Полный текст (1 194 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الثَّانِي: الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَتَتَدَاخَلُ فِي صُوَرٍ:
(إحْدَاهَا) : دُخُولُ دِيَةِ الْأَطْرَافِ وَاللَّطَائِفِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، إذَا سَرَتْ الْجِرَاحَةُ فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
الثَّانِيَةُ: قَطْعُ أَجْفَانِ شَخْصٍ وَعَلَيْهَا أَهْدَابٌ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ الْأَهْدَابِ فِي الدِّيَةِ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ أَوْضَحَهُ فَزَالَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْمُوضِحَةِ دَخَلَ فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ الْوَجْهَانِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
الرَّابِعَةُ: قَلْعُ السِّنِّ مَعَ السِّنْخِ، لَا تَجِبُ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْشِ السِّنِّ وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ السِّنْخِ فِيهِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
الْخَامِسَةُ: قَطْعُ يَدِهِ، لَا يُوجِبُ فِي الشَّعْرِ حُكُومَةً.
السَّادِسَةُ: تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْأَظْفَارِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ.
стр. 212
السَّابِعَةُ: تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْكَفَّيْنِ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ لَا تَدَاخُلَ فِيهَا مِنْهَا، لَوْ اسْتَأْصَلَ أُذُنَهُ، وَأَوْضَحَ مَعَ ذَلِكَ الْعَظْمَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي دِيَةِ الْأُذُنَيْنِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْأُذُنِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يَتْبَعُ مُقَدَّرًا.
وَمِنْهَا، لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ، فَلَوْ زَالَ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا وَفِي قَوْلٍ يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ.
الثَّالِثُ: فِي (الْجِنَايَةِ عَلَى الْعِرْضِ) ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُ بِزِنًى فَحُدَّ ثُمَّ قَذَفَهُ بِزِنًى آخَرَ فَفِي حَدِّهِ ثَانِيًا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللِّعَانِ الْمَنْعُ، بَلْ يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَذِبُهُ فِي حَقِّهِ مَرَّةً بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إظْهَارِهِ ثَانِيًا، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ، الْحَدَّ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ زَنَى مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ حَدٌّ وَاحِدٌ.
الرَّابِعُ: الْعِدَّتَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّدَاخُلِ فِيهِمَا هَلْ هُوَ سُقُوطُ الْأَوَّلِ وَالِاكْتِفَاءُ بِالثَّانِي، أَوْ انْضِمَامُ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي فَيُؤَدَّيَانِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَجْهَانِ
стр. 213
فِي (الْكَافِي) وَغَيْرِهِ، وَالْخِلَافُ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَأَحْبَلَهَا، فَعِدَّتُهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَهَلْ تَدْخُلُ فِيهِ بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَتَدَاخَلُ فَهَلْ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ، وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ.
[مَا يَجِب فِيهِ التَّرْتِيب]
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: إنَّمَا يَجِبُ فِي أَحَدِ مَوْضِعَيْنِ إمَّا بَيْنَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كَالْأَعْضَاءِ فِي الطَّهَارَةِ وَكَالْجِمَارِ الثَّلَاثِ. قُلْت: وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَأَمَّا فِيمَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيهِ فَيَصِيرُ كَالْمُخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ، إذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ وَقُلْنَا: يَتَدَارَكُ، لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ رَمْيَ الْيَوْمَيْنِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ وَتَعْيِينَ النِّيَّةِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وُجُوبُهُ، كَمَا يَجِبُ فِي التَّرْتِيبِ فِي مَكَانِ الرَّمْيِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ: إنَّمَا يَظْهَرُ التَّرْتِيبُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَتَعَدُّدِهِ كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ وَلَمْ يَتَعَدَّدْ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ مَعَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُضْوَ الْوَاحِدَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، إذَا غُسِلَ لَا يَظْهَرُ فِي أَبْعَاضِهِ حُكْمُ التَّرْتِيبِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ
стр. 214
يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ تَسْتَوِي فِيهِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ الْوَاحِدُ وَالسُّجُودُ الْوَاحِدُ، لَا يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ التَّرْتِيبِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ظَهَرَ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الشَّوْطُ الْوَاحِدُ مِنْ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ يَظْهَرُ فِيهِ حُكْمُ التَّرْتِيبِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الشَّوْطَ الْوَاحِدَ يَشْتَمِلُ عَلَى خُطُوَاتٍ وَحَرَكَاتٍ وَانْتِقَالَاتٍ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ الْبَابِ وَيَجْعَلَ الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَجَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ وَابْتَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ صَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَنَزَّلَ الشَّوْطَ الْوَاحِدَ جَمِيعَهُ مَنْزِلَةَ الْوُضُوءِ بِجَمِيعِ أَفْعَالِهِ.
فَأَمَّا الشَّوْطُ الثَّانِي فَهُوَ تَكْرِيرُ شَوْطٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الشَّوْطِ وَالشَّوْطِ، وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الشَّوْطِ الْوَاحِدِ، وَمِثْلُهُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ انْتَهَى، وَكَذَلِكَ التَّرْتِيبُ، إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ عُضْوَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ كَانَا فِي حُكْمِ
стр. 215
الْعُضْوِ الْوَاحِدِ لَمْ يَجِبْ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَالْوَاحِدِ فِي الْحُكْمِ أَنَّ مَاسِحَ الْخُفِّ، لَوْ نَزَعَ أَحَدَهُمَا بَطَلَتْ طَهَارَةُ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا وَصَارَ كَأَنَّهُ نَزَعَهُمَا، وَلَوْ غَسَلَ إحْدَاهُمَا وَمَسَحَ عَلَى خُفِّ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ لَهُ تَبْعِيضُهَا كَمَا لَا تَتَبَعَّضُ الْقَدَمُ الْوَاحِدَةُ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ التَّرْتِيبُ: إنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ فَرُكْنٌ قَطْعًا كَالتَّرْتِيبِ فِي أَرْكَانِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْوَقْتِ، فَكَذَلِكَ إنْ بَقِيَ الْوَقْتُ وَإِنْ خَرَجَ سَقَطَ، كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيبُ فِيهَا، وَلَا يَجِبُ بِلَا خِلَافٍ. نَعَمْ، لَوْ أَخَّرَ الظُّهْرَ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْجَمْعُ، قُلْنَا: وَجْهٌ إنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ (وَالصَّحِيحُ) خِلَافُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّرْتِيبُ مِنْ تَوَابِعِ الْوَقْتِ؛ وَلِهَذَا إذَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي قَضَائِهَا، وَكَذَلِكَ صَوْمُ رَمَضَانَ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَإِنَّمَا تَرْتِيبٌ فِي الْأَدَاءِ لِتَرْتِيبِ أَوْقَاتِهَا، فَإِذَا فَاتَتْ الْأَوْقَاتُ جُعِلَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
سُؤَالٌ: لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي النِّصْفَ الثَّانِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَرَأَ الْأَوَّلَ عَلَى قَصْدِ التَّكْمِيلِ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ عَادَ وَقَرَأَ الثَّانِيَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ قَصْدَ التَّكْمِيلِ يُنَافِي قَصْدَ الِابْتِدَاءِ،
стр. 216
وَقَالُوا فِي بَابِ الطَّوَافِ: (إنَّ) الْبُدَاءَةَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (شَرْطٌ) ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِهِ لَمْ يُحْسَبْ، (فَإِذَا) عَادَ ثَانِيًا حُسِبَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاتِحَةِ قَصْدَ التَّكْمِيلِ صَارِفٌ (لِجَعْلِهِ) مُبْتَدَأً؛ فَلِهَذَا لَمْ (نَجْعَلْهُ) ابْتِدَاءً بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَرَّةٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَكْمِيلَ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا قَصَدَ (بِهِ) الْبُدَاةَ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ بَدَأَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْبُدَاءَةِ فَجَازَ الْإِتْمَامُ لَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ الِابْتِدَاءِ بَعْدَ قَصْدِ التَّكْمِيلِ مُوجِبًا، لِجَعْلِهِ مُبْتَدَأً، بِخِلَافِ الطَّوَافِ، فَإِنَّ (الْمُوَالَاةَ) لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ فَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ سَابِقًا لَا يُنَافِي الْمَأْتِيَّ بِهِ آخِرًا، وَمِنْ نَظَائِرِهِ مَا لَوْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ قَبْلَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَفِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ فِي الْأَصْلِ وَغَلِطَ، بَلْ (يُحْسَبُ) لَهُ غَسْلُ الْكَفِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي حُسْبَانِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَالْأَصَحُّ لَا يُحْسَبُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ (السُّنَنِ) شَرْطٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَلِكَلَامِ الرَّوْضَةِ) مَحْمَلٌ صَحِيحٌ بَيَّنْتُهُ فِي الْخَادِمِ.
