Полный текст (1 194 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي، بَلْ يَرْجِعُ (إلَى الْمَصْلَحَةِ) حَتَّى إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ حَبَسَهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ، (وَلَوْ طَلَبَتْ) مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا خَاصًّا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْكَفَاءَةِ هُنَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَالنَّائِبِ عَنْهُمْ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَفْوِيتِهِ.
[التَّصْرِيحُ بِبَعْضِ مَا يَقْتَضِيه الْإِطْلَاقُ هَلْ يَكُونُ مُفْسِدًا]
فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ: (مِنْهَا) (إطْلَاقُ) الْبَيْعِ يَقْتَضِي الْحُلُولَ فَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِعِشْرِينَ بِشَرْطِ حُلُولِ عَشَرَةٍ مِنْهَا صَحَّ وَإِنْ (كَانَ) الْكُلُّ حَالًّا وَلَا يُقَالُ: إنَّ النَّصَّ عَلَى حُلُولِ الْعَشَرَةِ يَقْتَضِي تَأْجِيلَ الْبَاقِي فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ (لِجَهَالَةِ) الْأَجَلِ وَقِيلَ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْخِيَارَ (ثَابِتٌ) لِلْمُكَاتَبِ ابْتِدَاءً فَلَوْ شَرَطَ لِلسَّيِّدِ خِيَارَ (الثَّلَاثِ) فِي الْكِتَابَةِ قَالَ الرُّويَانِيُّ: إنْ أَرَادَ نَفْيَ الْخِيَارِ لَهُ بَعْدَ (الثَّلَاثِ) بَطَلَ الْعَقْدُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ أَرَادَ إثْبَاتَ الْخِيَارِ لَهُ فِي (الثَّلَاثِ) مَعَ (ثُبُوتِهِ) بَعْدَ هَذَا (صَحَّ) الْعَقْدُ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الشَّرْطِ وَإِنْ (أَطْلَقَ) الْقَوْلَ بِلَا إرَادَةٍ فَوَجْهَانِ، وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِثَلَاثٍ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِيَارِ بَعْدَهَا كَمَا لَوْ قَالَ
стр. 247
: اقْضِ دَيْنِي إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَهَا وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ أَجَابَ بِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِإِذْنٍ، فَإِذَا أَقْدَرَ (الثَّلَاثَ) عَادَ الْأَمْرُ بَعْدَ (الثَّلَاثِ) ، إلَى مَا قَبْلُ وَهَا هُنَا الْخِيَارُ ثَابِتٌ لِلْمُكَاتَبِ ابْتِدَاءً، فَشَرْطُهُمَا خِيَارُ (الثَّلَاثِ) يَقْتَضِي إثْبَاتَهُ، فَإِذَا مَضَتْ بَقِيَ (لَهُ) الْخِيَارُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَلَا يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ (مُفِيدًا) زِيَادَةَ فَائِدَةٍ.
[فُصُولُ التَّعَارُضِ]
[تَعَارُضُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ]
ِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْقَاعِدَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ أَوْ الِاسْتِصْحَابُ (اعْلَمْ) : أَنَّ الْأَصْحَابَ تَارَةً يُعَبِّرُونَ (عَنْهُمَا) بِالْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ وَتَارَةً بِالْأَصْلِ وَالْغَالِبِ، وَكَأَنَّهُمَا بِمَعْنًى (وَاحِدٍ) ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ التَّغَايُرَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَالِبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ وَهَذَا يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مَا يَحْصُلُ بِمُشَاهَدَةٍ
стр. 248
كَبَوْلِ الظَّبْيَةِ وَإِنْزَالِ (الْمَرْأَةِ) الْمَاءَ بَعْدَ مَا اغْتَسَلَتْ وَقَضَتْ شَهْوَتَهَا، وَهَذَا لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَرَجَّحُ وُقُوعُهُ فَهُوَ مُسَاوٍ لِلْغَالِبِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ شُرُوطٌ: (أَحَدُهَا) : أَنْ لَا (تَطَّرِدَ) الْعَادَةُ (بِمُخَالَفَةِ) الْأَصْلِ، فَإِنْ (اطَّرَدَتْ) (عَادَةٌ) بِذَلِكَ كَاسْتِعْمَالِ (السِّرْجِينِ) فِي أَوَانِي الْفَخَّارِ قُدِّمَتْ عَلَى الْأَصْلِ قَطْعًا فَيُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمِثْلُهُ (الْمَاءُ) الْهَارِبُ فِي الْحَمَّامِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِالْبَوْلِ فِيهِ. (الثَّانِي) : أَنْ تَكْثُرَ أَسْبَابُ الظَّاهِرِ، فَإِنْ نَدَرَتْ لَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ قَطْعًا؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ (عَلَى) أَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحَدَثُ (كَانَ) لَهُ الْأَخْذُ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ يُجْرُوا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؟ قَالَ الْإِمَامُ: (وَفَرَّقَ شَيْخِي بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَتَطَرَّقُ إلَى تَمْيِيزِ الطَّاهِرِ) مِنْ النَّجِسِ؛ لِأَنَّ لِلنَّجَاسَاتِ أَمَارَاتٍ بِخِلَافِ الْحَدَثِ، وَرَدَّهُ الْإِمَامُ (بِأَنَّ أَصْلَ) الشَّافِعِيِّ فِي تَمْيِيزِ دَمِ الْحَيْضِ عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ بِالصِّفَاتِ مَعْلُومٌ، وَهَذَا اجْتِهَادٌ وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّرْعُ لِلْمَنِيِّ صِفَاتٍ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا التَّمَسُّكُ بِهَا، فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ
стр. 249
لَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْأَحْدَاثِ غَيْرُ (سَدِيدٍ) ثُمَّ حَاوَلَ الْفَرْقَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا النَّجَاسَةُ كَثِيرَةٌ (جِدًّا) ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ فِي الْأَحْدَاثِ وَلَا أَثَرَ لِلنَّادِرِ، وَالتَّمَسُّكُ بِاسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ أَوْلَى. (الثَّالِثُ) : أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ (أَحَدِهِمَا) مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فَالْعَمَلُ (بِالتَّرْجِيحِ) مُتَعَيِّنٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَوْلُ (الْأَصْحَابِ) مَنْ قَالَ: إنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ، فَفِيهَا قَوْلَانِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ لَنَا مَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا (يُنْظَرُ) فِيهَا إلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ، وَمَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَصْلِ (قَطْعًا) كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ صَلَّى (ثَلَاثًا) أَوْ أَرْبَعًا، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِيهَا كُلِّهَا (بِالْأَصْلِ) وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقُ وَالرَّكْعَةُ الرَّابِعَةُ، فَالصَّوَابُ فِي الضَّابِطِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: (إنَّهُ) عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا يَجِبُ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ كَمَا فِي تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّاجِحِ فَهِيَ مَسَائِلُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ (الظَّاهِرِ) عُمِلَ بِهِ أَوْ دَلِيلُ [الْأَصْلِ] عُمِلَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي (تَقَابُلِ) الْأَصْلَيْنِ أَوْ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ مَا
стр. 250
إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فَالْعَمَلُ بِالْمُرَجَّحِ مُتَعَيِّنٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَمْرَانِ: (أَحَدُهُمَا) : قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ مَاتَ فَادَّعَى الْمُعْتِقُ (نَقْصَ) الْقِيمَةٍ بِسَبَبِ (نَقِيصَةٍ) طَارِئَةٍ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْصِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ (فَيَخْرُجُ) عَلَى تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ وَلَيْسَ مَعْنَى تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ اسْتِحَالَةَ التَّرْجِيحِ بَلْ يَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مِنْ مُدْرَكٍ آخَرَ سِوَى اسْتِصْحَابِ الْأُصُولِ، فَإِنْ (تَعَذَّرَ) ، فَلَيْسَ إلَّا التَّوَقُّفُ أَمَّا تَخْيِيرُ (الْمَعْنَى) بَيْنَ مُتَنَاقِضَيْنِ فَلَا وَجْهَ لَهُ. قُلْت قَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ (وَجْهًا) . (الثَّانِي) : قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ: إذَا أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ (فَبَاعَ) الرَّاهِنُ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ فَادَّعَى أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ بَيْعِهِ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ عَدَمِ الرُّجُوعِ يُعَارِضُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبَيْعِ (فَيَبْقَى) ، أَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الرَّهْنِ، وَبَسْطُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ عَارَضَهُ الْأَصْلُ الْآخَرُ (فَتَعَطَّلَ) ، وَبَقِيَ أَصْلٌ آخَرُ خَالِيًا (مِنْ) الْمُعَارَضَةِ (فَيُعْمَلُ) بِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إذَا اجْتَمَعَ فِي جَانِبٍ أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ، وَفِي جَانِبٍ (آخَرَ أَصْلٌ) أَوْ ظَاهِرٌ (فَقَطْ، لَا) تَعَارُضَ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّسَاوِي، وَلَا تَسَاوِيَ (وَلَكِنْ) يُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ إذْ الْعَمَلُ بِهِ مُتَيَقِّنٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلٌّ مِنْ
стр. 251
الْأَمْرَيْنِ قَوْلُ (الشَّافِعِيِّ) فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، (وَالدَّاخِلِ) (تَسَاقَطَتَا) (وَبَقِيَتْ) الْيَدُ خَالِيَةً عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَعُمِلَ بِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ أَصْلًا، فِيهِ قَوْلَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي احْتِيَاجِ الدَّاخِلِ إلَى الْيَمِينِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْتَاجُ وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَاجُ.
