Полный текст (1 194 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
[التَّبْعِيضُ وَالتَّجْزِئَة إذَا لَمْ يُمْكِنْ كَالثَّلَاثَةِ]
ِ نُصِّفَتْ عَلَى مَا يُمْكِنُ مَعَ الِاحْتِيَاطِ وَهُوَ اثْنَانِ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ لِلْعَبْدِ جُعِلَ لَهُ طَلْقَتَانِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ، وَكَذَلِكَ الْأَقْرَاءُ فِي الْأَمَةِ قُرْءَانِ وَكَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الثَّلَاثَةُ فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ وَهُوَ الْحَلْقُ وَالرَّمْيُ وَالطَّوَافُ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ مِنْهَا.
[التَّأْقِيتُ]
ُ كُلُّ عَقْدٍ كَانَتْ الْمُدَّةُ رُكْنًا فِيهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَقَّتًا كَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهُدْنَةِ، فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الْعَيْنِيَّةُ فَأَمَّا الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهَا تَارَةً تَقُومُ بِالزَّمَانِ وَتَارَةً بِالْعَمَلِ، وَقَدْ يَعْرِضُ التَّأْقِيتُ حَيْثُ لَا يُنَافِيهِ كَالْقَارِضِ يَذْكُرُ فِيهِ مُدَّةً يَمْتَنِعُ مِنْ الشِّرَاءِ بَعْدَهَا فَقَطْ، وَكَالْإِذْنِ الْمُقَيَّدِ بِالزَّمَانِ فِي أَبْوَابِهِ خَاصَّةً كَالْوِصَايَةِ، وَمِمَّا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ وَالنَّذْرُ وَالْيَمِينُ وَنَحْوُهَا، وَمِمَّا لَا يَقْبَلُهُ الْحُرِّيَّةُ لَا تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً عَلَى الْمَذْهَبِ.
стр. 177
[التَّتَابُعُ]
ُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ التَّتَابُعَ لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ قَطْعًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَةِ، وَمَا أَوْجَبَ فِيهِ التَّفْرِيقَ كَصَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ هَلْ يَجُوزُ تَتَابُعُهُ؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَإِنَّمَا جَرَى هُنَا خِلَافٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَبُّدِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلرُّخْصَةِ وَالتَّيْسِيرِ، فَإِنَّ التَّوَالِيَ تَغْلِبُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَالصَّحِيحُ تَغْلِيبُ التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالتَّفْرِيقِ شَرْطًا كَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالتَّتَابُعِ.
[تَحَمُّلُ الْمُؤْنَةِ بِمَالِ الْغَيْرِ]
ِ ضَرْبَانِ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ فِي أَدَاءِ وَاجِبٍ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخِفُّ حَمْلُهُ لَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ وَهَبَ لِلْمُسَافِرِ الْمَاءَ فَيَجِبُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِنْ ثَقُلَتْ لَمْ يَجِبْ وَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بَدَلٌ كَهِبَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ لَا بَدَلَ لَهُ كَالْعَارِي يُوهِبُ الثَّوْبَ، فَلَا (يَلْزَمُهُ) قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ وَيُصَلِّي فِيهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ قَهْرًا وَقِيلَ لَا يَرُدُّهُ، (وَمِنْهُ) : لَوْ وَهَبَ لَهُ رَاحِلَةً لِيَحُجَّ عَلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا لِلْمَانَّةِ
стр. 178
وَمِنْهُ) إذَا بَذَلَ لِلْمَعْضُوبِ مَالًا لِيَحُجَّ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِقَطْعِ الْمَانَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَاذِلُ أَجْنَبِيًّا أَوْ بَعْضَهُ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَذَلَا الطَّاعَةَ فَيَلْزَمُ الْقَبُولُ فِي الْوَلَدِ قَطْعًا، وَكَذَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ (الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ فَيَسْتَحِقُّهَا، وَالضَّابِطُ فِيهِ: إنْ كَانَ أَثَرًا مَحْضًا كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَوَهَبَ مِنْهُ الْقِصَارَةَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ قَطْعًا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي (الْمَجْمُوعِ) وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَقَسَمَهَا الْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُمْ فِي بَابِ الْغَصْبِ إلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: (أَحَدُهَا) : أَنْ يَهَبَ لَهُ عَيْنًا مُتَمَيِّزَةً مِنْ مَالِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا بِلَا خِلَافٍ قُلْت: إلَّا إذَا وَهَبَ لِفَاقِدِ الْمَاءِ مَاءً أَوْ أَعَارَ دَلْوًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ بَاعَ مُصَرَّاةً فَاطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْحَلْبِ، وَاللَّبَنُ بَاقٍ لَمْ يُكَلَّفْ رَدُّهُ مَعَ الْمُصَرَّاةِ؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ مِلْكٌ لَهُ وَقَدْ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الْمَبِيعِ حَالَ الْعَقْدِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَكَانَ كَالتَّالِفِ، فَلَوْ أَرَادَ رَدَّهُ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَخْذِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ
стр. 179
لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ بَدَلِهِ، وَأَصَحُّهُمَا ": لَا؛ لِذَهَابِ طَرَاوَتِهِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ وَحَمُضَ لَمْ يُكَلَّفْ أَخْذُهُ وَلَوْ تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِقَضَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ لَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكًا لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْهُ بِمِلْكِهِ، إلَّا أَنَّ تَمَلُّكَهُ لَمَّا كَانَ فِي ضِمْنِ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ. (الثَّانِي) : أَنْ يَهَبَ لَهُ مَنْفَعَةً مُتَّصِلَةً بِمَالِهِ كَمَا إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَسَمِنَ أَوْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ بِزِيَادَتِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ بِلَا خِلَافٍ.
(قُلْت) : إلَّا إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَةُ نِصْفَ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ لِلزَّوْجِ فَفِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِلْمِنَّةِ. (الثَّالِثُ) : أَنْ يَهَبَهُ عَيْنًا مُتَّصِلَةً بِمَالِهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَوَهَبَهُ الصَّبْغَ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا ثُمَّ وَهَبَهُ الْغِرَاسَ فَفِي إجْبَارِهِ وَجْهَانِ وَكَمَا لَوْ غَصَبَ أَلْوَاحًا وَسَمَّرَهَا بِمَسَامِيرَ ثُمَّ رَدَّهَا وَتَرَكَ الْمَسَامِيرَ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ، وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ، وَلَوْ غَصَبَ دَابَّةً فَأَنْعَلَهَا وَلَا يُمْكِنُهُ قَلْعُهُ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُصُ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْأَرْضُ، فَلَوْ تَرَكَ النَّعْلَ لَهُ فَهَلْ يُجْبَرُ
стр. 180
عَلَى قَبُولِهِ وَجْهَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى دَابَّةً فَأَنْعَلَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ بِهَا لَوْ قَلَعَ النَّعْلَ لَنَقَصَتْ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ بِهِ، فَلَوْ تَرَكَ النَّعْلَ لَزِمَهُ الْقَبُولُ قَطْعًا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَلَيْسَ بِمُتَعَدٍّ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَةً يَغْلِبُ تَلَاحُقُهَا وَاخْتَلَطَتْ وَرَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِ حَقِّهِ وَقُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِالِاخْتِلَاطِ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الثَّمَرَةِ كُلِّهَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي (الْفُرُوقِ) ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَبْذُورَةً إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَدْخُلْ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ جَهِلَهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْبَائِعُ لَهُ سَقَطَ خِيَارُهُ وَعَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَلَوْ قَالَ خُذْهُ وَأَفْرِغْ الْأَرْضَ سَقَطَ خِيَارُهُ أَيْضًا إنْ أَمْكَنَ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا أَحْجَارٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ لَا فِي تَرْكِهَا يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهَا سَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي إبْقَاءً لِلْعَقْدِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ تَرَكْتهَا لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ مُجَرَّدُ إعْرَاضٍ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ (وَجْهَانِ:) كَالْوَجْهَيْنِ فِي تَرْكِ النَّعْلِ فِي الدَّابَّةِ الْمَرْدُودَةِ بِالْعَيْبِ أَحَدُهُمَا: تَمْلِيكٌ لِيَكُونَ سُقُوطُ الْخِيَارِ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكٍ حَاصِلٍ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ قَطْعٌ لِلْخُصُومَةِ لَا غَيْرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي يَوْمًا فَهِيَ لَهُ، وَلَوْ بَدَا لِلْبَائِعِ فِي تَرْكِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَعَلَى الثَّانِي فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَعُودُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ.