стр. 217
[التَّرْتِيبُ الذِّهْنِيُّ]
فِي قَوْلِهِ: اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي فَأَعْتَقَهُ دَخَلَ فِي مِلْكِ السَّائِلِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَفِيمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَطَلَّقَهَا) قَبْلَ الدُّخُولِ طَلْقَةً وَقَعَتْ الْمُنَجَّزَةُ وَلَمْ تَقَعْ الْمُعَلَّقَةُ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى، قَالَ الْغَزَالِيُّ: (وَكَذَلِكَ) نَصَّ الشَّافِعِيِّ (﵀) عَلَى أَنَّهُ، لَوْ خَالَعَهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْخُلْعِ فَلَا يَلْحَقُ الْمُعَلَّقُ، وَقَدْ ظَنَّ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ مُرَتَّبٌ عَلَى الشَّرْطِ (وَيَقَعُ بَعْدَهُ) (وَلَا يَقَعُ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مَعَهُ (لَوَقَعَ) قَبْلَ الدُّخُولِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْجَزَاءَ مَعَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ بِالْوَضْعِ، (وَالْعِلَّةُ مَعَ الْمَعْلُولِ) ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا (تَرْتِيبٌ) عَقْلِيٌّ.
[التَّرْجَمَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أَقْسَامٌ]
أَحَدُهَا: مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ قِيَامُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ قَطْعًا لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، وَذَلِكَ مَا الْمَقْصُودُ (مِنْهُ) الْإِعْجَازُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ فَيَمْتَنِعُ تَرْجَمَتُهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، بَلْ يُعَدَّلُ لِلذِّكْرِ وَهُوَ
стр. 218
إجْمَاعٌ، وَمَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (﵀) مِنْ تَجْوِيزِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ صَحَّ رُجُوعُهُ عَنْهُ، وَمِثْلُهُ الدُّعَاءُ غَيْرُ الْمَأْثُورِ، إذَا اخْتَرَعَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْعَجَمِيَّةِ فَيَمْتَنِعُ (قَطْعًا) ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
الثَّانِي: مَا يَجُوزُ قَطْعًا لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ كَالْبَيْعِ وَالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهَا، نَعَمْ اخْتَلَفُوا فِي تَرْجَمَةِ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ، هَلْ هُوَ صَرِيحٌ، وَالْأَصَحُّ: نَعَمْ.
الثَّالِثُ: مَا يَمْتَنِعُ (فِي) الْأَصَحِّ لِلْقَادِرِ دُونَ الْعَاجِزِ، كَالْأَذَانِ وَتَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ وَالتَّشَهُّدِ يَصِحُّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ إنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ، (وَإِنْ) أَحْسَنَهَا فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّعَبُّدِ (وَكَذَلِكَ) الْأَذْكَارُ الْمَنْدُوبَةُ وَالْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ (يُشْتَرَطُ) عَرَبِيَّتُهَا فِي الْأَصَحِّ، (فَإِنْ) لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُهَا خَطَبَ بِغَيْرِهَا وَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْخُطْبَةَ الْعَرَبِيَّةَ كَالْعَاجِزِ عَنْ التَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ.
الرَّابِعُ: مَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ كَالنِّكَاحِ (وَالرَّجْعَةِ) وَاللِّعَانِ وَكَذَا الْإِسْلَامُ وَفِي بَابِ الظِّهَارِ مِنْ زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ (وَجْهٌ) أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعَرَبِيَّةُ لِلْقَادِرِ
стр. 219
عَلَيْهَا وَحَيْثُ صَحَّحْنَا النِّكَاحَ فَمَحَلُّهُ، إذَا فَهِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَفْظَ الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ، لَكِنْ أَخْبَرَهُ (بِهِ ثِقَةٌ) عَنْ مَعْنَى لَفْظِهِ فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ لِإِعْجَازِهِ امْتَنَعَ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ امْتَنَعَ لِلْقَادِرِ كَالْأَذْكَارِ، وَمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ فَجَائِزٌ.
[التَّرَادُفُ أَقْسَامٌ]
أَحَدُهَا: مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ قِيَامُ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ، وَذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ التَّعَبُّدِيَّةِ وَكَقَوْلِ الْقَاضِي: قُلْ بِاَللَّهِ فَقَالَ بِالرَّحْمَنِ، لَا يَقَعُ الْمُوقَعُ حَتَّى لَوْ صَمَّمَ عَلَيْهِ كَانَ، نَاكِلًا، وَلَوْ أَبْدَلَ الْحَرْفَ فَقَالَ (قُلْ) : بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: وَاَللَّهِ (أَوْ تَاللَّهِ) فَفِي الْحُكْمِ بِنُكُولِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ بِلَفْظِ طَلَّقْت، فَقَالَ: سَرَّحْت وَقَعَ الطَّلَاقُ.
الثَّانِي: مَا يَمْتَنِعُ فِي الْأَصَحِّ، كَقَوْلِهِ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ: أَعْلَمُ، مَوْضِعَ أَشْهَدُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا الْخِلَافُ (جَارٍ) فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ شُهُودِ الْفَرْعِ وَشُهُودِ الْأَصْلِ. قُلْت: (وَكَذَا) فِي اللِّعَانِ تَبْدِيلُ أَشْهَدُ بِأَحْلِفُ.
стр. 220
الثَّالِثُ: مَا يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى بِشَرْطِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأُصُولِيَّةُ فِي قِيَامِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ فِي التَّرَاكِيبِ، وَمِنْهُ قَالَتْ: طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ: خَالَعْتُكِ أَوْ أَبَنْتُك وَنَحْوَهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ وَنَوَى الطَّلَاقَ صَحَّ الْخُلْعُ وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا (سَأَلَتْهُ) بِالصَّرِيحِ وَأَجَابَ بِالْكِنَايَةِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَهَا شَبَهٌ (بِمَا) لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: اخْتَرْت وَنَوَتْ، وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَلَعَنِي، فَقَالَ: طَلَّقْتُك، وَقُلْنَا: الْخُلْعُ فَسْخٌ، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَا طَلَبَتْ وَزِيَادَةً، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى غَيْرِ مَا طَلَبَتْ.
[التَّرْكُ فِعْلٌ إذَا قُصِدَ]
وَمِنْ ثَمَّ، لَوْ تَرَكَ الْوَلِيُّ عَلَفَ دَابَّةِ الصَّبِيِّ حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ تَلْقِيحَ الثِّمَارِ، وَلَوْ تَرَكَ مَرَمَّةَ الْعَقَارِ حَتَّى خَرِبَ، أَوْ (إيجَارُهٌ) فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَجْهَيْنِ فِيمَا، إذَا تَرَكَ مَا خَالَعَ السَّفِيهَ عَلَيْهِ بِيَدِهِ حَتَّى تَلِفَ وَالْعَامِلُ فِي (الْمُزَارَعَةِ) الصَّحِيحَةِ، لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ السَّقْيِ فَفَسَدَ الزَّرْعُ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ.
[التَّزَاحُمُ]
تَوَارُدُ الْحُقُوقِ، وَازْدِحَامُهَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
стр. 221
أَمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ جَمِيعَ الْحَقِّ فَيَتَزَاحَمُونَ بِهِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَأَمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقِّ (بِحِصَّتِهِ) خَاصَّةً، وَالْأَوَّلُ تَزَاحَمَ فِي (الْمَصْرِفِ) .
وَالثَّانِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَيَنْقَسِمَانِ بِاعْتِبَارِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَ التَّزَاحُمُ فِي (الْمَصْرِفِ) لَا فِي الْمُسْتَحَقِّ قَطْعًا كَالدُّيُونِ الَّتِي عَلَى الْمُفْلِسِ الْحَيِّ أَوْ الْمَيِّتِ فَمَنْ لَهُ أَلْفٌ وَعَلَيْهِ سِتَّةُ آلَافٍ لِوَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ، وَلِآخَرَ أَلْفَانٍ وَلِآخَرَ أَلْفٌ (يُوَزَّعُ عَلَيْهِ) فِي (الْمَصْرِفِ) فَلِصَاحِبِ الْأَلْفِ سُدُسُ الْأَلْفِ (وَلِصَاحِبِ) الْأَلْفَيْنِ ثُلُثُهَا وَلِصَاحِبِ (الثَّلَاثَةِ) نِصْفُهَا فَلَوْ أَبْرَأَ صَاحِبَ الْأَلْفَيْنِ (وَالثَّلَاثَةِ) أَخَذَ صَاحِبُ الْأَلْفِ الْكُلَّ قَطْعًا، (وَمِنْهُ) : مَصْرِفُ الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةُ الْأَصْنَافِ حَتَّى لَوْ عَدِمَ بَعْضَهُمْ رُدَّ عَلَى (الْبَاقِينَ) قَطْعًا وَ [مِنْهُ] مَصْرِفُ الْغَنِيمَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَعْرَضَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ صَحَّ (وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ) لَمْ يَحْضُرْ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ احْتِمَالًا فِي رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِ الْخُمْسِ خَاصَّةً وَجَعَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا، وَلَوْ اسْتَحَقَّ أَخَوَانِ حَدَّ الْقَذْفِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا اسْتَحَقَّ الْآخَرُ الْجَمِيعَ كَامِلًا.