(وَاعْلَمْ) : أَنَّ الضَّابِطَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الظَّاهِرُ حُجَّةً يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالْإِخْبَارِ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَصْلِ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ سَنَدُهُ الْعُرْفَ أَوْ الْقَرَائِنَ أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَهَذِهِ يَتَفَاوَتُ (أَمْرُهَا) فَتَارَةً يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ وَتَارَةً يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ وَتَارَةً يَخْرُجُ خِلَافٌ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) : مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالظَّاهِرِ كَالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ قَطْعًا، (وَمِنْهُ) : الْيَدُ فِي الدَّعْوَى فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمِلْكِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْيَدِ الْمِلْكُ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ (وَمِنْهَا إخْبَارُ الثِّقَةِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ) .
(وَمِنْهَا) : إخْبَارُ الثِّقَةِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا يُقَدَّمُ عَلَى أَصْلِ طَهَارَةِ الْمَاءِ قَطْعًا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا مُوَافِقًا وَلَكِنْ عَيَّنَ تِلْكَ النَّجَاسَةَ.
стр. 252
وَمِنْهُ) : قَبُولُ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَقْرَاءِ وَلَوْ فِي مُدَّةٍ أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ، (وَمِنْهُ) : لَوْ أَخَذَ الْمُحْرِمُ بَيْضَ دَجَاجَةٍ وَأَحْضَنَهَا صَيْدًا فَفَسَدَ بِيضُهُ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْفَسَادَ نَشَأَ مِنْ ضَمِّ بَيْضِ الدَّجَاجَةِ إلَى بَيْضِهِ، وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ فِيهِ خِلَافًا.
(مِنْهُ) : لَوْ اغْتَسَلَتْ مِنْ الْجِمَاعِ بَعْدَ مَا قَضَتْ شَهْوَتَهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيٌّ بَعْدَ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إعَادَةُ الْغُسْلِ
؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مَنِيُّهَا، أَوْ مَنِيُّهَا وَمَنِيُّ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اخْتِلَاطُهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْوَسِيطِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلظَّنِّ أَثَرًا يَعْنِي فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ
، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ مَسْأَلَةً نُسِبَ فِيهَا إلَى الْوَهْمِ وَالتَّفَرُّدِ، فِيمَنْ تَحَقَّقَ الْحَدَثُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِالْوُضُوءِ (لَعَلَّهُ) أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْوَسِيطِ هَذَا،
فَإِنَّ الظَّنَّ كَمَا أَثَّرَ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَقَضَاءِ الْوِتْرِ كَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ.
(وَمِنْهُ) لَوْ وَضَعَ عَصِيرًا فِي دَنٍّ وَسَدَّ فَمَه ثُمَّ فَتَحَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ (فَوَجَدَهُ) خَلًّا فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ كَانَ الَّذِي فِي الدَّنِّ قَدْ انْقَلَبَ خَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ انْقِلَابُهُ خَمْرًا قَبْلَ انْقِلَابِهِ خَلًّا.
(وَمِنْهُ) : مُدَّةُ الْخُفِّ إذَا شَكَّ فِي انْقِضَائِهَا يَأْخُذُ بِالشَّكِّ وَيَتْرُكُ الْأَصْلَ
، (وَمِنْهُ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ (﵀) فِي الْأُمِّ (فِيمَنْ) مَرَّ (فِي
стр. 253
الصَّحْرَاءِ) بِمَيِّتٍ (وَعَلَيْهِ) أَثَرُ الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ وَالْحَنُوطِ
(فَإِنَّهُمْ) يَدْفِنُونَهُ، فَإِنْ اخْتَارُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ صَلُّوا عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ انْتَهَى، وَفِي هَذَا تَوَقُّفٌ (بَلْ الْأَظْهَرُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ الِاقْتِصَارِ عَلَى غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَلَا مُرْشِدَ لِلصَّلَاةِ) (عَلَيْهِ) حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
(الثَّانِي) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الظَّاهِرِ، (فَمِنْهُ) : لَوْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ مِنْهَا لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ جَرَيَانُهَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إتْيَانِهِ (بِهِ) ، وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ.
(وَمِنْهُ) اخْتِلَافُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ (الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي) الصِّحَّةَ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَهَا.
(وَمِنْهُ) : لَوْ جَاءَ مِنْ قُدَّامِ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى بِهِ، وَشَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ الْقُدْوَةُ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: لَا يَصِحُّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءَ مِنْ وَرَائِهِ وَقَوَّاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ امْتَشَطَ (مُحْرِمٌ) فَانْتُتِفَ مِنْهُ شَعْرٌ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ حَصَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْمَشْطِ، أَمْ لَا فَقِيلَ يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ثَابِتًا إلَى وَقْتِ الِامْتِشَاطِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي حُصُولِ الْإِبَانَةِ فَيُضَافُ إلَيْهِ، وَأَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ؛
стр. 254
لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْفِدْيَةِ.
وَمِنْهُ: حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ (ضَرْبَةٍ) فَضَرَبَهُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ عَلِمَ إصَابَةَ الْجَمِيعِ لَهُ بَرِئَ، وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا بَرَّ عَلَى النَّصِّ، وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ: لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ، عَدَمُ الْإِصَابَةِ.
وَمِنْهُ: رَأَى حَيَوَانًا يَبُولُ فِي مَاءٍ، (ثُمَّ جَاءَ) ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَإِنْ اُحْتُمِلَ تَغَيُّرُهُ بِطُولِ (مُكْثٍ) ، أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ نَصَّ عَلَيْهِ. (فَأَسْنَدَ) التَّغَيُّرَ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ، لَكِنَّهُ بَعْدَ التَّغَيُّرِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ (بِالْمُكْثِ) وَأَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ الْبَوْلِ، وَإِحَالَتُهُ عَلَى الْبَوْلِ الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى مِنْ إحَالَتِهِ عَلَى طُولِ الْمُكْثِ، فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ فَقَدَّمَ الظَّاهِرَ عَلَى الْأَصْلِ، وَتَابَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَهِدَهُ عَنْ قُرْبٍ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَنَجِسٌ، وَإِلَّا فَطَاهِرٌ، وَلَوْ ذَهَبَ عَقِبَ الْبَوْلِ، فَلَمْ يَجِدْهُ مُتَغَيِّرًا، ثُمَّ عَادَ فِي زَمَنٍ آخَرَ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ يُحْكَمُ.
وَمِنْهُ، لَوْ قَطَعَ لِسَانَ صَبِيٍّ حِينَ وُلِدَ وَلَمْ (تَظْهَرْ أَمَارَاتٌ) لِصِحَّةِ لِسَانِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ وَعَكَسَ الْإِمَامُ فَقَالَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ.
وَمِنْهُ: لَوْ وَكَّلَ بِتَزْوِيجِ ابْنَتِهِ، (ثُمَّ مَاتَ) (الْمُوَكِّلُ) وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ
стр. 255
مَاتَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ النِّكَاحِ، (وَالْأَظْهَرُ) بَقَاءُ الْحَيَاةِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ، وَخَالَفَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِالشَّكِّ.
وَمِنْهُ: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ لِوَقْتٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا أَمْسَكَتْ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، بَلْ تُصَلِّي مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ فَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْزَأَهَا مَا صَلَّتْ وَإِنْ دَامَ تَرَكَتْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ، وَأَنْ يَكُونَ دَمَ فَسَادٍ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّلَاةِ بِالشَّكِّ، وَاقْتَضَى كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالْمُبْتَدَأَةِ، وَأَنَّ الْمُعْتَادَةَ تَتْرُكُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ قَطْعًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَجْهٌ مُفَصَّلٌ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ (بَعْدُ) ، وَمِثْلُهُ الْخِلَافُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ هَلْ يَحْصُلُ بِالطَّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، هَلْ تَطْلُقُ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ أَوْ بِمُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَمِنْهَا، لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُ دُخُولِهِ، وَلَا الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْأَوَانِي وَالْفِطْرِ وَالصِّيَامِ.
وَمِنْهُ: النَّوْمُ غَيْرَ (مُمَكِّنٍ) مَقْعَدَتَهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْحَدَثِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ خُرُوجِهِ وَبَقَاءَ الطَّهَارَةِ.
стр. 256
وَمِنْهَا: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدًا وَلَا اسْتِئْنَافًا بَلْ أَطْلَقَ، فَالْأَظْهَرُ يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِيقَاعِ كَاللَّفْظِ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ، فَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَيَقَّنَ عَدَمُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: قَالَ لَهَا فِي رَمَضَانَ (قَبْلَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ: أَنْتِ طَالِقٌ) (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) طَلُقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ
، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَاعْتَنَى بِهِ (الْحَمَوِيُّ) وَخَرَّجَهَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ
، فَإِنَّا إنْ رَاعَيْنَا ظَوَاهِرَ الْأَخْبَارِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ، وَإِنْ رَاعَيْنَا أَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَمْ نُوقِعْ الطَّلَاقَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْوُقُوعُ بِإِمْضَاءِ سَنَةٍ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْأَخْبَارِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ.