стр. 181
[التَّحَمُّلُ مَرَاتِبُ]
ُ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: (الْأُولَى) : وَهِيَ الْعُلْيَا تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ صَرْفًا إلَى الْغَارِمِ، وَهَذَا تَحَمُّلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَارِدٌ عَلَى وُجُوبِ الْمُسْتَقِرِّ. (الثَّانِيَةُ) : تَحَمُّلُ (الْعَاقِلَةِ) فِي الدِّيَةِ، وَهَلْ الْوُجُوبُ يُلَاقِي الْقَاتِلَ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ: (أَصَحُّهُمَا) نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ، وَالْمُتَحَمِّلُ مُخَفِّفٌ عَنْهُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَتْ الْعَاقِلَةُ غَرَّمْنَا الْقَاتِلَ الدِّيَةَ. قَالَ الْإِمَامُ: فَإِذَا قَطَعْتُمْ بِهَذَا فَأَيُّ أَثَرٍ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْوُجُوبُ لَا يُلَاقِيهِ؟ قِيلَ: أَثَرُهُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَوْ وُجِّهَ عَلَيْهِ مَعَ تَحَمُّلِ الْعَقْلِ لَغَا، وَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ مِمَّنْ الْقَاتِلُ وَارِثُهُ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَعَ الْعَاقِلَةِ كَالْبَعْضِ، مِنْهُمْ مَعَ الْقُرَبِ مَعَ إمْكَانِ
стр. 182
مُطَالَبَةِ الْقُرَبِ.
(الثَّالِثَةُ) : تَحَمُّلُ الزَّوْجِ عَنْ الزَّوْجَةِ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَالسَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ وَالْقَرِيبِ عَنْ قَرِيبِهِ، وَهَلْ هِيَ وَجَبَتْ عَلَى الزَّوْجِ ابْتِدَاءِ أَوْ عَلَيْهَا وَتَحَمَّلَهُ الزَّوْجُ؟ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَقِيلَ بِطَرْدِهِ فِي السَّيِّدِ وَالْقَرِيبِ، وَقِيلَ: بَلْ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً قَطْعًا؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا قُدْرَةَ لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ، وَالْقَرِيبُ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا قِيَمًا، وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّحَمُّلِ فَهَلْ هُوَ كَالْحَوَالَةِ أَوْ الضَّمَانِ؟ وَجْهَانِ. (الرَّابِعَةُ) : تَحَمُّلُ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ فِي كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ قَالَ الْإِمَامُ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَرَاتِبِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحَمُّلِ الْقُرَبِ وَإِيجَادِ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّا نُوجِبُهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فِي زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ وَقَرِيبِهِ.
[التَّحِيَّاتُ ثَمَانٍ]
ٍ (إحْدَاهَا) : تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ إلَّا فِي صُوَرٍ:
стр. 183
الْخَطِيبُ يَدْخُلُ لِلْخُطْبَةِ وَالدَّاخِلُ وَالنَّاسُ فِي مَكْتُوبَةٍ، أَوْ وَقَدْ شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ، أَوْ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالدَّاخِلُ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَالْإِمَامُ يُصَلِّي فِي نَافِلَةٍ جَمَاعَةً كَالْعِيدِ، فَفِي اسْتِحْبَابِ التَّحِيَّةِ وَجْهَانِ فِي الْفُرُوقِ لِابْنِ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيِّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ مَنْ دَخَلَ، وَالْإِمَامُ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ بِأَنَّ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ.
(الثَّانِيَةُ) : تَحِيَّةُ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ لَا الْمَسْجِدِ؛ وَلِهَذَا يَبْدَأُ إذَا دَخَلَهُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَإِنَّمَا لَمْ نَأْمُرْهُ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِلطَّوَافِ، وَذَلِكَ يُجْزِيهِ عَنْ التَّحِيَّةِ قِيلَ: وَلَوْ طَافَ وَصَلَّى ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَهَلْ يُسْتَحَبُّ رَكْعَتَانِ تَحِيَّةَ دُخُولِهَا؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ رُؤْيَتِهَا، فِيهِ نَظَرٌ. قُلْت: لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْوَاحِدِ، وَقَدْ صَلَّى عَنْ الْأَوَّلِ فَلَا يُصَلِّي لِلثَّانِي، وَقَوْلُهُ: الطَّوَافُ تَحِيَّةُ الرُّؤْيَةِ عَجِيبٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ.
(الثَّالِثَةُ) : تَحِيَّةُ الْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ.
стр. 184
الرَّابِعَةُ) تَحِيَّةُ مِنًى بِالرَّمْيِ. (الْخَامِسَةُ) : تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ. (السَّادِسَةُ) : يُنْدَبُ لِلْقَاضِي تَحِيَّةُ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِرَكْعَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ. (السَّابِعَةُ) : تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالْخُطْبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَتَكُونُ التَّحِيَّةُ هُنَا بِالْخُطْبَةِ كَمَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (بِالطَّوَافِ) . (الثَّامِنَةُ) : تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِ أَوَّلَ اللِّقَاءِ بِالسَّلَامِ عَلَيْكُمْ.
[التَّحْرِيمُ الْمُتَوَقَّعُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَالِ عَدَمُ الْحِلِّ]
ِّ كَمَا أَنَّ الْمُتَوَقَّعَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْحِلِّ فِي الْحَالِ " وَفُرُوعُهُ مُنْتَشِرَةٌ: مِنْهَا، مَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً، قَالَ: الْأَكْثَرُونَ، خِلَافًا (لِابْنِ الْحَدَّادِ)
стр. 185
يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا الْقَرِيبِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَعَ احْتِمَالِ الرِّقِّ فِي بَعْضِهَا حَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ كُلِّهَا، بِأَنْ يَحْدُثَ، دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ الصِّحَّةَ النَّاجِزَةَ لَا تُتْرَكُ فِي الْحَالِ لِمَا يُتَوَهَّمُ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتِقُ نَفْسُهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا جَازَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَابْنِ الْحَدَّادِ مِمَّنْ وَافَقَ هَا هُنَا، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يُخَالِفُ ذَلِكَ فِي النَّقْلِ عَنْهُ، وَمِنْهَا: لَوْ وَهَبَ الْمَرِيضُ أَمَةً حَلَّ لِلْمُتَّهَبِ وَطْؤُهَا، وَاحْتَجُّوا بِذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْحَدَّادِ، وَهُوَ يَقْتَضِي مُوَافَقَتَهُ هُنَا، لَكِنْ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ الْمَنْعُ عَلَى طَرِيقِ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي (شَرْحِ الْفُرُوعِ) جَازَ مَا بِالتَّحْرِيمِ، وَجَعَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ الْحَدَّادِ وَجْهَيْنِ، وَمِنْهَا يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورَيْنِ وَيَتَسَلَّطُ الزَّوْجُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ: لَوْ بَانَا فَاسِقَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَأَبْطَلَ النِّكَاحَ، وَمِنْهَا: لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ، وَخَافَتْ حَمْلًا، وَلَمْ تَتَيَقَّنْهُ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ فِي الْحَالِ، بَلْ هُوَ كَالَّتِي تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ارْتَابَتْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَصَلَتْ الرِّيبَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمِنْهَا: لَوْ أَسْلَمَ وَاحِدَةً مِنْ الْإِمَاءِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا لِلْبَقَاءِ دُونَ الْفَسْخِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ
стр. 186
وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ اخْتِيَارُهَا لِلْبَقَاءِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُعْتِقَ وَاحِدَةً مِنْ الْبَاقِيَاتِ، ثُمَّ تُسْلِمُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ نِكَاحُ الْأَمَةِ، أَوْ يَصِيرُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ وَأَسْلَمَتْ الْأَمَةُ وَتَخَلَّفَتْ الْحُرَّةُ أَيْ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ انْتَهَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ الْمُسْلِمَةِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا مَوْجُودَةٌ فِي زَوْجَةٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ بَيْنُونَتُهَا وَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَارَ أَمَةً؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَأَمَّا فِي الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ مَوْجُودَةً حَتَّى يَلْزَمَ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ، وَحَقُّهُ فِي الِاخْتِيَارِ لَازِمٌ، فَجَازَ أَنْ يَخْتَارَ لِلْبَقَاءِ وَلَا يَخْتَارُ هُنَا لِلْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَاتِ قَدْ لَا يُسْلِمْنَ، وَمِنْهَا لِلزَّوْجَةِ التَّصَرُّفُ فِي جَمِيعِ الصَّدَاقِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهَا عَلَيْهِ، إلَّا بِالدُّخُولِ، وَكَذَلِكَ لِلْمُؤَجِّرِ التَّصَرُّفُ فِي الْأُجْرَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهَا فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ وَمَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ مِمَّا يَقْتَضِي، خِلَافَهُ غَيْرُ مُسَاعِدٍ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ، خِلَافًا لِمَنْ اعْتَمَدَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ: إحْدَاهَا: لَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي عِدَّةٍ رَجْعِيَّةٍ تَحْتَ عَبْدٍ، فَإِنْ فَسَخَتْ
стр. 187
صَحَّ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَى بَيْنُونَةٍ، وَقِيلَ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّهَا.