стр. 222
وَمِنْهُ) : الشُّفَعَاءُ الْمُجْتَمِعُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ (يَسْتَحِقُّ) الشُّفْعَةَ بِكَمَالِهَا فَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ حَقُّهُ وَيُخَيَّرُ الْآخَرُ بَيْنَ أَخْذِ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكِهِ، (وَمِنْهُ) : أَوْلِيَاءُ النِّكَاحِ الْمُتَسَاوُونَ فِي الدَّرَجَةِ.
(الثَّانِي) : (التَّزَاحُمُ) فِي الِاسْتِحْقَاقِ قَطْعًا كَالْحُقُوقِ الْوَاقِعَةِ عَلَى جِهَةِ الشَّرِكَةِ ابْتِدَاءً كَالْمِيرَاثِ وَنَحْوِهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ (عَفَا) بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا حَقَّهُمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَفَا أَحَدُ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَنْ حَقِّهِ رُدَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَوْفُوا حَقَّهُمْ وَمِنْ ثَمَّ (قِيلَ) : لَيْسَ لِلْحَاكِمِ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ حَتَّى يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ سِوَاهُمْ بِخِلَافِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ قَالَ لِاثْنَيْنِ: بِعْتُكُمَا دَارِي بِأَلْفٍ فَإِنَّ الْخِطَابَ قَدْ تَوَجَّهَ لِاثْنَيْنِ فَالتَّوْزِيعُ بِالنِّصْفِ (فَلَا) خِلَافَ فِي مُجَرَّدِ الِاسْتِحْقَاقِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالِكًا لِجَمِيعِ الْعَيْنِ.
(وَمِنْهُ) : الْقِصَاصُ الْمُسْتَحَقُّ لِجَمَاعَةٍ بِقَتْلِ مُوَرِّثِهِمْ يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (بِحِصَّةِ) إرْثِهِ كَالْمَالِ (فَلَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ) سَقَطَ حَقُّهُ وَسَقَطَ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ لَا (تَبْعِيضَ) .
стр. 223
الثَّالِثُ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ (أَنَّهُ) فِي (الْمَصْرِفِ) ، (فَمِنْهُ) : ذَوُو (الْفُرُوضِ) الْمُجْتَمِعُونَ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ كَالزَّوْجَاتِ وَالْجَدَّاتِ؛ وَلِهَذَا أَنَّ الْجَدَّتَيْنِ الْمُتَحَاذِيَتَيْنِ يَكُونُ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِقَوْلِ عُمَرَ (﵁) هُوَ لَكُمَا، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ الْجَدَّةِ الَّتِي تُدْلِي بِالْأَبِ الْأَبُ وَحَجَبَهَا فَهَلْ تَسْتَقِلُّ الَّتِي تُدْلِي بِالْأُمِّ بِالسُّدُسِ نَظَرًا إلَى أَنَّ التَّزَاحُمَ فِي (الْمَصْرِفِ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ نِصْفِ السُّدُسِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
(وَمِنْهُ) : أَوْصَى (لِحَمْلِ) فُلَانَةَ بِكَذَا فَأَتَتْ (بِاثْنَيْنِ) اسْتَحَقَّاهُ بِشَرْطِهِ، (وَفِي اسْتِحْقَاقِهِمَا الْوَجْهَانِ) (الْمَذْكُورَانِ وَيَظْهَرُ) أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَتَتْ بِحَيٍّ وَمَيِّتٍ فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ انْفَرَدَ الْحَيُّ بِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَى الثَّانِي لَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفُ الْمُوصَى بِهِ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ (فَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) بِالْبَيْعِ وَنَفَذَ
стр. 224
الثَّمَنُ وَفَرَّعْنَا عَلَى النِّصْفِ فَهَلْ التَّنْصِيفُ فِي (الْمَصْرِفِ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ؟ وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الْآخَرُ، فَإِنْ (قُلْنَا: الْمَصْرِفُ) اسْتَرَدَّ الْآخَرُ كُلَّ (الْمَبِيعِ) بِكُلِّ الثَّمَنِ وَإِنْ قُلْنَا (بِالِاسْتِحْقَاقِ) فَلَيْسَ لِلْمُجِيزِ إلَّا النِّصْفُ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَهَلْ يُصْرَفُ نَصِيبُهُ لِصَاحِبِهِ، (وَالتَّزَاحُمُ فِي الْمَصْرِفِ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ يُجْعَلُ (الْوَقْفُ) فِي نَصِيبِهِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمَصْرِفِ الْمَنْقُولِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَقَعْ هَذَا (الْبِنَاءُ) لِلرَّافِعِيِّ، فَقَالَ: الْقِيَاسُ جَعْلُهُ فِي نَصِيبِهِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمَا كَتَوَجُّهِهِ إلَيْهِمَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ التَّزَاحُمِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا نَظَرٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ خَرَجَ لِلَّهِ تَعَالَى (وَكَأَنَّهُ) قَالَ: خَرَجْت عَنْ هَذَا لِلَّهِ تَعَالَى فَصَارَ جِهَةً لِلْمَصْرِفِ فَأَشْبَهَ انْعِدَامَ بَعْضِ الْأَصْنَافِ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى الْبَاقِي (كَذَلِكَ) فَكَذَلِكَ هَذَا.
(وَمِنْهُ) : لَوْ أَوْصَى بِعَيْنٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِعَمْرٍو وَقُلْنَا: لَيْسَ بِرُجُوعٍ فَيَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا (مُسْتَحِقًّا) لِلْعَيْنِ وَيَقَعُ التَّزَاحُمُ فِيهَا فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ وَرَدَّ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْآخَرُ الْعَيْنَ بِكَمَالِهَا يَنْبَغِي تَخْرِيجِهَا عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا.
(الرَّابِعُ) : فِي الِاسْتِحْقَاقِ (عَلَى) رَأْي الرَّافِعِيِّ فِي الْوَقْفِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ، وَلَوْ
стр. 225
اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ (صَيْدٍ) .
(فَرْعٌ) ، مِنْ فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ: (رَجُلٌ) مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِشَخْصَيْنِ وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ دَيْنِهِمَا وَبِدَيْنِ أَحَدِهِمَا ضَامِنٌ قَالَ الَّذِي لَا ضَامِنَ لِدَيْنِهِ: لَا تُزَاحِمْنِي فَإِنَّك وَجَدْت مَحَلًّا آخَرَ يُمْكِنُك اسْتِيفَاءُ حَقِّك مِنْهُ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ (أَجَابَ) : لَهُ أَنْ يُزَاحِمَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (يَتَعَلَّقُ) بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ الضَّامِنِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَخَذَ أَحَدُ الْغَرِيمَيْنِ الْحَقَّ مِنْ الضَّامِنِ وَهَلَكَتْ التَّرِكَةُ هَلْ لِلثَّانِي أَنْ يُزَاحِمَهُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الضَّامِنِ؟ (أَجَابَ) لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِدَيْنِ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ رَهْنٌ (فَهُوَ) يَخْتَصُّ (بِثَمَنِهِ) دُونَ صَاحِبِهِ.