الثَّالِثُ: مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالْأَصْلِ، وَإِلْغَاءِ الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ فَمِنْهُ: لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ ظَنَّهُ، فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَخَالَفَ الرَّافِعِيُّ هُنَا وَأَعْمَلَ ظَنَّ الطَّهَارَةِ وَسَبَقَ مَا فِيهِ.
وَمِنْهُ: لَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ
وَلَوْ ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ مَعَ طُولِ بَقَائِهَا مَعَ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَمْ يُوصِلْهَا النَّفَقَةَ
стр. 257
وَالْكِسْوَةَ الْوَاجِبَةَ فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهَا مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تُبْعِدُ ذَلِكَ جِدًّا
، وَمِنْهُ: لَوْ اخْتَلَطَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ، وَكَانَ الْحَرَامُ مَغْمُورًا، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ مُحْرِمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ، فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَ، مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، فَإِنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ.
وَمِنْهُ: لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةِ بَلَدٍ، أَوْ إنَاءُ بَوْلٍ بِأَوَانِي بَلَدٍ فَلَهُ أَخْذُ بَعْضِهَا بِلَا اجْتِهَادٍ قَطْعًا (وَإِلَى أَيِّ حَدٍّ) يَنْتَهِي؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ.
وَمِنْهُ لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ مُعْتَقِدًا بَكَارَتَهَا فَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِثُبُوتِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلُ لِجَوَازِ إزَالَتِهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْبَكَارَةُ.
وَمِنْهُ " الْمُتَبَايِعَانِ تَمْضِي عَلَيْهِمَا مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ تَلَازُمِهِمَا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّفَرُّقَ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُنْكِرُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي تَلَازُمِهَا وَلِلرَّافِعِيِّ فِيهِ بَحْثٌ.
وَمِنْهُ: الْمَدْيُونُ، إذَا عُرِفَ لَهُ مَالٌ قَطَعُوا بِحَبْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: وَكَانَ يَنْبَغِي، إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ، وَكَانَ ضَعِيفًا عَنْ الْكَسْبِ وَمَضَتْ مُدَّةٌ تَسْتَوْعِبُ نَفَقَتُهَا مَا عِنْدَهُ، (أَنَّهُ) لَا يُحْبَسُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ (يُنْفِقُ مَا) عَهِدْنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، قَالَ: وَهَذَا السُّؤَالُ مُشْكِلٌ جِدًّا (وَلَعَلَّ) اللَّهَ يُيَسِّرُ حَلَّهُ. قُلْت: وَهَذَا نَظِيرُ بَحْثِ الرَّافِعِيِّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
(وَمِنْهُ) : إذَا ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ امْتِدَادَ الطُّهْرِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَعَدَمَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَتُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِدَّةِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ (الْقَوِيِّ) .
стр. 258
وَمِنْهُ: لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ أَحْدَثَ يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ الْمُسْتَصْحَبِ (وَيُلْغَى) ظَنُّهُ، وَإِنْ أُسْنِدَ (لِظَاهِرٍ قَطَعُوا بِهِ) ، إلَّا أَنَّ الرَّافِعِيَّ اخْتَارَ فِي ظَنِّ الطَّهَارَةِ خِلَافَهُ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ وَمِنْهُ: لَوْ أَسْلَمَ فِي لَحْمٍ فَأَتَاهُ بِهِ عَلَى صِفَاتٍ السَّلَمِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا (لَحْمُ) مَيْتَةٍ لَا يَلْزَمُنِي قَبُولُهُ، وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، بَلْ مُذَكًّى فَعَلَيْك قَبُولُهُ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ قَطَعَ بِهِ (الزُّبَيْرِيُّ) فِي الْمُسْكِتِ، وَالْعَبَّادِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ وَالْهَرَوِيُّ فِي (الْإِشْرَافِ) قَالَ الْعَبَّادِيُّ: لِأَنَّ اللَّحْمَ فِي حَالِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ (وَالْأَصْلُ) بَقَاءُ تَحْرِيمِهِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الذَّكَاةُ الشَّرْعِيَّةُ.
قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ (لَحْمَ) مَيْتَةٍ، وَيَدَّعِي طَهَارَتَهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ الْمُلْقَى فِي (الْمِكْتَلِ) أَوْ خِرْقَةٌ بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَوْلَى وَقَدْ قَالُوا فِي الْمُكَاتَبِ إذَا أَتَى سَيِّدَهُ بِمَالٍ، فَقَالَ السَّيِّدُ: (هَذَا) حَرَامٌ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُكَاتَبُ بِيَمِينِهِ، أَنَّهُ حَلَالٌ،
стр. 259
وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: إمَّا أَنْ تَأْخُذَهُ أَوْ تُبْرِيَهُ وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلَوْ وَكَّلَ شَخْصًا فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ وَوَصَفَهَا فَاشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَاتَ الْوَكِيلُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْمُوَكِّلِ، لَمْ يَحِلَّ لِلْمُوَكِّلِ (وَطْؤُهَا) ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ، وَتَوْجِيهُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ (شِرَاءَ) الْوَكِيلِ الْجَارِيَةَ بِالصِّفَاتِ الْمُوَكَّلِ بِهَا ظَاهِرٌ فِي الْحِلِّ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ فَغَلَّبْنَاهُ.
وَمِنْهُ: لَوْ أَسْلَمَ (الْكَافِرُ) وَصَلَّى خَلْفَهُ رَجُلٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْإِمَامُ: كُنْتُ جَحَدْت الْإِسْلَامَ وَارْتَدَدْت قَالَ الطَّبَرِيُّ: فَإِنَّ (صَلَاةَ) الْمُؤْتَمِّ بِهِ لَا (تَبْطُلُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ مِنْهُ الْإِسْلَامَ لَمْ (يَنْزِلْ) عَنْ حُكْمِهِ، إلَّا (أَنْ) يَسْمَعَ مِنْهُ الْجُحُودَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ (حَالُ رَدَّةٍ وَحَالُ إسْلَامٍ) (وَصَلَّى) خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ فِي أَيِّ (حَالَتَيْهِ) صَلَّى، قَالَ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ: أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُعِيدَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْإِسْلَامُ.
وَمِنْهُ: لَوْ (تُنْجِبُ) شَاةٌ (سَخْلَةً) رَأْسُهَا (يُشْبِهُ) رَأْسَ (شَاةٍ) ، وَذَنَبُهَا يُشْبِهُ ذَنَبَ الْكَلْبِ،
فَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي (حُسَيْنٍ) أَنَّهَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّ فَحْلَهَا كَانَ كَلْبًا.
стр. 260
الرَّابِعُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْأَصْلِ فَمِنْهَا: لَوْ أَدْخَلَ الْكَلْبُ رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَشَكَّ هَلْ وَلَغَ فِيهِ أَمْ لَا، وَأَخْرَجَهُ وَفَمُهُ رَطْبٌ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ الْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُلُوغِ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ الَّتِي عَلَى فَمِهِ يَكَادُ يَقْطَعُ بِأَنَّهَا مِنْ الْمَاءِ، وَلَعَلَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا شَكَّ فِي أَنَّ الرُّطُوبَةَ الَّتِي عَلَى فَمِ الْكَلْبِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ، كَمَا إذَا شَاهَدْنَا رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَأَخْرَجَهُ وَعَلَى فَمِهِ رُطُوبَةٌ، وَأَمَّا لَوْ شَاهَدْنَا فَمَهُ يَابِسًا وَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ رَطْبًا، أَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ (وَسَمِعْنَاهُ) يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ، فَلَا وَجْهَ إلَّا الْقَطْعُ بِالنَّجَاسَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ الْمُصَلِّي فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ الْيَقِينُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: إنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَهُوَ قَوِيٌّ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّوَافِ: نَعَمْ، لَوْ طَافَ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ أَتَمَّ الْعَدَدَ فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِبَقَاءِ شَيْءٍ، فَالْأَقْرَبُ الرُّجُوعُ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُبْطِلُهُ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ اخْتَلَطَتْ تَمْرَةٌ حَلَالٌ بِتَمْرٍ (كَثِيرٍ) حَرَامٍ، أَوْ صَيْدٌ مُبَاحٌ بِصَيْدٍ
стр. 261
كَثِيرٍ مَمْلُوكٍ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ الْأَكْلُ مِنْ التَّمْرِ وَالصَّيْدِ؛ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ لِغَلَبَةِ الْحَرَامِ، وَنُدُورِ الْحَلَالِ، فَإِنْ كَثُرَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ عِنْدَ إنْسَانٍ، فَالْبَيْعُ مِنْهُ وَأَكْلُ مَالِهِ جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ (حَرَامًا) جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ أَيْضًا مَعَ الْكَرَاهَةِ، كَذَا قَطَعُوا (بِهِ) مَعَ حِكَايَتِهِمْ قَوْلَيْنِ: فِي غَلَبَةِ ظَنِّ النَّجَاسَةِ وَجَزَمُوا عِنْدَ ظَنِّ الْحَرَامِ الْكَثِيرِ بِجَوَازِ الْمُعَامَلَةِ، وَالْقِيَاسُ: إمَّا التَّسْوِيَةُ وَإِمَّا الْمَنْعُ مِنْهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ (تَعَالَى) (بِهَا) وَحَقِّ الْآدَمِيِّ، وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّمَا لَمْ يُجْرُوا هُنَا الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّا صَادَفْنَا أَصْلًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ فِي الْأَمْلَاكِ، وَهُوَ الْيَدُ فَاعْتَمَدْنَاهُ، بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ أَصْلًا يُعَارِضُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، إلَّا اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ. قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدِ فِي الْمُعَامَلَةِ يُعَارِضُهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ (الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْبَالِسِيُّ) : يَنْبَغِي تَخْرِيجُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ حَتَّى (لَوْ) بَاعَ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ الثَّمَنَ حَتَّى يَذْكُرَ جِهَتَهُ، وَكَذَلِكَ فِي طَعَامِهِ، لَوْ قَدَّمَهُ لَهُ ضِيَافَةً. قُلْت: قَدْ قَالَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الضِّيَافَةِ، فَقَالَ فِي الْوَلِيمَةِ: إذَا كَانَ الدَّاعِي إلَيْهَا فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ، لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، وَلَوْلَا اعْتِبَارُ ذَلِكَ لَمَا سَقَطَ عَنْهُ الْوَاجِبُ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ فِيهَا دُونَ قُلَّتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَ فِي الْبِئْرِ
стр. 262
فَأْرَةً، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا (بَعْدَ الْوُضُوءِ)
وَمِنْهَا: لَوْ صَلَّى (وَرَأَى) بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً، احْتَمَلَ وُقُوعُهَا بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، لَمْ يُعِدْ، وَلَوْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَلَمْ يَدْرِ مَتَى حَصَلَ لَهُ، قَالَ الْأَصْحَابُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ.
وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ، هَلْ صَلَّاهَا أَمْ لَا: قَالَ الرُّويَانِيُّ: إنْ كَانَ مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ، لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ضَبْطِ مَا (وَقَعَ) مِنْهُ فِي الْمَاضِي (وَيَعْسَرُ) عَلَيْهِ تَذَكُّرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ كَمَنْ شَكَّ فِي آخِرِ الْأُسْبُوعِ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ عَلَى مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ مُوَاظَبَةَ الصَّلَاةِ، أَمَّا مَنْ اعْتَادَ تَرْكَهَا أَوْ بَعْضَهَا، فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا (مُتَعَيَّنٌ) ، لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَمِنْهَا ثِيَابُ مُدْمِنِي النَّجَاسَاتِ وَطِينِ الشَّارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَةِ، وَالْمَقَابِرُ الَّتِي يَغْلِبُ (نَبْشُهَا) ، وَالْأَصَحُّ الطَّهَارَةُ.
وَلِطِينِ الشَّارِعِ أُصُولٌ يُبْنَى عَلَيْهَا: (أَحَدُهَا) مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. (ثَانِيهَا) : طَهَارَةُ الْأَرْضِ بِالْجَفَافِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ عَلَى الْقَدِيمِ.
стр. 263
ثَالِثُهَا) : طَهَارَةُ النَّجَاسَةِ بِالِاسْتِحَالَةِ إذَا اُسْتُهْلِكَتْ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَصَارَتْ طِينًا، وَأَمَّا الَّذِي يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ وَلَا يُتَيَقَّنُ طَهَارَتُهُ فَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ: إنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَخَالَفَهُمَا النَّوَوِيُّ (فَقَالَ) الْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ بَرِئَ مِنْ جِرَاحَتِهِ أَوْ مَاتَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا نَقَصَ لِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّوَائِدِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا (فَغَابَ) ثُمَّ (وَجَدَهُ) مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مَاتَ بِجِرَاحَتِهِ أَوْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ، فَالْوَاجِبُ جَزَاءٌ (كَامِلٌ) أَوْ ضَمَانُ الْجُرْحِ فَقَطْ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ (فَفِيهِ) قَوْلَانِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قُلْت: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ (لِأَنَّهُ) وُجِدَ سَبَبٌ يُمْكِنُ إحَالَةُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْجُرْحُ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ صَيْدًا وَغَابَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا يَحِلُّ أَكْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَلْنَنْظُرْ) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ (الصُّوَرِ) وَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الظَّبْيِ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا حَيْثُ أَحَالُوهُ عَلَى الْبَوْلِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ (لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ) وَقَدْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ إذَا غَابَ عَنْ الصَّيْدِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ ثُمَّ قَالَ: وَنَظِيرُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَاءِ أَنْ
стр. 264
يَبُولَ الظَّبْيُ فِيهِ وَلَا يَعْقُبُهُ التَّغَيُّرُ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَانٌ ثُمَّ يُوجَدُ مُتَغَيِّرًا (فَلَا) يُحْكَمُ بِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَنْ الْبَوْلِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ (﵀) قَالَ: وَلَا يُحْكَمُ (بِمَوْتِ) الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْهَا حَتَّى تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَرِيضًا مِنْهَا إلَى أَنْ مَاتَ فَالْمَسَائِلُ (الثَّلَاثُ) كُلُّهَا سَوَاءٌ (تَجْمَعُهَا نُكْتَةٌ) وَاحِدَةٌ انْتَهَى.
(وَمِنْهَا) : قَالَ: بِعْتُك الشَّجَرَةَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ، فَالثَّمَرَةُ لِي وَعَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي صُدِّقَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ لَكِنَّ الدَّارِمِيَّ قَالَ: إنَّهُمَا (يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ) .
(وَمِنْهَا) : لَوْ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: وَضَعَتْهُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ بَعْدَهُ قَالَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ النِّهَايَةِ: كَتَبَ (الْحَلِيمِيُّ) إلَى الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ، قُلْت: وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِي الْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا وَجْهَيْنِ
، (وَمِنْهَا) : لَوْ اخْتَلَفَ مَعَ مُكَاتَبَتِهِ فَقَالَتْ: (وَلَدْتُهُ) بَعْدَ الْكِتَابَةِ
стр. 265
فَمُكَاتَبٌ) مِثْلِي فَقَالَ السَّيِّدُ: بَلْ قَبْلَهَا صُدِّقَ السَّيِّدُ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَا: وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ ثُمَّ بَاعَهَا لَهُ وَوَلَدَتْ وَقَدْ كَاتَبَهُ، فَقَالَ السَّيِّدُ: وَلَدَتْ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ (قِنٌّ) لِي، وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بَلْ بَعْدَ (الشِّرَاءِ) فَمُكَاتَبٌ صُدِّقَ الْمُكَاتَبُ بِيَمِينِهِ، وَفَرَّقَا بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ هُنَا يَدَّعِي مِلْكَ الْوَلَدِ كَمَا سَبَقَ؛ (لِأَنَّ) وَلَدَ أَمَتِهِ مِلْكُهُ وَيَدُهُ مُقِرَّةٌ عَلَى هَذَا الْوَلَدِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَالْمُكَاتَبَةُ لَا تَدَّعِي الْمِلْكَ، بَلْ ثُبُوتَ حُكْمِ الْكِتَابَةِ فِيهِ.
تَنْبِيهَانِ (الْأَوَّلُ) : الْقَوْلَانِ فِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ. الْمُرَادُ بِالْغَالِبِ (غَلَبَةُ) الظَّنِّ لَا مِنْ جِهَةِ عَلَامَةٍ تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّيْءِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ أَصْلَ الْحِلِّ هَلْ يُزَالُ بِهِ كَالْخِلَافِ فِي (التَّطْهِيرِ) مِنْ أَوَانِي مُدْمِنِي الْخَمْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ وَفِي (طِينِ) الشَّوَارِعِ؟ أَعْنِي الْقَدْرَ الزَّائِدَ (عَلَى) مَا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَأَنَّ الْعَلَامَةَ إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِغَيْرِ التَّنَاوُلِ لَمْ (يَجِبْ) دَفْعُ الْأَصْلِ، فَأَمَّا إذَا اسْتَنَدَ غَلَبَةُ الظَّنِّ إلَى عَلَامَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ (بِعَيْنِ) الشَّيْءِ، وَجَبَ تَرْجِيحُ الْغَالِبِ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الظَّبْيَةِ، فَإِنَّ الْبَوْلَ الْمُشَاهَدَ دَلَالَةٌ (مُغَلِّبَةٌ) لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ بَانَ لَنَا أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْأَصْلِ ضَعِيفٌ وَلَا يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ مَعَ غَالِبِ الظَّنِّ ذَكَرَ هَذَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ.
стр. 266
الثَّانِي) : قَالَ (الْقَرَافِيُّ) (فِي) تَقْدِيمِ الْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ رُخْصَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ نَادِرَةٌ فِيمَا يَغْلِبُ نَجَاسَتُهُ، (وَإِذَا) كَانَ الْغَالِبُ النَّجَاسَةَ، فَتَرْكُهُ وَرَعٌ، وَأَمَّا عِنْدَ اسْتِوَاءِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَتَرْجِيحِ جَانِبِ الطَّهَارَةِ فَتَرْكُهُ وَسْوَاسٌ.