الثَّانِيَةُ: الزَّوْجَةُ، إذَا ارْتَدَّتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، قَطَعُوا بِهِ، وَحَاوَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إثْبَاتَ خِلَافٍ فِيهِ، كَمَا سَبَقَ، وَحَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ وَتَخَلَّفَتْ زَوْجَتُهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا، وَقَدْ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ قَوْلَيْنِ - عِنْدَ الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَتِيقَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. لَكِنَّ التَّخْرِيجَ قَدْ يُمْنَعُ، وَالْفَرْقُ إنَّمَا جَاءَ الْخِلَافُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فِي صِحَّتِهَا خِلَافٌ، وَأَنَّ التَّقْرِيرَ بِمَنْزِلَةِ (ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ) صَحِيحٌ قَطْعًا، وَزَوَالُ الرِّدَّةِ لَيْسَ بِابْتِدَاءٍ قَطُّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ (يَجِئْ) الْخِلَافُ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ الْمَمْلُوكَةَ، أَوْ الْمُزَوَّجَةَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ أُخْتَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالضَّابِطُ (لِهَذِهِ) الصُّوَرِ أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ، إنْ كَانَ قَدْ بُنِيَ عَلَى أَمْرٍ ظَاهِرٍ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَا (تَوَقُّفَ) فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ، كَمَنْ اشْتَرَى أَمَةً بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ، فَلَهُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ ظُهُورُهَا مُسْتَحَقَّةً، أَوْ مَرْهُونَةً، وَمِثْلُهُ مَسْأَلَةُ الشُّهُودِ، وَمَسْأَلَةُ الْوَلِيِّ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ وِلَايَتِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُعَارِضْ الظَّاهِرَ (سَبَبٌ) أَقْوَى مِنْهُ، كَمَسْأَلَةِ الْحُرَّةِ (الْمُخْتَلِفَةِ) مَعَ إسْلَامِ (الْإِمَاءِ) ، وَإِنْ كَانَ الْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّاهِرِ لَمْ يُعَارِضْهُ سَبَبٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُتَوَقَّعُ بِحَالَةٍ قَائِمَةٍ هِيَ سَبَبٌ لِذَلِكَ (الْمُتَوَقَّعِ) جَرَى الْخِلَافُ وَقَوِيَ جَانِبُ مَنْ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُتَوَقَّعِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ الْعَتِيقَةِ فِي الْمَرَضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ ابْنِ الْحَدَّادِ وَالْجُمْهُورِ.
стр. 188
[التَّحْرِيمُ يَتَعَدَّدُ وَتَتَعَدَّدُ أَسْبَابُهُ]
ُ فَإِنَّ الزِّنَى مُحَرَّمٌ، فَلَوْ زَنَى بِأُمِّهِ كَانَ عِقَابُهُ أَعْظَمَ لِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْقَرَابَةِ وَلِلزِّنَى، فَلَوْ كَانَ فِي الْكَعْبَةِ كَانَ فِيهِ انْتِهَاكُ ثَلَاثِ حُرُمَاتٍ، فَلَوْ كَانَ فِي زَمَانِ رَمَضَانَ كَانَ أَرْبَعًا، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ الْمُسْتَبْرِئَةُ مُحَرَّمَةٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَضَعْفِ الْمِلْكِ وَمِنْ جِهَةِ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ الْمُسْتَنِدُ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَلِحَقِّ الْبَائِعِ بَقِيَ التَّحْرِيمُ بِسَبَبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ إحْدَى الْحُرْمَتَيْنِ وَجَبَ ثُبُوتُ الْحِلِّ الْآنَ لِلْحُرْمَةِ الْمُرْتَفِعَةِ، وَإِلَّا ارْتَفَعَ النَّقِيضَانِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ تَوَهَّمَ التَّنَاقُضَ بَيْنَ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّ وُقُوعَ الْحَيْضِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَقَوْلُهُ فِي بَابِ الْخِيَارِ: إنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ إنْ جَعَلْنَا الْمِلْكَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْحِلِّ وَيَلْزَمُ مِنْ الْحِلِّ الِاكْتِفَاءُ بِالِاسْتِبْرَاءِ،
стр. 189
وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ الْمُعْتَرِضُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْحِلِّ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْعِ هُوَ ارْتِفَاعُ التَّحْرِيمِ الْمُسْتَنِدِ إلَى ضَعْفِ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ بَاقِيًا لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ (ثَلَاثًا) حَرَامٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ (ثَلَاثًا) ، فَإِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِاعْتِبَارِ الطَّلَاقِ، وَبَقِيَ التَّحْرِيمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَقَطْ وَمِثْلُهُ الْجِلْدُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ أَيْ تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَتَبْقَى الْحُكْمِيَّةُ لَا تَطْهُرُ، إلَّا بِالْغُسْلِ وَمِثْلُهُ وَطْءُ الْحَائِضِ مُحَرَّمٌ فَقَطْ لِغَايَتَيْنِ: الِانْقِطَاعِ وَالْغُسْلِ، وَالْمُطَلَّقَةُ (ثَلَاثًا) تُحَرَّمُ لِغَايَتَيْنِ: نِكَاحِهَا آخَرَ، وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (مِنْهُ) .
[التَّخْفِيفُ فِي الشَّرْعِ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ]
ٍ أَحَدُهَا: بِإِسْقَاطِ الْمَفْرُوضِ، كَإِسْقَاطِ الْحَجِّ عَنْ الْفَقِيرِ وَالصَّلَاةِ عَنْ الْحَائِضِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
стр. 190
الثَّانِي: (بِالتَّنْقِيصِ) : إمَّا بِالْأَصْلِ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، أَوْ مِنْ الْأَرْكَانِ كَالْإِيمَاءِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لِلْمَرِيضِ وَالرَّشِّ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ. الثَّالِثُ: بِالْبَدَلِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهَا وَمَسْحِ الْخُفِّ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالتَّيَمُّمِ عَنْ الْمَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ بَدَلًا عَنْ الْمَاءِ وَالْعَاجِزِ عَنْ الصِّيَامِ بِالْفِدْيَةِ. الرَّابِعُ: (بِالتَّقْدِيمِ) كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ عَلَى الْحِنْثِ. الْخَامِسُ: بِالتَّأْخِيرِ كَالْجَمْعِ وَالْإِفْطَارِ لِلْمَعْذُورِ، وَخَوْفِ الِانْفِجَارِ لِلْمَيِّتِ، وَالْخَوْفِ مِنْ فَوْتِ الْعِشَاءِ مَعَ فَوْتِ (عَرَفَةَ) ، وَقَدْ دَخَلَ التَّخْفِيفُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
стр. 191
أَحَدُهَا: مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ، وَلَهُ سَبَبَانِ: السَّفَرُ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً. الثَّانِي: مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: الْمَرَضُ، الْخَوْفُ، وَشِدَّةُ الْخَوْفِ. الثَّالِثُ: مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرُهَا لِلْجَمْعِ، وَلَهُ سَبَبَانِ: السَّفَرُ وَالْمَطَرُ. وَيَجِيءُ ثَالِثٌ عَلَى رَأْيٍ وَهُوَ الْمَرَضُ.
[التَّخْيِيرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
: الْأَوَّلُ: مَا جَازَ فِيهِ التَّخْيِيرُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّبْعِيضُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ، وَرَضِيَ؛ وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَا يَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيُطْعِمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا وَلَا أَنْ يُعْتِقَ نِصْفَ عَبْدٍ، وَيَصُومَ شَهْرًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةً وَيَكْسُوَ خَمْسَةً، وَلَا يُجْزِي فِي الْفِطْرَةِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ صَاعٌ مِنْ جِنْسَيْنِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ فَضَلَ صَاعٌ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَهُ وَلَدَانِ يُخْرِجُهُ عَنْ أَيِّهِمَا
стр. 192
شَاءَ، وَلَا يُخْرِجُ نِصْفَ صَاعٍ عَنْ هَذَا وَالنِّصْفَ الْآخَرَ عَنْ الْآخَرِ.
وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ، فَلَوْ أَدَّى ثُلُثَ شَاةٍ، وَأَطْعَمَ بِقَدْرِ ثُلُثِ شَاةٍ وَصَامَ الْبَاقِيَ مِنْهَا فَفِي الْبَحْرِ فِي بَابِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، قَالَ الْقَفَّالُ: فِيهِ وَجْهَانِ (وَوَجْهُ) الْجَوَازِ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ الثُّلُثُ فِيهِ ابْتِدَاءً دُونَ الْكُلِّ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ قَالَ: وَهَذَا أَقْيَسُ عِنْدِي (وَأَشْبَهُ) بِالْمَذْهَبِ، وَفِي الْفُرُوقِ لِلشَّيْخِ (أَبِي مُحَمَّدٍ) ، لَوْ فَضَلَ فِي الْفِطْرَةِ عَنْ قُوتِ الرَّجُلِ بَعْضُ صَاعٍ لَزِمَهُ؛ لِإِمْكَانِ تَصَوُّرِ تَبْعِيضِ الصَّاعِ، كَمَا فِي مَالِكِي الْعَبْدِ، فَإِنْ تَصَوَّرَ مِثْلَهُ فِي الْكَفَّارَةِ أَلْحَقْنَاهَا بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ مِثْلُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَيُتَصَوَّرُ وُجُوبُ بَعْضِهِ بِتَلَفِ الصَّيْدِ أَوْ جَرْحِهِ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءُ صَيْدٍ جَازَ أَنْ يَحْصُلَ بَعْضُهُ مِنْ النَّعَمِ وَبَعْضُهُ مِنْ الطَّعَامِ.
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ: وَالشَّفِيعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالتَّرْكِ، فَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ بَعْضِ الشِّقْصِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ اشْتَرَى مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً تَخَيَّرَ بَيْنَ رَدِّهِمَا، أَوْ تَرْكِهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا وَتَرْكُ الْآخَرِ. قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَشْرَةً، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أُقِرُّ بِخَمْسَةٍ، وَأَحْلِفُ بِخَمْسَةٍ، لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَحْلِفُ عَلَى خَمْسَةٍ وَأَرُدُّ الْيَمِينَ فِي خَمْسَةٍ
стр. 193
فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ، أَنَّهُ فِي (الْأُولَى) حَصَلَ مَقْصُودُ الْمُدَّعِي فِي الْقَبْضِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خِلَافُهُ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْعَ، خَيَّرَ الْمُتَوَضِّئَ بَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَيَمْسَحَ عَلَى الْأُخْرَى لَمْ يُجْزِ، جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَمِنْهَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، إذَا خَيَّرْنَاهُ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ، فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جِنْسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ، كَمَا إذَا وَجَبَ الشَّعِيرُ وَأَخْرَجَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ، وَنِصْفَ صَاعٍ مِنْ الْحِنْطَةِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَجْوِيزَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الدَّافِعِ، فَلَوْ تَعَدَّدَ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُمَا عَبْدٌ وَهُمَا مُخْتَلِفَا الْقُوتِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قُوتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَعِّضْ مَا عَلَيْهِ، وَطَرَدَ ابْنُ سُرَيْجٍ الْمَنْعَ، وَقَالَ: الْمُخْرَجُ عَنْهُ وَاحِدٌ، فَلَا يُبَعَّضُ وَاجِبُهُ، وَمِثْلُهُ، لَوْ قَتَلَ ثَلَاثَةٌ مَحْرُومُونَ ظَبْيَةً فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ شَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ إطْعَامٍ، فَلَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمْ ثُلُثَ شَاةٍ وَأَطْعَمَ الثَّانِي بِقِيمَةِ شَاةٍ، وَصَامَ الْآخَرُ عَدْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ لَهَا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ، وَمَا نَقَلَهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ مَمْنُوعٌ.
стр. 194
وَذَكَرَ الْإِمَامُ وَجْهًا فِيمَنْ مَلَكَ عِشْرِينَ مِنْ الضَّأْنِ وَآخَرَ عِشْرِينَ مِنْ الْمَعْزِ وَخَلَطَا ذَلِكَ حَتَّى وَجَبَتْ فِيهِمَا الزَّكَاةُ أَنَّ لِمَالِك الضَّأْنِ أَنْ يُخْرِجَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُ، فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ بَعْضُهُ عَذْبٌ وَبَعْضُهُ مِلْحٌ فَقَدْ جَازَ التَّبْعِيضُ فِي التَّخْيِيرِ، قِيلَ الْكُلُّ مَاءٌ وَاحِدٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الْإِطْلَاقُ فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْئَانِ وَيَجُوزُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنْ يُتِمَّ إحْدَاهُمَا وَيُقْصِرَ الْأُخْرَى لِمَا ذَكَرْنَا وَأَنْ يَجْمَعَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَلِهَذَا حَصَرَهُ (الْجِيلِيُّ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَوْنَ الْحَجَرِ نَجِسًا.
(تَنْبِيهَاتٌ) .: (الْأَوَّلُ) : احْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا إلَّا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ عَنْ (الْجُبْرَانِ) فِي الزَّكَاةِ فَلَوْ لَزِمَهُ
стр. 195
بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَالْخِيَارُ فِي الشَّاتَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ لِدَافِعِهَا وَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَنْ جُبْرَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ خَيَّرَ بَيْنَ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَامْتَنَعَ التَّبْعِيضُ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ هُوَ الْآخِذَ وَرَضِيَ جَازَ؛ لِأَنَّ لَهُ إسْقَاطَ حَقِّهِ كُلِّهِ وَهُوَ مُعَيَّنٌ بِخِلَافِ السَّاعِي؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْفُقَرَاءِ وَهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفُقَرَاءُ مَحْصُورِينَ وَرَضُوا بِذَلِكَ جَازَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَقْرَبُ الْمَنْعُ نَظَرًا لِأَصْلِهِ وَهَذَا عَارِضٌ، وَكَمَا لَوْ وَجَبَ لَهُ قِصَاصٌ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَيَجُوزُ قَتْلُ الْجَمِيعِ أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْهُمْ، فَلَوْ قَتَلَ بَعْضَهُمْ وَأَخَذَ الدِّيَةَ مِنْ الْبَعْضِ جَازَ.
وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ الْإِبِلِ فِي الدِّيَةِ أَخَذَهُ وَقِيمَةَ الْبَاقِي. نَعَمْ، الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسِيرِ بَيْنَ الْإِرْقَاقِ وَالْمَنِّ، فَلَوْ أَرَقَّ بَعْضَهُ قَالَ الْبَغَوِيّ: رَقَّ كُلُّهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يُرَقُّ شَيْءٌ وَهَذَا الْبَحْثُ يَتَأَيَّدُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
(الثَّانِي) : مَا جَازَ عَلَى الْبَدَلِ لَا يَدْخُلُهُ تَبْعِيضٌ فِيهِمَا أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعَدَدِ: الْوَاجِبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَأَدَّى بِبَعْضِ الْأَصْلِ وَبَعْضِ الْبَدَلِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَكَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ، أَمَّا فِي أَحَدِهِمَا فَنَعَمْ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْبَاقِي.
стр. 196
الثَّالِثُ) : مَنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ وَعَجَزَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ جُمْلَةً وَأَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِنِصْفَيْهِ مَعًا هَلْ يُجْزِيهِ؟ ، نَنْظُرُ إنْ كَمَّلَ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ فِيمَا الشَّرْعُ مُتَشَوِّفٌ لِتَكْمِيلِهِ أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْمُعْسِرُ نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَكَانَ بَاقِيهمَا حُرًّا أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ نِصْفَيْ شَاتَيْنِ وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ كَانَ بَاقِيهِمَا لِلْفُقَرَاءِ حَكَاهُ الْجُرْجَانِيُّ (وَكَالتَّضْحِيَةِ بِنِصْفَيْ شَاتَيْنِ) وَإِخْرَاجِ الْفِطْرَةِ صَاعًا مِنْ جِنْسَيْنِ.