(قَاعِدَةٌ) : قَدْ يَقَعُ اللَّفْظُ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعَ صَلَاحِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ (مِنْهُمَا) لِلِانْفِرَادِ (بِهِ) فَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْكُلُّ أَوْ الْقِسْطُ فَإِذَا قَالَا: ضَمِنَّا (الدَّيْنَ)
стр. 226
الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ) (وَكُلُّ) وَاحِدٍ لَوْ ضَمِنَهُ مُنْفَرِدًا لَصَحَّ وَلَوْ ضَمِنَ نِصْفَهُ لَصَحَّ فَإِذَا وُجِدَ اللَّفْظُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَهَلْ يَقَعُ الضَّمَانُ مُوَزَّعًا أَوْ يَقَعُ مُكَمَّلًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَصَحَّحَ أَنَّ كُلَّ (وَاحِدٍ يَكُونُ) ضَامِنًا لِكُلِّ الْأَلْفِ وَهُوَ غَيْرُ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْإِفْهَامِ مِنْ (التَّوْزِيعِ) وَوَجَّهَ الْمُتَوَلِّي (تَصْحِيحَهُ) بِمَسْأَلَةٍ نَفِيسَةٍ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ رَجُلَانِ شَرِيكَانِ فِي عَبْدٍ لِرَجُلٍ: رَهَنَّا عَبْدَنَا عَلَى دَيْنِك الَّذِي عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ أَلْفٌ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَكُونُ رَاهِنًا نِصْفَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَلْفِ، وَهَذَا إنْ سَلِمَ مِنْ نِزَاعٍ كَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَمَانٌ لِدَيْنِ الْغَيْرِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ (عَلَى) الْأَصَحِّ، وَقَدْ يَكُونُ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا لِاثْنَيْنِ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ: (أَوْصَيْتُكُمَا) عَلَى أَوْلَادِي فَإِنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ؛ لِكَوْنِ الْخِطَابِ (يَثْبُتُ) مُوَزَّعًا، (وَمِثْلُهُ) : فِي نَظَرِ الْوَقْفِ وَالْوَكَالَةِ (لَوْ) صَرَّحَ بِاسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ ثَبَتَ، وَأَلْحَقَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ مَا إذَا (ثَنَّى) الصِّفَةَ فَقَالَ: (إنَّهُمَا وَصِيَّايَ) مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِالصِّفَةِ بِخِلَافِ، أَوْصَيْتُكُمَا أَوْصَيْت إلَيْكُمَا وَلَا يَخْلُو مِنْ نِزَاعٍ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ (الْمُشْتَرِكَيْنِ) فِي ذَلِكَ نَصَّبَ الْحَاكِمُ بَدَلَ مَنْ مَاتَ وَلَا يَسْتَقِلُّ الْآخَرُ لِوُجُودِ الْخِطَابِ مُوَزَّعًا.
стр. 227
وَأَمَّا الْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَالْأُخُوَّةِ وَالْأَعْمَامِ (وَنَحْوِهِمَا) ، فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا قَطْعًا، وَلَا تَزَاحُمَ فِي اسْتِحْقَاقٍ وَلَا مَصْرِفٍ لَكِنْ لَوْ صَدَرَ الْإِذْنُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهَا: أَذِنْت لَكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي (فَهَلْ) الْخِطَابُ مُنَزَّلٌ عَلَى الِاجْتِمَاعِ؟ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَا يَجُوزُ الِانْفِرَادُ أَوْ (نَقُولُ) : كُلُّ وَاحِدٍ (ثَبَتَ) لَهُ الْوِلَايَةُ مُسْتَقِلَّةً، (وَهَلْ يَجُوزُ) الْإِقْدَامُ بِشَرْطِ الْإِذْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ لَهُ اسْتِقْلَالًا وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ (الْإِذْنَ) شَرْطٌ، وَقَدْ وُجِدَ يُقَالُ عَلَيْهِ: لَمْ تَأْذَنْ لَهُ مُسْتَقِلًّا، وَإِنَّمَا أَذِنَتْ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَلْيَتَّبِعْ إذْنَهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لِغَيْرِهِ دُونَهُ، وَالْوَلَاءُ يُشْبِهُ الْأَنْسَابَ (وَفِي) حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «الْوَلَاءُ لَحْمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ» ، فَإِنْ وَقَعَ مُبَعَّضًا، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِلصِّنْفَيْنِ عَلَى طَرِيقِ التَّبْعِيضِ، فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّزْوِيجِ، وَإِنْ وَقَعَ مُكَمِّلًا لِوَاحِدٍ (فَعَصَبَتُهُ) يَنْزِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ، فَاسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ (فِي صُورَةِ التَّبْعِيضِ)
стр. 228
وَقَعَ مُوَزَّعًا، وَاسْتِحْقَاقُهُ فِي صُورَةِ الْكَامِلِ وَقَعَ مُكَمِّلًا، وَكُلٌّ مِنْ عَصَبَتِهِ كُلٌّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ (يَنْزِلُ) مَنْزِلَتَهُ.
فَلَوْ أَعْتَقَ (ثَلَاثَةٌ امْرَأَةً) وَمَاتُوا وَلِوَاحِدِ عَشَرَةُ أَبْنَاءَ وَآخَرَ (ثَلَاثَةٌ) وَآخَرَ اثْنَانِ (فَكُلُّ) وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ كَأَصْلِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ (الثَّلَاثَةِ) كَأَصْلِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ كَذَلِكَ، هَذَا فِي التَّزْوِيجِ وَتَحَمُّلِ الْعَقْلَ (وَنَحْوِهِمَا) ، أَمَّا فِي (الْوِرَاثَةِ) فَيَنْتَقِلُ الْمَالُ (لِعَصَبَةِ) الْجَمِيعِ (الْمُسْتَوِينَ) فِي الدَّرَجَةِ عَلَى حَسَبِ عِتْقِ أَصْلِهِ فَلِلْعَشَرَةِ الثُّلُثُ، وَلِلثَّلَاثَةِ الثُّلُثُ، وَلِلِاثْنَيْنِ الثُّلُثُ، إنْ كَانَ عِتْقُ (أُصُولِهِمْ) وَقَعَ بِالتَّثْلِيثِ، وَإِلَّا فَعَلَى حَسَبِ الْحِصَصِ، وَقَدْ يَقَعُ النَّظَرُ فِي الْوَلَاءِ فِي التَّرْتِيبِ، (فَيَخْرُجُ) مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ:.
(أَحَدُهَا) : كَانَ الْمُعْتِقُ حَيًّا، وَلَكِنْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ كَقَتْلٍ أَوْ كُفْرٍ (وَالْعِيَاذُ
стр. 229
بِاَللَّهِ) فَإِنَّ الْمَالَ يَنْتَقِلُ لِعَصَبَتِهِ فِي (حَيَاتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ اخْتِلَافِ الدِّينِ (مِنْ) الْأُمِّ، وَخَالَفَ الْقَاضِيَ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ (وَيَقْتَضِي) إلْحَاقَ الْوَلَاءِ بِالنَّسَبِ وَكَانَ الْمُعْتِقُ لَمَّا (أَعْتَقَ) هَذَا الرَّقِيقَ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُعْتِقِ وَعَصَبَاتِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الَّذِي تَرَتَّبَ الصَّرْفُ (الْمُتَرَتِّبُ) عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَصُورَةُ (كَوْنِ) الْمُعْتِقِ قَائِلًا (مَذْكُورَةٌ) فِي الدَّوْرِيَّاتِ مِنْ شَرْحِ الرَّافِعِيِّ فِي الْوَصَايَا، وَيَجِيءُ (فِيهَا) خِلَافُ (الْقَاضِي الْحُسَيْنِ) .
(الثَّانِيَةُ) : لَوْ مَاتَ (الْمُعْتِقُ) وَلَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ وَأَخٌ كَبِيرٌ فَنَقَلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (﵁) أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا الْأَخُ وَلَيْسَ بِالْمَذْهَبِ الْمُعْتَمَدِ، بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَخَ يُزَوِّجُ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَلَاءَ هَلْ يَثْبُتُ لِكُلِّ
стр. 230
وَاحِدٍ مِنْ الْكُلِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ لَا يَثْبُتُ لِلثَّانِي، إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْخِلَافَ فِي الْوَقْفِ فِي تَلَقِّي الْبُطُونِ، وَالْأَصَحُّ فِيهَا أَنَّ التَّلَقِّيَ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا الَّذِي تَرَتَّبَ الصَّرْفُ فِي (الْوَرَثَةِ) (وَشُرُوطُ الْوَقْفِ) .
(الثَّالِثَةُ) : تَنْبِيهٌ هَذَا كُلُّهُ فِي ازْدِحَامِ حُقُوقِ الْمُعَيَّنِينَ، وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فِي بَيْتِ الْمَالِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ غَنِيًّا (كَانَ) أَوْ فَقِيرًا لِلشُّبْهَةِ، نَعَمْ يُقْطَعُ الذِّمِّيُّ، وَلَا نَظَرَ لِنَفَقَةِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْفَاقٌ لِلضَّرُورَةِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ؛ وَلِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا عَدَمَ الْقَطْعِ فِي الْمُسْلِمِ بِكَوْنِهِ خَاصًّا بِالْمُسْلِمِينَ، وَانْتِفَاعُ الذِّمِّيِّ بِالْقَنَاطِرِ وَنَحْوِهَا بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فِي الشَّوَارِعِ وَنَحْوِهَا، فَالْحَقُّ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِوَاحِدٍ وَيَخْتَصُّ التَّصَرُّفُ الْكَامِلُ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ (أَمَّا أَهْلُ) الذِّمَّةِ فَيُمْنَعُونَ مِنْ إخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ إلَى شَوَارِعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ جَازَ لَهُمْ اسْتِطْرَاقُهَا؛ وَ (لِأَنَّهُ) كَإِعْلَائِهِمْ الْبِنَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَبْلَغُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
قَاعِدَةٌ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ: لَا يُقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، إلَّا بِمُرَجِّحٍ، وَلَهُ أَسْبَابٌ:
стр. 231
الْأَوَّلُ: الْأَوَّلُ: (بِالسَّبْقِ) كَازْدِحَامِ الْخُصُومِ فِي الدَّعْوَى وَالِازْدِحَامِ فِي، الْأَحْيَاءِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ، إذَا مَاتَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ (وَهُنَاكَ) مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمَا، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ وَجَبَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَلَا (يَتَغَيَّرُ) حُكْمُهُ بِمَوْتِ الْآخَرِ بَعْدَهُ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ: عَنْ (وَالِدِهِ) ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ وُجُودُ الْمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا لَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ مِنْهَا، بَلْ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَفْضَلِهِمَا وَأَوْرَعِهِمَا (فَيُقَدَّمُ) ، فَإِنْ تَسَاوَيَا (يُخَيَّرُ) .