[تَعَارُضُ الْأَصْلَيْنِ]
ِ يَخْرُجُ فِيهِ قَوْلَانِ فِي كُلِّ صُورَةٍ. قَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: وَعَلَى الْمُجْتَهِدِ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ (فَلَا يُظَنُّ) أَنَّ تَقَابُلَ الْأَصْلَيْنِ يَمْنَعُ الْمُجْتَهِدَ مِنْ إخْرَاجِ الْحُكْمِ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَخَلَتْ الْوَاقِعَةُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ (تَعَالَى) ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، (وَقَالَ) الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا تَعَارَضَا (أَخَذْنَا) بِالْأَحْوَطِ؛ وَلِهَذَا لَوْ شَكَّ وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ هَلْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَمْ لَا أَتَمَّ الْجُمُعَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ، وَلَوْ شَكَّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا فِي بَقَاءِ الْوَقْتِ لَمْ يَجْمَعْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ، وَلَوْ رَمَى بِحَصَاةٍ وَشَكَّ أَنَّ حُصُولَهَا فِي الْمَرْمَى (بِالْأَسْبَابِ) أَوْ بِحَرَكَةِ
стр. 267
الْمَحَلِّ) فَهَلْ (يُحْسَبُ) ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَقَابُلِ (الْأَصْلَيْنِ) قَالَهُ فِي (الْمُهَذَّبِ) ، وَلَوْ قُدَّ مَلْفُوفًا وَزُعِمَ مَوْتُهُ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَإِنَّمَا (سَقَطَ) الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ، وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ (الْإِمَامَ) وَهُوَ رَاكِعٌ وَشَكَّ فِي إدْرَاكِ حَدِّ الْإِجْزَاءِ، فَهَلْ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرُّكُوعِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
وَلَوْ اتَّفَقَ الْمُتَرَاهِنَانِ عَلَى الْإِذْنِ وَالرُّجُوعِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: تَصَرَّفْت قَبْلَ الرُّجُوعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ (فِي الْأَصَحِّ) ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ تَقَابُلُ الْأَصْلَيْنِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ وَرَجَّحَ الْبَغَوِيّ السَّابِقَ لِلدَّعْوَى.
وَلَوْ قَبَضَ (عِوَضًا) مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ تَنَازَعَا فِي عَيْبٍ (يُمْكِنُ) الْحُدُوثُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَيِّهِمَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِتَقَابُلِ أَصْلَيْنِ السَّلَامَةِ وَاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ (الْخَرَاجِ)
، وَلَوْ رَأَى طَائِرًا فَقَالَ: إنْ لَمْ آخُذْ هَذَا الطَّائِرُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ: ثُمَّ اصْطَادَ طَائِرًا، وَزَعَمَ أَنَّهُ ذَلِكَ الطَّائِرُ، وَالنَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ الْحَالَ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَدَّعِيه مُحْتَمَلٌ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ نِكَاحِهِ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ أَنَا ذَلِكَ (أَيْضًا) وَاحْتَمَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: قَالَ: وَاَلَّذِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ الطَّائِرَ (وَأَنَّهُ
стр. 268
لَمْ تَبَرَّ) يَمِينُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقَعَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ (بَقَاءُ) النِّكَاحِ، (وَهَكَذَا) لَوْ قَالَ: فَعَبْدِي حُرٌّ هَلْ يُعْتَقُ عَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ؟
وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ فِي بُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ، أَوْ بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ؟ وَجْهَانِ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ الثَّانِيَ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ الْقِلَّةُ كَمَا إذَا كَانَ كَثِيرًا ثُمَّ نَقَصَ، وَشَكَّ فِي قَدْرِ الْبَاقِي مِنْهُ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ الْمُبْرِي.
(تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : قَدْ يَتَعَارَضُ أَصْلَانِ وَلَا (يَتَقَدَّمُ) أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، بَلْ يُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا كَالْعَبْدِ الْمُنْقَطِعِ الْخَبَرِ تَجِبُ فِطْرَتُهُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَمْ (يُجْزِئُهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ الذِّمَّةِ فَلَا (تَبْرَأُ) إلَّا بِيَقِينٍ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ (﵁) فِيمَا إذَا أَرَادَ جَمَاعَةٌ إنْشَاءَ قَرْيَةٍ لَا لِلسَّكَنِ - فَأُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةُ لَمْ يَجُزْ، وَنَصٌّ فِيمَا إذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ وَانْهَدَمَتْ وَأَقَامَ أَهْلُهَا لِبِنَائِهَا وَأُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةُ صَحَّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَنَظِيرُهُ، إذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ الْخُفَّ، وَأَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِ الْقَدَمِ إلَى مُسْتَقَرِّهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَنَصٌّ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهَا إلَى السَّاقِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا أَنَّهُ لَا (يَضُرُّ) ، فَلَهُ الْمَسْحُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
стр. 269
(وَلَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ، وَقَالَ: إنْ كُنْت مُحْدِثًا فَهَذَا يَرْفَعُهُ وَإِلَّا فَتَبَرُّدٌ صَحَّ، وَلَوْ كَانَ مُتَطَهِّرًا وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ وَقَالَ: ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، قَالَهُ الدَّارِمِيُّ) ، (وَإِذَا قُلْنَا: الْحَامِلُ تَحِيضُ فَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَالْمُتَحَيِّرَةُ تُجْعَلُ فِي الصَّلَاةِ طَاهِرًا وَفِي الْوَطْءِ حَائِضًا) .
وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ عَاشَرَهَا وَمَضَتْ (ثَلَاثَةُ) أَقْرَاءٍ انْقَضَتْ (عِدَّتُهَا) فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ دُونَ الرَّجْعِيِّ عَلَى أَشْبَهِ الْأَوْجُهِ قَالَ الْقَفَّالُ وَالْبَغَوِيُّ: وَلَا رَجْعَةَ لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَقْرَاءِ، وَإِنْ حَكَمْنَا بِأَنَّ الْعِدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ بِهَا (أَخَذْنَا) بِالِاحْتِيَاطِ (مِنْ الْجَانِبَيْنِ)
، وَلَوْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ (حَالَ) سَحَابٌ (فَلَمْ) يَدْرِ هَلْ انْجَلَتْ أَمْ لَا، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُسُوفِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَعَلَى عَكْسِهِ لَوْ كَانَ تَحْتَ (الْغَيْمِ) (فَظَنَّ) الْكُسُوفَ لَمْ (يُصَلِّ) حَتَّى يَسْتَيْقِنَ.
وَمِمَّا اُعْتُبِرَ فِيهِ الْأَصْلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ:
стр. 270
إذَا أَكَلْت الْهِرَّةُ فَأْرَةً، أَوْ نَجَاسَةً، ثُمَّ غَابَتْ، وَاحْتُمِلَ وُلُوغُهَا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ جَارٍ، ثُمَّ وَلَغَتْ فِي إنَاءٍ، لَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ فَمِهَا اسْتِصْحَابًا - لِلْأَصْلِ (فِيهَا) .