(الْبَحْثُ الثَّانِي) : مَا دَخَلَهُ التَّخْيِيرُ مِنْ الْحُقُوقِ إنْ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ كَانَتْ الْخِيَرَةُ لِلدَّافِعِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَمَا فِي الزَّكَاةِ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ لِلْمَالِكِ وَكَمَا لَوْ غَصَبَ مِثْلِيًّا وَخَلَطَهُ فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ كَانَ الْخِيَارُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ كَمَا لَوْ مَلَكَ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ وَوَجَدَ الْفَرْضَيْنِ فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ لِلشَّافِعِيِّ (﵁) أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَخْذُ الْأَغْبَطِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ تَخْيِيرَهُ كَالصُّعُودِ وَالنُّزُولِ، وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِكِ فَكَانَ التَّخْيِيرُ لِمُسْتَحِقِّهِ.
وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي مَوْضِعِهِ إلَى الْجَانِي وَلَكِنَّ الْمَنْصُوصَ وَعَلَيْهِ
стр. 197
الْجُمْهُورُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِلْمُسْتَحِقِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ صُوَرٌ: (أَحَدُهَا) : الْعَيْنُ الْمُقْتَرَضَةُ إذَا طَلَبَهَا الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْمُقْتَرِضُ دَفْعَ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يُجَابُ الْمَالِكُ مَعَ أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَرْضَ بِالْقَبْضِ وَيَثْبُتُ بَدَلُهُ فِي (ذِمَّتِهِ) . (الثَّانِيَةُ) : لَوْ رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ. (الثَّالِثَةُ) : لَوْ تَمَلَّكَ اللُّقَطَةَ ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا، فَإِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ رُجُوعِهِ فِي عَيْنِهَا مَعَ أَنَّ بَدَلَهَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ التَّمَلُّكِ وَانْتَقَلَتْ الْعَيْنُ إلَى صَاحِبِهَا بِمُجَرَّدِ ظُهُورِهِ بَلْ حَقُّهُ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَنْ تَظْهَرَ الْعَيْنُ بِخُصُوصِهَا أَوْ بَدَلِهَا حَتَّى لَوْ أَبْرَأَ الْمُلْتَقِطَ فَتَصِحُّ وَلَوْ تَعَيَّبَتْ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ التَّمَلُّكِ، ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا وَطَلَبَ بَدَلَهَا سَلِيمًا، وَأَرَادَ الْمُلْتَقِطُ دَفْعَهَا مَعَ الْأَرْشِ فَإِنَّهُ يُجَابُ فِي الْأَصَحِّ.
(الْبَحْثُ الثَّالِثُ) : مَا يُخَيَّرُ فِيهِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ قَدْ يَلْزَمَانِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَاهُمَا، يُخَيَّرُ، وَفِي الْأَصَحِّ فَمَا اخْتَارَهُ لَزِمَهُ، فَلَوْ اخْتَارَ الطَّلَاقَ ثُمَّ الظِّهَارَ نَفَذَا كَمَا لَوْ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت هَذِهِ بَلْ هَذِهِ طَلُقَتَا
стр. 198
وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ اخْتَارَ إحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ رَجَعَ، وَاخْتَارَ غَيْرَهَا أَوْ اخْتَارَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ فِي الْمِائَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ وَاخْتَارَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ أَوْ أَخَذَ مُحْتَمَلَ الْحَدَثَيْنِ بِالْوُضُوءِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْغُسْلَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ هُوَ تَعْيِينُ إيقَاعٍ فَلَمْ يَقْبَلْ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ.
وَإِذَا اخْتَارَ الْمُمَيِّزُ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ دُفِعَ إلَيْهِ فَلَوْ اخْتَارَ الْآخَرَ حُوِّلَ إلَيْهِ، وَلَوْ اخْتَارَ الدِّيَةَ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوُجِّهَتْ الدِّيَةُ وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: عَفَوْت عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَالَ: اخْتَرْت الْقِصَاصَ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الدِّيَةِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ أَمْ لَا كَعَكْسِهِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي قَالَ الْبَغَوِيّ.
(الرَّابِعُ) : مَنْ ثَبَتَ لَهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ حَقَّيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا سَقَطَ الْآخَرُ، وَإِنْ أَسْقَطَ أَحَدَهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي امْتِنَاعِهِ ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِهِ تُرِكَ، وَإِنْ كَانَ نَابَ عَنْهُ الْحَاكِمَ فِي اخْتِيَارِ الْأَحَظِّ إنْ كَانَ مَالِيًّا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِيٍّ أُلْزِمَ بِالِاخْتِيَارِ وَيَتَّضِحُ بِصُوَرٍ: (وَمِنْهَا) لَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَنْهُ، وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَعَيَّنَ لَهُ الْمَالُ، وَلَوْ عَفَا عَنْ الْمَالِ ثَبَتَ لَهُ الْقَوَدُ، وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ إذْ لَا ضَرَر عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ، وَإِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ مُطَالَبَةُ وَرَثَتِهِ بِالْعُقُوبَةِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
(وَمِنْهَا) : لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَظَهَرَ مَعِيبًا ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ، دَلَّ عَلَى الرِّضَا، وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إمَّا الرَّدُّ، وَإِمَّا الْأَرْشُ، فَإِسْقَاطُ أَحَدِهِمَا لَا يُسْقِطُ الْآخَرَ، (وَمِنْهَا) : إذَا أَتَاهُ الْمَدْيُون بِالدَّيْنِ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ أُمِرَ بِقَبْضِهِ، فَإِنْ
стр. 199
امْتَنَعَ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ وَبَرِئَ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا وَطَالَتْ مُدَّتُهُ وَلَمْ يُحْيِهِ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَهُ (عَنْهُ) قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَحْيِ أَوْ اُتْرُكْ. (وَمِنْهَا) : لَوْ أَبَى الْمَوْلَى بَعْدَ الْمُدَّةِ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ (وَمِنْهَا) : لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ فَطَلَبَ مِنْهُ الْيَمِينَ فَنَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَجُعِلَ مُقِرًّا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ مِنْ الْإِقْرَارِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْبَدَلِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ.
(الْخَامِسُ) : إنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ جِنْسَيْنِ كَوَاجِبَيْنِ أَوْ مَنْدُوبَيْنِ، لَا بَيْنَ مُبَاحٍ وَحَرَامٍ، وَأَوْرَدَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَاللَّبَنِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَيْنَ مُبَاحَيْنِ، فَإِنَّ الْخَمْرَ إنَّمَا حُرِّمَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَبِأَنَّ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ وَلَا تَكْلِيفَ فِيهَا وَبِذَلِكَ أُجِيبَ أَيْضًا عَنْ احْتِجَاجِ آدَمَ ﵇ بِالْقَدْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ
стр. 200
عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَدْ أَوَّلَ اللَّبَنَ بِالْعِلْمِ وَالْحُضُورِ وَالْخَمْرَ بِالْغَيْبَةِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ فِي تَحْرِيمِ مَا يَحْرُمُ مِنْهُمَا إلَى اجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ فَاجْتَهَدَ وَاخْتَارَ الصَّوَابَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.
السَّادِسُ: مَا لَهُ فِعْلُهُ، إذَا فَعَلَهُ وَاحْتَمَلَهُ وَاحْتَمَلَ غَيْرَهُ رَجَعَ إلَى بَيَانِهِ وَيُخَيَّرُ فِي الصَّرْفِ إلَى مَا أَرَادَ كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ أَدَاءِ الْأَلْفِ، وَعَلَيْهِ دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ أَنَّ لَهُ صَرْفَهُ إلَى مَا أَرَادَ، وَكَذَا فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مُطْلَقًا لَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ إلَيْهِمَا، وَلَوْ قَالَ: عَفَوْت عَنْك وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَاصًا وَلَا دِيَةً، أَوْ قَالَ: عَفَوْت عَنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُعَيِّنْ فَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى الْقِصَاصِ وَيُحْكَمُ بِسُقُوطِهِ، وَالْأَصَحُّ يَرْجِعُ إلَى بَيَانِهِ، فَإِذَا بَيَّنَ لَزِمَ، فَلَوْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِي نِيَّةٌ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يُحْمَلُ عَلَى الْقِصَاصِ، وَأَصَحُّهُمَا يُقَالُ لَهُ: اصْرِفْ الْآنَ إلَى مَا شِئْت مِنْهُمَا.
