فِيهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَقَّتًا كَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهُدْنَةِ، فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الْعَيْنِيَّةُ فَأَمَّا الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهَا تَارَةً تَقُومُ بِالزَّمَانِ وَتَارَةً بِالْعَمَلِ، وَقَدْ يَعْرِضُ التَّأْقِيتُ حَيْثُ لَا يُنَافِيهِ كَالْقَارِضِ يَذْكُرُ فِيهِ مُدَّةً يَمْتَنِعُ مِنْ الشِّرَاءِ بَعْدَهَا فَقَطْ، وَكَالْإِذْنِ الْمُقَيَّدِ بِالزَّمَانِ فِي أَبْوَابِهِ خَاصَّةً كَالْوِصَايَةِ، وَمِمَّا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ وَالنَّذْرُ وَالْيَمِينُ وَنَحْوُهَا، وَمِمَّا لَا يَقْبَلُهُ الْحُرِّيَّةُ لَا تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً عَلَى الْمَذْهَبِ.

стр. 177

[التَّتَابُعُ] ُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ التَّتَابُعَ لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ قَطْعًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَةِ، وَمَا أَوْجَبَ فِيهِ التَّفْرِيقَ كَصَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ هَلْ يَجُوزُ تَتَابُعُهُ؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَإِنَّمَا جَرَى هُنَا خِلَافٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَبُّدِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلرُّخْصَةِ وَالتَّيْسِيرِ، فَإِنَّ التَّوَالِيَ تَغْلِبُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَالصَّحِيحُ تَغْلِيبُ التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالتَّفْرِيقِ شَرْطًا كَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالتَّتَابُعِ. [تَحَمُّلُ الْمُؤْنَةِ بِمَالِ الْغَيْرِ] ِ ضَرْبَانِ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ فِي أَدَاءِ وَاجِبٍ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخِفُّ حَمْلُهُ لَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ وَهَبَ لِلْمُسَافِرِ الْمَاءَ فَيَجِبُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِنْ ثَقُلَتْ لَمْ يَجِبْ وَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بَدَلٌ كَهِبَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ لَا بَدَلَ لَهُ كَالْعَارِي يُوهِبُ الثَّوْبَ، فَلَا (يَلْزَمُهُ) قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ وَيُصَلِّي فِيهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ قَهْرًا وَقِيلَ لَا يَرُدُّهُ، (وَمِنْهُ) : لَوْ وَهَبَ لَهُ رَاحِلَةً لِيَحُجَّ عَلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا لِلْمَانَّةِ

стр. 178

وَمِنْهُ) إذَا بَذَلَ لِلْمَعْضُوبِ مَالًا لِيَحُجَّ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِقَطْعِ الْمَانَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَاذِلُ أَجْنَبِيًّا أَوْ بَعْضَهُ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَذَلَا الطَّاعَةَ فَيَلْزَمُ الْقَبُولُ فِي الْوَلَدِ قَطْعًا، وَكَذَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ (الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ فَيَسْتَحِقُّهَا، وَالضَّابِطُ فِيهِ: إنْ كَانَ أَثَرًا مَحْضًا كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَوَهَبَ مِنْهُ الْقِصَارَةَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ قَطْعًا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي (الْمَجْمُوعِ) وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَقَسَمَهَا الْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُمْ فِي بَابِ الْغَصْبِ إلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: (أَحَدُهَا) : أَنْ يَهَبَ لَهُ عَيْنًا مُتَمَيِّزَةً مِنْ مَالِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا بِلَا خِلَافٍ قُلْت: إلَّا إذَا وَهَبَ لِفَاقِدِ الْمَاءِ مَاءً أَوْ أَعَارَ دَلْوًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ بَاعَ مُصَرَّاةً فَاطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْحَلْبِ، وَاللَّبَنُ بَاقٍ لَمْ يُكَلَّفْ رَدُّهُ مَعَ الْمُصَرَّاةِ؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ مِلْكٌ لَهُ وَقَدْ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الْمَبِيعِ حَالَ الْعَقْدِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَكَانَ كَالتَّالِفِ، فَلَوْ أَرَادَ رَدَّهُ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَخْذِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ

стр. 179

لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ بَدَلِهِ، وَأَصَحُّهُمَا ": لَا؛ لِذَهَابِ طَرَاوَتِهِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ وَحَمُضَ لَمْ يُكَلَّفْ أَخْذُهُ وَلَوْ تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِقَضَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ لَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكًا لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْهُ بِمِلْكِهِ، إلَّا أَنَّ تَمَلُّكَهُ لَمَّا كَانَ فِي ضِمْنِ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ. (الثَّانِي) : أَنْ يَهَبَ لَهُ مَنْفَعَةً مُتَّصِلَةً بِمَالِهِ كَمَا إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَسَمِنَ أَوْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ بِزِيَادَتِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ بِلَا خِلَافٍ. (قُلْت) : إلَّا إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَةُ نِصْفَ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ لِلزَّوْجِ فَفِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِلْمِنَّةِ. (الثَّالِثُ) : أَنْ يَهَبَهُ عَيْنًا مُتَّصِلَةً بِمَالِهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَوَهَبَهُ الصَّبْغَ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا ثُمَّ وَهَبَهُ الْغِرَاسَ فَفِي إجْبَارِهِ وَجْهَانِ وَكَمَا لَوْ غَصَبَ أَلْوَاحًا وَسَمَّرَهَا بِمَسَامِيرَ ثُمَّ رَدَّهَا وَتَرَكَ الْمَسَامِيرَ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ، وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ، وَلَوْ غَصَبَ دَابَّةً فَأَنْعَلَهَا وَلَا يُمْكِنُهُ قَلْعُهُ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُصُ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْأَرْضُ، فَلَوْ تَرَكَ النَّعْلَ لَهُ فَهَلْ يُجْبَرُ

стр. 180

عَلَى قَبُولِهِ وَجْهَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى دَابَّةً فَأَنْعَلَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ بِهَا لَوْ قَلَعَ النَّعْلَ لَنَقَصَتْ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ بِهِ، فَلَوْ تَرَكَ النَّعْلَ لَزِمَهُ الْقَبُولُ قَطْعًا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَلَيْسَ بِمُتَعَدٍّ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَةً يَغْلِبُ تَلَاحُقُهَا وَاخْتَلَطَتْ وَرَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِ حَقِّهِ وَقُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِالِاخْتِلَاطِ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الثَّمَرَةِ كُلِّهَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي (الْفُرُوقِ) ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَبْذُورَةً إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَدْخُلْ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ جَهِلَهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْبَائِعُ لَهُ سَقَطَ خِيَارُهُ وَعَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَلَوْ قَالَ خُذْهُ وَأَفْرِغْ الْأَرْضَ سَقَطَ خِيَارُهُ أَيْضًا إنْ أَمْكَنَ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا أَحْجَارٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ لَا فِي تَرْكِهَا يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهَا سَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي إبْقَاءً لِلْعَقْدِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ تَرَكْتهَا لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ مُجَرَّدُ إعْرَاضٍ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ (وَجْهَانِ:) كَالْوَجْهَيْنِ فِي تَرْكِ النَّعْلِ فِي الدَّابَّةِ الْمَرْدُودَةِ بِالْعَيْبِ أَحَدُهُمَا: تَمْلِيكٌ لِيَكُونَ سُقُوطُ الْخِيَارِ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكٍ حَاصِلٍ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ قَطْعٌ لِلْخُصُومَةِ لَا غَيْرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي يَوْمًا فَهِيَ لَهُ، وَلَوْ بَدَا لِلْبَائِعِ فِي تَرْكِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَعَلَى الثَّانِي فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَعُودُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ.
следующие страницы →