(وَمِنْهَا) : لَوْ وَجَدَ (شَعْرًا) (مُلْقًى) فِي خِرْقَةٍ، وَشَكَّ هَلْ هُوَ (مِنْ مُذَكَّاةٍ أَوْ مَيْتَةٍ) ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ، فَهُوَ طَاهِرٌ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْكُولٍ، فَنَجِسٌ، وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ (الْإِبَاحَةُ أَوْ الْحَظْرُ) ، (وَأَبْدَى) صَاحِبُ الْبَحْرِ احْتِمَالًا فِي نَجَاسَةِ الْمَأْكُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ فَصَلَ فِي حَيَاتِهِ أَمْ لَا (قَالَ) ، النَّوَوِيُّ: وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا طَهَارَتَهُ فِي الْحَيَاةِ، وَلَمْ يُعَارِضْهَا أَصْلٌ وَلَا ظَاهِرٌ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ لَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةً، وَفِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَمُسْلِمُونَ، فَنَجِسَةٌ، أَوْ مُسْلِمُونَ خَاصَّةً، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي خِرْقَةٍ أَوْ مِكْتَلٍ، فَطَاهِرَةٌ، أَوْ مُلْقَاةٍ عَلَى الْأَرْضِ، فَنَجِسَةٌ (انْتَهَى) ، وَيَنْبَغِي مَجِيءُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الشَّعْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخِذَ مِنْ مُذَكَّى الْمَجُوسِ كَانَ نَجِسًا، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ، لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الثَّالِثِ - فِيمَا قَطَعُوا فِيهِ بِالْأَصْلِ - مَسْأَلَةُ اللَّحْمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ: هُوَ مَيْتَةٌ، وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ: مُذَكًّى يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَاةِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّنْجِيسُ فِي اللَّحْمِ الْمُلْقَى فِي (مِكْتَلٍ) ، أَوْ خِرْقَةٍ بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ (لَا) تَتَحَقَّقُ، وَالْأَصْلُ الْحُرْمَةُ (وَالِاعْتِمَادُ) فِي الطَّهَارَةِ عَلَى رَبْطِهِ بِخِرْقَةٍ، أَوْ وَضْعِهِ
стр. 271
فِي مِكْتَلٍ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَدَعْوَاهُ الطَّهَارَةَ، هَذَا الْفَرْعُ لَا يُعَكِّرُ عَلَى مَسْأَلَةِ الشَّعْرِ، فَإِنَّ الشَّعْرَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، فَاسْتُصْحِبَ لَهُ هَذَا الْأَصْلُ، كَمَا اُسْتُصْحِبَ لِلَّحْمِ أَصْلُ التَّحْرِيمِ
وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّا، لَوْ وَجَدْنَا جِلْدًا مَدْبُوغًا وَلَمْ نَدْرِ هَلْ هُوَ جِلْدُ كَلْبٍ، أَوْ غَيْرِهِ أَوْ دَرَيْنَاهُ وَشَكَكْنَا فِي أَنَّهُ دُبِغَ أَمْ لَا فَوَجْهَانِ انْتَهَى. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّا إذَا تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ جِلْدُ مَيْتَةٍ، وَشَكَكْنَا فِي (دَبْغِهِ) كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ تَحَقَّقْنَا الدَّبْغَ وَشَكَكْنَا فِي (آلَتِهِ) فَالظَّاهِرُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الدَّبْغَ يَقَعُ بِالْأَشْيَاءِ (الْحِرِّيفَةِ) الْقَالِعَةِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ فِي جِهَةِ أَصْلٌ وَفِي جِهَةٍ أَصْلَانِ (فَمَالَ) ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى الْقَطْعِ (بِتَقْدِيمِ) ذِي الْأَصْلَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا لَوْ شَكَّ، هَلْ رَضَعَ (فِي حَوْلَيْنِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا تَحْرِيمَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ رَضَعَ) خَمْسَ رَضَعَاتٍ، أَوْ أَقَلَّ، فَلَا تَحْرِيمَ قَطْعًا، وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّ لِلْأُولَى (أَصْلًا) (وَهُوَ الْإِبَاحَةُ) فَلَا يُزَالُ بِالشَّكِّ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَوْلَيْنِ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ، فَلَهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، فَلَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ (فِيهِ) ، لَكِنَّ فِي إجْرَاء هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي تَرْجِيحِ ذِي الْأَصْلَيْنِ، أَمَّا الْجَزْمُ فَلَا، أَلَا تَرَى (إلَى صُوَرٍ) تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ مَعَ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَجَرَى فِيهَا الْخِلَافُ
стр. 272
مِنْهَا) أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ (الْمَرْهُونِ) فَبَاعَهُ (الرَّاهِنُ) ، وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ بَيْعِهِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ الرُّجُوعِ، وَيُعَارِضُهُ أَصْلَانِ: عَدَمُ الْبَيْعِ وَاسْتِمْرَارُ الرَّهْنِ وَقَدْ سَبَقَتْ.
وَمِنْهَا: لَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي مُوضِحَةٍ عَلَى حَقِّهِ، لَزِمَهُ قِصَاصُ الزِّيَادَةِ، هَذَا إذَا لَمْ يَزِدْ بِاضْطِرَابِ الْجَانِي، فَلَوْ زَادَ بِاضْطِرَابِهِ.
فَلَا غُرْمَ (وَلَوْ) قَالَ: تَوَلَّدَتْ الزِّيَادَةُ بِاضْطِرَابِك فَلَا غُرْمَ، فَأَنْكَرَ، فَفِي الْمُصَدَّقِ وَجْهَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالْأَصْلَ عَدَمُ الِاضْطِرَابِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَكَانَ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِتَصْدِيقِ الْمَشْجُوجِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي حَقِّهِ أَصْلَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ارْتِعَاشِهِ أَيْضًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الشَّاجِّ، (إلَّا أَصْلٌ) وَاحِدٌ، وَالْأَصْلَانِ مُقَدَّمَانِ عَلَى أَصْلٍ (وَاحِدٍ) ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: كَوْنُ الْأَصْلِ عَدَمَ ارْتِعَاشِ الْمَشْجُوجِ لَا يَسْتَلْزِمُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ، فَإِنَّهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ (مُتَعَمِّدٌ) لِلْفِعْلِ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْأَصْلِ، فَلَا يُرَجَّحُ بِهَذَا الْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ الْأَرْشِ، وَقَدْ نُوزِعَ فِي قَوْلِهِ: فِي الْمَشْجُوجِ أَصْلَانِ، بَلْ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَدَمُ اضْطِرَابِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ (مَسَّتْهُ) آلَةُ الْقِصَاصِ، (يَتَحَرَّكُ) بِالطَّبْعِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْمُدْيَةِ يُحَرِّكُهَا، وَالْبَهِيمَةُ تُحَرِّكُ حَلْقَهَا، فَحَصَلَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ بِتَحَامُلِهَا وَتَحْرِيكِ يَدِهِ، فَالْوَجْهُ التَّحْرِيمُ؛ لِاشْتِرَاكِ الْبَهِيمَةِ وَالذَّابِحِ.
الثَّالِثُ: إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ وَأَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَى
стр. 273
خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَصْلِ، لِعَارِضٍ (فَالْأَوَّلُ) أَوْلَى؛ لِمَا يَلْزَمُ (فِي الثَّانِي) مِنْ (مُخَالَفَتِهِ) مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، قَالَ: وَمِثْلُهُ: إذَا حَكَمَ الشَّارِعُ، بِأَنَّ أَثَرَ الدَّمِ (بَعْدَ الْغُسْلِ) ، لَا يَضُرُّ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَدْ (طَهُرَ) ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْعَفْوِ عَنْهُ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فَيُقَالَ: الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ مَعَ الْعَفْوِ مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ، فَإِنْ لَزِمَ مُخَالَفَةُ (أَصْلٍ) آخَرَ مِنْ الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ فَحِينَئِذٍ، يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ (وَالتَّرْجِيحِ) .
[تَعَارُضُ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ]
ِ يُقَدَّمُ الْحَظْرُ وَمِنْ ثَمَّ، لَوْ تَوَلَّدَ (الْحَيَوَانُ) مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ حُرِّمَ أَكْلُهُ، وَإِذَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ وَجَبَ الْجَزَاءُ تَغْلِيبًا، لِلتَّحْرِيمِ، وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ كَلْبٍ وَغَيْرِهِ، وَجَبَ التَّعْفِيرُ، وَهِيَ مِنْ قَاعِدَةِ (اجْتِمَاعِ) الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ.
[تَعَارُضُ الْوَاجِبِ وَالْمَحْظُورِ]
ِ يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ كَمَا، إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ وَجَبَ غُسْلُ الْجَمِيعِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ، (وَكَذَلِكَ) اخْتِلَاطُ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ غُسْلُ (الشَّهِيدِ
стр. 274
حَرَامًا) وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا.
وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا، (وَيُعْذَرُ) الْمُصَلِّي فِي التَّنَحْنُحِ، إذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ.
وَقَدْ يَتَعَارَضُ حَرَامَانِ يَتَوَقَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى وَاجِبٍ، كَإِحْرَامِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا كَشْفُ وَجْهِهَا، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِكَشْفِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ رَأْسِهَا إذَا أَرَادَتْ الصَّلَاةَ، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِسَتْرِ بَعْضِ الْوَجْهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: فَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا مُرَاعَاةُ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي السَّتْرِ، وَكَشْفُ الْوَجْهِ عَارِضٌ، وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا، إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي لَا يُمْكِنُهَا تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، إلَّا بِسَتْرِ بَعْضِهِ مِنْ الْوَجْهِ، فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا وَجَبَ عَلَيْهَا كَشْفُ جَمِيعِهِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، إلَّا بِكَشْفِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، فَيُكْشَفُ ذَلِكَ (الْقَدْرُ) أَيْضًا، فَلِمَ قَدَّمْتُمْ السَّتْرَ (عَلَى) الْكَشْفِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الرَّأْسَ يَجِبُ سَتْرُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي (جَمِيعِهِ) (وَفِي) الْوَجْهِ لِلنَّهْيِ عَنْ النِّقَابِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ السَّتْرِ، لَا يَكُونُ نِقَابًا، وَلَا فِي مَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ فَغَلَبَ حُكْمُهُ.
стр. 275
[تَعَارُضُ الْوَاجِبَيْنِ]
ِ يُقَدَّمُ آكَدُهُمَا فَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْعَيْنِ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الطَّوَافِ: قَطْعُ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ، لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَكْرُوهٌ، إذْ لَا يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ (لِفَرْضِ) الْكِفَايَةِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْكُسُوفِ: لَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ، قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِنَازَةَ؛ لِأَنَّ (لِلْجُمُعَةِ) بَدَلًا، وَقَالَ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَفَرِ الْجِهَادِ، إلَّا (بِإِذْنِ) الْمُدَايِنِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ الْفَرْضَ الْمُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَيَشْتَغِلَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ. قُلْت: وَكُلُّ هَذَا يَرُدُّ إطْلَاقَ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ (إسْقَاطِهِ الْحَرَجَ عَنْ الْأُمَّةِ) ، وَالْعَمَلُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ، وَمِنْ هَذَا لَيْسَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ الْجِهَادِ، (فَإِنَّهُ) لَا يَجُوزُ، إلَّا بِرِضَاهُمَا؛ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفَرْضُ (الْعَيْنِ) مُقَدَّمٌ.
نَعَمْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَالُوا: إنْ كَانَ مُتَعَيَّنًا فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ، (وَكَذَا، إنْ) كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ (عَلَى) الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِ يَدْفَعُ الْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ كَالْفَرْضِ الْمُتَعَيَّنِ.
стр. 276
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ أَنَّ الْجِهَادَ مَا دَامَ فَرْضَ كِفَايَةٍ، فَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَإِنْ صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِلْمُ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ. قُلْت: وَعَلَى الْأَوَّلِ (يَنْزِلُ) نَصُّ الشَّافِعِيِّ، الَّذِي حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ: لَيْسَ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرْضِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، قِيلَ (لَهُ) : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
(وَإِنْ) اجْتَمَعَ فَرْضَا عَيْنٍ، فَإِمَّا أَنْ (يَكُونَا) لِلَّهِ، أَوْ لَهُ وَلِآدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَا لِلَّهِ (تَعَالَى) ، قُدِّمَ آكَدُهُمَا؛ وَلِهَذَا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ (فَرِيضَةٍ) ، وَقَضَاءِ (الْفَائِتَةِ) كَانَ فَرْضُ الْوَقْتِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ (وَكُسُوفٌ) وَضَاقَ الْوَقْتُ يُصَلَّى الْعِيدُ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَى شِرَاءِ الثَّوْبِ وَالْمَاءِ، وَلَمْ يَقْدِرْ، إلَّا عَلَى أَحَدِهِمَا اشْتَرَى الثَّوْبَ وَيُقَدَّمُ مَا لَا يُتْرَكُ بِالْعُذْرِ أَلْبَتَّةَ، كَمَا لَوْ ابْتَلَعَ طَرَفَ خَيْطٍ بِاللَّيْلِ وَطَرَفُهُ الْآخَرِ خَارِجٌ، وَأَصْبَحَ كَذَلِكَ، فَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَزَعَهُ أَوْ ابْتَلَعَهُ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ فَقِيهٌ إلَى نَزْعِهِ وَهُوَ غَافِلٌ، (وَإِنْ) لَمْ يَتَّفِقْ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ بِنَزْعِهِ أَوْ ابْتِلَاعِهِ أَوْلَى، وَيَقْضِي الصَّوْمَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُتْرَكُ بِالْعُذْرِ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ مُحَافَظَةً عَلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مَرَّةٌ فِي السَّنَةِ، وَيُصَلِّي لِلضَّرُورَةِ وَيَقْضِي الصَّلَاةَ، وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا،
стр. 277
وَتَجْرِي هَذِهِ الْأَوْجُهُ فِي الْمَرْأَةِ، فَإِذَا قُلْنَا: يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ فَرْجِهَا، إذَا انْتَشَرَ بَوْلُهَا إلَيْهِ وَتَجْفِيفُهُ.
هَكَذَا (رَجَّحُوا) هُنَا تَقْرِيمَ الصَّلَاةِ وَقَدَّمُوا الصَّوْمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا حَشْوُ الْفَرْجِ بِقُطْنٍ، إلَّا إذَا كَانَتْ صَائِمَةً. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّجَ الْمُقَدَّمُ مِنْهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْأَصَحُّ فِيهِ مُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ، يَعْنِي وَلَيْسَ هُنَا كَذَلِكَ، ثُمَّ فَرَّقَ بِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَالظَّاهِرُ (دَوَامُهَا) فَلَوْ رَاعَيْنَا الصَّلَاةَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلِّي (الثَّلَاثَ) صَلَوَاتٍ النَّهَارِيَّةِ وَتَحْشُو لِكُلٍّ دَائِمًا، فَلَا يُتَصَوَّرُ (مِنْهَا) الصَّوْمُ وَالْقَضَاءُ مُتَيَسِّرٌ كُلَّ وَقْتٍ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمَحْذُورَ هُنَا (مَعَ الْحَشْوِ) (يَخِفُّ) ، وَلَا يَنْتَفِي بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَإِنَّ الْحَشْوَ (يَتَنَجَّسُ) (وَهِيَ حَامِلَتُهُ) ، وَهُنَاكَ يَنْتَفِي بِالْكُلِّيَّةِ. قُلْت: إنَّمَا لَمْ يُخَرِّجُوا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْخِلَافَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ (يُوجَدْ مِنْهَا) تَقْصِيرٌ (فَخُفِّفَ) عَنْهَا أَمْرُهَا (فَصَحَّتْ)
стр. 278
الْعِبَادَتَانِ مِنْهَا) قَطْعًا، كَمَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا مَعَ النَّجَاسَةِ، وَالْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلضَّرُورَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ، (وَيَشُقُّ) بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَيْطِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ، إلَّا نَادِرًا.
وَقَالُوا فِي الْمُحْرِمِ: إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ، امْتَنَعَ، عَلَيْهِ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فَعَلَى (الْأَصَحِّ) قِيلَ: يُصَلِّي بِالْأَرْضِ مُطَمْئِنًا، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَعَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِمَا إذَا عَلِمَ فَوْتَ الْكُلِّ، فَلَوْ عَلِمَ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ، فَعَلَيْهِ الصَّبْرُ إلَى الْمَوْقِفِ، وَيُصَلِّي رَكْعَةً فِي الْمَوْقِفِ، وَلَوْ كَانَ إذَا صَلَّى قَائِمًا لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلُهُ، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا اسْتَمْسَكَ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي التَّحْقِيقِ يُصَلِّي قَاعِدًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ قَاعِدًا مَعَ الطَّهَارَةِ أَوْلَى.
وَلَوْ حُبِسَ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ وَمَعَهُ ثَوْبٌ، إنْ بَسَطَهُ صَلَّى عُرْيَانًا قَالُوا: يَبْسُطهُ وَيُصَلِّي عُرْيَانًا فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ كَانَ الْمُحْدِثُ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَوَجَدَ (مَاءً يَكْفِي) أَحَدَهُمَا قَدَّمَ (النَّجَاسَةَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ، وَلَوْ شَرِبَ مُسْكِرًا فِي (رَمَضَانَ) وَأَصْبَحَ صَائِمًا تَعَارَضَ وَاجِبَانِ، إنْ قُلْنَا: يَجِبُ الِاسْتِقَاءَةُ.
стр. 279
وَلَوْ كَانَ الْمُحْرِمُ عَلَى بَدَنِهِ طِيبٌ وَمَعَهُ (مَا يَكْفِيه) لِوُضُوئِهِ، وَجَبَ إزَالَةُ الطِّيبِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ كَالنَّجَاسَةِ، قَالَ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (﵁) ، وَلَوْ وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا إنْ غَسَلَهُ (بِهِ) لَمْ يَكْفِهِ لِوُضُوئِهِ غَسَلَهُ بِهِ (وَيَتَيَمَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِهِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ، وَهَذَا مُرَخَّصٌ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ، إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً انْتَهَى.
(وَإِنْ) كَانَ الْحَقَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِآدَمِيٍّ، قُدِّمَ الْمُضَيَّقُ؛ وَلِهَذَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ أَدَاءِ صَوْمِ (رَمَضَانَ) .
وَكَذَا مِنْ قَضَائِهِ، إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَمِنْهُ حَجُّ الْفَرْضِ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ: نَعَمْ إنْ لَمْ يَمْتَدَّ زَمَنُ الْمُوَسَّعِ كَالصَّلَاةِ آخِرَ الْوَقْتِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ.
وَحَكَى الْجِيلِيُّ: إنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَهُوَ بِأَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ لَوْ خَرَجَ مِنْهَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ أَنَّهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ.
وَلَوْ تَعَيَّنَ الْجِهَادُ عَلَى مَنْ لَهُ أَبَوَانِ سَقَطَ إذْنُهُمَا.
وَلَوْ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ، قُدِّمَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اجْتَمَعَ الْحَجُّ وَالدَّيْنُ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اجْتَمَعَ جِزْيَةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ حَيْثُ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الْجِزْيَةِ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهَا أُجْرَةُ الدَّارِ؛ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ
стр. 280
السَّنَةِ، وَجَبَ الْقِسْطُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَالزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْمَرْهُونِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ.
[تَعَارُضُ السُّنَّتَيْنِ]
ِ (إنْ) كَانَا نَفْسَ الْعِبَادَةِ لَمْ يَكُنْ، (لِإِحْدَاهُمَا) مِزْيَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَتْ (إحْدَاهُمَا) فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَالْأُخْرَى مَحَلَّهَا قُدِّمَتْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ جَمَاعَةً فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ الْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ (لِلطَّائِفِ فَضِيلَةٌ) فِي مَحَلِّ الْعِبَادَةِ، وَالرَّمَلُ فِي نَفْسِهَا، فَإِذَا حَصَلَ زِحَامٌ تَبَاعَدَ مِنْ الْبَيْتِ وَرَمَلَ، وَلَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي (الثَّلَاثَةِ) الْأُوَلِ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِيهَا سُنَّةٌ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِهَا، وَلَا يُشْرَعُ تَرْكُ سُنَّةٍ فِي عِبَادَةٍ؛ لِأَجْلِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّنَّتَيْنِ هُنَا فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَكُنْ، (لِإِحْدَاهُمَا) مَزِيَّةٌ عَلَى الْأُخْرَى، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَصَدَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ قَالَ النَّوَوِيُّ (فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) : الَّذِي أَرَاهُ تَحْصِيلُ الصَّفِّ (الْأَوَّلِ) ، إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ.