[تَخْصِيصُ جِهَةِ الِانْتِفَاعِ هَلْ تَتَعَيَّنُ إذَا عَيَّنَهَا الدَّافِعُ]
مِنْهَا، إذَا أَوْصَى لِدَابَّةٍ، وَشَرَطَ الصَّرْفَ فِي عَلَفِهَا صُرِفَ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ رِعَايَةً لِغَرَضِ الْمُوصِي يَتَوَلَّاهُ الْمُوصَى لَهُ، ثُمَّ الْقَاضِي وَنَائِبُهُ، قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَالْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيُنْفِقَ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ.
стр. 201
وَمِنْهَا، إذَا أَوْصَى أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ عَيْنٍ بِأَنْ قَالَ: ادْفَعُوا إلَيْهِ هَذَا الْعَبْدَ عِوَضًا عَنْ دَيْنِهِ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ إمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّ فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ أَغْرَاضًا، وَلِذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَيْنُ مَالِهِ مِنْ فُلَانٍ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ وَاقْضِ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ إمْسَاكٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَطْيَبَ وَأَبْعَدَ عَنْ الشُّبُهَاتِ ذَكَرَ هَذِهِ الصُّوَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوِصَايَةِ.
وَمِنْهَا، إذَا دَفَعَ إلَى شَخْصٍ شَيْئًا، وَقَالَ: اشْتَرِ لَك بِهِ عِمَامَةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ نَعْلًا مَثَلًا فَهَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ، أَوْ لَهُ صَرْفُهُ فِيمَا شَاءَ، أَوْ تَفْسُدُ الْهِبَةُ أَوْ إنْ رَآهُ مُحْتَاجًا إلَى مَا سَمَّاهُ تَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا وُجُوهٌ أَصَحُّهَا آخِرُهَا وَاقْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَلَى نَقْلِ الْآخَرِ عَنْ الْقَفَّالِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنْ قَصَدَ تَحْقِيقَ الشِّرَاءِ فَسَدَتْ الْعَطِيَّةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُك بِشَرْطِ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ كَذَا، وَإِنْ قَصَدَ رَفْعَ الْحِشْمَةِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الْأَصْلَحِ وَنَحْوِهَا فَلَا.
وَمِنْهَا، إذَا دَفَعَ إلَى الشَّاهِدِ أُجْرَةَ مَرْكُوبِهِ وَفِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَمِنْهَا سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ عَمَّنْ مَاتَ أَبُوهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ إنْسَانٌ ثَوْبًا لِيُكَفِّنَّهُ فِيهِ، هَلْ يَمْلِكُهُ حَتَّى يُمْسِكَهُ وَيُكَفِّنَهُ فِي غَيْرِهِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِمَّنْ يَتَبَرَّكُ بِتَكْفِينِهِ لِفِقْهٍ أَوْ وَرَعٍ، فَلَا وَلَوْ كَفَّنَهُ فِي غَيْرِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ انْتَهَى وَأَلْحَقَ
стр. 202
بَعْضُهُمْ بِصُورَةِ الْمُتَبَرِّكِ بِهِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَصْدَ الدَّافِعِ الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا التَّبَرُّعُ عَلَى الْوَارِثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي وَصَايَا الْوَسِيطِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ لِلْوَارِثِ إبْدَالَهُ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ عَارِيَّةٌ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَمُرَادُهُ عَارِيَّةٌ لَازِمَةٌ، كَالْإِعَارَةِ لِلدَّفْنِ.
وَمِنْهَا، إذَا ضَمِنَ شَخْصٌ دَيْنَهُ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ، هَلْ يَتَعَيَّنُ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ وَضْعُ الضَّمَانِ الْإِطْلَاقَ.
[تَخَلُّلُ الْمَانِعِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لَا أَثَرَ لَهُ غَالِبًا فِي صُوَرٍ]
(إحْدَاهَا) : لَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْإِقْبَاضِ جُنُونٌ، هَلْ يَكُونُ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا.
(الثَّانِيَةُ) : لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ يَجُوزُ قَصْرُهَا إذَا قَضَاهَا فِي سَفَرٍ غَيْرِ ذَلِكَ السَّفَرِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ.
стр. 203
الثَّالِثَةُ) : لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلَى فَقِيرٍ فَاسْتَغْنَى، ثُمَّ افْتَقَرَ آخِرَ الْحَوْلِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَرَضِ فِي الْأَصَحِّ.
(الرَّابِعَةُ) : لَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِالْجِرَاحَةِ وَجَبَ الْقَوَدُ فِي الْأَصَحِّ.
(الْخَامِسَةُ) : لَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي الْأَصَحِّ، لِتَخَلُّلِ الْهَدَرِ وَقِيلَ: يَجِبُ كَالْكَفَّارَةِ وَقِيلَ: إنْ قَصُرَ زَمَنُ الرِّدَّةِ وَجَبَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَسْرِي فِيهِ غَالِبًا فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، أَمَّا الدِّيَةُ فَتَجِبُ كُلُّهَا لِوُقُوعِ، الْجَرْحِ وَالْمَوْتِ فِي حَالَتَيْ الْعِصْمَةِ، وَالثَّانِي ثُلُثَاهَا، وَالثَّالِثُ نِصْفُهَا.
[التَّدْلِيسُ حَرَامٌ]
وَمِنْ ثَمَّ حُرِّمَ النَّجْشُ وَالتَّصْرِيَةُ، وَأَنْ يَبِيعَ عَيْنًا يَعْرِفُ بِهَا عَيْبًا وَلَا
стр. 204
يُبَيِّنُهُ أَوْ تَتَزَوَّجَ وَبِهَا عَيْبٌ يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَلَا تُبَيِّنُهُ، وَحَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْخَلِيَّةِ وَصْلُ شَعْرِهَا بِشَعْرٍ طَاهِرٍ؛ لِكَثْرَةِ رَغْبَةِ الرِّجَالِ فِي الشَّعْرِ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الشَّبِيبَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ، بِخِلَافِ الْمُتَزَوِّجَةِ، إذَا وَصَلَتْ لِلتَّزْيِينِ وَمِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ لَوْ وَصَلَتْ شَعْرَهَا بِوَبَرٍ أَوْ بِرِيشٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ شَعْرِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا خَدِيعَةَ فِيهِ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي، إذَا كَانَ ظَاهِرًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْغُرُورُ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُنْتَقِبَةً يُنْظَرُ إلَى رَأْسِهَا وَيُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ ذَلِكَ بِالْمَوْصُولِ، فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ خِضَابُ اللِّحْيَةِ بِالسَّوَادِ حَرَامٌ، وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ (الْمُجَاهِدَ) إرْهَابًا لِلْكُفَّارِ، وَمَنْ نَتَفَ شَعْرَ اللِّحْيَةِ أَيْضًا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ.
стр. 205
[التَّدَاخُلُ يَدْخُلُ فِي ضُرُوبٍ]
أَحَدُهَا الْعِبَادَاتُ وَهِيَ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي وَاجِبٍ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَمَقْصُودُهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَلَا تَدَاخُلَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: طَوَافُ الْوَدَاعِ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى، ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ عَقِبَهُ لَمْ يَكْفِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَطُوفَ لِلْوَدَاعِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ تَدَاخُلٌ كَغُسْلِ الْحَيْضِ مَعَ الْجَنَابَةِ، فَإِذَا أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ كَفَى لَهُمَا غُسْلٌ وَاحِدٌ.