وَمِنْهُ لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ بِدَيْنٍ (آخَرَ) (لِغَيْرِهِ) وَالتَّرِكَةُ لَا تَفِي بِهِمَا، فَالدَّيْنُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ النَّظَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي (مَجَالِسِ) النَّظَرِ وَقَالَ (أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ) فِي كِتَابِهِ: إنَّ الشَّافِعِيَّ (﵁)
стр. 232
، قَالَ: التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ، وَالْمُوَرِّثُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى التَّعَاقُبِ كَانَا (مِنْ) مَا لَهُ عَلَى السَّوَاءِ قَالَ: وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَمِنْهُ: لَوْ قَتَلَ جَمَاعَةً مُرَتَّبًا قُتِلَ بِالْأَوَّلِ (وَلِلْبَاقِينَ) الدِّيَاتُ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ الْأَبَ وَالْآخَرُ الْأُمَّ مُرَتَّبًا، وَلَا زَوْجِيَّةَ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ، أَمْ يُقْتَصُّ مِنْ الْمُبْتَدِي بِالْقَتْلِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الثَّانِي.
وَمِنْهُ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُمَيِّزَةُ (الَّتِي) تَرَى الدَّمَ عَلَى نَوْعَيْنِ، فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ، فَيُقَدَّمُ الْأَسْوَدُ، ثُمَّ الْأَحْمَرُ ثُمَّ الْأَشْقَرُ ثُمَّ الْأَصْفَرُ وَيُرَجَّحُ ذُو صِفَتَيْنِ عَلَى (ذِي) صِفَةٍ، فَإِنْ اسْتَوَيَا رُجِّحَ الْأَسْبَقُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عِنْدَ انْفِرَادِ كُلِّ صِفَةٍ أَنْ (يُعَوِّلَ) عَلَى اللَّوْنِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ.
(الْخَبَرُ الصَّحِيحُ) : وَمِنْهُ: لَوْ بَاعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّفِيعُ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي،
стр. 233
فَأَفْلَسَ) بِالثَّمَنِ وَأَرَادَ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ وَحَقُّ الْبَائِعِ ثَبَتَ بِالْإِفْلَاسِ (فَقُدِّمَ) الْأَسْبَقُ.
، وَمِنْهُ: لَوْ بَاعَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ وَوَجَدَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ وَهُوَ مَرْهُونٌ لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ سَابِقٌ لِحَقِّهِ، (فَإِنَّهُ) تَعَلَّقَ (بِالْمَالِ) بِعَقْدِ الرَّهْنِ وَحَقُّ الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ بِنَفْسِ الْحَجْرِ، وَالرَّهْنُ سَابِقٌ (وَالْإِعْسَارُ) مُتَأَخِّرٌ.
وَمِنْهُ: لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَوَكَّلَ آخَرَ (بِعِتْقِهِ) ، قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: فَعِنْدَنَا مَنْ سَبَقَ فَلَهُ الْحُكْمُ، فَإِنْ بَاعَ قَبْلَ الْعِتْقِ لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ (عَتَقَ) قَبْلَ الْبَيْعِ عَتَقَ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ: تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يُنَافِي الْبَيْعَ، فَإِنْ حَصَلَ (الْعِتْقُ وَالْبَيْعُ) فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَا جَمِيعًا وَإِنْ أَشْكَلَ أَقُرِعَ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْعِتْقِ نَفَذَ أَوْ عَلَى الْبَيْعِ فَقَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا (لَا يَصِحُّ) .
، وَمِنْهُ: لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً فَقَالَ: يَا زَانِيَةُ يَا بِنْتَ الزَّانِيَةِ وَجَبَ حَدَّانِ وَيُحَدُّ لَهَا أَوَّلًا قَبْلَ أُمِّهَا لِسَبْقِهَا بِهِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَمِنْهُ: لَوْ اُسْتُرِقَّ الْحَرْبِيُّ وَغُنِمَ مَالُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَفَّى الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ الْمَغْنُومِ (ثُمَّ) مَا فَضَلَ لِلْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا لَهُ بَعْدَ شُغْلِهِ بِحَقِّ الْغَيْرِ.
стр. 234
وَمِنْهُ: لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ الْمُدَبِّرَ عَلَى صِفَةٍ صَحَّ وَعَتَقَ بِالْأَسْبَقِ مِنْ الْمَوْتِ وَالصِّفَةِ، وَلَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ بِأَنْ عَثَرَ (بِحَجْرٍ) . الثَّانِي: بِالْقُرْعَةِ وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْقَافِ. الثَّالِثُ: بِالْقُوَّةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً عَلَى دَيْنٍ وَالتَّرِكَةُ لَا تَفِي (بِهِمَا) فَالْبَيِّنَةُ أَوْلَى، قَالَهُ (صَاحِبُ الْإِشْرَافِ) .
[التَّسْمِيَةُ]
أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ اسْتِحْبَابَ التَّسْمِيَةِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَفْعَالِ حَتَّى عِنْدَ الْجِمَاعِ وَإِرَادَةِ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ، وَفِي اسْتِحْبَابِهَا لَغُسْلِ الْجُنُبِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ (صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ) : الْأَفْعَالُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا تُسْتَحَبُّ فِيهِ كَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَذَبْحِ الْمَنَاسِكِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
стр. 235
الثَّانِي: (مَا) تُسَنُّ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ، وَالثَّالِثُ: مَا (تُكْرَهُ) فِيهِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ انْتَهَى، وَمَا (ذَكَرَهُ) فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (يَشْمَلُ) مَا لَوْ ابْتَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ (السُّورَةِ) وَبِهِ صَرَّحَ فِي التِّبْيَانِ وَحَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ الشَّافِعِيِّ (﵀) ، وَمَا ذَكَرَهُ (مِنْ الصَّلَاةِ) وَالْحَجِّ اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا أَطْلَقَهُ مِنْ الْأَذْكَارِ يَشْمَلُ التَّشَهُّدَ وَفِي اسْتِحْبَابِهَا أَوَّلُهُ وَجْهٌ قَوِيٌّ لِوُرُودِهِ (فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ) .
стр. 236
[تَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ]
ٍ: (الْأَوَّلُ) : تَصَرُّفٌ بِالْوِلَايَةِ الْمَحْضَةِ، وَهُوَ (الْأَبُ) وَالْجَدُّ وَالْحَاكِمُ (ثَانِيهَا) تَصَرُّفٌ بِالنِّيَابَةِ الْمَحْضَةِ. إمَّا بِتَسْلِيطِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْوَكِيلُ، أَوْ الشَّرْعُ كَالْحَاكِمِ فِي مَالِ الْغَائِبِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الْفَرَائِضِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ (أَنَّ) وُقُوفَ الْمَسَاجِدِ وَالْقُرَى يَصْرِفُهَا صُلَحَاءُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَمَصَالِحِهِ، إذَا فُقِدَ مَنْ إلَيْهِ النَّظَرُ. (ثَالِثُهَا) : تُصْرَفُ بِنِيَابَةٍ (مَشُوبَةٍ) بِوِلَايَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ (مَشُوبَةٍ) بِنِيَابَةٍ وَهُوَ الْوَصِيُّ مِنْ حَيْثُ (إنَّهُ) يَتَصَرَّفُ (بِالتَّفْوِيضِ) يَكُونُ تَصَرُّفُهُ بِالنِّيَابَةِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَلِي التَّصَرُّفَ مِنْ نَفْسِهِ يَكُونُ بِالْوِلَايَةِ، ذَكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ تِجَارَةِ الْوَصِيِّ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى خِلَافٍ فِي أَنَّ تَصَرُّفَ (الْوَصِيِّ) هَلْ هُوَ بِالنِّيَابَةِ أَوْ بِالْوِلَايَةِ وَبُنِيَ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا جُنَّ يَنْعَزِلُ فَإِذَا أَفَاقَ هَلْ تَعُودُ وِلَايَتُهُ: عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ غَلَّبْنَا النِّيَابَةَ لَا تَعُودُ، أَوْ الْوِلَايَةَ عَادَتْ، (وَيَخْرُجُ) مِنْ كَلَامِهِمْ خِلَافٌ فِي أَنَّ تَصَرُّفَ (الْوَصِيِّ) أَقْوَى مِنْ تَصَرُّفِ
стр. 237
الْوَكِيلِ، أَوَّلًا، فَفِي الْأُمِّ عِنْدَ الْكَلَامِ (فِي) الْأَوْصِيَاءِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْوَصِيَّ أَضْعَفُ مِنْ الْوَكِيلِ، وَالْوَكِيلُ لَا يُوَكَّلُ بِغَيْرِ الْإِذْنِ فَالْوَصِيُّ أَوْلَى وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ: لَا يَبِيعُ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ: (إنَّ) نِيَابَةَ الْوَصِيِّ أَقْوَى بِدَلِيلِ جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا يَقْدِرُ (عَلَيْهِ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ، هَذَا كَلَامُهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى (بِالْأَسْرَارِ) عَنْ الْقَفَّالِ: إنَّ عَقْدَ الْقَضَاءِ نِيَابَةٌ؛ وَلِهَذَا لَا يَسْتَخْلِفُ دُونَ الْإِذْنِ وَيَصِحُّ عَزْلُهُ، قَالَ الْقَاضِي: فَقُلْت لَهُ: لَوْ كَانَ لَبَطَلَ بِالْمَوْتِ وَلَمَّا نَفَذَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، (قُلْت) لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلِلضَّرُورَةِ نَفَذَتْ قَضَايَاهُ عَلَى الْإِمَامِ وَلَهُ حَتَّى لَا تَتَعَطَّلَ حُقُوقُهُ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ.