стр. 281
[تَعَارُضُ فَضِيلَتَيْنِ يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا]
لَوْ تَعَارَضَ الْبُكُورُ إلَى الْجُمُعَةِ، بِلَا غُسْلٍ (وَتَأْخِيرُهُ) مَعَ الْغُسْلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْغُسْلِ أَوْلَى لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ.
وَلَوْ تَعَارَضَ فَضِيلَةُ سَمَاعِ (الْقُرْآنِ مِنْ الْإِمَامِ) مَعَ قِلَّةِ الْجَمَاعَةِ وَعَدَمِ سَمَاعِهِ مَعَ كَثْرَتِهَا، فَالظَّاهِرُ تَفْضِيلُ الْأَوَّلِ
، وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، لَوْ أَتَى بِسُنَنِ الْوُضُوءِ، فَفِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَوْلَى، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا هَذَا فِي الْجَمَاعَةِ، أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي إذَا خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (فَيَجِبُ) عَلَيْهِ لِيُدْرِكَ الْجُمُعَةَ.
وَلَوْ مَلَكَ عَقَارًا وَأَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهُ، فَهَلْ الْأَوْلَى الصَّدَقَةُ بِهِ حَالًا أَمْ (وَقْفُهُ؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ وَحَاجَةٍ فَتَعْجِيلُ) الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ وَقْفُهُ، وَلَعَلَّ الْوَقْفَ أَوْلَى لِكَثْرَةِ (جَدْوَاهُ) ، وَأَطْلَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْمَطْلَبِ تَقْدِيمَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ بِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ حَظِّ النَّفْسِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ.
وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا وَرَأَى جَمَاعَةً يُصَلُّونَ إتْمَامًا فَهَلْ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُصَلِّيَ قَصْرًا مُنْفَرِدًا أَوْ يُصَلِّي جَمَاعَةً إتْمَامًا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً إتْمَامًا فَإِنَّ النَّوَوِيَّ نَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (﵀) إنَّمَا يُوجِبُ الْقَصْرَ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِمُتِمٍّ (فَإِنْ) اقْتَدَى بِهِ جَازَ لَهُ الْإِتْمَامُ وَالْقَصْرُ.
стр. 282
وَلَوْ تَيَقَّنَ فَاقِدُ الْمَاءِ وُجُودَهُ آخِرِ الْوَقْتِ، فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي، لَا، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا قَالُوا: الصَّلَاةُ بِالْوُضُوءِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ. كَانَ إذَا قَدَّمَهَا بِالتَّيَمُّمِ صَلَّاهَا جَمَاعَةً، وَإِذَا أَخَّرَهَا صَلَّاهَا بِالْوُضُوءِ مُنْفَرِدًا، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ.
وَلَوْ تَعَارَضَ الْإِتْيَانُ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا وَالْإِتْيَانُ بِهَا آخِرَهُ جَمَاعَةً (فَقَالَ) أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ وَأَكْثَرُ الْمَرَاوِزَةِ (بِأَفْضَلِيَّةِ) التَّقْدِيمِ، وَتَوَسَّطَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: يَنْبَغِي إنْ فَحُشَ التَّأْخِيرُ فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ، وَإِنْ (خَفَّ) فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، أَمَّا لَوْ تَحَقَّقَهَا آخِرَ الْوَقْتِ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ فَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ، كَذَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ إذَا رَجَا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ آخِرَ الْوَقْتِ وَالْعَارِي إذَا (رَجَا السُّتْرَةَ) آخِرَ الْوَقْتِ.
[تَعَارُضُ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ]
ِ، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الْمَسْنُونِ يُتْرَكُ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ كَمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ (عَنْ) تَكْرَارِ الْأَعْضَاءِ فِي الطَّهَارَةِ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِي لِوُضُوئِهِ وَهُوَ عَطْشَانُ وَلَوْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ لَمْ يَفْضُلْ لِلْعَطَشِ شَيْءٌ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبِ لَفَضَلَ لِلْعَطَشِ قَالَهُ الْجِيلِيُّ.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ (ثَلَاثًا) لَمْ يَكْفِهِ الْمَاءُ قَالَ: يَجِبُ أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً فَلَوْ غَسَلَ (ثَلَاثًا) فَلَمْ يَكْفِ يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ فِي غَرَضِ
стр. 283
التَّثْلِيثِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْكَنَ الْمَرِيضُ الصَّلَاةَ قَائِمًا بِالْفَاتِحَةِ، فَصَلَّى قَاعِدًا بِالسُّورَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْتَهَى.
وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيه وَقُلْنَا: يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ حُرِّمَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ كَالتَّثْلِيثِ.
وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَتَى بِهَا لَأَدْرَكَ (الرَّكْعَةَ) ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى (الْوَاجِبِ) لَأَوْقَعَ الْجَمِيعَ فِي الْوَقْتِ (قَالَ) : فَأَمَّا السُّنَنُ الَّتِي تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ فَلَا شَكَّ (فِي الْإِتْيَانِ) بِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا، فَالظَّاهِرُ الْإِتْيَانُ بِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ (الصِّدِّيقَ) (﵁) كَانَ يُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ فِي الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهَا إلَّا إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ (٢٥٩) فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُلَبِّيَ يَرُدُّ السَّلَامَ فِي تَلْبِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ حَكَاهُ فِي التَّهْذِيبِ.
تَنْبِيهٌ الْخِلَافُ فِي (التَّفْضِيلِ) بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالطَّوَافِ لَا يَتَحَقَّقُ، فَإِنَّ التَّفْضِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ مُتَجَانِسَيْنِ كَمَنْدُوبَيْنِ وَلَا تَفْضِيلَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ
стр. 284
الْعُمْرَةَ لَا تَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ لِمَنْ اعْتَمَرُوا، فَرْضَ عَيْنٍ لِمَنْ لَمْ يَعْتَمِرْ وَالْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ الْمَسْنُونِ فَكَيْفَ جَاءَ الْخِلَافُ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ إحْيَاءَ الْكَعْبَةِ (بِالْعُمْرَةِ) لَيْسَ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ.
[تَعَارُضُ الْمَسْنُونِ وَالْمَمْنُوعِ]
كَالْمُحْرِمِ يَتَوَضَّأُ هَلْ يَأْتِي بِسُنَّةِ تَخْلِيلِ الشَّعْرِ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِ الْحَجِّ: لَا يُخَلِّلُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَسَاقُطِ الشَّعْرِ وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ كَمَا تُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ.
[تَعَارُضُ الْمَانِعِ وَالْمُقْتَضِي]
يُقَدَّمُ الْمَانِعُ؛ (وَلِهَذَا) لَوْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ سَقَطَ الشَّطْرُ وَلَوْ ارْتَدَّا مَعًا يَشْطُرُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمُتْعَةِ
(وَمِنْهَا) : لَوْ اسْتَشْهَدَ الْجُنُبُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ اسْتَاكَ الصَّائِمُ لِتَغَيُّرِ فَمِهِ بِسَبَبٍ غَيْرِ الصَّوْمِ (قَالَ) الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَا يُكْرَهُ وَالْقِيَاسُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْكَرَاهَةُ.
[تَعَارُضُ الْمَفْسَدَتَيْنِ]
(قَاعِدَةٌ) تَعَارُضُ الْمَفْسَدَتَيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَجْمَعُوا عَلَى دَفْعِ الْعُظْمَى فِي ارْتِكَابِ الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ تُدْرَأَ أَعْظَمُ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا إذَا تَعَيَّنَ
стр. 285
وُقُوعُ (إحْدَاهُمَا) بِدَلِيلِ (حَدِيثِ «بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ لَمَّا نَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَجْرِهِ» ) وَأَنْ يَحْصُلَ أَعْظَمُ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَرْكِ أَخَفِّهِمَا إذَا تَعَيَّنَ عَدَمُ (إحْدَاهُمَا) قَالَ وَأَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ وَوُجِدَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ (إذَا) تَعَارَضَ مَصْلَحَتَانِ حَصَلَتْ الْعُلْيَا مِنْهُمَا بِتَفْوِيتِ الدُّنْيَا قَالَ: وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ نَزَلَ عَلَى بَلَدٍ (وَخَافَ) أَهْلُهُ مِنْ اسْتِئْصَالِهِمْ وَسَأَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مَالَ فُلَانٍ أَوْ امْرَأَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ مُفْسِدَةَ الْوَاحِدِ (أَخَفُّ مِنْ مُفْسِدَةِ الْجَمِيعِ) .
وَأَجَابَ بِأَنَّ مَصَالِحَ الشَّرْعِ وَمَفَاسِدَهُ مِنْهَا مَا عُلِمَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ وَمِنْهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ، كَالتَّعَبُّدَاتِ فَهَذَا مِمَّا لَمْ يُعْلَمْ مَفْسَدَتُهُ وَيَجِبُ أَنْ (نَعْتَقِدَ) أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي قُدِّمَتْ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ غَيْرُ مَفْسَدَةِ مَالِ فُلَانٍ وَزَوْجَتِهِ عَمَلًا (بِعَادَةِ)
следующие страницы →