وَمِثْلُهُ الْمُحْدِثُ بِعُضْوِهِ نَجَاسَةً تَزُولُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَكْفِي فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَقَدْ يَجِبُ الْأَصْغَرُ ثُمَّ الْأَكْبَرُ، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ فَيَكْفِي الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بِالتَّدَاخُلِ لِشِدَّةِ الْعِلَاقَةِ بَيْنَ الْحَدَثَيْنِ، وَلَوْ جَامَعَ بِلَا حَائِلٍ، فَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غَيْرَ الْجَنَابَةِ، وَاللَّمْسُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ يَصِيرُ مَغْمُورًا بِهِ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الْإِنْزَالُ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بِالْجِمَاعِ يَحْصُلُ الْحَدَثَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ يَسْبِقُ حَقِيقَةَ الْجِمَاعِ، بِخِلَافِ الْخُرُوجِ، فَإِنَّهُ مَعَ الْإِنْزَالِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مَسْنُونٍ فَيُنْظَرُ: إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَفْعُولِ دَخَلَ تَحْتَ الْفَرْضِ
стр. 206
كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَعَ صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَالْإِحْرَامِ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ؛ لِدُخُولِ مَكَّةَ مَعَ حَجِّ الْفَرْضِ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ سُنَّةٌ، فَلَوْ صَلَّى فَرِيضَةً بَعْدَ الطَّوَافِ حُسِبَتْ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، اعْتِبَارًا بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى احْتِمَالٍ فِيهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ شَاذٌّ وَالْمَذْهَبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ طَافَ الْقَادِمُ مَكَّةَ عَنْ الْفَرْضِ أَوْ النَّذْرِ دَخَلَ طَوَافُ الْقُدُومِ فِيهِ، وَمِنْهُ جُبْرَانَاتُ الصَّلَاةِ تَتَدَاخَلُ، فَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ تَعَدَّدَ سَجْدَتَانِ، بِخِلَافِ جُبْرَانَاتِ الْإِحْرَامِ فَلَا تَتَدَاخَلُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ جَبْرُ النُّسُكِ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ، إلَّا بِالتَّعَدُّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَفْعُولِ لَمْ يَدْخُلْ، كَمَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً صَلَّاهَا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ أَعْنِي الطَّوَافَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ طَافَ وَصَلَّى بَعْدَهُ فَرِيضَةً كَفَتْ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّانِي الْعُقُوبَاتُ: فَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، تَدَاخَلَتْ، كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَى وَهُوَ بِكْرٌ يُحَدُّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ مِرَارًا، وَهَلْ يُقَالُ: يَجِبُ لَهَا حُدُودٌ ثُمَّ يَعُودُ إلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، أَمْ لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَتُجْعَلُ الزَّنَيَاتُ كَالْحَرَكَاتِ فِي زَنْيَةٍ
стр. 207
وَاحِدَةٍ؟ ذَكَرُوا فِيهِ احْتِمَالَيْنِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ، ثُمَّ زَنَى وَهُوَ ثَيِّبٌ دَخَلَ حَدُّ الْبِكْرِ فِي حَدِّ الثَّيِّبِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ عِلْمَ الْمَالِكِ وَإِعَادَةَ الْحِرْزِ، فَالْإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ، كَأَنْ سَرَقَ وَزَنَى وَهُوَ بِكْرٌ وَشَرِبَ، وَلَزِمَهُ قَتْلٌ بِرِدَّةٍ قُدِّمَ الْأَخَفُّ فَالْأَخَفُّ فَيُقَدَّمُ الشُّرْبُ، ثُمَّ يُمْهَلُ حَتَّى يَبْرَأَ، ثُمَّ يُجْلَدُ الزَّانِي وَيُمْهَلُ، ثُمَّ يُقْطَعُ، ثُمَّ يُقْتَلُ، وَهَكَذَا الْكَفَّارَاتُ وَالْغَرَامَاتُ، فَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مِرَارًا، لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى أَصْلِ الْحَنَابِلَةِ، تَعَدَّدَ الْمُوجِبُ وَتَدَاخَلَ مُوجَبُهُ، وَعَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِينَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ بِغَيْرِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ فَسَدَ حَجُّهُ بِالْجِمَاعِ، فَجَامَعَ نَاسِيًا قَبْلَ أَنْ يَفْدِيَ عَنْ الْأَوَّلِ، فَلَا تَدَاخُلَ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِمُصَادَفَتِهِ إحْرَامًا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ، فَوَجَبَ بِهِ، كَالْأَوَّلِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِفْسَادِ خَرَجَ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ بِالْأَوَّلِ فِدْيَةٌ وَبِالثَّانِي شَاةٌ.
وَلَوْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ عَمْدًا لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، فَلَوْ جَامَعَ فَهَلْ تَدْخُلُ الشَّاةُ فِي الْفِدْيَةِ أَمْ تَجِبَانِ مَعًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الْأَوَّلُ، وَبَنَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الْمُحْدِثَ، إذَا أَجْنَبَ هَلْ يَنْدَرِجُ الْحَدَثُ فِي الْجَنَابَةِ وَيَكْفِيهِ الْغُسْلُ.
стр. 208
وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا، فَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ لُزُومَ فَدِيَتَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ وَتَبَعِيَّةِ الطِّيبِ.
وَلَوْ تَطَيَّبَ ثُمَّ تَطَيَّبَ، أَوْ لَبِسَ ثُمَّ لَبِسَ، فَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى التَّوَالِي لَمْ تَتَعَدَّدْ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ تَخَلَّلَ فَصْلٌ أَوْ فَعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ التَّكْفِيرَ، وَجَبَ لِلثَّانِي فَدِيَةٌ أُخْرَى عَلَى الْجَدِيدِ، وَإِنْ تَخَلَّلَ تَعَدَّدَتْ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ كَانَ نَوَى بِمَا أَخْرَجَهُ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ مَعًا بَنَى عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ الْمَحْذُورِ إنْ مَنَعْنَا، فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ النِّيَّةِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَلَوْ لَبِسَ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ الْمُطَيَّبَ، لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ لِلُّبْسِ دُونَ الطِّيبِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: الْإِتْلَافَاتُ. فَلَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فِي (الْحَرَمِ) لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَتَدَاخَلَتْ الْحُرْمَتَانِ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْقَارِنِ، إذَا قَتَلَ صَيْدًا لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَتَكَ بِهِ حُرْمَةَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
، وَلَوْ كَشَطَ الْمُحْرِمُ جِلْدَةَ الرَّأْسِ، فَلَا فَدِيَةَ وَالشَّعْرُ تَابِعٌ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَشَبَّهُوهُ بِمَا لَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجَةِ يَجِبُ الْمَهْرُ، وَلَوْ قَبَّلَهَا لَمْ يَجِبْ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَضُرُوبٌ:
стр. 209
الْأَوَّلُ: جِنَايَةُ الْوَطْءِ
تَتَكَرَّرُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، يَجِبُ مَهْرٌ فِي أَعْلَى الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ وَاحِدَةٌ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ.
وَعَنْ الْمُزَنِيِّ الْقِيَاسُ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلٍّ وَطْءٍ مَهْرًا وَرَدَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : «فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ وَطْءِ الْمَرَّةِ وَمِرَارًا، وَفِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَهْرَ قَبْلَ الْوَطْءِ الثَّانِي، فَيَجِبُ مَهْرٌ جَدِيدٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَسَبَقَ نَظِيرَهُ فِي تَطَيُّبِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا لَوْ تَعَدَّدَتْ الشُّبْهَةُ بِأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، ثُمَّ انْكَشَفَ الْحَالُ، ثُمَّ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ ثَانِيًا، وَوَطِئَهَا تَعَدَّدَ الْمَهْرُ؛ لِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ.
وَلَوْ كَرَّرَ وَطْءَ مَغْصُوبَةٍ، أَوْ مُكْرَهَةٍ عَلَى الزِّنَى، وَجَبَ بِكُلِّ وَطْءٍ مَهْرٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا بِالْإِتْلَافِ، وَقَدْ تَعَدَّدَ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ أَبِيهِ تَرَدُّدًا فِي التَّعَدُّدِ فِيمَا إذَا أَكْرَهَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ، وَقِيلَ بِالْمَهْرِ، قَالَ: وَلَا مَعْنَى لِلتَّرَدُّدِ، وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ
стр. 210
بِالتَّعَدُّدِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْمَهْرِ إتْلَافُ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ.
، وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ اتِّحَادِ الْمَهْرِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ (إذَا كَانَ الْحَالُ عِنْدَ عَدَمِ الشُّبْهَةِ لَا مَهْرَ مَعَهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَ عَدَمِهَا يَجِبُ الْمَهْرُ) مُتَعَدِّدًا، فَالْحَالُ مُسْتَمِرٌّ، وَلَا أَثَرَ لِاتِّحَادِ الشُّبْهَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا وَطِئَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ مِرَارًا عَلَى ظَنِّ الْحِلِّ، فَإِنَّ الشُّبْهَةَ مُتَّحِدَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْغَصْبِ، بِأَنَّهُ يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَتَّحِدُ عِنْدَ اتِّحَادِ الشُّبْهَةِ، إذَا كَانَتْ الشُّبْهَةُ هِيَ الْمُوجِبَةَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَهْرُ يَجِبُ عِنْدَ عَدَمِهَا، فَلَا أَثَرَ لَهَا فِي الِاتِّحَادِ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا مِمَّا يَقْضِي الْفَقِيهُ فِيهِ بِالْعَجَبِ انْتَهَى.