وَحَكَى الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ خِلَافًا فِي أَنَّ الْقَاضِيَ يُزَوِّجُ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ أَوْ بِالنِّيَابَةِ. (رَابِعُهَا) تَصَرُّفٌ بِغَيْرِ مَا سَبَقَ وَهُوَ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ تَدْعُوَ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَالتَّصَدُّقِ بِمَالِ الْمَجْهُولِ الَّذِي انْقَطَعَ وَلَا يُعْرَفُ خَبَرُهُ عَلَى مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَكَاللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَلَوْ وَجَدَ حَيَوَانًا مُعَلَّمًا بِعَلَامَةِ الْهَدْيِ كَالْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ فَإِنَّ لَهُ الْتِقَاطَهُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفَائِدَةُ الْتِقَاطِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالنَّحْرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَيَجِيءُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ كَمَا مَثَّلْنَا وَفِي الْأَبْضَاعِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الرُّفْقَةِ امْرَأَةٌ لَا وَلِيَّ لَهَا فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا حَتَّى زَوَّجَهَا جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، بَلْ (تَحْكِيمًا) وَالْمُحَكَّمُ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَاكِمِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ يَقْتَضِي
стр. 238
اشْتِرَاطَ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَضَاءِ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا يَعْسُرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ فَالْمُخْتَارُ الصِّحَّةُ إذَا كَانَ عَدْلًا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَمِنْهُ: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ وَتُنْكَحُ. (الثَّانِي) : أَنْ لَا تَدْعُوَ حَاجَةٌ لِلتَّصَرُّفِ ابْتِدَاءً فَيَنْظُرُ إنْ دَعَتْ إلَى صِحَّتِهِ وَتَنْفِيذِهِ بِطُولِ مُدَّةِ التَّصَرُّفِ وَتَكَرُّرِهَا (وَتَعَذَّرَ) اسْتِرْدَادُ أَعْيَانِ أَمْوَالِهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ أَمْوَالًا وَتَصَرَّفَ فِي (أَثْمَانِهَا) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَطَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، وَالثَّانِيَةُ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ؛ (لِأَنَّ) (رَفْعَ) التَّصَرُّفِ الْكَثِيرِ بِالنَّقْضِ عُسْرٌ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَلَا دَوَامًا وَهُوَ تَصَرُّفُ الْفُضُولِيِّ، فَفِي بُطْلَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ وَقْفِهِ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ وَتَنْفِيذِهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ لِتَصَرُّفِ الشَّخْصِ فِي مَالِ غَيْرِهِ حَالَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِمَالِكِهِ فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، (وَثَانِيهِمَا) : أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْغَاصِبُ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقِ.
(خَامِسُهَا) : التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ فِيهِ مُخَالِفَةُ الْإِذْنِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ: (بِعْهُ) بِمِائَةٍ (فَبَاعَهُ) بِأَقَلَّ لَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ لِلْوَكِيلِ فِي تَصَرُّفِهِ أَحْوَالٌ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَقْصِدَ إيقَاعَهُ (عَنْ) مُوَكِّلِهِ فَوَاضِحٌ.
стр. 239
الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ نَفْسَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْعَيْنِ فَلَغْوٌ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ فَتَصَدَّقَ وَنَوَى نَفْسَهُ لَغَتْ نِيَّتُهُ، وَوَقَعَ عَنْ الْمُوَكِّلِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَفِي (بَابِ) الدِّيَاتِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ، أَنَّ الْوَكِيلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ (إذَا قَالَ قَتَلْته لَا عَنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ، بَلْ لِغَرَضٍ نَفْسِيٍّ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ) ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمُوَكِّلِ (لِلتَّرِكَةِ) . الثَّالِثُ: أَنْ (لَا) يُطْلِقَ وَلَا يَقْصِدَ شَيْئًا، وَفِي الْفُرُوعِ الْمَنْثُورَةِ آخِرَ الطَّلَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا طَلَّقَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَنْ مُوَكِّلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا طَلَّقَ عَلَى الْمَوْلَى، (إنْ) قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ فُلَانٍ، لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ، وَنَوَى الطَّلَاقَ، أَوْ قَالَ: عَنْ فُلَانٍ، قَالَ (ابْنُ الْقَطَّانِ) يَصِحُّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يُضِيفَ إلَى مُوَكِّلِهِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً، سَوَاءٌ طَلَّقَ بِصَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ. (سَادِسُهَا) : التَّصَرُّفُ (لِلْغَيْرِ) بِمَالِ الْمُتَصَرِّفِ كَمَنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ لِزَيْدٍ سِلْعَةً فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ، وَقَعَ الْعَقْدُ عَنْ الْمُبَاشِرِ، وَإِنْ سَمَّاهُ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَغَتْ التَّسْمِيَةُ، وَهَلْ
стр. 240
يَقَعُ عَنْهُ أَمْ يَبْطُلُ؟ وَجْهَانِ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَهَلْ تَلْغُو التَّسْمِيَةُ؟ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا، وَقَعَ عَنْ الْإِذْنِ، وَهَلْ يَكُونُ الثَّمَنُ الْمَدْفُوعُ قَرْضًا أَوْ هِبَةً، وَجْهَانِ.
[تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ]
ٌ حَتَّى إذَا عَقَدَ نِكَاحًا أَوْ بَيْعًا مُخْتَلَفًا فِيهِ هَلْ يَسْتَلْزِمُ صُدُورُهُ مِنْهُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ حَتَّى لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ كَمَا لَوْ عَقَدَهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ حَكَمَ هُوَ بِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ: إنَّ الْقِسْمَةَ إنْ كَانَتْ بِالْقَاضِي فَقِسْمَتُهُ تَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالْمَوْتِ، وَفِي بَابِ الْقِسْمَةِ، إذَا اعْتَرَفُوا بِالِاشْتِرَاكِ فِي مِلْكٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِمِلْكِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِئَلَّا يَتَمَسَّكُوا بِقِسْمَتِهِ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ مُصَرِّحَةٌ بِهِ، حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ أَرَدْتُمْ (قَسْمِي) ، فَأْتُوا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَصْلِ حُقُوقِكُمْ فِيهَا وَذَلِكَ أَنِّي (إنْ) قَسَمْت بِلَا بَيِّنَةٍ فَجِئْتُمْ بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ (أَنِّي) قَسَمْت بَيْنَكُمْ هَذِهِ الدَّارَ إلَى حَاكِمٍ غَيْرِي، كَانَ (بِسَبَبِهَا) أَنْ يَجْعَلَهَا حُكْمًا مِنِّي لَكُمْ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، (فَإِنَّهُ) عَلَّلَ مَنْعَ إجَابَةِ الْحَاكِمِ الشُّرَكَاءَ، إذَا طَلَبُوا مِنْهُ الْقِسْمَةَ (بِأَنَّ) مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى قِسْمَةَ الْحَاكِمِ حُكْمًا مِنْهُ بِالْمِلْكِ فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِمَا فَيَرْفَعُ إلَى حَاكِمٍ بَعْدَهُ فَيَحْكُمُ لَهُمَا بِالْمِلْكِ، فَقَوْلُهُ: مِنْ النَّاسِ صَرِيحٌ فِي أَنَّا لَا نَقُولُ بِهِ، وَنَبَّهَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى أَنَّ هَذَا حَيْثُ لَا مُنَازِعَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِالْيَدِ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْحَاكِمِ إثْبَاتٌ لِمِلْكِهَا، وَالْيَدُ تُوجِبُ إثْبَاتَ التَّصَرُّفِ لَا إثْبَاتَ الْمِلْكِ.