وَحَيْثُ وَجَبَ الْمَهْرُ، فَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا، هَلْ يَدْخُلُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ فِيهِ، أَمْ يُفْرَدُ؟ فِيهِ اضْطِرَابٌ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْغَصْبِ وَالْجِرَاحِ، فَرَجَّحُوا فِي الْجِرَاحِ مَهْرَ مِثْلٍ ثَيِّبٍ وَأَرْشَ بَكَارَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَالْأَرْشَ؛ " لِإِزَالَةِ " الْجَلْدِ، وَالْجِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَيَنْفَرِدُ مُوجِبُ كُلٍّ، وَقِيلَ: مَهْرٌ يَثْبُتُ فَقَطْ لِحُصُولِ إزَالَةِ الْجَلْدِ ضِمْنًا، وَرَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ ضَمَانِ النَّقْصِ، وَقِيلَ: مَهْرُ بِكْرٍ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَبِهِ أَجَابَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَفِي النِّهَايَةِ، قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (﵀) : يَغْرَمُ مَهْرَ مِثْلِ الْبِكْرِ وَأَرْشَ الْبَكَارَةِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْعِيفًا لِلْغُرْمِ.
стр. 211
الثَّانِي: الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَتَتَدَاخَلُ فِي صُوَرٍ:
(إحْدَاهَا) : دُخُولُ دِيَةِ الْأَطْرَافِ وَاللَّطَائِفِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، إذَا سَرَتْ الْجِرَاحَةُ فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
الثَّانِيَةُ: قَطْعُ أَجْفَانِ شَخْصٍ وَعَلَيْهَا أَهْدَابٌ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ الْأَهْدَابِ فِي الدِّيَةِ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ أَوْضَحَهُ فَزَالَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْمُوضِحَةِ دَخَلَ فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ الْوَجْهَانِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
الرَّابِعَةُ: قَلْعُ السِّنِّ مَعَ السِّنْخِ، لَا تَجِبُ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْشِ السِّنِّ وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ السِّنْخِ فِيهِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
الْخَامِسَةُ: قَطْعُ يَدِهِ، لَا يُوجِبُ فِي الشَّعْرِ حُكُومَةً.
السَّادِسَةُ: تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْأَظْفَارِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ.
стр. 212
السَّابِعَةُ: تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْكَفَّيْنِ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ لَا تَدَاخُلَ فِيهَا مِنْهَا، لَوْ اسْتَأْصَلَ أُذُنَهُ، وَأَوْضَحَ مَعَ ذَلِكَ الْعَظْمَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي دِيَةِ الْأُذُنَيْنِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْأُذُنِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يَتْبَعُ مُقَدَّرًا.
وَمِنْهَا، لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ، فَلَوْ زَالَ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا وَفِي قَوْلٍ يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ.
الثَّالِثُ: فِي (الْجِنَايَةِ عَلَى الْعِرْضِ) ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُ بِزِنًى فَحُدَّ ثُمَّ قَذَفَهُ بِزِنًى آخَرَ فَفِي حَدِّهِ ثَانِيًا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللِّعَانِ الْمَنْعُ، بَلْ يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَذِبُهُ فِي حَقِّهِ مَرَّةً بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إظْهَارِهِ ثَانِيًا، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ، الْحَدَّ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ زَنَى مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ حَدٌّ وَاحِدٌ.
الرَّابِعُ: الْعِدَّتَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّدَاخُلِ فِيهِمَا هَلْ هُوَ سُقُوطُ الْأَوَّلِ وَالِاكْتِفَاءُ بِالثَّانِي، أَوْ انْضِمَامُ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي فَيُؤَدَّيَانِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَجْهَانِ
стр. 213
فِي (الْكَافِي) وَغَيْرِهِ، وَالْخِلَافُ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَأَحْبَلَهَا، فَعِدَّتُهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَهَلْ تَدْخُلُ فِيهِ بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَتَدَاخَلُ فَهَلْ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ، وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ.
[مَا يَجِب فِيهِ التَّرْتِيب]
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: إنَّمَا يَجِبُ فِي أَحَدِ مَوْضِعَيْنِ إمَّا بَيْنَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كَالْأَعْضَاءِ فِي الطَّهَارَةِ وَكَالْجِمَارِ الثَّلَاثِ. قُلْت: وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَأَمَّا فِيمَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيهِ فَيَصِيرُ كَالْمُخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ، إذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ وَقُلْنَا: يَتَدَارَكُ، لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ رَمْيَ الْيَوْمَيْنِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ وَتَعْيِينَ النِّيَّةِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وُجُوبُهُ، كَمَا يَجِبُ فِي التَّرْتِيبِ فِي مَكَانِ الرَّمْيِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ: إنَّمَا يَظْهَرُ التَّرْتِيبُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَتَعَدُّدِهِ كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ وَلَمْ يَتَعَدَّدْ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ مَعَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُضْوَ الْوَاحِدَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، إذَا غُسِلَ لَا يَظْهَرُ فِي أَبْعَاضِهِ حُكْمُ التَّرْتِيبِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ
стр. 214
يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ تَسْتَوِي فِيهِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ الْوَاحِدُ وَالسُّجُودُ الْوَاحِدُ، لَا يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ التَّرْتِيبِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ظَهَرَ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الشَّوْطُ الْوَاحِدُ مِنْ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ يَظْهَرُ فِيهِ حُكْمُ التَّرْتِيبِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الشَّوْطَ الْوَاحِدَ يَشْتَمِلُ عَلَى خُطُوَاتٍ وَحَرَكَاتٍ وَانْتِقَالَاتٍ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ الْبَابِ وَيَجْعَلَ الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَجَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ وَابْتَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ صَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَنَزَّلَ الشَّوْطَ الْوَاحِدَ جَمِيعَهُ مَنْزِلَةَ الْوُضُوءِ بِجَمِيعِ أَفْعَالِهِ.
فَأَمَّا الشَّوْطُ الثَّانِي فَهُوَ تَكْرِيرُ شَوْطٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الشَّوْطِ وَالشَّوْطِ، وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الشَّوْطِ الْوَاحِدِ، وَمِثْلُهُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ انْتَهَى، وَكَذَلِكَ التَّرْتِيبُ، إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ عُضْوَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ كَانَا فِي حُكْمِ
стр. 215
الْعُضْوِ الْوَاحِدِ لَمْ يَجِبْ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَالْوَاحِدِ فِي الْحُكْمِ أَنَّ مَاسِحَ الْخُفِّ، لَوْ نَزَعَ أَحَدَهُمَا بَطَلَتْ طَهَارَةُ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا وَصَارَ كَأَنَّهُ نَزَعَهُمَا، وَلَوْ غَسَلَ إحْدَاهُمَا وَمَسَحَ عَلَى خُفِّ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ لَهُ تَبْعِيضُهَا كَمَا لَا تَتَبَعَّضُ الْقَدَمُ الْوَاحِدَةُ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ التَّرْتِيبُ: إنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ فَرُكْنٌ قَطْعًا كَالتَّرْتِيبِ فِي أَرْكَانِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْوَقْتِ، فَكَذَلِكَ إنْ بَقِيَ الْوَقْتُ وَإِنْ خَرَجَ سَقَطَ، كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيبُ فِيهَا، وَلَا يَجِبُ بِلَا خِلَافٍ. نَعَمْ، لَوْ أَخَّرَ الظُّهْرَ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْجَمْعُ، قُلْنَا: وَجْهٌ إنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ (وَالصَّحِيحُ) خِلَافُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّرْتِيبُ مِنْ تَوَابِعِ الْوَقْتِ؛ وَلِهَذَا إذَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي قَضَائِهَا، وَكَذَلِكَ صَوْمُ رَمَضَانَ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَإِنَّمَا تَرْتِيبٌ فِي الْأَدَاءِ لِتَرْتِيبِ أَوْقَاتِهَا، فَإِذَا فَاتَتْ الْأَوْقَاتُ جُعِلَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
سُؤَالٌ: لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي النِّصْفَ الثَّانِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَرَأَ الْأَوَّلَ عَلَى قَصْدِ التَّكْمِيلِ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ عَادَ وَقَرَأَ الثَّانِيَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ قَصْدَ التَّكْمِيلِ يُنَافِي قَصْدَ الِابْتِدَاءِ،
следующие страницы →