وَنَبَّهَ الدَّارِمِيُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ لَهَا، فَإِنْ عَلِمَ قَضَى (لَهُ) قَطْعًا.
стр. 241
وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: لَا يُقَسَّمُ فَقُسِّمَ وَلَا بَيِّنَةَ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ، أَنَّهُ لَوْ (كَانَ عَقَارٌ) بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَرَأَيْنَا نَصِيبَهُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ أَنَّك اشْتَرَيْته وَلِي فِيهِ الشُّفْعَةُ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْغَائِبِ، فَهَلْ لِلْمُدَّعِي أَخْذُهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى الْبَيْعِ، وَيَكْتُبُ الْقَاضِي فِي السِّجِلِّ أَنَّهُ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ بِإِقْرَارِهِمَا، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِيَانِ الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْمُفْلِسَ (إنْ) تَوَلَّى بَيْعَ أَمْوَالِهِ فَذَاكَ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْحَاكِمَ، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى تَشْهَدَ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ بِمِلْكِهِ لَهَا، وَلَا (تَكْفِي) فِيهَا يَدُهُ وَاعْتِرَافُهُ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ بِالْمَسْتُورِينَ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْعَاقِدُ غَيْرَ حَاكِمٍ، فَإِنْ بَاشَرَهُ (الْحَاكِمُ لَمْ) يَنْعَقِدْ (بِهِمَا) قَطْعًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ (لَا يَجُوزُ بِمَسْتُورِينَ) ، لَكِنْ هَذِهِ طَرِيقَةٌ حَكَاهَا الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ: الصَّحِيحُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّافِعِيَّ (﵀) ذَكَرَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ النَّصِّ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يُزَوِّجُ الَّتِي تَدَّعِي غَيْبَةَ وَلِيِّهَا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ (خَاصٌّ) حَاضِرٌ، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ عَنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: (إنَّهُ وَاجِبٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ) : يُسْتَحَبُّ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْعُقُودِ
стр. 242
إلَى (قَوْلِ أَرْبَابِهَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ،: وَالْأَصَحُّ الثَّانِي، وَهَذَا يَقْتَضِي) أَنَّ تَصَرُّفَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِي الْعُقُودِ وَالْأَمْلَاكِ (وَنَحْوِهِمَا) بِمُجَرَّدِ قَوْلِ أَرْبَابِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْعِلْمِ بِهِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي كَلَامِهِ عَلَى الْمَفْقُودِ: وَإِذَا ضَرَبَ الْقَاضِي الْمُدَّةَ فَمَضَتْ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمًا بِوَفَاتِهِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِ حُكْمٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَفِي حَاشِيَةِ الْكِفَايَةِ: الْحَنَفِيُّ يُجَوِّزُ الْعَقْدَ بِحُضُورِ (فَاسِقَيْنِ) ، فَإِذَا رَفَعَ عَقَدَهُ لِحَاكِمٍ شَافِعِيٍّ (وَقَدْ كَانَ) بَاشَرَ الْعَقْدَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ، فَهَلْ مُبَاشَرَتُهُ لِلْعَقْدِ حُكْمٌ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يَكُونَ فِي نَقْضِهِ مَا فِي نَقْضِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ أَوْ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَكَذَا فِي كُلِّ (مَا يُبَاشِرُهُ) الْحُكْمُ مِنْ الْعُقُودِ؟ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ إذْ فِي الشَّامِلِ أَيْ وَالْبَحْرِ فِيمَا إذَا قَسَّمَ مَالُ الْمُفْلِسِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ لَهُ حِصَّتَهُ، إنْ قِيلَ: (فَقَدْ) نَقَضْتُمْ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِالْقِسْمَةِ، قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ (بِحُكْمٍ) مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (﵁) ؛ لَوْ زَوَّجَ الصَّغِيرَةَ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ، وَلَوْ حَكَمَ فِيهِ (حَاكِمٌ آخَرُ بَعْدَ التَّزْوِيجِ) نَفَذَ، وَالْمَاوَرْدِيُّ أَجَابَ عَنْ السُّؤَالِ، بِأَنَّ ذَلِكَ وِزَانُ وِجْدَانِ النَّصِّ بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ نَصٌّ فِي هَذَا، وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَلَّمَ أَنَّهُ حُكْمٌ.
стр. 243
وَأَنَا أَقُولُ: إنْ تُخُيِّلَ ذَلِكَ فِي قِسْمَتِهِ جَبْرًا، (فَلَا يُتَخَيَّلُ) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، إذَا تَقَدَّمَ مِنْهُ (شِقُّ) الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْبِقَ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وُجُودُ أَحَدِ شِقَّيْ الْعَقْدِ وَالْحُكْمُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ.
نَعَمْ (إذَا) تَقَدَّمَ شِقُّ الْقَبُولِ عَلَى شِقِّ الْإِيجَابِ فِيهِ فَقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ (أَنَّهُ حُكْمٌ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. وَحَصَلَ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمًا لَاسْتَدْعَى تَقَدُّمَ دَعْوَى فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا. الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي مَحْكُومًا لَهُ وَعَلَيْهِ وَبِهِ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ ظَهَرَ مَا بَاعَهُ مُسْتَحَقًّا بَطَلَ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا لَمْ يَبْطُلْ، ثُمَّ إنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ، هَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ أَمْ لَا. الرَّابِعُ: أَنَّ (مُسْتَنَدَ) الْحُكْمِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا، وَالْإِلْزَامُ الَّذِي هُوَ إنْفَاذُ
стр. 244
الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمُسْتَنَدِ السَّابِقِ وَقَوْلُ الْقَاضِي: بِعْت (أَوْ زَوَّجْت) ، (وَنَحْوُهُمَا) لَيْسَ (كَذَلِكَ) ؛ وَلِأَنَّ (الْإِلْزَامَ) يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ وَقَعَ وَالْعَقْدُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ (﵀) فِي الرِّسَالَةِ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي تَرْجَمَةِ الْحُجَّةِ فِي (ثَبْتِ) خَبَرِ الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي عَلَى الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ يُخْبِرُ بِهِ عَنْ بَيِّنَةٍ، ثَبَتَتْ عِنْدَهُ أَوْ إقْرَارٌ مِنْ خَصْمٍ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ، فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ فِيهِ انْتَهَى.
وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ، أَنْ يُقَالَ: تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا هُوَ حُكْمٌ قَطْعًا، وَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجِبِ. (الثَّانِي) : مَا لَيْسَ بِحُكْمٍ قَطْعًا، كَسَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالْبَيِّنَةِ (وَنَحْوِهِ) . الثَّالِثُ: مَا فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، كَمَا إذَا بَاعَ أَوْ زَوَّجَ وَنَحْوُهُ الرَّابِعُ: مَا فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ حُكْمٌ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فَسْخُ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٌ. (فَفَسَخَ) الْقَاضِي، كَانَ ذَلِكَ (حُكْمًا مِنْهُ) بِالْفَسْخِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ حَتَّى يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْفَسْخِ أَوْ بِمُوجَبِهِ.
стр. 245
[تَصَرُّفُ الْإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ]
ِ نَصَّ عَلَيْهِ: قَالَ (الْفَارِسِيُّ) فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ (﵀) : مَنْزِلَةُ الْوَالِي مِنْ الرَّعِيَّةِ: مَنْزِلَةُ الْوَلِيُّ مِنْ الْيَتِيمِ انْتَهَى. وَهُوَ نَصٌّ فِي كُلِّ وَالٍ، وَمِنْ ثَمَّ إذَا قَسَّمَ عَلَى الْأَصْنَافِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ وَكَذَا التَّسْوِيَةُ، بِخِلَافِ (الْمَالِكِ) فِيهِمَا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِذَا أَرَادَ إسْقَاطَ بَعْضِ الْجَنَدِ بِسَبَبٍ جَازَ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ لَا يَجُوزُ، حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يُنَصِّبَ إمَامًا (لِلصَّلَوَاتِ) فَاسِقًا وَإِنْ صَحَّحْنَا الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ، أَيْ؛ لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَوَلِيُّ الْأَمْرِ مَأْمُورٌ بِمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي حَمْلِ النَّاسِ عَلَى فِعْلِ (الْمَكْرُوهِ) ، وَحَيْثُ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْأَسِيرِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ لَمْ يَكُنْ
стр. 246
ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي، بَلْ يَرْجِعُ (إلَى الْمَصْلَحَةِ) حَتَّى إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ حَبَسَهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ، (وَلَوْ طَلَبَتْ) مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا خَاصًّا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْكَفَاءَةِ هُنَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَالنَّائِبِ عَنْهُمْ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَفْوِيتِهِ.
[التَّصْرِيحُ بِبَعْضِ مَا يَقْتَضِيه الْإِطْلَاقُ هَلْ يَكُونُ مُفْسِدًا]
فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ: (مِنْهَا) (إطْلَاقُ) الْبَيْعِ يَقْتَضِي الْحُلُولَ فَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِعِشْرِينَ بِشَرْطِ حُلُولِ عَشَرَةٍ مِنْهَا صَحَّ وَإِنْ (كَانَ) الْكُلُّ حَالًّا وَلَا يُقَالُ: إنَّ النَّصَّ عَلَى حُلُولِ الْعَشَرَةِ يَقْتَضِي تَأْجِيلَ الْبَاقِي فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ (لِجَهَالَةِ) الْأَجَلِ وَقِيلَ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْخِيَارَ (ثَابِتٌ) لِلْمُكَاتَبِ ابْتِدَاءً فَلَوْ شَرَطَ لِلسَّيِّدِ خِيَارَ (الثَّلَاثِ) فِي الْكِتَابَةِ قَالَ الرُّويَانِيُّ: إنْ أَرَادَ نَفْيَ الْخِيَارِ لَهُ بَعْدَ (الثَّلَاثِ) بَطَلَ الْعَقْدُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ أَرَادَ إثْبَاتَ الْخِيَارِ لَهُ فِي (الثَّلَاثِ) مَعَ (ثُبُوتِهِ) بَعْدَ هَذَا (صَحَّ) الْعَقْدُ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الشَّرْطِ وَإِنْ (أَطْلَقَ) الْقَوْلَ بِلَا إرَادَةٍ فَوَجْهَانِ، وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِثَلَاثٍ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِيَارِ بَعْدَهَا كَمَا لَوْ قَالَ
стр. 247
: اقْضِ دَيْنِي إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَهَا وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ أَجَابَ بِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِإِذْنٍ، فَإِذَا أَقْدَرَ (الثَّلَاثَ) عَادَ الْأَمْرُ بَعْدَ (الثَّلَاثِ) ، إلَى مَا قَبْلُ وَهَا هُنَا الْخِيَارُ ثَابِتٌ لِلْمُكَاتَبِ ابْتِدَاءً، فَشَرْطُهُمَا خِيَارُ (الثَّلَاثِ) يَقْتَضِي إثْبَاتَهُ، فَإِذَا مَضَتْ بَقِيَ (لَهُ) الْخِيَارُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَلَا يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ (مُفِيدًا) زِيَادَةَ فَائِدَةٍ.
[فُصُولُ التَّعَارُضِ]
[تَعَارُضُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ]
ِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْقَاعِدَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ أَوْ الِاسْتِصْحَابُ (اعْلَمْ) : أَنَّ الْأَصْحَابَ تَارَةً يُعَبِّرُونَ (عَنْهُمَا) بِالْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ وَتَارَةً بِالْأَصْلِ وَالْغَالِبِ، وَكَأَنَّهُمَا بِمَعْنًى (وَاحِدٍ) ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ التَّغَايُرَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَالِبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ وَهَذَا يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مَا يَحْصُلُ بِمُشَاهَدَةٍ
стр. 248
كَبَوْلِ الظَّبْيَةِ وَإِنْزَالِ (الْمَرْأَةِ) الْمَاءَ بَعْدَ مَا اغْتَسَلَتْ وَقَضَتْ شَهْوَتَهَا، وَهَذَا لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَرَجَّحُ وُقُوعُهُ فَهُوَ مُسَاوٍ لِلْغَالِبِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ شُرُوطٌ: (أَحَدُهَا) : أَنْ لَا (تَطَّرِدَ) الْعَادَةُ (بِمُخَالَفَةِ) الْأَصْلِ، فَإِنْ (اطَّرَدَتْ) (عَادَةٌ) بِذَلِكَ كَاسْتِعْمَالِ (السِّرْجِينِ) فِي أَوَانِي الْفَخَّارِ قُدِّمَتْ عَلَى الْأَصْلِ قَطْعًا فَيُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمِثْلُهُ (الْمَاءُ) الْهَارِبُ فِي الْحَمَّامِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِالْبَوْلِ فِيهِ. (الثَّانِي) : أَنْ تَكْثُرَ أَسْبَابُ الظَّاهِرِ، فَإِنْ نَدَرَتْ لَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ قَطْعًا؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ (عَلَى) أَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحَدَثُ (كَانَ) لَهُ الْأَخْذُ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ يُجْرُوا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؟ قَالَ الْإِمَامُ: (وَفَرَّقَ شَيْخِي بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَتَطَرَّقُ إلَى تَمْيِيزِ الطَّاهِرِ) مِنْ النَّجِسِ؛ لِأَنَّ لِلنَّجَاسَاتِ أَمَارَاتٍ بِخِلَافِ الْحَدَثِ، وَرَدَّهُ الْإِمَامُ (بِأَنَّ أَصْلَ) الشَّافِعِيِّ فِي تَمْيِيزِ دَمِ الْحَيْضِ عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ بِالصِّفَاتِ مَعْلُومٌ، وَهَذَا اجْتِهَادٌ وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّرْعُ لِلْمَنِيِّ صِفَاتٍ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا التَّمَسُّكُ بِهَا، فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ
стр. 249
لَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْأَحْدَاثِ غَيْرُ (سَدِيدٍ) ثُمَّ حَاوَلَ الْفَرْقَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا النَّجَاسَةُ كَثِيرَةٌ (جِدًّا) ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ فِي الْأَحْدَاثِ وَلَا أَثَرَ لِلنَّادِرِ، وَالتَّمَسُّكُ بِاسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ أَوْلَى. (الثَّالِثُ) : أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ (أَحَدِهِمَا) مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فَالْعَمَلُ (بِالتَّرْجِيحِ) مُتَعَيِّنٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَوْلُ (الْأَصْحَابِ) مَنْ قَالَ: إنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ، فَفِيهَا قَوْلَانِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ لَنَا مَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا (يُنْظَرُ) فِيهَا إلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ، وَمَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَصْلِ (قَطْعًا) كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ صَلَّى (ثَلَاثًا) أَوْ أَرْبَعًا، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِيهَا كُلِّهَا (بِالْأَصْلِ) وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقُ وَالرَّكْعَةُ الرَّابِعَةُ، فَالصَّوَابُ فِي الضَّابِطِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: (إنَّهُ) عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا يَجِبُ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ كَمَا فِي تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّاجِحِ فَهِيَ مَسَائِلُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ (الظَّاهِرِ) عُمِلَ بِهِ أَوْ دَلِيلُ [الْأَصْلِ] عُمِلَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي (تَقَابُلِ) الْأَصْلَيْنِ أَوْ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ مَا
стр. 250
إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فَالْعَمَلُ بِالْمُرَجَّحِ مُتَعَيِّنٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَمْرَانِ: (أَحَدُهُمَا) : قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ مَاتَ فَادَّعَى الْمُعْتِقُ (نَقْصَ) الْقِيمَةٍ بِسَبَبِ (نَقِيصَةٍ) طَارِئَةٍ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْصِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ (فَيَخْرُجُ) عَلَى تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ وَلَيْسَ مَعْنَى تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ اسْتِحَالَةَ التَّرْجِيحِ بَلْ يَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مِنْ مُدْرَكٍ آخَرَ سِوَى اسْتِصْحَابِ الْأُصُولِ، فَإِنْ (تَعَذَّرَ) ، فَلَيْسَ إلَّا التَّوَقُّفُ أَمَّا تَخْيِيرُ (الْمَعْنَى) بَيْنَ مُتَنَاقِضَيْنِ فَلَا وَجْهَ لَهُ. قُلْت قَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ (وَجْهًا) . (الثَّانِي) : قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ: إذَا أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ (فَبَاعَ) الرَّاهِنُ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ فَادَّعَى أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ بَيْعِهِ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ عَدَمِ الرُّجُوعِ يُعَارِضُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبَيْعِ (فَيَبْقَى) ، أَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الرَّهْنِ، وَبَسْطُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ عَارَضَهُ الْأَصْلُ الْآخَرُ (فَتَعَطَّلَ) ، وَبَقِيَ أَصْلٌ آخَرُ خَالِيًا (مِنْ) الْمُعَارَضَةِ (فَيُعْمَلُ) بِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إذَا اجْتَمَعَ فِي جَانِبٍ أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ، وَفِي جَانِبٍ (آخَرَ أَصْلٌ) أَوْ ظَاهِرٌ (فَقَطْ، لَا) تَعَارُضَ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّسَاوِي، وَلَا تَسَاوِيَ (وَلَكِنْ) يُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ إذْ الْعَمَلُ بِهِ مُتَيَقِّنٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلٌّ مِنْ
следующие страницы →